بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فمن الظلم أن تكبل العقول ويحجر عليها، ومن المؤسف أن يوصف الإسلام بالجمود ... هكذا يقررون، لذا فإن من الأهمية بمكان، معرفة آراء الشيخ شلتوت في بعض الأحكام، التي عرضت لها الآيات القرآنية، وسأعرض هنا لبعض آرائه من خلال تفسيره:
أ- فعند قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يعرض الشيخ لمسألتين: الأولى: حكم الأطعمة المستوردة من بلاد الكتابيين- ويذكر فيها رأيين للعلماء، رأي الجمهور: وملخَّصُه، أنها حلال ما لم نتأكد أنه ذكر عليها اسم غير الله، والرأي الآخر وهو أنها حلال ما لم يكن من المحرم لذاته، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير، ويأتي الشيخ شلتوت بالفُتيين اللتين أصدرتهما لجنة الفتوى بالأزهر، وكانت الأولى في عهد الشيخ المراغي، وهي موافقة لفتوى الشيخ محمد عبده، أما الثانية أعني رأي الجمهور، فقد صدرت بعد ذلك في عهد الشيخ عبد المجيد سليم رحمهما الله ويرجح الشيخ رأي الجمهور فيقول: (وقد يكون من ذلك الاجتهاد، المقارنة بين هاتين الفُتيين، وإن الناظر في المعنى الذي لأجله حرم ما حرم على المؤمنين، وهو الابتعاد عما اتصل به ما ينافي التوحيد كذكر اسم غير الله، أو الذبح على النصب، وعما كانه تحريمه لمعنى في نفسه كالميتة وما عطف عليها لا يرى بدا من الحكم، بأن ذلك التحريم لا يرفعه إن كان الحيوان ملكًا لغير المسلم، أو طعامًا له، فإنه لم يعهد أن يحرم بشيء لمعنى على طائفة، ثم يباح لها إذا كان لغيره مع وجود معنى التحريم فيه. وإذا نظرنا إلى أن التكاليف الإسلامية وما تضمنته من تحليل وتحريم -وهي في واقعها، وفيما أراد الله من جعل الرسالة المحمدية وشرائعها- عامة لجميع الناس، وأن الناس جميعًا مكلفون بها، يظهر لهذا الرأي قوة فوق قوته. نعم جعل الشارع سبحانه عدم
стр. 982
إيمانهم بالرسالة قبيحًا لتركهم وما يدينون، وإن كان باطلًا في ذاته، وذلك تسامح منه سبحانه قضت به محبة الأمن والاستقرار، وعدم الإكراه في الدين، وهذه مبادئ قررها الإسلام صونًا للجماعة وحفظًا للنظام، أما قول المرجحين للإباحة "إن الله أباح طعام أهل الكتاب للمؤمنين وهو يعلم ما يقولون ويفعلون" فيقابله أنه سبحانه أباحه للمؤمنين وهو أيضًا يعلم ما حرمه عليهم، ويعلم أنهم يعلمونه، ويعلمون أن تحريمه لم يكن لأنه ملك لهم، بل لمعنى متصل به ومتحقق فيه ولا تأثير لصفة الملك عليه.
هذا موقفنا بين الفوتيين، وبعبارة أخرى بين الرأيين، ولكل مجتهد نصيب (١).
المسألة الثانية: -التزوج بالكتابيات- فبعد أن يذكر رأي المانعين والمثبتين، يرى أنه لا حجة في المنع فإنه وقف لحكم الآية أو نسخ لها، ولا دليل على ذلك.
ب- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] يعرض لمسالة مهمَّة وهي حكم الإجهاض. ولقد أبدى الشيخ فيها رأيه، متفقًا مع أصول الشريعة وأقوال الفقهاء، غير ملتفت إلى هؤلاء الذين يريدون التجديد ولو على حساب دينهم، يقول: (وقد اتفقت أقوال الفقهاء على أن إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه حرام، لا يحل لمسلم أن يفعله توهمًا منه أنه لا حياة فيه، فلا جناية بإسقاطه فلا حرمة، والتحقيق أنه حرام، لأن فيه حياة محترمة، هي حياة القبول والاستعداد، ثم ينقل عن الإمام الغزالي ﵁ وعن بعض كتب الفقه، ما يؤكد ما ذهب إليه (٢).
جـ - عند تفسير آية الوضوء في سورة المائدة (٣)، يذهب في حكم التيمم للمسافر ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا من إباحة التيمم للمسافر مطلقًا، وينقل ما قالاه عند تفسير آية النساء، كما يرى عند تفسير قول الله
стр. 983
تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وجوب غسل الرجلين غير معتد بخلاف الشيعة وغيرهم.
د - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] يتكلم عن استنباطات الفقهاء معلنًا أنها لا تعجبه ثم يأتي برأيه، وهو إن دل فإنما يدل على أصالة وفكر ثاقب، يقول الشيخ: (ثم توجه إليهم الأمر بالاستماع والإنصات إذا تلي عليهم القرآن، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فلا يقولون كما اعتادوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ولعلهم إذا استمعوا وأنصتوا وقفوا على حقيقته وظهرت لهم أسراره، وعرفوا أنه المعجزة التي لا تطلب بعدها معجزة، فيستغنون به عن طلب المعجزات، ولا يقولون إذا لم تأتهم بآية من الآيات التي يقترحونها ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، اختلقتها وافتعلتَها من تلقاء نفسك. هذا هو الوجه الذي ينبغي أن تفهم به هذه الآية الكريمة، ولا يعجبني تخريجها على أنها تشريع خاص للمؤمنين، فيما يختص بتحريم الكلام في الصلاة أو بالسكوت عند الخطبة، أو بالقراءة خلف الإمام، كما يذهب إليه كثير من العلماء، ويجعلونها مثار جدل ونقاش حول المسائل الثلاث، فإنها على أي وجه من هذه الوجوه، لا تلتئم مع السياق، ولا مع وقت النزول، والقراءة خلف الإمام سرًّا أو جهرًا، من المسائل الجزئية التي تختص بالمؤمنين في صلاتهم، ويبعد كل البعد أن يوكل بيان عدد الركعات والكيفيات الأولى للصلاة، إلى بيان الرسول عن طريق الوحي الباطني، دون أن يتعرض القرآن لشيء من ذلك، ثم يُعنى القرآن بخصوص القراءة خلف الإمام سرًّا أو لا سرًّا ولا جهرًا؟ فما أبعد هذه الآية عن هذه المسألة، ما أبعد هذه السورة في موضوعها وفي وقت نزولها عن الاهتمام بمثل هذا) (١)، وهكذا يتناسب فهم الشيخ مع سياق السورة وكونها مكية النزول.
стр. 984
٤ - بيانه لحكمة التشريع ودفاعه عن الإسلام، واستنباطه بعض القواعد السياسية والاجتماعية لتدعيم المجتمع الإسلامي:
أ - فهو عند تفسيره آية الربا في سورة آل عمران، يبين أن هناك جانبين مهمين في تحريم الربا: الجانب الأخلاقي والجانب الاقتصادي، ثم يكر على شبهات بعض العصريين المنحرفين في استباحة الربا ليبطلها، مبينًا أن القضية ليست قضية الربا أو غيره، وإنما هي قضية الشريعة ككل، يقول (وهذا موضوع قد أثير أخيرًا، وشغل الأفكار منذ أنشبت المدنية الحديثة أظفارها في أعناق المسلمين، وعمل أهل التشكيك في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان عملهم المثابر المتواصل في الفتنة، وزلزلة القلوب عن دين الله، والقضية في الحقيقة ليست قضية الربا أو غيره من المعاملات المالية، وإنما هي قضية الشريعة الإسلامية كلها، وقد انصرف عنها أهلها وتعلقوا بأهداب غيرها من قوانين الأمم الغالبة المسيطرة عليهم، ومن شأن المغلوب أن يولع بتقليد الغالب، ويرى أكثر ما يفعله خيرًا وصلاحًا، ويزين له الشيطان أن نجاحه إنما يرجع إلى عدم تمسكه، بما يتمسك به هو من القواعد والأصول والآداب ... والتقاليد.
لو كان للإسلام دولة وقوة، لكان تشريعه هو المتبع، ولكان للأمم والشعوب من الوسائل الاقتصادية العملية، ما يغنيهم عن الربا وغير الربا، مما حرمه الإسلام، وإن للكسب لموارد طبيعية، هي الأساس والفطرة، كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات المساهمة التعاونية، ولا يستطيع أحد أن يقول: إن الشعوب لا تستطيع أن تقيم مدنيتها على أساس التعاون والتراحم، ومساعدة الفقير والمحتاج، بإقراضه قرضًا حسنًا، على نظام يكفل لأصحاب الحقوق حقوقهم، ولا يؤدي إلى إثقال كواهل المدينين، واستلاب أموالهم بالباطل) (١).
стр. 985
ب - وعند تفسيره سورة الأنفال يميط الأذى من طريق المسلمين، هذا الأذى الذي يتمثل في شبهات خصوم الإسلام، فيأتي بشبهتين -شبهة على أصل الحرب في الإسلام، وشبهة على سبب غزوة بدر، حيث يُفْتَرَى بهذه الشبهات على الإسلام، ويردُّهما الشيخ جزاه الله خيرًا ويفندهما. وها هو يقول في تفنيد الشبهة الثانية وردها: (وأكبر دليل على أنهم لم ينبعثوا عن رغبة في السلب والنهب والاستيلاء على الأموال، أنه لم يؤثر عنهم التفكير ولو مرة واحدة، في أن يتجهوا إلى عِيْر قريش فيسلبوا وينهبوا، وقد كانوا يعيشون مع اليهود فعاهدوهم، وأمنوهم وأحسنوا جوارهم، وظلوا محافظين على جوارهم وعهودهم، إلى أن نقض هؤلاء عهودهم، واتصلوا بمشركي قريش وألبوا عليهم، فلو كان المسلمون يصدرون عن طبيعة حب السلب والنهب، لوجدوا في أموال اليهود ما يمكنهم أن يتجهوا إلى سلبه، فاتخاذهم أموال قريش غرضًا خاصًّا، ليس له سبب ما إلا أنهم وجدوا أنفسهم في حرب مع قريش) (١).
جـ - وكما رد الشيخ شبهات خصوم الإسلام وأعدائه، لم ينس هؤلاء الذين يُسمَّون مسلمين، ولكنهم فتنوا بالحضارة والمادة، فتاهوا بين إلحاد الشرق وميوعة الغرب، هؤلاء الذين تعاني منهم أمتنا كل عنت، وهم السبب في انحدارها وتقهقرها، والمصيبة تكون أعتى وأشد، حينما يتسلم هؤلاء زمام أمر الأمة ومقدراتها، فيضلون ويضلون، لا ينسى الأستاذ الأكبر ﵀ أن يلتفت إلى هؤلاء، عاقدًا موازنة بينهم وبين المنافقين، الذين ابتليت بهم الأمة في أول أمرها.
يقول الشيخ شلتوت (هذا اللون من ألوان التمرد على أحكام الله، قد مني به المسلمون في أول شأنهم بالمنافقين، كما تحدثت عنه سورة النساء، ومنوا به في آخرهم بأرباب الثقافات الأجنبية، الذين غرهم بريق الطواغيت الأوروبية
стр. 986
الكافرة بالله وبشرع الله، فرأوا أن تشريع تلك الطواغيت هو التشريع الملائمُ للعصور، المحقق للمصالح المسايرُ للحضارة. أما قطع يد السارق، أما جلد الزاني، أما تحريم الربا، أما حظر التجارة بالخمر والخنزير وتحريم أكلهما والانتفاع بهما، أما تعدد الزوجات، أما ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، أما ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] أما ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، أما كل هذا وأمثاله، مما وضعه الحكيم الخبير، العليم بطبائع النفوس ودخائلها، وبما يصلحها وبما يفسدها وهو الواقع الملموس، أما كل هذا فتشريع جاف صحراوي، لا يلبي حاجة العصر، ولا يتفق وحضارة الإنسان ... نعم هو لا يتفق وهذه الميوعة الخلقية والاجتماعية، لا يتفق وهذا الذوبان والانحلال، أما كل ما يأتي به الغرب وترمينا به تياراته الخبيثة، فإنه يتفق وهذا الضعف، الذي أناخ بكلكله على المسلمين، وسلبهم الثقة بأنفسهم وقوميتهم، وجعلهم يؤمنون بباطل أعدائهم، ويكفرون بالحق الذي أنزله الله واختاره، ولكن ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] (١).
د - كثيرًا ما يستنبط الشيخ من النص القرآني أو يتوسع في فهمه، بما لا يخرج به عن مدلول لفظه، فهو مثلًا يشير إلى حرب الأفكار والمبادى، وأهمية هذا اللون من الحرب، كما يشير إلى شرعية الأحكام العرفية إن وجد ما يسوغها، كل ذلك يفهمه من سياق آيات سورة النساء، التي تحث على الجهاد، وتأمر بالإعداد وتفضح المنافقين والمثبطين، كما نجده عند تفسير قول الله تعالى:
стр. 987
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]، يتكلم عن أضرار الرأسمالية الفردية والرأسمالية الدولية) (١).
ولنستمع إليه وهو يقول ﵀ (وإذا كانت الرأسمالية الفردية، تستغل حاجة الفقير، وتموت أمام طغيانها فضيلة الرحمة بالإنسان الضعيف، فالرأسمالية الدولية تستلب من الفقير المتكسب حقه، ومن العامل المجد أجره، وتركز المادة في بضعة من الرجال القائمين بالحكم، تحت ستار زائف هو ستار (العدالة الاجتماعية)، فليحذر من يتنشق غبار هؤلاء وهؤلاء، كما تحذر طوائف أخرى ليسوا عنها ببعيد، اتخذوا دينهم صورًا ورسومًا بها يلهون ويلعبون -ينتهزون لها الأعياد والمواسم والاحتفالات التي خلعوا عليها اسم الاحتفالات الدينية، والحلقات التي خلعوا عليها اسم حلقات الذكر، والمواكب التي يسيرون بها في الطرقات، وقد أحاطت بهم الشياطين من كل الجهات، وخلعوا عليها اسم موكب الخليفة، فليعتبر هؤلاء كما يعتبر هذا الفريق الثالث، الذين يقيمون حفلات الملاهي، باسم أعمال الخير التي يدعو إليها الدين، كل هؤلاء يصدق عليهم من قريب أو بعيد ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١] (٢).
هـ - ولا ننسى أن الشيخ ذكر في مقدمة تفسيره، أنه يمقت لونين دخلا إلى التفسير، أما أحدهما فهو التعصب العقدي والتشاد المذهبي، وأما الآخر فهو التفسير العلمي لآيات القرآن، ونجد أن الشيخ قد تجنب هذا الأخير وهو التفسير العلمي، أما الأول فإن الشيخ لم يجعل له في تفسيره حيزًا ذا أهمية، لقد كان يمر به مرورًا، وكما رأيناه يسمح لنفسه بمخالفة الفقهاء، فإنه لمخالفة
стр. 988
المتكلمين أقرب فها هو عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، يخالف من فسر سبيل المؤمنين (بالإجماع)، كما يخالف من فسر قوله ﴿مَا تَوَلَّى﴾ (بالإضلال)، ثم يعرض لمذاهب المتكلمين في أفعال العباد، فيرد مذهب الجبر، كما يعارض مفهوم الكسب، الذي قال به الأشاعرة، ويثبت أن للعبد قدرة وإرادة، وينقل عن بعضهم قولته (إن كسب الأشعري، وطفرة النظام، وأحوال أبي هاشم ثلاثتها من محاولات الكلام) (١).
فهذه نبذة عن تفسير الأستاذ الأكبر، وهو تفسير تتجلى فيه أهداف السور تجلية تامة، ولقد قال عنه الدكتور محمد البهي (إنه جدير به أن يسمى تفسير مشاكل التفسير أو نهضة في تفسير القرآن، أو تعقيب على تفسير المفسرين).
رأيي في التفسير:
وفي رأيي أن الشيخ شلتوت، قد أحسن العرض للموضوعات التي تطرق إليها ولقد كان اختياره موفقًا لهذه الموضوعات، لكن أود هنا أن أسجل بعض الملاحظات:
١ - إن التفسير وإن كان يشفي الغلة في الموضوعات التي تطرق لها، فإنه لم يف بغرض القارئ في كثير من الموضوعات، فالشيخ مثلًا لم يعرض لكثير من الأحكام في سورة البقرة، مع أنها من المهمات التي لا يستغني عنها المسلم، كما أنه لم يعرض لكثير من أحكام سورة المائدة ونداءاتها، وهي من أكثر الأمور التصاقًا بالحياة، وبخاصة بين المسلمين وبين غيرهم، هكذا كان هذا التفسير غير وافٍ بأحكام الأجزاء التي فسرها.
٢ - تطرق الشيخ ﵀ إلى بعض الخلافات التي لا طائل تحتها، كالخلاف في الحواريين أمؤمنون هم؟ ؟ وفي (المائدة) أَنَزَلَتْ أم لم تنزل وكان من الخير أن
стр. 989
يُستبدَل بمثل هذا غيرُهُ من الأمور المهمة التي تكمل التفسير.
٣ - لم يكثر الشيخ في تفسيره من الاستشهاد بالأحاديث، بل رأيناه ربما يضرب صفحًا عنها، كم رأينا عند تفسير سورة الفاتحة.
وأخيرًا فمن الإنصاف أن أقرر هنا أن الشيخ كان من أقل رجال مدرسة الإمام محمد عبده تأويلًا لآيات القرآن وصرفًا للفظها عن مدلوله، كما كان أقلهم تأثرًا بالمعتزلة، وقد يرجع هذا لمرونته، وتحاشيه مثل هذه الأمور، كما كان أقلهم مخالفة لجمهور الفقهاء كما رأينا منه في بعض المسائل التي تحدثنا عنها، رحم الله الشيخ محمود شلتوت وعفا عنه وجزاه بلطفه خير الجزاء.
стр. 990
٧ - (تيسير التفسير) لفضيلة الشيخ عبد الجليل عيسى
هناك تفاسير موجزة طبعت مع القرآن الكريم، كي يمكن القارئ لكتاب الله أن يدرك معنى كلمة، إن استعصت عليه، ويعرف معنى آية خفيت عليه، وقد كثرت في أيامنا هذه منها تفسير محمد فريد وجدي، وصفوة البيان للشيخ حسنين محمد مخلوف رحمهما الله تعالى وغيرهما كثير. ومن هذه التفاسير تفسير الأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى عميد كلية اللغة العربية سابقًا. وقد آثرت أن أعده في رجال مدرسة الإمام لما سنراه فيما بعد.
ترجمته:
الشيخ عبد الجليل عيسى حرب ولد عام (١٣٠٦ هـ-١٨٨٨ م) الشيخ الأزهري الجليل، العالم المفسر ولد في محافظة كفر الشيخ، حيث تلقى علومه الأولى بالجامع الأحمدي في طنطا، ثم حصل على عالمية الأزهر عام ١٩١٤ م، وعين مدرسًا بمعهد طنطا، وبعدها عاش أيام ثورة ١٩١٩ م، ضد الوجود الإنجليزي في مصر، وشارك فيها مع علماء الأزهر الأجلاء، وفي منتصف الثلاثينيات تم تعيينه شيخًا لمعهد دسوق الديني، ثم شيخًا لمعهد شبين الكوم عام ١٩٣٧ م. وإلى جانب تلك المهام الرسمية حصل على عضوية كل من مجمع البحوث الإسلامية في كل من مجمع البحوث الإسلامية في مطلع السبعينات، ومن قبلها عضوية لجنة الفتوى بالأزهر، وكان أيضًا عضوًا بالمجلس الأعلى للثقافة.
وعين عميدًا لكلية أصول الدين في منتصف الأربعينات الميلادية، كما عيّن عميدًا لكلية اللغة العربية في نهايتها مدة خمس سنوات، قبل تقاعده من الجامعة الأزهرية في منتصف الخمسينات. وكان في مقدمة تلك القائمة الشهيرة من الأزهريين الأحرار الذين فصلهم الملك فؤاد مطلع الثلاثينيات في أعقاب احتجاجهم على الممارسات الوحشية للاستعمار الإيطالي في ليبيا على أثر إعدام المجاهد عمر المختار.
стр. 991
وإلى جانب بحوثه المكثفة في علوم الدين قدم للمكتبة الإسلامية العديد من المؤلفات القيمة، ويأتي في مقدمتها كتاب (صفوة صحيح البخاري) في أربعة أجزاء، وكتابه تيسير التفسير، وقد صدر عام ١٣٧٧ هـ، ومن كتبه كذلك المصحف الميسر، طبع دار القلم - القاهرة سنة ١٣٨٥ هـ. وكتاب اجتهاد الرسول ﷺ ، طبع دار البيان في الكويت (١).
طريقة الأستاذ التي اتبعها في تفسيره:
تقوم طريقته التي اتبعها في تفسيره على:
١ - ذكر المفردات.
٢ - ذكر المعنى.
يبين لنا الشيخ أن التفاسير السابقة، لا تفي بالغرض لأسباب ذكرها، لذا عهد إليه أن يضع تفسيرًا، يقول (بعد ذلك استقر الرأي على أن يعهد إلينا، بوضع تفسير مختصر، يوضح معنى اللفظ الغريب، وما لا بد منه في فهم التركيب، على أن تبعد عنه ما استطعنا العبارات الاصطلاحية والخلافات المذهبية وإذا اضطررنا لذكر بعض الاصطلاحات، فإننا لا نذكرها إلا في مقدمة الصفحة بين تفسير المفردات، ولكن عند تفسير (المعنى) فإننا حرمنا على أنفسنا ذكر شيء من ذلك مطلقًا، وقد تجنبنا أيضًا زخرفة العبارة، محافظة على محاكاة المعنى الأصلي بارزًا ليس له حجاب، فإذا رأيتنا نفسر قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقولنا (لا نعبد غيرك) نعلم أننا فهمنا هذا الحصر، من تقديم المفعول (إياك) وإذا فسرنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] بقولنا (ثم يدخلون في النار ليحرق باطنهم وظاهرهم) تعلم أننا أخذنا إدخالهم النار من الحرف (في)، وإحراق باطنهم من قوله (يسجرون)، وإذا قلنا في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢] (والحال
стр. 992
أن الكفار من أهله استحلوا إيذاءك أيها النبي) تعلم أن الواو (وأنت حل)، تدل على أن الجملة التي بعدها حال مما قبلها، وهكذا في كل مكان من هذا النوع (١).
وقد رأينا لداعي الاختصار، وضيق حيز الصفحات، من الرغبة في إيفاء بعض المقامات حقها، بتدعيمها بالأدلة من القرآن نفسه، أن نكتفي بذكر رقم الآية وسورتها أو صفحتها من المصحف نفسه، بدل ذكر ألفاظ الآيات كلها) (٢).
تأثره بالإمام محمد عبده:
وليس غرضي الحديث هنا عن طريقة الأستاذ في التفسير وما لها وما عليها، إنما الذي أهدف إلى بيانه هو شيء واحد، وهو تأثر المفسر الفاضل بآراء الأستاذ الإمام، في كثير من مواضع تفسيره، وسأكتفي بذكر بعض الشواهد على ذلك.
١ - يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (٣) (ما نترك تأييد نبي متأخر، بمعجزة كانت لنبي سابق، أو ننسي الناس هذه المعجزة السابقة، لطول العهد بها، إلا وأيدنا هذا الرسول المتأخر بمعجزة خير من السابقة في قوة الإقناع وإثبات النبوة).
٢ - ويقول في تفسير آية الوصية من سورة البقرة (٤).
(فرض عليكم أن يوصي كل من حضرته الوفاة للوالدين اللذين لا يرثان، كالأجداد مع وجود الآباء، والوالدين الكافرين، لأنه من البر المطلوب لهما شرعًا، والأقربين من الفقراء، فإن لم يكن في قرابته فقراء يوصي ندبًا لفقراء المسلمين، فإن مات ولم يوص، وجب على الورثة أن يخرجوها عنه لأن
стр. 993
فرضها ثابت بالآية وبحديث البخاري (حق على كل مسلمٍ ألا يبيت ليلتين -بعد سماع الآية- إلا ووصيته مكتوبة عنده). فرحم الله امرأ حافظ عليه، ولم يغتر بمن يقول إن الآية منسوخة، فإن العلماء المحققين أبطلوا قوله هذا.
(بالمعروف) أي يوصي لمن ذكروا بالمتعارف بين الناس، أنه يكفي صدقة في مثل ماله (حقًّا) أي الإيصاء واجب وجوبًا حقًّا.
٣ - ويفسر الموت في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] بالموت الأدبي والإذلال للعدو كما يفسر إحياء الله لهم، بأنه إخراج جيل جديد أرجع ملكهم (١).
٤ - ويفسر ﴿الكرسي﴾ في آية (الكرسي) بأنه السلطان والعظمة والقدرة (٢).
٥ - ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] (٣) (وأخيرًا اتفقوا على أن يقترعوا فمن خرجت له القرعة أخذها، فأحضروا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركًا بها، ووضعوها في جراب، وأمروا بعض الغلمان ممن في بيت المقدس، أن يدخل يده ويخرج قلمًا، فالذي يخرج قلمه يكفل مريم).
٦ - ويفسر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] بقوله (٤):
(واذكر حين أخذ الله العهد على النبيين، وعلى أممهم بواسطة أنبيائهم، مؤكدين العهد على أن الذي أعطيتكم إياه من كتاب وحكمة، إذا جاءكم به
стр. 994
رسول آخر مصدقًا للكتاب الذي معكم، لتؤمنن بهذا الرسول ولتنصرنه على من يحاربه).
٧ - ويفسر قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] بأنه خلق من نوعها زوجها (١).
٨ - يذكر بأن المقصود بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] الزوج والزوجة، لأن من عادة عقد الزواج أن يضع كل من طرفيه يمينه في يمين الآخر.
٩ - في تفسير سورة القمر، يميل الشيخ إلى إنكار انشقاقه في عهد الرسول ﷺ ، وأن معنى ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، أي وضح الأمر حتى لم يعد صالحًا للجدل، أو أنه سينشق بين يدي الساعة.
١٠ - يقول في حادثة الإسراء (٢) (واعلم أن العلماء قد اختلفوا قديمًا وحديثًا في الإسراء -هل كان بالروح والجسد أم بالروح فقط، يقظة أو منامًا. وبهذا الاختلاف خرج كونه يقظة من باب العقائد الواجبة إلى باب العلم الذي يرى فيه كل واحد ما يطمئن إليه قلبه).
١١ - وفي تفسير سورة الأعراف، يذكر في معنى قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] يقول (وبين الجنة والنار وأصحابها، سور قد اعتلاه رجال أي ونساء، وهؤلاء الواقفون على الأعراف هم من استوت حسناتهم وسيئاتهم) بينما يقول في تفسير قوله تعالى ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] (كرر ذكرهم ولم يقل ونادوا، لأن المنادين هنا غير المتقدمين، والموضوع غير الموضوع، فالمراد بأصحاب الأعراف هنا قوم ممن كانوا في مكة أيام طغيان كفار قريش، والرجال المنادى عليهم هم
стр. 995
رؤساء المشركين) (١).
١٢ - وفي سورة النمل يذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] يقول: (قال الراغب الأصفهاني (والمراد بالدابة هنا جمع من الأشرار، الذين هم في الجهل بمنزلة) ويساعده ﴿نَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] وما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﵌ (إذا كان أمراؤكم شراركم فبطن الأرض خير من ظهرها) وقوله (من الأرض إشارة إلى أن هؤلاء الأشرار كالحشرات، التي توجد بطريق التولد من التراب، لا بطريق التوالد والتناسل المعروف، وأن طبعه سفلي ليس فيه من سمو العالم العلوي شيء، ومعنى تكليمهم الناس أنهم يأمرونهم فيطيعون، أي أنهم أصحاب الكلمة كما هو شأن كبار المجرمين مع غيرهم، وقوله ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] تعليل لاستحقاقهم العذاب، والأصل لأن الناس الخ ... ورد عن ابن عباس قال تكلمهم من الكلم بفتح وسكون، وهو الجرح بفتح الجيم، فالتكليم التجريح الكثير، والمراد الإيلام للناس حسيًا، بما يصيبهم في أجسامهم، ومعنويًا بما يصيبهم في أرزاقهم، ويصح على هذا أن يراد بالدابة، كل الحشرات التي يبتلى بها الناس عند انتشار معاصيهم، كالطاعون وغيره، ومثل ما حصل لقوم فرعون ... لقول الله سبحانه ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وإن ما ألجأنا إلى مخالفة عادتنا في الاختصار في هذه الموضوع الرغبة في تنبيه القارئ إلى خطر الإسرائيليات، التي أدخلها اليهود على المسلمين، حتى كادت تشوه صفاء الإسلام وسماحته) (٢).
стр. 996
من هذه الشواهد يتبين لنا مدى تأثر الشيخ عبد الجليل عيسى بمدرسة الأستاذ الإمام، سواء أكان ذلك في تحكيم العقل في النص، أم في الرغبة في تضييق نطاق الخوارق، ولئن أغرب الشيخ في تفسير آية الأعراف، فإنه كان أكثر إغرابًا في آية الإسراء، وكان أكثر شططًا وبعدًا عن السياق والمأثور في تفسيره آية النمل، ولقد قال إنه أطال في تفسيرها لينبه القارئ على خطر الإسرائيليات، وكان بإمكان الشيخ أن يكتفي بما جاء في الأخبار الصحيحة، كما فعل كثير من المفسرين، مع أن عبارته توهم أن كل ما ورد عن الدابة إنما هو من الإسرائيليات، وليس الأمر كذلك، سامح الله الشيخ وجزاه عن حسن نيته خيرًا.
وأكتفي بما ذكرت عن أعلام مدرسة الشيخ محمد عبده في التفسير، تلك المدرسة التي أرادت أن تجلي معنى القرآن للمسلمين، بما يتفق مع روح العصر الذي يعيشون فيه، وأن ترد عنه شبه الأعداء وكيد الخصوم، وأن تُنبّه على سنن الله التي لا تتخلف في شؤون الحياة، ولكنها أرخت العنان للعقل، فتعدى حدوده، ووقفت مع كل قديم موقف الناقد الممحص، فأصابت حينًا، وتجنّت وأخطأت حينًا آخر، ومع كثرة ما لها من هفوات، إلا أن لها، والحق يقال، دورًا فعالًا في محاربة البدع والخرافات، ومحاولة إيقاظ المسلمين والدفاع عن الإسلام ورد شبهات المستشرقين والمستغربين وللمجتهد إن أخطأ أجر.
стр. 997
الفصل الثاني المدرسة العلمية في التفسير
وسأتحدث في هذا الفصل عن:
الجواهر في تفسير القرآن للشيخ طنطاوي جوهري ﵀ .
أ- حياة الشيخ طنطاوي جوهري:
ورد في كتاب الأعلام للزركلي، (طنطاوي بن جوهري المصري (١) -فاضل، له اشتغال بالتفسير، والعلوم الحديثة، ولد في قرية (عوض الله حجازي) من قرى الشرقية بمصر، وتعلم في الأزهر مدة، ثم في المدارس الحكومية، وعني بدراسة الإنجليزية، ومارس التعليم في بعض المدارس الابتدائية ثم في مدرسة دار العلوم، وألقى محاضرات في الجامعة المصرية، وناصر الحركة الوطنية، فوضع كتابًا في (نهضة الأمة وحياتها)، نشره تباعًا في جريدة اللواء.
وانقطع للتأليف، وصنف كتبًا أشهرها (الجواهر في تفسير القرآن الكريم في ٢٦ جزءًا، نحا فيه منحى خاصًّا، ابتعد في أكثره عن معنى التفسير، وأغرق في سرد أقاصيص وفنون عصرية وأساطير، وجعل لسائر كتبه عناوين ضخامًا، وأكثرها رسائل منها:
جواهر العلوم، النظام والإسلام، التاج المرصّع، نظام العالم والأمم، الأرواح، أين الإنسان، أصل العالم، جمال العالم، الحكماء والحكمة، سوانح الجوهري، ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر، الفرائد الجوهرية في الطرق النحوية،
стр. 998
بهجة العلوم في الفلسفة العربية وموازنتها بالعلوم العصرية، وتوفي بالقاهرة سنة ١٩٤٠ م).
وجاء في تقويم دار العلوم بمناسبة مرور خمسة وسبعين عامًا على تأسيسها، ما كتبه محمد عبد الجواد عن الشيخ طنطاوي، بصفته مدرسًا بدار العلوم، نقتطف منه ما يلي:
(ولد سنة ١٨٧٠ بكَفْر عوض الله، ونشأ به، وكان يشتغل بالأعمال الزراعية، وتلقى تعليمه الأولى في (الغار) بلد جدته لأمه، وكان مشهورًا بجودة الحفظ والذكاء المفرط، تلقى العلم في الأزهر، فدار العلوم وتخرج منها سنة ١٨٩٣، ثم عين بعد تخريجه مدرسًا بدمنهور، فدار العلوم، ثم الخديوية، ودرس بالجامعة المصرية، تعلم اللغة الإنجليزية وهو مدرس بالخديوية، وانتفع بها كثيرًا، في تأليفه، كان عالمًا أديبًا فيلسوفًا، ترك من المؤلفات عددًا كبيرًا من الكتب القيمة، وكان عمله لا ينحصر في دائرة محدودة، بل كنت تراه في درسه كالقاموس، وقد طلب للقضاء فلم يقبل، كان رئيسًا لجمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة، وتولى رياسة تحرير مجلة (الإخوان المسلمين) مدة، عاش نحو سبعين عامًا صحيح الجسم معافى البدن، قوي الذاكرة، مشرق المحيا، بفضل ما اختطّ من نظام صحي خاص بعد إحالته على المعاش.
عرفته مدرسًا بدار العلوم، فإذا به في درسه كالطائر في قفص، يحاول أن يرد نفسه إلى حدود المنهج الدراسي، فلا يطاوعه علمه ولا يساعده تبحره. كان يقرر المسألة، فيستشهد في شرحه بصغار الهوام والحشرات، ثم يحلق بك في أجواء عالم الفلك والسماوات، فلا يكاد ينتهي من درسه حتى تشعر كأنك قمت برحلة، في طائرة شاهدت بها عالم السماوات، أو طفت البحار في باخرة شاهدت فيها عجائب البحار، أو طوفت بالحقول فتأملت فيها غرائب النبات، أو تنقلت بين السهول والجبال، فأدركت عجائب الكائنات غير الناطقات مع عبارة تستهويك،
стр. 999
وألفاظ لا تملها، وأمثلة من المشاهدات تحسها عادية تمر بك كل يوم، فلا تلقي لها بالًا. ثم يفرغ من ملاحظته، فإذا بك تحسبها مسألة عويصة، فيها من الدروس والحكم ما يستوقفك ويستوحيك الفكر والتأمل والملاحظة والتعليل، فتعلم أنك تعيش في عالم كله دروس، وكله مسائل علمية، وكله يسترعي النظر، وكله يتطلب التأمل والفحص.
هذا هو الشيخ طنطاوي في شرحه المسائل، وفي تقديره الأبحاث العلمية أو تفسير الآيات القرآنية، في دائرة الدرس المحدود المنهج، المحدود الزمن المقيد بعدد من المستمعين.
عرفته أيضًا مؤلفًا يقرأ الإنسان كتابًا من كتبه، فلا يتعثر في لفظه، ولا يستصعب فكره، وكأنه قاص يقص عليك ألذ الحكايات وأغرب الوقائع، صاعدًا هابطًا يجوب بك الآفاق، ويخترق الحجب، ويغور وينجد، ولا تجد صعوبة في كل ذلك، اللهم إلا ما تحس من أنك أمام مشاكل علمية، ونظريات دقيقة ونتائج مدهشة، ما كنت لتدركها لو لم تقرأ هذا الكتاب.
لم تشتهر في الشرق شخصية من المصريين، كما اشتهر الشيخ، فقد كان السائح الشرقي إذا رحل إلى مصر، سأل عن الشيخ في رحلته، كما يسأل الأوروبيون أو الأمريكيون عن الأهرام، فهو معروف في الهند وفارس والصين وأندونيسيا وتركستان، وقد يسمي أهل تركستان مدارسه وجامعاتهم وكتبهم باسمه، فيقولون جامعة طنطاوية ومدارس جوهوية، وعقائد جوهرية، لما يرون فيه من رمز لحجة الإسلام.
لم يكن الشيخ عالمًا كسائر العلماء، بل كان ممتازًا في كل النواحي، فهو عالم ديني إسلامي وطني، وهو عالم اجتماعي عالمي، جامع بين الثقافتين الدينية والحديثة، ومازج المسائل الدينية بالآراء الاجتماعية والسياسية، ها هو حقق الجهاد بعلمه وبرأيه في رفعة شأن الإسلام والانتصار لمبادئه، مظهرًا أنه دين العقل
стр. 1000
والتجديد، لا دين التسليم والتقليد، يرمي في كل أحاديثه وتآليفه، إلى التوفيق بين العلم، وما جاء به القرآن، وإلى أن العلم إذا أحسن فهمه، كان أداة صالحة لتفهم روح الدين، كان من أخلص المخلصين لقضية البلاد واستقلالها من فجر النهضة إلى وفاته، فهو أحد قادة النهضة السياسية والدينية، ومن رؤساء الحركة السياسية والاجتماعية فهو في (نهضة الأمة وحياتها) وفي (نظام العالم والأمم، يندد بالدول التي تؤسس وجودها على أسنة الحراب، وأصوات المدافع وتخريب البلاد ودك الحصون، لأنه يتمنى أن تؤسس الدول حياتها على تبادل المنافع والمحبة العامة، ما كان يرى سقراط، وهو بذلك يوافق الرأي الذي يتشدق به بعض الدول، وما تخدع به العالم، من ألفاظ الديمقراطية والمساواة، ويريد أن تكون الجمعية الإنسانية أسرة واحدة، لا يفرق بينها لغة ولا دين).
وقد ترجم (تفسيره المسمى (بالجواهر) إلى اللغة الأردية، فأقبل عليه أهل الهند إقبالًا عظيمًا، هذا وقد ترجم كثير من كتبه إلى اللغات الأوروبية واللغات الشرقية خاصة، هذا وقد كان ﵀ معجبًا بكتب لورد أقبري في مسرات الحياة وعجائبها، وربما تأثر به فيما كتبه عن ملاذ الحياة وعجائب الكون وجمال الطبيعة) (١).
والذي يظهر لي، أن هناك مؤثرات عديدة، كان لها دور مهم في تكوين شخصية الشيخ، فهو أزهري قبل كل شيء، فهم الإسلام عقيدة وشريعة وألمّ بالعلوم اللغوية، وهو إلى جانب هذا ملمّ بالتصوف، يدرس كتبه ويتأثر برجاله، كما يحدث عن نفسه، حينما اختير مرة من قبل وزير المعارف، ليعين سيدة روسية على دراسة التصوف، وفهم كتبه واصطلاحات القوم، وكان من ضمن تلك الكتب الرسالة القشيرية (٢).
стр. 1001
وإلى جانب هذا وذاك يدرس اللغة الإنجليزية، لتهيء له فرصة اطلاع أوسع، ومع هذا كله لا ينبغي أن نتجاهل العصر الذي عاش فيه، ذلك العصر الذي اتصل فيه الشرق بالغرب، وأكب علماؤه على دراسة الثقافة الغربية، دراسة المعجب، وهذا بالطبع نتيجة حتمية للفوارق الكثيرة بين هؤلاء وأولئك.
تلك عوامل خارجية كان لها أثرها في حياة الشيخ الفاضل، فإذا أضيف لها عامل داخلي ذاتي، وهو ذكاء الشيخ العجيب، الذي يظهر في فكره الثاقب ومنطقه السوي وخياله الخصب، استطعنا أن ندرك سر نبوغ هذا الرجل، وما أعطيه من قوة البيان وسعة الإطلاع، واستطعنا أن ندرك أيضًا شدة غيرة الشيخ على دينه وأمته، وعميق تأثره بالواقع الذي وصلت إليه، وإن هذه العوامل كلها، لتظهر جلية واضحة في تفسيره، الذي نحن بصدد التحدث عنه إن شاء الله.
ب - الدوافع لهذا التفسير:
يقع تفسير الجواهر في ستة وعشرين جزءًا، الجزء الأخير منها ملحق بالأجزاء السابقة، ليكون استدراكًا لما فات المؤلف فيها، وقد طبع في مطبعة مصطفى البابي الحلبي أكثر من مرة.
ويذكر المؤلف في مقدمة تفسيره الدوافع التي حملته على تفسير القرآن الكريم، فيقول:
(أما بعد، فإني خلقت مغرمًا بالعجائب الكونية، معجبًا بالبدائع الطبيعية، مشوقًا إلى ما في السماء من جمال، وما في الأرض من بهاء وكمال، آيات بينات وغرائب باهرات، شمس تدور وبدر يسير ونجم يضيء وسحاب يذهب ويجيء، وبرق يتألق وكهرباء تخترق، ومعدن بهي ونبات سني، وطير يطير ووحش يسير، وأنعام تسري وحيوان يجري، ومرجان ودر وموج يمر.
ثم إني لما تأملت الأمة الإسلامية وتعاليمها الدينية، ألفيت أكثر العقلاء وبعض
стр. 1002
أجلّة العلماء، عن تلك المعاني معرضين، وعن التفرج عليها ساهين لاهين، فقليل منهم من فكر في خلق العوالم، وما أودع فيها من غرائب، فأخذت أؤلف لذلك كتبًا شتى كـ (نظام العالم والأمم)، (وجواهر العلوم). مزجت فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعلت آيات الوحي مطابقة لعجائب الصنع وحكمة الخلق، ثم توجهت إلى الله أن يوفقني أن أفسر القرآن، واجعل هذه العلوم في خلاه، وأتفيأ بساتين الوحي وظلاله، فاستجاب الله الدعاء.
وليكونن هذا الكتاب داعيًا حثيثًا إلى درس العوالم العلوية والسفلية، وليقومن من هذه الأمة من يفوقون الفرنجة في الزراعة والطب والمعادن والحساب وغير هذه العلوم، كيف لا، وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على ٧٥٠ آية، فأما علم الفقه فلا تزيد آياته الصريحة على مائة وخمسين آية.
ولقد وضعت في هذا التفسير، ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق، وعجائب الكون، وأثبت فيه غرائب العلوم وعجائب الخلق، مما يشوق المسلمين والمسلمات إلى الوقوف على حقائق معاني الآيات البينات، في الحيوان والنبات والأرض والسماوات، وإن له شأنًا سيعرفه الخلق، وسيكون من أهم أسباب رقي المستضعفين في الأرض).
جـ - محتويات التفسير:
ويحدثنا الشيخ عما ضمن تفسيره، فيقول في مجلة (الفتح):
(وها هو ذا خمسة وعشرون مجلدًا ضمنته خلاصة آراء حكلمة اليونان وآبائنا أيام جدهم، وحكمة علماء عصرنا بأوروبا، ونموذج التاريخ وأحوال الإسلام العامة في زماننا).
ومن هذا ندرك أن هذا التفسير موسوعة علمية، أشبه ما يكون بدائرة معارف، وندرك كذلك ما يعلقه الشيخ من أهمية على تفسيره، وما يرتسم في نفسه وكلماته
стр. 1003
من آمال مشرقة ومن مستقبل زاهر سيحدثه هذا التفسير لهذه الأمة.
ويذكرني صنيع الشيخ في تفسيره بذلك الإمام الجليل فخر الدين الرازي، الذي ما كان يترك مسألة من علم الفك، أو من الفلسفة الطبيعية والإلهية، أو من الملل والنحل المختلفة، إلا وضمنها تفسيره العلمي الكبير، كل ذلك مع سهولة في العبارة، ويسر في الأسلوب، ودفاع بحرارة عن عقيدته، وإلزام لخصومه بالحجة الواضحة، فما أشبه حكيم الإسلام في هذا العمر بحكيم الإسلام (الفخر الرازي) في الزمن الماضي، وما أشبه الجواهر بالمفاتح، مع اختلاف حتمته ظروف البيئتين، وأوجبه كر الغداة ومر العشى، وإذا كان الفخر الرازي، ينكر كل الإنكار، ويعجب كل العجب، ممن يستغرب اشتمال سورة الفاتحة على آلاف المسائل بل عشرات الآلاف، فيطلق لفكره وقلمه العنان، بما يفيضه خاطره ويرصفه فكره، من مسائل مختلفة متنوعة في سورة الفاتحة، فيخرج للمكتبة الإسلامية جزءًا ضخمًا يقع في قرابة ثلاثمائة صفحة من القطع الكبير فإن الشيخ طنطاوي يحاول في تفسيره للفاتحة، أن يبين أن هذه السورة الكريمة، تشتمل على جميع العوالم التي خلقها الله، وأنه ينبغي على المسلم، كما يعرف أحكام الفقه، أن يعرف أسرار هذه العوالم ومميزاتها، ولنستمع إليه:
(وتأمل في سورة الفاتحة، كيف قدم تربيته للعالمين ورحمته للمخلوقين على العبادة وهداية الصراط المستقيم، كأنه يشوقكم إلى دراسة رحماته، ويأمركم بمعرفة كلماته الكونية وعجائبه وبدائعه. ثم إن الحمد يكون على مقدار علم الحامد ولن يعرف المسلمون محامد الله، حتى يقرأوا نظام الطبيعة ويفهموا دقائق التكوين، حينئذ يحمدون الله حق حمده. فسورة الفاتحة إذن عنده كلها آيات علوم، ولنا أن نجعل القسم الثاني منها أخلاقًا.
وإذا كان تفسير الفخر لم يعجب الكثيرين من الناس لما فيه من تشعب واستطراد فإن الشيخ طنطاوي أدرك هذه القضية فها هو يفترض سؤالًا من أحد القراء، ومن
стр. 1004
بعض هؤلاء المعترضين، فيجيب عنه مسوغًا، صحة مسلكه وسلامة منهجه، فيقول: (لو ذهب فلاح ومهندس وصبي وحمار، إلى حقل من الحقول، فما دائرة اهتمام كل طرف من هؤلاء؟ أما الحقل فهو فعل الله، تختلف أنظار الناس فيه، وأما مثل الحمار فهم الحفاظ، الذين لا يحفظون من القرآن إلا حروفه (١)، والصبي هم العامة يفرحون لأنغام القرآن، كما يفرح الصبي لمنظر الحقل والفلاح المهتمّ بالأرض، كالعابد يناجي ربه بهذا القرآن، أما المهندس فهو المفسر، يهتم بكل صغيرة وكبيرة، ويحمل سائر الأمة على معرفة العلوم (وسواء أكان هذا المثل الذي ضربه الشيخ ... مدللًا معللًا، يقيه اعتراضات المعترضين، أم لا، فإنه قد كان ما كان، وجاء تفسير الشيخ على هذا المنوال.
وإذن فالذي يتحتم علينا أن نسير مع الشيخ في تفسيره، لنعرف منهجه ولنطلع على آرائه في بعض الأمور، حتى يتسنى لنا أن نصدر حكمنا بلا شطط، غير باخسين ولا غالين، والله حسبنا ونعم الوكيل.
٢ - منهجه في التفسير:
يورد الشيخ مقدمة للسورة التي يريد تفسيرها، وربما يورد ملخصًا لها، ثم يقسم هذه السورة إلى أبواب عامة، ويقسم هذه الأبواب، إلى مقاصد وفصول، حسب ما يتراءى له، وهذه طريقة يتبعها كثير من المفسرين المحدثين، كما رأينا من الأقدمين من سلكلها، في كثير من السور من قبل، إلا أن هذا التقسيم يختلف باختلاف نظر المفسر واجتهاده، مفسِّرنا مثلًا، وهو الذي يهمنا الآن، حينما يتكلم عن سورة البقرة، يقسمها إلى بابين، الأول إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] والثاني إلى آخر السورة، وهو تقسيم من المؤلف إنما نشأ عن فهم حسن جميل، فنحن نرى أن معظم التكاليف من عبادات وأنظمة
стр. 1005
متعددة، إنما هي في هذا الباب الأخير، وبعد ذلك يقسم الباب إلى عشرة مقاصد:
١ - مدح القرآن.
٢ - بشارة المؤمنين.
٣ - ذم المنافقين الكاذبين.
٤ - ضرب مثلين لحال الطائفتين المؤمنين والمنافقين.
٥ - نداء عام للناس.
٦ - كيف بدء خلق آدم.
٧ - ذكر بني إسرائيل ونعم الله عليهم وجناياتهم.
٨ - قصة إبراهيم وإسماعيل ... الخ.
كما يقسم سورة (آل عمران) إلى عشرة أقسام، معنى ألم، معنى الإيمان والتخلية من الرذائل، وكيف يعامل المعاندون والمجادلون، وقصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى والحواريين ... الخ.
وعندما يفسر سورة (النساء) يقسمها إلى تسعة مقاطع -خلق الناس من نفس واحدة، وصلة الأرحام والوصية على اليتامى، وقسّم التركات والمعاملات المالية ... الخ.
ولئن كان التقسيم سهلًا بالنسبة للسور المدنية، وذلك لما فيها من أحكام متعددة وموضوعات متمايزة، فإنه في السور المكية، ربما يكون شائكًا بعض الشيء، لكن المفسر الفاضل (وقد ألان اللهُ له التفسير، بما منحه من فهم)، نراه يقسم السور المكية كذلك، تقسيمًا لطيفًا دقيقًا، فهذه سورة الإسراء يقسمها قسمين اثنين -الأول إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، والثاني حتى نهاية السورة، ويعرض في القسم الأول الموضوعات التالية -الإسراء، تاريخ بني إسرائيل ارتقاءً وانحطاطًا، حكم تتبع ذلك وعظات للأمة الإسلامية،
стр. 1006
كي لا تذهب دولها كما ذهبت دولة اليهود ... الخ، والقسم الثاني يشتمل على الموضوعات العملية وهي ٢٥ نوعًا.
إلا أن للشيخ طنطاوي طريقة في تناول الآيات القرآنية، فهو يبدأ بالتفسير اللفظي لكل قسم من الأقسام التي أشرنا إليها، محاولًا أن يأتي بزبدة ما قاله المفسرون، فربما يأتي للآية الواحدة بأكثر من وجه، نلحظ ذلك في كثير من تفسيره ولنأخذ مثلًا هذه الآية من سورة (براءة)، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [براءة: ١٢٢].
انظر كيف يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، أي وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا، لنحو غزو أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يقعدوا جميعًا، فإن ذلك يخل بأمر المعاش وبتوزيع الأعمال، كما أوضحناه في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل مصر أو قرية جماعة قليلة.
﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ليتكلفوا ويتجشموا مشاق تحصيل الفقه.
﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي وليجعلوا غاية سبيلهم ومعظم قصدهم من تحصيل الفقه، أن يرشدوا قومهم (ينذرهم)، لا أنهم يترفعون على الناس ويتبسطون في البلاد.
﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، إرادة أن يحذروا عما ينذرون، وإنما خص الفقه بالذكر لأنه أهم، وهناك وجه آخر، وهو أن الآية من بقية أحكام الجهاد، وذلك أن هذه الآيات لما فضح المنافقون فيها، وبعث رسول الله ﷺ السريا، نفر الناس كلهم للغزو، ولم يتخلَّف أحد فنزلت هذه الآية، وهي تقتضي أن ينقسم المسلمون إلى
стр. 1007
قسمين .. الخ) (١).
وكذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] يقول فيه (معاد دنيوي وآخروي، أما الدنيوي فإنك ترد إلى مكة إذا اشتقت إليها، لأنها مولدك ومولد آبائك، وأما الأخروي، فإنك ترد إلى المقام المحمود الذي وعدت أنت به).
ثم بعد أن ينتهي من التفسير اللفظي في كثير من الأحيان، يذكر لطائف كما يسميها، وهذا نجده كثيرًا في تفسيره، فمثلًا في سورة (التوبة)، فسر هذه الآيات ابتداءًا من قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٩] إلى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩] ثم ذكر لطائف، أولاها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾، قال: (حكم الله في هذه الآية على الأمم الإسلامية، أن تصبح في عداد الأموات، إذا هي نامت وادعةً ساكنة، ولم تسع سعي الأحياء، وأن تكون في خبر كان، وأن يستبدل بها أممًا أخرى تحل في أماكنها، تهديد شديد ووعيد عظيم، أنزله الله بمن يتركون الجهاد في خفض العيش ودعته). ثم استطرد إلى ذكر أرسطو طاليس، وما بعث به من كتب للإسكندر في هذا الموضوع.
ويقول في اللطيفة الثالثة في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. (واعلم أن التحقيق في هذا المقام، أن الأمم كلها يجب عليها العمل العام، فأصحاب القوة للدفاع، وأصحاب الصناعات لإحضار العدة، وكل امرئ في الآية مكلف بعمل، لأنه لا دفاع بلا رجال أقوياء، ولا دفاع للأقوياء بلا سلاح، ولا وقوف لهم في وجه العدو إلا بالغذاء واللباس والطرق المنتظمة، ولا طرق ولا غذاء ولا لباس إلا بأعمال هامة، ومدارس منظمة، وحكومة قادرة، وأمة مستيقظة وإرادة تامة). وهذا كلام مَنْ فهم روح القرآن وأدرك مغزاه.
стр. 1008
وربما تكون اللطيفة الواحدة صفحات كثيرة، كتلك التي نجدها في آخر سورة (براءة). فبعد أن انتهى من التفسير لآخر سورة (براءة)، أورد لطيفة ذكر فيها مقالات كتبها في الصحف، بمناسبة قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وبعد هذه المقالات العديدة ذكر معنى الفقه لغةً واصطلاحًا، ثم استطرد إلى ذكر علوم متعددة، كالطب والكيمياء والفلسفة، واستغرق هذا أكثر من ثلاثين صفحة، حتى لينسى القارئ نفسه، من أنه يقرأ تفسيرًا للقرآن الكريم.
وتلك لطيفة أخرى في سورة العنكبوت، عند قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] حيث قسم السير إلى قسمين جسمي وعقلي، ثم تكلم عن نظام الكواكب والعوالم الأربعة والعناصر ... الخ، مما يؤكد ما ذكرناه في الفقرة السابقة.
وفي ثنايا تفسيره ولطائفه، يرى القارئ أمورًا تتكرر كثيرًا، نذكر منها ما يلي:
أ- إهابته بالأمة وبخاصة العلماء وتنويهه بتفسيره:
إن الشيخ يكتب وفكرة تضغط على أعصابه وتلح عليه، تلك هذي حالة المشرق المسكين، الذي يستعبده الغرب بالعلم والمخترعات، فتجده يتلقف أيَّ فكرة، ليعلن من خلالها أصالة الشرق في هذا المضمار واستفادة الغرب، فها هو في تفسير قصة يوسف، وذكر إعداد المتكأ للضيفات، وإعطائهن السكاكين، لفت النظر إلى المستوى الاجتماعي الراقي، الذي كان يعيشه المجتمع المصري القديم والذي استفاد منه الغرب في حياته اليوم، وخلال السورة تعيش مع رحلات الشيخ في عالم النبات والطيور والزراعة وعجائب العلم.
وعند قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] يقول الشيخ: (اعلم أن هذه الآية، نزلت لتخرج المسلمين من جهالتهم العمياء، إذ هم اليوم أقل الأمم علمًا، وهذه السورة فيها سر العلوم، وهذه
стр. 1009
الآية تطلب من أمة الإسلام رقيًا في العلوم بلا نهاية) (١).
ويرى الشيخ أن تفسيره، سيكون من الممهدات لارتقاء أمة الإسلام في المستقبل ولقد كان الشيخ ذا أمل عريض، وثقة بالنفس كبيرة، وذا تطلع بعيد وهمّة عالية. استمع إليه في تفسيره للسورة نفسها -يوسف- يقول: (واعلم أنه لولا ما يحس به عظماء الرجال في نفوسهم من عزيمة صادقة وآمال قوية، ما بلغوا مقاصدهم، ولا نالوا مآربهم، ويستحيل أن يقوم عظيم بأمر عظيم، إلا بآمال نصب عينيه، وهواجس تقوم بنفسه تُسليه على مصائبه).
إذن هناك أمل يداعب خيال الشيخ، في أن يرى شرقه المعذب، وقد ارتفعت كلمته في الدنيا، وساد بعد استعباده، ولهذا هب الشيخ يربط بين القرآن الكريم الذي يؤمن به هذا الشرق ويرتبط به، وبين العلوم التي نكل عنها، واستُعبد بسبب جهله بها، فكتابه هذا الذي يتوقع له أن يحدث انقلابًا شاملًا في العالم الإسلامي، دعوة إلى العلوم، استشهد فيها بآيات القرآن الكريم، فأجاد الربط في كثير من المواضع، مما يدل على تعمق الشيخ وسعة أفقه، واتساع رؤيته وإحاطته بالعلوم والقرآن على حد سواء.
ولكن الشيخ قد يقع أحيانًا في شيء من الاعتساف والتكلف والربط البعيد، مثل محاولة الربط بين جمال يوسف التابع للحساب والقياسات -كما يرى الشيخ- والجمال التابع للكلام الذي يرجع إلى الحساب، ويضرب مثالًا بالشعر والموسيقى وتقطيعات الشعر وأعدادها وحروفها، وكذلك نغمات الطير التي تجري على حساب الحركات، ويخرج بنتيجة أن الجمال في العالم ليس يدركه إلا العلماء، الذين درسوا الرياضيات والطبيعيات والحكمة.
ولقد بذل الشيخ جهدًا في تطوير فهم القرآن، ولفت الأنظار إلى غرائبه وعجائبه
стр. 1010
كما أنه نبه علماء الإسلام على ضرورة مخاطبة قومهم، بما يناسب واقعهم وبما يعيشون من حوادث (فهذا موسى ﵇ يأمره ربه ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وإن على علماء الإسلام أن يحذوا حذو موسى ﵇، إذ اصطفى ما يناسب من قومه، وانظر في هذا قوله تعالى في نفس الموضع من سورة إبراهيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فالمدار على البيان الذي يعقله القوم، فالقرآن نزل لننسج على منواله، ونذكر الناس بما يناسب عقولهم، هذه هي عجائب القرآن التي يعجز عنها الفصحاء والحكماء، كلام مملوء حكمًا وغرائب) (١).
وإنها للفتة رائعة من الشيخ إلى علمائنا النظريين، الذين لا يلتفتون إلى واقع الحياة فيعالجونه، بل يكتفون بسرد مواعظهم وأقاصيصهم، تاركين الأدواء تفتك بالمجتمعات، ولا حل لها إلا على أيدي الفاجرين ألا رحمك الله يا شيخ طنطاوي، لقد كنت روحًا جادة وفكرًا ثاقبًا وهمة عملاقة! !
وما أجمل ما يذكره من التفريق بين تذكير المسلمين فعلًا وبالوقائع، وبين أمرهم بالتذكر والعودة إلى الله، وهو يرى أن الفرق بينهما، كالذي يقرأ آيات الصلاة ويكررها فلا يكون مصليًا بها، والذي يمارس فعل الصلاة ويقيمها فيكون مصليًا، كذلك التذكير والأمر به، ومن هنا فإن الشيخ في كتابه وجواهره، يمارس فعلًا عملية التذكير، من خلال الوقائع التي عاشها المسلمون طوال تاريخهم، وما حل بهم من رفعة وهبوط، وما وصل إليهم من علم، وما وصل إليه العصر الحديث، فكل هذا تذكير للمسلمين بأيام الله.
ويضرب الأستاذ مثلًا لاستفادة المسلمين من الآيات، وتطبيقها على الوقائع، بفعل أبي بكر ﵁، حين اجتماعه بالأنصار في سقيفة بني ساعدة قبل توليه الخلافة، حيث قال:
стр. 1011
(أيها الأنصار، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، ألم تكن فينا نحن المهاجرين؟ فقالوا: ألم تقرأوا قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فها نحن أولاء الصادقون، فلتكن معنا) (١).
ويتساءل الشيخ بعد هذا المثل - (أفلا يحق لنا أن نقول للمسلمين، الذين ضربتهم أوروبا ومزقت شملهم، وضحكت على أذقان عظمائهم- أيها المسلمون لم كرر الله ذكر السماوات والأرض؟ ولم ضرب المثل بشجرة تمتد من الأرض إلى السماء؟ ولم ذكر السماوات والأرض في كل مناسبة: في أول السورة على لسان نبينا، وفيها على لسان موسى، وعلى ألسنة جميع الأنبياء مع أممهم؟ ويعيدها في ضرب الأمثال ويكررها في كل حين؟ (٢). إن ذلك لأجل أن نتدبر ونتفكر، ونرتقي بواقعنا ونعرف أسرار الكون، لنواكب تيار الحياة، ونتفوق في مضامير المعرفة.
وما أشد المرارة في نفس الشيخ حيث يتساءل:
(هل الخطاب بتسخير الكون، والإنعام بكل ما سأل الإنسان، استثني منه المسلمون؟ هل جعل الله الثمرات في الأرض خاصة بغير المسلمين؟ .
وهل الفلك التي تجري في البحر ما بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا، هل هذه السفن خاصة بالإفرنج؟ ! .
ويشتد الشيخ في الحكم على غفلة المسلمين، حيث يجعلها عين عبادة الأصنام وذلك استنتاجًا من دعاء إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فهو يرى أن إبراهيم الذي كسر الأصنام، لا يمكن أن يداخله ميل إليها أو هوى لعبادتها، ولكنه يعني الاستعاذة من حصر الفكر وعمى القلب والأبصار عن عجائب الدنيا، وهذه كلها حالات ملازمة لعبادة الأصنام، فدعوة إبراهيم كانت استعاذة من ملازمة عبادة الأصنام، وليس منها نفسها. وتأمل كيف أن
стр. 1012
الخليل عندما كسر الأصنام نظر نظرة في النجوم، وارتقى إلى الأفلاك وفوق السبع الطباق، وعندها قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وإن دعوة أبينا إبراهيم لنا أن يجنبنا الله عبادة الأصنام، إنما هي دعوة للعرب أن يجنبهم الله تقييد الفكر وانعدام النظر في الطبيعة، كما نظر هو، وكما فكر يوم قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فنفكر في الخروج من هذا المأزق، ونفك القيود التي قيدنا بها.
وتعجبنا واقعية الشيخ، وحديثه الصريح عن الذي يضطرب في أحشاء هذا العالم الإسلامي، من حركات ومذاهب ومخاضات فكرية وصراع وتخلف، وهو يتحدث عن طائفة الشيعة الإسماعيلية في الهند، كيف استعبدهم آغا خان، وحرفهم عن عقيدتهم، وكل ذلك في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، ثم يطلق الشيخ حكمًا لطيفًا حيث يقول: (إن الأئمة وكتب السلف والخلف، بمثابة لبن الأم، فإذا ترعرع الطفل، وبلغ سن الفطام، حتم عليه أن يأكل من نبات الأرض وحيوانها، وهكذا لا يجوز لشيوخ الطرق، ولا لعلماء الدين أن يفهموا الطالب أنه دائمًا محتاج إليهم، بل لا بد أن يطلقوا لهم الحرية فيرتقوا) (١).
ومن هذا المنطلق، أعني إهابة الشيخ بالمسلمين وتفطر فؤاده لواقعهم، يعرض الشيخ لنقد الوهابية -كما يسميهم- فيقول: (نعم قام فينا الوهابية الذين يملكون الحجاز ونجدًا الآن، وهي وإن أزالت الخرافات، فقد وجب عليها أن تنظر في مثل ما نظرناه، ألا وهي مناظر الدنيا وعجائبها، إن الوهابية برعوا في القسم السلبي من الإسلام، ولكنهم لم يراعوا القسم الإيجابي منه، أي إنهم حصروا همهم فيما ذكره العلامة ابن تيمية، وفاتهم أن العلم أوسع وأوسع) (٢).
стр. 1013
إن الشيخ يرى سبيل النهضة كما قال في تفسيره لسورة (الحجر)، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].
(المتنورون والمتوسمون في العالم الإسلامي، يريدون الإسراع في الرقي فإذا عاونهم رجال الدين بأن فهموا أمثال ما يكتب في هذا التفسير، أسرع الرقي إلى بلاد الإسلام، كما أسرع سابقًا في بلاد اليابان، وإن تباطأ علماء الدين وبقيت دراسة الإسلام على ما هي عليه، هلكت هذه الأمة هلاكًا لا مناص منه، كما هلكت أمتان عظيمتان، في زماننا، هما أهل أمريكا الأصليون، وأهل أستراليا الأصليون. فهؤلاء لما دخلت عندهم المدنية الأوروبية، ولما يجاروا القوم، هلكوا وانقرضوا إلا قليلًا) (١). ثم يحذر الأمم الإسلامية تحذيرًا قويًّا، بأن استقلالها سيضيع منها، إذا هي لم تستخرج كنوز الأرض وتَبْنِ قوتها، أما إذا حفظت الأمانة، واستخرجت الكنوز من الأرض ونفعت نفسها والناس، فإنها ستبقى في أرضي الله، وإلا فستكون كالأمم التي بدلت نعمة الله كفرًا.
ولنستمع إليه وهو يقول في تفسيره لسورة الإسراء. (فيا عجبًا للمسلمين، يكون هذا دينهم، وهذا نبيهم، ثم ينامون وتدوسهم الأمم، يمر نبينا على أنبياء هذه الأمم أمة أمة، ثم يغادر عيسى إلى السماء الثانية، ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة، وهكذا ثم ينام المسلمون عن هذا كله، يمر على الأنبياء حتى يتركهم، ويصل إلى مستوى فوق السبع الطباق، والمسلمون يسمعون هذا الكلام كأنهم لا يعلمون؟ ! ولكن بعد ظهور هذا الكتاب، سيظهر في الأمة رجال يعقلون ويعلمون، فيعرفون ما الحكمة في هذا الارتقاء).
وفي سورة الأنبياء حيث حطم سيدنا إبراهيم الأصنام، نجده يقول: (إن إبراهيم ﵇ حطم الأصنام، وهكذا سيدنا محمد ﷺ ، وهذان قدوتنا، فعلى علماء المسلمين، وعليك أيها الذكي، أن تكسر بعلمك وبلسانك، كل ما تراه معطلًا
стр. 1014
لرقي الأمة الإسلامية) (١)، ثم يختم تفسير السورة بهذا النداء:
ظهر الحق أيها المسلمون، اللهم إني أبرأ إليك من الكتمان، اللهم إني بينت في هذا التفسير داء المسلمين ودواءهم في أكثر سور كتابك. أيها المسلمون ما فرقكم إلا الجهل، أيها المسلمون، أليس فيكم رجل رشيد؟ أليس فيكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في هذه الأرض؟ ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] (٢).
ب - استشهاده بأقوال علماء الغرب:
طيلة مسيرتك مع الشيخ، وتأملك في جواهره، تجده يستشهد بين الفينة والفينة، بقصص علمية أو أقوال لعلماء ومخترعين، من ذلك ما نراه في مجال دعم ما يناقشه من قضية إثبات الصانع والديانات، عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] بقول لهكسلي ينقله عن سبنسر: (العلم الطبيعي الصحيح والدين الصحيح توأمان، إذا انفصل أحدهما عن الآخر، خرا صريعين وماتا رغم أنفهما). ثم قال سبنسر: (متى اتفق العلم والدين نموا نموًا صحيحًا، فالدين ينمو بامتداد جذوره وتغذية أصوله، في رياض العلم الصحيح، والعلم الصحيح يؤيده الدين ويشد أزره، فيكون قويًّا متينًا).
بل نجد الشيخ طنطاوي ﵀، يصرح بما هو أخطر من ذلك، حيث يقرن بالكتاب العزيز كلام الفرنجة، لتأييد ما يدعو إليه، فها هو عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] يقول:
(فانظر كيف كان القرآن يدعو حثيثًا إلى هذه العجائب، وصغار العقول نائمون، وبعض العلماء غافلون، والمغرورون من متعلمي اللغات الإفرنجية مفتونون، وقد أقمت الحجة على الجميع من الكتاب وكلام الفرنجة، عسى أن يكونوا من
стр. 1015
المفكرين). وقول الشيخ هذا، يبرهن على ضخامة الدور الذي كان يلعبه تلامذة الإفرنج في العالم الإسلامي، حتى شكلوا هذا الضغط النفسي على علمائنا، وأنطقوا ألسنتهم بهذه المقالات، وجعلوهم ينحون هذا المنحى الخطير في التفسير).
جـ - كثرة الصور في الكتاب:
من الأمور التي تسترعى انتباه القارى، ما يجده قد بث في ثنايا الكتاب من صور عديدة متنوعة، فمن صورة حشرة كنملة أو عنكبوت، إلى صورة الفراشة والخنفساء والدودة الشريطية، فرأس البرغوث فأم الأربعة والأربعين، إلى صور حيوانات برية وبحرية، إلى صور بعض الأناسي، إلى صور الطير وصور بعض الناس، وأذكر أنني حينما كنت طالبًا في كلية أصول الدين، كنت أتردد على المرحوم الأستاذ محب الدين الخطيب، قبل أن يكون رئيسًا لتحرير مجلة الأزهر، وسألته عن تفسير الشيخ طنطاوي، فلم يُبدِ لي كثيرًا من الاستحسان، ثم قال: (ما هذا التفسير الذي يمتلئ صورًا؟ ) وذكر على سبيل المثال، صورة آغاخان كبير فرقة الإسماعيلية.
د - ولع الشيخ بالحديث عن الأرواح:
من الغريب أن نجد عالمًا فاضلًا وهبه الله فكرًا مستنيرًا، ومنّ عليه بإيمان راسخ وعقيدة ثابتة، أقول من الغريب أن نجد مثل هذا يؤمن بتحضير الأرواح، ويؤلف لذلك الكتب، ولا يكتفي بذلك، بل يمزج هذا بتفسير القرآن الكريم، ولو أردنا أن نعدد المواضع التي ذكر الشيخ فيه مسألة علم الأرواح لطال الأمر، لأننا لا نكاد نقرأ تفسير سورة من سور القرآن، إلا ونجد لعلم الأرواح ذكرًا، بل نجد في السورة الواحدة مواضع عديدة، ذكر فيها مسائل الروحانية الحديثة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، يقحم الحديث عن الأرواح عند تفسير الآية، ليجعلها دليلًا على
стр. 1016
تحضير الأرواح، ويلوم المسلمين لقعودهم عن هذا العلم الذي سبق إليه الغربيون، ولا ينسى أن يكرر هذا القول عند تفسير قول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وعند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ويقول عند تفسيره لقول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، (ولقد أظهر علم الأرواح في الكشف الحديث، أن الأرواح الشريرة توسوس لأمثالها من الأحياء بما يناسب طبائعها، ويوالونهم، ويريدون أن يكونوا على طرائقهم ... وأهل العلم والفضلاء يعطون الأحياء إرشادًا وتعليمًا نافعًا، كما كانوا في الدنيا، وعلى ذلك يكون الفاسقون الميتون من البشر، ملحقين بالجن في الوسوسة، والصالحون الميتون ملحقين بالملائكة في الإلهام، وهذا الكشف الحديث الذي ملأ أمريكا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا وجميع بلاد العالم، ما عدا المسلمين، هو الذي يكون به تفسير القرآن ... الخ).
وها هو في السورة نفسها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]، يقول تحت عنوان: (عجائب القرآن ومعجزاته في القرن العشرين): (أفادت هذه الآية أن الإيمان بالله واليوم الآخر، تابع لمشيئة الله واستعداد الإنسان، فليست البراهين بمغنية ما دام المرء لا يستعد، والقضاء لم يسعد، وهذا بعينه الحاصل الآن، ألم تر إلى أننا اليوم في القرن العشرين، نسمع أن العلماء في أمريكا وأوروبا يكلمون الموتى، ومع ذلك نرى بعض المتعلمين في بلادنا الشرقية، يكفرون بالله واليوم الآخر، ولا يقلدون في الإيمان ساداتهم من الفرنجة ... فالله تعالى أذن للناس أن يكلموا الموتى في عصرنا الحاضر كما في الآية ... الخ) (١).
стр. 1017
وها هو عند تفسيره لسورة الإسراء (يريد أن يثبت صحة الإسراء علميًّا بأدلة من علوم الغربيين وقصصهم، وأقوال علماء الأرواح الذين يرون أن هذه الأجسام البشرية في الدنيا تنظمها أرواح، وكل جسم يربى فيه جسم آخر على مثاله، نوراني أثيري، أي مادة أثيرية، وهذا الجسم الأثيري البرزخي منطبق تمام الانطباق على هذا الجسم المادي، وأن الإنسان إذا تجرد من هذا الجسم، يرى أنه لم يكن هناك فرق بين المجسمين ... الخ.
ويجد الشيخ المجال الخصيب للحديث عن الأرواح، عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. (حيث يطيل القول ويأتي بموضوعات عديدة (١)، فيكتب فصلًا عن طريق تحضير الأرواح، يذكر فيه ست طرق، وعن الأرواح تكتب بلا أقلام، كما يتحدث عن آداب تحضير الأرواح، وعن حوادث عديدة في مصر، جرى فيها تحضير للأرواح، إلى آخر ما هنالك من مسائل كثيرة حول هذا الموضوع.
كما لا ينسى الشيخ ﵀: الحديث عن الأرواح عند قوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] وعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].
إلا أن من الإنصاف للرجل أن نقول، إنه في أكثر هذه المواضع التي ذكرناها، كان لا يتحدث في هذه الأحاديث عند التفسير اللفظي للآيات، وإنما يتحدث بعد انتهاء التفسير اللفظي، حيث يتحدث عن لطائف أو جواهر عن هذه الآية أو تلك، بل لقد صرح الشيخ ﵀ بأنّ حديثه هذا ليس تفسيرًا للآية بل الآية تبقى على ظاهرها، وإنما ذلك رمز، فها هو عند تفسيره للآية الأخيرة يفسرها تفسيرًا لفظيًا، ليس فيه زيادة ولا خروج عن المألوف، ولكنه بعد انتهاء هذا التفسير لها ولآيات بعدها، يأتي
стр. 1018
بلطائف، ومنها لطيفة في هذه الآية، يضمنها حديثه عن الأرواح.
ويعترض عليه بأن قوله هذا، ليس منسجمًا مع النصوص القرآنية، فكيف يقصره على علم الأرواح؟ فيجيب الشيخ: (أنا لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول إنه رمز له وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها، ترمز إلى ما ذكرناه فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى، وتكون رمزًا لهذا، وهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه، كما أوضحه الإمام الغزالي في تفسير قوله ﷺ : (إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة)، فقد جعلها على حالها، ورمز بها إلى الشهوة والغضب فافهم، فإذا فهمت هذا فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب) (١).
حتى مع التسليم بصحة ما ذكره الشيخ، فإن ذلك في رأينا لا يسلمه من الإنحاء عليه باللائمة، ولا يعفيه من عتاب عنيف ونقد ومؤاخذة توجه إليه، من كل هؤلاء الذين يغارون على الإسلام وأمته كغيرته هو.
إن مزج التفسير بهذه المسائل في اعتقادي، هو الذي أفقده عنصرًا هامًا من عناصر الشهرة والإقبال عليه والإفادة منه، ويا ليت الشيخ ﵀ اكتفى بما ذكره في تفسيره من الفوائد العلمية، وهو كثير، ولم يتورط بإقحام هذه المسائل، التي لم تثبت صحتها، ويقيني أنها لن تثبت كذلك، يقول الدكتور محمد محمد حسين عن هذا التفسير: (وكم كانت الكارثة شديدة الوقع، حينما نرى الشيخ طنطاوي قد خدع بجمعية أبي الخير الروحية، كما أفسح المجال في تفسيره للنقل عن مزاعمهم ودعاواهم، مما أدخل الفساد والضعف على كتابه ذلك، في كثير من المواضع) (٢).
стр. 1019
٣ - أسلوب الشيخ في التفسير:
منّ الله على الشيخ طنطاوي بسعة اطلاعه، فهو ذو ثقافة متنوعة الأبحاث متعددة المناحي، فإذا أضفنا لهذا ذكاءه وخياله، استطعنا أن ندرك سر هذا اليسر، وتلك السهولة والسلاسة في أسلوب الشيخ، وعلى الرغم مما في التفسير من مصطلحات ومباحث، وعلى الرغم مما فيه من كلام مترجم وغير مترجم، فإن القارئ لا يجد عناء، ولا يشعر بسآمة، ولا يحس بملل من أسلوب الشيخ، وربما يمج فكرة أو موضوعًا لذاته، ولكن لا من حيث الأسلوب. ولقد حاول مفسرنا ﵀ أن يضيف لتلك السهولة في الأسلوب محسنات ومشوقات، فها هو مثلًا يأتي في أثناء التفسير بهذه الألفاظ، التي لم يألف القارئ وضعها في عناوين لأبحاث وفصول، كقوله (وهذا القسم في عشر ماسات وخمس زبرجدات وثلاث جواهر وياقوتتين) وهكذا يجري الشيخ على هذا المنوال.
كما أنه في تفسيره ينوع أسلوبه ويزينه، حتى يعود سائغًا لذة للدارسين، وحتى يؤدي دوره المرتقب في بعث العالم الإسلامي ورقيه كما يتوقع، فهو يضرب المثل، ويقرب المعنى بالقصة والمحاورة، ويزين الأفكار بحلل الخيال ومشاهد الجمال الكوني.
أ - أسلوب القصة:
فها هو ذا في تفسيره لقصة موسى والرجل الصالح، في سورة الكهف يقص قصة خيالية بطلها الحارث بن همام، قال: (أخذتني سنة من النوم، فرأيت فيما يرى النائمون رجلين، وبينما نحن كذلك، إذ انقض طائر أبيض من فوق الشجرة، وأقبل إليهما وجلس بينهما، ثم انقلب فجأة رجلًا سويًّا، فقال: قد سمعت قولكما وفهمت ما دار بينكما، ثم التفت إلى الشيخ وقال: (هل قرأت قصة الخضر وموسى ﵉ في سورة الكهف؟ قال (نعم). قال: (هل تدري ما فيهما من
стр. 1020
الحكم)؟ قال: (نعم). ثم يأخذ الطائر الرجل يقص ما في القصة من حكم، بعد أن عجز عنها الشيخ فيقول:
١ - قال الله لموسى إن الخضر أعلم منك بعد أن عتب عليه.
٢ - ولما سأله عن مقره قال: مجمع البحرين، فلم عبر بالبحرين؟ فكأن المقام مقام تبحر في العلم.
٣ - ذكر في الخبر، أن عند الصخرة ماء عين الحياة، ونام موسى فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده، عاشت ووقعت في الماء، وعين الحياة رمز للعالم هو الحي الحقيقي بعد الموت وفي الدنيا، والناس جميعًا أموات .. ).
واللطيف في أسلوب قصة الشيخ، أنها جاءت متناسبة في أكثر من وجه مع القصة الأصلية، فالرجلان الأولان في القصة أحدهما عالم، والآخر فلاح يريد أن يتعلم، ثم هذا الشيخ يعلمه الطائر المنقلب رجلًا، فتأمل عمق الشيخ ودقته وجميل أفكاره.
ب- أسلوب المحاورة:
فكما اعتمد الشيخ أسلوب القصة، يوشح بها بعض مقاطع تفسيره، فقد استعمل كذلك أسلوب المحاورة، فيصور لنا أن عالمًا يرتاده بين الفينة والفينة، ليسأله مسألة في التفسير، ليبين فيها وجهًا غامضًا، ويجري حوارًا لطيفًا، يخرج الفكرة بيضاء ناصعة، نقشت في صفحات القلب، وها هو الشيخ المستفسر يجلس إلى الشيخ يسأله في أثناء كتابته تفسيره سورة طه.
يقول الشيخ طنطاوي: (لما وصلت إلى هذا المقام، حضر صديقي العالم، الذي اعتاد أن يناقشني في أمثال هذا المقام، واطلع على ما تقدم وقال: لقد أحسنت صنعًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، إذ أبنت أن القرآن يدخل العلوم والحكم في غضون القصص،