← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أن يكون هذا الإنسان قد بلغ من البلاهة حدًّا، بحيث لا يعرف أن هذا الحجر الذي نحت من الجبل، لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما، ولم يخلق أنفسنا، ونحن الذين أوجدناه وهندسناه وأبرزناه، إن العقل يأبى أن يصدق أن هذه الأمم العظيمة الكبيرة، الحكيم علماؤها، تبقى مخدوعة هكذا آلاف السنين، إذن لا بد أن يكون هناك أصول رجعت إليها، وعوامل عولت عليها وأحوال فقهتها، حتى بقيت تلك الديانات فيها، وهل يدوم ما لا أصل له، وهل للخداع ثبات؟ (١)، ثم ينقل كلامًا عن الرازي للجواب عن هذا التساؤل. فيعقب الشيخ الحمامي على ذلك ويسأل ما إذا كان القارئ سيفهم أن طنطاوي يدافع عن المشركين بهذا الكلام، ولوجه صحة إشراكهم. ٣ - هل الأخلاق الفاسدة وإغواء الشياطين رحمة (٢): يقول الشيخ طنطاوي (إن ما في الأرض من الأخلاق الفاسدة، وإغواء الشياطين الأرضية، كل ذلك رحمة، لأنه لولاه لم تحتمل العقول شموس المعارف العلمية، التي تستعد لها النفوس الأرضية بفطرتها). ويعقب الشيخ الحمامي على ذلك بقوله، (إن هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، ثم يذكر المفسر بقول الشافعي ﵁: شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأنَّ العلمَ نورٌ ... ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصي وهناك ملحوظات أخرى لا أريد التطرق لها خشية الإطالة، ولأنها إنما جاءت من استرسال الأسلوب، وعدم وضوح العبارة في بعض الأحيان. وأكتفي بما ذكرت عن الشيخ وتفسيره، ولعلي أكون قد أعطيت صورة واضحة الرؤية، غير مجانبة للإنصاف في تلك النبذ التي كتبتها، والتي حتم اختصارها

стр. 1052

المجال الذي أكتب فيه. ومهما يكن من أمر، وعلى الرغم مما تعرض له تفسير الشيخ طنطاوي، من هزات وما أثير حوله من جدل، فإنه كان ولا يزال مدرسة جديدة ومفيدة، وبخاصة للشباب المسلم في هذا العصر، وكان لها روادها وتلاميذها الكثيرون، الذين أفادوا منها، كما ظهر ذلك في كتاباتهم ومؤلفاتهم. ألا رحم الله الشيخ طنطاوي جوهري، وجزاه عن صنيعه كل خير، وجعل له من صدق نيته مقعد صدق عند مليك مقتدر، ونرجو الله تعالى أن يحقق آماله التي كان يترقبها لهذه الأمة.

стр. 1053

الفصل الثالث المدرسة التربوية الوجدانية كان سيّد قطب ﵀ أكثر المفسرين التزامًا بآراء جمهور العلماء فلم يسمح لنفسه ولا لقلمه أن يسير وراء النظريات العلمية في تفسيره بل كان يحكّم النص ويجعله الأساس الذي لا ينبغي أن يعدل عنه كما أنه ﵀ لم يرخِ العنان للعقل فيجعله قسيمًا للوحي ولكنه وقف موقف الناقد البصير من المدرسة العقلية والعلمية، فلقد كان للظلال مميزات (١) لا تتصل بالآراء العلمية والعقلية وإنما هي مميزات جوهرية تميزه عن جميع التفاسير، ذلك أن الطابع التربوي الوجداني والفقه الصحيح -أعني به الفقه الحركي للدعوة الإسلامية منذ نزول القرآن- من أهم ما قصده الرجل وهو يكتب، لذا أحببت أن أفرد له مدرسة خاصة به. كان ظلال القرآن نسيج وحده من حيث تناوله تفسير القرآن الكريم، فلقد كان (في ظلال القرآن) نفثات صدر، وخوالج نفس، وصرخة فؤاد يحس قارِئُه أنه عصارة قلب، جمعت بين الألم والأمل، وهو جهد بشري يعتريه ما يعتري جهود البشر، وكما كان (في ظلال القرآن) نسيج وحده من تلك الحيثية السابقة، كان نسيج وحده كذلك من حيث الأسلوب، وهناك حيثية غير هاتين، فلقد كان أكثر

стр. 1054

التفاسير التي تباينت منها مواقف النقّاد، فعلى حين رأى فيه الكثيرون بغيتهم، ومحط آمالهم، والضالة التي كانوا يبحثون عنها بكل لهفة، فوجدوها في (في ظلال القرآن)، وجدنا آخرين يوجهون إليه سهامهم المسمومة، ونقدهم اللاذع سواء أكان ذلك للتفسير نفسه أم لشخص كاتبه ﵀ ولن نستبق الحكم على ما ذهب إليه أولئك ولا هؤلاء، بل سأدع هذا الحكم فيما بعد أشرك فيه أنا وأنت أيها القارئ الكريم، لذا فسيكون حديثي عن هذه المدرسة التربوية الوجدانية، أو عن الظلال منتظمًا جانبين اثنين: الجانب الأول: الظلال من حيث مادته وأسلوبه، وما يتصل بذلك مما يكتب عن كل تفسير. والجانب الثاني: آراء خصومه وشانئيه، أو من أظهر الاعتدال في نقده. ومن الله وحده التوفيق وعليه سبحانه التوكل وما توفيق إلا بالله إليه أنيب. أما الجانب الأول فنتحدث فيه عمّا يلي: أولًا: التعريف بصاحب الظلال الأستاذ الشهيد سيد قطب. ثانيًا: التعريف بالظلال وفهم صاحبه له. ثالثًا: منهج سيد وطريقته في التفسير. رابعًا: أهم ما يجلي التفسير، ويندرج تحته موضوعات: الموضوع الأول: ما شارك فيه التفاسير الأخرى. ويظهر هذا في: ١ - فواتح السور. ٢ - الآيات العلمية. ٣ - المبهمات في القرآن الكريم. ٤ - آيات الأحكام.

стр. 1055

الموضوع الثاني: العقيدة في (في ظلال القرآن): ١ - العقيدة في إطارها العام. ٢ - العقيدة في إطارها الخاص. ٣ - نماذج من تفسيرات العقيدة. خامسًا: سيد والمدرسية العقلية. سادسأ: تقويم التفسير: ١ - خصائص عامة في الظلال. ٢ - ميزات التفسير. أما الجانب الثاني فنتحدث فيه عن: ١ - منهجه في التفسير الموضوعي. ٢ - اتهامات ربيع المدخلي لسيد قطب وشهادة بكر أبي زيد. ٣ - وقفة مع كتاب في (في ظلال القرآن) رؤية استشراقية فرنسية معاصرة. ومن الله وحده التوفيق وعليه سبحانه التوكل وما توفيقي إلا بالله إليه أنيب.

стр. 1056

سيد قطب/ صاحب الظلال تعريف بصاحب الظلال (١): هو سيد قطب بن الحاج قطب إبراهيم هاجر جده السادس (عبد الله) من الهند إلى مصر، ولد في إحدى قرى محافظة أسيوط عام ١٩٠٦ ميلادي. نشأ في أسرة متدينة كان لها أعظم الأثر في تربيته وتكوين شخصيته، يدلنا على هذا إهداؤه لكتابيه (التصوير الفني) و (المشاهد) حيث يقول في إهداء الكتاب الأول: - (إليك يا أماه أرفع هذا الكتاب فطالما تسمعت من وراء (الشيش) في القرية للقراء يرتلون في دارنا القرآن، طوال شهر رمضان، وأنا معك -أحاول أن ألغو كالأطفال- فتردني منك إشارة حازمة وهمسة حاسمة فأنصت معك إلى الترتيل وتشرب نفسي موسيقاه وإن لم أفهم بعد معناه). كما يقول في إهداء الثاني: (إلى روحك يا أبي أتوجه بهذا العمل/ لقد طبعت في حسي -وأنا طفل صغير-

стр. 1057

مخافة اليوم الآخر، لم تعظني ولم تزجرني، ولكنك كنت تعيش أمامي واليوم الآخر في حسابك، وذكراه في ضميرك وعلى لسانك ... إن صورتك مطبوعة في مخيلتي ونحن نفرغ كل مساء من طعام العشاء فتقرأ الفاتحة وتتوجه بها إلى روح أبيك في الدار الآخرة ونحن أطفالك الصغار نتمتم مثلك آيات منها متفرقات قبل أن نجيد حفظها كاملة). تلقى علومه الأولية في الكتاتيب وهناك حفظ القرآن، واستمر في دراسته إلى أن تخرج في دار العلوم سنة ١٩٣٣ م وشغل مناصب كثيرة، وكان للمعاهد العلمية التي دخلها ولكتب التفسير التي قرأها باعث الأسف في نفسه كما يقول في مقدمة كتابه (التصوير الفني). لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل الذي كنت أجده في الطفولة والصبا، لقد طمست كل معالم الجمال فيه، وخلا من اللذة والتشويق ترى أهما قرآنان؟ والقرآن الذي كان يجده في الطفولة والصبا هو الذي عاد يبحث عنه إذا عاد إلى القرآن يقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير، وعاد يجد قرآنه اللذيذ الجميل، قرآنه الذي يجد فيه صوره المشوقة اللذيذة التي يقول عنها (إنها ليست في سذاجتها التي كانت هناك لقد تغير فهمي لها فعدت الآن أجد مراميها وأغراضها. ولقد عرف سيد في الوسط الأدبي بنشاطه وأسلوبه ونتاجه ودفاعه عن مدرسته التي ارتضاها لنفسه لقد تأثر بالعقاد، ومساجلاته مع الرافعي ﵀ كانت مادة غزيرة للقراء في تلك الحقبة من الزمن، إلا أن هذا النشاط الأدبي لم يصرف حسّ سيد عن شعوره بجمال القرآن، وعدّه الأصل الأول للفن الأدبي والتصوير البياني. وقد سافر إلى أمريكا موفدًا مرتين، فكان لذلك أثر كبير في نفسه، فلقد عاد بانطباعات عن الحضارة الغربية ومسالك أهلها، والتي سحرت الكثيرين غيره من أبناء المسلمين، أما هو فلقد أحدثت عنده رد فعل عنيف لا بما هاجمهما به فحسب، وإنما بتصميمه على أن الإسلام لا بد أن يبعث من جديد في أمته، وذلك

стр. 1058

لحاجة العلم الماسة إليه فكان الظلال، يقول: (وانتهيت من فترة الحياة في ظلال القرآن إلى يقين جازم حاسم أنه لا صلاح لهذه الأرض ولا راحة لهذه البشرية ولا طمأنينة لهذا الإنسان ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله ... والرجوع لله له صورة واحدة وطريق واحد لا سواه إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية ... ) (١). ومن ذلك الوقت بدأت المكتبة الإسلامية تستقبل بين كل حين وآخر كتابا جديدًا من كتب سيد فيه عمق الفكر وحرارة الدعوة والتركيز المستمر الدائم على أن الإسلام منهج كامل شامل يتناول مظاهر الحياة جميعها، وبدأ حينها حياة جديدة مع هذا الدين وهذا القرآن ومع الإخوان المسلمين، وبقي مدافعًا منافحًا عن الحق حتى استشهد، حيث حكم عليه بالإعدام جمال عبد الناصر وذلك عام ١٩٦٦ م. ومن الكتب التي أخرجها للمكتبة الإسلامية: الإسلام ومشكلات الحضارة، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، مشاهدة القيامة في القرآن، التصوير الفني في القرآن، معالم في الطريق، دراسات إسلامية، معركة الإسلام والرأسمالية، السلام العالمي والإسلام، العدالة الاجتماعية في الإسلام، في ظلال القرآن ويقع في ثلاثين جزءًا وهو موضوعنا الذي ستتحدث عنه إن شاء الله. التعريف بالظلال وفهم صاحبه له: إذا كان صاحب المنار ذا نزعة عقلية قوية ظهرت في ثنايا تفسيره حينما أراد أن يثبت أن القرآن لا يتعارض مع ما يقرره العقل، وإذا كان الشيخ طنطاوي عاش مولعًا بعجائب الكون، محاولًا أن يعكس ما أولع به على تفسيره، فإن سيد قطب عاش في ظلال القرآن، ومن هنا فإن كتاب الظلال يمكن أن نعده مدرسة جديدة

стр. 1059

بالإضافة إلى المدرستين السابقتين أعني مدرسة المنار ومدرسة الجواهر (١)، يقول صاحب الظلال في مقدمته: (الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه ... لقد عشت أسمع الله -سبحانه- يتحدث إلي بهذا القرآن، أنا العبد القليل الصغير ... أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟ وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة، انظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال ... وأعجب ما بال هذا الناس؟ ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟ يا حسرة على العباد. وعشت في ظلال القرآن -أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود ... إنه عالم الغيب والشهادة لا عام الشهادة وحده ... والموت ليس نهاية الرحلة إنما هو مرحلة في الطريق، وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله ... وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع ... وعشت في ظلال القرآن أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل

стр. 1060

للإنسان ومن بعد، إنه إنسان بنفخة من روح الله ... فعقيدة المؤمن هي وطنه وهي قومه وهي أهله، ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج. والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان، إنه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه، ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم ... ومحمد عليهم الصلاة والسلام ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]. هذا الموكب الكريم ... يواجه مواقف متشابهة وأزمات متشابهة ... وفي ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ولا للفلتة العارضة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ... إن الوجود ليس متروكًا لقوانين آلية صماء عمياء، فهناك دائمًا وراء السُّنن الإرادة المدبرة والمشيئة المطلقة، والله يخلق ما يشاء ويختار، كذلك تعلمت أن يد الله تعمل ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة، وأنه ليس لنا أن نستعجلها ولا أن نقترح على الله شيئًا ... فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل ومن ثم لم يكن متعسفًا ولا عجولًا في تحقيق غاياته ... كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصبرون على الخطو المتزن ... فأما الإسلام فيسير هينًا لينًا مع الفطرة يدفعها من هنا ولردعها من هناك ويقومها حين تميل، ولكنه لا يكسرها ولا يحطِّمها، إنه يصبر عليها عبر العرف البصير الواثق من الغاية المرسومة، والذي لا يتم في الجولة الأولى يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو الألف ... إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعًا ولا موضوع اختيار إنما هو الإيمان أو فلا إيمان ... ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].

стр. 1061

والأمر إذن جدٌّ ... إنه أمر العقيدة من أساسها ... ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها ... إن هذه البشرية -وهي من صنع الله- لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده -سبحانه- وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق وشفاء كل دواء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الاسراء: ٨٢] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الاسراء: ٩]. ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثًا هائلًا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرًا في كل ما ألم بها من نكبات ... إن هناك عصابة من المضللين المخادعين أعداء البشرية، يضعون لها المنهج الإلهي في كفة، والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ثم يقولون لها اختاري! ! . وهناك آخرون لا ينقصهم حسن النية ولكن ينقصهم الوعي الشامل والإدراك العميق ... إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون فإنفاذُ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثر إيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون ... والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير أصلها الكبير، فهي موضوعةٌ لتنفذ في مجتمع مسلم ... هذه بعض الخواطر والانطباعات من فترة الحياة في ظلال القرآن لعل الله ينفع بها ويهدي ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١). هذا قبس من تلك المقدمة لتفسير الظلال، ومنه ندرك أن الرجل ﵀ كانت

стр. 1062

تسيطر عليه فكرة فهو يخرج هذه الكلمات من قلبه، بعد أن تفيأ هذه الظلال القرآنية المباركة، فارتفع علو نفس وعزة مسلم وكبرياء مؤمن بغير بغي أو طغيان، والتفت حوله فإذا بأمة انسلخت من القرآن لتتفيأ ظلًا غير ظليل، لا يغني من اللهب، فبثها خواطره ومشاعره وعصارات فكره ووجدانه، علها تخلص من شرودها في تيهها الرهيب، ومن هذا القبس ندرك أن هذا التفسير كان محاولةً جديدة لبناء العقيدة في النفوس وإحياء الإسلام في المشاعر وفي واقع الحياة كلها، فلا عجب أن يكون هذا التفسير مختلفًا اختلافًا كبيرًا عن منهج كثير من التفاسير وبخاصة التقليدية منها. إن صاحب الظلال ليس غرضه ملء كنابه بالاصطلاحات العلمية والفنية وليس غرضه أن يوفق بين القرآن وبين نظريات العلم الحديث ليرضي رغبات الكثيرين، وليس غرضه أن ياسر عواطف الناس بالقصص المشوقة والآثار الغريبة، وإنما هدفه من هذا التفسير أن يرتفع بالمسلمين من حماة الجاهلية وأوحال الرذائل التي ارتكسوا فيها، إلى القمة السامقة، حيث العزة والعلاء ورضوان الرحمن وسعادة الدنيا والآخرة. منهجه في التفسير: يحدد سيد منهجه في التفسير بأنه يقصد فيه عرض القرآن من جديد مع بيان ما اشتمل عليه هذا القرآن من نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأن يستنقذه من ركام التفسيرات اللغوية والنحوية والفقهية والتاريخية والأسطورية أيضًا، وهو في عرضه للتفسير يسلك طريقة تكاد تكون خاصة به، فهو يأتي أولًا بمقدمة للسورة يستعرض فيها مقاصدها ويحلل موضوعاتها، وهو في ذلك لا يترك فرصة تمر إلا ويفرغ فيها عواطفه ويبث ما في نفسه من وجد، وما في فكره من مسائل وقضايا في نفس القارئ، هذه المقدمة لا يكاد الإنسان ينتهي من قراءتها إلا وقد كونت لديه فكرة تامة عن أبعاد السورة وغايتها، وغالبًا ما يكون في مقدمته ذا نفس طويل فقد تزيد المقدمة على خمسين صفحة، والذي دعاه لهذا تميز كل سورة من سور القرآن

стр. 1063

بشخصيتها الخاصة وطابعها ونسقها، يقول عن ذلك في مقدمة سورة البقرة: (ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة، شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس، ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص، ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو، ولها إيقاع موسيقي خاص إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة، وهذا طابع عام في سور القرآن جميعًا، ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة (١). وبعد الانتهاء من المقدمة يقسم السورة إلى وحدات حسب موضوعاتها، وربما يأتي إلى الوحدة كذلك فيقدم لها، بمعنى أنه يعطي عنها فكرة إجمالية كما يقول ثم يبدأ بتفصيل التفسير. وعلى الرغم من اهتمام سيد بالموضوعات القرآنية، والتدرج في الأحكام، واستخلاص النتائج من مقدماتها، على الرغم من اهتمامه بذلك كله، فإنه قد سلك الجادة المثلى حينما جعل تفسيره حسب ترتيب المصحف، ولم يفسره حسب ترتيب النزول كما فعل بعض الكاتبين وهذا ما ستعرفه فيما بعد. ويعلل ذلك بقوله: (ذلك أن الترتيب الزمني للنزول لا يمكن القطع فيه الأن بشيء -اللهم إلا من ناحية أن هذا قرآن مكي وهذا قرآن مدني على وجه الإجمال، على ما في هذا من خلافات قليلة- فأما الترتيب الزمني المقطوع به من ناحية زمن نزول كل آية أو كل مجموعة من الآيات أو كل سورة فيكاد يكون متعذرًا، ولا يكاد يجد الإنسان فيه اليوم شيئًا مستيقنًا، إلا في آيات معدودات تتواتر بشأنها الروايات أو تقطع بشأنها

стр. 1064

بعض الروايات ... وعلى كل ما في محاولة تتبع آيات القرآن وسوره وفق الترتيب الزمني للنزول من قيمة ومن مساعدة على تصوير منهج الحركة الإسلامية ومراحلها وخطواتها فإن قلة اليقين في هذا الترتيب تجعل الأمر شاقًا، كما أنها تجعل النتائج التي يتوصل إليها تقريبية ظنية وليست نهائية يقينية ... وقد ترتب على هذه النتائج الظنية التقريبية نتائج أخرى خطيرة ... لذلك آثرت في هذه الظلال أن أعرض القرآن بترتيب سوره في المصحف العثماني مع محاولة الإلمام بالملابسات التاريخية لكل سورة -على وجه الإجمال والترجيح- والاستئناس بهذا في إيضاح الجو والملابسات المحيطة بالنص -على وجه الإجمال والترجيح أيضًا-. ولكي نلم بفكرة تامة عما احتواه التفسير لا بدّ أن نقسم البحث عنه إلى موضوعين اثنين: أما الموضوع الأول -فهو ما شارك فيه التفاسير الأخرى كفواتح السور والآيات الكونية المتشابهة وآيات الأحكام وما شابه ذلك. أما الموضوع الثاني -فهو الموضوع الذي امتاز به هذا التفسير وهو تجلية العقيدة الإسلامية في هذا القرآن، والتركيز على منهجية هذا القرآن للبشرية كلها في نواحي حياتها المختلفة، ولقد حرص المفسر أن يبث هذه المعاني في مواضع كثيرة من تفسيره وأن يؤكدها، وإننا لنجده يبين للمسلمين هذا المنهج القديم الذي لا ينبغي أن يعدل عنه بحجة واضحة دافعة ومنطق سليم وأسلوب جذاب ... هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة، وهو روحها وباعثها، وهو قوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها، وهو دستورها ومنهجها وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة -كما يستمد منه الدعاة- وسائل العمل ومناهج الحركة. وزاد الطريق ... ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة، في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبيرة حولت تاريخها وتاريخ البشرية كلها معها، ولكنه مع هذا يعاني ويواجه وعليه أن يوجه

стр. 1065

الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها، وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك ... وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلًا: هذا نجم قديم (رجعي) يحسن أن يستبدل به نجم جديد (تقدمي) أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم (رجعي) يحسن أن يستبدل به كائن آخر (تقدمي) لعمارة هذه الأرض. إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن خطاب الله الأخير للإنسان. ولنأت إلى الموضوع الأول -وهو ما شارك فيه المفسرين- لنعرض بعض النماذج ونرى أين يقف سيد من المفسرين: الموضوع الأول: ما شارك فيه سيد المفسرين ١ - المفسر وفواتح السور لم يخرج سيد وهو يتكلم عن فواتح السور عما قاله المفسرون، فهو يذكر أن في المسألة آراء كثيرة تخير واحدًا منها على سبيل الترجيح وهو أن هذه الحروف جاءت للإعجاز والتحدي، ولكن الذي يجلب الانتباه عند سيد ذلك المثل الذي يضربه ليقرب للقارئ هذا المعنى بتصوير بديع، ولنقتطف من كلامه شيئًا: (والشأن في هذا الإعجاز هو الشان في خلق الله جميعًا، وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس، إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات فإذا أخذ الناس هذه الذرات، فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرة أو آنية أو أسطوانة أو هيكل أو جهازًا كائنًا في وقت ما يكون ... ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة، حياة نابضة تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز، سر الحياة ... ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ولا يعرف سره بشر وهكذا القرآن ...

стр. 1066

حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلامًا وأوزانًا ويجعل منها الله قرآنًا، والفرق بين صنع البشر وصغ الله من هذه الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض ... هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة. ٢ - المفسر والآيات العلمية: ترى في أي اتجاه سيسير صاحب الظلال وهو يتحدث عن الإشارات الكونية في القرآن؟ أيسير مع هؤلاء الذين يرقصون طربًا، ويفرحون جذلًا، حينما يستشفون من قرب أو بعد اتفاق قضية علمية مع آية من كتاب الله، ولو كانت نظرية لا تزال، ليثبتوا أن القرآن كتاب الله ومن هنا جاء يقرر تلك المسائل العلمية قبل أزمنة بعيدة، أم مع أولئك الذين يرفضون كل الرفض، ويأبون كل الإباء أن تفسر آي القرآن بشيء من مسائل العلم، ولو كانت حقائق ثابتة، ولا يسمحون بأن يستشهد بآية من كتاب الله على مسألة ما، ولو كان ذلك دون المساس بالتفسير، بحجة أن القرآن لم يأت بشيء من هذا؟ ! ، يقينًا إنه لا يسير مع الفريق الأول الذين يلهثون وراء النظريات العلمية أيًا كانت؛ ذلك لأن إيمانه بأن القرآن كتاب الوجود الأكبر الذي ينظم شأن الإنسان ويسمو به، يجعله يحدد موقفه، من تلك القضية التي طالما تشعبت فيها الآراء، تحديدًا دقيقًا، فالقرآن الذي يسمو به الإنسان ليس كتابًا يتحدث عن الآلة الصماء لأن الله الذي خلق الإنسان تكفل أن يهديه ليطلع على أسرار هذا الكون بفكره، وإذا كان صاحب الظلال لم يسر مع هذا الفريق فهل تستطيع أن تجعله من الفريق الآخر الذين ينكرون على الذي يحوم حول المسائل العلمية وهو يفسر آي القرآن حتى لو كان ذلك استطرادًا أو إشارة دون أن يمس قدسية الآية أو أن ينال من لغتها أو مما ورد فيها من الآثار الصحيحة؟ الحق أننا ونحن نستعرض موقفه نجد أن الرجل الذي كان معتدلًا في نظرته لتلك الأمور غير متنكب لصراط الحق السوي لا يتجاوز نص الآية أو روحها، ولكنه لا يجمد كذلك على ما ذكره المتقدمون، دون أن يفيد من ظلال الآيات الممتدة في جذور الحياة وثنايا الكون، فهو لا يأبى أبدًا أن

стр. 1067

يتوسع في تفسير الآيات لتشمل ما قرره العلم من حقائق ثابتة، ما دام ذلك ليس فيه تكلف ممجوج، ولا تعارض محجوج، فالحقائق العلمية -كما يقول- إذا كنا سنتكلف لها بتحميل الآيات أكثر مما نحتمله- حري بنا أن لا نخلط بينها وبين القرآن فما بالك بالنظريات التي لم تثبت، يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ( ... يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج). (لقد كان القرآن بصدد إنشاء تصور خاص ونظام خاص ومجتمع خاص ... كان بصدد إنشاء أمة جديدة في الأرض ذات دور خاص في قيادة البشرية، لتنشيء نموذجًا معينًا من المجتمعات غير مسبوق، ولتعيش حياة نموذجية خاصة غير مسبوقة، وتحت قواعد هذه الحياة في الأرض تقود إليها الناس. ... من هنا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية، ولا تفيدها كثيرًا في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها، وليس مجالها على أيّ حال هو القرآن، إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية ولم يجيء ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي، كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا في هذه العلوم. إن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفة ومجال عمله، إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية، وإن وظيفته أن ينشيء تصورًا عامًا للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه، وأن يقيم على أساس هذا الصور نظامًا للحياة، يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته ... ومن بينها الطاقة العقلية، التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة، وإطلاق المجال لها لتعمل -بالبحث العلمي- في الحدود التامة للإنسان وبالتجريب والتطبيق وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال. إن مادة القرآن التي يعمل منها هي الإنسان ذاته، تصوره واعتقاده ومشاعره ومفهوماته وسلوكه وأعماله وروابطه وعلاقاته ... أما العلوم المادية والإبداع في

стр. 1068

عالم المادة بشتى وسائله وصنوفه فهي موكولة إلى عقل الإنسان وتجاربه وكشوفه وفروضه ونظرياته، بما أنها أساس خلافته في الأرض، وبما أنها مهيأ لها بطبيعة تكوينه ... والقرآن يصحح له فطرته كي لا تنحرف ولا تفسد ويصحح له النظام الذي يعيش فيه كي يسمح له باستخدام طاقاته الموهوبة له وليزوده بالتصور التام لطبيعة الكون وارتباطه بخالقه، وتناسق تكوينه وطبيعة العلاقة القائمة بين أجزائه -وهو أي الإنسان أحد أجزائه- ثم ييسّر له أن يعمل في إدراك الجزئيات والانتفاع بها في خلافته، ولا يعطيه تفصيلات؛ لأن معرفة هذه التفصيلات جزء من عمله الذاتي. وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها ... كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه! ... كذلك لا يجوز أن نعلق الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن أحيانًا عن الكون في طريقه لإنشاء التصور الصحيح لطبيعة الوجود وارتباطه بخالقه وطبيعة التناسق بين أجزائه، لا يجوز أن نعلق هذه الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن بفروض العقل البشري ونظرياته ولا بما يسميه (حقائق علمية) مما ينتهي إليه بطريقة التجربة القاطعة في نظره. إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة، أما ما يصل إليه البحث الإنساني أيًا كانت الأدوات المتاحة له -فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها ... فمن الخطأ المنهجي -بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته- أن تعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية وهي كل ما يصل إليه العلم البشري. هذا بالقياس إلى (الحقائق العلمية) ... والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى (علمية) ... ومن هذه النظريات والفروض كل النظريات

стр. 1069

الفلكية، وكل النظريات الخاصة بنشأة المجتمعات وأطوارها ... فهذه كلها ليست حقائق علمية بالقياس الإنساني، وإنما هي فروض ونظريات، كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر مقدار من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية ... إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدرًا أكبر من الظواهر أو يفسر تلك الظواهر تفسيرًا أدق) (١). وبعد هذا يبين الأستاذ سيد أن مثل هذا العمل ليس صحيحًا من الناحية المنهجية، ثم يحاول أن يستجلي الأسباب التي دفعت مثل هؤلاء إلى محاولات التوفيق هذه ويركز فيما يركز على الناحية النفسيَّة التي يعانيها هؤلاء في داخلهم وبخاصة أمام هذا الواقع الذي بهر الكثيرين وهزم فيه الكثيرون، وهذا المعنى النفسي يكرره صاحب الظلال كأنما يريد بذلك أن يقتلع هذا التأثير لحضارة الغرب والتأثر بهذا الواقع والانهزام الذي يقاسيه ويعاني منه الكثيرون، أن يقتلع ذلك كله من جذوره وهو محق في ذلك، فنحن نرى في مجتمعنا الكثيرين من طيبي القلوب وحَسَني النيات يدأب أحدهم على البحث لإيجاد الصلة الوثيقة بين القرآن وبين تلك الحضارة، وهذا إنما يرجع للشعور بالنقص والضعف والتخلف ومن الصعب أن نتخلص من تلك الأخطاء المتراكمة ما لم نتخلص من تلك المشاعر، يقول صاحب الظلال: (وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة -أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا تحتوي أولًا على خطأ منهجي أساسي كما أنها تنطوي على معانٍ ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم ... الأولى: هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن، والقرآن تابع ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقضُ اليوم ما أثبته بالأمس وكل ما يصل إليه

стр. 1070

غير نهائي ولا مطلق ... الثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق -بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي .. الثالثة: هي التأويل المستمر -مع التحمل والتكلف- لنصوص القرآن كي نحلها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجدّ فيها جديد). وهنا نرى الأستاذ سيد يؤكد ما قلناه عنه في أول البحث وهو أنه لا ينبغي أن يحول ما قرره بين الإنسان وبين الانتفاع بما يكشفه العلم من نظريات وحقائق في فهم القرآن (فهو يقول -ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات ومن حقائق) عن الكون وعن الحياة ... (كلا إن هذا ليس هو الذي عنينا بذلك البيان، ولقد قال الله سبحانه ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق وفي الأنفس من آيات الله، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا. فكيف؟ ودون أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة ثم يأتي بأمثلة على كلا المسلكين أعني مسلك تفسير القرآن حسب النظريات ومسلك الاستفادة مما كشفه العلم في فهم القرآن. يقول القرآن الكريم مثلًا ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون ... الأرض بهيئتها هذه وبعد الشمس عنها هذا البعد، وبعد القمر عنها هذا البعد، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها، وبسرعة حركتها هذه وبميل محورها هذا وبتكوّن سطحها هذا ... وبالآلاف من الخصائص ... هي التي

стр. 1071

تصلح للحياة وتوائمها ... فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة ... هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ وتعميقه في تصورنا. هذا جائز ومطلوب ... ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علميًّا هذه الأمثلة الأخرى. يقول القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ثم توجد نظرية في النشوء والارتقاء لوالاس وداروين تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة وأن هذه الخلية نشأت في الماء وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان ... فنحمل نحن هذا النصَّ القرآني ونلهث وراء النظرية لنقول: هذا هو الذي عناه القرآن ... لا ... إن هذه النظرية أولًا ليست نهائية، فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائيًا ... وهي معرضة غدًا للنقض والبطلان بينما الحقيقة القرآنية نهائية وليس من الضروري أن يكون هذا معناها ... ويقول القرآن الكريم ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] ثم تظهر نظرية تقول إن الأرض كانت قطعة من الشمس فانفصلت عنها فنحمل النص القرآني ونلهث لندرك هذه النظرية العلمية ونقول: هذا ما تعينه الآية القرآنية. لا ... ليس هذا هو الذي تعنيه، فهذه نظرية ليست نهائية، وهناك عدة نظريات عن نشأة الأرض في مثل مستواها من ناحية الإثبات العلمي، أمَّا الحقيقة القرآنية فهي نهائية ومطلقة وهي تحدد فقط أن الأرض فصلت عن السماء ... كيف؟ ما هي السماء التي فصلت عنها؟ هذا ما لم تتعرض له الآية ... ومن ثم لا يجوز أن يقال عن أي فرض من الفروض العلمية في هذا الموضوع -إنه المدلول النهائي المطابق للآية.

стр. 1072

وحسبنا هذا الاستطراد بهذه المناسبة فقد أردنا به إيضاح المهج الصحيح في الانتفاع بالكشوف العلمية في توسيع مدلول الآيات القرآنية وتعميقها دون تعليقها بنظرية خاصة أو بحقيقة علمية خاصة تعليقَ تطابقٍ وتصديقٍ ... وفرق بين هذا وذاك) (١)، ومن هنا يظهر لنا جليًّا الموقف المعتدل (٢) الذي يقفه سيد قطب ﵀ من التفسير العلمي، وقد سبق أن ذكرنا لك طرفًا من الإشارات العلمية التي سجلها في تفسيره الظلال، فلتراجع عند الحديث عن الاتجاه العلمي في تفسير القرآن الكريم في الجزء الأول "التفسير اتجاهاته وأساسياته". ٣ - المفسر ومبهمات القرآن: ليس بدعًا ما ذهب إليه صاحب الظلال في آيات الغيب والمبهمات، فهذا ينعكس عن رأيه في الآيات العلمية من ناحية، ومن ناحية ثانية فقد سبقه غيره إلى هذا، إلا أن سيدًا في الآيات الكونية لا مانع من أن يعيش مع ظلالها الممتد الواسع في الكون والإنسان والحياة، أما آيات الغيب ومبهمات القرآن فإن ظلالها في رأي سيد لا ينبغي أن يكون أسطورة أو خرافة، أو إسرائيلية ممجوجة، أو حديثًا موضوعًا، أو كلامًا فيه وعورة المسلك، أو حتمية المزلق، وإنما ينبغي أن تكون ظلال هذه الآيات متفيأً للقلب المؤمن، ظلالًا تنعكس على العقيدة آثارها فيأخذها المسلم أمورًا مسلمة تزيد في مساحة يقينه، فالشجرة التي نُهي آدم وزوجه أن يأكلا

стр. 1073

منها والجنة التي كانا فيها، وما شابه ذلك، ينبغي أن نقف فيه عندما وقفنا عنده القرآن، وكذلك فعل سيد، فقد التزم هذا المنهج وألزم نفسه به في جميع المواطن التي كان يمر بها من مثل هذه المغيبات، يقول في سورة البقرة عند قصة آدم ﵇ (وبعد ... مرة أخرى ... فأين هذا الذي كان؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينًا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟ كيف قال الله تعالى لهم؟ وكيف أجابوه ... هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه بطبيعته، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض، وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على هذا الغيب ... ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه؛ لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره، وكل جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع، ذاهب سدى بلا ثمرة أو جدوى (إن الاستسلام للوهم والخرافة شديد الضرر بالغ الخطورة، ولكن أضر منه وأخطر التنكر للمجهول كله وإنكاره واستبعاد الغيب لمجرد عدم القدرة على الإحاطة به .. ) ... فلندع هذا الغيب إذًا لصاحبه وحسبُنا ما يقص لنا عنه بالقدر الذي يصلح لنا في حياتنا ويصلح سرائرنا ومعاشنا ... ) (١). ٤ - المفسر وآيات الأحكام: المتتبع لهذه المجموعة التي سماها مؤلفها بهذه التسمية (في ظلال القرآن) يدرك أن هدف المؤلف كان التوجيه والاستشارة أكثر من تقرير معلومات وسرد خلافات وتفصيل مذاهب، إنه يريد أن يوجه المسلمين نحو هذا القرآن كتابًا إنسانيا تامًّا في أحكامه، كاملًا في هدايته، حيًّا في منهجه، حركيًا في هيمنته على النفوس، متناسقًا في مبانيه، متسقًا في معانيه، ويستثير عواطفهم ليعيشوا في ظلال التوجيهات الربانية، وإذا كان هذا هو الهدف المنشود للمؤلف، فإنه من البدهي أن ينأى بالقراء

стр. 1074

عن التفريعات والتشعيبات والخلافات الفقهية والتشاد المذهبي؛ لأن هذه جميعها لا يمكن أن تكون ظلالًا منعكسة عن النص القرآني، وإنما هي ظلال لمدارس نشأت فيما بعد، ولظروف أوجدتها عوامل مختلفة، لذا نرى سيدًا ﵀ لا يعرض لآيات الأحكام إلا بالقدر الذي يكفي لتوجيه القارئ واستثارة عواطفه الدينية، وربما يأتي بأسباب النزول في بعض الأحيان. وقد يأتي في تفسيره آية بالآثار التي وردت عن الرسول الكريم ﵌، والتي وردت عن الصحابة رضوان الله عليهم، وربما ينقل عن بعض المفسرين وبخاصة ابن كثير، ليستشهد أو يرد على رأي قالوه؟ وهو لا يرى أن تُعلَّل أحكام العبادات، ويحاول كثيرًا وهو يتحدث عن آيات الأحكام أن يصل القارئ بأصل الدين وهو العقيدة متنقلًا به بين الواقعية لهذه الآيات وواقع الحياة في شطريها أعني ماضي المسلمين وحاضرهم، ولا يفوته في كل هذه أن يشير إلى ما يثيره النص القرآني في النفوس، وما يشير إليه من روعة بيانية كاختيار كلمة أو صيغة معينة، ولأهمية هذا الأمر، والمكانة التي احتلها في الظلال، سوف نطيل النفس قليلًا، حتى يقف معنا القارئ على حقيقة هذا الأمر. استمع إليه وهو يأتي بمقطع من سورة البقرة يشمل آيات القصاص والوصية والصوم والاعتكاف والأموال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قوله تعالى ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ثم يقول في تقديمه لتفسير هذه الآيات: (يتضمن هذا الدرس جانبًا من التنظيمات الاجتماعية للمجتمع المسلم الذي كان ينشأ في المدينة نشأته الأولى، كما يتضمن جانبًا من العبادات المفروضة ... هذه وتلك مجموعة متجاورة في قطاع واحد من قطاعات السورة، وهذه وتلك مشدودة برباط واحد إلى تقوى الله وخشيته، حيث يتكرر ذكر التقوى في التعقيب على التنظيمات الاجتماعية والتكاليف التعبدية سواء بسواء ... وهو اطراد يوجه النظر

стр. 1075

إلى حقيقة هذا الدين إنه وحدة لا تتجزأ ... تنظيماته الاجتماعية وقواعده التشريعية، وشعائره التعبدية ... كلها منبثقة من العقيدة فيه، وكلها نابعة من التصور الكلي الذي تنشئه هذه العقيدة، وكلها مشدودة برباط واحد إلى الله، وكلها تنتهي إلى غاية واحدة هي العبادة: عبادة الله الواحد، الله الذي خلق ورزق واستخلف الناس في هذا الملك خلافة مشروطة بشرط أن يؤمنوا به وحده، وأن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده، وأن يستمدوا تصورهم ونظمهم وشرائعهم منه وحده) (١). ثم يقول عند تفسير الآية الأولى (وهذه الشريعة التي تبينها الآية أنه عند القصاص للقتلى -في حالة العمد يقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] (وهذا العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلًا من قتل الجاني، ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه، فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضى والمودة، ولجب على القاتل أو وليه أو يؤديه بإحسان وإجمال وإكمال، تحقيقًا لصفاء القلوب وشفاء لجراح النفوس وتقوية لأواصر الإخوة بين البقية الأحياء. وقد امتن الله على الذين آمنوا بشريعة الديّة هذه بما فيها من تخفيف ورحمة ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولم يكن هذا التشريع مباحًا لبني إسرائيل في التوراة، إنما شرع للأمة المسلمة استبقاء للأرواح عند التواصي والصفاء. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] ... وفوق العذاب الذي يتوعد به في الآخرة يتعين قتله ولا تقبل منه الدية، لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول نكث للعهد وإهدار للتراضي وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب، ومتى قبل ولي الدم الديّة فلا يجوز له أن يعود فينتقم ويتعدى. ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام، وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع ... أن الغضب للدم فطرة وطبيعة.

стр. 1076

فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص، فالعدل الحازم هو الذي يكسر شِرَّة النفوس، ويفتأ حنق الصدور، ويردع الجاني كذلك عن التمادي، ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو ويفتح له الطريق ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي إلى حدود التطوع، لا فرضًا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق. وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقًا ... والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس، وأن لكل منهما مجالًا غير مجال الأخرى، وأن آية النفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين، أو من أفراد معينين على فرد، أو أفراد معينين كذلك، فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدًا ... فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي -كحالة ذينك الحيين من العرب- حيث تعدى أسرة على أسرة، أو قبيلة على قبيلة، أو جماعة على جماعة، فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء، فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك، والعبد من هذه بالعبد من تلك، وإلا فكيف القصاص يكون في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة. وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية ولا تعارض في آيات القصاص (١). ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (فأما الخنزير فيجادل فيه الآن قوم ... والخنزير بذاته منفر للطبع النظيف القويم، ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل، ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة

стр. 1077

(الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيسة) ويقول الآن قوم إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت فلم تعد هذه الديدان وبويضاتها مصدر خطر؛ لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توفرها وسائل الطهو الحديثة ... وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها، وندع كلمة الفصل لها، ونحرم ما حرمت، ونحلل ما أحلت، وهي من لدن حكيم خبير؟ (١). وإذا رأيناه هنا يتجه إلى التعليل فإنا نراه في موضع آخر يكشف لنا عن رأيه واضحًا في أن هذا التعليل لا ينبغي أن يكون، وإنما لا بأس من الاستفادة مما يكشفه العلم البشري من آثار نافعة للاحكام والتوجيهات الإلهية، فهو يقول في تفسير آيات الصيام. ( ... ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية في العبادات -بصفة خاصة- بما يظهر للعين من فوائد حسية، إذ الحكم الأصلية فيها هي إعداد هذا الكائن البشري لدوره على الأرض وتهيئة الكمال المقدر له في الحياة الآخرة .. مع هذا فإني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة، أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض والتوجيهات، ارتكازًا إلى الملحوظ والمفهوم من مراعاة التدبير الإلهي لكيان الإنسان جملة في كل ما يفرض عليه وما يوجه إليه، ولكن في غير تعليق لحكمة التكليف الإلهي بهذا الذي يكشف عنه العلم البشري، فمجال هذا العلم محدود لا يتسع ولا يرتقي إلى استيعاب حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري، أو كل ما يروض به هذا الكون بطبيعة الحال (٢). وهو لا ينسى أن يستجيش القلوب ويستثير الوجدان وهو يشير إلى الصبغة البيانية في آيات الأحكام مما يجعلها ذات أثر في النفس الإنسانية، فهو يقول مثلًا عند قوله

стр. 1078

تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ( ... يتربصن بأنفسهن ... لقد وقفت أمام هذا التعبير اللطيف، التصوير لحالة نفسية دقيقة ... إن المعنى الذهني المقصود هو أن ينتظرن دون زواج جديد حتى تنقضي ثلاث حيضات ... أو حتى يطهرن منها ... ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالًا أخرى بجانب ذلك المعنى الذهني ... إنه يلقي ظلال الرغبة الدافعة إلى استئناف حياة زوجية جديدة رغبة الأنفس التي يدعوهن إلى التربص بها والإمساك بزمامها، مع التحفز والتوفز الذي يصاحب صورة التربص وهي حالة طبيعية، ترفع إليها رغبة المرأة أن تثبت لنفسها ولغيرها أن إخفاقها في حياة الزوجية، لم يكن لعجز فيها أو نقص، وأنها قادرة على أن تجتذب رجلًا آخر وتنشيء حياة جديدة ... هذا الدافع لا يوجد بطبيعته في نفس الرجل؛ لأنه هو الذي طلق، بينما يوجد بعنف في نفس المرأة؛ لأنها هي التي وقع عليها الطلاق ... وهكذا يصور القرآن الحالة النفسية من خلال التعبير كما يلحظ هذه الحالة ولحسب لها حسابًا) (١). وكذلك يقول عند تفسير آية الدين (وإن الإنسان يقف في عجب وفي إعجاب أمام التعبير الشريعي في القرآن، حيث تتجلى الدقة العجيبة في الصياغة القانونية حتى ما يبدل لفظ بلفظ، ولا تقدم فقرة عن موضعها أو تؤخر، وحيث لا يربط التشريع بالوجدان الديني ربطًا لطيف المدخل عميق الإيحاء قوي التأثير دون الإخلال بترابط النص من ناحية الدلالة القانونية ... إن الإعجاز في صياغة آيات التشريع هنا لهو الإعجاز في صياغة آيات الإيحاء والتوجيه، بل هو أوضح وأقوى (٢)؛ لأن الغرض هنا دقيق يحرفه لفظ واحد، ولا ينوب فيه لفظ عن لفظ، ولولا الإعجاز ما حقق الدقة التشريعية المطلقة والجمال الفني المطلق على هذا النحو الفريد ... ) (٣).

стр. 1079

ومع أن الرجل لم يقحم نفسه في اختلافات الفقهاء وتشعب المفسرين إلا أننا نجده يدلي بدلوه لا انتصارًا لمذهب على مذهب أو قول، وإنما لتجلية النص القرآني حيال الآراء المختلفة. ونعتقد أن مثل هذا اللون من الترجيح قد يكون ضروريًا في بعض الحالات؛ وذلك إذا أريد للنص القرآني أن يحمل فوق ما يحمل، أو أن يخرج به عن مدلوله إلى ساحات التكلف والغرابة. نستمع إليه وهو يفسر آية القتل في سورة النساء فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. والحالة الثالثة أن يقع القتل على مؤمن من قوم معاهدين -عهد هدنة أو عهد ذمة- ولم ينص على كون المقتول مؤمنًا في هذه الحالة، مما جعل بعض المفسرين والفقهاء يرى النص على إطلاقه، ويرى الحكم بتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله -المعاهدين- ولو لم يكن مؤمنًا؛ لأن عهدهم مع المؤمنين يجعل دماءهم مصونة كدماء المسلمين، ولكن الذي يظهر لنا أن الكلام ابتداء منصب على قتل المؤمنين. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] ثم بيان للحالات الممنوعة التي يكون فيها القتيل مؤمنًا، وإذا كان قد نص في الحالة الثانية فقال ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢]. فقد كان هذا الاحتراز مرة أخرى بسبب ملابسة أنه من قوم عدو، ويؤيد هذا الفهم النص على تحرير رقبة مؤمنة في هذه الحالة الثالثة. مما يوحي بأن القتيل مؤمن، فأعتقت رقبة تعويضًا عنه، وإلا لكفى عتق رقبة إطلاقًا دون شرط الإيمان. وقد ورد أن النبي ﷺ وَدَى بعض القتلى من المعاهدين، ولكن لم يرد عتق رقاب مؤمنة بعددهم، مما يدل على أن الواجب في هذه الحالة، هو الدية وأن هذا ثبت بعمل رسول الله ﷺ لا بهذه الآية ... ) (١).

стр. 1080

الموضوع الثاني: العقيدة في ظلال الآيات: إن ما مر معنا في دراستنا حول الظلال يعطينا صورة واضحة عن المنهج الذي سار عليه الأستاذ سيد في تفسيره، وعن مقدار الصلة بينه وبين مناهج المفسرين، وستكون لنا عودة إن شاء الله لهذا الموضوع حينما نتكلم عن صلة سيد بمدرسة المنار وموقفه منها، ولكني أردت أن أفرد فصلًا خاصًّا للعقيدة في ثنايا الظلال، أو ما تلقيه الآيات من ظلال ينبغي أن يتفيأها المتدبرون للقرآن والراتعون في ربيعه الشاربون من نميره، وإذا كانت تفاسير القرآن لكل منها ميزاته الخاصة، فتفسير البحر المحيط يمتاز بمسائل الإعراب، ومفاتح الغيب يمتاز بالعقليات، والكشاف بجمال البيان القرآني، والمنار بإثبات صحة الوحي والرسالة وحكمة التشريع والمقارنة بين الهدي الإسلامي وواقع المسلمين، فإن الظلال يمتاز بالتركيز على معالم العقيدة ومنهجها وجلاء التصور الإسلامي مما تراكم عليه من رين، وبيان الحركة الدائبة في هذا الدين والمواقف المختلفة منه ولاء وعداءً، أو بين بين، وأسبابها قديمًا وحديثًا. وقد أسهب المؤلف في هذا كله إسهابًا يلمحه الدارس لكتابه مما يحتم عليه عدم التغافل أو التناسي لهذا الموضوع، وسأحاول إن شاء الله ما استطعت إبراز أهم النقاط التي قصد إلى بيانها المؤلف ملتقطًا ذلك من ثنايا التفسير، وسأقسم هذا البحث إلى قسمين: ١ - الحديث عن العقيدة في إطارها العام، وأعني بهذا جذور العقيدة الممتدة في الماضي السحيق البعيد، منذ أن خلق الله الإنسان ومنذ أن كان الناس أمة واحدة. ٢ - العقيدة في إطارها الخاص، وأعني به هذا الإسلام الذي امتن الله علينا بإكماله وإتمامه ورضيه لنا دينًا.

стр. 1081

١ - العقيدة في إطارها العام: يتناول سيد ﵀ موضوع العقيدة تناول فقه وفهم، مثبتًا تارة ورادًا ومعترضًا تارة أخرى، ولقد بحث علماء الأديان هذه المسألة وتبعهم كثير من الكتاب المسلمين، ووصلت بهم أبحاثهم إلى أن العقيدة رافق تطورها تطور هذا الإنسان، فمن عهد تعدد الآلهة إلى عهد التمييز والترجيح إلى عهد التوحيد الخالص، وكأن الأمر عند هؤلاء أن العقيدة تمامًا كالصناعة والعلوم المتعددة وهذا في الحقيقة يؤدي إلى نتيجة خطيرة كل الخطورة وهي أن هذا الأساس هو الذي لعب دورًا كبيرًا في تشذيب هذه العقيدة وتهذيبها، ولكن سيدًا ﵀ لم يمر على هذه المسألة دون أن يبين ما تنطوي عليه من مزالق، فها هو يترصد ويتحسس ما يكتبه الكاتبون ليفنده ويرده، حتى إن كان هؤلاء ممن كان له معهم ماض كثير الصلات متين الروابط، فهو يقول (١): (إن قوم نوح هؤلاء ... هم ذرية آدم ... وآدم ... قد هبط إلى الأرض ليقوم بمهمة الخلافة فيها، بعد أن علمه ربه كيف يتوب من الزلة التي زلها، وكيف تلقى من ربه كلمات فتاب عليه بها، وكيف أخذ عليه ربه العهد والميثاق -هو وزوجه وبنوه- أن يتبع ما يأتيه من هدي الله، ولا يتبع الشيطان وهو عدوه وعدو بنيه إلى يوم الدين. وإذن فقد هبط آدم إلى الأرض مسلمًا لله متبعًا هداه ... وما من شك أنه علم نبيه الإسلام جيلًا بعد جيل، وأن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية في الأرض حيث لم تكن معها عقيدة أخرى، فإذا نحن رأينا قوم نوح -وهم من ذرية آدم بعد أجيالٍ لا يعلم عددها إلا الله- قد صاروا إلى هذه الجاهلية ... فلنا أن نجزم أن هذه الجاهلية طارئة على البشرية بوثنيتها وأساطيرها وخرافاتها وأصنامها

стр. 1082

وتصوراتها وتقاليدها جميعًا، وأنها انحرفت عن الإسلام إليها بفعل الشيطان المسلط على بني آدم، وبفعل الثغرات الطبيعية في النفس البشرية، تلك الثغرات التي ينفذ منها عدو الله وعدو الناس، كلما تراخوا عن الاستمساك بهدي الله واتباعه وحده وعدم اتباع غيره معه في كبيرة ولا صغيرة ... وهذه الحقيقة.، . حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة لله وحده ... تقودنا إلى رفض كل ما يَخْبِطُ فيه من يسمونهم (علماء الأديان المقارنة) وغيرهم من التطورين، الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورًا متأخرًا من أطوار العقيدة ... سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة، ومن تأليه القوى الطبيعية، وتأليه الأرواح، وتأليه الشموس والكواكب ... إلى آخر ما تخبط فيه هذه (البحوث) والتي تقوم ابتداءً على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة ... يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي عند الله، وإثبات أن الأديان من صنع البشر، وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان. وينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين، فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان -وفق ذلك المنهج الموجه- من حيث لا يشعرون، وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الاعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم، حين يقرر أن آدم ﵇ هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام، وأن نوحًا ﵊ واجه ذراري آدم الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه ... القائم على التوحيد المطلق ... وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية، وأن الرسل جميعًا أرسلوا بعد ذلك بالإسلام ... وأنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الاعتقاد -إنما كان الترقي والتركيب والتوسع في الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة، وأن ملاحظة ذلك في

стр. 1083

العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور في أصل العقيدة، إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال التالية -حتى بعد انحراف الأجيال عنها- ترقي عقائدهم الجاهلية حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني، أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعًا. وبعد هذا البيان والإيضاح ينقل صاحب الظلال فقرات من كلام الأستاذ العقاد في كتابه (الله): (ترقى الإنسان في العقائد، كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحد منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى .. وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير التي آمن بها الإنسان الأول، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل البدائية أو بين أمم الحضارة العريقة، ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك، ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه من الضلالة والجهالة، فهذه هي وحدها النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها، وليس في هذه النتيجة جديد يستغربه العلماء أو يبنون عليه جديدًا في الحكم على جوهر الدين فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة من شوائب السخف والغباء إنما يبحث عن محال .. ). (يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها الآلهة والأرباب، وهي دور التعدد ودور التمييز والترجيح ودور الوحدانية ... ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية النافعة إلا بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة ويتعذر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية، فيصف الله بما هو أقرب إلى الكمال والقداسة من

стр. 1084

صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة ... وكثيرًا ما ينفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحضيرة السماوية .. ). وواضح سواء من رأي الكاتب نفسه أو مما نقله ملخصًا من آراء علماء الدين المقارنة أن البشر هم الذين ينشئون عقائدهم بأنفسهم، ومن ثم تظهر فيها أطوارهم العقلية والعلمية والحضارية والسياسية ... وهذا واضح من الجملة الأولى في تقديم المؤلف لكتابه (موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية منذ أن اتخذ الإنسان ربًا إلى أن عرف الله الأحد واهتدى إلى نزاهة التوحيد ... ) وما من شك أنه حين يقرر الله سبحانه أمرًا يبينه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع، ويقرر غيره أمرًا آخر مغايرًا له تمام المغايرة، فإن قول الله يكون أولى بالاتباع (١) وبخاصة ممن يدافعون عن الإسلام ... وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الاعتقادية في أن الدين جاء وحيًا من عند الله ولم يبتدئهُ البشر من عند أنفسهم وأنه، جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور، ولم يجيء بغير التوحيد في أي فترة من فترات التاريخ، ولا في أي رسالة، كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة، وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء دائمًا يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين الله كله، وهي أنه وحي من الله وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور، وليس وقفًا على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية ... ). بيانه لأصل العقيدة الإسلامية وأنها الأساس لجميع البشر: وبعد أن بين سيد أن عقيدة التوحيد هي الأساس والأصل الثابت للإنسان في مختلف أطواره وأدواره، وأنها شرع الله الذي أوحاه لجميع أنبيائه منذ أن خلق الله الإنسان، انتقل إلى موضوع متشعب ومتفرع من هذا الموضوع هو أن التجمع لا

стр. 1085

ينبغي أن يكون إلا على أساس هذه العقيدة الثابتة في أغوار التاريخ وجذور الزمن، وأن أي تجمع على شيء سوى تلك العقيدة إنما هو تجمع على أمر غير مسحقر، فسرعان ما يتداعى بنيانه من القواعد، ويخر سقفه، وبخاصة أن لهذا التجمع على العقيدة ميزات لا تتوفر لغيره أبدًا، يقول صاحب الظلال في ظلال حوار نوح في شأن ابنه ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٦]. إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين وشيجة فريدة تتميز بها طبيعة هذا الدين وتتعلق بآفاق وآماد وأبعاد وأهداف يختص بها ذلك المنهج الرباني الكريم، إن هذه الوشيجة ليست وشيجة الدم والنسب وليست وشيجة الأرض والطين وليست وشيجة القوم والعشيرة ... إن هذه الوشائج جميعها قد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد كما قال الله سبحانه لعبده نوح ﵇: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ثم بين لماذا يكون ابنه ليس من أهله ... ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ إن وشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما يا نوح ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فأنت تحسب أنه من أهلك ولكن هذا الحسبان خاطئ، أما المعلوم المستيقن فهو أنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك! ! . وهذا هو المعلوم الواضح البارز على مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى الوشائج والروابط، وبين نظرات الجاهلية المتفرقة ... إن الجاهليات تجعل الرابطة آنًا هي الدم والنسب، وآنًا هي الأرض والوطن، وآنًا هي القوم والعشيرة، وآنًا هي اللون واللغة، وآنًا هي الجنس والعنصر، وآنًا هي الحرفة والطبقة، تجعلها آنًا هي المصالح المشتركة أو التاريخ المشترك أو المصير المشترك ... ولكنها تصورات جاهلية على تفرقها وتجمُّعِها- تخالف مخالفة أصلية عميقة أصل التصور الاسلامي)! ! . ثم يأتي للتدليل على ذلك بأمثلة لشتى الوشائج والروابط الجاهلية الأخرى ليقرر من ورائها حقيقة الوشيجة الوحيدة التي يجب اعتبارها.

стр. 1086

من ذلك ما يكون بين الولد والوالد كإبراهيم وأبيه وبما يكون بينه وبين قومه كإبراهيم وغيره من الرسل ﵈ مع أقوامهم، وما يكون بين الزوج وزوجه كنوح ولوط وامرأة فرعون، وما يكون بين المؤمنين وأهليهم وقومهم ووطنهم وديارهم وأموالهم ومصالحهم وماضيهم وحاضرهم، كالذين آمنوا مع إبراهيم وأصحاب الكهف ويعقب على ذلك بقوله: (وبهذه الأمثلة التي ضربها الله للأمة المسلمة من سيرة الرهط الكريم من الأنبياء والمؤمنين الذين سبقوها في موكب الإيمان الضارب في شعاب الزمان وضحت معالم الطريق لهذه الأمة، وقام هذا المعلم البارز أمامها عن حقيقة الوشيجة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم، ولا يقوم على سواها، وطالبها ربها بالاستقامة على الطريق في حسم ووضوح يتمثلان في مواقف كثيرة وفي توجيهات من القرآن كثيرة ... وهكذا تقررت تلك القاعدة الأصلية الحاسمة في علاقات المجتمع الإسلامي ... ولم يعد هناك مجال للجمع بين الإسلام وبين إقامة المجتمع على أي قاعدة أخرى غير القاعدة التي اختارها الله للأمة المختارة، والذين يدعون صفة الإسلام ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التي أحلّ الإسلام محلها قاعدة العقيدة، إما أنهم لا يعرفون الإسلام وإما أنهم يرفضونه، والإسلام في كلتا الحالتين لا يعترف لهم بتلك الصفة التي يدعونها لأنفسهم وهم لا يطبقونها بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية الحديثة فعلًا (١). ثم ينتقل بعد ذلك لبيان مزايا هذا التجمع على العقيدة وخصائص تلك العقيدة فيذكر أولًا أن العقيدة تمثل أعلى خصائص الإنسان التي تفرقه من عالم البهيمة؛ لأنها تتعلق بالعنصر الزائد في تركيبه وكينونته عن تركيب البهيمة وكينونتها، وهو العنصر الروحي الذي به صار هذا المخلوق إنسانًا في هذه الصورة، وأنها تتعلق

стр. 1087

ثانيًا بعنصر آخر يتميز به الإنسان ... هو عنصر الاختيار والإرادة، فأكل فرد على حدة يملك أن يختار عقيدته بمجرد أن يبلغ الرشد، وبذلك يقرر نوع المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه مختارًا بينما ليس له اختيار في بقية الروابط الأخرى وثالثًا أن إنشاء مجتمع على آصرة العقيدة من شأنه أن يوجد مجتمعًا إنسانيًا عالميًا مفتوحًا بشتى الأجناس والألوان والأقوام واللغات، ويضرب مثلًا لذلك بالمجتمع المسلم الذي صهرت في بوتقته خصائص الأجناس البشرية وتمازجت وأنشأت حضارة ضخمة رائعة تحوي خلاصة الطاقة البشرية مجتمعة. ثم يأتي بأمثلة للروابط التي قامت عليها المجتمعات قديمًا وحديثًا كالإمبراطورية الرومانية قديمًا، والإنجليزية والشيوعية حديثًا، ويذكر أن هذه التجمعات القائمة على مثل هذه الروابط قد أثمرت أسوأ ما في الكائن الإنساني. وإذا كان هذا شأن العقيدة في أصالتها وخصائصها وكونها منهجًا ربانيًا، فإن في القرآن الكريم مشاهد عديدة تبين لنا رعاية الله وعنايته لحملة هذه العقيدة مهما كانوا من قلة عدد وهذا ما ينبغي أن نتفياه من ظلال قصص الأنبياء ﵈. من ذلك ما يذكره الأستاذ سيد بعد استعراضه لقصة نوح ﵇ (١): (ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان الله سبحانه، إن حفنة المسلمين من أتباع نوح ﵇ تذكر بعض الروايات أنهم اثنا عشر، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عامًا، كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن ... إن هذه الحفنة -وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهاد الطويل- قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض، وأن يجعل هذه الحفنة

стр. 1088

وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ... إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى ... شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعًا كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد ... إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة ... وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان ... فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى! ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها .. وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه إلا فترة الإعداد والابتلاء. إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية، وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية. إن الجاهلية تملك قواها، ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله، والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية- حينما يشاء وكيفما يشاء وأيسر هذه القوى أن يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب! . إن عصر الخوارق لم يمض، فالخوارق تتم في كل لحظة وفق مشيئة الله الطليقة، ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطًا أخرى تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها، وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها، ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائمًا، ويلامسون آثارها المبدعة. والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملًا، بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة، وعندما يغلبون، عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين، وأن يجأروا إليه كما جأر العبد الصالح نوح ... ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]. ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف أسراره إلا للذين يخوضون به

стр. 1089

المعركة، ويجاهدون به جهادًا كبيرًا .... إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن، ومن ثم يتذوقونه ويدركونه لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابًا مباشرًا به كما خوطبَتْ به الجماعة المسلمة الأولى فتذوقته وأدركته وتحركت به ... والحمد لله في الأولى والآخرة. ولقد آثرت أن أنقل هذا الكلام مع ما فيه من طول، لأنه يلقي ضوءًا على منهج الرجل، وأحاسيسه التي يكتب بها، ونظرته إلى أبعاد النص القرآني وموضوعيته من جهة؛ لأنه يركز عليه في مواضع كثيرة تشغل حيزًا ضخمًا من كتابه من جهة أخرى، وبذلك أكتفي بما نقلته في هذا الموضع عن المواضع الأخرى. ٢ - العقيدة في إطارها الخاص: المتتبع لما كتبه سيد في ظلال القرآن سواء كان في تفسير الآيات أم في ما يقدمه لسور القرآن، يدرك طبيعة الواقع الذي كان يعيشه هذا الرجل، وطبيعة الفكر الذي كان يحمله، وطبيعة الدين الذي تفاعل معه، وهذا هو الذي يهمنا، إن الاهتمام بشأن العقيدة وما ينبغي أن يحوطها من سياج، وما يدبر لها من مكائد، وما ينبعي أن يكون لها من نتائج، وما هي الصورة التي يجب أن تعرض فيه، وما هو المنهج الذي ينبغي أن يسار عليه لبنائها وترسيخها، كل ذلك نجد له خطوطًا عريضة في ثنايا الظلال مما يجعلنا نوقن بأن غاية الغايات عند الكاتب كانت إبراز هذا المنهج القرآني، وبيان طبيعة الحركية للمسلمين، بيانًا فيه قوة اليقين وسلامة المنطق مع عوامل الدفع القيادية، وسأحاول هنا أن أُلمَّ ببعض نواحي هذا الموضوع موجزًا ما استطعت لعلي بذلك ألقي ضوءًا على الكتاب ومنهج الكاتب. لقد عالج الأستاذ سيد هذا الموضوع في أمكنة كثيرة من كتابه، فها هو في مقدمة سورة الأنعام يسهب وهو يتحدث عن ذلك فيقول: (لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجود هذا الكون من حوله ...

стр. 1090

كان يقول له (من هو؟ ومن أين جاء؟ ولم جاء؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ من ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك؟ .، . من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا الذي يدبره ومن ذا يحوزه؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ وكان يقول له ذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ومع الكون أيضًا وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد .. ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان ... وأصحاب الدعوة إلى دين الله ... خليقون أن يقفوا طويلًا أمام هذه الظاهرة الكبيرة .. لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوةُ لها منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ رسول الله ﷺ أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن يمضي في دعوته يعرّفُ الناسَ بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه. ولم تكن هذه في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب- هي أيسر السبل إلى قلوب العَرب؟ فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى إله ومعنى لا إله إلا الله ... كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده إلى الله ... ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام. فلم كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناد ... وكان في استطاعة محمد ﷺ وهو الصادق الأمين ... كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة ... ولو دعا رسول الله ﷺ هذه الدعوة لاستجابت له
следующие страницы →