← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أعداء الله من أهل البدع المكفرة والشرك. وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته تخالفهم في ذلك فهي تقوم على الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الشرك وأهله. ثامنا: قولهما عن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته "فإنها تعمل بوصفها هوية طاردة لا هوية جامعة". فهذا غير صحيح؛ فإن كل من يدعو لكتاب وسنة رسوله ﷺ فإنه هوية جامعة على الحق، أما من يدعو لغير الكتاب والسنة؛ فإنهم أحزاب وشيع، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].

стр. 562

المطلب السابع: دعوى أن دعوة الإمام توالي وتعادي دون ضوابط من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام ﵀ توالي وتعادي، دون ضوابط. يقول محمد يوسف بلال: "وإذا كان الولاء والبراء لدى أهل السنة له ضوابطه فإن السلفية الوهابية لا يعقدون ولاءً إلا لأربابهم، والبراء لديهم يكون من سائر المسلمين المخالفين لهم أولاً! " (١). ويقول رول مبير: "من المثير للاهتمام أن نرى أن ابن تيمية بدلاً من اتباع أسلافه الحنابلة بشجب مفهوم الولاء والبراء بصفته بدعة، يستخدم في الواقع المفهوم وسيلة لمقاتلة البدع. وبتحويل الولاء والبراء إلى أداة تحافظ على المسلمين بعيداً عن الممارسات غير الإسلامية، يطبق ابن تيمية هذا المفهوم ضد البدع الدينية بدلاً من رؤية المفهوم نفسه بوصفه بدعة. وهذا الرأي الإيجابي بالولاء والبراء تعزز بكتابات لاحقة في هذا الموضوع كتبها علماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخصوصاً ذرية المصلح الحنبلي المؤثر محمد بن عبد الوهاب (١٧٠٣ - ١٧٩٢). وكان أحد أهم هذه السلالة هو حفيده، سليمان بن عبد الله آل الشيخ (١٧٨٦ - ١٨١٨). يأخذ سليمان تطوير الولاء والبراء خطوة أبعد وذلك باستخدامه لهذا المفهوم لا مجرد وسيلة لمحاربة البدع ولكن بصفته أداة ضد الكفر، وذلك لأن البدعة الدينية لا تخرج الشخص المذنب بها بالضرورة من الإسلام، ولكن كون الشخص غير مؤمن، أي كافر، يجعله كذلك، وهذا يعني أن سليمان يزيد قيمة الولاء والبراء. وفي كتابات ابن تيمية ما زلنا نستطيع أن نرى الولاء والبراء صفات للمسلمين الصالحين فقط. ويصور سليمان، من الناحية الأخرى، الولاء والبراء بوصفهما اختبار المصداقية للاعتقاد الصحيح لكل المسلمين. وهو يقرر "أوثق عرى الإيمان هي الحب في الله، والبغضاء في الله" ويأمر المؤمنين أن "يقطعوا الموالاة بين المؤمنين

стр. 563

وبينهم" (غير المسلمين). ويزيد سليمان على ذلك فيذكر أن الحب، والبغضاء، والعداوة والموالاة -وهي كلها كلمات يمكن النظر إليها بوصفها مترادفات للولاء والبراء- هي أجزاء من الدين لابد منها وأن الواجب على المسلمين أن يعطوا ولاءهم حصرياً لله تعالى، وإلا فليس له نصيب في الإسلام. فإذا أعطى المسلمون ولاءهم لشخص ما أو لشيء ما غير الله تعالى، فإنهم يعتبرون كفاراً. وليس هناك استثناءات لهذه القاعدة، وفق ما يقوله سليمان، ما عدا أولئك الذين أكرهوا على ارتكاب فعل من الكفر" (١). حقيقة هذه الدعوى: هذه الدعوى هي إتهام لدعوة الإمام بالموالاة والمعادة دون ضوابط، ودون معرفة لمراتب الولاء والبراء؛ حتى أدى بهم ذلك لتكفير من يخالف في هذه المسألة. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن القول بأن أئمة الدعوة لم يجعلوا ضوابط وقيودا للولاء والبراء كلام غير صحيح؛ فإن أئمة الدعوة جعلوا الضوابط والقيود للولاء والبراء، وللتكفير بالموالاة، وحذروا من الخوض في هذا الموضوع بغير أدلةٍ يُستدلُ بها، ولا أصول يُنطلق منها. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة، والمعاداة، والمصالحة، والمكاتبات، وبذل الأمول، والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي، ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة، وفصل الخطاب. والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب، وفي غيره لمن جهلها، وأعرض عنها، وعن

стр. 564

تفاصيلها؛ فإن الإجمال، والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله يحصل به من اللبس، والخطأ، وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن. قال ابن القيم في كافيته ﵀: فعليك بالتفصيل والتبيين (١) فال … إطلاق والإجمال دون بيان قد أفسد هذا الوجود وخبّطا ال … أذهان والآراء كل زمان (٢) " (٣) ثانيا: أن أئمة الدعوة يشترطون في من يتكلم في مسائل الولاء والبراء أن يعرف مراتب الموالاة عند السلف، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وهذا -يعني معرفة مراتب الموالاة - عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وغيره، وإنما أشكل الأمر، وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على خلوف من العجم، والمولّدين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن" (٤). ثالثا: أن من أصول أئمة الدعوة في الولاء والبراء والتي تدل على عنايتهم به ما يلي: أ- أن لفظ الموالاة والمعاداة الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "ولفظ الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة" (٥). ويقول أيضاً: "مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها، ما يوجب الردة وذهاب

стр. 565

الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات" (١). ويقول أيضًا: "وقلَّ من يعرف الإسلام العتيق، وما حرمه الله من موالاة أعدائه المشركين، ومعرفة أقسامها، وأن منها ما يكفر به المسلم، ومنها ما هو دونه" (٢). ب- أن السنة النبوية مبينة للأحكام القرآنية، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "إن السنة والاحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله، في باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن والكافر، والمشرك والموحد، والفاجر والبر، والظالم والتقي، وما يراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود" (٣). ج- أن يُراعى في لحوق الوعيد المترتب على بعض الذنوب بالمعين توفر شروطه، وانتفاء موانعه. يقول الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن ﵀: "وأما إلحاق الوعيد المترتب على بعض الذنوب والكبائر، فقد يمنع منه مانع في حق المعين كحب الله، ورسوله، والجاهد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله، ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة في الدور الثلاثة" (٤). وبناء على هذه الأصول فإن موالاة الكفار مراتب متعددة، فمن صدرت منه الموالاة المطلقة العامة، فقد وقع في الموالاة المكفرة المخرجة من الملة، وقد يحول دون الوقوع في حبائل الكفر موانع في حق المعين، بحسب حال الشخص، وقصده (٥). رابعا: أن منهج أئمة الدعوة في الولاء والبراء قائم على أصول وضوابط، وأن أهم ما أوقع في الخوض بالباطل في باب الولاء والبراء - إضافة للأهواء المستحكمة- هو عدم فهم منهج أهل السنة والجماعة وأئمة الدعوة وعدم ضبط القواعد الشرعية، فيضع من جهل معتقد أهل

стр. 566

السنة والجماعة بعض النصوص المجملة لبعض أهل العلم، أو التي أطلقوها على سبيل التغليط، أو أخطأوا فيها: أصلاً يبنى عليها المعتقد في هذا الباب، ولو خالف النص الصريح والمنهج المتوارث الصحيح، بخلاف طريق الراسخين في العلم السالمين من الأهواء فهم يحملون ما أشكل من كلام أهل العلم على قواعد أهل السنة. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتُعرف ما عادتُه يَعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتُعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عرف عُرفه وعادته في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضاً، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفاً لكلامه عن موضعه وتبديلاً لمقاصده وكذباً عليه" (١). خامسا: أن أئمة الدعوة ردوا على من خالف هذا المنهج وبينوا الحق، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ أيضًا: " وقد رأيت: سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم؛ يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده الذي ردّ دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها. قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى تركوا رد السلام فرفع إلي أمرهم فأحضرتهم وتهددتم، وأغلظت لهم القول فزعموا: أولاً: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، وأدحضت ضلالتهم بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله

стр. 567

ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر … " (١). وقال أيضًا: " وقد بلغني: أنكم تأولتم قوله تعالى في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [محمد: ٢٦] على بعض ما يجرى من أمراء الوقت من مكاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض رؤساء الضالين والملوك المشركين، ولم تنظروا لأول الآية، وهى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥]، ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة ولا المراد من الأمر المعروف المذكور في هذه الآية الكريمة، وفي قصة: صلح الحديبية، وما طلب المشركون واشترطوه، وأجابهم إليه رسول الله ﷺ ما يكفي في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم" (٢). سادسا: أن أئمة الدعوة في الولاء والبراء يفرقون بين الكفر والمعاصي، مما يدل أنهم يجعلون لذلك ضوابط وشروطا، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ عند بيان أن الكفر ذو أصل وشعب والمعاصي كلها من شعب الكفر: " ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام، وفرق بين من ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله أو استهان بالمصحف، وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب، فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء" (٣). سابعا: قول رول مبير عن الشيخ سليمان بن عبد الله بعد كلامه عن شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب وأن الولاء والبراء أداة تحافظ على المسلمين بعيداً عن الممارسات غير الإسلامية: " يأخذ سليمان تطوير الولاء والبراء خطوة أبعد وذلك باستخدامه لهذا المفهوم لا مجرد وسيلة لمحاربة البدع ولكن بصفته أداة ضد الكفر … ".

стр. 568

فهذه هي المشكلة مع المناوئ فهو لا يريد البراءة من المشركين، وإلا فإن منهج الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ هو منهج شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب!، ولذلك قال بعدها: "ويصور سليمان، من الناحية الأخرى، الولاء والبراء بوصفهما اختبار المصداقية للاعتقاد الصحيح لكل المسلمين. وهو يقرر "أوثق عرى الإيمان هي الحب في الله، والبغضاء في الله" ويأمر المؤمنين أن "يقطعوا الموالاة بين المؤمنين وبينهم" (غير المسلمين) … ". وهذه عقيدة السلف، فماذا يريد المناوئ؟!

стр. 569

المطلب الثامن: دعوى أن دعوة الإمام في الولاء والبراء هي أصل الإرهاب من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن الإرهاب يستمد قوته من عقيدة الولاء والبراء في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأن ما يدعيه من التسامح أنه خدعة ساذجة. يقول محمد المحمود في كلامه عن دعوة الإمام وأن عقيدة الولاء والبراء هي أصل الإرهاب، فهي - أي دعوة الإمام-: "تحمل في طياتها - ما يبررها -ظاهرياً- من حيث كون هذا الخطاب المتسامح، والداعي للتسامح، يواجه تيار العنف والإقصاء بالعنف والإقصاء. أي أنه بهذا يظهر وكأنه يقصي تياراً أو فصيلاً من جملة التيارات أو الفصائل الاجتماعية، بوصف التيار العنفي ينبع -في الغالب- من داخل النسيج المجتمعي لمكافحي خطاب التطرف والإرهاب. إذن، هناك شبهة تعارض، بين فكرة التسامح -كفكرة مبدئية- وبين اللغة التي تتم بها الدعوة إلى هذا التسامح. ومع أنها شبهة روّج لها -ويروّج لها- مُدّعو الحياد في المعركة الدائرة مع الإرهاب، إلا أنها -في حد علمي- لم تبدأ -أساساً- من جانب مُدّعي الحياد، بل بدأت من جانب تيارات التطرف الصامت، ذلك التطرف/ الإرهاب الكموني، الذي لم يمتلك شجاعة المواجهة، بل ولا حتى شجاعة المجاهرة بمبادئة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يستطع هذا التيار التخلي عن يقينياته التي تلامس سقف أصولية العقائد، التي تتقاطع -تقاطعاً إيجابياً- مع يقينيات التيار المتطرف. لهذا، اكتفى بالتعاطف المضمر مع الإرهاب، محاولاً - في الوقت نفسه- تقديم خدمة (اللوجستيات (١) الفكرية!) الداعمة، التي تكفل له براءة الذمة

стр. 570

بتقديم الدعم الواجب. طبعاً، كما يدّعي ويزعم ويعتقد عقائديو الإرهاب! " (١). وقال أيضًا: "ولو أننا أخذنا بعضاً من هذه النواقض - يعني نواقض الإسلام- التي يتخذها المكفراتية السلفيون ذريعة لتكفيرنا جميعاً، لوجدنا أن من أبرزها: تولي الكفار والمشركين (= عقيدة الموالاة). أي أن الموالاة إذا انتفت عن المؤمنين، أو تحققت بحق غيرهم فهي من نواقض الإسلام، وليست مجرد خطأ، أو مجرد أمر محرم شرعاً بحيث يُطلب من فاعله التوبة النصوح والرجوع الصريح. وعلى هذا فقد تعد المسألة -نتيجة الحاجة التاريخية- من إطار المسائل الدينية العامة الفقهيات) إلى منطقة: الأصول (=العقائد) " (٢). ثم قال: "لقد أراد الشرّاح الأوائل أن يحددوا مظاهر الموالاة التي يتم بها التكفير، فزادوا في الواقع من مساحة دائرة التكفير، بل ومن النواقض ذاتها، بحيث تتفرع عن كل ناقض من هذه النواقض العشرة، نواقض أخرى، وهكذا دواليك، حتى أصبحت مفردات التكفير -الصحيح منها وغير الصحيح- في حالة تشدد تنظيري لا نهاية له" (٣). وفي ندوة أقيمت بالقاهرة عام ٢٠١٠ م بالقاهرة، بعنوان: الوهابية خطر على الإسلام والعالم، شارك فيها عدد من أساتذة الأزهر، جاء فيها: " أن الوهابية كدعوة وفكر تقوم على نفي الآخر وتكفيره، وأنها تهدد الأمن والسلم في كافة دول العالم الإسلامي لما تبثه من أفكار

стр. 571

إرهابية وإجرامية شديدة الخطورة، أفكار تدفع الشباب الإسلامي إلى تكفير وإرهاب المجتمع والحكام لأوهى الأسباب، وأن العالم المعاصر لم يعان من تنظيم أو دعوة مثلما عانى من الوهابية … " (١). حقيقة هذه الدعوى: هذه الدعوى لها علاقة بالدعوى الثالثة من الفصل الرابع، دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب، فالدعوى السابقة عامة عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وهذه الدعوى خاصة بعقيدة الولاء والبراء. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: سبق في الدعوى الثالثة من الفصل الرابع: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الإرهاب، رد هذه الفرية وبيان حقيقة دعوة الإمام، وأن دعوته لم تكن أبداً أصلاً للإرهاب. ثانيا: أن عقيدة الولاء والبراء -كما سبق بيانه في المبحث الثاني من هذا الفصل- من عقائد أهل السنة المجمع عليها، ولا يمكن بحال أن تكون مصدراً للإرهاب؛ لأن مصدر هذه العقيدة هو الكتاب والسنة، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثالثا: أن وجود الخلل في التطبيق من بعض من ينتسب لعقيدة الإمام ﵀؛ فإن هذا الأمر لا ينسب لعقيدة الإمام، وقد سبق في الدعوى الأولى من هذا الفصل: رد الزعم بنسبة أقوال الجماعات الجهادية المتطرفة في الولاء والبراء إلى دعوة الإمام. رابعا: قول محمد المحمود في كلامه عن عقيدة الولاء والبراء عند أتباع الإمام "إذن، هناك شبهة تعارض، بين فكرة التسامح -كفكرة مبدئية- وبين اللغة التي تتم بها الدعوة إلى هذا التسامح … ". إن التسامح الذي ينطلق منه أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وفق

стр. 572

ضوابطه الشرعية- ليس فكرة من الأفكار، وإنما هي توجيهات ربانية، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. قال الشيخ السعدي ﵀: "أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة، كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] " (١). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀ في جواب له عن قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية: "فالذي يظهر أن هذا إخبار من الله -جل ذكره- لعباده المؤمنين بأنه لم يَنْهَهُمْ عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر كان من أهل الملل، إذا لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم؛ إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعا؛ ولذا علل هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ … ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي: أنه لما ذكر تعالى نهيه عباده المؤمنين، عن اتخاذ عدوه وعدوهم، أولياء يلقون إليهم بالمودة، ثم ذكر حال خليله ومن آمن معه، في قولهم وبراءتهم من قومهم المشركين، حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة، خيف أن يتوهم أحد، أو يظن أن البر والعدل داخلان في ضمن ما نهى عنه من الموالاة وأمر به من البراءة، فناسب أن يدفع هذا بقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية " (٢). فهذا هو التسامح المتوافق مع الكتاب والسنة، وفيه بيان الحق في الولاء والبراء، وأن البراة من المشركين غير المقاتلين لا تعني ترك العدل وعدم الإحسان إليهم في التعامل. خامسا: وقوله عن أتباع دعوة الإمام أنه: "لم يمتلك شجاعة المواجهة، بل ولا حتى

стр. 573

شجاعة المجاهرة بمبادئة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يستطع هذا التيار التخلي عن يقينياته التي تلامس سقف أصولية العقائد، التي تتقاطع - تقاطعاً إيجابياً- مع يقينيات التيار المتطرف". إن أتباع دعوة الإمام يعتمدون في عقائدهم على الكتاب والسنة، وهي محفوظة بحفظ الله لها، وموجودة ومنشورة، وأتباع دعوة الإمام ﵀ يصرحون بعقيدتهم في جميع ما ينشر عنهم مرئيا أو مسموعا أو مكتوبا؛ بل إنهم يحذرون كل من يخالف المنهج الحق، وتصدر منهم البيانات في ذلك. وهم في ذلك لن يتخلوا - بإذن الله - عن يقينياته؛ إلا إذا كانت تخالف الكتاب والسنة. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني؛ بل أُشهد الله وملائكته وجميع خلقه، إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنّها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها، من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقول إلا الحق" (١). وقال أيضا: "فأنا -ولله الحمد- لم آت الذي أتيت بجهالة، وأشهد الله وملائكته إن أتاني منه، أو ممن دونه في هذا الأمر كلمة من الحق، لأقبلنها على الرأس والعين، وأترك قول كل إمام اقتديت به، حاشا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يفارق الحق; فإن كانت مكاتيب أولياء الشيطان، وزخرفة كلامهم، الذي أوحى إليهم - ليجادل في دين الله، لما رأى أن الله يريد أن يظهر دينه- غرته وأصغت إليها أفئدتكم، فاذكروا لي حجة، مما فيها أو كلها، أو في غيرها من الكتب، مما تقدرون عليه أنتم ومن وافقكم، فإن لم أجاوبه عنها بجواب فاصل بين، يعلم كل من هداه الله أنه الحق، وأن تلك هي الباطل، فأنكروا علي" (٢). سادسا: قوله عن الناقض الثامن من نواقض الإسلام: " تولي الكفار والمشركين (= عقيدة الموالاة). أي أن الموالاة إذا انتفت عن المؤمنين، أو تحققت بحق غيرهم فهي من نواقض الإسلام، وليست مجرد خطأ، أو مجرد أمر محرم شرعاً بحيث يُطلب من فاعله التوبة النصوح والرجوع الصريح … ".

стр. 574

فقد سبق أن أئمة الدعوة في الولاء والبراء يفرقون بين الكفر والمعاصي وأن الموالاة والمعادة مراتب، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ عند بيان أن الكفر ذو أصل وشعب والمعاصي كلها من شعب الكفر: " ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام، وفرق بين من ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله أو استهان بالمصحف، وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب، فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء" (١). وهذه المسألة - الحب والبغض - أصل في كل فعل وترك في العالم، فكيف يقال: إنها نتيجة الحاجة التاريخية انتقلت من إطار الفقهيات إلى الأصول، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينا أن أصل كل فعل وترك هو الحب والبغض: "أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة، كما أن البغض والكراهة أصل كل ترك" (٢). ويقول في موضع آخر: "إذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة .. عُلم أن المحبة والإرادة أصل كل دين، سواء كان دينا صالحا أو دينا فاسدا" (٣). إن الحب في الله والبغض في الله ولوازمهما من الولاء والبراء ليس إيماناً فحسب، بل هو أوثق عرى الإيمان كما جاء ذلك في الحديث عن النبي ﷺ . سابعا: وقوله عن تحديد الشراح الأوائل لمظاهر الموالاة التي يتم بها التكفير، "فزادوا في الواقع من مساحة دائرة التكفير، بل ومن النواقض ذاتها، بحيث تتفرع عن كل ناقض من هذه النواقض العشرة، نواقض أخرى، وهكذا دواليك، حتى أصبحت مفردات التكفير -الصحيح منها وغير الصحيح- في حالة تشدد تنظيري لا نهاية له". وهذا من عادة أهل الباطل في التهويل وذكر العبارات المجملة التي يلبّسون بها على العامة؛ وإلا فما هي هذه المفردات التكفيرية في مظاهر الموالاة - حسب زعمه-، فما كان

стр. 575

صحيحا ترك، وما كان غير صحيح رد. وانظر إلى ما ذكره من جملة مظاهر الموالاة المنتقدة على هؤلاء الشراح: "الدخول مع الكفار في أحلاف ضد المسلمين"، و"القتال تحت رأية الكفر" (١). فهل هذه هي المفردات التنظرية التكفرية؟! قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨]: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ يعني بذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافونهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل" (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم" (٣). وقد أصدرت لجنة الفتوى في الأزهر فتوى في حكم الأحلاف العسكرية مع غير المسلمين، جاء فيها: "ولا ريب أن مظاهرة الأعداء وموالاتهم يستوي فيها إمدادهم بما يقوي جانبهم ويثبت أقدامهم بالرأي والفكرة، وبالسلاح والقوة سرًا وعلانية، مباشرة وغير مباشرة. وكل ذلك مما يحرم على المسلم مهما تخيل من أعذار ومبررات" (٤). ثامنا: ما جاء في ندوة القاهرة: "الوهابية خطر على الإسلام والعالم": " أن الوهابية

стр. 576

كدعوة وفكر تقوم على نفي الآخر وتكفيره، وأنها تهدد الأمن والسلم في كافة دول العالم الإسلامي لما تبثه من أفكار إرهابية وإجرامية شديدة الخطورة … ". ومثله ما جاء في مؤتمر الشيشان ٢٠١٦ م، تحت عنوان: "من هم أهل السنة والجماعة، بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة: اعتقادا وفقها وسلوكا وأثر الانحراف عنه على الواقع"، من التحذير من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، بل من الدعوة السلفية عموما، وهذا يعني أنه لا يحارب دعوة الإمام فقط، وإنما يحارب كل من يسير على منهج السلف. فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ امتداد لمذهب أهل السنة والجماعة، بل هي امتداد لما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه الكرام ﵃؛ فمن أصول هذه الدعوة الإصلاحية: الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولزوم هدي الرسول ﷺ واتباعه في أقواله وأفعاله وتقريراته، ليحصل لهم تمام الاهتداء والتوفيق، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٤٥]. يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس (١) ﵀ عن دعوة الإمام: " قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية، فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين. لم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه؛ فإن أتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين؛ يدرسون الفقه في كتب الحنابلة، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد؛ فإن أتباعه كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين؛ أهل إثبات وتنزيه، يؤمنون بالقدر ويثبتون الكسب والاختيار، ويصدقون بالرؤية، ويثبتون الشفاعة، ويرضون عن جميع السلف، ولا يكفرون بالكبيرة، ويثبتون الكرامة. وإنما كانت غاية دعوة ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع، في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير، وزيغهم المبين.

стр. 577

لم تكن هذه الغاية التي رمى إليها بالقريبة المنال ولا السهلة السبل، فإن البدع والخرافات باضت وفرخت في العقول، وانتشرت في سائر الطوائف وجميع الطبقات على تعاقب الأجيال في العصور الطوال؛ يشب عليها الصغير، ويشيب عليها الكبير، أقام لها إبليس من جنده من الجن والإنس أعوانا وأنصارا، وحراسا كبارا من زنادقة منافقين، ومعممين جامدين محرفين، ومتصوفة جاهلين، وخطباء وضاعين. فما كانت - وهذا الرسوخ رسوخها، وهذه المنعة منعتها - لتقوى على فعلها طائفة واحدة كالوهابيين في مدة قليلة، ولو أعدَّت ما شاءت من العدة، وارتكبت ما استطاعت من الشدة … إن الغاية التي رمى إليها ابن عبد الوهاب، وسعى إليها أتباعه، هي التي لا زال يسعى إليها الأئمة المجددون، والعلماء المصلحون في جميع الأزمان" (١). إن هذا التوحيد الخالص الذي حققته هذه الدعوة السلفية المباركة عبر مؤلفاتها ورسائلها ومواقفها، أورث جزيرة العرب أمناً وطمأنينة، واهتداء وبصيرة في الدنيا والآخرة؛ والواقع يشهد بذلك، والذي يعرف حال الجزيرة قبل هذه الدعوة المباركة، ثم ينظر إليها وقد مضى على ظهورها قرابة ثلاثة قرون، وقد عمّ خيرها وظهر أثرها في بلاد العرب والعجم، مع شدة مواقف الخصوم منها، واستخدام جميع الوسائل في حربها، لا يزيدها تصرم الأيام والليالي إلا قبولاً وانتشاراً (٢)، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال تعالى ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وانظر إلى ما يقوله أبو الفضل البرقعي (٣) عن حكومة الخميني الرافضية: "ليعلم القارئ أن

стр. 578

هذه الدولة جعلت الناس أعداء لنا؛ فإن كل من جرى على لسان كلمة لبيان العقائد الموافقة للقرآن، فإن نظام الخميني يتهمه بأنه "وهابي"، مع أنه لا يوجد في الدنيا مذهب اسمه "الوهابية"، وإنما هم لغرض استعداء الناس وتنفيرهم. نعم! من حيث العقيدة هم يسيرون على عقائد العالم محمد بن عبد الوهاب، ولكنه لم يأت بمذهب جديد، وإنما هي آراء ابن تيمية وابن القيم، وهذان أيضاً لم يفعلا شيئاً سوى محاربة الخرافات والبدع، ودعوة الناس إلى الرجوع إلى القرآن" (١). أفيقال بعد ذلك: إن هذه "الوهابية خطر على الإسلام والعالم"، وإنها تهدد الأمن والسلام … سبحانك هذا بهتان عظيم!

стр. 579

الفصل السادس أهداف الدعاوى المعاصرة ووسائلها وأساليبها والمقارنة بينها وبين الدعاوى السابقة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أهداف الدعاوى. المبحث الثاني: وسائل الدعاوى وأساليبها. المبحث الثالث: المقارنة بين الدعاوى المعاصرة والدعاوى السابقة.

стр. 580

تمهيد واجهت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ منذ بداية ظهورها حملةً ومعارضة قوية، سواءً من قبل الأمراء والحكام، أو من قبل بعض المنتسبين إلى العلم، وقد تنوعّت أساليب هذه المعارضة وتعددت جوانبها من الافتراء والكذب عليها، وتأليف الكتب ونشرها ضد هذه الدعوة السلفية التجديدية، وتحريض الحكام عليها، ورميها بالتشدد والتكفير وسفك الدماء. وقد بين الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ سبب هذه الحملة، فقال: " فلما أظهرت تصديق الرسول فيم جاء به سبّوني غاية المسبة، وزعموا أنّي أكفر أهل الإسلام وأستحل أموالهم" (١). ويصف الشيخ عداوة الخصوم وفتنتهم في رسالته لأحد علماء العراق، فيقول: "ولبّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، وكبرت الفتنة وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله" (٢). والله تعالى يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ٢]؛ لكن الله قد كتب في سابق تقديره، ومحكم تدبيره: أن رسله وجنده هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧٣]. ولا يزال أهل التوحيد والسنة يُستهدفون من أعداء الإسلام، وأهل البدع بشتى أنواع الوسائل والأساليب، بالسلاح، والفكر، والتشكيك، وكل ما يستطيعون من صنوف الحرب … قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣].

стр. 581

فأخبر الله أنه جعل لكل نبي أرسله أعداء، من شياطين الإنس والجن، يقومون بضد ما جاءت به الرسل، فيزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقًا. ثم تميل بعد ذلك إلى ذلك الكلام المزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك. فحصل لهم الإصغاء، ثم الميل إليه، فنتج عنه التزيين في القلوب، فيكون عقيدة راسخة. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "ومن حكمة الله تعالى، في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه، أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى. ومن حكمته أن في ذلك بيانا للحق، وتوضيحا له، فإن الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه؛ فإنه -حينئذ- يتبين من أدلة الحق، وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب، التي يتنافس فيها المتنافسون" (١). وقبل أن أذكر الأسباب والوسائل لخصوم الدعوة، فأقول على سبيل الإجمال فإن أعداء الدعوة خمس طوائف: الطائفة الأولى: الجهال الخرافيون من عوام الناس. الذين قلدوا الآباء والأجداد فرفضوا الدعوة تقليداً للآباء والأجداد، جرياً على سنة الأولين، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢]. الطائفة الثانية: طائفة تنتسب للعلم. وهؤلاء ردوا دعوة الإمام عناداً وحسداً أن يظهر الحق على يد الإمام، وأن يعرف الناسُ الحقَ بدعوته، وقد كان بعضهم يكاتب الإمام سراً ويذكر موافقته له، وعجزه عن إظهار الدعوة

стр. 582

خوفاً من الناس، ومنهم من حارب الدعوة خوفاً من ملامة الناس، ودفعاً أن يقال لهم: أين أنتم عنا طوال تلك السنين؟ لِمَ لمْ تنكروا هذه المنكرات؟ لِمَ لمْ تخبرونا بأن ما نحن فيه شرك وضلال؟ ولذلك رد هؤلاء دعوته وعادوها عناداً وحسداً، أو خوفاً من الناس. الطائفة الثالثة: طائفة عادت الإمام باسم السياسة. وهم أمراء بعض النواحي والبلاد الذين خشوا من زوال ملكهم، وكان لبعضهم علماء سوء يزينون لهم ما هم فيه من الباطل، ويحذرونهم من دعوة الإمام، ومنهم من كان يأكل أموال الناس بالباطل فخشي من زوال ذلك، فعارض هؤلاء الأمراء الإمامَ محتجين بمن عارضه من العلماء، أو ممن يُنسب إلى علم، بينما الدافع الحقيقي كان سياسياً (١). الطائفة الرابعة: علماء السوء. من الذين عرفوا العلم وتعلموه ليستخدموه في أمور الدنيا ومصالحها، يخافون على مصالحهم ومطامعهم الدنيوية، ويحسدون أهل الحق على ما حصل لهم من المكانة والرفعة، فيدعون الناس إلى الضلال والكفر والبدع، ويُزيّنون لهم الباطل. الطائفة الخامسة: المستشرقون. الذي كان من أهم دوافعهم الطعن في الإسلام، وفي دعوة الإمام ليشوهوا محاسنها، وأنها دعوة لا تستحق الانتشار، وليصدوا الناس عن الدين الحق، ويبتعدوا عن دينهم، وعن عقيدتهم الصحيحة؛ فيسهل على المستعمرين السيطرة عليهم.

стр. 583

المبحث الأول: أهداف الدعاوى المعاصرة أولاً: الهدف السياسي: لما ظهرت دعوة الإمام ﵀ وبدأ انتشارها وتوسعها وخشي الأمراء والحكام في الجزيرة والعثمانيون على مملكتهم، حُوربت دعوة الإمام، واتهمت بأنها دعوة سياسية، كل ذلك محاولة لتشويه الدعوة، وخوفا من امتدادها؛ وأن تكون لها شوكة فتأثر على تلك الزعامات في وقتها، ولا تزال هذه الدعوة تحارب لهذا السبب، وخصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر، مستغلين هذا الحدث في تحقيق أطماعهم. فالنزاعات السياسية والحروب التي قامت بين أتباع هذه الدعوة وبين المناوئين لها كانت سببًا في محاربة الدعوة وكثرة المؤلفات عنها. يقول حامد ألكار: "لقد أجبر الاحتلال الوهابي للحرمين العثمانيين على التصرف بحزم. فقد كانت هيبتهم، بوصفهم حماة الإسلام السني وورثة الخلافة، يعتمد على السيطرة على الحرمين ولو شكلياً على أقل تقدير، لأن فرض سيطرتهم الحقيقية عليهما كان غالباً موضع تحدّ من جانب "شرفاء" مكة. لهذا نجد أن بعض المؤرخين العرب من ذوي النزعة القومية، في الأقل المتقدمين منهم، يعتبرون الحركة الوهابية انتفاضة قومية هدفها "تحرير العرب من السيطرة الإمبريالية العثمانية". كما إن الحكومة السعودية ادّعت مؤخراً أن الانتصار الوهابي الأول في شبه الجزيرة العربية قد أثار "انتباه وحفيظة الإمبراطورية العثمانية" وأوجد رغبة "في وضع نهاية للأمة الناشئة" (١). يقول محب الدين الخطيب (٢) ﵀ مشيراً إلى ذلك:

стр. 584

"كان الأستاذ الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه يستعيذ بالله من السياسة ومن كل ما يتصرف منها، لأنها إذا احتاجت إلى قلب الحقائق وإظهار الشيء بخلاف ما هو عليه اتخذت لذلك جميع الأسباب، واستعانت على ذلك بمن لهم منافع شخصية من وراء إعانتها، فتنجح إلى حين في تعمية الحق على كثير من الخلق. ومن هذا القبيل ما كان يطرق آذان الناس في مصر والشام والعراق وسائر بلاد الشرق الأدنى في المائة السنة الماضية من تسمية الدعوة التي دعا بها الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب ﵀ باسم (الوهابية) اتهاماً بأنه مذهب جديد … " (١). ويتحدث محمد عبد الله ماضي عن العوامل التي أدت إلى التشنيع على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه، فيذكر العامل السياسي فيقول: "عامل سياسي يرجع إلى الخلاف الذي قام بين آل سعود الوهابيين وبين الدولة العثمانية التي كانت الجزيرة العربية جزءاً من أملاكها وقت أن شرع الوهابيون يستقلون بالحكم فيها في القرن الماضى. ذلك الخلاف الذي سبب الحرب النجدية المصرية بين محمد علي والوهابيين، والذي صحبه وترتب عليه كثير من الدعايات ضد الوهابيين خصوم الدولة السياسيين وإظهارهم بمظهر المعتدي على الدين الخارج على تعاليمه حتى تسهل مقاومتهم وتيسير القضاء عليهم. وكذلك الخلاف السياسي بين آل سعود والوهابيين وبين أشراف مكة ثم بينهم وبين زعماء نجد المحليين … " (٢). ويوضح الشيخ محمد رشيد رضا (٣) ﵀ آثار العداء السياسي مع بداية الدولة السعودية الثالثة، وما فعله الأشراف ضد الدعوة السلفية، فيقول: "كانت جريدة القبلة - لسان الملك حسين آنذاك - تكيل التهم والأكاذيب على هذه الدعوة السلفية. وقد أصدر الملك حسين

стр. 585

عدة منشورات في جريدة القبلة سنة ١٣٣٦ هـ، وسنة ١٣٣٧ هـ، رمى الوهابيين بالكفر، وقذفهم بتكفير أهل السنة، والطعن في الرسول … وقام بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إلى الأشراف بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بالأكاذيب، ثم سرى ذلك إلى مصر، وظهر له أثر في بعض الجرائد … إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي محض كان لتنفير المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الترك أن يقيموا دولة عربية، ولذلك كان الناس يهيجون عليهم تبعاً لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكنت ريح السياسة" (١). ويقول محمود شاكر ﵀ بعد أن ذكر يقظة دار الاسلام ونهضتها الصحيحة، وذكر ممن تولى ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " فهذه النهضة وهذه اليقظة لا يعرفها على حقيقتها ولا يعرف مغبتها غير الاستشراق، فيومئذ هب المستشرقون حملة هموم المسيحية الشمالية، هبوا هبة الفزع، وتسارعوا ينقلون كل صغيرة وكبيرة، ووضعوه بينا جليا تحت أبصار ملوك المسيحية الشمالية وأمرائها ورؤسائها وقادتها وساستها وعلمائها ورهبانها، وبصروهم بالعواقب الوخيمة المخوفة من هذه اليقظة الوليدة، وبينوا لهم الخطر الداهم الذي جاء يتهددهم اذا ما تم تمام هذه اليقظة واشتد عودها واستقامت خطواتها على الطريق اللاحب، وأنه ليس للمسيحية الشمالية خيار سوى العمل السريع المحكم واهتبال الغفلة المحيطة بهذه اليقظة الوليدة ومعاجلتها في مهدها قبل أن يتم تمامها ويستفحل أمرها وتصبح قوة قادرة على الصراع والحركة والانتشار" (٢). ويقول أيضا: "وكانت انجلترا ومستشرقوها ما فتئت تخوف الدولة التركية وتؤلبها على مهد اليقظة في جزيرة العرب والتي قام بها وأسسها محمد بن عبد الوهاب ١١١٥ - ١٢٠٦ هـ/ ١٧٠٣ - ١٧٩٢ م واستجابت دار الخلافة بغفلتها الى هذا التأليب حتى جردت حملات متتابعة لقمع اليقظة الوهابية، وآبت في جميعها بالاخفاق. ثم منذ ولى محمد علي سرششمة جعلت تركيه تدعوه الى تجريد جيوشه لقتال الوهابيين، وتتابع هذا الطلب من سنة ١٨٠٧ م

стр. 586

الى سنة ١٨١٠ م/ ١٢٢٢ - ١٢٢٥ هـ فلم يستجب لنداء تركيه ولكن الاستشراق بقناصله زين أخيرا لمحمد علي سرششمة أن يستجيب ليحقق ماربه في وأد اليقظة التي كادت تعم جزيرة العرب وأمدوه بالسلاح الذي يعينه على خوض الحرب وذلك في سنة ١٢٢٦ هـ/ ١٨١١ م أي بعد ولايته مصر بست سنوات، وسارت الجيوش قاصدة جزيرة العرب ودارت الحرب التي لم تنته إلا بعد ثمان سنوات في سنة ١٢٣٥ هـ/ ١٨١٩ م فقدت الجيوش المصرية ألافا من أبنائها ولقيت هزائم كادت تؤدي بها، وأخيرا تم النصر لمحمد علي سرششمه بعد أن ارتكب من الفظائع ما لا يستحله مسلم واستباح الديار والأموال والنساء وهدم المدن، فكان هو وابنه ابراهيم وسائر أولاده الطغاة من شر الطغاة، وكانت حربا طاحنة لا معنى لها ولا ينتفع بها إلا مؤرثوها من دهاة المسيحية الشمالية" (١). وهذه بعض النقول عن المستشرقين وبعض المناوئين لدعوة الإمام، التي تنظر للدعوة على أنها دعوة سياسية، وتتعامل معها من هذه النظرة. يقول زويمر: "وظهر أنها -أي الدعوة- كانت تمثيلية سياسية" (٢). ويقول المستشرق بوركهارت: "وتتبع تاريخ الوهابية ما هو إلا تسجيل لوقائع مشابهة لتلك التي تحدث يومياً في الصحراء، قبيلة ذات حظ تصل إلى السلطة فتحصل على غنائم وتبسط نفوذها على جيرانها" (٣). ويقول وليم جيفورد بلجريف: "لقد ذكرتُ التاريخ المتقدم للفرقة الوهابية في المجلد الأول الذي يبدو كافياً للقارئ لإظهار العدوانية والغزو عند محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وقائد آل سعود، وأن هذين الرجلين ومن بعدهم -وهم أشد حماسة- لديهم رؤية ليس لإيجاد فرقة، ولكن امبراطورية، وليس لتحويل جيرانهم إلى معتقدهم، بل لإخضاعهم" (٤).

стр. 587

ويقول ديفيد كوبر: "وهنا لابد أن نذكر أن الحركة الوهابية لم تكن مجرد انتفاضة دينية، بل هي في رأيي المتنفس الذي رد به أهل نجد فرفضوا الهوان من العثمانيين، ثم من الضغوط التي مارستها أوروبا على شبه الجزيرة العربية، وكانت الحركة وقد اتخذت من الدين أداة لها تمثل وسيلة لصون الأسلوب الذي ارتآه الناس منهجاً لهم في هذه الحياة" (١). ويقول محمد زكي إبراهيم: "ليست خصومة المحمديين (٢) للتمسلف لمجرد أنه مذهب يخالف مذهبهم قليلاً أو كثيراً، ولكن لما في هذا المذهب من الخطورة البالغة على المقومات الفكرية والاعتقادية، والقومية، والوطنية، وعلى المبادئ والقيم، باسم "السلف" المظلوم. فالتمسلف بتقسيمه أهل القبلة إلى أديان شتى، ثم إلى مشركين وموحدين، ثم إلى كذا وكذا، مما يجعل بأسهم بينهم ويشغلهم بتوافه الفتن عن كبريات الأخطار إنما يخدم الاستعمار خدمة لا تعدلها خدمة، فقاعدة "فرّق تسد" التي ينفق عليها الاستعمار كل أمواله، ويستعمل فيها كل تداهيه ولؤمه ومخابئه، ويرصد عليها كل إمكانياته، إنما لا تكلفه شيئاً أبداً إذا هو ساند التمسلف - كما هو واقع فعلاً- ولو بهذه الدنيويات التافهة التي يقدمها له سحتاً فواحاً بالنتن، فيروح دعاته مسعورين في كل جانب، يهدمون له ما بنى الله من أنفسهم وأمتهم، ولا يزال أحدهم يرفس وينطح ويعض وينهش، لا يبقي أديماً سليماً لمسلم عالم أو عارف أو حاكم، سابق أو لاحق، وبهذا يعود (التمسلف) فيخدم الاستعمار خدمة أخرى أخطر وأنكر، هي تجريد التاريخ الإسلامي من المجد، وتعرية الفكر الإسلامي من الثروة، وكشف فرائد الفضائل على أنها عورات وآثام ومخاز، فلا يعود المسلم يحس بمجد تاريخي ولا علمي ولا ثقافي، ولا يعود يرى أجداده إلا شذاذ آفاق مضللين ولصوص مجد، أفاكين، فينهار المسلم أمام نفسه، ويصغر

стр. 588

في عين ذاته، ولا يجد ملجأ إلا التمسح بكل ما هو أجنبي، والتماس كل ما هو غير عربي وغير إسلامي. وهكذا يخدم (التمسلف) الاستعمار أنكر خدمتين، عملية وفكرية، فيحطم بيضة الإسلام من ظاهرها وباطنها شر تحطيم، ولكن باسم الله والإسلام والتوحيد" (١). ويقول أيضاً: "يجب أن يكون معروفاً لجمهور المسلمين معرفة يقينية حاسمة أن السلفية عموماً -وبخاصة هذه "السلفية المعاصرة"- إنما هي حركة سياسية، غائرة الأعماق، مترامية الأبعاد، متشعبة الجذور والفروع، تهدف أولاً وأخيراً إلى السيطرة على العالم الإسلامي، بكل ما يتاح لها من وسائل الدعوة أو الدم أو الإغراء!! وكل ما نرى من هذه المؤسسات أو التشكيلات التي تنشأ باسم الإسلام منسوبة إلى السلفية إنما هي خطوات إلى الهدف البعيد المكرر، وما نرى من جماعات تنبثق من هنا وهناك بدعوى حماية "التوحيد"، أو بعث "السُّنة"، أو التبشير، أو التبليغ، كلها - بلا أي استثناء- من مواليد "السلفية المعاصرة" التي تعمل بكل ما لديها من مال وجاه وسلطان لتكون كلمتها هي العليا في عالم المسلمين، وهي تنفق في هذا السبيل بغير حساب. والخطر الداهم أن يؤيدها في ذلك كافة القوى المعادية للإسلام، بوسائلها الخفية والمعلنة، فهذه "السلفية" مهما ادَّعت لنفسها من طهارة وقداسة إنما تمشي -وسوف تظل تمشي- في ذلك قوة أعظم، من قوى خصوم الإسلام، بحكم طبيعة الواقع، وهذه هي الحقيقة الفعلية الملموسة، ومعنى هذا أنها تتحرك بطاقة أجنبية، لتحقق تمزق الأمة شيعاً، يذيق بعضها بأس بعض، بما تدَّعي من الانفراد ب"التوحيد" وحماية حمى السُّنة" (٢). وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة نهج الغرب استراتيجيتين خطيرتين تجاه العالم الإسلامي بدعوى (الحرب على الإرهاب). هاتان الاستراتيجيتان اتخذتا أسلوبين في

стр. 589

تطبيقهما. الأول: الحرب العسكرية، التي استهدفت بعض الأنظمة الإسلامية والعربية. الثاني: الحرب الناعمة (السياسية والثقافية والإعلامية)، التي استهدفت المملكة العربية السعودية، ديناً ودولة وشعباً ومؤسسات. فالغرب يدرك مكانة المملكة في العالم الإسلامي؛ فاطلاق حملته الناعمة ضدها، في محاولة لتغيير ما يمكن تغييره من دينها وهويتها الثقافية، متخذاً من منابره السياسية والثقافية والإعلامية وسائل لإحداث التغيير المطلوب. فتنوعت الكتابات الغربية في حديثها عن الدين الإسلامي وتأثيره في السعودية وخارجها، مستهدفة أسسه النظرية وتطبيقاته في المجتمع السعودي. وقد استأثر موضوع السلفية ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بتركيز بعض الكتاب الغربيين واهتمامهم، في محاولة للتشويش على صفاتهما في مخيلة الرأي العام النخبوي والشعبي في الغرب والعالم الإسلامي وفي السعوديين أنفسهم. وقد حاولت تلك الكتابات الغربية ربط هذين المفهومين بالتشدد والتطرف، تحقيقاً لأهداف الحرب الناعمة التي رامت إضعاف القوة المعنوية وتذويب الهوية الدينية والثقافية للمسلمين. وسعياً لإرساء ملامح (الشرق الأوسط الجديد) الذي رسمته وبشرت به حكومات الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص (١). يقول مشعل المويشير: "وبالإضافة إلى الحملات الإعلامية ضد السعودية وأهدافها المعلنة والمستترة، ضغطت أمريكا أكثر من خلال طلباتها والتي تخص الشأن الداخلي بالمملكة ومطالبتها بإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية على وجه السرعة" (٢). ثم يقول: "وكان من الغريب استهداف السعودية بهذا المخطط نظراً لكونها دولة تتبنى نهجاً وسطياً يقوم على العقلانية والاعتدال وهي دولة مرموقة في المنطقة وذات ثقل سياسي لا يستهان به وتمثل صمام أمان في المنطقة، وسداً منيعاً يحول دون نمو الأفكار المتطرفة، وحاول

стр. 590

العديد من الكتاب والمحللين تحليل الأسباب والدوافع التي أدت إلى هذه الحملة الشرسة ضد المملكة العربية السعودية، ويرى البعض منهم أن طغيان مبادئ صراع الحضارات وسبل الهيمنة على الآخرين على معظم الدراسات والخطط الاستراتيجية التي أنجزها محللون عسكريون واستراتيجيون منذ ظهور بوادر انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية الثمانينات من القرن الماضي، قد لفتت أنظار المخططين الغربيين وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضرورة إجراء دراسة معمقة للأفكار والقيم والحضارات التي قد تشكل فكراً مناهضاً أو احتمالاً بصراع جديد يحدد أو حتى يعيق المكاسب الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية في ذلك الوقت. وهنا ظهرت دراسات تتحدث علناً عن صراع الحضارات ووضعت الإسلام على رأس قائمة الاحتمالات لصراع في القرن الواحد والعشرين ينبغي على الفكر الغربي الرأسمالي أن يهيئ نفسه لخوضه ومن ثم الانتصار فيه. وبعد فوكاياما وتاريخه شهدت الساحة الفكرية والتخطيطية أفكار هنتجتون عن صراع الحضارات الذي يطل برأسه مع نهاية القرن العشرين. واتجهت الدراسات والمخططون إلى تحديد المقصود بتهديد الإسلام: فهل هو الفكر الديني الروحي الإسلامي أم هو الدولة الإسلامية؟ وما هي الدولة الإسلامية، هل هي أية دول دينها الإسلام أم غالبيتها من المسلمين؟ فهل هي إندونيسيا أم ماليزيا أكبر دولتين مسلمتين أم جيبوتي؟ وتمتد وتيرة السيناريوهات من أجل حصر الجهة التي سعتبرها الغرب مصدر الصراع الحضاري" (١). ونخلص من ذلك كله بأن استهدافهم لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لأنها تمثل الإسلام الصحيح في هذا الوقت المعاصر، فهي حرب معلنة يصرح بها المناوئون لهذه الدعوة تحت شعارات مختلفة، "الحرب على الإرهاب"، " الوهابية"، وغيرها من الشعارات. "والحقيقة أن دعوة شيخ الإسلام التي تسمى "الوهابية" ليست شيئاً جديداً. فإنه لا يقدم شيئاً غير التعليم الصحيح للكتاب والسنة إلا أن دعوته أسيئت سمعتها بين الناس باسم الوهابية للأغراض السياسية. وكأنها دعوة إلى دين غير الإسلام" (٢).

стр. 591

فهي دعوة إسلامية جامعة لجميع الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك، وهدف هذه الدعوة إقامة مجتمع إسلامي متكامل تحت ظل دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهجاً، وتطبق أحكامه في كل شؤونها (١).

стр. 592

ثانياً: الهدف الديني: لما ظهرت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وانتشرت في الجزيرة العربية والبلدان الإسلامية وغيرها، وكان لها الأثر الواضح في نشر التوحيد والسنة والقضاء على الشرك والبدع، خشي أهل الشرك والبدع على ضلالهم الذي يستمدون منه مكانتهم وأموالهم؛ فسعوا جاهدين للقضاء على هذه الدعوة المباركة بمحاربتها وتشويهها والافتراء عليها، وهو ما حصل من قبل المناوئين المعاصرين مع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، مستغلين الجهل بالدين، وقلة الفقه، والجهل بحقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ فإذا جهل الإنسان حقيقة دينه أدى به ذلك لمعادة كل ما يخالف ما كان يعتقده، ومعادة كل من يدعو إليه (١). يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ عن حال عصر الشيخ الإمام: "كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدُّوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق بغير الله من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن بحره الأجاج شاربون، وبه راضون، قد أغشتهم العوائد والمألوفات وحبستهم الشهوات والإيرادات عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات" (٢).

стр. 593

فلما أظهر الله هذه الدعوة السلفية على يد المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ استنكرها الرعاع وأدعياء العلم والعوام، لأنها خالفت عوائدهم الشركية ومألوفاتهم البدعية، فلما دعاهم الإمام إلى وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة وأنه لا يدعى ولا يستغاث إلا بالله وحده، فلا يستغاث بالأولياء أو الأنبياء، استنكر أولئك الجهال هذا الحق، وزعموا أن ذلك انتقاص للأنبياء والأولياء، فخالفوا الحق مع ظهوره وبيان أدلته ووضوح براهينه. أما في الواقع المعاصر فإن غالب من يكتب عن الدعوة وأهلها - وخصوصا من الغربيين- يجهلون حالها، ولا يسعون لمعرفة حقيقة الدعوة، ويكتبون على حسب زعمهم وظنهم، تقول الصحفية باربرا فيرجيسون، وهي تتحدث عن جهل زملائها المراسلين الصحفيين الأمريكيين بواقع المنطقة وتعاملهم مع هذا الواقع بناء على صورة نمطية جاهزة: "من وجهة نظر شخصية وتجربة صحفية أرى أن العديد من المراسلين الصحفيين الأمريكيين يجهلون تماماً واقع منطقة الشرق الأوسط. فعندما عملت صحفية مرافقة لمشاة البحرية الأمريكية أثناء عملية غزو العراق، كنت أتعجب من أن معظم زملائي، وبينما كانوا في انتظار إجراءات إلحاقهم بالوحدات العسكرية، كانوا يرفضون أو يعزفون عن معرفة أحوال المواطنين في البلد الذي سيقومون بتغطية الحرب فيه" (١). كما أن بعض هؤلاء المراسلين الصحفيين، وبعض المسؤولين السياسيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وبفعل تأثير الصورة النمطية المشوهة عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في مصادرهم، لا يستطيعون طرح ما يرونه من صورة إيجابية عن الدعوة في السعودية بصورة واضحة. ولذلك لما سُئل رئيس مجلس الشيوخ الكندي الدكتور نويل كنسيلا عن الحملة الإعلامية ضد السعودية في بعض الصحف الغربية على الرغم من أن كثيراً من الإعلاميين الغربيين لم يزر المملكة ويتعرف على الحقيقة عن قرب ومن مصادر مباشرة، قال: "إن هذا أمر غير منطقي، لأنه لا ينبغي لمن لم ير الشيء بنفسه أن يتحدث عنه أو

стр. 594

ينتقده، وعلى هؤلاء الصحفيين الغربيين أن يزوروا المملكة، ليروا ويسمعوا ويقابلوا المسؤولين وعامة الناس، ثم يكتبوا عنها. وهي عموماً حملات مسمومة، ويقف وراءها من لهم أغراض مشبوهة، لا تخدم العلاقات بين بلادهم والسعودية، ولا العلاقات بين الشعوب" (١). والتناقض بين ما يكتبه وينشره أولئك الكتاب الغربيون بعد انتهاء زيارتهم للسعودية وما رأوه في الواقع أمر قد اشتهر بينهم، ليس الكتاب والمثقفون فقط بل حتى السياسيين والمسؤولين. ففي سؤال لرئيس مجلس الشيوخ الكندي عن هذه القضية، وهي أن كبار المسؤولين الغربيين ومنهم الكنديون الذين يزورون المملكة ويطّلعون على حقيقة الأوضاع على الأرض، لا يوضحون هذه الحقائق لوسائل الإعلام في دولهم، أجاب رئيس مجلس الشيوخ الكندي أن بعض وسائل الإعلام لا ترغب في سماع أخبار جيدة، وقال: "أنا شخصياً سأقدم عقب عودتي إلى كندا تقريراً إيجابياً جداً للبرلمان، أسرد من خلاله الحقائق التي لمسناها خلال زيارتنا للمملكة على مدى ثلاثة أيام، سواء في مجال الشراكة التجارية والاقتصادية بين بلدينا، أو على مستوى التعاون البرلماني، أو على مستوى التعامل بين الكنديين والسعوديين كأفراد" (٢). يقول منتصر حمادة مبينا الخوف من انتشار دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وما يترتب على ذلك من خطر - حسب زعمه-: "في هذا السياق، يأتي هذا العمل تحت عنوان في نقد العقل السلفي، والإحالة على التدين الإسلامي الحركي في شقه السلفي الوهابي، بحكم هيمنة أنماط هذا التدين ليس في الدول الإسلامية "المصدرة" له منذ عقود وحسب، وتحديداً منذ حقبة الطفرة النفطية في شبه الجزيرة العربية، ولكن أيضاً بحكم صعود أسهم هذا النمط المتشدد من التدين في مجالات تداولية إسلامية كانت إلى عقود قريبة، بعيدة عن النهل من رياح التسلّف الوهابي، قبل أن تجد نفسها اليوم، معنية بالتفاعل مع نتائج سياسات "تصدير" و"استيراد" الأدبيات السلفية الوهابية عبر الفضائيات والمؤتمرات وثورة الاتصالات

стр. 595

والتقنيات التكنولوجية الحديثة .. وهذا ما أكدت عليه آخر الدراسات … المخصصة لتفكيك الظاهرة السلفية الوهابية، حيث اعتبر منسق الدراسة أنه "منذ الأزمة النفطية لعام ١٩٧٣، سوف تنفتح (السلفية) الوهابية على العالم الحديث، ولكن عبر التحول من حركة طائفية وهامشية ومعزولة، إلى حركة مغايرة ومتطورة فكرانياً (أيديولوجياً) وثقافياً، عبر أعلام فقهية وتيارات حركية، اشتغلت على إعدادها من أجل مواجهة العالم الحديث" (١). ويذكر الأستاذ أحمد فهمي سبب هذا الخطر عند المناوئين لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب والسلفية لا ينبع خطرها من الكثرة العددية كما هو الحال بالنسبة للتيارات الأخرى، بل ينبع خطرهم في الأساس من الفكرة التي يحملونها وقابليتها للانتشار بسهولة، وذلك أن عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الصحيحة هي الأكثر توافقاً مع الفطرة، بمعنى أنه لو ترك الناس لحالهم لرجعوا إلى الإسلام وطبقوا أحكامه كما هي مبينة في الكتاب والسنة. بالإضافة إلى قوة التأثير لأتباع دعوة الإمام السلفية، وانتشار دعوتهم، ويستدل على ذلك بحجم ونوعية الكتاب الإسلامي المتداول والمرتبط بالسلفية مقارنة بمثيله لدى التيارات الأخرى. كما أن مشكلة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مع العالم الغربي أنها تطالب بالعودة إلى منابع الإسلام الصافية الكتاب والسنة وتحكيمهما في كل صغيرة وكبيرة بصورة مباشرة، ويمتلك الغربيون قناعة قديمة بأن تلك المنابع الصافية هي مصدر خطرهم، وأن أي جماعة أو تيار يبدو حريصاً على التمسك بها لا مفر من مواجهته (٢). وساعد في ذلك - مع الجهل بالدين وبحقيقة دعوة الإمام ﵀ اتباع الهوى، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ

стр. 596

اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. فإتباع الهوى من أعظم أسباب إصرار أهل البدع على بدعهم (١). وكذلك التقليد للآباء والأجداد، وأخذ العلم عن الدعوة من المناوئين لها، وممن افتراء عليها، جرياً على سنة الأولين. قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢]. وذلك يؤدي -لا محالة- إلى معادة الدعوة وأهلها؛ لأن تقليد الآباء والأجداد بغير علم وعدم الرجوع إلى علماء الدعوة ومصادرها الصحيحة نقص في معرفة الدعوة ومنهجها وحقيقتها، وفي الأخذ عن المناوئين لها والرجوع إلى كتبهم ومؤلفاتهم لا يوصل إلى حقيقة الدعوة؛ لأنهم يطعنون فيها، ويختلقون عليها الأقاويل، ولا يفهمون مراد أصحابها (٢). وكذلك ما ألصق بهذه الدعوة ومجددها وأنصارها من التهم الباطلة والأكاذيب والمفتريات، فقد أصاب هذه الدعوة منذ بدء ظهورها حملة مكثفة شنيعة عمَّت البلاد والعباد، فلقد ألصق بعض أدعياء العلم في هذه الدعوة السلفية ما ليس منها، فزعموا أنها مذهب خامس، وأنهم خوارج يستحلون دماء وأموال المسلمين، وأن صاحبها يدعي النبوة وينتقص الرسول ﷺ .. إلى آخر تلك المفتريات (٣). يقول المستشرق الكولونيل روسو حيث كتب رسالتين قصيرتين عن الوهابيين في بغداد وحلب سنة ١٨٠٨ هـ وأكد أنهم أتوا بديانة جديدة (٤). وقد تبعته في ذلك الرحالة الليدي آن بلنت في كتابها رحلة إلى بلاد نجد ووصفت الدعوة بأنها دين جديد (٥). ومن ذلك ما ذكره الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي ﵀ عن تلقي الحجاج الوافدين

стр. 597

إلى مكة من أشراف الحجاز وبعض علماءها، والتقديس التام لهم "والانقياد الكامل لأقوالهم ضد الشيخ وأتباعه الشيء الكثير من كون أتباع الشيخ لا يحترمون الأولياء والصالحين ويهدمون قبابهم … فلهذا أخذ جمهور الناس في سائر الأقطار فكرة سيئة عن الشيخ وأتباعه" (١). ولا يزال هذا التجني والكذب، وخصوصاً مع سهولة النشر من خلال وسائل الإعلام والانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها. ومن الأهداف الدينية للمناوئين لدعوة الإمام ما يتحقق من مصالح مشتركة لخصوم الدعوة - مثل تعظيم القبور والأولياء- التي تفرض عليهما التعاون مع اختلاف المعتقدات للطعن في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ فإن عداء الصوفية لدعوة الإمام مثلا جعلها تتوافق وتتصالح مع الرافضة ضد هذه الدعوة (٢)؛ لكي يتحقق لهما بقاء تعظيم القبور والأولياء فينتفع الطرفان. ولما غلب على حال كثير من المسلمين ظهور الشركيات وانتشار البدعيات، واستفحال الخرافات، والغلو في الأموات والاستغاثة بهم، وظهور تشييد المشاهد وإقامة المزارات على القبور، وزخرفتها وتزيينها وصرف الأموال الطائلة عليها … فلما غلب ذلك على حال عامة المسلمين، فإن هؤلاء المتصوفة والرافضة وجدوا في هذا الواقع الآسن مرتعاً خصباً لبثَّ سمومهم العقديّة. فلما بدت أنوار هذه الدعوة تكشف غياهب الظلام، وتزيل أدران الشرك ونجاساته، وتدعو الناس إلى تحقيق التوحيد بصفائه ونقائه، أدرك الخصوم أن ظهور هذه الدعوة السلفية نذير بزوال عقائدهم الباطلة، "ولعل هذا أكبر أسباب التشويه والافتراء والدعاية المضادة لهذه الدعوة إضافة إلى الحسد والخوف على السلطان والمصالح; ما كان يقوم به أتباعها من إزالة للبدع الظاهرة والمنكرات المتفشية، فكلما وصلوا إلى بلد أزالوا القباب والمشاهد على القبور،

стр. 598

وأزالوا الأحجار والأشجار التي يتبرك بها الجهلة، وأقاموا الحدود وقضوا على مظاهر الدجل والسحر والشعوذة، وأكل أموال الناس بالباطل، وسائر المظالم، ولاشك أن هذا مما يثير حفيظة المرتزقة والمنتفعين من هذه الأعمال الشنيعة من زعماء وشيوخ وسدنة ومزورين وعاملين وغيرهم من العامة والخاصة، وهذا من عوامل الإثارة ضد الدعوة لأنها تقضي على مظاهر أكبر الارتزاق بالشركيات والبدع والمنكرات وسائر أسباب الكسب الحرام والجاه المشبوه، وتكشف ألاعيب الدجالين والمتاجرين بالدين" (١). فحشد أولئك الخصوم قواهم وانبروا في التشنيع بهذه الدعوة وأنصارها، وهم أثناء تشنيعهم يذكرون معتقدهم الصوفي أو الرافضي - وغيرهما - ويزينونه للناس ويزعمون أنه الحق. فنجد هؤلاء الصوفية أثناء ردّهم على الدعوة السلفية، يتبجحون بصوفيتهم ويفتخرون بانتسابهم إلى الطرق الصوفية كالنقشبندية أو القادرية أو التيجانية … ويدافع عن التصوف وأدعيائه. والرافضة أثناء مناهضتهم الدعوة السلفية يدافعون - بكل ما عرف عنهم من كذب وقلب للحقائق - عن معتقدهم (٢). يقول حسين الخراساني إن كل شيعي يتمنى فتح مكة والمدينة وإزالة الحكم الوهابي عنها وقال: "إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يوماً قريباً آت يفتح الله لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم، ويزوروا قبور ساداتهم ومشايخهم … ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم، وذهاب حرمة إسلامهم، وسفك دمائهم المحقونة، ونهب أموالهم المحترمة ظلماً وعدواناً " (٣).

стр. 599

وتعتبر "حركة التشيع السلفية من ألد أعدائها، ولذا يكثر شتم السلفية في حسينيات الشيعة ومناسباتهم ومنتدياتهم، والتحذير منها، وتشويه سمعتها، وإذا أراد القارئ أن يعرف موقف حركة التشيع من السلفية فلينظر إلى مواقع الإنترنت الخاصة بهم، حيث سيجد عشرات المقالات في ذم السلفية وتشويهها. ولعل السبب في الموقف العدائي الذي تكنه حركة التشيع للسلفية يكمن في أن السلفية هي الطائفة الأكثر كشفاً لحقيقة المذهب الشيعي والرد عليه في القديم والحديث، يقول حسن الصفار: "من طبيعة المدرسة السلفية الصرامة والتشدد فيما تراه خلافاً عقدياً" (١) … وفي الخطة الخمسينية السرية لآيات قم بأن "الخطر الذي يواجهنا من الحكام الوهابييين وذوي الأصول السنية أكبر بكثير من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب، لأن هؤلاء الوهابيين وأهل السنة يناهضون حركتنا وهم الأعداء الأصليون لولاية الفقيه والأئمة المعصومين (٢) " (٣). يقول مشعل المويشير: "تعاملت الولايات المتحدة مع مختلف القضايا العربية والإسلامية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر استناداً إلى أيديولوجية العقيدة، إذ طغى على سياستها الخارجية تجاه العالمين العربي والإسلامي بعد ديني يحمل في طياته الفروقات التاريخية والحضارية والدينية بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، خاصة تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل، ويرى الكثير من المحللين أن الدين أمسى إشكالية كبرى في سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية والإسلامية، لا سيما حين يتزامن ذلك مع إدارة أمريكية يمينية التوجه والتطرف، كما هو الحال في إدارة الرئيس الأمريكي الحالي "بوش الابن" وصقور البيت الأبيض الذين ينهجون توجهات وأفكاراً سياسية متطرفة حيال القضايا العربية تعود في جذورها إلى المعتقدات الدينية

стр. 600

المسيحية - الصهيونية، أكثر من كونها رؤى وتصورات من واقع السياسة الدولية" (١).
следующие страницы →