← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[التكوير: ٢٨ - ٢٩]. فالله أثبت للعبد مشيئة وقدرة واختيارًا وأرجع ذلك وربطه بمشيئة ، فقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ ردٌ على الجبرية، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ردٌ على القدرية. وقد عقد الإمام اللالكائي ﵀ بابًا في سياق ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالقين لهم من علماء الأمة "أن أفعال العباد مخلوقة لله وطاعاتها ومعاصيها" (١). وأهل السنة والجماعة وسط في نصوص الوعد والوعيد وأصحاب الكبائر بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة، فالمرجئة يأخذون بنصوص الوعد ويتركون نصوص الوعيد، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، أما الخوارج والمعتزلة فهم على النقيض من المرجئة أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد وقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار، وقالت المعتزلة هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين. أما أهل السنة والجماعة فمرتكب الكبائر من المؤمنين، ناقص الإيمان، لا يكفر خلافًا للخوارج، ومعرض للعقاب خلافًا للمرجئة، فجمعوا بين النصوص وعملوا بها كلها فبذلك صاروا وسطًا في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة. قال الإمام أحمد ﵀: " ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له رحمة الله. ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه؛ فإن الله يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك في الدنيا؛ فهو كفارة، كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ " (٢). وأهل السنة والجماعة وسط في حق النبي ﷺ بين أهل الغلو وأهل التفريط. فأهل الغلو من أنزله فوق منزلته، في دعاءه والاستغاثة به بعد موته، أو اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه خلق من نور، أو اتخاذ قبره عيدا إلى غير ذلك مما لم يشرعه الله. وأما أهل التفريط ممن قلل من شأن مقام النبوة، وزهد في إتباعه ﷺ ، وفضل غيره من

стр. 422

أفراد الأمة عليه، كقول الشيعة الرافضة، بأن مقام أئمتهم فوق مقام الرسل والملائكة. أما أهل السنة والجماعة فهم يعتقدون أنه ﷺ عبدُ الله ورسوله، وأنه أفضل المرسلين وسيد الخلق أجمعين، ويرون أن محبته واجبة وأنها من الإيمان والدين، وأنه خاتم الأنبياء. ويعتقدون أنه لا يعلم من الغيب في حياته إلا ما علّمه الله فكيف بعد وفاته، وينهون عن إطرائه والغلو في مدحه والمبالغة في ذلك، ويأمرون بالصلاة والسلام عليه، ويشهدون أنه قد بلغ ما أمره به ربه ولم يكتم منه شيئاً. يقول الطحاوي ﵀ في "عقيدة أهل السنة" في ذلك: "وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين (١)، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء" (٢). وأهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ وآل بيته بين الشيعة الذين غلوا في آل البيت وكفروا الصحابة ﵃ وبين النواصب الذين عادوا آل البيت والخوارج الذين كفَّروا الصحابة. فأهل السنة والجماعة، يحبون أصحاب النبي ﷺ وآل بيته ويترضَّون عليهم، ولا يغالون فيهم، ولا يطرونهم فوق منزلتهم. قال الطحاوي ﵀: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.

стр. 423

وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله ﷺ ، وقوله الحق، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق" (١). وأهل السنة والجماعة وسط في حق أولياء الله وعباده الصالحين بين أهل الغلو وأهل التفريط. فأهل الغلو: غلوا فيهم، وأنزلوهم غير منزلتهم، وعبدوهم من دون الله، وتقربوا لهم بالذبح والنذر، وبنوا على قبورهم المساجد والقبب، وطافوا وتبركوا بها، وعكفوا عندها، وصرفوا لهم من الأعمال ما لا يصلح إلا لله وحده. أما أهل التفريط فهم الذين لا يرون لأولياء وعباد الله الصالحين قدرا، ولا يقيمون لهم وزنا، فلا يحبونهم، ولا يقتدون بهم، ولا يتبعون سيرتهم، بل يحقرون من شأنهم، ويحتقرونهم في أعمالهم، وينكرون كراماتهم. أما أهل السنة والجماعة فهم وسط في باب أولياء الله من الصالحين والمؤمنين والأتقياء فيحبونهم، ويقتدون بهم، ويسيرون بسيرتهم، ويثبتون لهم الكرامات؛ ولكن لم ينزلوهم فوق منزلتهم، ولم يصرفوا لهم شيئا من العبادات، ولا يعتقدون فيهم العصمة. قال الطحاوي ﵀: " والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن … ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة … وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر -وأهل الفقه والنظر -لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم" (٢).

стр. 424

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقررا هذه الوسطية لأهل السنة: "بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم؛ فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية وغيرهما، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج" (١). وقد كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب على هذا المنهج من الوسطية والحكمة والبعد عن الغلو والتطرف في العلم والعمل والدعوة، امتثلا لأمر الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. يقول ﵀ في باب الصفات: "وبالجملة: فعقيدتنا في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤمن بها، ونمرها كما جاءت، مع إثبات حقائقها، وما دلت عليه، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تبديل ولا تأويل" (٢). ويقول ﵀ في باب القدر: "وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور" (٣). ويقول ﵀ في باب الوعد والوعيد: " ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفّر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام" (٤). ويقول ﵀ في باب تعظيم النبي ﷺ : "وأومن بأن نبينا محمداً ﷺ خاتم النبيين والمرسلين،

стр. 425

ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته" (١). ويقول ﵀ في باب الصحابة: " وأن أفضل أمته: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملاً بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء" (٢). ويقول ﵀ في باب الأولياء والصالحين أن الواجب: " حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين " (٣).

стр. 426

المبحث الثالث الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف والجواب عنها أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب الغلو والتطرف عدة دعاوى، وعند تأملها نجد أنها متكررة مع أسلافهم، ومما ذكروا من الدعاوى: - الغلو في التكفير (١). - إدعاء النبوة (٢). - أنهم خوارج وسيماهم التحليق (٣). - إتلاف الكتب (٤). وأضافو عليها ما يلي:

стр. 427

المطلب الأول: دعوى التشدد في العقائد والعبادات من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى التشدد في العقائد والعبادات وغيرها. يقول محمد العطاونة: "وإجمالاً أدت الفتاوى الوهابية التقليدية جزءاً مهماً في تقديم التفسيرات الوهابية للإسلام بوصفها مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى. ويظهر هذا في الميل إلى الرجوع إلى مصادر مختلفة، وغالباً ما يذكر المفتون فتاوى مختلفة في مسألة ما، ويُدرجون آراءهم التي يرجّحون فيها التفسير الصحيح. وغالباً ما يستخدمون عبارة "أما بالنسبة إلينا … " وكانت هذه طريقة ذكية عبّر من خلالها علماء الوهابية الأوائل عن موقفهم المتميز، موضحين فهمهم للإسلام. صوّر النموذج الوهابي الإسلام غالبًا بأنه نهج علمي تميز بالتشدد في الأمور الفقهية" (١). ويقول محمد المحمود: "أحياناً يكون الخطاب السلفي المتشدد، منحصراً في مسلك تنظيري، بحيث لا يظن كثير من أولئك الذين يتماهون معه أنه منطوٍ على مقدمات تمهيدية للخطاب التكفيري. يغلب هذا الوهم على الظن في كثير من الأحيان، خاصة وأن الخطاب السلفي المتشدد، ربما تكون له مسيرة سلمية خاصة، وهي مسيرة سلمية تنبع سلميتها من خارج الخطاب، وليس من داخله. إنها مسيرة سلمية للسلفية، تفرضها شروط الواقع؛ لأنه لا يوجد لها من الأحداث -من حيث النوع أو الكم- ما يمكن أن يكون مستفزاً لها. وفي هذه الحال الاستثنائية، تبقى المفردات التكفيرية قارّة في السياق التنظيري للخطاب المتطرف. وبهذا يبدو مظهرها السلمي خادعاً ومغرياً للسذج، إذ هي -كما تبدو- مجرد تشدد ديني ذاتي، لا يثمر في الواقع أية تأزمات، أي أنها تبدو وكأنها من جملة الخيارات الدينية الخاصة. لكنها - في الحقيقة- ليست إلا فتاوى بمثابة قرارات إعدام، تنتظر من يمنحها مشروعية التطبيق. ولو أخذنا مثالاً حياً على ذلك ما يُسمى ب (نواقض الإسلام)، تلك المفردات التي

стр. 428

طرحتها السلفية التقليدية، وتم ترسيخها والتأكد عليها في الذهنية العامة، كمخرجات من الملة (=قنوات للخروج من الإسلام)، لوجدنا أن لها طابع الأحكام الإسلامية العامة، أي الأحكام التي نتفق مع معظم المسلمين في عمومياتها، ولكنها -ومن دون تردد- نختلف معها- ويجب أن نختلف معها- في التفاصيل التطبيقية الدقيقة اختلافاً كبيراً، وإلا أصبحنا مكفراتية بامتياز" (١). ويقول منير أديب: "تحولت هذه السلفية إلى اتجاه مذهبي داخل الفكر الإسلامي، وهي تتسم بالتشدد الاعتقادي، والتصلب في تطبيق الشريعة، بناء على تصور يقسم العالم بشكل حاد إلى: عالم كافر مشرك، وعالم مؤمن مسلم، وعقيدة الولاء والبراء هي من المرتكزات الأساسية في هذه السلفية" (٢). كما زعموا أن ما يحصل من تشدد عند بعض الجهاديين سببه هو الرجوع إلى التراث الوهابي، وأن تحليل كتب الوهابية توصل للعنف. يقول رول ميير (٣) في الفرع الثاني من السلفية الجهادية حسب تقسيمه: "الفرع الثاني: تعود جذوره إلى المملكة العربية السعودية، ويتمثل في الوهابيين الجدد، يقودهم المفتي والشخصية المرموقة الشيخ عبد العزيز بن باز وتلاميذه الذين أسسوا، بجانب أمور أخرى، حركة الصحوة" (٤). ويقول محمد المحمود: "كل المراجع الإرهابية - التي يسمونها في جماعاتهم: هيئات

стр. 429

شرعية- تفتي بكفر الدولة، ومن ثم المجتمع؛ لأنه لم يخرج على الدولة التي حكموا بكفرها، ولهذا، لا تعجب حين نرى المتطرفين يعمدون إلى استحلال الأموال والأنفس والأعراض، لأننا -في تصورهم التكفيري- كفار. وسبب تكفيرهم لنا، أننا لم نخرج على الدولة التي كفروها. فنحن كفار؛ لأننا موالون للكفار، بعدم خروجنا عليهم. والكافر عندهم حلال الدم والمال والعرض، ولابد من إعلان الجهاد (=الإرهاب) ضده، مهما كلف الأمر. طبعاً، لا يخفى أن كثيراً من المقولات التي يتشدق بها المتطرفون هي مقولات ليست غريبة عن بيئتنا المحلية، بل هي مأخوذة من صلب المنظومة الفكرية للسلفية التقليدية، تلك المنظومة التي تنطوي على مقولات إرهابية تنتظر من يفعّلها. هذا، إن لم تكن غير غائبة عن المناهج التعليمية في بعض الأقسام في جامعاتنا. أما أنها تدرّس في بعض المساجد والمنازل، وتؤلف فيها الكتب وتطبع، فهذا أمر لم يعد خافياً، إلا على من لا يريد أن يرى الأمور كما هي عليه، وإنما يريد أن يراها كما يرغب أن تكون عليه، وفق مقتضيات مصالحه الخاصة، التي لا علاقة لها بالبحث المعرفي لا من قريب ولا من بعيد" (١). كما زعموا أن الوهابية تدعم جماعات الثوار، يقول باتريك كوكبيرن: " إن معتقدات الوهابية ليست مختلفة كثيراً عن معتقدات القاعدة أو أي جماعة سلفية جهادية في منطقة الشرق الأوسط. فالوهابية ترفض كلياً المذاهب الإسلامية الأخرى وكذلك المعتقدات غير الإسلامية. فهي تعتبر أن المذهب الشيعي بدعة" (٢). ويقول أحمد سالم: "-كل أو أكثر الثورات والحركات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين ضد الغزو الأوروبي ستحمل في طياتها بذرة وهابية-. هكذا يقول محمد جلال كشك في كتابه: (السعوديون والحل الإسلامي). ولا أستطيع أن

стр. 430

أقول: إن هذه الكلية تجد في نفسي صدى واسعاً، ولا أجد في الوقت نفسه متسعاً لنقاش حدود إمكانية صدقها بدقة تكون أمينة مع التاريخ، منصفة لصاحب المقولة في الوقت نفسه. وتنبع أهمية هذه الفكرة التي يرددها محمد جلال كشك من كونها تتردد بدرجات متفاوتة في كتابات معاصرة كثيرة تحلل التاريخ المعاصر للأمة العربية والإسلامية، فنحن نجد مثلاً برهان غليون الذي ينتمي لمدرسة فكرية مختلفة يقرر أن الوهابية (وجهت -دون شك بإحيائها ملكة التفكير الصارم من جديد في الإسلام وتوليدها إرادة عميقة في الإصلاح والتغيير، وبعثها روح الكفاح والمعارضة التي كان ابن تيمية رمزها، وإعادتها الشريعة إلى مكانها الأول في الوعي الديني- ضربة عنيفة للأسس التي كان يقوم عليها التوازن العقائدي والسياسي القائم، وبهذا أعطت الوهابية دفعة لا شك فيها للجدلية الاجتماعية السياسية والفكرية التي كانت قد تجمدت تقريباً منذ قرون عدة في المجتمعات العربية) (١) " (٢). كما زعموا أن إعادة طباعة كتب الدعوة الوهابية من قبل هؤلاء الثوار يدل على أن استمداد العنف منها. يقول فؤاد إبراهيم: "إن إعادة طبع كتب مؤرخي المذهب الرسمي والمقررين للغارات السعودية في أدوارها الثلاثة -من ابن غنام وابن بشر حتى إبراهيم بن صالح النجدي- لا تحتمل تفسيراً آخر غير ما قيل من أن العنف يستمد قوته ومصادر تغذيته من الدولة نفسها" (٣). ويقول محمد المحمود: "كثيرون جداً لا يصدقون، بل وربما لا يريدون أن يصدقوا أن كثيراً من أساتذة كلياتنا الشرعية، وكثيراً من قضاتنا الشرعيين، وكثيراً من خطباء جوامعنا وأئمة مساجدنا، مُروجون لخطاب التكفير السلفي، ومؤيدون -صراحة- لاستخدام العنف الذي يصل حد المطالبة العلنية بتنفيذ جريمة: (القتل) بالآخر المخالف. واقرأ بتفحص - لتقتنع! -

стр. 431

تلك المقررات الدينية، وخاصة مقررات (دروس العقيدة)، التي يتم تدريسها في الكليات الشرعية، وانظر طبيعة الإحالات، بل انظر إلى الإجراء الذي تقترحه هذه المقررات للتعامل مع المخالفين، وسترى أنها أشبه بالبرنامج العملي للإرهاب. اقرأ كيف يتغنى أساتذة العقيدة في جامعاتنا ومعاهدنا العلمية، بقتل الجعد بن درهم نحراً يوم عيد الأضحى، وكيف يعدون هذا الفعل عين الصواب" (١). حقيقة هذه الدعوى: إن إتهام دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالتشدد يعود إلى عدم الفهم الصحيح لدعوة الإمام؛ بل لعدم فهم العقيدة الصحيحة (٢)، والاتهام بالتشدد وجه للدعوة السلفية؛ بل للإسلام، ويريد أهل الأهواء بذلك أن يصدوا عن دعوة الإمام، وأن لا تُنكر عليهم بدعهم ومنكراتهم، وأن لا يُصدوا عن شهواتهم (٣). الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن كلمة التشدد التي تعني تكليف الإنسان نفسه من العبادة فوق طاقته (٤)، والبعد عن يسر الدين وسماحته؛ غير مقبول ومخالف للنصوص الشرعية التي جاءت بالتيسير ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال ﷺ : «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا» (٥).

стр. 432

ودعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية بعيدة عن الإفراط والتفريط، والتشدد، وقد سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان وسطية دعوة الإمام (١). ثانيا: أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوة للدين كله وأهمه الدعوة إلى التوحيد، وهذا ظاهر جلي في مؤلفاته ورسائله وسيرته العلمية والعملية، وفي أبنائه وأنصار دعوته، والدولة التي نصرت دعوته وهي الدولة السعودية الأولى إلى الدولة السعودية الثالثة. وقد نشأ ﵀ في عصر كثرت فيه البدع وخف ميزان العقيدة فبدأ دعوته ﵀ بترسيخ العقيدة الصحيحة، ونبذ البدع والخرافات التي كان سببها الجهل، فكانت دعوته دعوة إصلاحية جاءت في وقت الناس فيه أحوج ما يكونوا إلى تصحيح عقيدتهم (٢). ثالثا: أن وصف هذه الدعوة بالتشدد دعوى باطلة، فهي دعوة سلفية تميزت باعتمادها على الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، مع العناية بالدعوة إلى التوحيد ورد الشبهات وكشفها. وأكثر من يتهم دعوة الإمام بالتشدد هم من غير المنتسبين للعلم الشرعي مما يدل على عدم فهمهم لحقيقة الدعوة (٣). وقد كانت دعوة الإمام دعوة هدى وساق الناس إلى الدين السمح بالحكمة والرفق واللين، وانتفع الناس بدعوته، ومن سيرته المرضية وإرشاده النافع (٤). يقول جمال أحمد السيد المراكبي - رئيس أنصار السنة المحمدية- في تصريح له حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: " إن الاتهامات التي تنسب الغلو والتشدد لفكر الشيخ ابن عبد الوهاب قد كثرت في الأزمنة الماضية ولكن تضاءلت في السبعينات من القرن العشرين ثم فجأة

стр. 433

بدأت تطل برأسها في القرن الحادي والعشرين بكتابات تهاجم هذا الفكر وتصف من يعتنقه بأنه من أتباع الاسلام الوهابي أو الاسلام السعودي أو الاسلام المصري أو السلفي … وهكذا". ثم يقول أيضًا: "إن هذه اتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة، فاذا نظرنا إلى الفكر السلفي في المملكة، نجد الذي يتبناه ويحمله هم كبار العلماء في المملكة والعالم الإسلامي مثل الشيخ ابن سعدي والعلامة محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين ﵏ جميعاً- ومن الأحياء الشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الاسلامية وسماحة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ وغيرهم كثيرين فهل نجد في فكر هؤلاء تطرفاً أو دعوة إلى حمل السلاح، كلا" (١). رابعا: قول محمد العطاونة بأن الفتاوى الوهابية التقليدية قدمت تفسيرات للإسلام مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى الخ. فدعوة الإمام (٢) تعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ولا تخرج عن مذاهب الأئمة الأربعة؛ لكن الكاتب ذكر أن الفتاوى الوهابية قدمت تفسيرات مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى، والأصل أن يقول خالفت الكتاب والسنة لأنهما المرجع عند الاختلاف؛ لكن لما كانت الفتاوى الوهابية لا تخالف الكتاب والسنة قال: " قدمت تفسيرات للإسلام مختلفة عن المجموعات الإسلامية الأخرى". وهذا الكلام غير صحيح، فدعوة الإمام ﵀ لم تخرج عن مذهب السلف، ولا عن الأئمة الأربعة، وإنما المخالفون لها، المعادون لها يريدون تنفير الناس عن الدعوة. يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من

стр. 434

علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة أمر دينها، بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما ورد في الأحاديث، ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ ، وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة، فنهدت لمناهضته واضطهاده القوى الثلاث: قوة الدولة والحكام، وقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الطغام، وكان أقوى سلاحهم في الرد عليه أنه خالف جمهور المسلمين. مَنْ هؤلاء المسلمون الذين خالفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته؟ هم أعراب في البوادي شر من أهل الجاهلية، يعيشون بالسلب والنهب، ويستحلون قتل المسلم وغيره لأجل الكسب، ويتحاكمون إلى طواغيتهم في كل أمر، ويجحدون كثيراً من أمور الإسلام المجمع عليها التي لا يسع مسلماً جهلها، ولا يقيمون ما حفظوا اسمه منها، ولكنهم قد يسمون أنفسهم مسلمين، وأهل حضر، فشت فيهم البدع الوثنية والمعاصي وأضاعوا هدي الشرع في العمل والحكم، فضاع جل ملكهم، وذهب سابق عزهم، وعرف هذا عالمهم وجاهلهم، وصرنا نسمع خطباءهم على منابر الجمعة يقولون: "لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه"، على ما في كثير من هذه الخطب من تأييد البدع والكذب على الله ورسوله، والتعاليم التي تزيد الأمة جهلاً وضعفاً وفقراً، وهم لها مقترفون، وعليها مصرون، حتى إذا ما ارتفع صوت مصلح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يشكون منه بالإجمال، مبيناً لهم أسبابه وسوء عاقبته بالتفصيل، هبوا لمعارضته، واستعدوا عليه الظالمين المستبدين للانتقام منه، إذا لم يجد هؤلاء الظالمون باعثاً سياسياً للإيقاع به" (١). ومما قاله الأستاذ منح هارون في الرد على الكاتب الإنجليزي ويلز: "وكل ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب قال به غيره ممن سبقه من الأئمة الأعلام، ومن الصحابة الكرام، ولم يخرج في

стр. 435

شيء عما قاله الإمام أحمد وابن تيمية -رحمهما الله- " (١). يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فإن الذي أنا عليه، وأدعوكم إليه، هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم، فإنهم قد وصوا الناس بذلك" (٢). وقال أيضا "فنحن - ولله الحمد - متبعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (٣). ثم قول الكاتب: " المجموعات الإسلامية الأخرى"، من هي هذه المجموعات الإسلامية الأخرى؟ هل هي المذاهب الأربعة، أو الصوفية، أو الرافضة، أو غير ذلك؟ وهذا من عادة المخالفين ذكر الأمور المجملة، لعلمهم أن التفصيل يبين الخلال المنهجي عندهم. ولذلك يقول باتريك كوكبيرين " فالوهابية ترفض كلياً المذاهب الإسلامية الأخرى وكذلك المعتقدات غير الإسلامية. فهي تعتبر أن المذهب الشيعي بدعة" (٤)، مما يؤكد بأنهم يقصدون بالمجموعات الإسلامية الأخرى أهل البدع والضلالة. وهذا الأمر هو الذي أنكره أئمة الدعوة ﵏ يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: "ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم؛ بل لا نقرهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة؛ بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة " (٥).

стр. 436

ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في تقليد واتباع الأئمة الأربعة: "التمذهب بمذهب من المذاهب الأَربعة سائغ، بل هو بالإجماع، أو كالاجماع ولا محذور فيه كالانتساب إلى أحد الأربعة فإنهم أئمة بالإجماع" (١). خامسا: قول محمد المحمود عن الخطاب السلفي المتشدد أنه منحصر في مسلك تنظيري، وأنه ربما تكون له مسيرة سلمية خاصة، وهي مسيرة سلمية تنبع سلميتها من خارج الخطاب، وليس من داخله … ثم قال "لكنها -في الحقيقة- ليست إلا فتاوى بمثابة قرارات إعدام، تنتظر من يمنحها مشروعية التطبيق". فهذا من التناقض، فإن كان الخطاب سلفيا فهو خطاب صحيح؛ لأنه يعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح. ثم كيف يكون الخطاب السلفي المتشدد منحصرا في مسلك تنظيري - حسب زعمه-، ثم تكون فتاواه بمثابة قرارات إعدام، تنتظر من يمنحها مشروعية التطبيق؟! فهو إما أن يكون مسلكا تنظريا منحصرا، فيستمر على هذا المسلك، ولا يتحول لتطبيق، أو يكون ليس تنظريا ولا منحصرا فيتحول إلى تطبيق. والحقيقة أن الخطاب السلفي الصحيح ليس بمنحصر في مسلك تنظيري؛ بل هو مسلك عملي، يشهد له الواقع، وقد صدر عنه من الفتاوى الكثيرة في نبذ التطرف والتشدد، هذا من الجهة العلمية. أما من الجهة العملية فإن هذه الدولة المملكة العربية السعودية تحارب التطرف والغلو (٢). سادسا: قول منير أديب عن دعوة الإمام بأنها: "تتسم بالتشدد الاعتقادي، والتصلب في تطبيق الشريعة، بناء على تصور يقسم العالم بشكل حاد إلى: عالم كافر مشرك، وعالم مؤمن

стр. 437

مسلم". سبق الجواب عنها في الفصل الثالث، الدعوى الخامسة، وأن تقسيم العالم إلى كافر مشرك، وعالم مؤمن مسلم، هو ما دل عليه الكتاب والسنة وكلام أهل العلم. سابعا: قول محمد المحمود بأن كثيراً من المقولات التي يتشدق بها المتطرفون هي مقولات ليست غريبة عن بيئتنا المحلية، بل هي مأخوذة من صلب المنظومة الفكرية للسلفية التقليدية، وأنها تدرس في جامعاتنا ومدارسنا … الخ. فإنه - ولله الحمد- فإن مناهجنا التي تدرس في جامعاتنا ومدارسنا هي مناهج ومؤلفات أئمة السلف وأئمة الدعوة ﵏، التي توافق الكتاب والسنة وتستند عليهما (١). لكن سوء الفهم والهوى هو الذي يعمي ويصم؛ وإلا أين هذه المقولات في مناهجنا؟ وكم عددها؟ ومن هو المتأثر بها؟ وكم عددهم؟ (٢) بل العكس هو الصحيح؛ فإن المقولات التي تحارب التشدد والتطرف أكثر من أن تحصى، وفتاوى أهل العلم في هذا كثيرة، والمخالفون لها هم قلة- ولله الحمد-، ووجود مثل هؤلاء القلة لا يعني أنهم على الحق، ولا يعني أن نوافقهم على ما هم عليه. وعلماء وأئمة هذه الدعوة هم من أوائل من حذر من هؤلاء الغلاة، ومن منهجهم (٣). ثم إن أعظم كتاب وأحكمه وأبلغه وأهداه وأرشده، كتابُ الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومع ذلك يستدل منه الغالي المكفر والمفرط المرجئ، وذلك كله حين لا يردون متشابهه إلى محكمه، ولا يعتبرون أصول الاستدلال وحقائق معاني الكلام، وحين يغلب المرض على قلوبهم ويبتغون الفتنة كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ

стр. 438

تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]. ومع هذا يحرم أن نقول: إن القرآن هو سبب البدع ومرجع المبتدعين، وإذا صدق هذا على القرآن - أعني رد المتشابه إلى المحكم- فهو على ما دونه من القول أصدق. ثامنا: قول محمد المحمود عن أساتذة الجامعات والقضاة والخطباء وأئمة المساجد أنهم "مُروجون لخطاب التكفير السلفي، ومؤيدون -صراحة- لاستخدام العنف الذي يصل حد المطالبة العلنية بتنفيذ جريمة: (القتل) بالآخر المخالف". ثم ذكر مثلا على ذلك "قتل الجعد بن درهم نحراً يوم عيد الأضحى، وكيف يعدون هذا الفعل عين الصواب". فقوله: "مروجون لخطاب التكفير السلفي" فهذا حق؛ لأن التكفير السلفي هو التكفير المستمد من الكتاب والسنة وفق الضوابط الشرعية، ولا يمكن أن يكون التكفير السلفي مؤيدا لاستخدام العنف أو القتل بغير حق. ثم قوله عن هذا العنف: " الذي يصل حد المطالبة العلنية بتنفيذ جريمة: (القتل) بالآخر المخالف"، من هو المخالف الآخر عنده؟ ذكر لذلك مثلا، وهو "الجعد بن درهم"، فهو يرى أن قتل الجعد بن درهم من العنف. وهذا يؤكد لك أن الكاتب لا يريد عقيدة السلف، وأن المقولات المخالفة عنده هي ما اتفق عليه السلف الصالح؛ وإلا فالجعد بن درهم، المبتدع الضال، الذي أخذ بدعته عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، زوج ابنته، وأخذها لبيد بن أعصم الساحر -الذي سحر الرسول ﷺ عن يهودي باليمن. الجعد بن درهم الذي قال بخلق القرآن، وزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلِّم موسى تكليماً، هلك سنة ١١٨ هـ، وقد افتى بقتله العلماء (١). تاسعا: قول أحمد سالم عن دعوة الإمام وقد ساق العبارة التالية في سياق أثر الدعوة

стр. 439

الوهابية في التيارات الإسلامية المصرية: "كل أو أكثر الثورات والحركات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين ضد الغزو الأوروبي ستحمل في طياتها بذرة وهابية". هذه العبارة مما تمدح به دعوة الإمام ﵀؛ فإن هذه الثورات أو الحركات الإسلامية قامت ضد الغزو الأوروبي؛ إلا إذا كان الكاتب لا يريد مقاومة الغزو الأوربي؟! ثم إن أصل هذه العبارة منقولة من الكاتب محمد جلال كشك حيث يقول: " وهكذا نرى أننا نظلم الشيخ ونظلم دعوته، بل نظلم السلفية والسلفيين عندما نتحدث عنهم بالمفهوم السوقي الشائع، بينما فلسفته وتاريخه وما ترتب على دعوته، يؤكد أنها كانت ثورة على الواقع، دعوة للرفض، دعوة لتحرير الإنسان المسلم، لتحرير الفكر الإسلامي وإسقاط الكهنوتية عن كل الفكر البشري في عصره، دعوة للتحرر من التخلف الذي أخفى جوهر الدعوة الإسلامية .. فالثورة تبدأ بالاعتزاز بالتراث، وجعله قاعدة البناء الحضاري المطلوب، لا هدمه ولا النوم تحت أنقاضه، وكل الثورات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين ضد الغزو الأوروبي ستحمل في طياتها بذرة وهابية" (١). فهو ساق العبارة في سياق المدح، والكاتب ساقها في سياق الذم؟! عاشرا: قول فؤاد إبراهيم: "إن إعادة طبع كتب مؤرخي المذهب الرسمي والمقررين للغارات السعودية في أدوارها الثلاثة -من ابن غنام وابن بشر حتى إبراهيم بن صالح النجدي- لا تحتمل تفسيراً آخر غير ما قيل من أن العنف يستمد قوته ومصادر تغذيته من الدولة نفسها". فقد سبق في الفصل الأول، في الجواب عن الدعوى الأولى، وفي الفصل الثالث، الجواب عن الدعوى الثالثة الجواب عن هذه الفرية، وأن أنتساب أهل التشدد أو نسبتهم لدعوة الإمام ومؤلفاتهم غير صحيحة، وأن الخطأ الحاصل من أهل التشدد بسب رجوعهم لكتب أئمة الدعوة هو بسب عدم فهمهم لها ولا ينسب للدعوة، كما أن الخطأ الحاصل من الخوارج وأهل البدع في فهمهم للقرآن والسنة لا ينسب لههما.

стр. 440

والإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ليس: " إلا داعية، هدى الناس من الضلال وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعباً من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص، مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد أنملة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له" (١). وأيضاً لا يلزم من ادعاء أهل الباطل موافقة أهل الحق في الرجوع لبعض الكتب أنهم منهم، وإلا للزم من هذا أن تكون المرجئة والخوارج والقدرية وكل أهل البدع من أهل السنة لأنهم موافقون لهم في الاعتماد على القرآن، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم. الحادي عشر: أنه ليس من النقد أبداً الجزمُ بكون مؤلفات أئمة الدعوة مصدر التشدد والتطرف، وأن أتباع الدعوة متطرفون يتوافقون مع أهل الغلو والتشدد. وهذا التشدد والتطرف لم يذكر عليه دليلا وأحدا من كلام أئمة وعلماء الدعوة، ولو راجعنا فقط بعض فتاوى المشايخ المعاصرين كالشيخ عبد العزيز ابن باز والشيخ محمد ابن عثيمين، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الرحمن البراك وجميع العلماء الذي تتابعوا على عضوية هيئة كبار العلماء في السعودية وغيرهم والذين يرجعون لكتب أئمة الدعوة لوجدنا فتاواهم بعيدة عن التشدد والتطرف، ولوجدناهم يحترمون العلماء ويعتبرون كلامهم، وهذا الاحترام والعناية لا تعني أنهم يتبعون الباطل، ولا يبينون الحق (٢). الثاني عشر: يقال لمن انتقد مؤلفات أئمة الدعوة ووصفها بالغلو والتطرف والتشدد: ماذا تعرفون عن دعوة الإمام؟ وهل قرأتم شيئاً من مؤلفاته؟ فإن الحكم على الشيء ناتج عن تصوره. والغالب - ومن خلال تلك الدعاوى والردود على الإمام - أن إجابة الكثير منهم أنهم لا يعرفون شيئاً عن الإمام، ولا عن دعوته، وإنما سمعوا عنها عن طريق المناوئين لها أو عن طريق المستشرقين، وفي أقل الأحوال عن طريق من يجهلون الدعوة وحالها. ومن هنا جاء الخلل في

стр. 441

اتهام دعوة الشيخ بالتشدد والغلو والتطرف حتى أصبح مصطلح (الوهابية) عند البعض علماً على ذلك. يقول الأستاذ الأديب أحمد سعيد البغدادي (١): " وأما حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب، وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه بتأمل؛ لأن غالب المؤرخين الشرقيين ينقلون عن كتب الإفرنجية؛ فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل، وإن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى" (٢). ومن أراد أن يقف على حقيقة الدعوة فليقرأ كتب أئمة الدعوة ومؤلفاتهم، مثل: كتاب التوحيد، أو كشف الشبهات، أو الأصول الثلاثة، أو آداب المشي إلى الصلاة أو فتح المجيد … ثم بعد ذلك يأتي الحكم على دعوة الإمام. وينظروا هل يجدوا التشدد الذي يزعمونه (٣).

стр. 442

المطلب الثاني: دعوى الغلو في دعوة الإمام والمقارنة بينها وبين دعوة النبي ﷺ - من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى الغلو في دعوة الإمام والمقارنة بينها وبين دعوة النبي ﷺ . يقول فؤاد إبراهيم: "ثمة تماثل مفزع يراد تأكيده وحشد الأدلة المتوالية خلفه بين بعثة الرسول محمد ﷺ ، وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهناك من ينمي الاعتقاد بأن ثمة بعثتين في الإسلام: الأولى تمت على يد محمد بن عبد الله ﷺ ، والثانية على يد محمد بن عبد الوهاب. ويذكر الشيخ أحمد آل طامي بعضاً من أوجه الشبه بين العصرين فيقول: (عصر الرسول كان عصراً قد بلغ من فساد العقائد والعادات والأخلاق مبلغاً عظيماً، فالأصنام كانت تُعبد من دون الله في المسجد الحرام عند الكعبة وغيرها. كانت العرب قد انحطت إلى أسفل الدركات من الوثنية الممقوتة والعادات السافلة الرذيلة، من شرب الخمور، والبغاء، ووأد البنات، وتحكم الأقوياء في الضعفاء) لينتهي بالقول: (وقصارى ما يقال في هذا العصر أنه عصر انتحار الفضائل الإنسانية الكبرى، والمعاني السامية العليا) (١). إن تصوّر المهمة الدعوية للشيخ محمد بن عبد الوهاب في قومه، يوحي هو أيضاً بتلك العقيدة. ففي رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق، يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالته في قومه قائلاً: (بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات والصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به، من الذبح والنذر والتوكل، والسجود … ). ويمضي قائلاً: (وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء؛ لكونه خالف عادات نشأوا عليها، وألزمت من تحت يدي بإقامة الصلاة، وإيتاء

стр. 443

الزكاة، وغير ذلك، من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنوع المسكرات) (١). وتنبئ هذه التنضيدة المتقنة بأن ثمة إسقاطات متكررة من سيرة الرسول الأكرم ﷺ وإحضاراً لها في السيرة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب". ثم ذكر رواية رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في دخول مكة، ثم قال: قد تستدعي هذه الرواية قصة فتح مكة على يد الرسول ﷺ وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فثمة إشارات قوية إلى الاندراج بطريقة التطابق في تجربة الفتح الأولى، ولا يخفى الهدف من ذلك، إذ إن تمثل التجربة الدعوية الأولى يحقق معنى التأسي ويكفل مشروعية الفعل، أي الغزو، وأخيراً يخدم عقيدة التنزيه" (٢). ويقول حسن بن فرحان المالكي عن تهمة الإمام محمد بن عبد الوهاب بإدعاء النبوة: "ومجمل التهمة (أنه ادعى النبوة بلسان الحال لا بلسان المقال)، وهذه تهمة جائرة ظالمة، لكن من الإنصاف أن نقول أنهم لم يلقوها هكذا … ولا يقصدون أنه أدعى النبوة جهارا ولكنه في نظرهم أنزل نفسه وأصحابه منزلة النبي وأصحابه" (٣). حقيقة هذه الدعوى: هو إتهام أتباع دعوة الإمام بالغلو فيه، ومحاولة إنزال دعوته وأتباعه منزلة النبي ﷺ وأصحابه. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن مقارنة دعوة الإمام بدعوة النبي ﷺ شرف لها، وتزكية لها، وإنما تعرف الدعوة الحق من الباطل بالتزامها بدعوة النبي ﷺ ، وبقدر قربها منه، فهي قريبة من الحق، والعكس بالعكس. ثانيا: أن هذه المقارنة؛ إما أن تكون صحيحة، فهي حق -ولله الحمد-، وإما أن تكون

стр. 444

باطلة؛ فإن كانت باطلة فما هو الباطل فيها؟، لكن المناوئ لها لما لم يجد ما يطعنها به، قال ما قال: من أنه ثم بعثتين لكي يشوه دعوة الإمام. ثالثا: قول فؤاد إبراهيم بعد أن ذكر ما قام به الإمام من الإلزام بالصلاة وإيتاء الزكاة والحث على فرائض الله، والنهي عن الربا وشرب المسكر: " وتنبئ هذه التنضيدة المتقنة بأن ثمة إسقاطات متكررة من سيرة الرسول الأكرم ﷺ وإحضاراً لها في السيرة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب". فهذه شهادة للإمام محمد بن عبد الوهاب بالاقتداء والاتباع للنبي ﷺ . ثم إن هذا الأمر ليس إسقاطا متكررا من سيرة الرسول ﷺ وإحضارا لها في السيرة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ بل هي حقيقة وواقع؛ فإن نجدا كانت على حال سيئة من الإنحراف في العقيدة والعبادة، وقد تأثر علماء نجد فضلا عن عوامهم بعلم الكلام والتصوف (١)، فجاء الإمام ﵀ فدعى الناس إلى التوحيد وإلى عبادة الله وحده، وحثهم على الفرائض والأخلاق الحسنة وترك الفواحش. يقول د. محمد محمد حسين (٢) ﵀: " ما من دعوة إلا وقد ابتليت بمن يسيء فهمها وتطبيقها، والإسلام نفسه لا يخلو من ذلك، ولكن لا نحكم على الإسلام بسوء فهم بعض المسلمين أو سوء تصرفهم. أما لبّ الدعوة وحقيقتها فهي ثابتة واضحة فيما تركه صاحب الدعوة من كتب ومن رسائل، وهذه الكتب والرسائل هي التي يحتكم إليها ولا يحتكم إلى سواها في معرفة حقيقة الدعوة مجردة من المبالغات ومن ردود الأفعال، وقد ترك صاحب الدعوة مجموعة من الرسائل التي بعث بها إلى الزعماء والعلماء من أهل عصره يبصرهم بحقيقة دعوته ويرد على ما أثير حولها من تهم وشبهات وما أشاعه خصومها من اعتراضات.

стр. 445

وهذه الرسائل تقدم صورة واضحة لفساد الحال في المجتمع النجدي الذي نزل به الجهل إلى تقديس الحجر والشجر والقعود عن الأخذ بالأسباب حين استبدلوا بها التعلق بأوهام لا تمت إلى الدين بسبب، مع ارتداد الحياة الجاهلية الأولى في البغي والظلم والنهب والسلب والسطو على الأموال والأعراض وقطع الطريق على حجاج بيت الله" (١). ويقول د. علي عبد الحليم محمود ﵀: "شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ داعية إسلامي مصلح مجدد في القرن الثاني عشر الهجري، ذلك القرن الذي كانت تسيطر فيه على المسلمين أسباب الضعف السياسي، وأنواع الضلال الفكري، وصنوف الانحراف عن جادة الحق جادة الإسلام، القرن الذي أوشك بعض المسلمين فيه أن يعودوا إلى عبادة الصالحين والأوثان. استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بتوفيق من الله أن يعرف دينه حق المعرفة وأن يدرك مقاصده وأهدافه، وأن يجند نفسه للعمل إلى الوصول لتلك المقاصد والأهداف. استطاع الشيخ الإمام أن يزيل عن قلوب كثير من المسلمين ما علق عليها من صدأ، وأن يقشع عن عيونهم ما ضللها من غيوم وسحب وذلك عندما أخذ على عاتقه أن يشرح للناس عقيدة الإسلام وأن ينقيها من الشوائب التي أدخلها عليها أهل الباطل والضلال والزيغ والهوى" (٢). ويقول أولفيه ده كورانسيز: "الوهابية قد نقوا الإسلام مما أدخل عليه من تشويه وأعدوه إلى بساطته الأولى وصفائه. ولم يظهر الوهابيون إلا منذ خمسين سنة -بالنسبة لزمن هذا الكاتب- ولكن هذه السرعة الهائلة التي اتسمت بها فتوحاتهم، ضمانة كبيرة لبقائهم وعظمتهم. كان المسلمون يومئذ -أي منذ ظهور محمد بن عبد الوهاب- يمارسون أشكالاً غريبة من العبادات بحيث لو عاد "محمد" ﷺ إلى الدنيا، لظن أن الإسلام زال منها. ولرأى شيئاً عجيباً، فعلى القبور تقام القباب والمباني، ويزعم أن لأصحابها كرامات ومعجزات، وهناك وسطاء بين الله والناس يقبلون الرشوة، ومجانين ينتقلون في البلاد بحرية، ولا يجرؤ أحد على

стр. 446

مقاومتهم لأنهم فيما يزعمون من أصحاب "السر" أو أهل الحظوة، وأما القرآن الخالد فقد فسروه تفاسير مذهلة غابت فيها حقيقته! … فجاء محمد بن عبد الوهاب وأعاد الإسلام على نقاوته الأولى" (١). رابعا: قول حسن بن فرحان المالكي عن تهمة الإمام محمد بن عبد الوهاب بإنزالهم أنفسهم منزلة النبي ﷺ وأصحابه بعد أن نفى أن يكون الإمام ادعى ذلك: "ولكنه في نظرهم (٢) أنزل نفسه وأصحابه منزلة النبي وأصحابه". نقول أن الإمام وأتباعه ﵏ لم ينزلوا أنفسهم منزلة النبي ﷺ وأصحابه، ولا يوجد هذا في كتبهم ومؤلفاتهم بلسان المقال، ولا يدل عليه لسان الحال؛ بل الإمام محمد ﵀ يؤكد أنه متبع للرسول ﷺ ، وأن أي قول خالف قول رسول الله ﷺ فإنه يرد على قائله كائنا من كان. قال ﵀: " وأما ما ذُكر لكم عني: فإني لم آته بجهالة، بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، أو غيرهم. بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو ألا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق" (٣). وقال ﵀ في مسألة الإنكار في مسائل الاجتهاد: " وأما قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة؛ فإن أراد القائل مسائل الخلاف، فهذا باطل يخالف إجماع الأمة؛ فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، وأمرنا

стр. 447

باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه، وينكر عليه. وإن أريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح" (١). ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀ مبينا أن أقوال الإمام ﵀ في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما الفروع والأحكام فهو حنبلي، وأن فائدة ذكر المصنفين للخلاف أن الحق ليس محصورا فيهم: "وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام، فهو حنبلي المذهب، لا يوجد له قول مخالف لما ذهب إليه الأئمة الأربعة، بل ولا خرج عن أقوال أئمة مذهبه، على أن الحق لم يكن محصورا في المذاهب الأربعة كما تقدم، ولو كان محصورا فيهم لما كان لذكر المصنفين في الخلاف، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم مما خرج عن أقوال الأربعة فائدة" (٢). خامسا: قول فؤاد إبراهيم: "ثمة تماثل مفزع يراد تأكيده وحشد الأدلة المتوالية خلفه بين بعثة الرسول محمد ﷺ ، وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهناك من ينمي الاعتقاد بأن ثمة بعثتين في الإسلام: الأولى تمت على يد محمد بن عبد الله ﷺ ، والثانية على يد محمد بن عبد الوهاب". فقوله: "ثمة تماثل مفزع"، فهذه شهادة أخرى أنه ثمّ تماثل بين دعوة الإمام ﵀ وبين دعوة النبي ﷺ ؛ ولكن ليس " مفزعا" إلا لأهل البدع. وقوله: " فهناك من ينمي الاعتقاد بأن ثمة بعثتين في الإسلام … "، ورد عن النبي ﷺ ، أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول ﷺ أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٣). ومعنى هذا الحديث، أنه كلما انحرف الكثير من الناس عن جادة الدين الذي أكمله الله لعباده وأتم عليهم

стр. 448

نعمته ورضيه لهم دينًا - بعث الله إليهم علماء أو عالمًا، يبصر الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويجنبهم الشرك والبدع، ويحذرهم محدثات الأمور، ويردهم عن انحرافهم إلى الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (١)، فسمى ذلك: تجديدًا بالنسبة للأمة، لا بالنسبة للدين الذي شرعه الله وأكمله، فإن التغير والضعف والانحراف إنما يطرأ مرة بعد مرة على الأمة، أما الإسلام نفسه فمحفوظ بحفظ كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المبينة له، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢). والإمام محمد بن عبد الوهاب أحد المجددين لهذا الدين، ولم يأت بدين جديد (٣). سادسا: أن واقع العالم الإسلامي في وقت الإمام ﵀ كثرت فيه الشركيات والبدع والانحرافات؛ فكان لدعوته الأثر البالغ في العالم الإسلامي، فتأثر بها العلماء وأخذوا يدعون لها وينصرونها، فانتشرت دعوته. يقول عباس محمود العقاد (٤) ﵀: "ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقة إلى مغربه، فقد تبعه كثير من الحجاج وزوار الحجاز، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأدرك المسلمون أن علة الهزائم التى تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه، وأنهم خلفاء أن يستردوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب البدع، والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه" (٥). ويقول المستشرق أرنولد عن التأثر بدعوة الإمام: "وفي القرن العشرين نشطت حركة

стр. 449

الدعوة إلى الإسلام في البنغال نشاطا ملحوظا، وأرسلت طوائف كثيرة -ينتمي أهلها إلى تأثير الحركة الوهابية الإصلاحية- دعاتهم يتنقلون في هذه المناطق، ويطهرون البلاد من بقايا العقائد الهندوكية بين الكفار" (١). وفي العراق كتبت أسرة "الألوسي" عن دعوة الإمام ونافحوا عنها (٢). كذلك تأسست "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀ (١٣٠٥ - ١٣٥٩ هـ) الذي أطلع على مبادئ الدعوة السلفية عندما ذهب للحج في مكة المكرمة، ودعا إلى إصلاح عقائد الجزائريين من البدع والخرافات، ودعا إلى الاجتهاد ومحاربة التقليد الأعمى والجمود الفكري وذلك بالتعمق بدراسة القرآن الكريم والسنة النبوية (٣). أما في السودان فيقول أرنولد: "وحول نهاية القرن الثامن عشر ظهر من بين جماعة الفلبي رجل معروف يدعى الشيخ عثمان دانفودو، عرف أنه مصلح ديني وداع ومحارب، وقد ذهب من السودان إلى مكة لأداء فريضة الحج، فعاد من هناك مليئا بالحماس والغيرة من أجل الإصلاح والدعوة للإسلام، وتأثر بالوهابية الذين كانت قوتهم آخذة في النماء، فأنكر الصلاة على روح الميت، وتعظيم من مات من الأولياء، وأستنكر من بالغ في تمجيد محمد نفسه، وهاجم شرب الخمر وفساد الأخلاق اللتين كانتا منتشرتين" (٤). وفي مصر تبنى الشيخ محمد رشيد رضا مبادئ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ودافع عنها في مؤلفاته، وكذلك عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ مصر، وهو من أشد المتأثرين بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكان يرى أن الأتراك قد ارتكبوا خطأ كبيرا عندما حاربوا دعوة الشيخ وأنصارها (٥).

стр. 450

وفي المغرب تأثر بها "سيدي محمد بن عبد الله" الذي حارب الصوفية متأثرا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكذلك "مولاي سليمان" الذي قام ضد الزوايا ودعا إلى التوحيد (١). وفي الشام كتب محمد كرد علي بحثا بعنوان «أصل الوهابية» اختتمه بقوله: "وما ابن عبد الوهاب إلا داعية هداهم من الضلال وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم سنين طويلة فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غَلْوة (٢) … " (٣). وقال عنه الأستاذ أحمد أمين: "أهم مسألة صقلت ذهن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دروسه ورحلاته مسألة التوحيد، التي هي عماد الإسلام، والتي تبلورت في لا إله إلا الله، والتي تميز الإسلام بها عما عداه، والتي دعا إليها محمد ﷺ أصدق دعوة وأجرأها، فلا أصنام ولا أوثان ولا عبادة آباء وأجداد ولا أحبار ولا نحو ذلك، ومن أجل هذا سمّى هو وأتباعه أنفسهم «بالموحِّدين» أما اسم الوهابية فهو اسم أطلقه عليه خصومه" (٤). ويقول حافظ وهبة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "مصلح مجدد، داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة، ولا أراء خاصة، وكل ما يطبق في نجد، هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله، وأما في العقائد، فهم يتبعون السلف الصالح، ويخالفون من عداهم" (٥). ويقول وثروب ستودارد: "بلغ العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري، أعظم مبلغ من التضعضع والانحطاط، فأربد جوه، وطبقت الظلمة كل صعق من أصقاعه، .. وبينما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومترنح في ظلمته، إذا بصوت يدوي في قلب الصحراء في شبه

стр. 451

الجزيرة العربية، مهد الإسلام، فيوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل، والصراط المستقيم، فكان الصراخ بهذا الصوت إنما هو المصلح المشهور محمد بن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية واتقدت ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم" (١). ويقو المستشرق بروكلمان: "فلما آب محمد بن عبد الوهاب إلى بلده الأول سعى إلى أن يعيد للعقيدة والحياة الإسلامية صفاءها الأصلي" (٢). ولقد كتب الناس عنه كتابات كثيرة ما بين موجز وما بين مطول، ولقد أفرده كثير منهم بكتابات، وكتب عنه آخرون في أثناء كتاباتهم عن المصلحين وفي أثناء كتاباتهم في التاريخ، ووصفه المنصفون منهم بأنه مصلح عظيم، وبأنه مجدد للإسلام، وبأنه على هدى ونور من ربه، ورثاه بعضهم بمرثيات عظيمة (٣).

стр. 452

المطلب الثالث: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب، وأن المناطق التي يسيطر عليها من ينتسب للدعوة يكثر فيها العنف والإرهاب. يقول دور غولد في تعليقه على حادثة تفجير في إندونيسيا (تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٠٢ م): "في الواقع، وجدت الشرطة الإندونيسية أن المشتبه به الأول في التفجير ينتمي إلى خلية وهابية عنيفة في شرق "جافا"، سبق لها أن اصدمت بمسلمين آخرين، بل وفجرت ضريح وليّ مسلم محلي. من هنا، ليست الوهابية، في نظر هؤلاء المعلقين المسلمين، سوى المصدر الديني والأيديولوجي لموجة الإرهاب الإسلامي العالمي الجديدة - من إندونيسيا إلى الجزائر، ومن روسيا إلى اليمن، وأخيراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ لا ينحصر انتقادهم فقط على الوهابية كعقيدة، بل يمتد بالأحرى إلى المؤسسات الوهابية - شبكات التربية وقنوات الدعم، والآليات الراهنة التي أقامتها الدولة السعودية، لتمنحها امتداداً عالمياً- فما يقولونه للغرب يفيد أنه يستحيل شرح كيف وقعت هجمات ١١ أيلول/ سبتمبر أو الحيلولة دون وقوع هجوم في المستقبل ما لم يفهم أثر الوهابية السعودية". ثم ذكر هذا الأثر - حسب زعمه- ثم قال: "باختصار، ما لم تعالج الجذور الأيديولوجية للكراهية التي أدت إلى ١١ أيلول/ سبتمبر لن نكسب الحرب ضد الإرهاب. وستبقى المسألة مسألة وقت فقط " (١). ونشرت مجلة التايمز الأمريكية ملفاً خاصًا بعنوان: (السعوديون مع من في الحرب ضد الإرهاب) (٢)، أصدرته بمناسبة مرور عامين على أحداث الحاد ي عشر من سبتمبر.

стр. 453

استغرق التقرير ستا وعشرين صفحة من صفحات المجلة، وشارك فيه مراسلون لها من الولايات المتحدة، وأوروبا، والشرق الأوسط. احتوى التقرير على صور واحصاءات وخرائط توضيحية وعناوين فرعية صارخة ومستفزة. تحت عنوان: (اقتلاع جذور ثقافة التعصب)، قال التقرير في حث واضح للولايات المتحدة على مكافحة الإرهاب الوهابي: "لابد من تغيير الأدمغة. إن الكثير من السعوديين مستاؤون من لصق صفة الإرهاب بالوهابية، وهي النسخة المتشددة من الإسلام المطبق في السعودية. إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي)، التي يمكن بدورها أن تقود إلى العنف … يقول تركي الحمد الكاتب السعودي في جريدة الشرق الأوسط إن رجال الدين الرسميين (١) في السعودية يرفضون الإرهاب، لكن المشكلة في الجذور النظرية للوهابية. إن الوهابية لا تشجع العنف مباشرة؛ لكنك إذا حللت العقيدة نفسها ستصل إلى هذه النتيجة. ولذلك يقول تركي الحمد إن على السعوديين أن يرفضوا الوهابية" (٢). وفي هذا التقرير الشامل كتب الصحفي الأمريكي "ديفيد فان بيما" بالتعاون مع مراسل مجلة التايمز في باريس "بروسر كروملي" موضوعاً عن الوهابية في السعودية، بعنوان: (الوهابية: العقيدة السامة): وجاء فيه: " النسخة الوهابية من الإسلام الذي تخيله محمد بن عبد الوهاب هي الآن الدين الرسمي في المملكة العربية السعودية. إن الكثيرين هذه الأيام ينظرون إلى الوهابية برؤية سوداوية، فهي عقيدة سامة مرادفة للإرهاب". ويستدل الصحفيان على صدق مقولتهما بما أورده ستيفن شوارتز، في كتابه: (الإسلام في السعودية) عندما قال: (إذا كانت الوهابية هي العقيدة الرسمية فان ذلك ينتج دولة إرهابية)!!

стр. 454

وتحاول كثير من الكتابات الغربية ربط المفهومين الوهابية والسلفية بالعنف، وخاصة الكتابات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهذه الكتابات التي تتحامل على الوهابية والسلفية وتوجه سهام نقدها للإسلام، تجد لها طريقا للنشر في الغرب، بل ويُحتفى بها وتتداولها المنتديات على شبكة الإنترنت. ومن الأمثلة على ذلك المقال الذي كتبه "روبرت مايغ" بعنوان: "الوهابية والإسلام السلفي "، حيث جاء في افتتاحية المقال ما يلي: "الكتابة عن الوهابية والإسلام السلفي يمكن أن تملأ الكثير من الكتب، لكنني في هذا المقال سأحاول أن أوضح لماذا يكتسب هذا الموضوع أهمية كبيرة في وقتنا الراهن. فالحركتان تعتبران أصل الإرهاب الإسلامي، لأن العديد من الإرهابيين … قد ألهمتهم الوهابية وأثرت فيهم" (١). ووصف الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بأنه "أب الإسلام الإرهابي". كما وصف الكاتب الوهابية والسلفية بأنهما "تحملان أكثر التعاليم عدوانية، وأنهما تمثلان جميع المسلمين، وأن معظم المجموعات الإرهابية .... هم أتباع الوهابية أو السلفية". وفي عددها الصادر في ٧ نوفمبر ٢٠٠٧ م، وتحت عنوان الوهابية: عقيدة قاتلة، بدأت صحيفة اندبندنت البريطانية مقالها بهذه العبارة: "يُنفق النظام السعودي مليارات الجنيهات كل عام من أجل نشر الوهابية، وهي إحدى أكثر الحركات الأصولية الإسلامية تطرفاً" (٢). في هذا المقال، الذي تقل عدد صفحاته عن ست صفحات بمقاس (A ٤) ورد ذكر للسلفية والسلفيين حوالي ثلاثين مرة. وأضاف المقال أن "ريتشارد ريد"، الذي حاول تفجير طائرة الخطوط الجوية الأمريكية في رحلتها من باريس إلى ميامي يوم ٢٢ ديسمبر ٢٠٠١ م، من خلال متفجرات كان يخفيها في حذائه، بأنه أيضاً سلفي وهابي متطرف" (٣). ويقول فؤاد إبراهيم: "يمكن المجادلة بأن المدرسة السلفية الوهابية تمثل من الناحية التكوينية

стр. 455

أيديولوجية عنف، تخبر بذلك مضامينها وسيرتها في المناطق التي جرى استعمالها كمبرر للغزو، ولها تراث من العنف ضد مناطق عديدة في الجزيرة العربية والمناطق المجاورة. يقول مدير موقع (الوسطية) على شبكة الإنترنت، إن الفكر الوهابي المتشدد يتحمل مسؤولية انتشار العنف في السعودية، ويرى أن "هؤلاء الشباب الذين تبنوا العنف ينطلقون من أفكار هي أصلاً موجودة في الفكر الوهابي" (١). ثم قال: "وفي مسعى لاحتواء الانتقادات المتصاعدة ضد السعودية وأيديولوجيتها الدينية المتطرفة، عمدت الدولة إلى إظهار الوهابية باعتبارها أيديولوجية متسامحة ومتصالحة داخل الدائرة الإسلامية، ومع الأديان الأيديولوجيات الأخرى، بالرغم من أنها - أي الدولة- لم تُفلح في تقديم نموذج صالح لإقناع الضحايا في الداخل والخارج بأن هذه الأيديولوجية تستبطن عناصر تصالحية مع الآخر" (٢). ويقول برنارو لويس عند كلامه عن الوهابية وظهورها في جزيرة العرب: "فرض الوهابيون -حيثما تمكنوا- معتقداتهم بأبلغ صور العنف والقوة " (٣). حقيقة هذه الدعوى: هو أن المناوئين لدعوة الإمام لما رأوا قوة الدعوة وسرعة انتشرها، واستجابة الناس لها، جعلهم يبادرون إلى مقاومتها والصد عنها بكل الوسائل، ومن ذلك إتهام الدعوة بالإرهاب -وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر-، وأن ذلك الإرهاب بسب عقيدة الإمام - حسب زعمهم- في التكفير والقتال (٤).

стр. 456

الجواب عن هذه الدعوى: أولا: عرف المجمع الفقهي الإرهاب بأنه: " العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيًا على الإنسان (دينه، ودمه، وعقله، وماله، وعرضه)، ويشمل صنوف التخويف والأذى، والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي، فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم، أو حريتهم، أو أمنهم، أو أحوالهم للخطر، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية، أو الطبيعية للخطر، فكل هذا من صور الفساد في الأرض الذي نهى الله عنه" (١). ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه بعيدة كل البعد عن هذا الأمر؛ بل تنكره وتحاربه وترد عليه، وقد سبق بيان عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الفصل السابق " الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال"، وكذلك في هذا الفصل في الدعوى الأولى والثانية، والنقل عن بعض العلماء والمفكرين في بيان حقيقة هذه الدعوة وبعدها عن الإرهاب. ثانيا: أن إتهام دعوة الإمام بالإرهاب ليس صحيحا؛ لأن دعوة الإمام قائمة على الكتاب والسنة، وفق فهم السلف الصالح، ولا يمكن أن يصدر عنها ما يخالف عقيدة السلف لأن الأحكام الصحيحة للإسلام تمنع المسلم من أن يقتل بغير روية وتفكير، فالرسول ﷺ : «مر في إحدى المعارك فوجد امرأة كافرة مقتولة فتغير وجهه وقال: «ما كان لهذه أن تقاتل» (٢)، فالنبي ﷺ يقول ذلك والمسلمون في معركتهم مع الكفار، فكيف بمن يفجر قنبلة لا تميز بين الناس وكيف بمن يصوب مدفعاً ويطلقه ولا يميز بين هذا وذاك (٣).

стр. 457

ثالثا: أن من تكلموا بهذه التهمة - إتهام دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بالإرهاب - لم يتعرفوا على هذه الدعوة، وإنما راجت عليهم كتابات المناوئين لها والمغرضين، مع استغلال المناوئين لبعض الأحداث والوقائع للترويج لهذ الفكر، مع التقصير في البحث المنهجي للتعرف " على الحقيقة المغيبة في هذا التراكم الثقافي والإعلامي الضخم الذي روجت له أقلام الغربيين وآلتهم الإعلامية" (١). يقول محمد بهجة الأثري ﵀: "إن الحركة الوهابية التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت خليقة أن تدعى: "حركة المحمديين" نسبة إلى باعثها، وطبيعة دعوته هي التوحيد الخالص الذي بعث به الرسول ﷺ ؛ ولكنها نسبت إلى أبيه، وأبوه لا يد له فيها لأمر أرادته السياسة العثمانية وأتباعها حينما أشفقت من انتشار سلطانه أشدّ الإشفاق، فقاومتها ما وسعتها المقاومة، وبالغت في تشويه غايتها وعزتها إلى الابتداع والخروج على الدين وجعلت هذا عنواناً على ما تزعمه من ضلالها. وندع التاريخ السياسي لهذه الحركة، لنفرغ لوجهتها في الإسلام كما تهدي إليها كتب زعيمها ودراسات الباحثين المحايدين من الشرقيين والغربيين. والمجمع عليه أنّ هذه الحركة في الإسلام جديدة وقديمة معاً والواقع أنّها جديدة بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنها قديمة في حقيقة الأمر" (٢). فدعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية معتدلة تنبذ الإرهاب والقتل والفساد في الأرض، وهي حقيقة يعرفها كل من يريد الحق ويتبعه. فالأرض التي شعّ منها نور الإسلام، ونزل فيها الوحي من السماء، وانطلقت منها رسالة الرحمة إلى العالم تأبى أن تكون للإرهاب وطناً، وللكراهية مأوى، وللعنف منطلقاً.

стр. 458

فأتباع دعوة الإمام يتلقون دينهم من تعاليم القرآن الكريم الذي حرم قتل النفس بغير حق، واعتبر أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ويتلقون تعاليمهم من السنة النبوية الصحيحة التي جاء بها محمد ﷺ من ربه تعالى، وهي تعاليم أكدت على حق الحيوان فضلاً عن الإنسان، فقد ورد في الحديث: «أن امرأة دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (١)، فإذا كان هذا جزاء من عذب هرة حتى الموت، فما جزاء من يقتل إنساناً بريئاً بلا خطيئة، وهو الذي قال عنه "القرآن الكريم" ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، فهل يمكن لدين هذه تعاليمه أن يقر جرائم إرهابية تكون ضحاياها أنفساً بريئة؟!. رابعا: أن المملكة العربية السعودية وهي تمثل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ سعت ولا تزال بكل الوسائل لمكافحة الإرهاب، ومن ذلك المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي استضافته الرياض ونظمته وزارة الخارجية السعودية في فبراير من عام ٢٠٠٥ م، بمشاركة ما يقرب من ستين دولة. ومن توصيات ذلك المؤتمر الدولي أنه أكد على (٢): "أن الإرهاب يمثل تهديداً مستمراً للاسلام والأمن والاستقرار، فهو مدان مهما كانت الظروف أو الدوافع المزعومة للارهابيين". كما أكد على أن: "الإرهاب ليس له دين معين أو جنس أو جنسية أو منطقة جغرافية محددة، وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن أية محاولة لربط الإرهاب بأي دين يساعد في حقيقة الأمر الإرهابيين". وفي هذا المؤتمر اقترحت المملكة العربية السعودية إنشاء مركز دولي لمكافعة الإرهاب، وهو ما تم بالفعل، إذ وقعت المملكة العربية السعودية على اتفاقية تأسيس مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم ١٩ سبتمبر ٢٠١١ م. خامسا: أن لعلماء المملكة العربية السعودية المواقف الواضحة في بيان حكم الإسلام في

стр. 459

الإرهاب ومن يرتكب الجرائم الإرهابية قبل أن يعرف العالم إرهاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما بعده. فقد أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية بياناً في عام ١٤١٦ هـ - أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر-، جاء فيه: " إن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية علمت ما حدث من التفجير الذي وقع في حي العليا بمدينة الرياض قرب الشارع العام ضحوة يوم الإثنين ٢٠/ ٦/ ١٤١٦ هـ، وأنه قد ذهب ضحيته نفوس معصومة، وجرح بسببه آخرون، وروع آمنون، وأخيف عابرو السبيل؛ ولذا فإن الهيئة تقرر أن هذا الاعتداء آثم، وإجرام شنيع، وهو خيانة وغدر، وهتك لحرمات الدين في الأنفس، والأموال، والأمن والاستقرار، ولا يفعله إلا صاحب نفس فاجرة، مشبعة بالحقد والخيانة والحسد والبغي والعدوان، وكراهية الحياة والخير، ولا يختلف المسلمون في تحريمه ولا في بشاعة جرمه وعظيم إثمه … " (١). وقد تتابعت إدانات هيئة كبار العلماء في السعودية للأحداث الإرهابية التي وقعت بعد ذلك التاريخ، ومنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر (٢). سادسا: أن ما قد يحصل من تصرفات فردية ضالة من عدد لا يذكر من ممارسي الإرهاب، يعارضها الجم الغفير من العلماء والدعاة والعامة من أتباع دعوة الإمام ﵀ الذين أدانوا - من منطلق دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ (المسماه حسب زعمهم الوهابية) المرتكز على منهج الإسلام- أعمال العنف وسائر صور الإرهاب التي قارفها أولئك بحق الأشخاص والممتلكات المعصومة، وهيئة كبار العلماء التي تمثل أعلى هيئة علمية شرعية على المستوى الرسمي أصدرت عدة بيانات تدين الإرهاب من منطلق إسلامي بشكل صريح، جاء في إحدى هذه البيانات لمجلس هيئة كبار العلماء عما يمارسه من يقومون بالتفجير وقتل الآمنين بأنه "محرم في الإسلام وأنه غدر وخيانة وبغي وعدوان وإجرام آثم وترويع للمسلمين وغيرهم وكل

стр. 460

هذه قبائح منكرة يأباها ويبغضها الله ورسوله والمؤمنون"، ثم بين المجلس "أن الإسلام بريء من هذا العمل وهكذا كل مسلم مؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وانما هو تصرف من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه فلا يحتسب عمله على الإسلام والمسلمين المهتدين بالكتاب والسنة، وانما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة، وقد جاءت النصوص الشرعية قاطعة بتحريمه محذرة من مصاحبة أهله" (١). فكيف توصف الوهابية بأنها تنتج الإرهاب وتروج له؟! (٢). سابعا: قول دور غولد "إن الكثير من السعوديين مستاؤون من لصق صفة الإرهاب بالوهابية، وهي النسخة المتشددة من الإسلام المطبق في السعودية. إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي) " ثم ما نقله عن تركي الحمد (٣) بأن رجال الدين الرسميين في السعودية يرفضون الإرهاب … فهذا اعتراف وشهادة من الكاتب، فهو يقول: إن كثيرا من السعوديين مستائين من لصق صفة الإرهاب بالوهابية؛ لأن دعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية تستمد أقوالها وأفعالها من الكتاب والسنة؛ فهي تحارب الإرهاب وترفضه، وقد مضى في الفقرات السابقة ما يؤكد ذلك. أما قوله: " إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي) "، وما نقله عن تركي الحمد بأن رجال الدين الرسميين في السعودية يرفضون الإرهاب. فإن هؤلاء - حسب زعمه- قليل، وهؤلاء القليل إما لم يعرفوا حقيقة دعوة الإمام؛ لأن حقيقة دعوة الإمام التي تمثلها الدولة وعلى رأسها هيئة كبار العلماء بالمملكة تحارب الإرهاب وترفضه بجميع أشكاله، وإما أصحاب أهواء؛ فهذا تركي الحمد ينقل أن "رجال الدين الرسميين يرفضون الإرهاب"، وهم وهابيون، ومع ذلك يقول: " إن على السعوديين أن يرفضوا
следующие страницы →