← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والبغض في الله» (١). وقد ذكر البيهقي ﵀ في كتابه شعب الإيمان بابا في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، وذكر عدة أحاديث وآثار، وذكر من جملتها هذا الحديث (٢). وهذا الحديث "فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء يحبهم في الله، بيانه أنك إذا أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله؛ فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله، فمن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر" (٣). قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (٤). سادسا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي ﷺ أخبر أن حلاوة الإيمان لا توجد إلا بالموالاة والمعادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٥). سابعا: من الأدلة على أن الولاء والبراء من العقيدة أن النبي ﷺ كان يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترِط عليّ فأنت أعلم، قال: «أبايعك

стр. 527

على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (١). ثامنا: أن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم يدين بكلمة التوحيد أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها؛ فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فهذه الآية نفت " أن يوجد من يؤمن بالله تعالى حق الإيمان، ويلتزم شعبه على الكمال يواد كافراً أو منافقاً. ومعنى يواد: يكون بينهما من اللطف بحيث يود كل واحد منهما صاحبه" (٢). وهذه الموالاة والمعادة من ملة إبراهيم ﵇ والذين معه الذين أمرنا بالاقتداء بهم، قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وهو من دين محمد ﵊ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، فالولاء والبراء محل إجماع بين أهل القبلة (٣)، بل هو معتقد لا يخلو منه كل دين أو مذهب. وساق ابن بطه ﵀ بسنده "عن محمد، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتقين أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وهو لا يشعر، قال محمد: فظننته أخذ ذلك من هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (٤).

стр. 528

وقال الشيخ مبارك الميلي (١) ﵀ مبينا أن الله تعالى نفي الولاية بين المؤمنين والكافرين: "ونفاها تعالى بين المؤمنين والكافرين، ونهى عنها في مثل آيات العقود، والأنفال، وبراءة، والممتحنة؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] " (٢). وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف (٣) ﵀ بعد أن ذكر عددا من الآيات التي فيها النهي عن موالاة الكافرين: " فهذه الآيات كلها بينة في تحريم موالاة الكافرين. وتكرارها في هذا المعنى، وجريها على نسق واحد مؤكد للتحريم، ورافع لتطرق الاحتمال إليه؛ فإن القاعدة الأصولية: المعنى الواحد إذا نص عليه وأكد بالتكرار، فقد ارتفع عنه الاحتمال، فلا تجد في تحريم هذه الموالاة مخالفا من أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز وبالسنن النبوية" (٤). وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي (٥) ﵀ عن الولاء والبراء: "إنهما مظهران من مظاهر

стр. 529

إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين. والبراءة: مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله، وهذا أصل من أصول الإيمان" (١). فعقيدة الولاء والبراء في الإسلام مرتبطة بوجود الإسلام نفسه، فما دام في الأرض مسلم موحد، وفي الأرض كافر أو مشرك فلابد من أن يكون هناك ولاء وبراء، لا من قبل المسلم وحده، بل من قبل مخالفه أيضاً. تاسعا: قول عبد الله العتيق في النتيجة الحتمية للأثر الأول وهو التكفير " فإذا نزل حكم التكفير على أحد كان لازم أن يُعاده، لمبدأ الولاء والبراء". هذا كلام صحيح، وهو مقتضى عقيدة الولاء والبراء؛ فإن من حكم بكفره بالشروط والضوابط الشرعية فلا بد من معادته. عاشرا: قوله: " لأن من نواقض الدين، عند من أدخل ما ليس من العقيدة فيها، أن موالاة من ليس مسلماً يعتبر كفراً". فهذه عبارة مجملة؛ فإن الموالاة شعب متفاوتة، فقد تكون كفرا، وقد تكون من كبائر الذنوب، كما مر في الدعوى الأولى من هذا الفصل، والإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكر في نواقض الإسلام العشرة نوعاً واحداً من أنواع موالاة الكفار وهو مظاهرتهم ومناصرتهم، وإلا فالموالاة للمشركين تشمل عدة معان، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "ولفظ الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة (٢) " (٣).

стр. 530

ويقول أيضاً: "مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها، ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات" (١).

стр. 531

المطلب الرابع: دعوى التشدد في الولاء والبراء مع المخالفين من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى التشدد في الولاء والبراء مع أهل البدع والمخالفين لها في الرأي، وأن دعوة الإمام دعوة إقصائية، وأحادية الرأي، وتسفه الآخر المختلف معها. يقول محمد المحمود: "السلفية التقليدية -بطبعها- أحادية الرأي، تسفه الآخر المختلف، وتبدعه وتضلله و-أحياناً- تكفره. فهي تقوم على تصور امتلاك الحقيقة المطلقة، وأنها -وحدها- الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة هالكة. أي أنها في الأصل مشروع تمايز وتفاصل عن الآخرين، عن كل الآخرين. وبهذا، فهي مهما أظهرت من مرونة، ومهما أبدت من تسامح، فهي تنطوي على جذر إرهابي، جذر إقصائي، ينفي الآخر عن دائرة الحق والخير والصلاح. فأنساقُها الكامنة أنساقٌ حادة، ولديها القابلية الفائقة لصناعة الإرهاب، أو -على الأقل- القابلية لتدعيم سيكولوجيته - أي نفسيته- بالمواقف المبدئية للمنغمسين في مستنقعاتها. يمكن استنطاق هذه الأنساق الإقصائية الكامنة من مجمل خطاباتها، إذ دائماً ما نجدها يسيطر عليها وَهَم (١) واحد، وَهَم ينتظمها جميعاً، إنه وَهَم التطابق الكامل مع الحق الكامل. ولا شك أن هذا هو الوهم الذي بموجبه تمارس السلفية نفي الآخر، وعلى وجه الخصوص، نفي الآخر المختلف من داخل المنظومة الإسلامية ذاتها. إن السلفية لا تعد هذا المسلم الآخر مسلماً، أو هي تعده مسلماً ناقص الإسلام. إنه -في تصورها- مسلم غير جدير بالولاء الديني، بل هو جديرب بالعداء والكراهية، وفي معاييرها، تلك المعايير المجترحة في ظل أدبيات الإقصاء الرائجة في خطابها: التفسيق والتبديع والتضليل والتكفير. إنها المعايير التمايزية الاحترابية الأحادية الرؤية، التي استهلكت معظم نشاطاتها، وأهدرت أفضل طاقاتها" (٢).

стр. 532

ويقول أبو هشام الشريف في تعدد الركائز التي تعتمد عليها الوهابية: "الركيزة الرابعة: عدم التهاون مع المخالفين في الرأي: فلا يجوز لمدرسة محمد بن عبد الوهاب أن تتعايش مع الغير، فالمخالفون لهم مشركون وكفار وضالون ومضلون … وهذا من عجائب أفكارهم ومخالفتهم لسلف أمة الإسلام، بل ومخالفتهم للنبي ﷺ ، فالرسول ﷺ كان يقر المسلمين فيما اختلفوا فيه من آراء فقهية (١). وحين تفرق الصحابة ﵃ في البلاد الإسلامية كان كل منهم أستاذاً في بلد من البلاد، وله مدرسته الخاصة به: فابن مسعود ﵁ نواة مدرسة الرأي التي أنجبت أبا حنيفة، وابن عمر ﵁ نواة مدرسة الحديث التي أنجبت مالك بن أنس وأحمد بن حنبل. ونجد آراء الصحابة المختلفة وآراء التابعين المختلفة في كثير من الأمور الدينية بل والعقيدة. بينما نرى مدرسة محمد بن عبد الوهاب ترى خلاف هذا، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة: يقول الأستاذ المحدث الشهير (٢) محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في كتابه "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد": (إن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى فإنه قد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان، فضلاً عمن يطلب ما لا يُطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من عافية مريض أو قدوم غائب أو نيل مطلب من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان عليه عُباد الأصنام).

стр. 533

هكذا أطلق الأستاذ الشهير العنان لأي واحد أن يتهم كل المسلمين بالشرك والكفر! ويقول: وكذلك تسمية القبر "مشهداً" ومن يعتقدون فيه ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم أو الوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام. فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل مصر يقولوا: يا رفاعي .. يا بدوي .. وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام. ثم يقول: وهؤلاء المشركون يجب دعاؤهم إلى التوحيد والإبانة أنهم مشركون، فمن رجع وأقر حُقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله من المشركين. هكذا نرى كيف يرون مخالفيهم! ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (اقرأ كتاب الشعراني والإبريز للدباغ وكتب التيجانية وغيرها من كتب أولئك الضالين المضلين تجد الشرك الذي ما كان يخطر على بال أبي جهل وإخوانه، لأنهم لم يكونوا بوقاحة هؤلاء وفجورهم). ولا أجد تعليقاً على هذه السفالة. ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (وهي التي يسميها الناس اليوم "المولد والذكريات" التي ملأت البلاد باسم الأولياء، وهي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم، ولذلك لا يذكر الناس ويعرفون إلا من أقيمت له هذه الذكريات ولو كان أجهل خلق الله وأفسقهم، وقد امتلأت البلاد الإسلامية بهذه الذكريات وعمت بها المصيبة، وعادت بها الجاهلية إلى بلاد الإسلام، ولم ينج منها إلا نجد والحجاز -فيما نعلم- بفضل الله ثم بفضل آل سعود الذين قاموا بحماية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب). ثم يقول: وقد أحدث هؤلاء المشركون أعياداً عند القبور التي تعبد من دون الله ويسمونها "عيداً": كمولد البدوي بمصر وغيره، بل هم أعظم، لما وجد فيها من الشرك والمعاصي العظيمة. ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز في تعريف السيد البدوي: (أحمد البدوي بطنطا، لا يعرف له تاريخ صحيح، واضطربت الأقوال فيه، والمشهور أنه كان جاسوساً لدولة الملثمين (١)، وكان

стр. 534

داهية في المكر والخديعة، وقبره أكبر الأصنام في الديار المصرية، مثل هبل الأكبر أو اللات في الجاهلية، يؤتى عنده من أنواع الشرك الأكبر … ويقام به كل عام ثلاثة موالد، يشد الرحال إليها الناس من أقصى القطر المصري، ويجتمع في المولد أكثر من ثلاثمائة ألف حاج إلى هذا الصنم الأكبر، عجل الله بهدمه وحرقه هو وغيره من كل صنم في مصر وغيرها). ويقول ابن القيم: (لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، وكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور والتي اتخذت أوثاناً تبعد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة أو أعظم شركاً). ومثل هذه النصوص كثيرة، نحيل القارئ إليها، وهي تبين حال مدرسة ابن عبد الوهاب مع مخالفيهم" (١). ويقول سعود المولى وهو يعدد الملاحظات على الوهابية، وذكر منها: "عدم التهاون مع المخالفين في الرأي: فلا يجوز لمدرسة محمد بن عبد الوهاب أن تتعايش مع الغير، فالمخالفون لهم مشركون وكفار وضالون ومضلون" (٢). حقيقة هذه الدعوى: أن المناوئ لا يريد تكفير المخالف الواقع في الشرك، ويعتبر البراء منه تشددا في التعامل مع المخالف. وهذا عكس الدعوى السابقة، ففي الدعوى السابقة يعتبر الولاء والبراء ليس من العقيدة، وفي هذه الدعوى يعتبرها تشددا مع المخالف الواقع في الشرك. الجواب عن هذه الدعوى:

стр. 535

أولا: أن أئمة الدعوة -رحمهم الله تعالى- قد بينوا أن المؤمن يجب عليه أن يحب إخوانه المؤمنين في الله، ويواليهم في الله، منطلقاً في ذلك من العلاقة الجامعة بينهم، والصلة الرابطة وهي الإيمان والتقوى. عن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وفي رواية لمسلم: «المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وفي رواية له -أيضاً-: «المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله» (١). يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوله، وآخره، وأسه، ورأسه: شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كان بعيدين، واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وأبغضوهم، وأبغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم" (٢). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "ومن لوازم محبة الله أيضاً محبة أهل طاعته، كمحبة أنبيائه، ورسله، والصالحين من عباده، فمحبة ما يحبه الله، ومن يحبه الله، من كمال الإيمان" (٣). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "محبة جميع المؤمنين بعضهم بعضاً، ومودتهم بينهم، وسؤال الله المغفرة لهم، فأمر مستحسن مطلوب، لا يشك فيه شاك، ولا ينفيه إلا هالك. قال آمراً نبيه أن يستغفر للمؤمنين: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا

стр. 536

اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] " (١). ثانيا: أن محبة المؤمن لإخوانه المؤمنين تتفاضل بحسب ما معهم من إيمان. قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ عند شرحه لقوله ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» (٢): "وفيه أن محبة المؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض" (٣). ثالثا: أنه مع هذا التفاضل في المحبة فإنه ليس لأحد أن يؤذي المسلمين، أو أن يتتبع عوارتهم، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وليس لأحد أن يتبع عورات العلماء، ولا له أن يتكلم فيها، فمن عدل عن الحجة إلى الظن والهوى فهو ظالم، وكذلك كل من آذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا" (٤). وكان إيذائهم أيضاً موجباً للتعزير حتى يكف المؤذي عن إيذائه، يقول الشيخ عبد الله بن محمد ﵀: "وأما الذي يسب المسلمين، ويؤذيهم بلسانه، فيؤدبه الأمير بما يزجره" (٥). وقد وصف الله تعالى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون مع إخوانهم بأنهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأنهم: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ في معناها: "أي: أرقاء، رحماء، مشفقين، عاطفين عليهم" (٦). وهذا كله يدل على عدم التشدد، وعلى النصح والشفقة للمؤمنين. رابعا: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء أن الناس على أنواع، فمنهم من يحب مطلقاً، ومنهم من يبغض مطلقاً، ومنهم من يحب من وجه ويبغض من وجه، كما سبق بيانه في المبحث الثاني من هذا الفصل.

стр. 537

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "على المؤمن أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه - وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم" (١). ويقول الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ في أصناف الناس بحسب الحب والبغض والولاء والبراء: أنهم ثلاثة أصناف: "الأول: من يحب جملة. وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علماً وعملاً واعتقاداً. وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد كائناً من كان. الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه، وهو المسلم الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فيحب ويوالي على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادي على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما

стр. 538

أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (١)، مع أنه ﷺ «لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه» (٢). الثالث: من يبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر البعث بعد الموت، وترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحداً من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعاً من أنواع العبادة كالحب والدعاء، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر والإنابة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق، أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك كل من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها" (٣). فأهل السنة والجماعة يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاء كاملاً ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة، ويتبرأون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين ويعادونهم عداوة وبغضاً كاملين. أما من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيوالونه بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادونه بحسب ما هو عليه من الشر. خامسا: قول محمد المحمود عن الدعوة أنها: " -بطبعها- أحادية الرأي، تسفه الآخر المختلف، وتبدعه وتضلله و-أحياناً- تكفره. فهي تقوم على تصور امتلاك الحقيقة المطلقة، وأنها -وحدها- الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة هالكة". فهذا كلام غير صحيح، وأين هو في كلام أئمة الدعوة، والنقول عن أئمة الدعوة والمطالبة بتصحيح ما لديها من أخطأ كثير في كتبهم، ومنه قول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما ما ذكر لكم عني فإني لم آته بجهالة بل أقول - ولله الحمد والمنة، وبه القوة - إنني هداني

стр. 539

ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين ولست ولله الحمد أدعوا إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير ﵏، بل أدعوا إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسوله ﷺ • التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أن لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه أني إن أتاني منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق" (١). وكان يصرح بقوله، أنه إذا افتى بشيء خرج فيه عن إجماع أهل العلم أن اللوم متوجه عليه في ذلك وأنه راجع عنه، فيقول: "فإن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه عن إجماع أهل العلم توجه علي القول" (٢). لكن الهوى يعمي ويصم، فالكاتب يقول: "فهي مهما أظهرت من مرونة، ومهما أبدت من تسامح، فهي تنطوي على جذر إرهابي، جذر إقصائي، ينفي الآخر عن دائرة الحق والخير والصلاح". فماذا يريد منها أن تعمل، فهي مهما أظهرت من مرونة، وأبدت من تسامح فهي عنده إرهابية إقصائية!. سادسا: قوله: " ولا شك أن هذا هو الوهم الذي بموجبه تمارس السلفية نفي الآخر، وعلى وجه الخصوص، نفي الآخر المختلف من داخل المنظومة الإسلامية ذاتها". لم يبين الكاتب المقصود بالآخر داخل المنظومة الإسلامية، هل هم العصاة، أو المبتدعة، أو الوقعون في الشرك أو … حتى نتمكن من الرد عليه بما يقتضيه كلامه؛ لكنها عادة أهل البدع والضلالة في استخدام العبارات المجملة التي يستخدمونها للتخلص عند العجز وعدم الحجة. سابعا: قول أبي هشام في تعدد الركائز التي تعتمد عليها الوهابية: "الركيزة الرابعة: عدم التهاون مع المخالفين في الرأي … ".

стр. 540

فالكاتب جعل الإمام ابن القيم ﵀ المتوفى عام (٧٥١ هـ)، من مدرسة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ المولود عام (١١١٥ هـ)! ولو عكس الأمر لقبل منه. كما جعل الشيخ الصنعاني ﵀ (١٠٩٩ - ١١٨٢ هـ) من مدرسة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهو قبله، نعم هو عاصره؛ لكنه ليس من تلامذته. وقد أطلت في النقل عنه، وذكر الأمثلة التي أوردها؛ لبيان الفرق في المسائل الخلافية الفقهية التي وقعت في وقت الصحابة والتابعين، وذكر الكاتب منها: "أمره ﷺ بصلاة العصر في بني قريظة، واختلافهم في تنفيذ الأمر. وموافقة الرسول ﷺ لكلا الرأيين"، وبين المسائل التي ذكرها من المسائل العقدية. ولا أطيل بإعادة ذكرها، ولكن أذكر منها ما نقله الصنعاني ﵀، مما يتعلق بالشرك الأكبر: "أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى … "، "فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل مصر يقولوا: يا رفاعي .. يا بدوي .. وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام". فكيف يقارن بين المسائل الفقهية التي اختلف فيها الصحابة ﵃، وبين هذه المسائل الشركية التي لم يختلف فيها الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم ممن عرفوا العقيدة الصحيحة. ثم ليته ذكر مثلا واحدا فقط من هذه المسائل العقدية التي اختلف فيها الصحابة، وذكر مصدره فيه!. ثامنا: ما نسبه أبو هشام من أقوال إلى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (اقرأ كتاب الشعراني والإبريز للدباغ … )، و (وهي التي يسميها الناس اليوم "المولد والذكريات" … )، و (أحمد البدوي بطنطا، لا يعرف له تاريخ صحيح، واضطربت الأقوال فيه … ). هكذا ذكر أنها من تعليقات الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀، وهي ليست من تعليقاته، وإنما من تعليقات الشيخ محمد حامد الفقي ﵀، وهي تعليقات صحيحة؛ ولكن نسبتها للشيخ ابن باز تدل على جهل الكاتب أو تلبيسه.

стр. 541

تاسعا: قوله عن تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز: (اقرأ كتاب الشعراني والإبريز للدباغ وكتب التيجانية وغيرها من كتب أولئك الضالين المضلين تجد الشرك الذي ما كان يخطر على بال أبي جهل وإخوانه، لأنهم لم يكونوا بوقاحة هؤلاء وفجورهم). ولا أجد تعليقاً على هذه السفالة. وأنقل بعض ما في هذه الكتب حتى تتبين هذه السفالة التي يزعمهما هذا الكاتب! فكتاب الطبقات للشعراني أعظم شاهد على زيغه وضلاله، لما فيه من الدعوة إلى الشرك بالله تعالى والتعلق بالمقبورين والاستغاثة بهم ودعائهم وعبادتهم من دون الله واعتقاد أنهم يعلمون الغيب ويدبرون أمور الكون، فضلا عما فيه من الخزعبلات والفسق والفجور، فيقول في كرامات الشيخ إبراهيم العريان ﵁!!: " وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان ويحلف على ذلك، فيخجل ذلك الكبير منه، مات ﵁ سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، وكان ﵁ يطلع المنبر ويخطب عريانا فيقول: السلطان ودمياط باب اللوق وجامع طولون الحمد لله رب العالمين، فيحصل للناس بسط عظيم " (١). ويذكر في ترجمة سيده شعبان المجذوب ﵁!! فيقول: " كان من أهل التصريف بمصر المحروسة وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل، وأخبرني سيدي علي الخواص ﵁ أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها، فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوبا على العباد، وكان يقرأ سورا غير السور التي في القرآن على كراسي المساجد يوم الجمعة وغيرها فلا ينكر عليه أحد، وكان العامي يظن أنها من القرآن لشبهها بالآيات في الفواصل" (٢). ويقول الشعراني في سبب حضوره مولد أحمد البدوي كل سنة أن شيخه: " العارف بالله تعالى محمد الشناوي ﵁، أحد أعيان بيته ﵀، قد كان أخذ علي العهد في القبة تجاه وجه سيدي أحمد ﵁، وسلمني إليه بيده، فخرجت اليد الشريفة من الضريح، وقبضت على يدي، وقال يا سيدي يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك!!

стр. 542

فسمعت سيدي أحمد من القبر يقول: نعم". ثم يقول الشعراني: " لما دخلت بزوجتي أم عبد الرحمن، وهي بكر، مكثت خمسة شهور لم أقرب منها، فجاءني وأخذني وهي معي وفرش لي فراشا فوق ركن القبة التي على اليسار الداخل وطبخ لي الحلوى، ودعا الأحياء والأموات إليه وقال: أزل بكارتها هنا، فكان الأمر تلك الليلة". ثم يقول: "وتخلفت عن ميعاد حضوري للمولد سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، وكان هناك بعض الأولياء فأخبرني أن سيدي أحمد ﵁ كان ذلك اليوم يكشف الستر من الضريح ويقول: أبطأ عبد الوهاب ما جاء" (١). أما كتاب الإبريز الذي جمعه أحمد بن مبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ، فيقول فيه: "وسمعته ﵁ يقول: إن في كل مدينة من المدن عدداً كبيراً من الملائكة مثل السبعين ملكاً أو أقل أو أكثر يكونون عوناً لأهل التصوف من الأولياء فيما لا تطيقه ذات الولي؛ قال ﵁ وهؤلاء الملائكة الذين يكونون موجودين في المدن يكونون على هيئة بني آدم فمنهم من يلقاك في صورة خواجة، ومنهم من يلقاك في صورة فقير -أي صوفي-، ومنهم من يلقاك في صورة طفل صغير وهم منغمسون في الناس ولكنهم لا يشعرون" (٢). وقال أيضا أحمد بن مبارك عن شيخه: " ثم ذكر لنا ﵁ سبب ليلة القدر، فقال: إن العالم قبل خلق النور في حرم الشمس كان مظلماً والملائكة عامرون له أرضاً وسماء وفي الكهوف والسهول والجبال والأودية، فلما خلق الله تعالى النور في الشمس وأضاء العالم بها أصبحت ملائكة السماء وملائكة الأرض وخافوا من خراب العالم ومن أمر عظيم ينزل بهم، فنزل ملائكة السماء إلى الأرض، وجعل ملائكة الأرض يفرون من الضوء إلى الظل، أي من ضوء النهار إلى ظل الليل فراراً من الضوء الذي لم يعرفوه إلى الظل الذي يعرفونه، خائفين متضرعين مجتمعين على الابتهال إلى الله تعالى والتضرع له والخوف منه، يطلبون منه الرضا، ويلجؤون إليه في أن لا يسخط عليهم، ولم يكن في ظنهم إلا أنه تعالى أراد أن يطوي هذا العالم

стр. 543

فاجتمعوا على التضرع والابتهال على الصفة السابقة مقدرين في كل لحظة وقوع ما خافوه. فإذا زاد إليهم الضوء فروا عنه إلى الظل، ولم يزالوا على تلك الحالة، والضوء ينسخ الظل وهم يفرون، إلى أن طافوا الأرض كلها ورجعوا إلى الموضع الذي بدأوا منه، فلما لم يروا شيئا وقع حصل لهم الأمن ورجعوا إلى مراكزهم يجتمعون من كل عام فهذا هو سبب ليلة القدر" (١). وأمثال ذلك كثير مما يشيب له الرأس، ويحمد العبد ربه ليل نهار على أن منّ عليه باتباع السنة، ويدعو لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد جعله الله تعالى وأولاده وتلاميذه سببا في تخليص الأمة الإسلامية من هذا الخزي الذي كانت ترتع فيه إلا من رحم الله، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. عاشرا: قوله: "ومثل هذه النصوص كثيرة، نحيل القارئ إليها، وهي تبين حال مدرسة ابن عبد الوهاب مع مخالفيهم". فهذا حق؛ فإن مدرسة ابن عبد الوهاب ﵀ تعامل مخالفيها الذين يدعون للشرك ويقعون فيه بما توجبه عليهم الشريعة من البراء من المشركين.

стр. 544

المطلب الخامس: دعوى الغفلة عن أحاديث وأدلة في الولاء والبراء من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى الغفلة عن أحاديث وأدلة في الولاء والبراء، ومن ذلك حديث "سهيل بن بيضاء ﵁ "؛ وأنهم لم يذكروه في الدرر السنية، وهذا نقص في التحرير والقدرة على المعرفة، وأنهم لو علموا به لقالوا بموجَبه. يقول د. حاتم الشريف تعليقاً على حديث سهيل بن بيضاء ﵁: "حديث سهيل بن بيضاء ﵁ من أهم أحاديث وأدلة الباب (باب الولاء والبراء)، في تحرير أحكامه، أو في ضرورة الإجابة عليه (عند من يعترض على دلالته). ومع ذلك لم يذكره أحد قبلي من المعاصرين ممن ألف في الولاء والبراء أو تعرض له، ولا ذكره دعاة الدعوة النجدية في (الدرر السنية)!. ولا أظن ذلك إلا غفلة عنه. وأحسب لو وقفوا عليه، وفهموا وجه دلالته، وعلاقته بتحرير هذا الباب، لوجب أن يذكروه، ولو اعتراضاً عليه، أو ادعاء أنه من المشتبهات، كما اعتدناه منهم في كثير مما يخالفهم فلا يجدون عليه جواباً!. وهذا الفوات في حجج هذا الباب لهو من قرائن نقص التحرير، ومن أسباب انحسار القدرة المعرفية فيه" (١). حقيقة هذه الدعوى: هو تحديد مناط التكفير بالأعمال الظاهرة التي تخالف موجبات الولاء والبراء، وأن هذا الحديث يدل على أن مجرد الخروج مع المشركين لا يلزم منه التكفير. الجواب عن هذه الدعوى:

стр. 545

أولا: هذا الحديث ليس في سهيل بن بيضاء، وإنما في أخوه سهل ﵄، يقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: "سهيل بن بيضاء": هو سهيل بن وهب بن ربيعة، نسب إلى أمه "البيضاء"، وهي دغد بنت جحدم بن عمرو، وسهيل هذا من المهاجرين، شهد بدرا وأحداً، والخندق والمشاهد كلها، فوهم أحد الرواة، والصواب "سهل بن بيضاء" بفتح السين وسكون الهاء، وهو أخو سهيل لأبيه وأمه، قال ابن سعد: "أسلم بمكة وكتم إسلامه، فأخرجته قريش معها في نفير بدر، فشهد بدر، مع المشركين، فأسر يومئذ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فخلى عنه. والذي روى هذه القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ، سهيل ابن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود، ولم يستخف بإسلامه، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا مع رسول الله ﷺ مسلما، لا شك فيه، فغلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلاً أشهر من أخيه سهل. والقصة في سهل. وسيأتي على الصواب "سهل ابن بيضاء" في رواية جرير عن الأعمش ٣٦٣٤ " (١). وقال القاسم بن سلام ﵀ المتوفى (٢٢٤ هـ): " أما أهل المعرفة بالمغازي فإنهم يقولون: إنما هو سهل بن بيضاء أخو سهيل" (٢). فأين التحقيق والتحرير الذي يدعيه الكاتب؟. ثانيا: هذا الحديث مما اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فقد رواه الإمام أحمد في مسنده، (٣)، والترمذي في سننه (٤)، وابن أبي شيبه في مسنده (٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٦)،

стр. 546

والحاكم في مستدركه (١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢)، وغيرهم. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن! وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه". قال محمد أنور شاه الكشميري الهندي معلقا على قول الترمذي "هذا حديث حسن … ": "حسّن الحديث مع أنه منقطع، وقد اشترط المصنف في كتاب العلل في الحديث الحسن الاتصال فعلم أنه لم يعتبره هاهنا، بل تمشى على حسنه بالمتابعات والشواهد" (٣). وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث أبي عبيدة لم يروه عنه إلا عمرو بن مرة" (٤). وقال الهيثمي: "ورواه أبو يعلى بنحوه، ورواه الطبراني أيضا، وفيه أبو عبيدة ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات … وفي رواية عند الطبراني … وهي متصلة، وفيها موسى بن مطير وهو ضعيف" (٥). وقال الألباني: حديث ضعيف (٦). وقال محققو المسند: " إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة -وهو ابن عبد الله بن مسعود-، لم يسمع من أبيه، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. " (٧)، و "موسى بن مطير كذبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم والساجي وجماعة: متروك، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: صاحب عجائب ومناكير لا يشك سامعها أنها موضوعة، فلا يفرح بهذه الطريق" (٨). وما كان من الأحاديث بهذه الدرجة، فالتحرير والتحقيق يتعين معهما عدم الاحتجاج به

стр. 547

بهذا الأسلوب الذي ينال فيه المستدل من غيره، ويظهر نفسه بمظهر الأول الذي لم يسبق إلى التنبيه عليه، فالذين لم يذكروا الحديث ممن صنف في الولاء والبراء قد يكون المانع لهم من ذكره علمهم بضعف الحديث فامتنعوا من إيراده؛ لأن التحقيق والتحرير يلزم معهما عدم الاستدلال بالحديث الضعيف - خصوصا في المسائل المهمة- على أنه أصلٌ غفل عنه الناس؛ لذا أعرضوا عنه، مع أن من أورده - كما سيأتي توضيحه- يورده إيراد أمثاله من الروايات التي يوردها أهل العلم، لا على أنها مما لم يسبقهم أحد إليه، بل على أنها مما ورد في الباب، وينبغي إيراده استتماما لبحث المسألة، ليس إلا. ثالثا: حديث سهيل بن بيضاء (١) ﵁، هو أنه كان مسلماً بمكة، يخفي إسلامه، ثم إنه خرج مع المشركين ببدر، ووقع في الأسر. فقال النبي ﷺ : «لا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق». فقال ابن مسعود ﵁: «يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإني قد سمعته يذكر الإسلام، فقال ﷺ بعد سكتة-: «إلا سهيل بن بيضاء». رابعا: أن هذا الحديث فيه الدلالة على أن من أسلم قبل الظفر به؛ فإنه يعصم ماله ودمه، ونصوص الفقهاء في تقرير ذلك كثيرة. وأصل المسألة (من أسلم من الكفار قبل أسره) موجود في كتب أئمة الدعوة ومعروف لديهم، ولا يلزم الاستدلال لها بكل حديث، فقد جاء في الدرر السنية ما نصه: "ويكفي في ذلك ما روى أحمد والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر، جيء بالأسرى وفيهم العباس، فقال رسول الله ﷺ : «ما ترون في هؤلاء الأسرى؟»، فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومك وأهلك، استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم - وفي حديث أنس عند أحمد: نرى أن تعفو عنهم، وتقبل منهم الفداء، وفي حديث ابن مسعود - فقال عمر: يا رسول الله! كذبوك وأخرجوك وقاتلوك! قدمهم

стр. 548

فأضرب أعناقهم. فدخل النبي ﷺ ولم يرد عليهم شيئاً، فخرج رسول الله ﷺ وقال: «يا أبا بكر مثلك مثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا عمر كمثل نوح ﵇، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، أنتم عالة، فلا ينفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ … الآيتين [الأنفال: ٦٧]» " (١). خامسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكر هذا الحديث في مختصره للإنصاف والشرح الكبير في كتاب الجهاد، حيث قال: "ولا يجوز لمن أسر أسيراً أن يقتله حتى يأتي به الإمام فيرى فيه رأيه، فإن خافه أو خاف هربه أو امتنع من الانقياد معه بالضرب، فله قتله. فأما أسير غيره، فلا يجوز قتله، إلا أن يصير إلى حال يجوز فعله لمن أسره. فإن قتل أسيره أو أسير غيره أساء، ولا ضمان عليه؛ وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: إن قتله قبل أن يأتي به الإمام ضمنه. ولنا: قصة بلال هو وعبد الرحمن. فإن قتل صبياً أو امرأة ضمن، لأنه صار رقيقا بالسبي. وإن ادعى الأسير الإسلام، لم يقبل إلا ببينة، فإن شهد معه واحد وحلف خلي. وقال الشافعي لا يقبل إلا بشهادة عدلين. ولنا: حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال يوم بدر: «لا يبقى منهم أحد إلا أن يفدى، أو تضرب عنقه». فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال: «إلا سهيل». والأسارى من المجوس وأهل الكتاب الذين يقرون بالجزية، يخير الإمام فيهم بين القتل والمن بغير عوض والمفاداة والاسترقاق، وعن مالك كمذهبنا. وعنه: لا يجوز المن بغير عوض. وحكى عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهية قتل الأسرى، وقال: منّ عليه أو فاداه كما فعل بأسارى بدر، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا

стр. 549

فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وقال أصحاب الرأي: إن شاء قتلهم وإن شاء استرقّهم لا غير، لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، بعد قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. ولنا: على جواز المن والفداء الآية المذكورة، (ومنّه ﷺ على ثمامة وأبي عزة الشاعر)، وقال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني هؤلاء النتنى، لأطلقتهم له»، (وفادى أسارى بدر وغيرهم) " (١). وهذا يدل على معرفتهم بالحديث، خلافا لما قاله د. حاتم الشريف. سادسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ موافق لما قاله العلماء في هذه المسألة، قال النووي ﵀: "لو أسلم قبل أسره والظفر به، عُصِم دمه وماله، سواء أسلم وهو محصور وقد قرب الفتح، أو أسلم في حال أمنه، و سواء أسلم في دار الحرب أو الإسلام" (٢). وقال منصور البهوتي (٣) ﵀: "من أسلم من الكفار قبل أسره -ولو كان إسلامه لخوف- فكمسلم أصلي لعموم «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم» (٤) … الحديث" (٥). وفي حاشية الرملي (٦) الكبير من الشافعية: "لو ادعى الإسلام واحد من الكفار قبل أسره، وأقام به شاهداً وامرأتين فإنه يكفيه" (٧).

стр. 550

سابعا: قول د. حاتم الشريف عن سبب عدم ذكر أئمة الدعوة لهذا الحديث - حسب زعمه-: " ولا أظن ذلك إلا غفلة عنه"، " وهذا الفوات في حجج هذا الباب لهو من قرائن نقص التحرير، ومن أسباب انحسار القدرة المعرفية فيه". فهو طعن في أئمة الدعوة ونقص تحريرهم للمسائل، مع أن عدم ورود الحديث في موضع من مؤلفات أئمة الدعوة لا يدل على عدم معرفتهم به، وسبق بيان معرفتهم به وذكرهم له. ثامنا: قوله عن حديث سهيل بن بيضاء: " ولا ذكره دعاة الدعوة النجدية في (الدرر السنية)! ". كتاب الدرر السنية الذي ذكره الكاتب وبزعمه أن عدم ورد الحديث فيه نقص في التحرير … لم يشمل جميع ما كتابه أئمة الدعوة، فلا أدري هل غاب هذا الأمر عن د. حاتم الشريف أو نقص في التحرير!. فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (١) ﵀ وهو من قام بجمع الكتاب - في مقدمته عدد من التنبيهات، وذكر في التنبيه الرابع، المادة التي جمعها في هذا الكتاب والتي تدل على أنه لم يجمع جميع كتب ومؤلفات أئمة الدعوة في كتابه، حيث قال: "التنبيه الرابع: إني لم أتعرض إلا لفتاوى، ورسائل، وردود أهل هذه الدعوة، ولم أثبت من الردود في هذا المجموع، إلا ما كان مختصراً، نحو الكراستين فأقل; وأما الردود الكبار: فهي متداولة، مستقلة على حدتها، مستغنية عن إثباتها في هذا المجموع، كما أني لم أثبت ما كان مشهورا متداولا، ككتاب التوحيد، وكتاب كشف الشبهات، وفضائل الإسلام، وغيرها مما شهرته كافية" (٢). تاسعا: هب أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يذكر هذا الحديث؛ فهل ادعى

стр. 551

أحد من أهل العلم أنه يعلم جميع أحاديث النبي ﷺ ، وهل نسب لأحد من أهل العلم أنه يعلم جميع الأحاديث، وعلى فرض وجود ذلك، فهل قال أحد من أهل العلم أنه معصوم؟ أو ادعى أنه معصوم؟! قال الإمام الشافعي ﵀ في بيان أنه لا يحيط بعلم السنة أحد: " لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيءٌ. فإذا جُمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فُرّق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجوداً عند غيره. وهم في العلم طبقات منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقلَّ مما جمع غيره. وليس قليلُ ما ذهب من السنن على من جمع أكثرَها: دليلاً على أن يُطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يُطلب عن نظرائه ما ذهب عليه حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرَّد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وَعَوا منها" (١). ولذا؛ فقد ألف أهل العلم كتباً في بيان رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وذكروا من الأعذار: الخطأ، وعدم الإحاطة بجميع الأدلة .. إلى غير ذلك (٢). عاشرا: أن العبرة في الأحكام بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة، وكل يؤخذ من قوله ويرد، وقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه إذا صح الحديث فهو مذهبهم، وبهذا قال الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀: " بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه أني إن أتاني منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله فإنه لا يقول إلا الحق" (٣).

стр. 552

المطلب السادس: دعوى أن دعوة الإمام توالي وتعادي على عقيدة الإمام من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام توالي وتعادي على عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فمن وافقها، كان له الولاء، ومن خالفها كان حقه البراء. يقول رول مبير: "والمصدر الثاني للتوتر الذي ظهر على السطح وأعطى تفسيراً فاعلاً أكثر من غيره هو العقيدة التي تنظم العلاقة بين مجتمع المؤمنين واللامؤمنين الأجانب/ غير المؤمنين. وإسهام الوهابية للسلفية يقع في تقوية الوهابية موقف بغضاء الغرباء نحو الأجانب وطائفيتها نحو المسلمين غير الوهابيين، وعلى أساس مبدأ الولاء والبراء دُعي المسلمون إلى النأي بأنفسهم والابتعاد عن المسلمين غير الوهابيين الذين لا يتقيدون بالوهابية. فالمؤمن الحق لا يستطيع إلا أن يعبر فقط عن اعتقاده وإخلاص إيمانه بالبيان العملي العلني للعداوة نحو "الوثنيين". وسبق أن وجد في كراسات القرن التاسع عشر شجباً للسفر إلى بلاد المشركين، ولمصادقتهم والتحول إلى "فاسد" يبذل الولاء لهم" (١). ويقول بدر الإبراهيم ومحمد الصادق: "منذ التأسيس، قدمت الدولة الوهابية السلفية هوية لها، وهذه الهوية صنعت الإشكال المتعلق بغياب الحس الوطني والفشل في إيجاد رابطة وطنية بين الناس، ويمكن الحديث عن إشكالية الهوية في الدولة السعودية بالعودة إلى المكونين الرئيسين للعقيدة الوجدانية اللذين يفترض توفرهما لإيجاد حالة ولاء من المواطنين لها: التاريخ المشترك والمصلحة المشتركة. لا يمكن للوهابية السلفية أن تغذي ذاكرة جماعية تقوم بتوليد هوية مشتركة لعموم المواطنين؛ لأن الوهابية تمثل هوية خاصة بفئة معينة، وهي تقوم بعمل تقسيمي لتعيد الناس إلى

стр. 553

هوياتهم الخاصة المقابلة لهذه الهوية، وهكذا فإنها تعمل بوصفها هوية طاردة لا هوية جامعة" (١). حقيقة هذه الدعوى: لما كانت عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ هي عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الولاء والبراء، وكانت تطبق هذا الأمر عمليا، أراد المناوئون التحذير منها والتنفير عنها؛ فلم يجدوا لذلك إلا أن قالوا إن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب يوالون ويعادون على عقيدته، ويريدون بذلك تشبيه دعوة الإمام بالدعوات والمناهج المخالفة التي توالي وتعادي على دعواتها ومناهجها (٢). الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الولاء والبراء هي عقيدة أهل السنة والجماعة، كما سبق بيان ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل، وفيها أن الأصل في الولاء والبراء على التوحيد والإيمان والكفر والشرك، فالولاء للإيمان وأهله، والبراءة من الشرك وأهله، وليس فيها في أي موضع أن الولاء والبراء على عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. ثانيا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قرر قاعدة الولاء والبراء في دعوته التي هي تجديد لدعوة محمد ﷺ ، وليس في هذه القاعدة إلا الولاء للتوحيد وأهله والبراء من الشرك وأهله حيث قال: "أصل دين الإسلام وقاعدته: أمران؛ الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه. الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله" (٣). ثالثا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعى المسلمين للتمسك بهذا الأصل الولاء للتوحيد وأهله والبراء من الشرك وأهله، ولم يذكر فيها أبداً الولاء لدعوته والبراء من مخالفها،

стр. 554

فقال: " الله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره وأسه ورأسه: شهادة أن لا إله إلا الله .. واعرفوا معناها، وأحبوها وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم، وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال ما علي منهم أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم .. فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين" (١). وقال ﵀: "صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها وتعاديهم" (٢). فجعل ﵀ الولاء والبراء على التوحيد الذي هو دين المرسلين، وأن يوالى الموحدون ولو كانوا بعيدين، وأن يعادى المشركون ولو كانوا قريبين. قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ في جواب له عن الولاء والبراء: "اعلم - أيدك الله بتوفيقه- أن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وأن الله افترض على المؤمنين عداوة المشركين، من الكفار والمنافقين، وجفاة الأعراب، الذين يعرفون بالنفاق، ولا يؤمنون بالله ورسوله ﷺ ، وأن الله أمرهم بجهادهم، والإغلاظ عليهم بالقول والفعل، وتوعدهم الله باللعن والقتل بقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١]، وقطع الموالاة بين المؤمنين وبينهم، وأخبر أن من تولاهم فهو منهم، وكيف يدعي رجل محبة الله، وهو يحب أعداءه الذين ظاهروا الشياطين على عدوانهم، واتخذوهم أولياء من دون الله؟ كما قيل: تحب عدوي ثم تزعم أنني … صديقك إن الود عنك لعازب (٣) وبالجملة: فالحب في الله، والبغض في الله أصل عظيم من أصول الإيمان، يجب على العبد

стр. 555

مراعاته، ولهذا جاء في الحديث: «أوثق عرى الإيمان، الحب في الله، والبغض في الله» (١) " (٢). رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بين منهم أعداوه، والذين يتحقق البراء منهم، ولم يذكر منهم من خالف عقيدته ودعوته، فقال: " أعداؤنا معنا على أنواع: النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس، أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله ﷺ ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس. النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، وهو ممن قال الله فيه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ [التوبة: ١٢]. النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا: كافر، فيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]. النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضا كافر; فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه

стр. 556

الصيام إلا بفراقهم، فعل; ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم، فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم، بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير; فهذا أيضا: كافر، وهو ممن قال الله فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ [النساء: ٩١]. فهذا الذي نقول" (١). فهذا كلام الإمام ﵀ في بيان من هم أعداءه، وأنهم كلهم ممن خالف التوحيد، ولم يذكر في موضع واحد أنه من خالف عقيدته؛ بل إنه يطالب أن يرد عليه إذا خالف الحق. وقد كان ﷺ يبايع أصحابه على مفارقة المشركين، فعن جرير بن عبد الله ﵁ أنه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع فقلت: يا رسول الله، أبسط يدك حتى أبايعك، واشترط علىّ وأنت أعلم، فقال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (٢). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لما سأل الرسول ﷺ عن آيات الإسلام، فقال الرسول ﷺ : «أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت (٣)، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، ثم قال: كل مسلم على مسلم حرام أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك بعد ما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين» (٤). فعلّق المفارقة بوصفهم بالمشركين، ونفوس المسلمين مجبولة على بغضهم (٥)، وهو مقتضى البراء منهم، كما أن نصح المسلمين ونصرتهم من مقتضى الولاء لهم. فحب المؤمنين وبغض

стр. 557

الكافرين من المأمورات الشرعية (١)، فيجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به (٢)، فالولاء والبراء معلق بالإيمان والكفر؛ وليس بعقيدة فلان أو فلان. ثم إذا عرف الرجل بالتوحيد والسنة والدعوة إليهما فإن من يبغضه ويعاديه علامة على نفاقه وزندقته. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديداً على المبتدعة" (٣). قال البربهاري ﵀ بعد أن ذكر حب الصحابة ﵃: " وإذا رأيت الرجل يحب أيوب وابن عون وابن إدريس الأودي والشعبي … - وذكر جماعة من الفضلاء- فاعلم أنه صاحب سنة". وقال أيضاً: "وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل والحجاج بن المنهال وأحمد بن نصر وذكرهم بخير، وقال قولهم؛ فاعلم أنه صاحب سنة" (٤). وقال عقبة بن علقمة (٥) ﵀: " كنت عند أرطأة بن المنذر، فقال بعض أهل المجلس: ما تقولون في الرجل يجالس أهل السنة ويخالطهم، فإذا ذكر أهل البدع قال: دعونا من ذكرهم لا تذكروهم! قال: يقول أرطأة: هو منهم لا يلبّس عليكم أمره. قال: فأنكرت ذلك من قول أرطأة، قال فقدمت على الأوزاعي- وكان كشّافا لهذه الأشياء إذا بلغته- فقال: صدق أرطأة، والقول ما قال، هذا ينهي عن ذكرهم ومتى يحذروا إذا لم يشاد بذكرهم" (٦). وهذه بعض النقول عن بعض علماء المسلمين قبل الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، حتى لا يقول قائل، أو يظن أن هذه الأقوال وأمثالها خاصة بالإمام ودعوته.

стр. 558

قال القاضي عياض (١) ﵀: "أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر" (٢). وقال أيضا: " ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل .. أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم .. وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه .. فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك" (٣). وقال المقريزي (٤) ﵀ عن زيارة القبورة، وأنها: "على ثلاثة أقسام: قوم يزورون الموتى فيدعون لهم. وهذه هي الزيارة الشرعية. وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة. وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي ﵌: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» (٥)، وهؤلاء هم المشركون في الربوبية" (٦). وقال الجصاص (٧) ﵀ في باب المسلم يقيم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا:

стр. 559

"وقال الحسن بن صالح: من أقام في أرض العدو وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين فأحكامه أحكام المشركين، وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم وهو يقدر على الخروج فليس بمسلم يحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه، وقال الحسن: إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام" (١). وقال الونشريسي (٢) ﵀: "وأما مقتحموا نقيضه -أي الجهاد- بمعاونة أوليائهم على المسلمين؛ إما بالنفوس وإما بالأموال فيصيرون حينئذ حربيين مع المشركين، وحسبك من هذا مناقضة وضلالا" (٣). وسئل أبو العباس بن زكري (٤) ﵀ عن قبائل المغرب الأقصى امتزجت أمورهم مع النصارى وصارت بينهم محبة، حتى إن المسلمين إذا أرادوا الغزو أخبر هؤلاء القبائل النصارى، فلا يجدهم المسلمون إلا متحذرين، وربما قاتلوا مع النصارى. فأجاب: "ما وصف به القوم المذكورون يوجب قتلهم كالكفار الذين تولهم، ومن يتول الكفار فهو منهم" (٥). خامسا: قول رول مبير: "وإسهام الوهابية للسلفية يقع في تقوية الوهابية موقف بغضاء الغرباء نحو الأجانب وطائفيتها نحو المسلمين غير الوهابيين، وعلى أساس مبدأ الولاء والبراء

стр. 560

دُعي المسلمون إلى النأي بأنفسهم والابتعاد عن المسلمين غير الوهابيين الذين لا يتقيدون بالوهابية … " أن على مدعي هذه الدعوى البينة، فإن كان ناقلا فالصحة، وإن كان مدعيا فالدليل (١)؛ فإنه لم ينقل عن أحد من أئمة الدعوة هذا القول وأن الولاء والبراء على عقيدة الإمام ﵀ مع موافقة عقيدة الإمام لعقيدة السلف-، وأين مصدر هذا الكلام، وكلام أئمة الدعوة في هذا مشهور، وأن الولاء والبراء على ما تقتضيه الشريعة. ثم إن كانت دعوة الإمام تدعو للولاء والبراء على عقيدتها، وهي إنما تدعو إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فلا يضر إن قيل إنها تدعو لعقيدة الوهابية فإن العبرة بالحقائق والمعاني، قال الشافعي ﵀: إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي (٢). سادسا: قول بدر الإبراهيم ومحمد الصادق: " قدمت الدولة الوهابية السلفية هوية لها، وهذه الهوية صنعت الإشكال المتعلق بغياب الحس الوطني والفشل في إيجاد رابطة وطنية بين الناس". فالسؤال: ما الهوية التي قدمتها دعوة الإمام؟ هل هوية حق أو باطل؟ فإن كانت هوية حق قبلت، وإن كانت هوية باطل، فما الباطل حتى ترد؟؛ لكن المناوئ يعجز عن ذلك! ثم ما المقصود بالناس الذين ذكرهم الكاتب؟ أهم المسلمون، أم الكافرون، أم المبتدعون، حتى يتم التعامل معهم وفق ما تقتضيه الشرعية. سابعا: قولهما عن "المكونين الرئيسين للعقيدة الوجدانية اللذين يفترض توفرهما لإيجاد حالة ولاء من المواطنين لها: التاريخ المشترك والمصلحة المشتركة". فهذان المكونان: التاريخ المشترك والمصلحة المشتركة لم يأت بهما كتاب ولا سنة، وهذا ما يريده هؤلاء يحين يحذرون من عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فهم يريدون أن يوالوا

стр. 561

أعداء الله من أهل البدع المكفرة والشرك. وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته تخالفهم في ذلك فهي تقوم على الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الشرك وأهله. ثامنا: قولهما عن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته "فإنها تعمل بوصفها هوية طاردة لا هوية جامعة". فهذا غير صحيح؛ فإن كل من يدعو لكتاب وسنة رسوله ﷺ فإنه هوية جامعة على الحق، أما من يدعو لغير الكتاب والسنة؛ فإنهم أحزاب وشيع، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].

стр. 562

المطلب السابع: دعوى أن دعوة الإمام توالي وتعادي دون ضوابط من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام ﵀ توالي وتعادي، دون ضوابط. يقول محمد يوسف بلال: "وإذا كان الولاء والبراء لدى أهل السنة له ضوابطه فإن السلفية الوهابية لا يعقدون ولاءً إلا لأربابهم، والبراء لديهم يكون من سائر المسلمين المخالفين لهم أولاً! " (١). ويقول رول مبير: "من المثير للاهتمام أن نرى أن ابن تيمية بدلاً من اتباع أسلافه الحنابلة بشجب مفهوم الولاء والبراء بصفته بدعة، يستخدم في الواقع المفهوم وسيلة لمقاتلة البدع. وبتحويل الولاء والبراء إلى أداة تحافظ على المسلمين بعيداً عن الممارسات غير الإسلامية، يطبق ابن تيمية هذا المفهوم ضد البدع الدينية بدلاً من رؤية المفهوم نفسه بوصفه بدعة. وهذا الرأي الإيجابي بالولاء والبراء تعزز بكتابات لاحقة في هذا الموضوع كتبها علماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخصوصاً ذرية المصلح الحنبلي المؤثر محمد بن عبد الوهاب (١٧٠٣ - ١٧٩٢). وكان أحد أهم هذه السلالة هو حفيده، سليمان بن عبد الله آل الشيخ (١٧٨٦ - ١٨١٨). يأخذ سليمان تطوير الولاء والبراء خطوة أبعد وذلك باستخدامه لهذا المفهوم لا مجرد وسيلة لمحاربة البدع ولكن بصفته أداة ضد الكفر، وذلك لأن البدعة الدينية لا تخرج الشخص المذنب بها بالضرورة من الإسلام، ولكن كون الشخص غير مؤمن، أي كافر، يجعله كذلك، وهذا يعني أن سليمان يزيد قيمة الولاء والبراء. وفي كتابات ابن تيمية ما زلنا نستطيع أن نرى الولاء والبراء صفات للمسلمين الصالحين فقط. ويصور سليمان، من الناحية الأخرى، الولاء والبراء بوصفهما اختبار المصداقية للاعتقاد الصحيح لكل المسلمين. وهو يقرر "أوثق عرى الإيمان هي الحب في الله، والبغضاء في الله" ويأمر المؤمنين أن "يقطعوا الموالاة بين المؤمنين

стр. 563

وبينهم" (غير المسلمين). ويزيد سليمان على ذلك فيذكر أن الحب، والبغضاء، والعداوة والموالاة -وهي كلها كلمات يمكن النظر إليها بوصفها مترادفات للولاء والبراء- هي أجزاء من الدين لابد منها وأن الواجب على المسلمين أن يعطوا ولاءهم حصرياً لله تعالى، وإلا فليس له نصيب في الإسلام. فإذا أعطى المسلمون ولاءهم لشخص ما أو لشيء ما غير الله تعالى، فإنهم يعتبرون كفاراً. وليس هناك استثناءات لهذه القاعدة، وفق ما يقوله سليمان، ما عدا أولئك الذين أكرهوا على ارتكاب فعل من الكفر" (١). حقيقة هذه الدعوى: هذه الدعوى هي إتهام لدعوة الإمام بالموالاة والمعادة دون ضوابط، ودون معرفة لمراتب الولاء والبراء؛ حتى أدى بهم ذلك لتكفير من يخالف في هذه المسألة. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن القول بأن أئمة الدعوة لم يجعلوا ضوابط وقيودا للولاء والبراء كلام غير صحيح؛ فإن أئمة الدعوة جعلوا الضوابط والقيود للولاء والبراء، وللتكفير بالموالاة، وحذروا من الخوض في هذا الموضوع بغير أدلةٍ يُستدلُ بها، ولا أصول يُنطلق منها. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة، والمعاداة، والمصالحة، والمكاتبات، وبذل الأمول، والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي، ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة، وفصل الخطاب. والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب، وفي غيره لمن جهلها، وأعرض عنها، وعن

стр. 564

تفاصيلها؛ فإن الإجمال، والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله يحصل به من اللبس، والخطأ، وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن. قال ابن القيم في كافيته ﵀: فعليك بالتفصيل والتبيين (١) فال … إطلاق والإجمال دون بيان قد أفسد هذا الوجود وخبّطا ال … أذهان والآراء كل زمان (٢) " (٣) ثانيا: أن أئمة الدعوة يشترطون في من يتكلم في مسائل الولاء والبراء أن يعرف مراتب الموالاة عند السلف، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وهذا -يعني معرفة مراتب الموالاة - عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وغيره، وإنما أشكل الأمر، وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على خلوف من العجم، والمولّدين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن" (٤). ثالثا: أن من أصول أئمة الدعوة في الولاء والبراء والتي تدل على عنايتهم به ما يلي: أ- أن لفظ الموالاة والمعاداة الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "ولفظ الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة" (٥). ويقول أيضاً: "مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها، ما يوجب الردة وذهاب

стр. 565

الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات" (١). ويقول أيضًا: "وقلَّ من يعرف الإسلام العتيق، وما حرمه الله من موالاة أعدائه المشركين، ومعرفة أقسامها، وأن منها ما يكفر به المسلم، ومنها ما هو دونه" (٢). ب- أن السنة النبوية مبينة للأحكام القرآنية، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "إن السنة والاحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله، في باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن والكافر، والمشرك والموحد، والفاجر والبر، والظالم والتقي، وما يراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود" (٣). ج- أن يُراعى في لحوق الوعيد المترتب على بعض الذنوب بالمعين توفر شروطه، وانتفاء موانعه. يقول الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن ﵀: "وأما إلحاق الوعيد المترتب على بعض الذنوب والكبائر، فقد يمنع منه مانع في حق المعين كحب الله، ورسوله، والجاهد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله، ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة في الدور الثلاثة" (٤). وبناء على هذه الأصول فإن موالاة الكفار مراتب متعددة، فمن صدرت منه الموالاة المطلقة العامة، فقد وقع في الموالاة المكفرة المخرجة من الملة، وقد يحول دون الوقوع في حبائل الكفر موانع في حق المعين، بحسب حال الشخص، وقصده (٥). رابعا: أن منهج أئمة الدعوة في الولاء والبراء قائم على أصول وضوابط، وأن أهم ما أوقع في الخوض بالباطل في باب الولاء والبراء - إضافة للأهواء المستحكمة- هو عدم فهم منهج أهل السنة والجماعة وأئمة الدعوة وعدم ضبط القواعد الشرعية، فيضع من جهل معتقد أهل
следующие страницы →