← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد … إلى أن قال: الله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا؛ فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة" (١).

стр. 387

المطلب الثامن: دعوى تناقض الإمام في شرط قيام الحجة وفهمها (١) من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى تناقض الإمام في الأمر الذي يكفر به الجاهل، وهل يشترط قيام الحجة أو فهمها. يقول الحسن بن علي الكتاني بعد أن نقل عن الشيخ بعض أقواله في العذر بالجهل: "فهذه أهم نقول الشيخ في العذر بالجهل، وهي واضحة في أنه يقول بالعذر في أصل الدين. أما كيفية هذه الحجة التي تقوم على الجاهل فكلامه فيها يبين أنه ضيق جداً فيها، ومع أنه واضح الاختلاف عن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه يحاول أن يبين أنه موافق له. ولكن هيهات. فإن كلام ابن تيمية صريح غير مختلف، كما أن قرائن واقع الحال تدل على أنه يكاد يجعل هذه المسائل مما يعذر فيها بالتأويل وهو عنده فرع عن الجهل. قال ابن عبد الوهاب: (وأصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر. فإذا أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» (٢)، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها) (٣) … ثم قال: " ويقول ابن عبد الوهاب كذلك: (من المعلوم أن قيام الحجة ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ

стр. 388

أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]) (١). وأوضح من هذا وأشد ما جاء في رسالة ابن عبد الوهاب لبعض أصحابه لما وقفوا على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فرأوه يخالف ما هم عليه من التسرع في التكفير وتضييق العذر بالجهل، فقال لهم: (ما ذكرتموه من كلام الشيخ (كل من جحد كذا وكذا) وأنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة؟ أم لا؟ فهذا من العجب العجاب، كيف تشكون في هذا وقد وضحت لكم مراراً أن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام أو الذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسائل خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين التي وضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة) (٢) " (٣). ويقول أيضاً: "وعند النجديين كلام كثير في التفريق بين بلوغ الحجة وفهمها، فعندهم مجرد بلوغ الحجة كافية لإقامتها على الواقع في الكفر، بل منهم من يعد مجرد بلوغ آيات القرآن كافية في ذلك. وهم يُقِيمون عامة المسلمين الجهال أو علماءهم المتأولين من الأشاعرة والمتصوفين فضلاً عن غيرهم، مقام العرب الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، فإن النبي صلوات ربي وسلامه عليه يقول: «والله لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كبّه الله في النار» (٤) ". ثم قال: "والمشركون وغيرهم من سائر طوائف الكفر إنما قامت عليهم الحجة برسول الله ﷺ ومن قبله من الأنبياء أنهم كانوا مؤيدين بالمعجزات والبراهين القاطعة، كما قال النبي ﷺ : «ما من نبي إلا قد أوتي ما على مثله آمن الناس، ولقد كان ما أوتيته وحياً يتلى» (٥). وليس

стр. 389

كذلك حال مسلم متلبس بأمور شركية قد شاب عليها الصغير وهرم عليها الكبير، وجماهير علماء القرون المتأخرة لا يشددون فيها، ثم يأتي عالم أو طالب علم فينصح الناس فينكرون عليه إما لأنه لم يحسن أسلوب النصح أو لم يحسن في توضيحه حجته، أو أن مقابله له حجج وشبه لم تُحل، أو يقلد عالماً كبيراً على خطئه، أو عنده غباء وبلادة لم يفهم معها الحجة. فكيف يقال مع هذا إن مجرد قراءة القرآن كافية في إقامة الحجة؟! هذا ما قاله أحد من قبل، فإنه لا يوجد أحد من المسلمين ينكر القرآن، إنما الشأن في فهم حجته ودلالته على المطلوب" (١). ويقول رعد النعيمي البغدادي - بعد أن نقل كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في بيان أن قيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وأن الإشكال عندهم في عدم التفريق بين قيام الحجة وفهم الحجة -: "القول بأن قيام الحجة لا يتضمن فهمها، بل هو مجرد بلوغها قول غير صحيح من وجوه: الأول: فهم الحجة نوعان: الأول: هو فهم معناها ومقصودها وهو فهم التبيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. ولا شك أن عدم الفهم ينافي المقصود من التبيين الذي أرسلت به الرسل. والنوع الثاني: هو فهم الهداية والتوفيق، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإراء: ٤٥]، وقوله تعالى:

стр. 390

﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] " (١). ثم قال: "وأحسب أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه من المشايخ الكرام ممن لم يعتبروا هذه القاعدة صحيحة التطبيق على من يقع من المسلمين في أفعال الشرك، أقول هم لم يطلعوا على أقوال شيخ الإسلام في ذلك وأحسب أنهم لو اطلعوا عليها لذهبوا مذهب شيخ الإسلام حيث إنهم جميعاً يقررون أن مرجعيتهم العلمية في فهم عقيدة السلف الصالح هي القواعد التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " (٢). وقال في موضع أخر: "ومن الملاحظ أن كل الأقوال التي نقلها الكاتب - يعني كتاب ضوابط تكفير المعين- عن علماء الدعوة تخلط بين الفهم في النوعين، وتجعل فهم الهداية هو فهم التبيين، وهذا خطأ بيّن لا جدال فيه، وإلا لما كان هناك حاجة لا إلى اشتراط العقل في التكليف، ولا إلى اشتراط اللغة في الرسالة" (٣). حقيقة هذه الدعوى: هذه الدعوى متعلقة بتكفير المعين، فإن قيام الحجة أحد شروط تكفير المعين، ولا بد من معرفة حدود هذه الحجة التي يكفر من قامت عليه، هل هو بلوغها؟ أو لابد من فهمها؟؛ لئلا يكفر من لم يكفره الله ورسوله، أو يعذر بفعل الكفر من لم يعذره الله ورسوله. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: معنى إقامة الحجة: تبليغ الدليل لمن لم يبلغه أو خفى عليه، وتوضيحه وتفهيمه لمن

стр. 391

بلغه وتأوله تأويلا فاسدا بشبهة أو بفهم خاطئ (١)، وبسب الإجمال الواقع في هذه الكلمة (فهم الحجة من عدمها) حصل الإشكال عند المناوئين لدعوة الإمام حيث إن لها مفهومين، يختلف حكم كل مفهوم فيه عن الآخر. قال الشيخ صالح آل الشيخ- حفظه الله-: "فهم الحجة على قسمين: يراد بفهم الحجة فهم معاني الأدلة، فهذا لا بد منه، فلا يُكتفى في إقامة الحجة على أعجمي لا يفهم اللغة العربية بأن تُتلى عليه آية باللغة العربية، وهو لا يفهم معناها، ويقال قد بلغه القرآن والله يقول: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، هذا ليس بكافٍ، لا بد أن تكون الحجة بلسان من أقيمت عليه ليفهم المعنى، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. المعنى الثاني لفهم الحجة: أن يَفهم كون هذه الحجة أرجح من شبهته التي عنده. المشركون عندهم علم، وعندهم كتب، وعندهم حجج كما أخبر الله في كتابه. ففهم حجة الرسول، وفهم القرآن، وفهم حجة النبي العقلية التي أدلى بها عليهم بعد الوحي، هذه معناها أن يفهموا المعنى. إذا كانوا هم فهموا المعنى؛ لكن مثل ما يقول القائل: ما اقتنع أن هذه الحجة أقوى من الشبهة التي عنده، فهذا ليس بشرط" (٢). وقال أيضا: "وتحقيق المقام هنا … أن فهم الحجة نوعان: النوع الأول: فهم لسان. والنوع الثاني: فهم احتجاج. أما فهم اللسان؛ فهذا ليس الكلام فيه فإنه شرط في بلوغ الحجة لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، والله جل وعلا جعل هذا القرآن عربيا لتقوم الحجة به على من يفقه اللسان العربي … والنوع الثاني من فهم الحجة: هو فهم احتجاج، يفهم أن تكون هذه الحجة التي في

стр. 392

الكتاب والسنة حجة التوحيد أو في غيره أرجح وأقوى وأظهر وأبين أو هي الحجة الداحضة لحجج الآخرين، وهذا النوع لا يشترط؛ لأنه جل وعلا بين لنا وأخبر أن المشركين لم يفقهوا الحجة فقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤]، فهم لا يسمعون سمَعَ فائدة، وإن سمعوا سمَعَ أُذُن ولا يستطيعون أن يسمعوا سَمَع الفائدة؛ وإن كانوا يسمعون سَمَع الأذن، وقد قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ حتى وصفهم بأنهم يستمعون وليس فقط يسمعون بل يستمعون يعني ينصتون ومع ذلك نفى عنهم السمع بقوله: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وبقوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقوله جل وعلا في سورة تبارك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠] " (١). فالنصوص الشرعية تدل على أنهم فهموا معاني الآيات؛ ولكنهم اعرضوا عنها تكبرا وعنادا ورغبة عن الحق، فعاقبهم الله بسب إعراضهم (٢)، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨]. ثانيا: أن منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة التفريق بين قيام الحجة وفهم الحجة، وكذا التفريق بين المسائل الخفية والمسائل الظاهرة (٣)، وسبق بيان ذلك في الدعوى

стр. 393

السابعة من هذا الفصل، وقد قال أيضا ﵀: "فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف، والعطف، فلا يكفر حتى يُعرَّف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله، وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤] " (١). ثالثا: أن الله أخبر عن الكفار أن سبب أعراضهم عن الدين هو الطغيان وليس عدم فهم الحجة، وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم يتميز لهم معرفة الحق من الباطل (٢)، فقال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾ [الطور: ٣٢]، قال ابن جرير ﵀: " يقول تعالى ذكره: أتأمر هؤلاء المشركين أحلامهم بأن يقولوا لمحمد ﷺ : هو شاعر، وأن ما جاء به شعر ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، يقول جلّ ثناؤه: ما تأمرهم بذلك أحلامهم وعقولهم بل ﴿هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قد طغوا على ربهم، فتجاوزوا ما أذن لهم، وأمرهم به من الإيمان إلى الكفر به" (٣). قال الزجاج ﵀: "والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدلائل، أم يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق؟! " (٤). وهذا نص صريح في أن المراد ترك القبول للحق طغيانا وليس عن عدم فهم الحجة. وقال القرطبي ﵀: " (أم) بمعنى بل، أي بل كفروا طغيانا وإن ظهر لهم الحق. وقيل

стр. 394

لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ فقال: تلك عقول كادها الله، أي لم يصحبها بالتوفيق. وقيل: ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾ أي أذهانهم، لأن العقل لا يعطى للكافر ولو كان له عقل لآمن. وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة. والذهن يقبل العلم جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي" (١). ولذلك لما دعاهم النبي ﷺ إلى قول "لا إله إلا الله" عرفوا معناها، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] (٢). وهود ﵊ لما دعا قومه، وقال لهم: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥]، عرفوا معناها، وقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف: ٧٠]. والآيات في هذا كثيرة، تدل على أن المشركين فهموا خطاب الأنبياء، ولكنهم لم يستجيبوا لهم. رابعا: أن الإمام ﵀ لا ينفي في قيام الحجة اشتراط الفهم الناشاء عن العجز مع بذل الوسع الذي اشترطه العلماء لقيام الحجة، وإنما ينفي في قيام الحجه اشتراط فهم الانتفاع الناشئ عن الإعراض عن النصوص، والتفريط فى طلب الحق، واتباع الهوى (٣). قال ابن حزم ﵀ بعد أن ذكر من وقع في المخالفة الكفرية: " إن كان جاهلا أو متاولا فهو معذور لا شيء عليه ويجب تعليمه، فإذا قامت عليه الحجة من القرآن والسنن فخالف ما فيهما عنادا فهو كافر يحكم عليه بحكم المرتد. وأما من قال أن الله هو فلان لإنسان بعينه أو أن الله تعالى يحل في جسم من أجسام خلقه أو أن بعد محمد ﷺ نبيا غير عيسى بن مريم ﵊ فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره؛ لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد، ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقوم الحجة

стр. 395

عليه" (١). فانظر قوله: "ولو أمكن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغة قط خلافه" فجعل الجهل مع العجز عن إزالته مانع من تكفيره حتى تقوم عليه الحجة. وقال ابن العربي المالكي ﵀: " فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً وكافراً؛ فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى يتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله" (٢). فاشترط في قيام الحجة البيان الواضح الذي لا لبس فيه. وقد ذكر ابن القيم ﵀ فرقا بين عاجز محب للهدى، غير قادر عليه، ولا على طلبه، وبين عاجز معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فقال: "وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق، فالأول: كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزاً وجهلاً. والثاني: كمن لم يطلبه بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عَجْز الطالب وعَجْز المعرض، فتأمل هذا الموضع" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "العذر لا يكون عذرا إلا مع العجز عن إزالته وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيها لم يكن معذورا" (٤). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀: "وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة، إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان، والقبول، والانقياد لما جاء به الرسول ﷺ " (٥). وقال الشيخ حمد بن معمر ﵀: "وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها فهماً جلياً كما

стр. 396

يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره" (١). خامسا: أنه لا يشترط في فهم الحجةِ أن يكونَ كفهمِ أبي بكر ﵁، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥، ٤٦]، قال ابن القيم ﵀: "فأخبر سبحانه أنه منعهم فقه كلامه - وهو الادراك الذى ينتفع به من فقهه - ولم يكن ذلك مانعاً لهم من الإدراك الذي تقوم به الحجة عليهم، فإنهم لو لم يفهموه جملة؛ ما ولّوا على أدبارهم نفوراً عند ذكر توحيد الله، فلما ولوا عند ذكر التوحيد دل على أنهم كانوا يفهمون الخطاب، وأن الذى غشى قلوبهم كالذي غشى آذانهم، ومعلوم أنهم لم يعدموا السمع جملة ويصيروا كالأصم، ولذلك ينفي سبحانه عنهم السمع تارة، ويثبته أخرى، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠]، فهذا السمع المنفي عنهم سمع الفهم، والفقه، والمعنى، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]: سمعاً ينتفعون به، وهو فقه المعنى وعقله، وإلا فقد سمعوه سمعاً تقوم به عليهم الحجة، ولكن لما سمعوه مع شدة بغضه، وكراهته، ونفرتهم عنه لم يفهموه، ولم يعقلوه، والرجل إذا اشتدت كراهته للكلام ونفرته عنه لم يفهم ما يراد به، فينزل منزلة من لم يسمعه" (٢). ويدل على هذا من كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، قوله: "فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر الصديق ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الإسراء: ٤٦] " (٣). فقول الإمام ﵀: "وخلا من شيء يعذر به فهو كافر" يدل على إثباته أن الحجة لا

стр. 397

تقوم إذا لم يفهم فهماً ناشئاً عن عجز إذا بذل وسعه في طلبه، بخلاف من لا يكفر عباد الأضرحة والقبور؛ بحجة أنهم لم يفهموا مع إعراضهم عن دلالة القرآن، وصم آذانهم عن حججه. سادسا: أنه ليس في كلام الله وكلام رسوله ﷺ تعارض، وما قد يقع لبعض الأفهام من ظن التعارض فهو من نقص الفهم؛ وإلا من يجمع النصوص وينزلها منزلتها، ويرد المتشابه إلى المحكم يزول عنه هذا التعارض، فكذلك في كلام الإمام ﵀؛ فإنه لا بد من جمع كلامه وتنزيله مواقعه، والرجوع إلى فهم تلامذته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عُرفَ أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرفُه وعادته في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده. وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضا، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه، وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه" (١). سابعا: أن قيام الحجة أحد شروط تكفير المعين، ولذلك بين العلماء ضرورة بلوغ الحجة للمعين، وثبوتها عنده وتمكنه من معرفتها، وكل ذلك لا يتم إلا بوجود من يحسن إقامة الحجة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها: قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق

стр. 398

وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان" (١)، ويقول ابن القيم ﵀: " وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل" (٢)، ويقول أيضاً: "فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه" (٣). ويقول ابن حزم ﵀: "وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور و إن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها" (٤). وذكر الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ عن الإمام المجدد أنه "قرر أن من قامت عليه الحجة، وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور" (٥)، وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ في من يقيم الحجة، وأنه لا بد في قيام الحجة أن يقيمها من يحسن إقامتها، وإلا لا تقوم الحجة: "الذي يظهر لي -والله أعلم- أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة" (٦). وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: " ويقيم الحجة عالم يعلم كيف يقيم الحجة ويزيل الشبهة، لهذا يقول العلماء الحجة الرسالية، كما يقول شيخ الإسلام في مواضع كثيرة: ويكفر من قامت به الحجة الرسالية. الحجة الرسالية يعني التي يقيمها الرسل أو ورثة الرسل ممن

стр. 399

يحسن إقامة الحجة " (١). ثامنا: أن الحجة لا تقوم إلا بشرطين: الشرط الأول: بلوغ الحجة على وجه يستطيع فهمها إذا أراد. الشرط الثاني: التمكن من معرفة الحجة. فإذا تحقق الشرط قامت الحجة وإلا فلا؛ فالشرط الأول: بلوغ الحجة على وجه يستطيع فهمها بأن تبلغ الحجة المكلف بلغته، وبخطاب يفهمه، فباتفاق الأئمة لا تقوم الحجة بمخاطبة الأعجمي بلسان عربي لا يفهمه، بل لا بد أن يفهم القرآن فهم دلالة وإرشاد، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر لغة العرب-: "فإن دلالة القرآن والسنة على معانيها من جنس دلالة لغة كل قوم على ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة، وهذا لا يخص العرب، بل هو أمر ضروري لجميع بني آدم يتوقف العلم بمدلول ألفاظهم على كونهم من أهل تلك اللغة التي وقع بينهم بها التخاطب؛ ولهذا لم يرسل الله رسولاً إلا بلسان قومه ليبين لهم، فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم" (٢). ولذا فإن الحجة تقوم على المعين بترجمة الخطاب بلغته التي يفهمها، إذا كان ممن لم يفهم ذلك باللغة العربية، قال القرطبي ﵀: " ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، أي: بلغتهم؟ ليبينوا لهم أمر دينهم، ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم؛ لأن المراد اللغة، فهي اسم جنس يقع على القليل والكثير، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية؛ لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي ﷺ ترجمة يفهمها لزمته الحجة" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فكذلك بعث محمداً إلى قومه وغير قومه، ولكن

стр. 400

إنما يبعث بلسان قومه ليبين لهم، ثم يحصل البيان لغيرهم بتوسط البيان لهم: إما بلغتهم ولسانهم، وإما بالترجمة لهم، ولو لم يتبين لقومه أولاً لم يحصل مقصود الرسالة، لا لهم، ولا لغيرهم" (١). وقال أيضا: " أن حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم فليس من شرط حجة الله تعالى علم المدعوين بها. ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعا من قيام حجة الله تعالى عليهم وكذلك إعراضهم عن استماع المنقول عن الأنبياء وقراءة الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجة إذ المكنة حاصلة. فلذلك قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [فصلت: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ٢٣ - ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١] " (٢). أما الشرط الثاني: التمكن من معرفة الحجة: بأن يكون ممن يتمكن من الوصول إلى العلم بما أنزل الله، فإن كان عاجزاً عن ذلك لجنون، أو كان عاقلاً لكن لم يتمكن من الوصول إلى الحق مع بذله جهده ووسعه للوصول إليه لكثرة انتشار الباطل أو اشتباه الحق فلا تقوم عليه

стр. 401

الحجة. قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: "والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي. واذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه، كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله، كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا" (١). تاسعا: مما ينبغي التنبه إليه في مثل هذه المسألة المهمة أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص. قال ابن القيم ﵀: " الله يقضى بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم. وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة. وهو مبني على أربعة أُصول: أحدها: أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه … الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادة العلم بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله

стр. 402

التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل. الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أُخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له … الأصل الرابع: أن أفعال الله تابعة لحكمته التي لا يخل بها سبحانه، وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة" (١).

стр. 403

المطلب التاسع: دعوى تكفير المعين دون ضوابط أو تثبت من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى تكفير المعين دون ضوابط أو تثبت. يقول منتصر حمادة: "وثمة إقرارات خلال السنين الأخيرة، تفيد أن نمط التنشئة في العربية السعودية كان قائماً على أساس من التعبئة بالفكر السائد الذي زخرت به الثقافة السلفية ومصادرها في المعرفة، بما في ذلك ما عرف بنواقض التوحيد العشرة، حيث تضمنت جذور التكفير بالظِنّة، وباللازم، ومن غير تيقن بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع، وهو ما ساهم بنصيب وافر في تشكيل الشخصية التكفيرية (١) " (٢). ويقول سعيد الكثيري: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يفرق بين تكفير الأقوال والأفعال المجردة وبين تكفير المعين على النحو الذي كان ينتهجه الإمام ابن تيمية، وهذا هو سبب رفع راية الجهاد ضد المسلمين وتطبيق أحكام الجهاد ضد المخالفين، وهو أمر انفرد به الشيخ عن بقية العلماء والفقهاء منذ عصر الصحابة" (٣). ويقول الحسن بن علي الكتاني: "من المسائل التي تشدد فيها أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب ﵀، تكفيره لجاهل التوحيد، وهو المسلم الذي ينطق بكلمتي الشهادة مقلداً، دون معرفة بشروطها ونواقضها وما يتعلق بها. ويظهر لي أن هذه المسألة تسربت للشيخ من كتب المتكلمين فإنها ليست من مسائل أهل السنة والأثر، بل تكلم فيها المعتزلة والأشاعرة …

стр. 404

ومن النقول عن الشيخ بهذه المسألة ما ذكره في آخر رسالته "كشف الشبهات" من قوله: (فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]). قال شارحها محمد بن صالح العثيمين: ( … هذا ظاهر فيمن كان معانداً يعلم الحق ولكنه كرهه بقلبه ولم يطمئن إليه ولم يستقر به ولكنه أظهر الالتزام بالشريعة خداعاً لله ولرسوله وللمؤمنين، وأما من كان لا يفهمه بالكلية ولا يدري ولكنه يعمل كما يعمل الناس ولم يتبين له ذلك الشيء الذي يعملونه والمقصود منه فإن الواجب أن يبلغ ويعلم فإن أصر على ما هو عليه من إنكاره بقلبه فهو منافق) (١) " (٢). ثم ذكر ما ترتب على ذلك - حسب زعمه-، فقال: "ولهذا فقد اعتمد الغلاة على هذا الكلام فحكموا بكفر الجماهير بحجة أنهم يقولون كلمة التوحيد دون فهم معناها ويحتجون بكلام النجديين وما شابهه من بعض المعاصرين" (٣). ويقول رعد النعيمي البغدادي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة تكفير المعين: "فإنهم مخطئون في هذا الباب خطأ عظيماً، ونسأل الله تعالى أن ياجرهم على اجتهادهم الخاطئ، ومنهجهم يلزمهم بالرجوع إلى منهج السلف ومنهج شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنا أجزم بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لو عاش بيننا اليوم لرجع إلى المنهج الصحيح بسبب توفر علم السلف وعلم شيخ الإسلام ابن تيمية بقدر أعظم بكثير مما كان يتوفر في وقته، ومما يدل على هذا أن مذهب حفيده الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ الذي يعيش اليوم بيننا هو مذهب يعتبر تطبيق قاعدة الشروط والموانع في تكفير الأعيان، كما ورد في بعض كتبه، وقد أوردت ذلك حين استدل الكاتب برواية عن الشافعية في تكفير حفص الفرد، فنقلت من قول الشيخ صالح ما يرد على الكاتب استدلاله، ويدل على انتهاج مذهب السلف ومذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في اعتبار الشروط والموانع عند تكفير المعينين" (٤).

стр. 405

حقيقة هذه الدعوى: إتهام دعوة الإمام بتكفير المعين، دون توفر شروط ونتفاء موانع، ودون تثبت، وأن هذا الأمر - حسب زعمهم- تسرب للغلاة وتأثروا به، وساهم في تشكيل الشخصية التكفيرية. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن منهج السلف عدم تكفير المعين إلا بتوفر شروط وانتفاء موانع، وقد سبق بيان ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتُبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" (١). ثم يقول: "إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الأمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام - يعني القول بخلق القرآن- بعينه" (٢). ثانيا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ سار على منهج السلف في تكفير المعين (٣)، وتكفير المعين لابد فيه من توفر شروط وانتفاء موانع. حيث يقرر الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن الحكم على المعين مرتبط بضوابط شرعية، فلا يمكن أن يكون الحكم على الناس، مبني على ظنون وأوهام، أو دعاوى لا يملكون عليها بينات. قال ﵀: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفّر بالظن والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" (٤).

стр. 406

وأصرح منه قوله: "وإنما نكفر من أشرك بالله في إلاهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك" (١). وقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤] "فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك، ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها، لم يكن للتثبت معنى وكذلك الحديث (٢) الآخر وأمثاله، معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام، وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك" (٣). وقال ﵀: "من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض، لا نكفره بالظن؛ لأن التبين لا يرفع بالظن وكذلك لا نكفر من لا يعرف منه الكفر بسبب ناقض ذكر عنه ونحن لم نتحققه" (٤). وقال ﵀: "السلف ﵏ كفروا النوع، أما المعين، فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلا لم يكفروا" (٥). ثالثا: أن من ثبت إسلامه بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "أما الشرك الذي يصدر من المؤمن، وهو لا يدري، مع كونه مجتهداً في اتباع أمر لله ورسوله، فأرجو ألا يخرجه هذا من الوعد (٦)، وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا

стр. 407

الباب: كحلفهم بآبائهم، وحلفهم بالكعبة، وقولهم: ما شاء الله وشاء محمد، وقولهم: اجعل لنا ذات أنواط، ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه، ولم يجادلوا فيه حمية الجاهلية، لمذهب الآباء والعادات" (١). وقال أيضا: "وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم، بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها، فتفيد لزوم التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل، التوحيد فهمناه، أن هذا من أكبر الجهل، ومكايد الشيطان. وتفيد أيضاً: أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر، وهو لا يدري، فنُبه على ذلك، فتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ " (٢). رابعا: قد اعتبر الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الإكراه مانعاً من موانع التكفير. يدل على ذلك أنه لما ذكر نواقض الإسلام العشرة قال: "ولا فرق في جميع هذه النوا قض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره" (٣). وأيضاً: لما ذكر الآية: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]، ذكر فوائد الآية، ومنها قوله "استثناء المكره المطمئن" (٤)، وسواء كان الإكراه بالقول أو الفعل، فان ذلك يعتبر عذراً عند الإمام محمد بن عبد الوهاب، حيث قال بعد أن ذكر أن المكره معذور: "ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، أما اعتقاد القلب فلا يكره عليها أحد" (٥).

стр. 408

خامسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بيّن أن المخطئ معذور، ولهذا ينبغي مناظرته حتى يرجع إلى الحق، بخلاف أهل التأويل الفاسد، قال ﵀ في ذكر فوائد قصة آدم وإبليس: " ومنها: أن التأويل الفاسد في رد النصوص ليس عذراً لصاحبه، كما أنه سبحانه لم يعذر إبليس في شبهته التي أبداها، كما لم يعذر من خالف النصوص متأولاً مخطئاً، بل كان ذلك التأويل زيادة في كفره. ومنها: أن مثل هذا التأويل ليس على أهل الحق أن يناظروا صاحبه، ويبينوا له الحق، كما يفعلون مع المخطئ المتأول، بل يبادر إلى عقوبته بالعقوبة التي يستحقها بقدر ذنبه، وإلا أُعرض عنه إن لم يقدر عليه، كما كان السلف الصالح يفعلون هذا وهذا، فإنه سبحانه لما أبدى له إبليس شبهته فعل به ما فعل، ولما عتب على الملاثكة في قيلهم أبدى لهم شيئاً من حكمته وتابوا، وقد وقعت هذه الثلاث لرسول الله ﷺ في غزوته التي فتح الله فيها مكة، فانه لما أعطى المؤلفة قلوبهم فوجدت عليه الأنصار، عاتبهم، واعتذروا، وقبل عذرهم، وبين لهم شيئاً من الحكمة، ولما قال له ذلك الرجل العابد (١): اعدل قال له كلاماً غليظاً، واستأذنه بعض الصحابة في قتله، ولم ينكر عليه، لكن ترك قتله لعذر ذكره، ولما فعل خالد بن الوليد ببني جذيمة ما فعل، رد عليهم ما أخذ منهم ووداهم (٢)، ولا نعلم أنه عاتب خالداً، ولا منعه ذلك من تأميره على الناس" (٣). سادسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يعذر الجاهل عند عدم وجود من ينبهه؛ فعذره لمن اجتهد فأخطأ من باب أولى وأحرى كما في قوله "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، أو الصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم" (٤).

стр. 409

وسبق في الدعوى السابعة من هذا الفصل: الكلام عن مسألة العذر بالجهل عند الإمام ﵀. سابعا: قول منتصر حمادة عن نواقض التوحيد العشرة أنها: " تضمنت جذور التكفير بالظِنّة، وباللازم، ومن غير تيقن بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع". فهذا القول غير صحيح؛ فالإمام ﵀ ذكر في رسالته المختصرة عشرة نواقض، والفقهاء ﵏ من جميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب الردة وأحكام المرتد أكثر من هذه النواقض (١). فإذا تضمنت رسالة الإمام محمد بن عبد الوهاب جذور التكفير بالظِنّة، وباللازم، ومن غير تيقن بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع؛ فإن كتب الفقهاء - تكون حسب زعمه- أولى بذلك؛ لأنها ذكرت من النواقض أكثر من عشرة! بل أكثر من عشرين … ثامنا: قول سعيد الكثيري: إن الإمام ﵀ "لم يفرق بين تكفير الأقوال والأفعال المجردة وبين تكفير المعين على النحو الذي كان ينتهجه الإمام ابن تيمية". سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان أن منهج الإمام هو منهج السلف في التكفير والتفريق بين تكفير الأقوال والأفعال وتكفير المعين. تاسعا: قول الحسن بن علي الكتاني عن الإمام محمد بن عبد الوهاب أن مسألة تكفير الجاهل تسربت للإمام من كتب المتكلمين، وأنها ليست من مسائل أهل السنة والأثر. فسبق في المبحث الثاني من هذا الفصل وفي الدعوة السابعة منه، بيان كلام الإمام في تكفير الجاهل، وموافقته لعقيدة السلف في ذلك، وأنه لا يكفر الجاهل إلا بعد إقامة الحجة الرسالية، فالإمام ﵀ من أشد الناس موافقة لعقيدة السلف وبعدا عن منهج المتكلمين في التكفير. والإمام ﵀ من أشد الناس تحذيرا من كتبهم، وقد سبق بيان ذلك في الدعوى السادسة عشرة من الفصل الأول، حيث يقول ﵀ في إحدى رساله في الجواب على أن أول واجب على المكلف هو النظر: " قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى: النظر في

стр. 410

الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد. وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه" (١). كما نقل الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن كتب السلف: " الإجماع أن علم الكلام بدعة وضلالة " (٢). عاشرا: قول رعد النعيمي البغدادي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة تكفير المعين إنهم مخطئون في هذا الباب خطأ عظيماً " ومما يدل على هذا أن مذهب حفيده الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ الذي يعيش اليوم بيننا هو مذهب يعتبر تطبيق قاعدة الشروط والموانع في تكفير الأعيان، كما ورد في بعض كتبه". فالإمام محمد لا يكفر إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع كما سبق بيانه، وحفيده الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله يسير على منهج جده الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو المنهج الذي سار عليه أئمة السلف. قال حفظه الله في بيان كلام أئمة الدعوة في تكفير المعين: " كلام أئمة الدعوة في هذه المسألة - يعني العذر بالجهل- فيه تفصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة التطبيق في الواقع يفرقون، فإذا أتى للتأصيل قالوا هو كفر سواء أكان كفره عن إعراض وجهل أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى للتطبيق على المعين أطلقوا على من أقيمت عليه الحجة الرسالية البينة الواضحة أطلقوا عليه الكفر" (٣). فقوله: " أطلقوا على من أقيمت عليه الحجة الرسالية البينة الواضحة "، يعني لا بد من توفر شروط وانتفاء موانع؛ لأن الحجة الرسالية البينة الواضحة لا تكون إلا مع توفر الشروط

стр. 411

وانتفاء الموانع (١). وهذا موافق لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.

стр. 412

الفصل الرابع الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المراد بالغلو والتطرف. المبحث الثاني: وسطية أهل السنة والجماعة. المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف والجواب عنها.

стр. 413

المبحث الأول: المراد بالغلو والتطرف المراد بالغلو في اللغة: الغلو هو: مجاوزة الحد وتعديه، وغلا في الأمر يغلو غُلوا، أي جاوز فيه الحد. وغلا غلاء فهو غال، وغلى ضد الرخص … وغلا في الأمر غلوا جاوز حده. قال ابن فارس ﵀: "غلوى: الغين واللام المعتل أصل صحيح في الأمر يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر، يقال: غلا السعر يغلو غلا وذلك ارتفاعه، وغلا الرجل في الأمر غلوا إذا جاوز حده" (١). وأصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء ..... يقال: غاليت صداق المرأة أي أغليته. وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حده. وغلوت في الأمر غلوا وغلانية وغلانيا إذا جاوزت في الحد وأفرطت فيه، ويقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا. "وغلا في الدين غلوا من باب قعد وتصلب وتشدد حتى جاوز الحد وفي التنزيل: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١، والمائدة: ٧٧]. وغالى في أمره مغالاة بالغ" (٢). فتبين مما سبق أن الغلو يدل على: الارتفاع والزيادة ومجاوزة الحد المعتاد. ومما جاء في السنة على هذه المعاني قوله ﷺ في حديث أبي ذر: «أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا وأنفعها عند أهلها» (٣). وحديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا يوم القيامة

стр. 414

رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل» (١). الغلو اصطلاحا: هو: الزيادة ومجاوزة الحد الشرعي الواجب (٢). قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]. وقال سبحانه -في آيات عديدة جاءت في النهي عن الطغيان " وهو غلو في الغي" (٣) - لبني إسرائيل: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١]، وقوله عن فرعون وملئه في غير ما آية: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ [النازعات: ١٧]، وقال عن الخاسر صاحب الجحيم: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ [النازعات: ٣٧ - ٣٨] الآية، وقال في آخر سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. وقال ﷺ : «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به .... » (٤). وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى»، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٥).

стр. 415

فالغلو تجاوز عن الحد المشروع، أو مبالغة في الالتزام بالدين فعلاً أو تركًا. وقد قال ﵊: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» (١). قال النووي ﵀: "أي هلك المتعمقون المغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم" (٢). معنى التطرف في اللغة: قال ابن فارس ﵀: " طرَفَ: الطاء والراء والفاء أصلان: فالأول يدل على حد الشيء وحرفه، والثاني يدل على حركة في بعض الأعضاء. فالأول: طرف الشيء والثوب والحائط. ويقال ناقة طرفة: ترعى أطراف المرعى ولا تختلط بالنوق … وأما الأصل الآخر فالطَّرْف، وهو تحريك الجفون في النظر" (٣). والتطرف هو تفعّل - بتشديد العين - من طرف يطرف طرفا بالتحريك، وهو الأخذ بأحد الطرفين والميل لهما: إما الطرف الأدنى أو الأقصى، ومنه أطلقوه على الناحية وطائفة الشيء (٤). التطرف بالمعنى الاصطلاحي، لم أجد - حسب بحثي- في كتب المتقدمين لفظ التطرف بالمعنى المقصود اليوم من كلمة "التطرف"، وإنما مصطلحات مقاربة لها كالغلو (٥). فهو " مصطلح محدث .... يكون في الدين، كما يكون في الفكر والسياسة، والأخلاق والسلوك، وهو إتيان غاية الشيء ومنتهاه" (٦). فالتطرف: مصطلح يُستخدم للدلالة على كل ما يناقض الإعتدال، زيادة أو نقصاناً.

стр. 416

وحيث يختلف حد الإعتدال، ويتباين من مجتمع لآخر وفقاً لقيم وثقافة وعادات كل مجتمع، فقد تعددت مفاهيم التطرف إلى حد جعل من الصعوبة بمكان تحديد أطرها (١). ويمكن تعريف التطرف بما يوافق المفهوم المعاصر بأنه: حالة من التزمُّت والغلو في الحماس والتمسك الضيق الأفق بعقيدة أو فكرة، مما يؤدي إلى الاستخفاف بآراء ومعتقدات الآخرين، ومحاربتها والصراع ضدها وضد الذين يحملونها (٢). وقد عدّ الغلو تطرفًا لأنه أخذ بأحد الطرفين، كما قيل: لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد … كلا طرفي قصد الأمور ذميم لكن الوصف الشرعي للتشدد في الدين والغلو فيه يجب أن يكون مرجعه إلى الشرع نفسه لا اصطلاح الناس ومفاهيمهم وإطلاقاتهم، يقول العلامة ابن أبي العز الحنفي ﵀: "والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة " (٣). ومن تتبع الكتاب والسنة وجد أن الغلو هو اللفظ الوارد فيهما، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]. وجاء في قول النبي ﷺ : «إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٤). والغلو والتطرف لفظان متقاربان - وإن كان يوجد من فرّق بينهما (٥) - إذا قيل إن

стр. 417

التطرف: إتيان غاية الشيء ومنتهاه. وبينهما عموم وخصوص، إذا قيل: إن التطرف: إتيان حد الشيء بإطلاق؛ إذ يصبح التطرف أعم من الغلو. والغلو أخص من التطرف؛ إذ إن التطرف هو مجاوزة الحد، والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا، أو بعبارة أخرى: سلبا أو إيجابا، زيادة أو نقصا، سواء كان غلوا أم لا، إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر. فالغلو أخص من التطرف باعتبار مجاوزة الحد المعتاد في الزيادة، كقول النصارى في المسيح ابن مريم غلوا إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والتطرف: الانحياز إلى طرفي الأمر، فيشمل الغلو، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف. فكل غلو فهو تطرف، وليس كل تطرفٍ غلوا. ومع هذا التقارب الكبير بين مصطلحي الغلو والتطرف، إلا أن الإعلام المغرض استعمل مصطلح التطرف أكثر في الربط بينه وبينه الإسلام، والإسلام بريء من تلك الرابطة؛ إذ لا يمكن أن يجتمع الشيء مع ضده في قالب واحد، فالإسلام دين التوسط والاعتدال، بدليل الكتاب والسنة والإجماع. والتطرف بعيد كل البعد عن سمات الإسلام وخصائصه، فالإسلام - وهو الحق - وسط بين الإفراط والتفريط. أما الغلو والتطرف فهو تعدٍّ على ما أمر الله به ورسوله ﷺ وتجاوز عما شرع، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١].

стр. 418

المبحث الثاني: وسطية أهل السنة والجماعة الغلو مما ابتليت به هذه الأمة، وهو واقع فيها، كما هو واقع في الأمم قبلها، وقد بين ذلك النبي ﷺ بقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن» (١). فاليهود والنصارى قد غلوا، وقد نهاهم الله -جل وعلا- عن ذلك، لكنهم لم يتركوا غلوهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال الله جل وعلا: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. فأهل الكتاب أهل غلو، وحذا بعض من هذه الأمة حذوهم، فغلوا في الأشخاص والمعظمين، وغلوا في الأماكن والقبور، وغير ذلك، حتى صار الغلو سمة لهم. وقد حذر النبي ﷺ منه، فقال: «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٢). فكل من غلا وزاد فيما جاء به الشرع فإنه قد وقع فيما نهى عنه النبي ﷺ . وتمتاز عقيدة أهل السنة والجماعة بميزاتٍ جليلة وخصائص عظيمة تُظهر حسنها، وتُبرز كمالها وجمالها، ومن جملة هذه الخصائص كونها وسطًا بين الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، والزيادة والنقصان، وأهلها أهل وسطيَّة واعتدال، فهم الوسط في فرق الأمة، كما أن هذه الأمة هي الوسط في الأمم؛ قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فأهل السنة والجماعة، وسط بين الأمم، ووسط بين الفرق الغالية، ووسط بين المفرِّطين

стр. 419

والمفرْطين، وبين المتساهلين والمتشددين، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وهم الذين اختارهم الله ليختم بهم أديانه ورسالاته على الأرض، فرسالتهم ودينهم هي المناسبة لكل عصر ومصر وزمان ومكان ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وهم غير المغضوب عليهم من اليهود، والضالين من النصارى، فدينهم دين السماحة واليسر وعدم الكلفة، والابتعاد عن المشقة. وهذه الوسطية بسبب تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفهمهما على فهم الصحابة على بصيرة وفقه وحكمة، والرجوع عند الاختلاف والتنازع إليها، والالتزام بمنهج واحد والسير عليه، وهو منهج محمد ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. فأهل السنة والجماعة: ١ - يؤمنون بالكتاب كله، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ ، فلا يأخذون ببعض النصوص دون بعض كحال من ضل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] أو يتخيرون من النصوص ما يوافق أهواءهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. ٢ - أنهم حكّموا النصوص من الكتاب والسنة على الآراء والعقول والأهواء، وجعلوا هذه الأمور تابعة للنصوص لا حاكمة عليها، لأن النصوص منضبطة، والأذواق والأهواء لا ضابط لها، فمن تقيد بالمنضبط نجا ومن اتبع هواه ضل، كما تواترت بذلك النصوص. ٣ - أنهم تجردوا من الأهواء المضلة، فليس لهم هَمٌّ إلا نصرة ما جاء به الرسول ﷺ ، فلا ينتصرون لكبير أو صغير على حساب الحق، أو يقدمون رأي شخص أو جماعة أو حزب أو حركة على الدليل الثابت، بل يدورون مع الحق والدليل حيث كان. ٤ - أنهم استرشدوا بفهم السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المفضلة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ

стр. 420

بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]. وقد أثمرت هذه الأسباب ثمرة مباركة في الوسطية والاعتدال عند أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد وغيره. وأهل السنة والجماعة وسط (١) في باب الصفات بين المعطلة الجهمية وبين المشبهة الممثلة، فيثبتون لله صفاته على ما يليق بجلاله وعظمته من غير أن يحرفوها عما وضعت له، أو يمثلوا بها صفات المخلوقين، على حد قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال الخطيب البغدادي ﵀: "أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية، والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه" (٢). وأهل السنة والجماعة وسط في باب القضاء والقدر بين الجبرية وبين القدرية. فالجبرية الذين يغلون في إثبات القدر حتى سلبوا العبد فعله واختياره، ويجعلونه مجبرًا على أفعاله ليس له فيها اختيار ولا مشيئة، وإنما هو كالآلة التي تتحرك بدون اختيارها. وأما القدرية الذين يغلون في قدرة العبد ومشيئته ويحصرون قدرة الله ومشيئته وتقديره للأفعال والأعمال، ويقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه بدون أن يكون لله في ذلك تقدير وإنما هو شيء العبد يفعله مستقلاً. أما أهل السنة والجماعة فهم لا يغلون في إثبات مشيئة الله وقدرته غلو الجبرية فينفوا أفعال العبد، ولا يغلون في إثبات أفعال العبد غلو القدرية فينفوا مشيئة الله وقدرته، وإنما يقولون: العبد يفعل باختباره ومشيئته، ولكن لا يخرج عن مشيئة الله وقدره وقضائه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 421

[التكوير: ٢٨ - ٢٩]. فالله أثبت للعبد مشيئة وقدرة واختيارًا وأرجع ذلك وربطه بمشيئة ، فقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ ردٌ على الجبرية، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ردٌ على القدرية. وقد عقد الإمام اللالكائي ﵀ بابًا في سياق ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالقين لهم من علماء الأمة "أن أفعال العباد مخلوقة لله وطاعاتها ومعاصيها" (١). وأهل السنة والجماعة وسط في نصوص الوعد والوعيد وأصحاب الكبائر بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة، فالمرجئة يأخذون بنصوص الوعد ويتركون نصوص الوعيد، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، أما الخوارج والمعتزلة فهم على النقيض من المرجئة أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد وقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار، وقالت المعتزلة هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين. أما أهل السنة والجماعة فمرتكب الكبائر من المؤمنين، ناقص الإيمان، لا يكفر خلافًا للخوارج، ومعرض للعقاب خلافًا للمرجئة، فجمعوا بين النصوص وعملوا بها كلها فبذلك صاروا وسطًا في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة. قال الإمام أحمد ﵀: " ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له رحمة الله. ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه؛ فإن الله يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك في الدنيا؛ فهو كفارة، كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ " (٢). وأهل السنة والجماعة وسط في حق النبي ﷺ بين أهل الغلو وأهل التفريط. فأهل الغلو من أنزله فوق منزلته، في دعاءه والاستغاثة به بعد موته، أو اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه خلق من نور، أو اتخاذ قبره عيدا إلى غير ذلك مما لم يشرعه الله. وأما أهل التفريط ممن قلل من شأن مقام النبوة، وزهد في إتباعه ﷺ ، وفضل غيره من

стр. 422

أفراد الأمة عليه، كقول الشيعة الرافضة، بأن مقام أئمتهم فوق مقام الرسل والملائكة. أما أهل السنة والجماعة فهم يعتقدون أنه ﷺ عبدُ الله ورسوله، وأنه أفضل المرسلين وسيد الخلق أجمعين، ويرون أن محبته واجبة وأنها من الإيمان والدين، وأنه خاتم الأنبياء. ويعتقدون أنه لا يعلم من الغيب في حياته إلا ما علّمه الله فكيف بعد وفاته، وينهون عن إطرائه والغلو في مدحه والمبالغة في ذلك، ويأمرون بالصلاة والسلام عليه، ويشهدون أنه قد بلغ ما أمره به ربه ولم يكتم منه شيئاً. يقول الطحاوي ﵀ في "عقيدة أهل السنة" في ذلك: "وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين (١)، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء" (٢). وأهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ وآل بيته بين الشيعة الذين غلوا في آل البيت وكفروا الصحابة ﵃ وبين النواصب الذين عادوا آل البيت والخوارج الذين كفَّروا الصحابة. فأهل السنة والجماعة، يحبون أصحاب النبي ﷺ وآل بيته ويترضَّون عليهم، ولا يغالون فيهم، ولا يطرونهم فوق منزلتهم. قال الطحاوي ﵀: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.

стр. 423

وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله ﷺ ، وقوله الحق، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق" (١). وأهل السنة والجماعة وسط في حق أولياء الله وعباده الصالحين بين أهل الغلو وأهل التفريط. فأهل الغلو: غلوا فيهم، وأنزلوهم غير منزلتهم، وعبدوهم من دون الله، وتقربوا لهم بالذبح والنذر، وبنوا على قبورهم المساجد والقبب، وطافوا وتبركوا بها، وعكفوا عندها، وصرفوا لهم من الأعمال ما لا يصلح إلا لله وحده. أما أهل التفريط فهم الذين لا يرون لأولياء وعباد الله الصالحين قدرا، ولا يقيمون لهم وزنا، فلا يحبونهم، ولا يقتدون بهم، ولا يتبعون سيرتهم، بل يحقرون من شأنهم، ويحتقرونهم في أعمالهم، وينكرون كراماتهم. أما أهل السنة والجماعة فهم وسط في باب أولياء الله من الصالحين والمؤمنين والأتقياء فيحبونهم، ويقتدون بهم، ويسيرون بسيرتهم، ويثبتون لهم الكرامات؛ ولكن لم ينزلوهم فوق منزلتهم، ولم يصرفوا لهم شيئا من العبادات، ولا يعتقدون فيهم العصمة. قال الطحاوي ﵀: " والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن … ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة … وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر -وأهل الفقه والنظر -لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم" (٢).

стр. 424

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقررا هذه الوسطية لأهل السنة: "بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم؛ فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية وغيرهما، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج" (١). وقد كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب على هذا المنهج من الوسطية والحكمة والبعد عن الغلو والتطرف في العلم والعمل والدعوة، امتثلا لأمر الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. يقول ﵀ في باب الصفات: "وبالجملة: فعقيدتنا في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤمن بها، ونمرها كما جاءت، مع إثبات حقائقها، وما دلت عليه، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تبديل ولا تأويل" (٢). ويقول ﵀ في باب القدر: "وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور" (٣). ويقول ﵀ في باب الوعد والوعيد: " ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفّر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام" (٤). ويقول ﵀ في باب تعظيم النبي ﷺ : "وأومن بأن نبينا محمداً ﷺ خاتم النبيين والمرسلين،

стр. 425

ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته" (١). ويقول ﵀ في باب الصحابة: " وأن أفضل أمته: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملاً بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء" (٢). ويقول ﵀ في باب الأولياء والصالحين أن الواجب: " حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين " (٣).
следующие страницы →