← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

تحضير الأرواح، ويلوم المسلمين لقعودهم عن هذا العلم الذي سبق إليه الغربيون، ولا ينسى أن يكرر هذا القول عند تفسير قول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وعند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ويقول عند تفسيره لقول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، (ولقد أظهر علم الأرواح في الكشف الحديث، أن الأرواح الشريرة توسوس لأمثالها من الأحياء بما يناسب طبائعها، ويوالونهم، ويريدون أن يكونوا على طرائقهم ... وأهل العلم والفضلاء يعطون الأحياء إرشادًا وتعليمًا نافعًا، كما كانوا في الدنيا، وعلى ذلك يكون الفاسقون الميتون من البشر، ملحقين بالجن في الوسوسة، والصالحون الميتون ملحقين بالملائكة في الإلهام، وهذا الكشف الحديث الذي ملأ أمريكا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا وجميع بلاد العالم، ما عدا المسلمين، هو الذي يكون به تفسير القرآن ... الخ). وها هو في السورة نفسها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]، يقول تحت عنوان: (عجائب القرآن ومعجزاته في القرن العشرين): (أفادت هذه الآية أن الإيمان بالله واليوم الآخر، تابع لمشيئة الله واستعداد الإنسان، فليست البراهين بمغنية ما دام المرء لا يستعد، والقضاء لم يسعد، وهذا بعينه الحاصل الآن، ألم تر إلى أننا اليوم في القرن العشرين، نسمع أن العلماء في أمريكا وأوروبا يكلمون الموتى، ومع ذلك نرى بعض المتعلمين في بلادنا الشرقية، يكفرون بالله واليوم الآخر، ولا يقلدون في الإيمان ساداتهم من الفرنجة ... فالله تعالى أذن للناس أن يكلموا الموتى في عصرنا الحاضر كما في الآية ... الخ) (١).

стр. 1017

وها هو عند تفسيره لسورة الإسراء (يريد أن يثبت صحة الإسراء علميًّا بأدلة من علوم الغربيين وقصصهم، وأقوال علماء الأرواح الذين يرون أن هذه الأجسام البشرية في الدنيا تنظمها أرواح، وكل جسم يربى فيه جسم آخر على مثاله، نوراني أثيري، أي مادة أثيرية، وهذا الجسم الأثيري البرزخي منطبق تمام الانطباق على هذا الجسم المادي، وأن الإنسان إذا تجرد من هذا الجسم، يرى أنه لم يكن هناك فرق بين المجسمين ... الخ. ويجد الشيخ المجال الخصيب للحديث عن الأرواح، عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. (حيث يطيل القول ويأتي بموضوعات عديدة (١)، فيكتب فصلًا عن طريق تحضير الأرواح، يذكر فيه ست طرق، وعن الأرواح تكتب بلا أقلام، كما يتحدث عن آداب تحضير الأرواح، وعن حوادث عديدة في مصر، جرى فيها تحضير للأرواح، إلى آخر ما هنالك من مسائل كثيرة حول هذا الموضوع. كما لا ينسى الشيخ ﵀: الحديث عن الأرواح عند قوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] وعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. إلا أن من الإنصاف للرجل أن نقول، إنه في أكثر هذه المواضع التي ذكرناها، كان لا يتحدث في هذه الأحاديث عند التفسير اللفظي للآيات، وإنما يتحدث بعد انتهاء التفسير اللفظي، حيث يتحدث عن لطائف أو جواهر عن هذه الآية أو تلك، بل لقد صرح الشيخ ﵀ بأنّ حديثه هذا ليس تفسيرًا للآية بل الآية تبقى على ظاهرها، وإنما ذلك رمز، فها هو عند تفسيره للآية الأخيرة يفسرها تفسيرًا لفظيًا، ليس فيه زيادة ولا خروج عن المألوف، ولكنه بعد انتهاء هذا التفسير لها ولآيات بعدها، يأتي

стр. 1018

بلطائف، ومنها لطيفة في هذه الآية، يضمنها حديثه عن الأرواح. ويعترض عليه بأن قوله هذا، ليس منسجمًا مع النصوص القرآنية، فكيف يقصره على علم الأرواح؟ فيجيب الشيخ: (أنا لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول إنه رمز له وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها، ترمز إلى ما ذكرناه فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى، وتكون رمزًا لهذا، وهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه، كما أوضحه الإمام الغزالي في تفسير قوله ﷺ : (إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة)، فقد جعلها على حالها، ورمز بها إلى الشهوة والغضب فافهم، فإذا فهمت هذا فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب) (١). حتى مع التسليم بصحة ما ذكره الشيخ، فإن ذلك في رأينا لا يسلمه من الإنحاء عليه باللائمة، ولا يعفيه من عتاب عنيف ونقد ومؤاخذة توجه إليه، من كل هؤلاء الذين يغارون على الإسلام وأمته كغيرته هو. إن مزج التفسير بهذه المسائل في اعتقادي، هو الذي أفقده عنصرًا هامًا من عناصر الشهرة والإقبال عليه والإفادة منه، ويا ليت الشيخ ﵀ اكتفى بما ذكره في تفسيره من الفوائد العلمية، وهو كثير، ولم يتورط بإقحام هذه المسائل، التي لم تثبت صحتها، ويقيني أنها لن تثبت كذلك، يقول الدكتور محمد محمد حسين عن هذا التفسير: (وكم كانت الكارثة شديدة الوقع، حينما نرى الشيخ طنطاوي قد خدع بجمعية أبي الخير الروحية، كما أفسح المجال في تفسيره للنقل عن مزاعمهم ودعاواهم، مما أدخل الفساد والضعف على كتابه ذلك، في كثير من المواضع) (٢).

стр. 1019

٣ - أسلوب الشيخ في التفسير: منّ الله على الشيخ طنطاوي بسعة اطلاعه، فهو ذو ثقافة متنوعة الأبحاث متعددة المناحي، فإذا أضفنا لهذا ذكاءه وخياله، استطعنا أن ندرك سر هذا اليسر، وتلك السهولة والسلاسة في أسلوب الشيخ، وعلى الرغم مما في التفسير من مصطلحات ومباحث، وعلى الرغم مما فيه من كلام مترجم وغير مترجم، فإن القارئ لا يجد عناء، ولا يشعر بسآمة، ولا يحس بملل من أسلوب الشيخ، وربما يمج فكرة أو موضوعًا لذاته، ولكن لا من حيث الأسلوب. ولقد حاول مفسرنا ﵀ أن يضيف لتلك السهولة في الأسلوب محسنات ومشوقات، فها هو مثلًا يأتي في أثناء التفسير بهذه الألفاظ، التي لم يألف القارئ وضعها في عناوين لأبحاث وفصول، كقوله (وهذا القسم في عشر ماسات وخمس زبرجدات وثلاث جواهر وياقوتتين) وهكذا يجري الشيخ على هذا المنوال. كما أنه في تفسيره ينوع أسلوبه ويزينه، حتى يعود سائغًا لذة للدارسين، وحتى يؤدي دوره المرتقب في بعث العالم الإسلامي ورقيه كما يتوقع، فهو يضرب المثل، ويقرب المعنى بالقصة والمحاورة، ويزين الأفكار بحلل الخيال ومشاهد الجمال الكوني. أ - أسلوب القصة: فها هو ذا في تفسيره لقصة موسى والرجل الصالح، في سورة الكهف يقص قصة خيالية بطلها الحارث بن همام، قال: (أخذتني سنة من النوم، فرأيت فيما يرى النائمون رجلين، وبينما نحن كذلك، إذ انقض طائر أبيض من فوق الشجرة، وأقبل إليهما وجلس بينهما، ثم انقلب فجأة رجلًا سويًّا، فقال: قد سمعت قولكما وفهمت ما دار بينكما، ثم التفت إلى الشيخ وقال: (هل قرأت قصة الخضر وموسى ﵉ في سورة الكهف؟ قال (نعم). قال: (هل تدري ما فيهما من

стр. 1020

الحكم)؟ قال: (نعم). ثم يأخذ الطائر الرجل يقص ما في القصة من حكم، بعد أن عجز عنها الشيخ فيقول: ١ - قال الله لموسى إن الخضر أعلم منك بعد أن عتب عليه. ٢ - ولما سأله عن مقره قال: مجمع البحرين، فلم عبر بالبحرين؟ فكأن المقام مقام تبحر في العلم. ٣ - ذكر في الخبر، أن عند الصخرة ماء عين الحياة، ونام موسى فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده، عاشت ووقعت في الماء، وعين الحياة رمز للعالم هو الحي الحقيقي بعد الموت وفي الدنيا، والناس جميعًا أموات .. ). واللطيف في أسلوب قصة الشيخ، أنها جاءت متناسبة في أكثر من وجه مع القصة الأصلية، فالرجلان الأولان في القصة أحدهما عالم، والآخر فلاح يريد أن يتعلم، ثم هذا الشيخ يعلمه الطائر المنقلب رجلًا، فتأمل عمق الشيخ ودقته وجميل أفكاره. ب- أسلوب المحاورة: فكما اعتمد الشيخ أسلوب القصة، يوشح بها بعض مقاطع تفسيره، فقد استعمل كذلك أسلوب المحاورة، فيصور لنا أن عالمًا يرتاده بين الفينة والفينة، ليسأله مسألة في التفسير، ليبين فيها وجهًا غامضًا، ويجري حوارًا لطيفًا، يخرج الفكرة بيضاء ناصعة، نقشت في صفحات القلب، وها هو الشيخ المستفسر يجلس إلى الشيخ يسأله في أثناء كتابته تفسيره سورة طه. يقول الشيخ طنطاوي: (لما وصلت إلى هذا المقام، حضر صديقي العالم، الذي اعتاد أن يناقشني في أمثال هذا المقام، واطلع على ما تقدم وقال: لقد أحسنت صنعًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، إذ أبنت أن القرآن يدخل العلوم والحكم في غضون القصص،

стр. 1021

وتكون تلك هي المقصودة، ولكن كيف أَبَنْتَ تلك المحاورة الموسوية، ولم تُبيِّنْ محاورة السحرة مع فرعون؟ فالمحاورة الأولى قد استبان بها نظام هذه الدنيا، فهل من سبيل إلى أن تستبين الثانية بطريق مشوق جميل، حتى نرى نظام الآخرة، بهيئة تسر القلب وتشرح الصدر، كما انشرحت صدورنا ببيان المحاورة الأولى، وجمال نظام العالم الذي نعيش فيه؟ ) (١)، وإزاء هذه الرغبة، يأخذ الشيخ في بيان ما طلبه صديقه العالم السائل، فيأتي على عادته بالطريف والعجيب في المعارف، والحكم والعلوم. وها هو ذا يقول في سورة الأنبياء، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. (اعلم أن الله ، لا يضع شيئًا في غير موضعه، فبالحكمة قامت السماوات والأرض، وجعل صلاح كل شيء بحسبه، فلصلاح الملك أربعة شروط هي: ١ - أن يكون القادة علماء حكماء مفكرين، فهم يكونون أشبه بالعقل في الدماغ. ٢ - وأن يكون للأمة جيش منظم يقوده ضباطه، على شريطة أن يخضع لأولئك العقلاء، وهذا أشبه بالقوة الدموية في جسم الإنسان. ٣ - أن يكون الفلاحون والعمال والصناع قائمين بأعمالهم مطيعين للفريقين. ٤ - أن تنظم هذه الطوائف الثلاثة، بحيث تقسم جميع أعمال الدولة عليهم، هذا هو الصلاح الذي ذكره الله هنا للملك في الأرض). وهنا نجد الشيخ يستعين بموقف المحاورة، ليزيد الموضوع إيضاحًا: (قال لي قائل لما سمع هذا المعنى: أيها الأستاذ، هل الله قال ذلك؟ فو الله إنك لتطرق المعاني من تلقاء نفسك، ووالله ما في كتاب الله شيء من هذا، فقلت له: (لا

стр. 1022

تحلف وانظر معي، ألم تر أن الله ذكر الأنبياء، وقد قسم أعمال الدولة عليهم، فمنهم صاحب العلم والحكمة، ومنهم من يهدم الأصول الضالة ومنهم من استبانت عفته واضحة، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]، فلتجمع جميع هذه الخصال، ثم ذكر أن المسلمين سيقصرون، ويأخذ كل فريق منهم بطرف من الدين، وذمهم على ذلك، ثم حذر وذكر أمور الآخرة وفناء العالم، ثم أتبعه بهذه الآية فهي ملخص ما تقدم كله). أرأيت ما أجمل هذا الأسلوب، وما أنصع هذه الحجة، وما أبين هذه الكلمات، وما أحلى وأروع الإبداع فيها. جـ - خصوبة الخيال: وتلك الخصوبة في الخيال، تظهر في غير القصة والمحاورة كذلك، فنراها واضحة وهو يحدثنا عن أسرار الحروف: سر الطاء والسين في سورة النمل، وأنهما في كلمتي الطير وسليمان، وسر كون الرسول ﷺ رحمة للعالمين، في الطاء والسين، وهما طمأنينة العالم وسلامته، وهذه عبارته: (فطاء طمأنينة العالم، وسين سلامه، تتوقفان على تفقد المسلمين الأمم أمة أمة، كما تفقد سليمان الطير، وتفقده له بين الطاء والسين، وينتج الطاء والسين، ومن عجب أن سليمان فيه معنى السلام، وأن الطيران الحديث ربما يعقبه تواصل الأمم فتكون الطمأنينة (١)، ففي الطاء والسين السر العجيب) (٢). رحم الله الشيخ طنطاوي، فمع أننا لا نشك في شدة غيرته على هذه الأمة، وإيمانه العميق بهذا القرآن، إلا أن خصوبة خياله، جعلته يحلق في كثير من الأحيان بعيدًا عن الناس وواقعهم، وعن الألفاظ ومدلولاتها، وهذا يظهر جليًّا في تفسيره،

стр. 1023

ولعل بيانه لأسرار الطاء والسين، أحد هذه الشواهد الكثيرة، فهما طمأنينة وسلام مرة، ويشيران إلى سليمان والطير مرة، وهما الطلاسم ومفتاحها مرة ثالثة، لأنهما بشكلهما واجتماعهما يشيران إلى قفل ومفتاح، وفي الطاء عدا الطير ذكر صالح، وتطيّر قومه به، وذكر لوط ففي هذه كلها طاء، وتأتي النتيجة بالسين ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] وعن وصف الله بجمال خلقه. ولا ينسى الشيخ طنطاوي هنا أن يهيب بالمسلمين، ليأخذوا العلوم من ذويها وأصحابها، فإن الهدهد قال لسليمان ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، وشتان ما بين الهدهد وسليمان، فهل المسلمون اليوم خير من سيمان؟ وهل العلماء المحدثون أقل شأنًا من الهدهد؟ وهكذا يستمر الشيخ طنطاوي يحلق في هذه. ولكن الشيخ يحافظ كل المحافظة على قدسية القرآن، ويقف عند حدود الغيب، فها هو عند ذكر بعض اللطائف، التي يذكرها عادة بعد التفسير اللفظي، يذكر اللطيفة الرابعة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، (ويتساءل هل يتكلم النمل؟ وكيف يستمع سليمان؟ فيجيب بأن هذا جاء به الوحي فلا قول لنا فيه (١). ولعلي إلى هنا أكون قد أعطيت فكرة واضحة موجزة، عن طريقة الشيخ ومنهجه وأسلوبه في التفسير، وذلك ليتسنى لي أن انتقل إلى الكلام عن بعض جزئيات التفسير. ٤ - آراؤه في بعض مسائل التفسير: أ - رأي الشيخ في الحروف المقطعة في أوائل السور: يقول الشيخ طنطاوي في معرض تفسيره لفاتحة سورة البقرة: (إن آلم في سورة البقرة، مفتاح العلوم في المستقبل، ومفتاح السياسة لأمم السلام، فقارئ القرآن لا يزال متربصًا أن يعرف معنى وسر (آلم)، فما يشعر إلا وقد فوجئ بنفس هذه

стр. 1024

الحروف، في قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من الموت، وفي قصة طالوت وما تحمل من معاني تربية الأمم والشعوب، وهذا المقصد هو سر نصف الفلسفة، وهي الفلسفة العلمية، ثم ذكرت هذه الحروف في قصة إبراهيم، مع الذي حاجّه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. مختصر القول وخلاصته أن (آلم) في أول البقرة، تشير إلى كل علم في الأرض، وكأنه قيل، تأملوا في الآيات التي في حيز (آلم) فالقارئ حين يقرأ في أول سورة البقرة، يفكر حالًا في كل جملة تقع بعد هذه الحروف، فيجد عجبًا عجيبًا مدهشًا، وسط جو من نظام الأسرة ونظام الأمة ونظام الطبيعة. ويقول الشيخ في أول آل عمران في حديثه عن هذه الحروف -الحروف المقطعة: (هذه الحروف جعلها الله من الأسرار، التي توجب أن يتفكر بها الخلق تدريبًا لعقولهم، وتوجيهًا لنفوسهم إلى المعاني المختلفة التي تحتملها، فإن الكتب السماوية لهذا أنزلت، أنزلت لترمز تارة، وتصرح تارة أخرى، وتفتح للعقول مجال الفكر، والقرآن كأي كتاب سماوي يرمز تارة ويصرح تارة، والرمز والإشارة من المقاصد السامية والمعاني العالية، وقديمًا كان ذلك في أهل الديانات، ألم تر إلى اليهود كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجمل، كذلك اتخذ النصارى الحروف رموزًا دينية معروفة فيما بينهم، وكانوا يرمزون بلفظ (أكسيس) لجملة، (يسوع المسيح ابن الله المخلص). وتأمل هذه اللطيفة من الشيخ حيث يقول: (إن الله تعالى خلق العالم منظمًا محكمًا متناسقًا، والكتاب السماوي إذا جاء مطابقًا لنظامه موافقًا لإبداعه، سائرًا على نهجه، دل ذلك على أنه من عنده، وإذا جاء الكتاب مخالفًا لنهجه، منافرًا لفعله، منحرفًا عن سننه، كان ذلك الكتاب مصطنعًا مفتعلًا متقولًا مكذوبًا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. والعالم المشاهد فيه عدد (٢٨) في مفاصل اليدين في كل يد (١٤)، وفي خرزات عمود ظهر الإنسان

стр. 1025

منها (١٤) في أسفل الصلب و (١٤) في أعلاه، وفي خرزات العمود التي في أصلاب الحيوانات التامة الخلقة، كالبقر والجمل والحمير والسباع، وسائر الحيوانات التي ترضع أولادها، وهكذا عدد الريشات التي في أجنحة الطير المعدة للطيران ... الخ، هذه المشاهدات في الحيوانات والفلك وسائر العلوم). وقد أخذ الشيخ طنطاوي هذا الرأي عن إخوان الصفا، ولكنه عاد فقال بوجود بعض الأغلاط فيما قالوا، إلا أن أصل ما ذهبوا إليه من هذا الأمر صحيح، وأيًا كان الأمر فإن هذه الحروف دفعت الأوائل للبحث والاستقصاء وتتبع العلوم. ب- رأيه في المتشابه: يرجح الشيخ طنطاوي أن المتشابه، إنما هو ما استأثر الله بعلمه، كوقت قيام الساعة، وسر الأعداد في بعض الأمور كالزبانية، أما ما أمكن تحصيله بدليل جلي أو خفي فإنما هو من المحكم عنده، ولذا فهو يؤول الحروف المقطعة في أوائل السور، كما يظهر أنه لا يلتزم بمذهب السلف في آيات الصفات. فهو يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (ثنَّى اليد مبالغة في نفي البخل وإثبات الجود). ويقول عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (أي كل شيء هالك، إلا ما أريد به وجه الله تعالى، يقصد إلا ما أخلص فيه لله). وعند قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] يقول: (إن هذا تمثيل للعظمة). وهكذا نرى الشيخ لا يلزم نفسه بمذهب السلف، ولعل هذا كان سببًا في منع كسابه من دخول المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى ما تقدم من نقده للوهابيين كما يسميهم، الذي أشرت إليه من قبل.

стр. 1026

جـ - الشيخ والمناسبات بين السور: اعتاد كثير من المفسرين كالرازي وأبي حيان والألوسي وصاحب المنار، أن يذكروا أوجه الربط بين كل سورة وسورة، فيبينوا ما بين السورتين من أمور مشتركة اقتضت أن تلي إحداهما الأخرى، هذه الصلة بين السورتين هي التي يسميها العلماء (المناسبات) ولما كانت المناسبة بين السورتين أمرًا استنباطيًا يعتمد على حذف المفسر، وعمق فهمه لمرمى السورة ومقاصدها، دون تكلف في ذلك، رأينا أن المفسرين يتفاوتون في هذا الأمر، بل يرى القارئ أن بعضهم ينقل عن بعض، مع بعض الزيادات للمتأخرين، كما نرى ذلك في البحر المحيط وروح المعاني. ومفسرنا ﵀، لم يفته الحديث عن هذه المناسبات، إلا أنه من الحق والإنصاف له، أن نقول بأن ما ذكره في كثير منها، إنما ينم عن فهم عميق وقريحة نفاذة ونظر ثاقب، غير متأثر من قريب أو بعيد، بما كتب من قبل، فهو يقول عن صلة آل عمران بسورة البقرة: (اعلم أن هذه السورة كالمتممة لسورة البقرة، ألا ترى أن لفظ البقرة، يدل على بقرة بني إسرائيل التي ذبحت لإظهار القتيل، وأن القصة التي تخللت السورة هي قصة بني إسرائيل، وقد قدمت لك في البقرة، أنها مرتبة ترتيبًا تاريخيًا على حسب العصور، فترى أن أول البقرة اشتمل على قصة بني إسرائيل لما كانوا في مصر، ثم الخروج منها، ثم ذكر أزمان حكم الشيوخ السبعين، ثم جاء في أواخر السورة، فذكر ملكهم بعد أن كانت حكومتهم شورية، فملك الله عليهم طالوت، ثم داود وسليمان، واستفحل ملكهم كما أوضحته هناك، وليس بعد هذا التاريخ إلا خروج عيسى -صلوات الله وسلامه عليه-، فجاءت سورة آل عمران التي تلي قصة بني إسرائيل السابقة، فانظر كيف كان لفظ البقرة دالًا على قصة بني إسرائيل، كما أن آل عمران رمز إلى قصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى. ثم إن أول البقرة وآخرها مشابهًا لأول آل عمران وآخرها، فابتداء البقرة بالإيمان بالغيب وذكر الكتب السماوية، وهكذا افتتاح آل عمران، وختم البقرة بأن

стр. 1027

النبي ومن معه قد آمنوا بالله وجميع الكتب السماوية، وختم آل عمران بمدح التفكر في خلق السماوات والأرض، وأن هؤلاء المفكرين يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣] فهنا آمنا وفي البقرة قالوا آمنا). ولنستمع إليه وهو يتحدث عن صلة سورة النساء بسورة آل عمران فهو يقول: (ولما كان ما ورد في آل عمران من أحوال الإسلام، لا يعدو في مجموعه جهاد الأعداء، ودفعهم عن الأوطان، والذب عن حياض الدولة وحراسة الملة، ناسب أن يؤتى عقبها بما يصون البلاد في داخلها، من القوانين المسنونة لصيانة الأموال والأعراض، ونظام الأسرات، من قسم التركات وحفظ الزوجات وتبيان المحرمات، وحفظ الأنفس من القتل، ونظام القضاة والقضايا والمحامين المدافعين عن المدعى عليهم، والصلح بين الأزواج، والصداق والشهادات وأداء الأمانات، وإغاثة المستضعفين، وما أشبه ذلك مما قرأته مجملًا وستعرفه مفصلًا، فكان تسميتها بالنساء أقرب، لأن المسألة ترجع إلى أمر الأسرات والأحوال المنزلية، وحفظ العائلات والنساء أس المنازل كما أن الرجال أساطين الحروب والأعمال الخارجية) (١). فلم يعرض هنا لما ذكره أكثر المفسرين، من أن سورة آل عمران فصل فيها ما أجمل في النساء كغزوة أحد وحمراء الأسد. د - رأي الشيخ في السحر وقصة هاروت وماروت: ليس غريبًا رأي الشيخ في السحر وبأن له حقيقة كما يقول الجمهور، ذلك لأن الشيخ يؤمن بما هو أشد من ذلك غرابة، وهي قضية الأرواح التي ذكرناها سابقًا، ولذا فهو لا يخرج عن رأي الجمهور فيما يتعلق بقصة هاروت وماروت، وأن الله

стр. 1028

أنزلهما ليعلما الناس السحر، كي يفرق بينه وبين المعجزة، وهذا القول ذكره الإمام الرازي في تفسيره، ونقله عنه المفسرون بعده، ولعل من المفيد أن نقتطف من تفسير الشيخ، ما له تعلق في هذا الموضوع: (مقصود القرآن الكريم، أن الأمم حين تتدهور في الهاوية، ترجع عقولها القهقرى وتأخذ في الدين إلى الوراء، وتتبع ما تملي عليهم الشياطين من الأنس والجن، فيكون الأستاذ هو الوسواس، والدجال هو الفقيه، ويذرون العلم والدين والأنبياء) (١). ويضرب مثالًا لطيفًا لتعليم الملكين السحر للناس حيث يقول: (نزلا في صورة رجلين، ليعلما الناس السحر، تفريقًا بينه وبين المعجزة، كما يتعلم رجال الجيش اليوم المواد الخانقة والمعمية وغيرها، ويؤمرون بكتمها دفاعًا عن حريتهم وعظمة دولهم، ولا يطلع عليها عامة الشعب، وهكذا المواد السمية يتعلمها الأطباء، ولكن يحرم عليهم استعمالها، أو إعطاؤها لأحد من الناس إلا في أحوال خاصة، وهؤلاء كذلك، حتى إذا جاء ساحر وادعى النبوة، عارضوه وكذبوه، وقد ظهر هذا بأجلى مظاهره في التنويم المغناطيسي في عصرنا، حتى إن الأمم الغربية حرمت العمل به إلا في الأعمال الجراحية، فإنهم رأوا أن الاستهواء وأخذ الألباب قد كثر في ديارهم) (٢). هـ - رأيه في يأجوج ومأجوج: وفي قصة يأجوج ومأجوج، يقسم الشيخ الدراسة عنهم إلى خمسة مباحث: الأول: في معنى لفظ يأجوج ومأجوج وأصلهم وجغرافية بلادهم، وينتهي من التحقيق إلى أنهم المغول والتتر، وبلادهم من التبت والصين إلى المتجمد

стр. 1029

الشمالي وإلى التركستان. الثاني: الكلام عن إفسادهم في الأرض، ويسرد مجموعة من الفظائع التي ارتكبها هؤلاء. الثالث: في معنى فتحت يأجوج ومأجوج (الواردة في الأنبياء)، وذكر خروجهم وتعيين زمنه وما يشهد له، ويذكر في ذلك أحاديث منها ما رواه البخاري عن زينب (أن رسول الله ﷺ ، دخل عليها يومًا فزعًا يقول -لا إله إلا الله، ويلٌ للعربِ من شرٍ قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من ردمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذا وحلَّق باصبعه الإبهام والتي تليها). ولقد اتسع ذلك الفتح من ذلك التاريخ إلى القرن السابع من الهجرة، حتى فتح عن آخره وخرج هؤلاء القوم. الرابع: في ذكر معنى (الحدب) لغة ومقارنته بكلام المؤرخين، والحدب ما ارتفع من الأرض، (وينسلون) أي يسرعون في النزول من الآكام والتلال، وهذه الحال منطبقة تمامًا على قوم جنكيز خان المتقدمين، فإنهم بإجماع المؤرخين كان خروجهم من هضبات آسيا الوسطى. الخامس: اقتراب الوعد الحق، والمقصود اقتراب يوم القيامة، كما قال في الكهف، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]، ولكن هذا لا يدلنا على أنه لا فاصل بينه وبين الساعة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقوله ﷺ : (بعثتُ أنا والساعة كهاتينِ، وأشار بالسبابة والوسطى). فالشيخ لا يقطع بشيء، لكنه لا يقف مكتوف اليدين ليردد العبارة المعهودة -الله أعلم بمراده- فهو يعمل فكره ويجتهد رأيه ويناقش ويستنتج. و- قصة ذي القرنين: لا يخرج الشيخ في تفسيره لهذه القصة، عما قاله بعض المفسرين، فهو يرى

стр. 1030

كغيره أن ذا القرنين ليس الإسكندر المكدوني، وإنما هو يماني حميري معللًا ذلك. وهذا الرأي نجده مفصلًا في تفسير النيسابوري، الذي كان اختصارًا لمفاتح الغيب للرازي، إلا أن الذي يعجبنا في كلام الشيخ هنا، والذي ينبغي أن ينوه به، لرد الحملات الشديدة على الشيخ، تعليقه على قصة ذي القرنين، لمعرفة أنه لم يخرج بتفسيره هذا، ليثبت أن القرآن كتاب علوم وتاريخ، لا بل هو يراه كما يراه علماء الإسلام، كتاب هداية، فليس تفسير الشيخ بدعًا من التفاسير من هذه الناحية، كما يحلو لبعضهم أن يصفه من بعيد، دون أن يكلف نفسه عناء الإطلاع على كتاب الشيخ وصراحته في مثل هذه المواقف. استمع إليه يقول: (لا يهم القرآن أي ذي القرنين هو المقصود المقدوني أو الحميري، فليست هذه من العقائد، وإنما هي نصائح تتلى للموعظة الحسنة، وليس القرآن جاءنا ليعلمنا تاريخ اليونان أو تاريخ الحميريين، القرآن أكبر من التاريخ العام ومن جميع العلوم ... ولن نماري في هذه القصة إلا مراءً ظاهرًا، ولن نستفتي فيها أحدًا من المؤرخين، فالقرآن لم يكن للتاريخ بل للعظة والاعتبار) (١). ز - الشيخ ومبهمات القرآن: نرى الشيخ في كثير من المواضع يحاول جاهدًا ألا يخرج عن الحد الذي رسمه القرآن في أمر المبهمات، ولا ليته سلك هذه الطريقة في جميع تفسيره، فها هو عند قوله تعالى في قصة آدم: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] يقول: (ونهى عن الاقتراب من شجرة لا يهم تعيينها للناس). وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] يقول: (هو الذي صفت نفسه من ظلمات الأرض، وتباعد عن الكبر والحسد والظلم ... الخ، سواء كان جبريل أو آصف أو سليمان نفسه، وسواء دعا بهذا الدعاء أو ذاك،

стр. 1031

فدع زيدًا يقول إن سليمان وجه نظره نحو اليمين، ودع عَمْرًا يقول خرَّ سليمان ساجدًا). وهكذا يبدي الشيخ الفهم الدقيق الذي ينم عن عقيدة قوية وفكر ثاقب. ولكن يا ليت الشيخ وقف عند هذا الحد، بل إنه انتقل إلى الفكرة التي تسيطر عليه، وهي مسألة الأرواح في كثير من مواضع التفسير. وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] يفسر هذه الآية تفسيرًا، يظهر منه وقوف الرجل عند الحدود التي وقف عندها القرآن، دون زيادة أو افراط، يقول: (إذا وجبت الحجة عليهم، أو إذا لم يرج صلاحهم بالطرق المعروفة، في آخر الزمان، أخرجنا لهم دابة من الأرض، وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال قبل ستًّا، طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان أو الدابة، وخويصة أحدكم وأمر العامة) (١). وورد فيه أيضًا (إن أول الآيات خروجًا، طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحىً. وأيتهما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها قريبًا). ولم يرد في الصحيح على ما أعلم، ما ذكر من صفاتها من أن معها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن وتخطم أنف الكافر بالخاتم) ... إلى أن يقول: (فكل ذلك لم أره في الصحيح، وإنما نعرف من صفاتها، ما ورد في الصحيح كما تقدم، فإنه لم يذكر إلا زمن مجيئها، ولم يرد في القرآن إلا هذه الآية) (٢). وهكذا نرى الشيخ هنا لم يخرج في تفسيره، لا عن صحيح المأثور، ولا عن قواعد اللغة، كما لم يحاول الخوض في تفسير هذه المبهمات.

стр. 1032

٥ - تساؤلات حول التفسير: وهنا نرى لزامًا علينا أن نعرض لبعض الأمور التي تدور حول الشيخ وتفسيره، ذلك أن هذا التفسير قد تباينت فيه آراء الباحثين بين مستحسن ومستنكر، ومعجب وقادح، لأنه جاء على غير ما ألفه الناس من التفاسير، وكان الوقت الذي صدر فيه مختلفًا عما قبله وبعده، فالمسلمون بين جامد على كل قديم، حتى هذا الذي لا يستند إلى نص صحيح أو رأي صريح، وبين منفتح على كل جديد نقله الأوروبيون، أو تلاميذهم المفتونون بهم، وجاء الشيخ طنطاوي بتفسيره محاولًا التوفيق بين القديم والحديث، معلنًا إعجابه ببضاعة الغرب، وتمسكه بحضارة الشرق، وربما أسرف في هذا الإعجاب من جهة، أو في تطبيق النصوص من جهة أخرى، لذلك كله كان ما كان حول هذا التفسير، وإذن فلا بد من طرح هذه الأسئلة، التي أحاول اختصارها في ثلاث: ١ - السؤال الأول: هل صحيح أن كتاب الشيخ في التفسير، فيه كل شيء إلا التفسير؟ ! . ٢ - السؤال الثاني: هل صحيح أن الشيخ طنطاوي فسر القرآن حسب نظريات العلم الحديثة، فأخضع بذلك القرآن إلى آراء لم تثبت ونظريات لم تنهض؟ ! . ٣ - السؤال الثالث: هل صحيح أن الشيخ طنطاوي أباح الربا والخنزير؟ ! . هذه أمور لا بد من أن نتبينها، مهما كان فيها من عناء في البحث، وذلك حتى لا يكون حكمنا على الرجل قاسطًا فيه شطط: ١ - هل في الجواهر كل شيء إلا التفسير ؟ أما السؤال الأول، فليس تفسير الشيخ طنطاوي، أول تفسير قيلت هذه المقالة فيه، بل رأينا تفسيرًا من قبله ببضعة قرون، هو من أجل التفاسير وأكثرها سعة قيلت

стр. 1033

فيه تلك المقالة كذلك، ألا وهو تفسير الإمام الرازي، وإن كان القائلون إنما هم المتطرفون من العلماء، كما نقل ذلك أبو حيان الأندلسي المصري، في الجزء الأول من بحره، عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ولكن لا ندري أصدرت هذه المقالة بالنسبة للجواهر من المتطرفين فقط، أم من بعض المعتدلين؟ وهذا الذي نرجحه، لأن بعض هؤلاء قد يكون أصدر حكمه لمجرد السماع فقط، وبعضهم الآخر قد يكون اطلع على فصل في أثناء التفسير، عند لطيفة من لطائف الشيخ، أو جوهرة أو زمردة أو ماسة أو ياقوتة، فظن أن هذا هو التفسير لا غير، لكن إذا أردنا أن ننصف الرجل، فلا بدَّ أن نغير هذه العبارة بأن نقول: (لقد جاء في كتاب الشيخ كل شيء مع التفسير، فنستبدل كلمة (إلا) بكلمة (مع)، ولا أحب هنا أن أنقل نماذج كثيرة بل أكتفي بمثالين اثنين، وليكن أحدهما مدنيًا من سورة البقرة، وليكن من آيات الأحكام كذلك وليكن الآخر مكيًا. أما المدني فهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. التفسير اللفظي: يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي شيء من العفو وإذن يكون بعض العفو كالعفو التام في إسقاط القصاص. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي فليكن اتباع بالمعروف، أي فلا يعنف ولي الدم في المطالبة. ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي وعلى القاتل أداء الدية إلى ولي الدم في غير مماطلة. ﴿ذَلِكَ﴾ الحكم المذكور، ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ لما فيه من التسهيل كما سيأتي في الإيضاح.

стр. 1034

﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي قتل بعد العفو وأخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي بقاء لأن القاتل إذا علم أنه إذا قتل قُتل، ترك القتل فيكون بذلك بقاؤه، وبقاء عشيرته وعشيرة الذي يريد قتله، لأنهم كانوا يقتتلون طول الحياة، لو أقدم على القتل. ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي ذوي العقول الكاملة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تنتهون عن القتل خوف القصاص. الإيضاح: كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله ﷺ فأمرهم أن يتباوأوا القصاص، من قص الأثر إذا تتبعه، فعلى ذلك يقتل القاتل، بمثل ما قتل به من سيف أو عصا أو شدخ رأس، وهذا قول الشافعي ومالك وأحد قولين عن أحمد، ومذهب الحنفية السيف، وليس في الآية من دليل على ما ذهب إليه مالك والشافعي ﵄، من امتناع قتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، وإنما الدليل ما ورد في السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد، ولا حر بعبد، وهكذا فعل الصحابة من غير نكير. وهذه الآية أفادت التخفيف على هذه الأمة، فلقد كان العفو عند النصارى، والقصاص. عند اليهود، وكان العرب تارة يوجبون القصاص، وأخرى يوجبون الدية، ومنهم من يبطش فيقتلون في الرجل رجالًا، وفي المرأة رجلًا، وفي العبد حرًّا. فجاءت هذه الآية بوضع القسطاس في الأرض، سوى الله بين الناس، وجعل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فلا يتجاوز عنه إلى ما تفعله العرب في الجاهلية، وما كان فوق ذلك المسلم والكافر والعبد والحر، فإنما هو محل

стр. 1035

الاجتهاد بين الأئمة رضوان الله عليهم، وهكذا أفادت أن العفو عن بعض الدم موجب بسقوط القصاص وللولي المطالبة بالدية، وعلى القاتل دفعها، وعلى ولي الدم، اتباع بالمعروف ومطالبة بلا عنف، وعلى القاتل وعائلته أداء إليه بإحسان، ولا جرم أن هذا تخفيف على الأمة ورحمة بها، وفتح باب للمسامحة والمساهلة، فلو قتل ولي الدم، القاتل بعد أن أخذ الدية فله عذاب أليم، في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، إن القصاص حياة وإبقاء للأجسام والأرواح. ألا ترى أن الاضطراب ما ولج في أمة إلا أنزلها من شاهق، وأحل بها العذاب الهون، عامًا لكل من دنت وفاته، وحضرت منيته، وجاءت ساعته، فقال: المقصد الثاك: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]. وبهذا ندرك أن الشيخ يذكر، ما لا بد من فهمه في التفسير، كما أنه لم يهمل آراء الفقهاء والأئمة، وهذا نجده في جميع آيات الأحكام، كآية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وآية الصوم وآية الوصية، وغيرهما، كما أنه يبين ما بين الآيات من صلة وربط كما رأينا في هذا المثال، إلا أنه يتشعب كثيرًا عند ذكر لطائفه. أما المثال الثاني المكي، فهو من سورة هود ، عند تفسير قوله تعالى ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] يقول: (قال تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ النبأ مبتدأ خبره ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ أي بعضها باق وبعضها عافى الأثر، كالزرع القائم على ساق والذي حصد، وهذه الجملة مستأنفة. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكنا إياهم، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا، وذلك لما جبلت نفوسهم عليه من النقص، الذي هو نتائج أسباب خافية وظاهرة، في هذا العالم الذي فطر على الخير والشر، ولكن الشر جاء عرضًا، ولا يترك الخير الكثير، للشر القليل ككفل هؤلاء، فلا بد من نفاذ أمرنا، لأن تلك هي حقائق الوجود الثابتة، التي تعلق علمنا بها، فهكذا علمنا وهكذا خلقنا، وهكذا

стр. 1036

رتبنا ونظمنا المخلوقات، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فما نفعتهم ولا دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ولما منصوب بما أغنت، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تخسير، يقال (تب) إذا خسر، وتببه غيره ... أوقعه في الخسران أي ما دفعت عنهم عبادة غير الله شيئًا، بل أهلكتهم. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي ومثل ذلك الأخذ، ومحل الكاف الرفع ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ أي أهلها، ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ حال من القرى، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ مؤلم صعب على المأخوذ، هذا تحذير لكل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرهم، فليبادر الظالمون بالتوبة، ولا يغرهم الإمهال. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما قصّه من قصص الأمم الهالكة، في هذه وفي غيرها ومن السور، ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة، ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي اعتقد صحة وجوده، فأما من يرى أن العالم لا فاعل له، وإنما هي ذرات تتكون وتنحل، فلا يقول بحساب ولا عقاب، فليس لهذا عبرة عنده. ﴿ذَلِكَ﴾ أي يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، أي يجمع له الناس لا محالة، والناس ينفكون عنه، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، أي مشهود فيه أهل السماوات والأرضين، وقد اتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به، وليس المقصود أن اليوم مشهود في نفسه، وإلا لبطل الغرض من تعظيم اليوم بتمييزه، فإن سائر الأيام مشهودة. ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي اليوم، ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها، وعلى منتهاها. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بحذف الياء وإثباتها (يأتي)، والحذف في مثل هذا كثير في لغة هذيل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]، والفاعل ضمير يرجع إلى قوله: ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي لا يشفع أحد إلا بإذن الله، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من أهل الموقف وهم الناس المذكورون، في قوله ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ

стр. 1037

النَّاسُ﴾ ﴿شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ فمنهم معذب، ومنهم منعم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ هو أول نهيق الحمار. ﴿وَشَهِيقٌ﴾ هو آخره، أو هما إخراج النفس ورده، والجملة حال، والعامل هو الاستقرار المقدر في النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مقدرة، و ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي مدة دوام السماوات والأرض، وذلك للتأبيد ونفي الانقطاع، كما تقول العرب: ما لاح كوكب -والمقصود التأبيد ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هو استثناء من الخلود في النار، وكذلك أهل الجنة يتصلون بجانب القدس، وبرضوان الله، وهذا أعلى من الجنة، أو ما شاء بمعنى من شاء، وهم قوم يقال لهم الجهنميون، يخرجون من النار أيامًا، فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد، ولا سعدوا سعادة من لم تمسه النار، هكذا روى ابن عباس والضحاك وقتادة، وهؤلاء هم فساق الموحدين، وقيل إن ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى سوى، والمعنى سوى ما شاء ربك، من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض، فالاستثناء راجع إما: ١ - لنوع العذاب كما يرجع النعيم فيما سيأتي. فالمقصود أنهم ينقلون من عذاب إلى عذاب، كما أن أهل الجنة ينقلون من نعيم إلى نعيم. ٢ - أو لنفس المعذبين، فمنهم من لا يخلد في أحدهما، كأهل المعاصي الموحدين. ٣ - أو للمدة التي تزيد على زمن السماوات والأرض التي نشاهدها، وتكون (إلَّا) بمعنى غير. ٤ - وهناك وجه رابع وهو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ، فليسوا في جهنم ما داموا فيها، والاستثناء إذن من أصل الحكم. ٥ - وقيل الشهيق والزفير هما المقيدان بتلك المشيئة لا الخلود، فالزفير والشهيق دائمان إلا في أوقات يعلمها الله.

стр. 1038

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ من غير اعتراض، لأنه على الحكمة العامة في العالم، وليس للناس ما يؤهلهم للوقوف على تلك الحقائق كاملة. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، وقد تقدم أنهم موحدون عاصون، لا يدخلون الجنة إلا بعد العذاب إذا كانت (ما) بمعنى من، أو أنهم ينالون، ما هو أعظم من الجنة، وهو رؤية الله تعالى ورضوانه ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، غير مقطوع، فهذا الثواب لا ينقطع. ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ أي فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص، في سوء عاقبة عباداتهم، وأنهم آيلون إلى الهلاك، ومن تبعهم غير ناجين في الدنيا والآخرة، وهذا وعده بالانتقام منهم، ووعيد لهم، وتسلية للنبي ﷺ ، ولكل من سار على قدمه من المؤمنين، وأن الله ناصره وناصرهم وخاذل أعدائه وأعدائهم، كما جربناه في هذه الحياة مرارًا، وهم ما يعبدون إلا كما عبد آباؤهم من قبل، وقد قصصنا عليك ما نزل بآبائهم فسيلحقهم مثله، فإن المشابهة في الأسباب تستدعي المشابهة في المسببات، وقوله ﴿إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ أي كما كان يعبد آباؤهم، وهذا قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ﴾ إلى قوله ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من العذاب ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾، حال من النصيب لتقييد التوفية، دفعًا لما يحتمل أن التوفية تكون للبعض مجازًا. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فآمن قوم وكفر قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي كلمة الإنظار إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين قوم موسى وقومك بالعذاب المستأصل، ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وإن كفار قومك ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾، من القرآن ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع الريبة. ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ وإن كل المختلفين المؤمنين والكافرين، ﴿لَمَّا﴾ إلا والله ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالهُمْ﴾ (وقرئ) (لَمَا) بالتخفيف، فاللام إذن موطئة للقسم، والثانية للتأكيد، و (ما) زائدة للفصل بينهما، ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يخفى عليه شيء.

стр. 1039

ولما أبان الله في هذه السورة، كيف كانت عاقبة العاصين، وخاتمة الصالحين، أمر نبيه ﷺ ومن اتبعه، قائلًا ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي استقم على دين ربك والعمل به، والدعاء إليه كما أمرك ربك، أي دم على ما أنت عليه من الاستقامة ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ من الشرك والكفر، وهو عطف على ضمير الرفع في استقم ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ ولا تخرجوا عما حد لكم، أو لا تغلوا في الدين، فتتجاوزوا ما أمرتكم به ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه، وهذا في معنى التعليل للأمر والنهي، قال ابن عباس ما نزلت آية على رسول الله ﷺ ، هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: (شيبتني هود وأخواتها). ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، ولا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، والميل بالقلب إليهم، وطاعتهم ومداهنتهم، وتكثير سوادهم والرضا بأعمالهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي فتصيبكم النار بحرها، كما يحصل اليوم في الأقطار الإسلامية، من التشبه بالفرنجة، وتقليدهم ومداهنتهم، والتزي بزيهم واحترام تجارتهم وآرائهم وأخلاقهم، وفسوق الفاسقين منهم، فلذلك حكم الله على أكثر الأقطار الإسلامية، أن يصيبها نار الاستعباد في الدنيا، والذل والفقر والاحتلال والاختلال، والنذالة والضعف والجبن والخوف، وهذه مقدمة لعذاب جهنم ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]. وقد بينا في هذا التفسير، في مواضع كثيرة، أن الفرنجة ضحكوا على ذقون الشرقيين الغافلين، وألبسوهم ثوب المذلة والعار، ومزقوهم شر ممزق، وكل ذلك لأنهم ركنوا إليهم وصدقوهم، ولقد قدمت أنهم أشبه بالمسيح الدجال، فإنهم يظهرون جنة اللذات، ويخفون نار الاستعباد وقد ركن كثير من الأمراء إلى نار شهوات المال، الذي يعطونه لهم، أو الألقاب الحقيرة الكاذبة التي يسمونهم بها، أو الوسامات التي يعلقونها على صدورهم، فأوقعوهم في نار الاستعباد والمذلة

стр. 1040

والخزي المبين، هذا كله سر هذه الآية، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ من أنصار، يمنعون العذاب عنكم، والاستعباد والاختلال واستنزاف الثروة وحلول الفقر بكم في الدنيا، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي ثم لا تجدون لكم من ينصركم ويخلصهم من عقاب الله، أي عذاب يوم القيامة، وفي الدنيا الذي هو مقدمة لعذاب الآخرة وفيه وعيد لمن ركن إلى الظلمة أو رضي بأعمالهم. ومن عجيب الأمر أن النبي ﷺ يقول: (شيبتني هود وأخواتها) ولعمرك ما شيبته هود وأخواتها، إلا لما في هذه السورة من العذاب، الذي حاق بالأمة الإسلامية أسوة بالأمم الأخرى) (١). أفبعد هذا يمكننا أن ندّعي بأن تفسير الشيخ طنطاوي ليس فيه شيء من التفسير! إنه لإجحاف وظلم أن نقول مثل هذا، وقد رأيناه لا يهمل في كثير من الأحيان الأمور الاصطلاحية كإعراب بعض الآيات. ٢ - هل أخضع القرآن للنظريات الحديثة: أما السؤال الثاني، وهو هل فسّر الشيخ طنطاوي القرآن حسب النظريات الحديثة، مخضعًا إياه لهذه النظريات مهما تكلف لذلك؟ . إن من الخير أن نأتي بكلام الشيخ طنطاوي نفسه، للإجابة عن هذا السؤال، يقول ﵀: (حاشا لله أن أؤيد قديمًا أو حديثًا، وإنما القرآن طبقناه على المذهب القديم، ثم ظهر بطلان ذلك المذهب وجاء الحديث، فوجدناه أقرب إليه، وإلا فهو أعلى منهما وأعظم، وما يدرينا أن يكون هناك مذاهب ستحدث في المستقبل، فهل القرآن كرة طرحت تتلقفها رجل رجل! كلا، إنما هذا التطبيق الذي ذكرته، ليطمئن قلب المسلم، وليعلم أن عمل الله وصنعه لا ينافي كلامه، فالتطبيق للاطمئنان) (٢).

стр. 1041

ولعل من الخير بعد هذا النص، أن ننظر في تفسير بعض الآيات التي يغلب الظن بأن الشيخ قد خرج فيها عن خطها الصحيح، وأخضعها لنظريات العلم، وأعني بها تلك الآيات التي يحلو للكثيرين، أن يستدلوا بها على أمور كونية خاصة: ١ - فها هو في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. يقول: (يقول الله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أو لم يعلموا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾، ذواتي رتق أو مرتوقتين، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي ملتحمتين متصلتين، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ففصلناهما وأزلنا اتحادهما، كما ثبت من أهل أوروبا في هذه العصور، إذ هم الذين قرروا هذا العلم، وقالوا إن الشمس كانت كرة تشبه بالنار، دائرة ملايين من السنين، والأرض والسيارات وتوابعها كانت معها، ثم إن أرضنا انفصلت كما انفصل غيرها من السيارات، انفصلن جميعًا من خط الاستواء الشمسي أثناء سرعة سير الشمس وجريها حول نفسها، فتباعدت أرضنا والأرضون الأخرى) ... إلى أن يقول: (وهذا هو القول المشهور الآن في العالم الأوروبي، الكافر بسيدنا محمد ﷺ جهلًا به، فقوله تعالى على سبيل الاستفهام (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض، كانتا رتقا ففتقناهما .. ). من المعجزات، لأن هذا العلم لم يعرف عند العرب، ولا عند الأمم المعاصرين لهم، إنما عرف في عصرنا الحاضر). ٢ - يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٣ - ٤٤]. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ يقول ألم تر أن الله يسوق سحابًا، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ

стр. 1042

بَيْنَهُ﴾ أي يضم بعضه إلى بعض، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ متراكبًا بعضه فوق بعض ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ من فتوقه، جمع خلل كجبال ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الغمام، وكل ما علاك فهو سماء ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾، من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها وألوانها، ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ (من) للتبعيض، واللتان قبلهما للابتداء، أن أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها، وذلك أن الأبخرة إذا تصاعدت وبلغت الطبقة الباردة من الهواء، فقوي البرد هناك، اجتمعت وصارت سحابًا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرًا، وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها، نزل ثلجًا وإلا نزل بردًا، وقد يبرد الهواء بما فيه من البخار بردًا مفرطًا، فينقبض وينعقد بخاره سحابًا، وينزل منه المطر والثلج، وهذا المقام قد أوضحته في سورة الرعد، وسيتضح قريبًا ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بالبرد ﴿مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ ضوء برقه ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة، وذلك من العجائب أن السحاب الذي ضرب به المثل في تقوية الظلمة، يكون منه نور يكاد يذهب بالأبصار، فبهذا قد اشتق النور من الظلام، والهداية من الضلال، فالسحاب الذي ذكر مثلًا لظلمة أعمال الكافرين، أضاء الجو بنوره وأشرق في سائر الأقطار، وكاد يخطف الأبصار، ولذلك أعقبه بما هو من قبيله فقال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، وبأن ينقص من أحدهما ما زاد في الآخر، ويتغير أحوالهما نورًا وظلمة وحرًا وبردًا وغير ذلك، كما كان السحاب ظلمة واشتق منه نور البرق الذي يبهر الأبصار ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لدلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله وحكمته) (١). ٣ - وكذلك يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون﴾ [النمل: ٨٨].

стр. 1043

﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ قائمة واقفة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتسوى بها، وذلك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد، لا يكاد يتبين حركتها ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لنفسه، وهو مضمون الجملة المتقدمة ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي أحكم خلقه وسواه ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ عليم ببواطن الأفعال وظواهرها وهو المجازي عليها) (١). هذا هو تفسيره لهذه الآية، وهو كما نرى ليس فيه خروج عن المألوف، ولا مخالفة لما هو معروف. ولكننا حينما نعرض للطائفة التي يذكرها عقب التفسير اللفظي، والتي يبث فيها أفكاره وخواطره حينًا، وآلامه وآماله حينًا، وخيالاته ورمزيته حينًا آخر نجده يقول ضمن لطيفة خصصها لتلك الآية: (لأبين لك هذه اللطيفة العجيبة من عجائب القرآن، وهي أن هذه الآية بديعة الوضع محكمة الصنع، فإن التفسير المتقدم يناسب المتقدمين من الأمة الإسلامية، وإذا فسرت بأن الأرض دائرة حول الشمس، والجبال بالطبع سائرة معها، نراها الآن جامدة، وهي في الحقيقة جارية جريًا سريعًا جدًّا، فإن ذلك يناسب قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهذا هو الإتقان، وإلا فالقيامة تخريب للعالم، والإتقان يناسب هذا التفسير) (٢). (ثم يذكر ضمن حكاية طويلة بأن الآية تحتمل هذين المعنيين، فإذا نظرنا إلى ما تقدمها من النفخ والفزع، ناسب إيراد المعنى الأول، وإذا نظرنا إلى نهايتها، ناسب المعنى الثاني، ثم يقول: (وإني لأعجب من هذا الوضع المتقن في الآيات، وكيف ناسب صدرها صدر هذه الأمة، وعجزها متأخريها أي

стр. 1044

العصريين ... ولعمري هذه الحكمة العجيبة، جعل نظام كلامه كنظام فعله، فما أتقن الفعل وما أحسن القول) (١). وهنا نجد الشيخ يرى هذا وأمثاله هو الإعجاز الذي هو بحاجة إلى أن يتبينه العلماء ويبينوه، يقول: (وعندي أن هذا وأمثاله هو الإعجاز، والحكم، لا التاكيد بإنَّ ولا الجناس والطباق ولا غيرها، ألا فليتق الله العلماء، وليبينوا للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (٢). ٤ - وفي قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] يقول: ١ - يوم شدة ومجاعة فتقل الأمطار وبقلتها يظلم الهواء ويكثر الغبار. ٢ - أو يأتي شر غالب يعبر عنه العرب بلفظ دخان. ٣ - أو أن الجائع يخيل له أن بينه وبين السماء دُخانًا، ولقد قحط العرب حتى أكلوا جوف الكلاب وعظامها. ٤ - أو هو دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت سابقًا، وقد جاء في الحرب الكبرى التي بدأت سنة ١٩١٤ ميلادية، فإن الدخان كان فيها من أعظم الآلات الحربية) (٣). يتضح لنا من تفسير هذه الآيات الكريمة، أن المفسر الفاضل ليس شغوفًا بالخروج بظاهر القرآن عن صحيح المأثور ومقتضيات اللغة، وإنما كل حرصه أن يبين إعجاز القرآن العلمي، لمن خدعتهم المدنية الغربية، نعم ما ذكره في الآية الأولى ورد غيره عن ابن عباس ﵄، كما تقدم من قبل وسبق حديثنا

стр. 1045

عنه، أما الآية الثانية فنرى أنها على ظاهرها، وقد أبقاها كذلك، وجاء في تفسير الآية الثالثة بما قاله المفسرون، إلا أنه في لطائفه، ذكر وجها آخر تحتمله الآية كما يقول، وفي الآية الأخيرة أتى باقوال لا تخالف المأثور، اللهم إلا إذا اعتمدنا تفسير ابن مسعود للآية (١). وإذن فليس تفسير الشيخ طنطاوي في معظمه، كما ادعي عليه ووصم به، من أنه خروج بالقرآن عن الظاهر والمأثور، ولكنه كان مولعًا بمشاهد الكون البديع صنع الله فيه، مشغوفًا بالبحث عن الأسرار في هذا الكون والحياة والإنسان، وهذا الذي ملك عليه لبه كما يرى القارى، لتفسيره في مواضع كثيرة، فهو يقول مثلًا: (انظروا ما جاء في القرآن من الأدلة وأنواع التشبيهات، تروها تميل نحو المشاهدات وعلوم الطبيعة: ١ - فإن أمر بالعبادة، قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]. ٢ - وإن استدل على التوحيد قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ٣ - وإن طلب منا الشكر قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ [النحل: ١٤]. ٤ - وإن ذكر الإخلاص جعله كالجنات سقاها الغيث .. الخ الأمثال والدلالات فاعجب بعد ذلك أن ترى هذه الأمة نام علماؤها وقتلها وعاظها، أمة الإسلام هي الأمة التي أمرت أن تكون المزارع درسها، والحدائق علمها والشمس والقمر والنجوم والجال والأنهار آياتها، وما أصدق الشعراني إمام التصوف حيث قال: إن الإسلام في أول الزمان يكون شريعة، ثم في آخر الزمان يكون حقيقة -والحقيقة هي الأنفس والآفاق والنظر في هذه العجائب من شمس وقمر ونبات).

стр. 1046

٣ - الربا ولحم الخنزير: ولنأت بعد هذا إلى السؤال الأخير حول ما رمي به الشيخ من إباحة للربا ولحم الخنزير، فقد كانت هذه المسألة مثار نقاش ومشادة عنيفة وجدل قوي، وكان الذي أثارها الشيخ مصطفى الحمامي على صفحات مجلة (الفتح)، التي كان يصدرها الأستاذ محب الدين الخطيب ﵀، فلقد نقل الشيخ مصطفى من تفسير الجواهر، ما يستدل به على أن الشيخ طنطاوي، قد أباح الربا ولحم الخنزير، ولنبدأ بالكلام عن مسألة الربا. يقول الشيخ طنطاوي في تفسير سورة الكهف: (وهنا ننظر ونقول: الربا حرام ولكن هذا الحرام جعل سببًا في تخريب بلاد الإسلام، ولو أن الربا أخذ لدولتنا، وسدت به ديون دولتنا للإفرنجة، الذين يحيطون بنا، لكان ذلك واجبًا لا جائزًا فقط، ولو أن الربا أخذ منهم وأعطي للفقراء والمساكين، والذين لا يجدون صناعة يعيشون بها، فيشترى بها آلات للزراعة مثلًا، لكان ذلك من باب الاضطرار في المسألتين، فهذا اضطرار يبيح المحظور مؤقتًا. ويرد الشيخ مصطفى على هذا بقوله: (فهذا رجل مسلم مفسر، يرضى لنفسه أن يقرر أنَّ اجتناب هذا الربا الحرام، كان سببًا لخراب بلاد المسلمين، ويصرخ بأعلى صوته، بوجوب أخذه لا جوازه فقط لسد ديوننا، وهذا الكلام ككلام ذلك الأجنبي تمامًا، الذي فهم أن الإسلام حلل الربا، لأن الضرورات تبيح المحظورات). ويبين الشيخ طنطاوي وجهة نظره في خطاب أرسله إلى الأستاذ محب الدين الخطيب، لينشره في مجلة (الفتح) يقول فيه - (لقد اطلعت على ما ذكره صديقنا الشيخ الحمامي، اعتراضًا علي في مجلتكم الغراء، وأقول- معلوم أن حكومتنا إسلامية، وأن الزكاة واجبة، وأن الناس يودعون أموالهم في مصارف أجنبية والأجانب يتولون ربحها في التجارة والمكاسب ... لذلك تألمت من ذلك كل

стр. 1047

الألم، ومعلوم أن هذا الربح محرّم على صاحب المال دينًا، وعلى صاحب المصرف قانونًا. فإذن هو حق للحكومة ... الخ) (١). ومع أننا على يقين من أن الشيخ طنطاوي، لا يمكن أن يبيح الربا مطلقًا، إلا أن له وجهة نظر فيما يتعلق بالمصارف الأجنبية، ومع أنه ليس هناك مجال بحث هذه المسألة، إلا أن ما يقِفُنَا في هذه الأمور، هو ما نقوم به من عملية الترقيع في نظام. حياتنا من الإسلام تارة ومن غيره أخرى، مع أن الإسلام كل لا يمكن تجزئته. أما مسألة لحم الخنزير، فينقل الشيخ الحمامي عن تفسير الجواهر في سورة الأعلى (إن لحم الخنزير إذا طبخ وبولغ في نضجه، حتى ماتت الديدان التي به، يحل أكله). وهذه لو صحت عن الشيخ، فإنها لإحدى الكبر. ولنستمع إلى ما يقوله الشيخ في المجلة المذكورة: ( ... ومنها الحشرة التي في لحم الخنزير، فهي من عجائب صنع الله، وهناك كلام للفرنجي جاء عرضًا، إذ يقول: (إنهم يأكلون هذا اللحم، بعد طبخه طبخًا قويًّا وليس هناك (كلمة)، يحل التي ذكرها صديقنا الحمامي، بل لو قال الفرنجي (يحل) لم يكن ذلك منسوبًا إلينا فكيف وهو لم يقل ذلك ... على أني أقول بأوضح مما تقدم، إن الفاضل مدير مجلة الفتح وقرّاءَه، سيدهشون أشد الدهش إذا أعلمتهم، أن في نفس الصفحة التي رسمت فيها الدودة ما نصه: (ثم قال المؤلف (أي الفرنجي) إن في دراسة تاريخ الحشرة الشريطية، علمًا ونورًا مبينًا يوجب علينا أن نحترس كل الاحتراس، من أجل ما لا يوافق الصحة من لحم الخنزير -الحمد لله أن الإسلام حرمه علينا فلسنا بحاجة إلى هذه النصيحة- إذن صديقي قوّلني ما لم أقل، وقال فيما نصصت على تحريمه صريحًا، إنني حلّلته صريحًا). وعلى رغم هذا الرد الحاسم، فقد استمر الجدل الصاخب والعتاب العنيف على صفحات المجلة، والذي ظهر أن الشيخ الحمامي كان واهمًا في نقل كلمة

стр. 1048

الإفرنجي، ونسبتها للشيخ طنطاوي، وإذًا فالشيخ سليم العقيدة ملتزم بحدود الشرع وآدابه خالٍ تفسيره من مثل هذه الأمور. ٦ - قيمة تفسير الجواهر: بعد هذا الشوط الذي سرناه مع الشيخ في تفسيره، نرى لزامًا علينا أن نقوّم هذا التفسير. مما لا مرية فيه أنه ما من كتاب أعطي حظًّا من البحث، ووجهت له تلك العناية على مدى العصور كالقرآن الكريم، ومع ذلك فهو لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء، وعلم التفسير من العلوم التي لم تنضج بعد، ولم تحترق كما يقول العلماء، ومما لا مرية فيه كذلك، أن اتصال الأمة الإسلامية -وهي ضعيفة ممزقة- بالحضارة الغربية، جعلها تستحسن وتستملحُ كل حصادها، دون بحث أو تمحيص، فلقد أحس الكثيرون بهزيمة داخلية في أنفسهم، أمام الضغط عليهم من جهة، وتخطيط أعدائهم من جهة أخرى. ولقد نتج عن ذلك أن نفض هؤلاء أيديهم من كل ما يربطهم بتراثهم الخالد. فكانوا أشد عداء للإسلام، وأكثر خطرًا على هذه الأمة من أعدائها أنفسهم. ولكن فئة أخرى ممن حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وكانوا راشدين، جندوا أنفسهم وأقلامهم وأفكارهم للذب عن حياض الإسلام، ولا سيما كتاب الله العزيز، الذي كان هدفًا لسهام المارقين مستغربين ومستشرقين، وكان كثير من هذه الفئة، يحاولون جاهدين التوفيق بين هذا القرآن وبين حصاد المدنية الأوروبية، وبدافع الإخلاص لعقيدتهم والذب عن كتابهم، ولقد كان مفسرنا ﵀ في طليعة تلك الفئة الخيرة، وكان موسوعة في علوم الحياة المختلفة، أخذ من كل علم حظًّا وافرًا، فانعكس ذلك كله على تفسيره، فجاء دائرة معارف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كان تعبيرًا صادقًا عما ذكرناه من محاولة التوفيق.

стр. 1049

وعلى رغم أننا لا نشك فيما ينطوي عليه قلب الشيخ طنطاوي ﵀، من عقيدة راسخة ونية صادقة وهدفٍ نبيلٍ وغاية شريفة، إلا أن ذلك لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات على التفسير، مما نعتقد أنها كانت منزلقات خطيرة: ١ - وأخطر هذه المنزلقات، ما بثه الشيخ في ثنايا تفسيره من حديث عن تحضير الأرواح، ويا ليته اكتفى بذلك، بل حاول أن يثبت صلة بين القرآن وبين هذا الذي يسميه علمًا، فلقد أسرف الشيخ في ذلك كثيرًا، وما كنا نظن أن مثل الشيخ ثقافة وعلمًا وإيمانًا، يمكن أن تنطلي عليه مثل هذه الخدع الباطلة. ٢ - كذلك يؤخذ على الشيخ، ما يلمحه الإنسان في ثنايا تفسيره من إيمان ببعض أقوال رجال الفكر الغربيين، حتى إنه ليقرن ذكرهم مع القرآن، كما ذكرت في بعض شواهده من قبل. ٣ - كما يؤخذ عليه إكثاره من بث الصور في تفسيره. ٤ - ولقد دهشت كثيرًا وأنا أقرأ للشيخ في الجزء الحادي عشر (١)، بحثًا عن كيفية اتحاد المسلمين، يزعم فيه أن المسلمين على اختلاف بلادهم وفرقهم، إنما فرقهم انحصار عقولهم في علم التوحيد والعلوم الفقهية، وأنهم يمكن أن يتحدوا، إذا درسوا العلوم الحديثة، كعلم التشريح وعلم النفس والنبات والحيوان والكيمياء، وهذه العلوم يمكن أن توحد لا بين المسلمين فحسب، بل بينهم وبين غيرهم من الأمم كذلك، وذلك لأن ما بينهم من خلاف ديني، إنما هو يسير جدًّا، إذا قيس بالعلوم الأخرى التي ذكرها، والتي لا يختلف فيها الناس، ولا أدري كيف نسي المفسر الفاضل، أن هذه الأمة لا يوحد بينها إلا الإسلام، ولا تجمعها إلا العقيدة، ولقد توحدت في يوم لم يكن لديها فيه علم من هذه العلوم، وإنما كانت تملك الإسلام وحده، وكان الإسلام يملك عليها كل شيء، وأن هذه العلوم قد كانت في كثير من الأحيان، سببًا في شقاء

стр. 1050

الإنسان، وستبقى كذلك ما دامت بعيدة عن هدى السماء ومدنية القرآن. ورحمه الله شوقي: كانوا ذئابًا وكان الجهل داءهم ... واليوم علمهم الراقي هو الداء ٥ - ومما يؤخذ على التفسير أيضًا، كثرة الاستطرادات والتفريعات التي من الممكن أن تحذف أو تختصر. ولعل من المفيد أن نذكر بعض ملاحظات على التفسير سجلها الشيخ الحمامي في مجلة (الفتح). ١ - التسابيح والتحميد في القرآن لغز الوجود (١): مما يقوله الشيخ طنطاوي تحت هذا العنوان - (فإذا قيل لهم -أي المجوس- من صنع العقارب والحيات، ومن الذي يأتي بالأمراض والموت؟ فلا جواب لهم إلا أن يقولوا، إله الشر، وقد فروا بذلك من إله رحيم، يصبح فاعلًا للشر، وانتهى الأمر عندهم على ذلك، إن الناس قديمًا وحديثًا لا يعقلون إلهًا رحيمًا، ثم هو يخلق الشر، فهذه العقدة حلها دين المجرس بهذا الحل (فيعلق عليه بقوله) فهل ترضى أنت أن يقول هذا الكلام أحد إخوانك المسلمين، دون أن تتعقبه بكلمة واحدة تستهجنه، وتظهر بطلانه؟ ألست ترى أن هذه اللهجة لهجة الاستحسان، لما عليه المجوس والاعتراض على من يقول بالتوحيد، ويصف ربنا بالرحمة ثم يصفه بخلق الشر). ٢ - تفصيل الكلام على الارتداد وعبادة الأصنام: يقول الشيخ طنطاوي بعد أن ذكر قدم عبادة الأصنام، وعدد أمما تعبدها (هل يعقل أن أمرًا تأباه العقول، وينقضه العقل، وهو بديهي البطلان، يبقى مع طول الزمان وفناء الأجيال، ويعمر في الأرض، ويبقى هكذا إلى يوم العرض؟ هل يعقل

стр. 1051

أن يكون هذا الإنسان قد بلغ من البلاهة حدًّا، بحيث لا يعرف أن هذا الحجر الذي نحت من الجبل، لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما، ولم يخلق أنفسنا، ونحن الذين أوجدناه وهندسناه وأبرزناه، إن العقل يأبى أن يصدق أن هذه الأمم العظيمة الكبيرة، الحكيم علماؤها، تبقى مخدوعة هكذا آلاف السنين، إذن لا بد أن يكون هناك أصول رجعت إليها، وعوامل عولت عليها وأحوال فقهتها، حتى بقيت تلك الديانات فيها، وهل يدوم ما لا أصل له، وهل للخداع ثبات؟ (١)، ثم ينقل كلامًا عن الرازي للجواب عن هذا التساؤل. فيعقب الشيخ الحمامي على ذلك ويسأل ما إذا كان القارئ سيفهم أن طنطاوي يدافع عن المشركين بهذا الكلام، ولوجه صحة إشراكهم. ٣ - هل الأخلاق الفاسدة وإغواء الشياطين رحمة (٢): يقول الشيخ طنطاوي (إن ما في الأرض من الأخلاق الفاسدة، وإغواء الشياطين الأرضية، كل ذلك رحمة، لأنه لولاه لم تحتمل العقول شموس المعارف العلمية، التي تستعد لها النفوس الأرضية بفطرتها). ويعقب الشيخ الحمامي على ذلك بقوله، (إن هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، ثم يذكر المفسر بقول الشافعي ﵁: شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأنَّ العلمَ نورٌ ... ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصي وهناك ملحوظات أخرى لا أريد التطرق لها خشية الإطالة، ولأنها إنما جاءت من استرسال الأسلوب، وعدم وضوح العبارة في بعض الأحيان. وأكتفي بما ذكرت عن الشيخ وتفسيره، ولعلي أكون قد أعطيت صورة واضحة الرؤية، غير مجانبة للإنصاف في تلك النبذ التي كتبتها، والتي حتم اختصارها

стр. 1052

المجال الذي أكتب فيه. ومهما يكن من أمر، وعلى الرغم مما تعرض له تفسير الشيخ طنطاوي، من هزات وما أثير حوله من جدل، فإنه كان ولا يزال مدرسة جديدة ومفيدة، وبخاصة للشباب المسلم في هذا العصر، وكان لها روادها وتلاميذها الكثيرون، الذين أفادوا منها، كما ظهر ذلك في كتاباتهم ومؤلفاتهم. ألا رحم الله الشيخ طنطاوي جوهري، وجزاه عن صنيعه كل خير، وجعل له من صدق نيته مقعد صدق عند مليك مقتدر، ونرجو الله تعالى أن يحقق آماله التي كان يترقبها لهذه الأمة.

стр. 1053

الفصل الثالث المدرسة التربوية الوجدانية كان سيّد قطب ﵀ أكثر المفسرين التزامًا بآراء جمهور العلماء فلم يسمح لنفسه ولا لقلمه أن يسير وراء النظريات العلمية في تفسيره بل كان يحكّم النص ويجعله الأساس الذي لا ينبغي أن يعدل عنه كما أنه ﵀ لم يرخِ العنان للعقل فيجعله قسيمًا للوحي ولكنه وقف موقف الناقد البصير من المدرسة العقلية والعلمية، فلقد كان للظلال مميزات (١) لا تتصل بالآراء العلمية والعقلية وإنما هي مميزات جوهرية تميزه عن جميع التفاسير، ذلك أن الطابع التربوي الوجداني والفقه الصحيح -أعني به الفقه الحركي للدعوة الإسلامية منذ نزول القرآن- من أهم ما قصده الرجل وهو يكتب، لذا أحببت أن أفرد له مدرسة خاصة به. كان ظلال القرآن نسيج وحده من حيث تناوله تفسير القرآن الكريم، فلقد كان (في ظلال القرآن) نفثات صدر، وخوالج نفس، وصرخة فؤاد يحس قارِئُه أنه عصارة قلب، جمعت بين الألم والأمل، وهو جهد بشري يعتريه ما يعتري جهود البشر، وكما كان (في ظلال القرآن) نسيج وحده من تلك الحيثية السابقة، كان نسيج وحده كذلك من حيث الأسلوب، وهناك حيثية غير هاتين، فلقد كان أكثر

стр. 1054

التفاسير التي تباينت منها مواقف النقّاد، فعلى حين رأى فيه الكثيرون بغيتهم، ومحط آمالهم، والضالة التي كانوا يبحثون عنها بكل لهفة، فوجدوها في (في ظلال القرآن)، وجدنا آخرين يوجهون إليه سهامهم المسمومة، ونقدهم اللاذع سواء أكان ذلك للتفسير نفسه أم لشخص كاتبه ﵀ ولن نستبق الحكم على ما ذهب إليه أولئك ولا هؤلاء، بل سأدع هذا الحكم فيما بعد أشرك فيه أنا وأنت أيها القارئ الكريم، لذا فسيكون حديثي عن هذه المدرسة التربوية الوجدانية، أو عن الظلال منتظمًا جانبين اثنين: الجانب الأول: الظلال من حيث مادته وأسلوبه، وما يتصل بذلك مما يكتب عن كل تفسير. والجانب الثاني: آراء خصومه وشانئيه، أو من أظهر الاعتدال في نقده. ومن الله وحده التوفيق وعليه سبحانه التوكل وما توفيق إلا بالله إليه أنيب. أما الجانب الأول فنتحدث فيه عمّا يلي: أولًا: التعريف بصاحب الظلال الأستاذ الشهيد سيد قطب. ثانيًا: التعريف بالظلال وفهم صاحبه له. ثالثًا: منهج سيد وطريقته في التفسير. رابعًا: أهم ما يجلي التفسير، ويندرج تحته موضوعات: الموضوع الأول: ما شارك فيه التفاسير الأخرى. ويظهر هذا في: ١ - فواتح السور. ٢ - الآيات العلمية. ٣ - المبهمات في القرآن الكريم. ٤ - آيات الأحكام.

стр. 1055

الموضوع الثاني: العقيدة في (في ظلال القرآن): ١ - العقيدة في إطارها العام. ٢ - العقيدة في إطارها الخاص. ٣ - نماذج من تفسيرات العقيدة. خامسًا: سيد والمدرسية العقلية. سادسأ: تقويم التفسير: ١ - خصائص عامة في الظلال. ٢ - ميزات التفسير. أما الجانب الثاني فنتحدث فيه عن: ١ - منهجه في التفسير الموضوعي. ٢ - اتهامات ربيع المدخلي لسيد قطب وشهادة بكر أبي زيد. ٣ - وقفة مع كتاب في (في ظلال القرآن) رؤية استشراقية فرنسية معاصرة. ومن الله وحده التوفيق وعليه سبحانه التوكل وما توفيقي إلا بالله إليه أنيب.
следующие страницы →