← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربك إلينا؟ " قال: «بالإسلام»، قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: «أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله ، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين» (١). وبايع أصحابه على البراءة من المشركين ومفارقتهم، فعن جرير البجلي ﵁، قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط علي، فأنت أعلم، قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (٢). كما جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بالولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢]. فمن عاضدهم وناصرهم على المسلمين، فحكمه حكمهم، في الكفر والجزاء وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]. وعن النعمان بن بشير ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر

стр. 492

والحمى» (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب» (٢). إن شهادة التوحيد معناها البراءة من كل ما يعبد من دون الله من الآلهة، والطواغيت، ودعاتها، والولاء لهذه الكلمة ولأهلها، يقول ابن القيم ﵀ مبيناً حقيقة التوحيد: "وحقيقته أيضا البراء والولاء، البراء من عبادة غير الله، والولاء لله" (٣). وقد ذكر العلماء ﵏ أن الكلمة التي ذكرها الله في كتابه في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] والكلمة الباقية هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ومعناها أن الله جعل الموالاة والبراءة من كل معبود سواه، كلمة باقية في ذرية إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، بعضهم عن بعض (٤). فهذه الكلمة التي بعث الله بها الأنبياء، وجعلها الله كلمة في عقب إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، كلمة لا إله إلا الله هي الولاء والبراء، وما يترتب عليها من أحكام. وقال الله تعالى في قصة نوح ﵇ وابنه لبيان هذه الحقيقة العظيمة، وهي الولاء والبراء على التوحيد في قول الله لنوح: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦]. يقول الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: "عن الضحاك أنه قرأ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ قال: يقول: ليس هو من أهلك. قال: يقول: ليس هو من أهل ولايتك، ولا ممن

стр. 493

وعدتك أن أنجى من أهلك ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، قال: يقول كان عمله في شرك" (١). وكذلك إبراهيم ﵇ حينما استغفر لأبيه، وأمر الله نبيه وأتباع نبيه محمد ﷺ بأن يكون إبراهيم أسوة، استثنى أمرًا واحدًا قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]. يقول الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: "فليس لكم أن تدعوا للمشركين وتقولوا: إنا في ذلك متبعون لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤] " (٢). وكذلك ما ذكر الله في حق نبينا ﷺ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] فإن النبي ﷺ والذين آمنوا معه عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه الله، ويعادوا من عاداه الله، والاستغفار منهم لمن تبين لهم أنه من أصحاب النار منافٍ لذلك، متناقض معه (٣). وأهل السنة والجماعة يتبرأون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ويمتثلون لنهيه تعالى في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ

стр. 494

وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [سورة التوبة: ٢٣ - ٢٤]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] "هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه" (١). وقال ابن بطة ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء: "ثم تحب في الله من أطاعه وإن كان بعيدا منك وخالف مرادك في الدنيا، وتبغض في الله من عصاه ووالى أعداءه وإن كان قريبا منك ووافق هواك في دنياك، وتصل على ذلك وتقطع عليه" (٢). وقال ابن عبد البر ﵀: " فمن الحب في الله حب أولياء الله وهم الأنقياء العلماء الفضلاء، ومن البغض في الله بغض من حاد الله وجاهر بمعاصيه أو ألحد في صفاته وكفر به وكذب رسله أو نحو هذا كله" (٣). وقال ابن رجب ﵀: "فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم. وسئل بعض العارفين: بما تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة

стр. 495

أعدائه" (١). وقال أيضا ﵀: "فأولياء الله تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥] " (٢). وقال ابن أبي العز ﵀ عند شرحه لقول الطحاوي ﵀ ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة-: " وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله تعالى يحب المحسنين ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين ولا يحب المفسدين ولا يحب المستكبرين ونحن لا نحبهم أيضا ونبغضهم موافقة له " (٣). ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج. ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي" (٤).

стр. 496

"ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم بشهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك" (١). فالناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام: "القسم الأول: من يحب محبة خالصة لا معاداة معها، وهم المؤمنون الخلص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ ؛ فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين، وأهل بيته الطيبين، وصحابته الكرام، خصوصا الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة، والمهاجرين، والأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة ﵃ أجمعين، ثم التابعون، والقرون المفضلة، وسلف هذه الأمة، وأئمتها؛ كالأئمة الأربعة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]، ولا يبغض الصحابة وسلف هذه الأئمة من كان في قلبه إيمان، وإنما يبغضهم أهل الزيغ والنفاق وأعداء الإسلام كالرافضة والخوارج، نسأل الله العافية. القسم الثاني: من يُبغض ويعادى بغضاً ومعاداة خالصين لا محبة ولا موالاة معهما: وهم الكفار الخُلص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين على اختلاف أجناسهم، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى عائبًا على بني إسرائيل: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة:

стр. 497

٨١، ٨٢]. القسم الثالث: من يُحب من وجه ويبغض من وجه: فتجتمع فيه المحبة والعداوة وهم عصاة المؤمنين، يُحبون لما فيهم من الإيمان ويبغضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك، ومحبتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم، فلا يجوز السكوت على معاصيهم بل ينكر عليهم ويؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وتقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفوا عن معاصيهم ويتوبوا من سيئاتهم؛ لكن لا يبغضون بغضًا خالصًا ويتبرأ منهم كما تقوله الخوارج في مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك، ولا يُحبون ويوالون حباً ومولاة خالصين كما تقوله المرجئة بل يعتدل في شأنهم … كما هو مذهب أهل السنة والجماعة" (١). فهذه عقيدة السلف ﵏ في الولاء والبراء، وهي عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد أرسل مكتوباً إلى من يصل إليه من المسلمين بين فيه عقيدته، فقال: "النبي ﷺ وأمته يصلون، والنصارى يصلون، ولكن قبلته ﷺ وأمته بيت الله، وقبلة النصارى مطلع الشمس، فالكل منا ومنهم يصلي لكن اختلفنا في القبلة، ولو أن رجلاً من أمة محمد ﷺ يقر بهذا، ولكن يكره من يستقبل القبلة، ويحب من يستقبل الشمس، أتظنون أن هذا مسلم … وأنا أنصحكم لله وأنخاكم لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبون دين النصارى على دين نبيكم، فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه ودين رسوله وهو يبغضه، ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك، ويحبه ويحب من اتبعه أتظنون أن الله يغفر لهذا؟ والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب الخالي من ذلك فلا" (٢). وكتب ﵀ أيضاً رسالة إلى بعض الناس يأمرهم بنصيحة آخرين، وجاء فيها: "إن الحب والبغض والموالاة والمعاداة لا يصير للرجل دين إلا بها، ولا ينفعه قول: لا إله إلا الله، ولا ترك الشرك حتى يبغض أهل الشرك، كون التوحيد من أخل به مثل من أخل بصوم رمضان، ولو ما أبغضه، وكذلك الشرك إن كان ما أبغض أهله مثل بغض من تزوج بعض محارمه، فلا

стр. 498

ينفعه ترك الشرك، وذكّروهم بالآيات التي ذكر الله في الموالاة والمعاداة مثل قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقوله في المعاداة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، واذكروا لهم أنه واجب على الرجل يعلّم عياله وأهل بيته ذلك أعظم من وجوب تعليم الوضوء والصلاة" (١). وقال ﵀: " وأصله - أي: الإسلام - وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله" (٢).

стр. 499

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء والجواب عنها أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب الولاء والبراء عدة دعاوى، وعند تأملها نجد أن لها علاقة مع أصل الدعاوى السابقة من جهة الغلو، والتكفير، ومن تلك الدعاوى:

стр. 500

المطلب الأول: دعوى تأثر الجماعات المتطرفة في الولاء والبراء بدعوة الإمام من الدعوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى تأثر الجماعات المتطرفة في الولاء والبراء بدعوة الإمام، وأن هذه الجماعات تنتسب للإمام وتستمد أقوالها وأفكارها من مؤلفاته ومؤلفات أتباعه. يقول فؤاد إبراهيم تحت عنوان: (الصحافة السعودية .. (دواعش) نبتة محلية): "أولى المقالات التي تناولت (داعش) كانت للكاتب عبد السلام الوايل في جريدة (الحياة) بتاريخ ١٣ يناير ٢٠١٤ بعنوان (القابلية للاستدعاش)، وكان باعثه هو مدى قدرة (داعش) على استقطاب عناصر سعودية للقتال في سوريا". ثم يقول: "ويختصر صفات "داعش" في "التكفير" و"حب الموت"، ومع أن جذر "يوتوبيا (١) داعش" مكين في وجدان القوميين والإسلاميين ولكنه مع "داعش" و"جبهة النصرة" مختلف، "إنه تصور سلفي خالص" بمعنى آخر: إن "داعش" هي من الناحية العقدية وهابية لأن الأسس الفكرية لديها هي ذاتها الأسس الفكرية للسلفية، مفاهيم "الولاء والبراء" و"الحب في الله والكره فيه" و"نواقض الإسلام العشرة" التي نؤسس عليها تصورنا لديننا هي في جوهرها المفاهيم المؤسسة لمشروعية "داعش" في مفاصلتها مع العالم كله" (٢). ويقول الحسن بن علي الكتاني لما ذكر بعض أخطاء النجديين وتأثر بعض أهل السنة والدعوة الجهادية بهم: "وطائفة أخرى من أهل السنة والدعوة للجهاد ونصرة المسلمين يعذرون الناس في كثير من الأمور، لكنهم متأثرون بفتاوى النجديين في مسائل موالاة أعداء الله تعالى، ولا يفرقون بين الموالاة الكبرى التي تفضي إلى الخروج من الدين وهي ما يسمى عند المعاصرين (الخيانة العظمى) وذلك بمظاهرة أعداء الله تعالى ومناصرتهم على أهل الإسلام قتلاً وإطفاء لنور الله

стр. 501

تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، فهذه في الموالاة الكبرى. وبين الموالاة الصغرى كما جاء في "الصحيح" في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁، «لما أخبر المشركين بمسير النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ لما كشف أمره: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت حليفاً من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أن أصنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي ﷺ : إنه صدقكم، فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١). قال أبو محمد: لو كان قد كفر لحبط عمله ولو كان قد شهد بدراً، ولكن الحديث دليل قاطع على أنه لم يكفر، كما قاله جماهير شراح الحديث. فهؤلاء عمموا تكفير جنود وعساكر وشرطة البلاد التي لا تحكم بما أنزل الله تعالى، عادّين فعلهم من الموالاة الكبرى، وفي ذلك نظر بين وتوسيع للتكفير بدون موجب" (٢). ويقول زهير الذوادي: "يشكل مفهوم الولاء والبراء أحد الأسس التي ينبني عليها العقل الجهادي الإسلامي المعاصر (المستند إلى جذور مبدئية في الدين والفقه الإسلاميين). وهي مسألة من أخطر التحديات التي واجهها المسلمون عبر تاريخهم حسب القراءة الأصولية. إذ أنها أخذت طابع الأصل من أصول الدين ". ثم قال: "في خصوص مسألة "الولاء والبراء" شكّل العقل الجهادي المعاصر مفهومه على أساس تأويل خاص لبعض تعاليم القرآن الواردة في بعض آياته. وكما هو الحال في باقي مفاهيم العقل الجهادي فإن التأويل الخاص، لا ينطلق من مضمون الآية في حد ذاتها وعلى ضوء أسباب وظروف نزولها لتحديد الجانب النسبي فيها وفصله عن الجانب العام والمطلق، بل أن

стр. 502

العقل الجهادي كثيراً ما يعتمد على رأي فقيه من الفقهاء الأصوليين الذي كان قد صاغ تفسيراً متشدداً وضيقاً للآية المعنية. جاء في القرآن: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. فيذهب التيار الجهادي إلى تبني تأويل ابن حزم لتلك الآية: "صح أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ إنما هو على ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه إثنان من المسلمين" (١). وقد ذهب محمد بن عبد الوهاب في تقريره حول "نواقض الإسلام" إلى قوله أن "الناقض الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين" (٢). وقد اعتمد على رأيه الشيخ عبد العزيز بن باز ليقرر "وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة: فهو كافر مثلهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (٣). وعلى مثل هذا منهجيته في مجالات ومسائل عديدة يعمد العقل الجهادي الإسلامي فيما تعلق بمسألة "الولاء والبراء" إلى الارتكاز إلى نص القرآن لتثبيت حقيقة أنه متبوئ لموقع الدفاع عن الصفاء الأصلي لمبادئ القرآن والسنة (٤) .... " (٥). حقيقة هذه الدعوى: سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الخوارج المعاصرين، وكذا في الفصل الثالث في الدعوى الثالثة: دعوى انتساب التكفيرين لدعوة الإمام، وأنها دعوى قديمة، وفي هذه الدعوى أيضا نسبة تأثر الجماعات المتطرفة في الولاء والبراء بدعوة

стр. 503

الإمام، وكل هذا من وسائل المناوئين للتنفير والتحذير من دعوة الإمام ﵀. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أنه إذا وجد من ينتسب لدعوة الإمام ولكنه يخالف منهجها؛ فإن هذا الانتساب لا يضر الدعوة وإنما يضر صاحبه، فهؤلاء الخوارج مع صلاحهم في الظاهر بكثرة صيامهم وقيامهم وقراءتهم خرجوا على أصحاب رسول الله ﷺ محتجين عليهم بتأويلات فاسدة لكتاب الله تعالى، ومع ذلك تبرأ النبي ﷺ منهم، ووصفهم بالأوصاف الشنيعة: من المروق من الدين، وقلة الفقه والإيمان والاستخفاف بالدماء، وأنهم شر الخلق والخليقة. وقاتلهم أصحاب النبي ﷺ مع أنهم يقولون من خير قول البرية ويظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١)، فكذلك لا يجوز أن ينسب إلى هذه الدعوة التجديدية انحراف وضلال من تعلق بها، أو أظهر إتباعها مع مخالفتها في الطريقة والمنهج. ثانيا: سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء، وأن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لا تخالف ذلك. كما سبق في الدعوى الأولى من الفصل الثاني، والدعوى الثالثة من الفصل الثالث بيان الفروق بين أتباع هذه الدعوة وبين من ينتسب إليها وهو مخالف لها. ثالثا: أن هذا الباب -الولاء والبراء- أحد الأبواب التي ولج منها الخوارج قديمًا ومن وافقهم حديثاً في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم بحجة موالاة الكفار، ولم يفرقوا بين ما يكون من الأعمال كفراً أو فسقاً أو مباحاً. وإنما جاء ضلال هؤلاء الواقعين بالتكفير الباطل من طريقين كل منهما ضلالة: الطريق الأول: الأخذ بإطلاقات بعض النصوص الشرعية دون فهم المراد بها كما فعلت الخوارج (٢).

стр. 504

الطريق الثاني: ربما تتبع هؤلاء الغلاة عبارات مجملة لبعض أئمة الدعوة السلفية النجدية، أطلقوا فيها كفر من تولى عباد القبور والأضرحة والطواغيت الذين قاتلوا أهل التوحيد، فأعانوهم بالنفس أو المال أو الكلمة محبة لظهور دينهم، فنزلها الغلاة على غير مراد هؤلاء الأئمة، بل أنكروها - أي الأئمة- أشد الإنكار. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ عن أقوام في زمنه زعموا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كفّروا أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفّروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين مستدلين ببعض أقوال أئمة الدعوة في غير محلها: "فرُفع إلي أمرُهم فأحضرتهم وتهددتم، وأغلظت لهم القول فزعموا: أولاً: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، وأدحضت ضلالتهم بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر … وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام، فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا: حكّمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية وعمراً وتوليتهما، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] " (١). وقال الشيخان محمد بن عبد اللطيف وعبد الله بن عبد العزيز العنقري -رحمهما الله- رداً على بعض الغلاة المنتسبين للدعوة المتهمين لأئمتها في زمنهم بالمداهنة اعتماداً على بعض العبارات والألفاظ في كتب الأئمة: " فواجب على كل مكلف، أخذ الدين عن أهله، كما قال بعض السلف: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فأما من تعلق بظواهر ألفاظ من

стр. 505

كلام العلماء المحققين، ولم يعرضها على العلماء، بل يعتمد على فهمه، وربما قال: حجتنا مجموعة التوحيد، أو كلام العالم الفلاني، وهو لا يعرف مقصوده بذلك الكلام، فإن هذا جهل وضلال. ومن المعلوم: أن أعظم الكلام وأصحه، كلام الله العزيز؛ فلو قال إنسان: ما نقبل إلا القرآن، وتعلق بظاهر لفظ لا يعرف معناه، أو أوله على غير تأويله فقد ضاهى الخوارج المارقين، فإذا كان هذا حال من اكتفى بالقرآن عن السنة، فكيف بمن تعلق بألفاظ الكتب، وهو لا يعرف معناها، ولا ما يراد بألفاظها؟! … إذا عرفت هذا تبين أن الذي يدعي أنه يستغني بمجموعة التوحيد، عن الأخذ عن علماء المسلمين مخطئ؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن سبب قبض العلم موت العلماء، فإذا ذهب العلماء واتخذ الناس رؤساء جهالاً، وسألوهم وأخذوا بفتواهم، ضلوا وأضلوا، عياذاً بالله". (١). رابعا: وفي خصوص مسألة الولاء والبراء، قال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ﵀ مبيناً لبعض المنتسبين للدعوة الذين يخوضون في ولي أمرهم بسبب المصالحة مع الكفار استدلالاً ببعض العبارات المجملة المحتملة لبعض أئمة الدعوة دون النظر في سياقها وفي من قيلت: "وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم: أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم بمصالحة ونحوها، وقدومهم على ولي الأمر لأجل ذلك، أنها هي موالاة المشركين المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من "الدلائل" التي صنف الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الشيخ، ومن "سبيل النجاة" للشيخ حمد بن عتيق: فأولاً: نبين لكم سبب تصنيف "الدلائل"، فإن الشيخ سليمان صنفها لمَّا هجمت العساكر التركية على نجد في وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم. وكذلك: سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق "سبيل النجاة" هو: لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم حتى استولوا على كثير من بلاد نجد، فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه-

стр. 506

بحمد الله- ظاهر المعنى، فإن المراد به: موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم، ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم. والإمام - وفقه الله - لم يقع في شيء مما ذكر، فإنه إمام المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولا بد له من التحفظ على رعاياه وولايته من الدول الأجانب. والمشايخ ﵏ كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن عتيق، إذا ذكروا موالاة المشركين فسَّروها بالموافقة والنصرة والمعاونة، والرضا بأفعالهم، فأنتم - وفقكم الله - راجعوا كلامهم تجدوا ذلك كما ذكرنا" (١). خامسا: قال الشيخ حمد بن عتيق فيما نقله عن الشيخ سليمان بن عبد الله ﵏: "وكذلك قوله ﷺ في الحديث: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» (٢) على ظاهره، وهو: أن الذي يدّعي الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع والنصرة والمنزل؛ بحيث يعدّه المشركون منهم، فهو كافر مثلهم وإن ادّعى الإسلام، إلا أن يكون يظهر دينه ولا يتولّى المشركين. انتهى. فانظر - وفقك الله - إلى قوله في هذه العبارة "وكون المشركين يعدونه منهم"، يتبين لك أن هذا هو الذي أوجب كفره، وأما مجرد الاجتماع معهم في المنزل، فإن ذلك بدون إظهار الدين معصية. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]: يعني: معهم في الحقيقة؛ يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنا معكم. فهذا هو الذي أوجب كفرهم لا مجرد المخالطة (٣). فأنتم - وفقكم الله - الواجب عليكم التبصر وأخذ العلم عن أهله، وأمَّا أخذكم العلم من مُجرد أفهامكم أو من الكتب، فهذا غير نافع، ولأن العلم لا يُتلقى إلا من مظانه وأهله، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي

стр. 507

شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] " (١). سادسا: أن هذه المسائل من المسائل الكبار والواجب أن لا يخوضوا فيها بل يردوها إلى الراسخين في العلم الذين يردون المتشابه إلى المحكم والعام إلى الخاص والمطلق إلى المقيد، كما قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ مخاطباً أشباه هؤلاء الغلاة ممن ظهروا في عصره: "وخضتم في مسائل من هذا الباب - كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله - عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب" (٢). سابعا: قول الحسن بن علي الكتاني: "وطائفة أخرى من أهل السنة والدعوة للجهاد ونصرة المسلمين يعذرون الناس في كثير من الأمور، لكنهم متأثرون بفتاوى النجديين في مسائل موالاة أعداء الله تعالى، ولا يفرقون بين الموالاة الكبرى التي تفضي إلى الخروج من الدين … وبين الموالاة الصغرى". فهولاء متأثرون بفتاوى النجديين - حسب زعمه- والأصل أن يقال: إن العلم يؤخذ عن أهله، ولا يكون بالتأثر، فهل هؤلاء الذين لا يفرقون بين الموالاة الكبرى والموالاة الصغرى ممن طلب العلم ودرس على علماء الدعوة؟ وأين مرجعه ومصدره في كتب ومؤلفات أئمة الدعوة؟ وقد سبق أن كتب أئمة الدعوة وغيرهم من الدعوات يلزم لمن أراد أن يقرأ فيها أن يعلم أربعة أمور: الأمر الأول: معرفة تاريخ الدعوة والأحداث التي جرت في وقتها. الأمر الثاني: معرفة تراجم أئمة الدعوة. الأمر الثالث: معرفة خصوم الدعوة. الأمر الرابع: الإلمام بكتب أئمة الدعوة.

стр. 508

وجمع المواضع من كلام الأئمة وأتباعهم، والتي قد يظهر منها التعارض، وبيان وجه الكلام فيه وسببه وحاله (١). ثم إن أئمة الدعوة يفرقون بين الموالاة الكبرى والموالاة الصغرى (٢)، يقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀ في الفرق بين التولي والموالاة: "التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب، كبل الدواة، أو بري القلم، أو التبشش لهم، أو رفع السوط لهم" (٣). ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]: "وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً، كان ذلك كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ وما هو دونه" (٤). ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]: "إن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون العبد منهم" (٥). وإليك نص صريح عن أئمة الدعوة في أن موالاة الكفار يقع على شعب متفاوتة، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀: "مسمى الموالاة يقع على شُعب متفاوتة، منها ما يوجب الردة وذَهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر

стр. 509

والمحرمات" (١). فأين هؤلاء الذين ينسبون لأئمة الدعوة أنهم يكفرون بالموالاة مطلقا! ثامنا: قول زهير الذوادي: "يشكل مفهوم الولاء والبراء أحد الأسس التي ينبني عليها العقل الجهادي الإسلامي المعاصر … الخ". فهذا الكلام صحيح، فإن الولاء والبراء أحد الأسس التي ينبني عليها العقل الجهادي الإسلامي المعاصر، وينبني عليها العقل الجهادي غير المعاصر؛ فالولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين من أخص خصائص العقيدة الإسلامية. لكن الإشكال في تطبيق هذه العقيدة وعدم معرفتها، وهو الذي ذكره الكاتب بقوله: " شكّل العقل الجهادي المعاصر مفهومه على أساس تأويل خاص لبعض تعاليم القرآن الواردة في بعض آياته. وكما هو الحال في باقي مفاهيم العقل الجهادي فإن التأويل الخاص، لا ينطلق من مضمون الآية في حد ذاتها وعلى ضوء أسباب وظروف نزولها لتحديد الجانب النسبي فيها وفصله عن الجانب العام والمطلق، بل أن العقل الجهادي كثيراً ما يعتمد على رأي فقيه من الفقهاء الأصوليين الذي كان قد صاغ تفسيراً متشدداً وضيقاً للآية المعنية … ". وهذا الكلام ينطبق على كلام أئمة الدعوة، فمن يجعل له تأويلا خاصا، ولا يعرف أسبابه وظروفه ويتأوله على غير تأويله فإنه يقع في الخطأ، ولو وضعه موضعه، وعرف وجه الكلام فيه لم يقع في الخطأ. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ معلقا على قول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "أكثر ما يخطئ الناس من جهة: التأويل، والقياس"-: "أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأوّلوه من اللغة؛ ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فلا يعتمدون لا على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم؛ وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار

стр. 510

السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رءوسهم" (١). قال ابن القيم ﵀ مبينا أن أصل خراب الدين والدنيا من التأويل الفاسد: "فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده اللَّه ورسوله بكلامه، ولا دلَّ عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقدت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيره إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ " (٢). أما التأويل الموافق للكتاب والسنة، المبني على فهم السلف الصالح فهو التأويل الصحيح، وأي تأويل خالف النصوص الشرعية المحكمة فهو من التأويل الباطل الفاسد الذي يجب الحذر منه ومن أهله. قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود" (٣). تاسعا: قوله: "وعلى مثل هذا منهجيته في مجالات ومسائل عديدة يعمد العقل الجهادي الإسلامي فيما تعلق بمسألة "الولاء والبراء" إلى الارتكاز إلى نص القرآن لتثبيت حقيقة أنه متبوئ لموقع الدفاع عن الصفاء الأصلي لمبادئ القرآن والسنة". وهذا حق؛ فإن المرجع والرد يجب أن يكون إلى نص القرآن؛ ولكن الإشكال كما سبق في الفقرة السابقة، في فهم القرآن وتأويله على غير تأويله الصحيح.

стр. 511

المطلب الثاني: دعوى تأثر الولاء والبراء بالسياسة من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوى أن الولاء والبراء في دعوة الإمام يتأثر بالسياسة، وأن أقوالها وأحكامها تتغير في الولاء والبراء بحسب السياسة. يقول دور غولد: "إرث الكراهية: لكن هل يمكن أن يرتبط إرهاب القرن الواحد والعشرين فعلاً بعقيدة نشأت في منتصف القرن الثامن عشر؟ للإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن ينظر المرء في أثر الوهابية العميق في العربية السعودية فحسب، بل أيضاً في كيفية تحفيز الوهابية السعودية العنف عبر تاريخها. ذلك أن الإسلام الوهابي حفز، على نحو خاص، ثلاث موجات من العنف المتطرف، نتجت عنها مآسٍ عظيمة في الشرق الأوسط" … ثم ذكر الموجات الثلاث: في القرن الثامن عشر، ومطلع القرن العشرين، وما بين الخمسينيات والسبعينيات. والنشاطات التي قامت بها الدولة لدعم ونشر الوهابية - حسب زعمه- سواء في التعليم، أو بناء المساجد، أو الجمعيات الخيرية، أو غيرها. ثم قال: "باختصار، لم تكن المشكلة تكمن فقط في أن الزعماء الدينيين الوهابيين كانوا ينشرون كراهية الغرب، التي حفزت الجيل الجديد من الإرهابيين، بل في أن النظام السعودي نفسه كان يدعم التنظيمات الوهابية المتطرفة والعنيفة ". ثم ذكر ما حصل بعد ذلك في التسعينيات من الحرص من الحكام على الفقهاء الوهابيين، والتضييق على الخيريات الوهابية، وما ترتب عليه من الجانب السياسي. ثم نقل عن: "برنارد لويس"، المؤرخ المعروف المتخصص في الشرق الأوسط، قوله: " باختصار، ساعدت الوهابية السعودية على إنتاج كراهية فريدة تجاه الغرب، لكن الدولة السعودية أتاحت نظاماً لحمل تلك الكراهية إلى العالم كله" (١). ويقول الحسن بن علي الكتاني: "فصل في تناقض النجديين في مسألة موالاة المشركين:

стр. 512

الملاحظ أن تكفير من والى (المشركين) عند النجديين أشبه ما يكون بالمسألة السياسية، فإنك عند قراءة تواريخهم تلاحظ أن مخالفيهم يعتبرون مشركين، ولو كانوا بخلاف ذلك، كما أن موافقيهم يعتبرون مسلمين ولو والوا (المشركين) وأهل الكتاب!! وكأن المسألة متعلقة بامرائهم من آل سعود وليست متعلقة بقواعد شرعية" (١). حقيقة هذه الدعوى: سبق في الفصل الثاني، في الدعوى الرابعة فرية أن دعوة الإمام حركة سياسية وليست حركة دينية، وكذا في الفصل الثالث، في الدعوى الرابعة فرية أن التكفير كان سياسيا ولم يكن دينيا، وهذه الدعوى تفريع لهما وأن الولاء والبراء كان سياسيا، ولم يكن دينيا (٢). الجواب عن هذه الدعوى: أولا: سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الولاء والبراء، وأنها تعتمد على الكتاب والسنة، وموافقة لعقيدة السلف، ولم يكن قط لها تأثر بالسياسة التي تغير حكمها الشرعي، مع أن الشرع يشمل حياة الناس كلها: الدينية والسياسية والاقتصادية وغيرها. وهم حين يتكلمون في هذا الأمر -الولاء والبراء- ينطلقون من منطلق شرعي. ثانيا: أين في كتب الإمام ﵀ وأئمة الدعوة خضوعها وتأثرها بالسياسة، وأنها دعوة أو حركة سياسية مثلها مثل بقية الحركات السياسية؟ لم يذكر المناوئ مثالا واحدا في ذلك، وإنما يتبع المتشابه من القول، ويثير به الشبهة، وإلا لو رجع لفتاوى أئمة الدعوة من السابقين

стр. 513

والمعاصرين لاستبان له الحق في ذلك (١). قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالة له عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن ينصح برفق خفية ما يشرف عليه أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجال يقبل منهم بخفية، فإن ما فعل، فيمكن الإنكار ظاهراً إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية" (٢). وقال الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وعلى الإمام - وفقه الله - أن يبعث للدين عمالا، كما يبعث للزكاة عمالا، ليعلموهم دينهم، ويأمروهم وينهوهم؛ وهذا مما يجب على الإمام، أعانه الله على ذلك، ووفقه للقيام بوظائف الدين، نصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، وللمسلمين، سنة الخلفاء الراشدين" (٣). وقال الشيخ سعد بن عتيق ﵀ في رسالة له في حث المشايخ على مناصحة الأمراء: " ومن أعظم الواجبات: مناصحة ولي أمر المسلمين ودعوته إلى ما فيه صلاحه وفلاحه، من القيام بأمر الله، والدعوة إلى توحيده وطاعته، وإحياء شعائر الإسلام، التي قد عطلت على كثير من الرعايا" (٤). وقال الشيخ عبد الله بن حميد ﵀ في رسالة له لولي العهد في وقته - بعد أن ذكر له بعض المنكرات -: " فإذا كانت هذه أحوال البعض من الناس، ثم صار كثير من المسؤولين في الدولة مثلهم، متى تستقيم الأحوال؟ متى تتم الأمور؟ متى تقوم دعائم الدين؟ متى تتمكن أسس الملك؟ إن الدين والملك أخوان، فمن كان ضد الدين فهو ضد ملوك الإسلام وأهله؛ ومن كان

стр. 514

ضد ولاة الأمور فهو ضد الدين، وإن تظاهر بالنصرة للإسلام؛ لأن الإسلام ينهاه عن كل ما يمس السياسة الرشيدة؛ والإسلام يقول: «من فارق الجماعة قيد شبر فمات، فميتته ميتة جاهلية» (١)، والإسلام يقول: «من أهان إمام المسلمين أهانه الله» (٢)، والإسلام يقول: «السلطان ظل الله في أرضه» (٣)، فمن خرج على الإمام يريد نصرة الإسلام بزعمه فهو كاذب، ما لم يعين ما أخل به الإمام، ويناصحه سرا مرارا، ثم يعلن له ذلك عند العجز عنها في السر» … وبما أنه قد علم أن الدين والملك أخوان، يقوى هذا بقوة صاحبه، ويضعف بضعفه، كان من المتعين على ملوك الإسلام، التمسك بالدين وحمايته، وصيانته عن كل ما يناقضه أو ينقصه، لا سيما مثلكم" (٤). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في رسالة لعموم المسلمين، جاء فيها: " ولا يفوتني في هذا المقام أن أوصي حكام المسلمين بأن يتقوا الله ويحكموا شريعة الله ويقيموا حدوده، فإنهم مسئولون عن ذلك بين يديه حين يكون الملك له وحده بما ولاهم من أمر عباده، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، ولا يكون عادلا إلا إذا حكم بما أنزل الله، والله تعالى قال لنبيه الكريم ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. كما أوصيهم بأن يجتمعوا على كلمة سواء وأن لا يختلفوا فتزول هيبتهم ويطمع فيهم عدوهم كما هو واقع الحال، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] " (٥). ثالثا: أن من أسباب الوقوع في تلك الدعاوى عدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀ لما ذكر أن هؤلاء الذين ظهروا في زمنه وكفروا

стр. 515

بالموالاة والمعاداة، قال لهم بعد أن أخبرهم ببراءة الشيخ الإمام من هذا المعتقد: إن سبب الضلال عند هؤلاء يكون من طريقين وقعوا فيها: "الأول: أنهم جهلوا أصولًا عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب لمن جهلها. الثاني: عدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله" (١). وذكر الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ﵀ أيضا: هذا الجهل وحدد سببه بأمرين: الأول: الاعتماد على فهمهم والتعلق بظواهر ألفاظ كلام العلماء المحققين، وهم لا يعرفون مقصود كلامهم في مؤلفاتهم، فضاهوا الخوارج الذين تعلقوا بظاهر لفظ القرآن ولا يعرفون معناه. الثاني: أنهم لم يعرضوها على العلماء ليبينوا لهم الصحيح، والضعيف، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، فخبطوا خبط عشواء، وتاهوا في جهالة عمياء (٢). وذكر أيضًا في موطن آخر من الأسباب: عدم معرفة سبب التصنيف، لأن معرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء السابقين (٣). رابعا: أن بعض الناس يتتبعون بعض عبارات العلماء في بعض الكتب، وهم على عقيدة فاسدة، وينظرون في كلام بعض أهل العلم ليستدلوا على فهمهم الفاسد، وأهوائهم المستحكمة ليؤيدوا ما هم عليه من الباطل، فإن بعض العبارات التي أطلقها العلماء قد تكون مجملة، وقد يكون أطلقها على سبيل التغليظ، أو على سبيل العموم أو الخطأ. خامسا: أن هذه العبارات العامة لا يبنى عليها، والمناوئ لدعوة الإمام خالفَ النص الصحيح والمنهج المتوارث، لأن منهج الراسخين في العلم في القرآن والسنة حمل المتشابه على المحكم، فكذلك ما جاء من كلام أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " المنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول

стр. 516

عن الله ورسوله" (١)، والأمر في هذا أن العلم يحتاج إلى نقل مصدق، ونظر محقق (٢). سادسا: هذه بعض النقول عن أئمة الدعوة تبين ما سبق ذكره من الأسباب التي وقع بسبها من تكلم في أئمة الدعوة ولم يفهم كلامهم، وحمل ذلك على المداهنة والسياسة. قال العلامة سليمان ابن سحمان (٣) ﵀ في رده على غلاة نزلوا كلاماً لإمام الدعوة قاله في قوم مشركين ليس معهم من الإسلام شيء على أعراب ملتزمين بشعائر الإسلام الظاهرة لا يمكن لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعمهم جميعهم بالكفر لأجل ما غلب على بعضهم من المكفرات، والتلوث بكثير من المنكرات: "فيقال لهؤلاء الجهلة الصعافقة (٤) الحمقى، الذين لا علم لهم ولا معرفة لديهم بحقائق الأمور ومدارك الأحكام، الذين يقرؤون على الناس كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهم لا يفهمون مواقع الخطاب وتوقيع الأمور على ما هي عليه، حيث يقول قائلهم: نعم، هذا قول الشيخ في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون. فيقال لهم: إن كلام الشيخ الذي تقرؤونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الإسلام شيء، وذلك قبل أن يدخلوا في الإسلام، ويلتزموا شرائعه، وينقادوا لأوامره، وينزجروا عن زواجره ونواهيه، وأما بعد دخولهم في الإسلام فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله وأقلهم ديناً وورعاً، ومقالته هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وهؤلاء يكفرونهم بمحض الإسلام. أما علم هؤلاء المساكين أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، بنص رسول الله ﷺ ؟. وأما قوله: والمشايخ اليوم يقولون ويقولون، فالجواب أن نقول: نعم المشايخ اليوم يقولون: لا نكفر من ظاهره الإسلام، ولا يطلقون الكفر على جميع أهل البادية الذين هم بين أظهر أهل الإسلام، وإنما يقولون: من قام به وصف الكفر منهم فهو كافر؛ كمن يعبد غير الله،

стр. 517

ويشرك به أحداً من المخلوقين، أو يتحاكم إلى الطواغيت، ويرى أن حكمهم أحسن وأفضل من حكم الله ورسوله، أو يستهزئ بدين الله ورسوله، أو ينكر البعث. فمن قام به هذا الوصف الذي ذكرنا من المكفرات وغيرها مما يخرج من الملة في بادية أو حاضرة: فهو كافر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من العلماء ﵏ وهذا هو الذي ندين الله به في أي بادية كانت أو حاضرة" (١). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ مؤكداً على عدم التعلق ببعض الألفاظ المطلقة للعلماء، ومعرفة مواقع الخطاب التي قالوه فيها: "وقد صدر من الشيخ محمد بن عجلان رسالة ما ظننتها تصدر من ذي عقل وفهم فضلاً عن ذي الفقه والعلم، وقد نبهت على ما فيها من الخطأ الواضح والجهل الفاضح، وكتمت عن الناس أول نسخة وردت علينا، حذراً من إفشائها وإشاعتها بين العامة والغوغاء، ولكنها فشت في الخرج والفرع، وجاء منها نسخة إلى بلدتنا، وافتتن بها من غلّب الهوى وضل عن سبيل الرشاد والهدى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. وأخبرت من يجالسني: أن جميع ما فيها من النقول الصحيحة والآثار حجة على منشيها، تهدم ما بناه مبديها، وأنه وضع النصوص في غير موضعها، ولم يعط القوس باريها. وبلغني عن الشيخ حمد أنه أنكر واشتد نكيره، ورأيت له خطاً أرسله إلى بعض الإخوان: بأن ما كتبه ابن عجلان ردة صريحة، وبلغني أن بعضهم دخل من هذا الباب واعترض على ابن عتيق، وصرح بجهله ونال من عرضه، وتعاظم هذه العبارة، ورغم أنه غلا وتجاوز الحد، فحصل بذلك تنفيس لأهل الجفاء وعباد الهوى. والرجل وإن صدر منه بعض الخطأ في التعبير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله ولكتابه وذب عن دينه، وأغلظ في أمر الشرك والمشركين، على من تهاون أو رخص وأباح بعض شعبه، وفتح باب وسائله وذرائعه القريبة المفضية إلى ظهوره وعلوه، ورفض التوحيد ونكس أعلامه، ومحو آثاره وقلع أصوله وفروعه، ومسبة من جاء به، لقولة رآها وعبارة نقلها وما دراها من إباحة الاستعانة بالمشركين، مع الغفلة والذهول عن صورة الأمر والحقيقة، وأنه

стр. 518

أعظم وأطم من مسألة الاستعانة والانتصار، بل هو تولية وتخلية بينهم وبين أهل الإسلام والتوحيد وقلع قواعده وأصوله، وسفك دماء أهله، واستباحة حرماتهم وأموالهم. هذا هو حقيقة الجاري والواقع، وبذلك ظهر في تلك البلاد من الشرك الصريح والكفر البواح ما لا يبقي من الإسلام رسماً يرجع إليه ويعول في النجاة عليه، كيف وقد هدمت قواعد التوحيد والإيمان، وعطلت أحكام السنة والقرآن؟ وصرح بمسبة السابقين الأولين من أهل بدر وبيعة الرضوان، وظهر الشرك والرفض جهراً في تلك الأماكن والبلدان؟ ومن قصر الواقع على الاستعانة بهم، فما فهم القضية، وما عرف المصيبة والرزية. فيجب حماية عرض من قام لله، وسعى في نصر دينه الذي شرعه وارتضاه، وترك الالتفات إلى زلاته والاعتراض على عباراته، فمحبة الله والغيرة لدينه ونصر كتابه ورسوله مرتبة علية محبوبة لله مرضية، يغتفر فيها العظيم من الذنوب، ولا ينظر معها إلى تلك الاعتراضات الواهية، والمناقشات التي تفت في عضد الداعي إلى الله، والملتمس لرضاه. وهبه كما قيل، فالأمر سهل في جنب تلك الحسنات: «وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (١) " (٢). فانظر إلى عباراته ﵀ التي تدل على علم وفقه، ومراعاة لأحوال الناس ومعرفة بالواقع، وأن ما يصدر منهم فيه مراعاة للمصالح والمفاسد، وفق ما تقتضية الشريعة: - " وكتمت عن الناس أول نسخة وردت علينا، حذراً من إفشائها وإشاعتها بين العامة والغوغاء". - "وأنه وضع النصوص في غير موضعها، ولم يعط القوس باريها". - "والرجل وإن صدر منه بعض الخطأ في التعبير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله ولكتابه وذب عن دينه، وأغلظ في أمر الشرك والمشركين، على من تهاون أو رخص وأباح بعض شعبه … " - "مع الغفلة والذهول عن صورة الأمر والحقيقة".

стр. 519

- "هذا هو حقيقة الجاري والواقع". - "ومن قصر الواقع على الاستعانة بهم، فما فهم القضية، وما عرف المصيبة والرزية" الخ.

стр. 520

المطلب الثالث: دعوى إدخال مسألة الولاء والبراء في العقيدة وهي ليست منها من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن مسألة الولاء والبراء ليست من العقيدة، وأن دعوة الإمام أدخلت هذه المسألة ضمن مسائل العقيدة وهي من المسائل الفقهية. يقول عبد الله العتيق في أثار إدخال ما ليس من العقيدة في العقيدة بعد أن ذكر الأثر الأول، وهو التكفير: "الأثر الثاني: المعاداة. هذه نتيجة حتمية للأثر الأول، فإذا نزل حكم التكفير على أحد كان لازم أن يُعاده، لمبدأ الولاء والبراء، ولأن من نواقض الدين، عند من أدخل ما ليس من العقيدة فيها، أن موالاة من ليس مسلماً يعتبر كفراً، وربما أدى الحال إلى الشك في كفرهم (١)، وهذا بحد ذاته مكفر وناقض، فالقضايا هذه هي في حكم القضايا العقدية، والتي يجب فيها اتخاذ مواقف شديدة في التعامل مع الفاعلين لها" (٢). حقيقة هذه الدعوى: سبق في الدعوى الثامنة عشرة من الفصل الأول، فرية إدخال بعض المسائل في العقيدة وهي ليست منها، وأن تلك الدعوى قديمة، وسببها الاشتباه في معنى العبادة الصحيح (٣)، وهذه الدعوى مبنية على ذلك؛ فإن الولاء والبراء من لوزام العبادة، ومبنية كذلك على عدم

стр. 521

معرفة معنى الولاء والبراء الوارد في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وما يلزم من ذلك من الولاء للإيمان وأهله، والبراء من الشرك وأهله، فمن لم يعرف معنى الولاء والبراء جعلهما ليس من العقيدة حتى لا يقوم لازم ذلك من الولاء للمؤمنين والبراء من المشركين بشروطه وضوابطه. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء، وأنه من مقتضيات كلمة التوحيد، فالولاء للإيمان وأهله، والبراء من الشرك وأهله، قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة: ١ - ٣]. وفي أعظم سورة في القرآن، التي يقرأها كل مسلم في كل ركعة من ركعات صلاته، يسأل المسلم ربه صراطه المستقيم، وأن يكون مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأن يجنبه المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى ومن سار على طريقهم (١)، قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. ثانيا: أن الدين يشمل جميع المسائل سواء كانت عقدية أو فقهية، والواجب العمل بالجميع، وكونها مسألة عقدية أو فقهية لا يغير حكمها الشرعي، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، قال ابن جرير ﵀: " عن مجاهد في قول الله : ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة" (٢). وقال تعالى في ذم من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ

стр. 522

وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. ثالثا: أنه لما كان الإسلام دين الله تعالى الحق، وما سواه من الأديان دين باطل، كان لابد أن تكون لعقيدة الولاء والبراء فيه مكانة عظمى، مرتبطة بأصل الإيمان، فلا بقاء للإيمان بغير ولاء وبراء، وذهاب الولاء والبراء يعني -بالضرورة- ذهاب الإيمان كله رأساً. فالولاء والبراء شرط للإيمان، قال الله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨١]. قال ابن جرير ﵀: "من تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم. أي من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه" (١). وقال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: " ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ أي يعضدهم على المسلمين ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ بين تعالى أن حكمه كحكمهم … ، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] " (٢). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم" (٣).

стр. 523

وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨١]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فذكر جملة شرطية تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ودل ذلك أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمناً، وهنا أخبر أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً" (١). وهذا التلازم بين أصل الإيمان والولاء والبراء مما تقتضيه الفطرة، وليس خاصاً بالمسلمين، بل هو واقع في جميع الأديان، ويصدقه الواقع المشاهد، والتاريخ القريب، والماضي البعيد، كل ذلك يدل على الصراع بين الأديان والمذاهب المختلفة، وقد يكون صراع الحجة والبرهان من خلال الحوار والجدل، وقد يفضي إلى القتال والتدافع بالقوة. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١١٩]. يقول ابن جرير ﵀: "فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرفهم ما هم عليه منطوون، من الغش والخيانة وبغيتهم إياهم الغوائل، محذرهم بذلك منهم ومن مُخالَّتهم، فقال تعالى ذكره: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، يعني لا يستطيعونكم شراً … أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال … وأما قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، فإنه يعني: ودوا عنتكم، يقول:

стр. 524

يتمنون لكم العنت والشر في دينكم، وما يسوءكم ولا يسركم" (١). ثم قال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: "يعني بذلك تعالى ذكره: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون أن تتخذوهم بطانة من دونكم = لكم بأفواههم، يعني بألسنتهم. والذي بدالهم منهم بألسنتهم: إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمون من الضلالة، فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان؛ لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بنتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر، وذلك انتقال من هدى إلى ضلالة، كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين ومقامهم عليه، أبين الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه لهم من البغضاء والعداة" (٢). وعن أبي موسى الأشعري ﵁، في كاتب له نصراني عجب عمر بن الخطاب ﵁ من كتابه، فقال: إنه نصراني، قال أبو موسى: فانتهرني وضرب فخذي، وقال: أخرجه، وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، قال أبو موس: والله ما توليته إنما كان يكتب، قال: أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك، لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذا خونهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله (٣). وقد أخبر أن البراءة من الكفار والعداوة لهم غيض من فيض براءتهم منا وعداوتهم لنا، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾ [الممتحنة: ١ - ٢].

стр. 525

رابعا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن الله أكد وبين هذه السنة الإلهية، وعلى لزوم هذه المفاصلة بين أهل الحق وأهل الباطل، وأنها ليست خاصة بدين الإسلام الذي بُعث به محمد ﷺ ، بل هي عامة في جميع الشرائع الإلهية، وقد وقعت لجميع أنبياء الله تعالى وأتباعهم مع أقوامهم الذين عادوهم وكفروا بما بُعث به أنبياء الله تعالى. فهذا أول الرسل نوح ﵇ يعلمه ربه البراءة، على أشد صورها، بين الأب وابنه، فيقول تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٥ - ٤٧]. وهذا أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن ﵇، يتبرأ من أبيه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. وهذا هود ﵇ يعلن البراءة من شرك قومه، ثم يَعلمُ عاقبة هذه البراءة، وهي أنهم سيواجهونها بإعلان العداء الكامل: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥]. وهكذا جميع الأنبياء: ما إن يعلنوا دعوتهم حتى يعلن أقوامهم العداوة لهم. وحينها لا بد من ثبات أهل الحق على حقهم، ولن يثبتوا بغير الولاء فيما بينهم والبراءة ممن عاداهم. خامسا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي ﷺ أخبر أن الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: «أي عرى الإيمان أوثق؟»، قال: الله ورسوله أعلم، قال: «الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله،

стр. 526

والبغض في الله» (١). وقد ذكر البيهقي ﵀ في كتابه شعب الإيمان بابا في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، وذكر عدة أحاديث وآثار، وذكر من جملتها هذا الحديث (٢). وهذا الحديث "فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء يحبهم في الله، بيانه أنك إذا أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله؛ فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله، فمن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر" (٣). قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (٤). سادسا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي ﷺ أخبر أن حلاوة الإيمان لا توجد إلا بالموالاة والمعادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٥). سابعا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي ﷺ كان يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترِط عليّ فأنت أعلم، قال: «أبايعك

стр. 527

على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (١). ثامنا: أن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم يدين بكلمة التوحيد أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها؛ فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فهذه الآية نفت " أن يوجد من يؤمن بالله تعالى حق الإيمان، ويلتزم شعبه على الكمال يواد كافراً أو منافقاً. ومعنى يواد: يكون بينهما من اللطف بحيث يود كل واحد منهما صاحبه" (٢). وهذه الموالاة والمعادة من ملة إبراهيم ﵇ والذين معه الذين أمرنا بالاقتداء بهم، قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وهو من دين محمد ﵊ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، فالولاء والبراء محل إجماع بين أهل القبلة (٣)، بل هو معتقد لا يخلو منه كل دين أو مذهب. وساق ابن بطه ﵀ بسنده "عن محمد، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتقين أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وهو لا يشعر، قال محمد: فظننته أخذ ذلك من هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (٤).

стр. 528

وقال الشيخ مبارك الميلي (١) ﵀ مبينا أن الله تعالى نفي الولاية بين المؤمنين والكافرين: "ونفاها تعالى بين المؤمنين والكافرين، ونهى عنها في مثل آيات العقود، والأنفال، وبراءة، والممتحنة؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] " (٢). وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف (٣) ﵀ بعد أن ذكر عددا من الآيات التي فيها النهي عن موالاة الكافرين: " فهذه الآيات كلها بينة في تحريم موالاة الكافرين. وتكرارها في هذا المعنى، وجريها على نسق واحد مؤكد للتحريم، ورافع لتطرق الاحتمال إليه؛ فإن القاعدة الأصولية: المعنى الواحد إذا نص عليه وأكد بالتكرار، فقد ارتفع عنه الاحتمال، فلا تجد في تحريم هذه الموالاة مخالفا من أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز وبالسنن النبوية" (٤). وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي (٥) ﵀ عن الولاء والبراء: "إنهما مظهران من مظاهر

стр. 529

إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين. والبراءة: مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله، وهذا أصل من أصول الإيمان" (١). فعقيدة الولاء والبراء في الإسلام مرتبطة بوجود الإسلام نفسه، فما دام في الأرض مسلم موحد، وفي الأرض كافر أو مشرك فلابد من أن يكون هناك ولاء وبراء، لا من قبل المسلم وحده، بل من قبل مخالفه أيضاً. تاسعا: قول عبد الله العتيق في النتيجة الحتمية للأثر الأول وهو التكفير " فإذا نزل حكم التكفير على أحد كان لازم أن يُعاده، لمبدأ الولاء والبراء". هذا كلام صحيح، وهو مقتضى عقيدة الولاء والبراء؛ فإن من حكم بكفره بالشروط والضوابط الشرعية فلا بد من معادته. عاشرا: قوله: " لأن من نواقض الدين، عند من أدخل ما ليس من العقيدة فيها، أن موالاة من ليس مسلماً يعتبر كفراً". فهذه عبارة مجملة؛ فإن الموالاة شعب متفاوتة، فقد تكون كفرا، وقد تكون من كبائر الذنوب، كما مر في الدعوى الأولى من هذا الفصل، والإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكر في نواقض الإسلام العشرة نوعاً واحداً من أنواع موالاة الكفار وهو مظاهرتهم ومناصرتهم، وإلا فالموالاة للمشركين تشمل عدة معان، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "ولفظ الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة (٢) " (٣).

стр. 530

ويقول أيضاً: "مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها، ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات" (١).
следующие страницы →