الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: عرف المجمع الفقهي الإرهاب بأنه: " العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيًا على الإنسان (دينه، ودمه، وعقله، وماله، وعرضه)، ويشمل صنوف التخويف والأذى، والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي، فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم، أو حريتهم، أو أمنهم، أو أحوالهم للخطر، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية، أو الطبيعية للخطر، فكل هذا من صور الفساد في الأرض الذي نهى الله عنه" (١).
ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه بعيدة كل البعد عن هذا الأمر؛ بل تنكره وتحاربه وترد عليه، وقد سبق بيان عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الفصل السابق " الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال"، وكذلك في هذا الفصل في الدعوى الأولى والثانية، والنقل عن بعض العلماء والمفكرين في بيان حقيقة هذه الدعوة وبعدها عن الإرهاب.
ثانيا: أن إتهام دعوة الإمام بالإرهاب ليس صحيحا؛ لأن دعوة الإمام قائمة على الكتاب والسنة، وفق فهم السلف الصالح، ولا يمكن أن يصدر عنها ما يخالف عقيدة السلف لأن الأحكام الصحيحة للإسلام تمنع المسلم من أن يقتل بغير روية وتفكير، فالرسول ﷺ : «مر في إحدى المعارك فوجد امرأة كافرة مقتولة فتغير وجهه وقال: «ما كان لهذه أن تقاتل» (٢)، فالنبي ﷺ يقول ذلك والمسلمون في معركتهم مع الكفار، فكيف بمن يفجر قنبلة لا تميز بين الناس وكيف بمن يصوب مدفعاً ويطلقه ولا يميز بين هذا وذاك (٣).
стр. 457
ثالثا: أن من تكلموا بهذه التهمة - إتهام دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بالإرهاب - لم يتعرفوا على هذه الدعوة، وإنما راجت عليهم كتابات المناوئين لها والمغرضين، مع استغلال المناوئين لبعض الأحداث والوقائع للترويج لهذ الفكر، مع التقصير في البحث المنهجي للتعرف " على الحقيقة المغيبة في هذا التراكم الثقافي والإعلامي الضخم الذي روجت له أقلام الغربيين وآلتهم الإعلامية" (١).
يقول محمد بهجة الأثري ﵀: "إن الحركة الوهابية التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت خليقة أن تدعى: "حركة المحمديين" نسبة إلى باعثها، وطبيعة دعوته هي التوحيد الخالص الذي بعث به الرسول ﷺ ؛ ولكنها نسبت إلى أبيه، وأبوه لا يد له فيها لأمر أرادته السياسة العثمانية وأتباعها حينما أشفقت من انتشار سلطانه أشدّ الإشفاق، فقاومتها ما وسعتها المقاومة، وبالغت في تشويه غايتها وعزتها إلى الابتداع والخروج على الدين وجعلت هذا عنواناً على ما تزعمه من ضلالها.
وندع التاريخ السياسي لهذه الحركة، لنفرغ لوجهتها في الإسلام كما تهدي إليها كتب زعيمها ودراسات الباحثين المحايدين من الشرقيين والغربيين.
والمجمع عليه أنّ هذه الحركة في الإسلام جديدة وقديمة معاً والواقع أنّها جديدة بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنها قديمة في حقيقة الأمر" (٢).
فدعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية معتدلة تنبذ الإرهاب والقتل والفساد في الأرض، وهي حقيقة يعرفها كل من يريد الحق ويتبعه. فالأرض التي شعّ منها نور الإسلام، ونزل فيها الوحي من السماء، وانطلقت منها رسالة الرحمة إلى العالم تأبى أن تكون للإرهاب وطناً، وللكراهية مأوى، وللعنف منطلقاً.
стр. 458
فأتباع دعوة الإمام يتلقون دينهم من تعاليم القرآن الكريم الذي حرم قتل النفس بغير حق، واعتبر أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ويتلقون تعاليمهم من السنة النبوية الصحيحة التي جاء بها محمد ﷺ من ربه تعالى، وهي تعاليم أكدت على حق الحيوان فضلاً عن الإنسان، فقد ورد في الحديث: «أن امرأة دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (١)، فإذا كان هذا جزاء من عذب هرة حتى الموت، فما جزاء من يقتل إنساناً بريئاً بلا خطيئة، وهو الذي قال عنه "القرآن الكريم" ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، فهل يمكن لدين هذه تعاليمه أن يقر جرائم إرهابية تكون ضحاياها أنفساً بريئة؟!.
رابعا: أن المملكة العربية السعودية وهي تمثل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ سعت ولا تزال بكل الوسائل لمكافحة الإرهاب، ومن ذلك المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي استضافته الرياض ونظمته وزارة الخارجية السعودية في فبراير من عام ٢٠٠٥ م، بمشاركة ما يقرب من ستين دولة. ومن توصيات ذلك المؤتمر الدولي أنه أكد على (٢):
"أن الإرهاب يمثل تهديداً مستمراً للاسلام والأمن والاستقرار، فهو مدان مهما كانت الظروف أو الدوافع المزعومة للارهابيين".
كما أكد على أن: "الإرهاب ليس له دين معين أو جنس أو جنسية أو منطقة جغرافية محددة، وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن أية محاولة لربط الإرهاب بأي دين يساعد في حقيقة الأمر الإرهابيين".
وفي هذا المؤتمر اقترحت المملكة العربية السعودية إنشاء مركز دولي لمكافعة الإرهاب، وهو ما تم بالفعل، إذ وقعت المملكة العربية السعودية على اتفاقية تأسيس مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم ١٩ سبتمبر ٢٠١١ م.
خامسا: أن لعلماء المملكة العربية السعودية المواقف الواضحة في بيان حكم الإسلام في
стр. 459
الإرهاب ومن يرتكب الجرائم الإرهابية قبل أن يعرف العالم إرهاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما بعده. فقد أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية بياناً في عام ١٤١٦ هـ - أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر-، جاء فيه: " إن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية علمت ما حدث من التفجير الذي وقع في حي العليا بمدينة الرياض قرب الشارع العام ضحوة يوم الإثنين ٢٠/ ٦/ ١٤١٦ هـ، وأنه قد ذهب ضحيته نفوس معصومة، وجرح بسببه آخرون، وروع آمنون، وأخيف عابرو السبيل؛ ولذا فإن الهيئة تقرر أن هذا الاعتداء آثم، وإجرام شنيع، وهو خيانة وغدر، وهتك لحرمات الدين في الأنفس، والأموال، والأمن والاستقرار، ولا يفعله إلا صاحب نفس فاجرة، مشبعة بالحقد والخيانة والحسد والبغي والعدوان، وكراهية الحياة والخير، ولا يختلف المسلمون في تحريمه ولا في بشاعة جرمه وعظيم إثمه … " (١).
وقد تتابعت إدانات هيئة كبار العلماء في السعودية للأحداث الإرهابية التي وقعت بعد ذلك التاريخ، ومنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر (٢).
سادسا: أن ما قد يحصل من تصرفات فردية ضالة من عدد لا يذكر من ممارسي الإرهاب، يعارضها الجم الغفير من العلماء والدعاة والعامة من أتباع دعوة الإمام ﵀ الذين أدانوا - من منطلق دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ (المسماه حسب زعمهم الوهابية) المرتكز على منهج الإسلام- أعمال العنف وسائر صور الإرهاب التي قارفها أولئك بحق الأشخاص والممتلكات المعصومة، وهيئة كبار العلماء التي تمثل أعلى هيئة علمية شرعية على المستوى الرسمي أصدرت عدة بيانات تدين الإرهاب من منطلق إسلامي بشكل صريح، جاء في إحدى هذه البيانات لمجلس هيئة كبار العلماء عما يمارسه من يقومون بالتفجير وقتل الآمنين بأنه "محرم في الإسلام وأنه غدر وخيانة وبغي وعدوان وإجرام آثم وترويع للمسلمين وغيرهم وكل
стр. 460
هذه قبائح منكرة يأباها ويبغضها الله ورسوله والمؤمنون"، ثم بين المجلس "أن الإسلام بريء من هذا العمل وهكذا كل مسلم مؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وانما هو تصرف من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه فلا يحتسب عمله على الإسلام والمسلمين المهتدين بالكتاب والسنة، وانما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة، وقد جاءت النصوص الشرعية قاطعة بتحريمه محذرة من مصاحبة أهله" (١). فكيف توصف الوهابية بأنها تنتج الإرهاب وتروج له؟! (٢).
سابعا: قول دور غولد "إن الكثير من السعوديين مستاؤون من لصق صفة الإرهاب بالوهابية، وهي النسخة المتشددة من الإسلام المطبق في السعودية. إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي) " ثم ما نقله عن تركي الحمد (٣) بأن رجال الدين الرسميين في السعودية يرفضون الإرهاب …
فهذا اعتراف وشهادة من الكاتب، فهو يقول: إن كثيرا من السعوديين مستائين من لصق صفة الإرهاب بالوهابية؛ لأن دعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية تستمد أقوالها وأفعالها من الكتاب والسنة؛ فهي تحارب الإرهاب وترفضه، وقد مضى في الفقرات السابقة ما يؤكد ذلك.
أما قوله: " إن قليلاً من السعوديين لا يزالون مستائين ويعترفون أن وهابيتهم تنتج الكراهية لغير لمسلمين (أو الكفار بالمفهوم الإسلامي) "، وما نقله عن تركي الحمد بأن رجال الدين الرسميين في السعودية يرفضون الإرهاب.
فإن هؤلاء - حسب زعمه- قليل، وهؤلاء القليل إما لم يعرفوا حقيقة دعوة الإمام؛ لأن حقيقة دعوة الإمام التي تمثلها الدولة وعلى رأسها هيئة كبار العلماء بالمملكة تحارب الإرهاب وترفضه بجميع أشكاله، وإما أصحاب أهواء؛ فهذا تركي الحمد ينقل أن "رجال الدين الرسميين يرفضون الإرهاب"، وهم وهابيون، ومع ذلك يقول: " إن على السعوديين أن يرفضوا
стр. 461
الوهابية"؟! فهو يريد من السعوديين أن يرفضوا الوهابية التي تحارب الإرهاب!
стр. 462
المطلب الرابع: دعوى غلو دعوة الإمام في رؤيتها الفقهية وإلزام الناس بها
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى الغلو في رؤيتها الفقهية وإلزام الناس بها.
يقول محمد زاهد جول: " ما يميز دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب هو الطريقة التي يقدمها للأمة في عصره، وهذا ما يميز الدعوات السلفية عبر التاريخ الإسلامي والحاضر باختلاف الأزمان والأمكنة والظروف والمعالجات، وهو فيما ذكر عنه أنه لا يقدم دليلاً على ما ينقله من أقوال عن علماء المسلمين الذي يخالفهم، فلم يذكر ما يثبت فيه أن أحداً من علماء المسلمين وهو يدعو إلى اتباع المجتهدين أو الفقهاء كان ينهى عن اتباع الكتاب والسنة، فلم يثبت ذلك عن أحد من فقهاء المذاهب أنه فعل ذلك، بل ما ثبت نقله أن كل واحد منهم كان يقول: إذا ثبت ما يخالف رأيه من الكتاب والسنة، فليضرب برأيه عرض الحائط.
ولكن وعندما وصلت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى المرحلة الإصلاحية - أي إلى مرحلة محاربة البدع عند المسلمين- استعمل أدوات المرحلة الدفاعية أولاً، ثم استعمل أدوات المرحلة الجهادية، أي أنه استخدم القوة المادية ضد المخالفين له في الاجتهادات العلمية والرؤى والأفكار؛ وإدخاله لأدوات المرحلة الجهادية في دعوته جعله يعامل المسلمين المخالفين له كما لو كانوا من غير المسلمين، وهو ما لم يصل إليه أحمد بن حنبل من قبل، فمهما بلغت خلافات المسلمين الفكرية والعملية فيما بينهم فلا حجة ولا حاجة إلى أن تصل مجاهدتهم بالقوة المادية كما لو كانوا من غير المسلمين، بأن تستحل دماؤهم وأموالهم، ولا أن تنتهك حرماتهم، ولذلك فإن من الغرابة أن كل من مجدوا الحركة الجهادية في الدعوة الوهابية السلفية لم يذكروا الجهة التي وجهت إليها التعبئة الجهادية الوهابية.
ولذا فإن المعترضين على الحركة الوهابية لا يعترضون على منهجيتها العلمية التأصيلية، ولا يعترضون على منهجيتها الإصلاحية، طالما كانت المنهجية العلمية والتأصيلية والإصلاحية تدعو إلى الكتاب والسنة ولو بفهم السلف وآثارهم، وإنما الاعتراض على هذه المنهجية التي تنظر إلى الاجتهادات الفقهية والفكرية الإسلامية الأخرى على أنها آراء مخالفة للقرآن والحديث،
стр. 463
فالاعتراض هو على حصر الأحكام الشرعية في مدرسة واحدة ورفض الباقي، وهذا غلو في فهم طبيعة الفقه علمياً وعملياً، كما سبق القول بأن فقهاء الصحابة والتابعين تنوعت اجتهاداتهم دون اعتراض أحد منهم على الآخر، أي إن هذه المنهجية المتشددة في رفض الاجتهاد الإسلامي الآخر هي بدعة بحد ذاتها" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هي محاولة بيان أن الخلاف بين المناوئين والإمام ﵀ خلاف فقهي متشدد، وأن الإمام ﵀ وأتباعه غلو في هذا الجانب، وانتقل الأمر من الخلاف العلمي النظري إلى استخدام القوة المادية ضد المخالفين.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن الإمام ﵀ بين حقيقة الخلاف بينه وبين المناوئين لدعوته، وأن الخلاف ليس فقهيا، وإنما الخلاف عقدي، وأنه يعتمد في قوله ذلك على الكتاب والسنة وما أجمع عليه أهل العلم من كل مذهب، فيقول: "وبالجملة فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره، فإن كنتُ قلته من عندي فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه العمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله ﵊ وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُعرض عنه لأجل أهل زمانه أو أهل بلده أو أن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه" (٢).
وقال ﵀ في أحد رسائله التي راسل بها العلماء: " وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين؛ مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص
стр. 464
الدين لله" (١).
وقال ﵀ في رسالته إلى علماء الحرمين: "من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم سيد الأنام، وتابعي الأئمة الأعلام؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم، وسببه: هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، فلما كبر هذا على العامة، لظنهم أنه تنقيص للصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعواهم، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور، كبر على العامة جداً، وعاضدهم بعض من يدعي العلم، لأسباب أخر لا تخفى على مثلكم؛ أعظمها اتباع هوى العوام، مع أسباب أخر. فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين، وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها. وأنا أخبركم بما نحن عليه - خبراً لا أستطيع أن أكذب -؛ بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب. فنحن ولله الحمد متبعين غير مبتدعين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء: أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة" (٢).
ثانيا: أن دعوة الإمام كما سبق بيانه (٣) تعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ولا تخرج عن مذاهب الأئمة الأربعة، وقد بين الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ منهجه الفقهي، والتزامه بالكتاب والسنة، وما أجمع عليه العلماء وما عليه الأئمة الأربعة، يقول ﵀: "نحن مقلدون الكتاب والسنة وصالح سلف الأمة وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل ﵏ " (٤).
ويقول أيضًا في بيان انتسابه لمذهب الإمام أحمد ﵀: " فتأمل رحمك الله ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة
стр. 465
المقتدى بهم، من أهل الحديث، والفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ﵃ أجمعين، لكي تتبع آثارهم.
وأما مذهبنا: فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة، ولا إجماع الأمة، ولا قول جمهورها " (١).
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد ﵀ في جواب له عن معنى انتساب علماء الدعوة إلى مذهب الإمام أحمد وحقيقته، وما المقصود به، أهو التقليد، أم سلوك مسلك الإمام في الاجتهاد؟ فأجاب من عدة وجوه: "الوجه الأول: أن الأقوال والأفعال توزن بأقواله وأفعاله ﷺ ، فما وافق منها قُبل، وما خالف رُد على قائله وفاعله كائناً من كان، فلا يقدم رأي أحد على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الوجه الثاني: أن النصوص الصحيحة الصريحة، التي لا معارض لها ولا ناسخ، وكذا مسائل الإجماع، لا مذاهب فيها؛ وإنما المذاهب فيما فهمه العلماء من النصوص، أو علمه أحد دون أحد، أو في مسائل الاجتهاد، ونحو ذلك.
الوجه الثالث: أن المذهب في الاصطلاح: ما اجتهد فيه إمام بدليل، أو قول جمهور، أو ما ترجح عنده، ونحو ذلك، وأن المذهب لا يكون إلا في مسائل الخلاف، التي ليس فيها نص صريح، ولا إجماع.
الوجه الرابع: وفيه نقل أصول الإمام أحمد كما نص عليها الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين.
ثم قال: هذا ما أشرنا إليه من قولنا مذهبنا مذهب الإمام أحمد" (٢).
ثالثا: أن الإمام ﵀ يصرح بقوله، أنه إذا افتى بشيء خرج فيه عن إجماع أهل العلم أن اللوم متوجه عليه في ذلك وأنه راجع عنه، يقول ﵀: "فإن سمعتم أني أفتيت بشيء
стр. 466
خرجت فيه عن إجماع أهل العلم توجه علي القول" (١).
ويقول أيضًا: "فإن الذي أنا عليه، وأدعوكم إليه، هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم، فإنهم قد وصوا الناس بذلك، ومن أشهرهم كلاماً في ذلك، إمامكم الشافعي، قال: لا بد أن تجدوا عني ما يخالف الحديث، فكل ما خالفه، فأشهدكم أني قد رجعت عنه" (٢).
رابعا: أن الإمام ﵀ يطالب من يزعم بأنه خالف كلام أهل العلم أن يثبت ذلك، فيقول: "إن كنتم تزعمون أن أهل العلم على خلاف ما أنا عليه فهذه كتبهم موجودة" (٣)، ولا يمكن للمخالف أن يثبت ذلك!.
خامسا: أن الإمام ﵀ إنما يناقش أهل المذاهب بكلام أهل العلم من مذاهبهم، مما يدل على أنه لم يخرج عن مذاهب الأئمة الأربعة، فيقول: "أنا أُخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كلاً أخاصمه بكلام المتأخرين من علماء مذهبه الذين يعتمد عليهم" (٤).
سادسا: أن الإمام ﵀ أنكر على من افترى عليه بأنه مبطل للمذاهب الأربعة، فقال في رسالته إلى أهل القصيم - فيما أفتري عليه من أمور لم يقلها، ولم يكن أكثرها على باله-: " والله يعلم أن الرجل افترى علي أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي. فمنها: قوله: " إني مبطلٌ كتب المذاهب الأربعة "! وإني أدعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد، وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة …
جوابي عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله من بَهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور. قال
стр. 467
تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] " (١).
سابعا: أن الإمام ﵀ على مذهب الإمام أحمد، ولا ينكر على المذاهب الأربعة إذا لم تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة وجمهورها، قال ﵀: " وأما مذهبنا، فمذهب الإمام أحمد، إمام أهل السنة، ولا نُنكر على أهل المذاهب الأربعة، إذا لم يُخالف نص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وقول جمهورها" (٢).
وقال ابنه عبد الله ﵀: "ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل، ولا ننكر على من قلّد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لعدم ضبط مذاهب الغير؛ كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، ولا نقرّهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نُجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة" (٣).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀ في رده على أحد المناوئين: "وأما زعمه أن الشيخ وإخوانه الموحدين لا يرون العلماء قدوة، ولا يرعوون إلى أقوالهم؛ لادعائهم الاجتهاد .. فيُقال: هذا البهت والزور من جنس ما سبق وتكرر عنه في هذه الرسالة، وشيخنا ﵀ لم يخرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم، الذين لهم لسان صدقٍ في هذه الأمة" (٤).
وفي رد الشيخ صالح الفوزان حفظه الله على من زعم من المعاصرين عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنها تستنكر التقليد واتباع الأئمة الأربعة، قال حفظه الله: " بأي كتابٍ أنكرنا اتباع المذاهب الأربعة؟! لكن الأمر كما قيل:
لي حيلةٌ فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة" (٥).
стр. 468
وقال الدكتور عبد الرحمن العثيمين ﵀ " هذا منهج أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الأصول، وهم في الفروع حنابلة يُقلدون مذهب الإمام أحمد، وهو أحد المذاهب الأربعة، ﵃ أجمعين، وهم في تقليدهم المذهب المذكور غيرُ متعصبين، ولا مُغالين في التقليد، فإذا ثبت الدليل الواضح على مخالفة المذهب أخذوا بما يعضده الدليل" (١).
ثامنا: قول محمد زاهد جول بعد ما ذكر ما يميز دعوة الإمام أنها تعتمد الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح: " ولكن وعندما وصلت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى المرحلة الإصلاحية - أي إلى مرحلة محاربة البدع عند المسلمين- استعمل أدوات المرحلة الدفاعية أولاً، ثم استعمل أدوات المرحلة الجهادية، أي أنه استخدم القوة المادية ضد المخالفين له في الاجتهادات العلمية والرؤى والأفكار".
فهو كما سبق بيانه وأن الخلاف بين الإمام والمناوئين لدعوته كان خلافا عقديا، فمتى كانت البدع من مسائل الاجتهاد والرؤى والأفكار.
ويؤكد ذلك قوله: "فمهما بلغت خلافات المسلمين الفكرية والعملية"، فلم يحدد مستوى هذه الخلافات الفكرية والعملية؛ فإن هذا الاطلاق يعني حتى لو بلغت الخلافات إلى الشرك الأكبر!
أما الخلاف الفقهي فالإمام ﵀ لم يقاتل أبدا على خلاف فقهي، بل يقرر أنه لا إنكار فيه إذا لم يتبين الدليل القاطع.
يقول الإمام محمد ﵀: "وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يختلفون في بعض المسائل من غير نكير، ما لم يتبين النص؛ فينبغي للمؤمن أن يجعل همه وقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم، ويوقرهم ولو أخطؤوا، لكن لا يتخذهم أرباباً من دون الله؛ هذا طريق المنعم عليهم، وأما إطراح كلامهم، وعدم توقيرهم، فهو طريق المغضوب
стр. 469
عليهم. واتخاذهم أرباباً من دون الله" (١).
ويقول الشيخان حسين وعبد الله أبنا الإمام محمد: "مسائل الخلاف بين الأئمة، لا إنكار فيها، إذا لم يتبين الدليل القاطع; والصحابة ﵃ قد اختلفوا في أشياء من مسائل الفروع، ولم ينكر بعضهم على بعض؛ وكذلك العلماء بعدهم، وأن كلاً منهم قد قال بما عنده من العلم" (٢).
فإذا كان الإمام وأتباعه يقولون بأنه لا إنكار في مسائل الخلاف إذا لم يتبين الدليل القاطع، فكيف ينتقلون من عدم الإنكار إلى استخدم القوة المادية ضد المخالفين، فهذا بهتان عظيم.
والإمام ﵀ بين منهجه في القتال، فقال: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا؛ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه" (٣).
ويذكر في رسالة أخرى أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله (٤).
ثم قول الكاتب: "ولذا فإن المعترضين على الحركة الوهابية لا يعترضون على منهجيتها العلمية التأصيلية، ولا يعترضون على منهجيتها الإصلاحية، … وإنما الاعتراض على هذه المنهجية التي تنظر إلى الاجتهادات الفقهية والفكرية الإسلامية الأخرى على أنها آراء مخالفة للقرآن والحديث".
فإذا كانت دعوة الإمام على منهجية علمية تأصيلية صحيحة فلا يمكن أن تنظر إلى
стр. 470
الاجتهادات الفقهية والفكرية الإسلامية الأخرى على أنها آراء مخالفة للقرآن والحديث إلا وهي كذلك؛ لأن دعوة الإمام - كما ذكر الكاتب- أنها على منهجية علمية تأصيلية؛ بل إن الكاتب ذكر ما يميز هذه الدعوة المباركة بأنها تلتزم الكتاب والسنة، وهو الأصل عند وجود الاختلاف، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. وقد مضى في الفقرات السابقة موقف أئمة الدعوة من الاجتهادات الفقهية.
стр. 471
المطلب الخامس: دعوى إدعاء العصمة لدعوة الإمام
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن أتباع الإمام يدّعون العصمة لهذه الدعوة ولإمامها.
يقول أحمد سالم -بعد أن ذكر الفرق بين السلفية (المنهج) وبين التحققات التاريخية، وأن المنهج السلفي صحيح ولكن التحقق التاريخي لا يستطيع أحد أن يدعي أنه أصاب تماماً ما كان عليه النبي ﷺ :
"من هنا ننظر للدعوة الوهابية على أنها مجرد "تحقق تاريخي للسلفية" تحاول أن تصيب ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. هي تدعي أنها أصابته في المسائل التي تكلمت فيها قطعاً، خاصة في أصول مسائل الاعتقاد، وظناً في فروع مسائل الفقه، فعمل الناقد هنا أن يحاكم ما تقوله الدعوة الوهابية إلى اتفاق الصحابة، هل بالفعل اتفقوا على الأقوال التي تدعي الوهابية أنها العقيدة وأنها سلفية أم لم يتفقوا؟ ونفس القضية مع شيخ الإسلام ابن تيمية.
هذا محدد نقدي أساسي سواء للسلفية أو الوهابية، وإن عملك النقدي هو محاكمة هذه التحققات التاريخية للأصل المنهجي الأول، وليس عملك النقدي أن تنكر أن هذا في الأصل منهجي، بل اتفاق الصحابة أصل منهجي معياري، لا يجوز أن يجتمع صحابة النبي ﷺ على باطل" (١).
ويقول الحسن بن علي الكتاني: "وكثير من أهل السنة المعاصرين ودعاة منهاج السلف على اختلاف مشاربهم ومناهجهم يتكلمون عن الدعوة النجدية وكأنها كانت بلا أخطاء، ويجعلون المناوئين لها وكأنهم ما حملهم على مخالفتها والرد عليها إلا البدعة والضلال.
ولطالما رأيت كتباً ودراسات عن علماء كبار ألفت في مخالفاتهم العقدية وانحرافاتهم عن السنة، كما يظن أصحابها لكن لم أر شيئاً من ذلك عن الإمام ابن عبد الوهاب وأصحابه" (٢).
ويقول أيضاً: " و"الدعوة النجدية" غلا فيها صنفان من الناس:
стр. 472
أحدهما: رأى فيها حركة ودعوة معصومة خالية من الأخطاء، وهؤلاء شابهوا الرافضة من حيث لا يعلمون، باعتقادهم العصمة "للدعوة النجدية" وأئمتها.
وثانيهما: رأى أنها حركة ودعوة شيطانية مبتدعة، جاءت لهدم الدين وقواعده، وهؤلاء ألِفُوا ما عليه الآباء والأجداد من البدع والمخالفات، مشابهين في ذلك للمشركين الأُوَل، الذين خاطبوا الرسل بقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
وكلا الصنفين على خطأ ظاهر وتعصب ممقوت لما عليه الأسلاف" (١).
ويقول أيضاً: " فإني إلى ساعتي لم أر أحداً كتب في تقييم الحركة النجدية أو نقدها على ضوء منهج أهل السنة والجماعة، ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
إنما الناس فيها بين رجلين، محب مطر لها يدافع عنها جهده، كما هو حال جميع السلفيين المعاصرين بجميع أشكالهم ومذاهبهم، ومبغضٍ قالٍ لا يذكر إلا المساوئ والعيوب ولا يرى لها فضلاً".
ثم ذكر بعض من كتب عن دعوة الإمام- مع قلة من كتبوا-، وبين ما فيها من ملاحظات، ثم قال: "ونتيجة لهذا فإن كثيراً من الشباب أخذوا كتابات النجديين وكأنها من المسلّمات، والمعاصرون من أهل الجزيرة العربية ومصر وغيرها الذين لا يوافقون على أخطاء النجديين يتأولون كلامهم بما يوافق الصواب، وآخرون يوافقون النجديين ويرفضون تأويل كلامهم الصريح وهم بذلك يحيون اخطاءهم" (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
ادعاء العصمة تضاهي دعوى المشاركة في النبوة، ذلك أن من جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها (٣). وهذه الدعوى -
стр. 473
إدعاء العصمة لدعوة الإمام- يريد بها المناوئون لدعوة الإمام الطعن في أتباع الدعوة بالغلو في الأشخاص ورفعهم فوق منزلتهم، وأن ما يقولونه يقع فيه الخطأ؛ فإن دعوة الإمام ليست معصومة.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: العصمة هي حفظُ اللهِ الرسلَ مما ينفر عن القبول قبل النبوة، وحفظهم من الكذب والكتمان في التبليغ بعد النبوة، وكذا من الكبائر، وتوفيقهم للتوبة والاستغفار من الصغائر وعدم إقرارهم عليها (١). وهي بهذا المعنى من خصائص الأنبياء التي اختصوا بها دون غيرهم، قال ابن حجر ﵀: "إن غير النبي ولو بلغ من الفضل الغاية ليس بمعصوم" (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ولو كانوا أولياء لله" (٣).
فمذهب أهل السنة والجماعة خلافا لأهل الرفض الذين يجعلون أئمتهم معصومين كالأنبياء، وبعض أهل التصوف الذين بالغوا في تقديس شيوخهم حتى ادعوا فيهم العصمة (٤).
ودعوى أن الإمام ﵀ معصوم لم يقل بها أحد، لا الإمام نفسه ولا أتباعه؛ بل هم يؤكدون إتباعهم للكتاب والسنة والأئمة الأربعة - كما مر في الدعوى السابقة- ويطلبون من المخالف أن يبين لهم الحق بدليله حتى يرجعون له ويتبعونه؛، ولو كان معصوماً لما قالوا ذلك (٥)؛ بل إن الإمام ﵀ بوب في كتابه التوحيد التحذير من طاعة العلماء والأمراء في غير ما أمر الله به، فقال: "باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا"؛ ولو كان معصوما لقال إن العلماء يطاعون في كل ما يأمرون به أو ينهون
стр. 474
عنه.
ثانيا: أن الله تعالى ميز الناس في ملكاتهم وخصائصهم تمييزاً كبيراً، وفضل بعضهم على بعض في الدين والدنيا، وقد فطر الله البشر على أنهم يخطئون ويصيبون، ولا ينكر أحد ذلك، ولكن المنكر هو تقديس الأشخاص، وتهيب الناس لنقدهم أو مراجعتهم في شيء مما فعلوه؛ لذلك فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يدع العصمة لنفسه، ولم يدعيها له أحد من أتباعه، وأقواله كأقوال غيره من أهل العلم، تعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد؛ فإن العصمة ليست إلا للأنبياء "وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشايخ، ومن يعتقدون أنه من الأولياء" (١).
ثالثا: قول أحمد سالم عن دعوة الإمام: " هي تدعي أنها أصابته - أي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه- في المسائل التي تكلمت فيها قطعاً، خاصة في أصول مسائل الاعتقاد، وظناً في فروع مسائل الفقه".
القاعدة في هذه الدعوى هو التحاكم إلى ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه (٢)، قال ﷺ : «وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» (٣).
وكتب أئمة الدعوة موجودة، وكتب أئمة السلف موجودة، والمقارنة بينهما ممكنة وقائمة. فتعرض كتب أئمة الدعوة على كتب أئمة السلف فإن وافقتها - وهو الواقع- فهي حق ولله الحمد، وإن خالفتها؛ رد القول المخالف على كل من قال به كائنا من كان.
وفي المبحث الثاني من الفصول الخمسة الأولى من هذه الرسالة بيان لعقيدة السلف
стр. 475
وموافقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لها.
ولكن المناوئ إذا لم يجد شيئا يذكره - كعادة المناوئين- يطلقون العبارات المجملة الموهمة.
رابعا: وقوله: " فعمل الناقد هنا أن يحاكم ما تقوله الدعوة الوهابية إلى اتفاق الصحابة، هل بالفعل اتفقوا على الأقوال التي تدعي الوهابية أنها العقيدة وأنها سلفية أم لم يتفقوا؟ ونفس القضية مع شيخ الإسلام ابن تيمية".
وهذا ما يطالب به الإمام وأتباعه بأن تعرض أقوالهم على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، فما وافقها قبل، وما خالفها رد. وقد مر في الدعوى السابقة أقوال الإمام وأتباعه في ذلك.
وليت الكاتب قام بهذا العمل ليتبين له موافقة عقيدة الإمام ﵀ لعقيدة السلف، والكتب والمؤلفات التي كتبت عن دعوة الإمام كثيرة (١). وكذلك بالنسبة لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
خامسا: قول الحسن بن علي الكتاني: "وكثير من أهل السنة المعاصرين ودعاة منهاج السلف على اختلاف مشاربهم ومناهجهم يتكلمون عن الدعوة النجدية وكأنها كانت بلا أخطاء، ويجعلون المناوئين لها وكأنهم ما حملهم على مخالفتها والرد عليها إلا البدعة والضلال".
فأهل السنة ودعاة منهج السلف ليس لهم إلا مشرب واحد ومنهج واحد، وأما الذين الذين يتكلمون عن دعوة الإمام ﵀ وهم ليسوا منها ولا على منهجها فهم لا يحسبون عليها ولا يعبرون عنها.
وأتباع دعوة الإمام لا يغالون فيها، ولا يدعون لها العصمة، ويفرقون في المخالف لها، بين
стр. 476
من يخالفها لبدعته وضلاله، وبين من يخالفها مع حرصه واجتهاده. فالمبتدع له حكم، والمجتهد له حكم؛ بل إنهم يفرقون في درجات الإنكار حتى على المبتدع، بحسب غلظ وشناعة بدعته.
سادسا: قوله: "ولطالما رأيت كتباً ودراسات عن علماء كبار ألفت في مخالفاتهم العقدية وانحرافاتهم عن السنة، كما يظن أصحابها لكن لم أر شيئاً من ذلك عن الإمام ابن عبد الوهاب".
وهذا غير صحيح؛ بل إن الدراسات العلمية عن الإمام وأتباعه كثيرة (١)، تشمل بيان عقيدة الإمام وأتباعه، ودراستها وبيان موافقتها لعقيدة السلف، ونظر العلماء والأدباء والكتاب العرب والغربيون لها، وآثارها في أنحاء العالم الإسلامي وغيره، ومن تلك الدراسات:
١ - الإمام محمد بن عبد الوهاب: حياته، آثاره، دعوته السلفية لمحمد السكاكر.
٢ - منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تقرير توحيد الألوهية لبدر الوهيبي.
٣ - الأمن الفكري وآثاره في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لعايد العقيلي.
٤ - الدعاوى المتعلقة بمسائل العقيدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية لأحمد الرضيمان.
٥ - منهج أئمة الدعوة في نجد في توحيد الأسماء والصفات من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى آخر القرن الرابع عشر الهجري لرياض العمري.
٦ - جهود علماء نجد في تقرير الولاء والبراء في القرن الثالث عشر الهجري لعبد الله السند.
٧ - جهود علماء نجد في تقرير توحيد العبادة والتحذير من الشرك في القرن الثالث عشر الهجري لعبد الرحمن الشدي.
٨ - الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في تقرير العقيدة مع دراسة وإخراج كتاب جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية لناصر السعوي.
٩ - الشيخ حمد بن معمر: منهجه وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين لهيا
стр. 477
العتيبي.
١٠ - جهود العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تقرير عقيدة السلف والرد على المخالفين لخالد الغنيم.
١١ - جهود الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في تقرير عقيدة السلف لسلطان الغنيم.
سابعا: قوله: " والدعوة النجدية غلا فيها صنفان من الناس " الخ.
فالخطأ الذي يقع على الدعوة لا يحسب عليها، كما أن الغلو في الدين والجفا عنه لا يحسب على الإسلام، وإنما يحسب على من صدر منه. ونقول كما قال الكاتب عنهم: " وكلا الصنفين على خطأ ظاهر وتعصب ممقوت لما عليه الأسلاف" (١).
ثامنا: قوله: " فإني إلى ساعتي لم أر أحداً كتب في تقييم الحركة النجدية أو نقدها على ضوء منهج أهل السنة والجماعة "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" …
بل المؤلفات في ذلك كثيرة - ولله الحمد-، وقد كتب عن الدعوة وشهد لها الكثير من العلماء؛ بل من المستشرقين المنصفين (٢). لكن الكاتب يريد أن يكون تقييم الدعوة في ضوء منهج أهل السنة والجماعة الذي يعرفه هو، دون غيره من علماء أهل السنة والجماعة.
стр. 478
المطلب السادس: دعوى الغلو في تضخيم أبواب التوحيد
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن الإمام وأتباعه يغالون في تضخيم أبواب التوحيد وذلك على حسب الأبواب الأخرى من المحبة الوجدانية للنبي ﷺ ، ومعرفة حقوقه ومحبة آل البيت.
يقول الحسن بن علي الكتاني من المسائل التي غلا فيها الوهابية: " تضخيم أبواب التوحيد على غيرها: تكلم النجديون كثيراً في مسائل التوحيد العملي والتحذير من الشرك ونواقض الإسلام، ونبذ البدع، وهذه الأمور كانت أساس دعوتهم كلها.
غير أنه حصل لديهم تضخيم في ذلك الجانب على حساب جوانب أخرى مثل تنمية المحبة القلبية الوجدانية للحبيب المصطفى ﷺ ومعرفة حقوقه، ومحبة آل بيته واحترامهم ومعرفة حقهم.
والنجديون ما كانوا ينكرون شيئاً من ذلك. غير أن تحذيرهم الشديد من الغلو وإطراء رسول الله ﷺ ، والتحذير مما يفعله الناس عند قبره الشريف، نفسي فداه، وما يكون في قصائد المديح النبوي من استغاثة واستشفاع، - مع المبالغة في النهي عن التوسل بذاته الشريفة، وشد الرحال لزيارة القبر المبارك، وإقامة حفلات الموالد وما إلى ذلك.
أضف إليه الحرب الطاحنة التي قامت بين النجديين وبين أشراف الحجاز، وتحذيرهم من الاعتماد على الأنساب دون الأعمال - كل ذلك لم يقابل بمنهج علمي سني منضبط يعوض عما يستنكرونه، فتولد ذلك نقص في هذا الجانب، بل جفاء عند كثير من عوامهم، فإذا سمعوا شعراً في المديح النبوي خافوا من الشرك، وإذا سمعوا كثرة الصلاة والسلام عليه حذروا من الغلو، وإذا تكلمت عن فضائل آل البيت توجسوا خيفة من التشيع، وإذا جاءت ذكرى مولده الشريف حذروا من بدع الموالد" (١).
ويقول سعود المولى بعد أن ذكر دعوة الإمام وما ترتب عليها من أثر في الجماعات
стр. 479
الإسلامية والخلافة العثمانية مقارن لها ببعض الدعوات الأخرى، ذاكراً لها على سبيل التنقص:
"والحقيقة أن ليس لابن عبد الوهاب مذهب خاص به، ليس له غير ما أحيا من فكر السلف، أهل الحديث بملا يلائم حاجات بيئته كما تصورها".
ثم ذكر مقارنة لها ببعض الجماعات، وعناية تلك الجماعات بالسياسة، ثم قال عن نظرة العالم الإسلامي لدعوة الإمام: " نظر الرأي العالم الإسلامي لدعوة ابن عبد الوهاب من وجهها السلبي أنها قد عملت على إضعاف الخلافة، متمردة عليها، فردت هذه باقتحام معاقلها. ما جعلها تبدو في صورة الفتنة، قتالاً ضارياً بين المسلمين على خلفية تكفيرهم. لا يلقي ذلك كون كسب دعوة ابن عبد الوهاب في إصلاح العقائد الإسلامية مهماً جداً. ولكن طالما قاد التمركز حول جانب واحد من جوانب البناء الإسلامي إلى تضخيمه والإفراط فيه على حساب جوانبه الأخرى، فقاد إلى ضروب من التشدد" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هو أن المناوئين لدعوة الإمام لما عجزوا عن رد دعوته ﵀ للتوحيد وبيان ما يخالفه، قالوا أنه غلا في هذه الدعوة؛ لينفروا ويحذروا منه ومن دعوته الصحيحة القائمة على الكتاب والسنة.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن المفترض أن لايكون الإشكال عند المناوئ لدعوة الإمام في دعوة الإمام للتوحيد؛ بل المفترض أن يساندها ويدعو إليها لأنها منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنما المفترض أن يكون الإشكال عند المناوئ إذا كانت دعوة الإمام تدعو إلى الشرك والبدع والمخالفة، أو تقصر في دعوة التوحيد.
ثانيا: أنه مع عناية الإمام ﵀ بالتوحيد فإنه لم يقتصر عليه فقط، ومن رجع لمؤلفاته ورسائله عرف ذلك، فقد ألف في السيرة والتفسير والحديث والفقه، واختصر بعض الكتب الحديثية والفقهية. وسبق في التمهيد من هذه الرسالة ذكر بعض مؤلفاته.
стр. 480
ثالثا: أنه سبق في الجوب عن الدعوى الرابعة في الفصل الثالث أن دعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية دينية جاءت لإصلاح المجتمع في جميع جوانبه الدينية والأخلاقية والسياسية … مع العناية بجانب التوحيد، وهكذا كانت دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
رابعا: أن الرسول ﷺ بدأ دعوته بالتوحيد، وختمها بالتوحيد، وما بينهما توحيد، فكل دعوته لبيان التوحيد وما يضاده، وما يكمله وما ينقصه، وجزاء الموحدين وعقاب المشركين، ومن أجل ذلك، ومن خلال الوقوف على آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، متمثلة في كتبه ومسائله ورسائله، يتضح أن الدعوة إلى التوحيد "توحيد الله تعالى"، والبراءة من ضروب الشرك وأهله، تحتل المساحة الأوسع، والاهتمام الأكبر، والمكانة الأولى لدى الإمام، أسوة برسول الله ﷺ الذي مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، يغرس عقيدة التوحيد، ويقتلع جذور الشرك.
خامسا: اهتم الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ اهتماماً بالغاً في جميع كتبه ورسائله بالتوحيد فكانت دعوته دعوة التوحيد وكان شعاره بيان معنى "لا إله إلا الله" وذلك
يعود لسببين:
الأول: أن تصحيح العقيدة وإخلاص العبادة لله هو السبيل الذي سلكه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
الثاني: أن العصر الذي عاش فيه الإمام ﵀ كان يعج بالشركيات وعبادة الأوثان والبدع مما جعل الإمام ﵀ يبدأ أولاً بتصحيح العقيدة وتنقيتها من الشرك والبدع وفق الطريق القويم الذي جاء في الكتاب والسنة لأنه هو الطريق الحق والعدل والوسط وما عداه طريق الضلال والغواية والانحراف عن الصراط المستقيم يقول الشيخ ﵀: "إن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم هو إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهم" (١).
стр. 481
سادسا: كان الإمام يؤكد في أكثر من موضع أن أول واجب يلزم المسلم تعلمه والعمل به هو إفراد الله بالتوحيد والعمل ب"لا إله إلا الله" ظاهراً وباطناً، يقول ﵀: "اعلم أرشدك الله أن الله خلقك لعبادته وأوجب عليك طاعته، ومن أفرض عبادته عليك: معرفة لا إله إلا الله علماً وقولاً وعملاً" (١). لأن العلم بمعنى "لا إله إلا الله" والعمل بمقتضاها هو أساس معرفة التوحيد الذي يجب على كل مسلم ومسلمة تحقيقه، وهو ما أكد عليه أهل العلم ﵏.
قال ابن رجب ﵀: "من قال: لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعلُه قولَه، ونقصَ من كمال توحيده، بقدر معصيتهِ اللهَ في طاعة الشيطان والهوى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] " (٢).
سابعا: أنه بالنظر في حال الأمة قديماً وحديثاً ندرك أن من أعظم المصائب إعراض كثير من الناس عن النظر في معنى "لا إله إلا الله" حتى باتت قولاً مجرداً عن العمل (٣).
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني" (٤).
فحقيقة التوحيد أن يُعبد اللهُ وحده فلا يدعى إلا هو، ولا يخشى إلا هو، ولا يتقى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له (٥).
стр. 482
ويقول ﵀: "العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت" (١).
ثامنا: أن الإمام ﵀ لم يأل جهداً في بيان هذه الأعمال والأقوال والدعوة إليها وبيان مفاسد ضدها والتحذير منه، ليعيد المنحرفين إلى جادة الطريق ويرد عليهم ضلالهم وانحرافهم ويقرر لهم المنهج الحق.
ولذلك كان للإمام ﵀ العناية بالدعوة إلى توحيد الله جل وعلا في ألوهيته وعبادة الناس للواحد الأحد دونما سواه، فلم يبدأ دعوته بسلوكيات ولا بزهديات .. وإنما صبر، وصبر سنين حتى يقرر توحيد العبادة وما يدل من حق الله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته جل وعلا.
تاسعا: أن مسائل التوحيد تختلف أيضا في ترتيب أولوياتها، لهذا تجد أن الإمام في دعوته وفيما يقرره في كتبه وفي رسائله، تجد أنه لا يجعل المسائل المتصلة بالعقيدة والتوحيد في مرتبة واحدة؛ بل أخّر بعض المسائل حتى اتضحت الدعوة وانتشرت، وبدأ بالمسائل العظيمة.
فبدأ "بالمسألة العظيمة الأولى: دعوة غير الله جل وعلا شرك، الاستغاثة بغير الله جل وعلا شرك، طلب المدد والحاجات من الأموات وشفاء الأمراض وجعل المخلوق له صفات الخالق أن هذا كفر وشرك.
وأخر بعض المسائل في مثل بعض مسائل تقرير الصفات والرد على الأشاعرة، في بعض مسائل التوسل أخرها، في بعض مسائل التبرك لم يوردها، وذلك بيّن في منهجه، فبدأ دعوته بشيء عظيم واضح؛ لأن حجة الخصم فيه هي أضعف ما يكون، ولو ركز على بعض المسائل التي فيها من الكلام ما فيها، من النقول عن العلماء، لترك العلماء في وقته الذين ناهضوه وآذوه لتركوا الكلام في المسائل المهمة وركزوا على هذه المسائل ليطعنوا فيه أو ليردوا عليه، فكان من الحكمة أنه أخذ بسنة النبي ﷺ في أنه قرر توحيد العبادة الأكبر" (٢).
عاشرا: أن العقيدة التي دعا الإمام محمد بن عبد الوهاب الناس إليها، وأخذ على عاتقه
стр. 483
توضيحها لهم، والتي أخذت جانبا كبيرا من دعوته وجهاده، هي عقيدة السلف الصالح التي وردت في الكتاب والسنة، وطبقها -اعتقاداً وعملاً- رسول الله ﷺ وصحابته، رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان من أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي بينها الإمام بياناً شافياً في "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، وهو كتاب يأتي في الصدارة بين كتب الإمام، ولخصها في رسائله الكثيرة إلى الأمراء، والعلماء، وعموم المسلمين.
وعقيدة الإمام، ودعوته ترجع إلى التوحيد الخالص، في كل ما جاءت به من قواعد إجمالية، وشروح تفصيلية، والتزام بالنصوص المتعلقة بالعقيدة.
الحادي عشر: قول الحسن بن علي الكتاني في تضخيم أبواب التوحيد - حسب زعمه- على غيره من الأبواب: " غير أنه حصل لديهم تضخيم في ذلك الجانب على حساب جوانب أخرى مثل تنمية المحبة القلبية الوجدانية للحبيب المصطفى ﷺ ومعرفة حقوقه، ومحبة آل بيته واحترامهم ومعرفة حقهم … ".
فالعناية بالتوحيد والاهتمام به هي طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد سبق بيان ذلك في المبحث الثاني من الفصل الأول.
وأما ما ذكره من الجوانب الأخرى من تنمية المحبة القلبية الوجدانية للحبيب المصطفى ﷺ ومعرفة حقوقه، ومحبة آل بيته واحترامهم ومعرفة حقهم، فقد أجاب عنه الكاتب بقوله: " والنجديون ما كانوا ينكرون شيئاً من ذلك"، وهذا حق (١).
وأما قوله: " غير أن تحذيرهم الشديد من الغلو وإطراء رسول الله ﷺ ، والتحذير مما يفعله الناس عند قبره الشريف، نفسي فداه، وما يكون في قصائد المديح النبوي من استغاثة واستشفاع، مع المبالغة في النهي عن التوسل بذاته الشريفة، وشد الرحال لزيارة القبر المبارك، وإقامة حفلات الموالد وما إلى ذلك … الخ"، وهذا حق أيضا. فالإمام وأتباعه ينهون ويحذرون
стр. 484
عن كل مخالفة تقع في الغلو في النبي ﷺ ، وإنزاله في غير منزلته التي أنزله الله إياها (١)، وهم في ذلك يمتثلون قوله ﷺ : «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله» (٢)، وقال ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني» (٣)، وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] أي لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه. وقال لابنته فاطمه وعمه العباس وعمته صفية: «لا أملك لكم من الله شيئا» (٤)، وفي لفظ: «لا أغني عنكم من الله شيئا» (٥).
الثاني عشر: قول سعود المولى بعد أن ذكر دعوة الإمام وما ترتب عليها من أثر في الجماعات الإسلامية والخلافة العثمانية مقارن لها ببعض الدعوات الأخرى، ذاكراً لها على سبيل التنقص: " ولكن طالما قاد التمركز حول جانب واحد من جوانب البناء الإسلامي إلى تضخيمه والإفراط فيه على حساب جوانبه الأخرى، فقاد إلى ضروب من التشدد ".
قد ذكر الكاتب قبل هذا الكلام قوله: "والحقيقة أن ليس لابن عبد الوهاب مذهب خاص به، ليس له غير ما أحيا من فكر السلف، أهل الحديث بملا يلائم حاجات بيئته كما تصورها".
فإذا كان الإمام "ليس له مذهب خاص به، وليس له غير ما أحيا من فكر السلف، أهل الحديث"، فهو إذا سائر على منهج السلف من العناية بالتوحيد مع عدم إهمال الجوانب
стр. 485
الأخرى، ولكن الإمام ﵀ وأيضا كما قال الكاتب - اهتم واعتنى " بما لا يلائم حاجات بيئته كما تصورها"، فهو ﵀ لما رأى ما عليه أهل بيئته من الشرك والبدع أهتم بها وقدمها على غيرها.
стр. 486
الفصل الخامس
الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المراد بالولاء والبراء.
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء.
المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء والجواب عنها.
стр. 487
المبحث الأول: المراد بالولاء والبراء
الولاء والبراء في اللغة:
أولاً: معنى الولاء في اللغة:
قال ابن فارس ﵀: "الواو واللام والياء: أصل، صحيح يدل على قُرب، من ذلك: الولْيُ: القُرب، يقال: تباعد بعد وَلْي أي: قرب" (١)، والموالاة: المحبة، يقال: "والى فلانٌ فلاناً إذا أحبه" (٢).
والولاء النصرة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] " أي تنصروهم" (٣).
ثانياً: معنى البراء في اللغة:
قال ابن فارس ﵀: "الباء، والراء، والهمزة: أصلان ترجع إليهما فروع الباب: أحدهما: الخلق يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم برءًا.
والأصل الآخر: التباعد من الشيء ومزايلته، ومن ذلك البرء وهو السلامة من السقم، يقال: بَرئت وبرأت، قال: ومن ذلك قولهم: برئت إليك من حقك، وأهل الحجاز يقولون: أنا براءٌ منك، وغيرهم يقول: أنا بريء منك" (٤).
و بَرِئَ إذا تخلص، وبَرِئَ إذا تنزه وتباعد، وبَرِئَ إذا أعذر وأنذر (٥).
الولاء والبراء اصطلاحاً:
الولاء: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام (٦). وهو محبة المؤمنين لأجل إيمانهم، ونصرتهم،
стр. 488
والنصح لهم، وإعانتهم، ورحمتهم، وما يلحق بذلك من حقوق المؤمنين (١).
والبراء: البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار (٢)، وينبني على ذلك بغض المعبودات من دون الله وأهلها.
والولاء والبراء أمر قلبي في أصله، لكن يظهر على اللسان والجوارح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الوَلاية: ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والتقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد … والولي: القريب، يقال: هذا يلي هذا: أي يقترب منه، ومنه قوله ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (٣)، أي لأقرب رجل إلى البيت. فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديا له … فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه" (٤).
فالولاء لا يكون إلا لله تعالى ورسوله ﷺ وللمؤمنين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥].
فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم والدعاء لهم، والنصح إلى غير ذلك من مقتضيات الولاء.
والبراءة من الكفار تكون ببغضهم وبغض الدين الباطل الذي يدينون به، وجهادهم الجهاد الشرعي بضوابطه.
стр. 489
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء
إن عقيدة الولاء والبراء في أصلها من مقتضيات الإيمان بالله تعالى وشهادة أن لا إله إلا الله، فمن اعتقد التوحيد فإنَّ من حقيقة اعتقاده براءته من الشرك وأهله، فالولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراء من الشرك وأهله من أصول الإيمان، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
ويقول الله : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢].
وعن البراء بن عازب ﵁، قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فقال: أي عرى الإسلام أوثق؟»، قالوا: الصلاة، قال: «حسنة، وما هي بها؟»، قالوا: الزكاة، قال: «حسنة، وما هي بها؟»، قالوا: صيام رمضان. قال: «حسن، وما هو به؟»، قالوا: الحج، قال: «حسن، وما هو به؟»، قالوا: الجهاد، قال: «حسن، وما هو به؟»، قال: «إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله» (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله،
стр. 490
والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه" (٢).
وقد جاءت النصوص مبينة أن الولاء والبراء من الإيمان بل هو شرط له يقول الله : ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨١، ٨٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ فدل ذلك على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه" (٣).
إن عقيدة الولاء والبراء أصل عظيم من أصول الدين، وشعبة من شعب الإيمان، ولازم من لوازم التوحيد، وتطبيق عملي لكلمة الإسلام كلمة التوحيد؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وهو أوثق عرى الإيمان، وجعل النبي ﷺ مفارقة المشركين، قرينة التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: قلت: «يا نبي الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن -لأصابع يديه-، ألا آتيك، ولا آتي دينك، وإني كنت امرأ لا أعقل شيئا، إلا ما علمني الله
стр. 491
ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربك إلينا؟ " قال: «بالإسلام»، قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: «أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله ، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين» (١).
وبايع أصحابه على البراءة من المشركين ومفارقتهم، فعن جرير البجلي ﵁، قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط علي، فأنت أعلم، قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (٢).
كما جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بالولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢].
فمن عاضدهم وناصرهم على المسلمين، فحكمه حكمهم، في الكفر والجزاء وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين (٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠].
وعن النعمان بن بشير ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر
стр. 492
والحمى» (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب» (٢).
إن شهادة التوحيد معناها البراءة من كل ما يعبد من دون الله من الآلهة، والطواغيت، ودعاتها، والولاء لهذه الكلمة ولأهلها، يقول ابن القيم ﵀ مبيناً حقيقة التوحيد: "وحقيقته أيضا البراء والولاء، البراء من عبادة غير الله، والولاء لله" (٣).
وقد ذكر العلماء ﵏ أن الكلمة التي ذكرها الله في كتابه في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] والكلمة الباقية هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ومعناها أن الله جعل الموالاة والبراءة من كل معبود سواه، كلمة باقية في ذرية إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، بعضهم عن بعض (٤).
فهذه الكلمة التي بعث الله بها الأنبياء، وجعلها الله كلمة في عقب إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، كلمة لا إله إلا الله هي الولاء والبراء، وما يترتب عليها
من أحكام.
وقال الله تعالى في قصة نوح ﵇ وابنه لبيان هذه الحقيقة العظيمة، وهي الولاء والبراء على التوحيد في قول الله لنوح: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦].
يقول الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: "عن الضحاك أنه قرأ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ قال: يقول: ليس هو من أهلك. قال: يقول: ليس هو من أهل ولايتك، ولا ممن
стр. 493
وعدتك أن أنجى من أهلك ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، قال: يقول كان عمله في شرك" (١).
وكذلك إبراهيم ﵇ حينما استغفر لأبيه، وأمر الله نبيه وأتباع نبيه محمد ﷺ بأن يكون إبراهيم أسوة، استثنى أمرًا واحدًا قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤].
يقول الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: "فليس لكم أن تدعوا للمشركين وتقولوا: إنا في ذلك متبعون لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤] " (٢).
وكذلك ما ذكر الله في حق نبينا ﷺ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] فإن النبي ﷺ والذين آمنوا معه عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه الله، ويعادوا من عاداه الله، والاستغفار منهم لمن تبين لهم أنه من أصحاب النار منافٍ لذلك، متناقض معه (٣).
وأهل السنة والجماعة يتبرأون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
ويمتثلون لنهيه تعالى في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ
стр. 494
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [سورة التوبة: ٢٣ - ٢٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] "هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه" (١).
وقال ابن بطة ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء: "ثم تحب في الله من أطاعه وإن كان بعيدا منك وخالف مرادك في الدنيا، وتبغض في الله من عصاه ووالى أعداءه وإن كان قريبا منك ووافق هواك في دنياك، وتصل على ذلك وتقطع عليه" (٢).
وقال ابن عبد البر ﵀: " فمن الحب في الله حب أولياء الله وهم الأنقياء العلماء الفضلاء، ومن البغض في الله بغض من حاد الله وجاهر بمعاصيه أو ألحد في صفاته وكفر به وكذب رسله أو نحو هذا كله" (٣).
وقال ابن رجب ﵀: "فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم. وسئل بعض العارفين: بما تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة
стр. 495
أعدائه" (١).
وقال أيضا ﵀: "فأولياء الله تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥] " (٢).
وقال ابن أبي العز ﵀ عند شرحه لقول الطحاوي ﵀ ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة-: " وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله تعالى يحب المحسنين ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين ولا يحب المفسدين ولا يحب المستكبرين ونحن لا نحبهم أيضا ونبغضهم موافقة له " (٣).
ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج. ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي" (٤).