← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

من ذلك ما يكون بين الولد والوالد كإبراهيم وأبيه وبما يكون بينه وبين قومه كإبراهيم وغيره من الرسل ﵈ مع أقوامهم، وما يكون بين الزوج وزوجه كنوح ولوط وامرأة فرعون، وما يكون بين المؤمنين وأهليهم وقومهم ووطنهم وديارهم وأموالهم ومصالحهم وماضيهم وحاضرهم، كالذين آمنوا مع إبراهيم وأصحاب الكهف ويعقب على ذلك بقوله: (وبهذه الأمثلة التي ضربها الله للأمة المسلمة من سيرة الرهط الكريم من الأنبياء والمؤمنين الذين سبقوها في موكب الإيمان الضارب في شعاب الزمان وضحت معالم الطريق لهذه الأمة، وقام هذا المعلم البارز أمامها عن حقيقة الوشيجة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم، ولا يقوم على سواها، وطالبها ربها بالاستقامة على الطريق في حسم ووضوح يتمثلان في مواقف كثيرة وفي توجيهات من القرآن كثيرة ... وهكذا تقررت تلك القاعدة الأصلية الحاسمة في علاقات المجتمع الإسلامي ... ولم يعد هناك مجال للجمع بين الإسلام وبين إقامة المجتمع على أي قاعدة أخرى غير القاعدة التي اختارها الله للأمة المختارة، والذين يدعون صفة الإسلام ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التي أحلّ الإسلام محلها قاعدة العقيدة، إما أنهم لا يعرفون الإسلام وإما أنهم يرفضونه، والإسلام في كلتا الحالتين لا يعترف لهم بتلك الصفة التي يدعونها لأنفسهم وهم لا يطبقونها بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية الحديثة فعلًا (١). ثم ينتقل بعد ذلك لبيان مزايا هذا التجمع على العقيدة وخصائص تلك العقيدة فيذكر أولًا أن العقيدة تمثل أعلى خصائص الإنسان التي تفرقه من عالم البهيمة؛ لأنها تتعلق بالعنصر الزائد في تركيبه وكينونته عن تركيب البهيمة وكينونتها، وهو العنصر الروحي الذي به صار هذا المخلوق إنسانًا في هذه الصورة، وأنها تتعلق

стр. 1087

ثانيًا بعنصر آخر يتميز به الإنسان ... هو عنصر الاختيار والإرادة، فأكل فرد على حدة يملك أن يختار عقيدته بمجرد أن يبلغ الرشد، وبذلك يقرر نوع المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه مختارًا بينما ليس له اختيار في بقية الروابط الأخرى وثالثًا أن إنشاء مجتمع على آصرة العقيدة من شأنه أن يوجد مجتمعًا إنسانيًا عالميًا مفتوحًا بشتى الأجناس والألوان والأقوام واللغات، ويضرب مثلًا لذلك بالمجتمع المسلم الذي صهرت في بوتقته خصائص الأجناس البشرية وتمازجت وأنشأت حضارة ضخمة رائعة تحوي خلاصة الطاقة البشرية مجتمعة. ثم يأتي بأمثلة للروابط التي قامت عليها المجتمعات قديمًا وحديثًا كالإمبراطورية الرومانية قديمًا، والإنجليزية والشيوعية حديثًا، ويذكر أن هذه التجمعات القائمة على مثل هذه الروابط قد أثمرت أسوأ ما في الكائن الإنساني. وإذا كان هذا شأن العقيدة في أصالتها وخصائصها وكونها منهجًا ربانيًا، فإن في القرآن الكريم مشاهد عديدة تبين لنا رعاية الله وعنايته لحملة هذه العقيدة مهما كانوا من قلة عدد وهذا ما ينبغي أن نتفياه من ظلال قصص الأنبياء ﵈. من ذلك ما يذكره الأستاذ سيد بعد استعراضه لقصة نوح ﵇ (١): (ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان الله سبحانه، إن حفنة المسلمين من أتباع نوح ﵇ تذكر بعض الروايات أنهم اثنا عشر، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عامًا، كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن ... إن هذه الحفنة -وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهاد الطويل- قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض، وأن يجعل هذه الحفنة

стр. 1088

وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ... إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى ... شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعًا كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد ... إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة ... وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان ... فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى! ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها .. وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه إلا فترة الإعداد والابتلاء. إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية، وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية. إن الجاهلية تملك قواها، ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله، والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية- حينما يشاء وكيفما يشاء وأيسر هذه القوى أن يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب! . إن عصر الخوارق لم يمض، فالخوارق تتم في كل لحظة وفق مشيئة الله الطليقة، ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطًا أخرى تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها، وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها، ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائمًا، ويلامسون آثارها المبدعة. والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملًا، بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة، وعندما يغلبون، عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين، وأن يجأروا إليه كما جأر العبد الصالح نوح ... ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]. ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف أسراره إلا للذين يخوضون به

стр. 1089

المعركة، ويجاهدون به جهادًا كبيرًا .... إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن، ومن ثم يتذوقونه ويدركونه لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابًا مباشرًا به كما خوطبَتْ به الجماعة المسلمة الأولى فتذوقته وأدركته وتحركت به ... والحمد لله في الأولى والآخرة. ولقد آثرت أن أنقل هذا الكلام مع ما فيه من طول، لأنه يلقي ضوءًا على منهج الرجل، وأحاسيسه التي يكتب بها، ونظرته إلى أبعاد النص القرآني وموضوعيته من جهة؛ لأنه يركز عليه في مواضع كثيرة تشغل حيزًا ضخمًا من كتابه من جهة أخرى، وبذلك أكتفي بما نقلته في هذا الموضع عن المواضع الأخرى. ٢ - العقيدة في إطارها الخاص: المتتبع لما كتبه سيد في ظلال القرآن سواء كان في تفسير الآيات أم في ما يقدمه لسور القرآن، يدرك طبيعة الواقع الذي كان يعيشه هذا الرجل، وطبيعة الفكر الذي كان يحمله، وطبيعة الدين الذي تفاعل معه، وهذا هو الذي يهمنا، إن الاهتمام بشأن العقيدة وما ينبغي أن يحوطها من سياج، وما يدبر لها من مكائد، وما ينبعي أن يكون لها من نتائج، وما هي الصورة التي يجب أن تعرض فيه، وما هو المنهج الذي ينبغي أن يسار عليه لبنائها وترسيخها، كل ذلك نجد له خطوطًا عريضة في ثنايا الظلال مما يجعلنا نوقن بأن غاية الغايات عند الكاتب كانت إبراز هذا المنهج القرآني، وبيان طبيعة الحركية للمسلمين، بيانًا فيه قوة اليقين وسلامة المنطق مع عوامل الدفع القيادية، وسأحاول هنا أن أُلمَّ ببعض نواحي هذا الموضوع موجزًا ما استطعت لعلي بذلك ألقي ضوءًا على الكتاب ومنهج الكاتب. لقد عالج الأستاذ سيد هذا الموضوع في أمكنة كثيرة من كتابه، فها هو في مقدمة سورة الأنعام يسهب وهو يتحدث عن ذلك فيقول: (لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجود هذا الكون من حوله ...

стр. 1090

كان يقول له (من هو؟ ومن أين جاء؟ ولم جاء؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ من ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك؟ .، . من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا الذي يدبره ومن ذا يحوزه؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ وكان يقول له ذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ومع الكون أيضًا وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد .. ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان ... وأصحاب الدعوة إلى دين الله ... خليقون أن يقفوا طويلًا أمام هذه الظاهرة الكبيرة .. لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوةُ لها منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ رسول الله ﷺ أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن يمضي في دعوته يعرّفُ الناسَ بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه. ولم تكن هذه في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب- هي أيسر السبل إلى قلوب العَرب؟ فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى إله ومعنى لا إله إلا الله ... كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده إلى الله ... ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام. فلم كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناد ... وكان في استطاعة محمد ﷺ وهو الصادق الأمين ... كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة ... ولو دعا رسول الله ﷺ هذه الدعوة لاستجابت له

стр. 1091

العرب قاطبة -على الأرجح- بدلًا من أن يعاني ثلاثة عشر عامًا في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة؟ ... وأن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد .. ولكن الله سبحانه وهو العليم الحكيم لم يوجه رسوله ﷺ هذا التوجيه! إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا الله ... لماذا؟ إن الله لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه إنما هو سبحانه يعلم أن ليس هذا هو الطريق ... ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي ... إلى يد طاغوت عربي ... فالطاغوت كله طاغوت! ... إن الأرض لله ويجب أن تخلص لله، ولا تخلص لله إلا أن ترتفع عليها راية لا إله إلا الله. . .) (١). ويمضي بعد ذلك صاحب الظلال فيبين عدم إمكان إثارة الدعوة على أسس اقتصادية تستهدف العدالة في توقيع الثروات وإنصاف الفقراء أو على أسس اجتماعية تحارب الدنس والمفاسد لأن الله سبحانه وهو العليم الحكيم يعلم أن ليس هذا هو الطريق وإنما العقيدة أولًا لا بد من أن تستقر في النفوس، وحينذاك تتحقق تلك الأهداف كلها وهذا الذي قد كان، ويتابع القول: (ولقد تم هذا كله لأنا الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام ... كانوا قد أقاموا هذا الدين (٢) من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدًا واحدًا لا يدخل فيه الغلب والسلطان ... ولا حتى نصرًا لهذا الدين على أيديهم (٣) ... وعدًا واحدًا

стр. 1092

هو الجنة ... فلما ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله أنهم لا يحظرون جزاء في هذه الأرض كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم ولا اعتزاز بوطن ولا أرض لما أن علم الله منهم كله علم أنهم قد أصبحوا أمناء على هذه الأمانة الكبرى) (١). لأهمية تلك العقيدة فإن القرآن المكي ظلَّ طوال ثلاث عشرة سنة لا يقرر شيئًا من التشريعات والتنظيمات وإنما كان التركيز على مسائل العقيدة وحدها، يقول الأستاذ سيد: (إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا ... فهو ديِن يقوم كلُّه على قاعدة الألوهية الواحدة ... كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير ... وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة الوارفة المديدة الظلال المتشابكة الأغصان الضاربة في الهواء ... لا بد أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة وفي مساحات واسعة تناسب خامتها وامتدادها ... فكذلك هذا الدين، إن نظامه يتناول الحياة كلها ... ولا بد له إذن من جذور عميقة بهذه السعة والخامة والعمق والانتشار أيضًا ... هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته يحدد منهجه في بناء

стр. 1093

نفسه وامتداده ويجعل بناء العقيدة وتمكينها ... ضرورة من ضروريات النشأة الصحيحة ... ومتى استقرت عقيدة لا إله إلا الله في أعماقها الغائرة البعيدة استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه لا إله إلا الله ... حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته .. ) (١). وهذه العقيدة ليست نظرية مجردة كنظريات الفلاسفة وإنما ينبغي أن تتفاعل مع واقع الحياة وحركتها، وأن يتفاعل معها المجتمع المسلم، ولهذا فهو ينعى على الذين يريدون أن يصوغوا الإسلام في قوالب من النظم والمواد؛ لأن هذا في رأيه لن يؤدي إلى نتائج مرضية بل فيه كبير خطأ وخطر، فلا بد قبل ذلك كله من إيجاد القاعدة لهذه العقيدة، وهذه القاعدة لن تكون سوى المجتمع المتأثر والمتكيف بما يلزمه به هذا الدين، وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية وما يسهل له ذلك يسر العرض الذي عرضت به العقيدة، إذ إنها لم تعرض في صورة نظرية أو لاهوت أو جدل كلامي، وإنما خوطبت بها فطرة الإنسان مباشرة لاستنقاذها من الركام وتخليص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران وعطل وظائفها، ولقد كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يحوز بهذه الجماعة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها كما يخوض معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها وأخلاقها وواقعها ... ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة لا في صورة نظرية لاهوت ولا في صورة جدل كلامي، ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة، ومما ساعد على تثبيت العقيدة في النفوس وترشيخها في قلوب المؤمنين أنهم لم يتلقوها دفعة واحدة، ولم يتم بناؤها في نفوسهم طفرة، وإنما كانت في التؤدة مما جعل نموها طبيعيًا يتمشى مع النمو الحركي والواقعي للمسلمين، يقول الأستاذ سيد: (وكل نمو نظري ليس النمو الحركي الواقعي ولا يتمثل من خلاله هو خطأ وخطر، كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته

стр. 1094

وطريقة تركيبه الذاتي، والله سبحانه يقول: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] فالفرق مقصود والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حية) لا في صورة نظرية معرفية ... ). نماذج من تفسيرات العقيدة: ولا بد لنا من أن نعرض هنا لبعض النماذج من تفسير سيد لآيات العقيدة لنقف على رأيه من قرب، وعلى كيفية عرضه لهذه الآيات سواء أكانت تتعلق بالألوهية والحاكمية أم الغيب أم الأنبياء أم الساعة وأشراطها. ١ - ففي جانب التشريع والتحاكم إلى شريعة الله، يتحدث الأستاذ سيد قطب عن مسائل العقيدة في تفسيره لمقطع سورة المائدة، مؤكدًا أن مسألة التشريع والحكم من أخطر قضايا العقيدة، وهذه المسألة من أهم المسائل التي بنى سيد قطب فكره عليها في الظلال يبدأ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] إنه يقول في تقديمه لهذه الآيات: يتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامي ونظام الحكم والحياة في الإسلام ... إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي -ومن ورائها قضية الألوهية، والتوحيد والإيمان والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا السؤال. أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي ستحفظ عليها أصحاب الديانات السماوية واحدة بعد الأخرى وكتبها على الرسل وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم، أم يكون ذلك كله للأهواء المتقلبة والمصالح التي لا ترجع إلى أصل ثابت من شرع الله والعرف

стр. 1095

الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال؟ وبتعبير آخر أتكون الألوهية والربوبية والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله؟ . الله سبحانه يقول: إنه هو الله لا إله إلا هو، وأن شرائعه التي سنّها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها، هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام ... والله سبحانه يقول: إنه لا هوادة في هذا الأمر ولا ترخيص في شيء منه ولا انحراف عن جانب ولو صغيرًا، وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل أو اصطلح عليه قبيل مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثير. والله سبحانه يقول: إن المسألة في هذا كله مسألة إيمان أو كفر، إسلام أو جاهلية، شرع أو هوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر، ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله، لا يحرفون منه حرفًا، ولا يبدلون منه شيئًا، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل، وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يأذن به الله فهم الكافرون الظالمون الفاسقون، وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون ... وإلا فما هم المؤمنين ... ولا وسط بين هذا الحكم أو ذاك ولا حجة ولا معذرة ولا احتجاج بمصلحة، فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس ويضع شرائعه، وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من الله، فإن قال بلسانه أو بعقله فقد خرج من نطاق الإيمان ... إن أخص خصائص الألوهية هي الحاكمية والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم الألوهية ويستخدم خصائصها فهم عبيده

стр. 1096

لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله، والإسلام يجعل الشريعة لله وحده ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عباد الله وحده .. ) (١). ٢ - وفي جانب حديثه عن أشراط الساعة ومشاهد القيامة وأهوال الحشر، يتناول الأستاذ سيد المقطع الأخير من سورة النمل الذي يبدأ بقوله تعالى ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] إلى نهاية السورة في تقديمه لهذا المقطع أو تفسيره الإجمالي كما يمكن أن يسمى. وهو يبدأ بالحمد لله والسلام على من اصطفاهم من عباده الأنبياء والرسل ومنهم الذين ورد قصصهم من قبل، يفتتح بذلك الحمد وهذا السلام جولة عن العقيدة، جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس وأطواء الغيب في أشراط الساعة، ومشاهد القيامة وأهوال الحشر التي يفزع لها من في السماوات والأرض إلا من شاء الله. في هذه الجولة يقفهم أمام مشاهدات في صفحة الكون، وفي أطواء النفس، لا يملكون إنكار وجودها، ولا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبر القدير. ويتولى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثرة تأخذ عليهم أقطار الحجة وأقطار المشاعر، وهو يسألها أسئلة متلاحقة، من خلق السماوات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء ... ؟ من جعل الأرض قرارًا؟ ... وفي كل مرة يقرعهم، أءِله مع الله؟ وهم لا يملكون أن يدعوا هذه الدعوى ولا يملكون أن يقولوا إن إلهًا مع الله يفعل من هذا كله شيئًا وهم مع هذا يعبدون أربابًا من دون الله. وعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم ...

стр. 1097

يستعرض تكذيبهم بالآخرة وتخبطهم في أمرها ويعقب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون ... ) وبعد الانتهاء من هذا التفسير الإجمالي يبدأ بالتفصيل في بيان ما اشتملت عليه هذه الآيات من آيات كونية لإيقاظ القلب والعقل للحياة. وفي تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ... يقول: (ورد ذكر خروج الدابة المذكورة هنا في أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وليس في هذا الصحيح وصف للدابة، إنما جاء وصفها في روايات لم تبلغ حد الصحة؛ لذلك نضرب صفحًا عن أوصافها، فما يعني شيئًا أن يكون طولها ستين ذراعًا وأن تكون ذات زغب ... الخ هذه الأوصاف التي افتن فيها المفسرون، وحسبنا أن نقف عند النص القرآني والحديث الصحيح الذي يفيد التوبة وحق القول على الباقين، فلم تقبل منهم توبة بعد ذلك وإنما يقضي عليهم بما هم عليه ... عندئذ يخرج الله لهم الدابة تكلمهم، والدواب لا تتكلم ولا يفهم عنها الناس، ولكنهم يفهمون اليوم ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة ... وقد كانوا لا يؤمنون بآيات الله ولا يصدقون باليوم الموعود. ومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير وسليمان ﵇ ... فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها محققًا لتناسق التصوير في القرآن وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها المشهد العام) (١). ٣ - ويتناول الأستاذ سيد في تفسيره لمقطع من سورة التوبة موضوعين خطيرين هما:

стр. 1098

أ- سياج العقيدة. ب- موقف المسلمين الحركي من أهل الكتاب: ونحيل القارئ على ما ذكره سيد هناك، دون الحاجة إلى نقله هنا، فهو كلام طويل. وكلام قطب في تفسير هذا المقطع من الأمور التي يتجلى فيها رأيه، وربما يبدو عنيفًا شديدًا في تقريراته التي قررها هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنه يبدو مناقضًا لكثير من المفسرين المحدثين، ومن جهة ثالثة فإن هذا المقطع يصور لنا بصدق تصويرًا ليس فيه أدنى ريب المنهج الذي يسير عليه سيد في فهم القرآن، كما يظهر لنا صراحته اللامتناهية وهو يطرق موضوعًا من الموضوعات المهمة التي لا تتعلق بعقيدة المسلمين فحسب، بل بما ينبغي أن يكونوا عليه في منهجهم الحركي، فهل كان هذا العنف -إن صحت تسميته- ملائمًا لما قرره القرآن من ناحية، ولظروف المسلمين التي يعيشونها من ناحية أخرى؟ ! ! هذا ما سأتحدث عنه إن شاء الله عند تقويم التفسير. سيد والمدرسة العقلية: لا نستطيع أبدًا أن نتصور أن مفسرًا للقرآن بله متحدثًا عن هذا الدين جاء بعد الشيخ محمد عبده دون أن يأخذ عنه أو يقبس منه أو يتأثر به، فلقد كان للشيخ ومدرسته أثر عظيم في اتساعه وانتشاره كما مر معنا، ولكن هؤلاء متفاوتون في ما يأخذون ويستحسنون، أو يردون ويرفضون. والذي يهمنا هنا أن ندرك مدى تأثر صاحب الظلال بهذه المدرسة. مما لا شك فيه أن هناك أمورًا كثيرة يلتقي فيها الأستاذ مع هذه المدرسة فمحاربته الإسرائيليات والتركيز على وجوب صلة المسلمين بكتابهم، وعدم الخوض في مصطلحات العلوم، وإعادة كتابة التفسير بأسلوب سهلٌ، وعدم تحميل

стр. 1099

النص القرآني ما لا يحتمل، والابتعاد بالتفسير عن التعصب المذهبي، كل أولئك وغيرها مما يشترك فيه سيد مع هذه المدرسة، ولعله قد أفادها منها كذلك، ولكن ليس معنى هذا أن الرجل يؤمّن على كل ما قاله هؤلاء، كما أنه ليس معنى ذلك أن الرجل كان يقف لهؤلاء بالمرصاد، يترصد عباراتهم لينقضهما، ولكنه كان يقتبس حينًا مستحسِنًا ويردّ حينًا آخر؛ وذلك لأنه كان ذا منهج خاص به منبثق من فقهه لعقيدته (١) وهنا لا بد أن نعرض لنماذج من الظلال لنستشف من خلالها صلته بهذه المدرسة. إن من يقرأ في الظلال لا يجد صعوبة عليه أن يقع على بعض النقولات التي ينقلها سيد عن المنار مستحسنًا بعضها ومناقشًا بعضها الآخر. فها هو عند تفسيره لسورة البلد يقول: (وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من التفسير للسورة في جزء عم) لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه (الظلال) فنستعيرها منه هنا ... قال ﵀ (ثم أقسم بوالد وما ولد ليلفت نظرنا إلى رفعة هذا الطور من أطوار الوجود، وهو طور التوالد، وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ وإبلاغه حده من النمو المقدر له، فإذا تصورت في النبات ما تعاني البذرة في أطوار النمو، من مقاومة عوامل الجو ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان وتستعد، إلى أن تلد بذورًا أخرى تعمل معها وتزين الوجود بجمال نظرها -إذا أحضرت ذلك في ذهنك وارتقيت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيها ما هو أعظم ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع واستبقاء جمال الكون بصورها مما هو أشد وأجسم) (٢).

стр. 1100

ولكننا إذا تخطينا هذه المواضع، وكنا على صلة بما تقرره مدرسة الشيخ حول كثير من مسائل التفسير، نجد أن صاحب الظلال يقف من كثير من هذه المسائل على طرفي نقيض مع أعلام هذه المدرسة -مؤسسها ومن جاء بعده- ولكنه في بعض هذه المسائل لا يعرض لآراء هذه المدرسة، وإن كان يخالفها في الرأي، وذلك كحديثه عند تفسير الآيات التي تذكر الملائكة والسحر ومقام إبراهيم، فمن المعلوم أن للشيخ ومن سلك منهجه آراء خاصة في هذه الأمور لا داعي لذكرها، ولكن صاحب الظلال في مواضع كثيرة يعرض بصراحة لهذه المدرسة مبديًا عدم ارتياحه لمنهجها في البحث تارة، وللنتائج التي توصلت إليها تارة أخرى، يقول سيد معلقًا على عبارة (علماء أوروبا الأحرار) التي أوردها صاحب المنار: يجب أن ننبه في الظلال إلى دلالة مثل هذه العبارات (الأحرار) في مدرسة الشيخ محمد عبده وتلاميذها فقد كانت المدرسة بجملتها متأثرة بمناهج تفكير وأفكار غربية غريبة على منهج التفكير الإسلامي الخاص، وكان هذا التأثر يجعلها تنظر إلى كتاب أوروبا المناهضين للكنيسة بوصفهم أحرارًا، وكذلك الكتّاب الذين يكتبون عن الديمقراطية والحرية الغربية، وكذلك الأوضاع الأوروبية، نظرة استحسان، وكانت تدعو إلى الأخذ بما تسميه (الصالح من هذه الأفكار والأوضاع) بناء على ذلك التأثر ... وهذا مزلق خطر كان يعطف عليه لورد كرومر وأمثاله من الصليبيين، والأمر في حاجة إلى نظرة أعمق وأوسع، وإلى استقلال واستغناء بالمنهج الإسلامي. وها هو يعلق على ما قاله السيد رشيد رضا من أن الله أقام بناء الدعوة على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة يعلق سيد بقوله: (لا بد أن ننبه هنا إلى منهج مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده المتأثرة بفلسفة غربية عن الإسلام وهي فلسفة ديكارت مما جعلها تركز تركيزًا شديدًا على العقل وتعطيه أكثر من مجاله في مسائل العقيدة، فلا بد أن نضيف إلى البراهين العقلية والعلمية البراهين الفطرية البديهية كذلك في هذا الدين، ومجاوبتها لكل الكينونة البشرية، بما فيها العقل والذهن (وعند قول السيد رشيد رضا بأن الرسول ﷺ عاهد المشركين في الحديبية

стр. 1101

على السلم والأمان حبًا للسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة يقول سيد (هذا كلام صحيح إذا أريد به أن نشر العقيدة بالإقناع والحجة هو قاعدة هذه الحركة، ولكنه يتجاوز مداه المأمون حين يراد به أن الجهاد في الإسلام لا يكون إلا دفاعًا عن المسلمين، وأن السلم واجب في غير هذه الحالة كما يتجه المؤلف ﵀. (كما يذكر في أثناء حديثه عن الجهاد أن السيد رشيد رضا حاول أن يلم بحلقات سلسلة الأسباب التي أدت إلى الأحكام النهائية الواردة في سورة براءة، ولكنه لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها (١) وهكذا يستمر معقبًا كلما سنحت له فرصة، فهو مثلًا لا يرضى بتفسير الشيخ محمد عبده (للنفاثات والحسد) ويقول إن هذا من ميل المدرسة العقلية لتضييق نطاق الغيبيات. ولكننا إذا أردنا تفصيلًا شاملًا وبحثًا وافيًا، لرأي صاحب الظلال في المدرسة العقلية كما يسميها فإننا نجد ذلك كله عند تفسيره لسورة الفيل ويقول سيد ﵀ (٢): (ويرى الذين يميلون إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات وإلى رؤية السنة الكونية المألوفة تعمل عملها، أن تفسير الحادث بوقوع وباء الجدري والخصبة أقرب وأولى، وأن الطير قد تكون هي الذباب والبعوض التي تحمل الميكروبات فالطير هو كل ما يطير (ثم يسوق ما قاله الشيخ محمد عبده في تفسيره للسورة والذي يختمه بقوله: (ونحن لا نرى أن هذه الصورة التي افترضها الشيخ الإمام ... أو تلك. التي جاءت بها بعض الروايات من أن الحجارة ذاتها كانت تخرق الرؤوس والأجسام .. لا نرى أن هذه الصورة أو تلك أدل على قدرة الله ولا أولى بتفسير الحادث ... إنّ

стр. 1102

سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر، وما تعرف البشرية من سنة الله إلا طرفًا يسيرًا يكشفه لهم بمقدار ما يطيقون ... فهذه الخوارق كما يسمونها- هي من سنة الله ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه. ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين -متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقةً ولم تجر على مألوف الناس ومعهودهم. وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعًا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف. فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر ... فأما في هذا الحادث بالذات فنحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة ... نحن أميل إلى هذا الاعتبار؛ لا لأنه أعظم دلالة، ولا أكبر حقيقة، ولكن لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب ... فما يتناسق مع جو هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود بكل مقوماته وبكل أجزائه، ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وبملابساته مفرد فذ ... إننا ندرك ونقدر دوافع المدرسة العقلية ... فلقد كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة كما تواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها كتب التفسير والرواية، في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها، وموجة الشك في الدين إلى قمتها، فكانت هذه المدرسة تحاول أن ترد إلى الدين اعتباره على أساس أن كل ما جاء به موافق للعقل، ومن ثم تجتهد في تنقيته من الخرافات والأساطير، كما تحاول أن تنشئ عقلية دينية تفقه السنن الكونية وتدرك ثباتها وأطوارها ... ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة، وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى، تركت آثارها في تلك المدرسة ... من المبالغة في الاحتياط والميل إلى جعل مألوف السنن الكونية هو القاعدة الكلية لسنة الله، فشاع في تفسير الأستاذ الشيخ محمد عبده كما شاع في تفسير تلميذيه الأستاذ رشيد رضا والأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي ﵏ جميعًا- شاع في هذا التفسير الرغبة

стр. 1103

الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله، دون الخارق منها، وإلى تأويل بعضها، بحيث يلائم ما يسمونه (المعقول) وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيات. ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئية الدافعة لمثل هذه الاتجاه، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل، وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته من وراء السنن التي اختارها، سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف- هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير ولا تجعل هذا العقل هو مرد كل أمر غيبٍ يتحتم تأويل ما لا يوافقه كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة ... إن هناك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية لعل هنا مكان تقريرها ... إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة ولا مقررات عامة، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا الإيمانية ومنها نكون قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعًا، فإذا قررت لنا أمرًا فهو المقرر كما قررته ... ومن ثم لا يصلح أن يقال إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل فلا بد من تأويله- كما يرد كثيرًا في مقررات أصحاب هذه المدرسة، وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن، ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها وتجاه الحقائق الكونية الأخرى .. ). ولعل من المفيد هنا أن أختم هذا البحث بما أورده سيد في كتابه (خصائص التصور الإسلامي): (لما أراد الشيخ محمد عبده أن يواجه الجمود العقلي في الشرق والفتنة بالعقل في الغرب جعل العقل البشري ندًّا للوحي في هداية الإنسان، ولم يقف به عند أن

стр. 1104

يكون جهازًا من أجهزة الكائن البشري يتلقى الوحي، ومنع أن يقع خلاف ما بين مفهوم العقل وما يجيء به الوحي، ولم يقف بالعقل عند أن يدرك ما يدركه ويسلم بما هو فوق إدراكه .. قال ﵀ في رسالة التوحيد: (فالوحي بالرسالة الإلهية أثر من آثار الله تعالى، والعقل الإنساني أثر أيضًا من آثار الله في الوجود وآثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض ولا يعارض بعضها بعضًا). وهذا صحيح في عمومه ... ولكن يبقى أن الوحي والعقل ليسا ندَّين، فأحدهما أكبر من الآخر وأشمل وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذي يرجع إليه الآخر والميزان الذي يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته ويصحح به اختلالاته وانحرافاته، فبينهما ولا شك توافق وانسجام، ولكن على هذا الأساس لا على أساس أنهما ندّان متعادلان وكفءٌ أحدهما تماما للآخر، فضلًا على أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع، وإنما هو (مثال). تقويم التفسير: وبعد تلك الجولة التي تفيأناها مع الظلال والتي استطعنا من خلالها أن نتعرف على أسلوب الرجل وآرائه في كتابه لا بد من أن نقف وقفة نذكر فيها بعض الملحوظات على التفسير لنعرف إسهامات المفسر في خدمة القرآن الكريم وإفادته المكتبة الإسلامية. ١ - خصائص عامة في الظلال: أولًا: إن أول ما يبدو للقارئ أن التفسير لم يعن صاحبه كثيرًا بالتحليل اللفظي كما عودتنا كتب التفسير الكثيرة، ويكاد يكون فريدًا في هذه الطريقة وهذه الطريقة وإن كانت تفيد في إدراك مرامي القرآن ومقاصده، فإنها لا تغني عند كثير من الناس عن تحليل اللفظ، والوقوف عند بعض التراكيب، وربما يشفع للمفسر أنه أراد أن ينقل القارئ إلى ظلال القرآن دون الوقوف عند المصطلحات اللفظية، هذا من

стр. 1105

جهة ومن جهة أخرى في رأي أن المفسر كانت له اليد الطولى، والقدح المعلّى، والقدم الراسخة في الكتابات الأدبية والتحليل الفني، فلا مانع من أن يكون ذلك قد أثر في كتابة الرجل، وليس معنى هذا أن التفسير خالِ تمامًا من الوقوف عند العناية بالتراكيب اللغوية فلقد مر معنا بعض الصور التي استخرجها المؤلف وبين الدقة الفنية فيها وها هو زيادة على ما تقدم معنا يقول عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، (ونقف لحظات أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه، فالأصل في تركيب الجملة إنه نعم ما يعظكم به ... لكن التعبير يقدم لفظة الجلالة فيجعله (اسم إن) ويجعل نعم ما (نعمّا) ومتعلّقاتها في مكان خبر إن بعد حذف الخبر ... إن ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله سبحانه وهذا الذي يعظهم به) ومع هذا فإن من الصعب على عشاق الدراسات التقريرية -الذين يريدون أن يقفوا عند كل لفظة ليقرروا أصلها وموقعها الإعرابي- أقول من الصعب أن يجدوا بغيتهم في الظلال. ثانيًا: عدم اهتمامه بالخلافات الفقهية: كذلك يلاحظ القارئ عدم اهتمام المفسر كثيرًا بالخلافات الفقهية حتى إن ذلك ليظهر في بيان آيات الأحكام التي مر معنا طرف منها، فهو يذكرها جملة بحيث يظهر حكمة التشريع، ولكن هذا لا يشفي غلة بعض الناس وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يرتووا من المنهل القرآني في أحكام الفقه. إن للرجل فهمًا في معنى الفقه يرجع به إلى ما قبل وضْع المصطلحات العلمية، يظهر هذا حينما يتحدث عن الفقه وحينما يتحدث عن العبادة (فهو لا يرى الوقوف عند هذه المصطلحات ولا يرضى الجمود على ما ذكره المتأخرون، فهو مثلًا يرى أن هناك فرقًا بين فقه الدعوة وفقه الأوراق، كما لا يرى صحة الاصطلاح الشائع بتقسيم الفقه إلى عبادات ومعاملات وتخصيص العبادات بما خصص لها من صلاة وصيام. يقول في تفسير سورة هود (١): إن تقسيم النشاط الإنساني إلى (عبادات)

стр. 1106

و (معاملات) مسألة جاءت متأخرة عن التأليف في مادة الفقه (ومع أنه كان المقصود به في أول الأمر مجرد التقسيم الفني الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه مع الأسف أنشأ فيما بعد آثارًا سيئة في التصوير تبعها -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله فقه العبادات، بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي تناوله فقه المعاملات، وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه، فلا جرم أن يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي- ليس في التصوير الإسلامي نشاط إنساني لا ينطق عليه معنى العبادة أو لا يطلب منه تحقيق هذا الوصف، والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولًا وأخيرًا. والذي نراه أنه مع صحة هذا الأمر في كثير من جوانبه وتصوراته، إلا أنه ليس السبب فيه هذه التقسيمات التي وضعها العلماء وقعدوا بها هذا العلم، وإنما السبب إدراكات الناس ووعيهم الضعيف على حقيقة هذا الدين وتطبيقاته، حتى وقعوا في مثل هذا الخلل وهذه الأخطاء، أما التقسيم الفني والمنهجي الذي وضعه العلماء فلا يحمل هذا العيب وقد أخذ (١) على سيد موقفه من الفقهاء والمشتغلين بالفقه، وقسوته عليهم في عباراته ودعوته إلى تأجيل الدعوة إلى النظام الإسلامي، والسخرية بفكرة تجديد الفقه وتطويره وبإحياء الاجتهاد ... وأنه يسعى إلى القضاء على الفقه، وإلى إهدار الجهود الكبيرة التي بذلها الفقهاء على مدار القرون، وأنه يدعو إلى ما يسميه بالفقه الحركي، ويسعى إلى القضاء على الفقه مسميًا إياه بفقه الأوراق. والذي يقرأ الظلال ويفهم رسالة صاحبه من خلاله يدرك بجلاء ووضوح مدى إجحاف الكثيرين في النظر إلى آراء سيد ونقدها.

стр. 1107

إن دعوة سيد واضحة إلى وجوب الانشغال بالدعوة إلى الله تعالى، وتأسيس المجتمع الإسلامي، والانطلاق من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية في تأصيل قضايا المجتمع الإسلامي هذا، والنظر إلى الواقع وحاجاته وربط هذه القضايا الفقهية التي يبحثها بعض العلماء بحثًا فقهيًا نظريًا بعيدً عن الواقع- ربطها بروح هذا الدين وعقيدته، والعمل له بما يتناسب وتأسيس المجتمع الإسلامي الجديد، وأن يتم تأجيل الكثير من المباحث التحقيقية التفصيلية إلى حين إقامة هذا المجتمع. يقول ﵀ وهو يبين دور المنهج الرباني في بلوغه بالناس المستوى العالي والمتقدم ومستوى الكمال، يقول: وليس معنى هذا أن نلغي التنظيمات القضائية الجديدة، ولكن معناه أن نعرف أن القيمة ليست للتنظيمات، ولكن للروح التي وراءها أيًا كان شكلها وحجمها وزمانها ومكانها (١). ويقول: والمنهج الإسلامي منهج واقعي لا يشتغل بقضايا ليست قائمة بالفعل، ومن ثم لا يشتغل أصلًا بأحكام تتعلق بهذه القضايا التي لا وجود لها من ناحية الواقع، إنه منهج أكثر جدية وواقعية من أن يشتعل بالأحكام، هذا ليس منهج هذا الدين، هذا منهج الفارغين الذين ينفقون أوقات الفراغ في البحوث النظرية وفي الأحكام الفقهية، حيث لا مقابل لها من الواقع أصلًا، بدلًا من أن ينفقوا هذه الجهود في إعادة إنشاء المجتمع المسلم وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين) (٢). ونحن وإن كنا نوافق سيدًا في دعوته إلى ضرورة عدم الانشغال بكثير من القضايا اللازمة للمجتمع والدولة قبل تكوينها، فإننا لا نقره أبدًا في وصفه العلماء المشتغلين في قضايا الفقه بأنهم (فارغون) وأن منهجهم منهج الفارغين. هذا هو اجتهاده فيما يراه من ضرورة انشغال العلماء والفقهاء، لكننا نرى أيضًا

стр. 1108

الحاجة ماسة إلى ضرورة البحث في القضايا الفقهية الكثيرة المستجدة وتوضيحها للناس، وبيان حكم الشرع فيها، سواء بسواء، مع ضرورة العمل لإنشاء المجتمع الإسلامي، وليس من الحق أن نتوقف عن بحث الكثير من هذه القضايا منتظرين نشوء هذا المجتمع، بل يجب أن يسير الأمران في ركب واحد. على أننا نقدر سيدًا في حماسه الشديد المندفع نحو توجيهه الجهود وتنظيميها، وعدم تشتيتها، ذلك كله من أجل هذا الهدف العظيم وهو إقامة المجتمع الإسلامي. يقول ﵀ مؤكدًا احترامه لجهود العلماء: ( ... إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامي وإهدار الجهود الضخمة التي بذلها الأئمة الكبار) (١). ونؤكد أخيرًا أن دعوة سيد هذه لا تنطبق عنده على الأحكام الفقهية الفردية، والممارسات العبادية، وإنما ترتبط بالأحكام اللازمة للدولة والمجتمع كما هو ظاهر من كلامه. ثالثًا: إسهاب المؤلف في كثير من الموضوعات: ومما يسترعي انتباه القارئ للظلال إسهاب المؤلف واستطراداته في كثير من الموضوعات، فربما يكرر المعنى فيه أو الألفاظ مرات كثيرة. حتى إنه وهو يستغرق في الحديث ربما تحتاج بعض الكلمات إلى دقة وموضوعية، ولقد مر معنا طرف من هذا، مثال هذا ما قاله عن عدم وعد المؤمنين بالنصر في أول الدعوة، وعند حديثه عن اليهود، يعدّهم مشركين تارة لقولهم: (عُزَير ابن الله)، وتارة لأنهم لم يحكموا شرع الله وأطاعوا أحبارهم. وإذا نظرنا إلى هذا الأمر -في الوقت الذي كان يعيب فيه على بعض المفسرين الكثير من المطولات التي بحثوها في كتبهم- فإننا نجده يخالف منهجه الذي وضعه في الاقتصار على (الظلال) للآيات القرآنية، وانظر مثال ذلك حديثه في مقدمة

стр. 1109

سورة الأنعام، وحديثه في مقدمة سورة الأنفال عن الجهاد ومتعلقاته، وكذلك المواطن التي تحدث فيها عن الغزوات وبعض أحداث السيرة. وإذا كنا نتحدث عن الأسلوب فلا ينبغي أن نهمل عناية الرجل بالصور الفنية والمشاهد القرآنية الكثيرة التي يحاول أن يظهرها كأنما هي صور متجسدة أمام القارى، والظلال كله يجسّد فكرة التصوير الفني التي سجلها قطب في كتابه (التصوير الفني في القرآن). رابعًا: الشدة والعنف في آرائه: ولا بد أن نشير هنا إلى أن بعض آرائه تظهر فيها الشدة والعنف وذلك فيما كتبه في مواضع كثيرة حول ما ينبغي أن يكون عليه موقف المسلمين من غيرهم، ولكننا إذا أدركنا ما يعانيه المسلمون اليوم، وعرفنا مقدار الكيد الذي يكاد لهم وما يدبر لهم بليل فإننا يمكن أن نعذر الرجل (١). وليس ذنبه أن يأتي بعده من الشباب من يتحمس لآرائه وأفكاره، فيبالغون في فهمها والتمحل في تطبيقها حتى غدت عندهم سيفًا مسلطًا على رقاب الأمة، فوجدنا من يتتسب إليها فيمن يسمون أنفسهم القطبيين) أو (جماعة التكفير والهجرة) أو غير ذلك.

стр. 1110

خامسًا: تأثير أسلوبه الأدبي عليه في بعض ألفاظه وعباراته: ونزيد هنا في حديثنا عن خصائص الظلال العامة تفصيل ما أجملناه في الخصيصة الأولى عندما ذكرنا أن سيدًا ﵀ لم يعن كثيرًا بالتحليل اللفظي، وذكرنا أن ذلك يمكن أن يكون لأنه أراد نقل القارئ إلى ظلال القرآن دون الوقوف عند المصطلحات اللفظية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن المفسر كانت له اليد الطولى في الكتابات الأدبية والتحليل الفني. ونزيد هنا أن عدم اهتمامه كثيرًا بالتحليل اللفظي، وعنايته الكبيرة بالأسلوب الأدبي -ومن المعلوم أن الغالب على عبارات الأدباء أن تكون فضفاضة- قد عرَّضَتْه ﵀ لبعض الانتقادات، ذلك أنه كان إذا تحدث عن الأمور المهمة التي تحتاج إلى دقة ولغة مضبوطة لا تحتمل التأويل -كما في قضايا العقيدة وما يتبعها- تحدث عن ذلك بأسلوبه الأدبي المعهود، فكانت عبارته الأدبية البليغة، وكان ذلك الأسلوب الساحر الأخاذ، مما جعل بعض لفظه محتملًا لأكثر من معنى وتفسير. فقد جاء بعد الظلال من طار فرحًا بمثل هذه العبارات وأخذها دليلًا للحكم من خلالها على عقيدة سيد أو فكره، ولم يكن ذلك من منطلق علمي موضوعي، وإنما من مواقف كيدية ومرتكزات سلبية في الذهن عند هؤلاء، جَعَلَتْهُم يبحثون ويتصيدون العبارات والأفكار ليصلوا من خلالها إلى اتهام سيد والحكم عليه وعلى عقيدته، على أن الرجل كان بريئًا مما ألصقوه به. ونحن مع رفضنا التام لهذا الأسلوب، وهذا المنهج الذي ينطلق منه هؤلاء، إلا أننا لا نقر سيدًا ولا غيره أن يكون التعبير والحديث عن قضايا العقيدة وغيرها بلغة محتمِلة، ومن هنا كنا نتمنى أن يكون سيد قد قطع الطريق على كل من يقرأ عباراته أو كتاباته أن يتطرق إلى فكره أي تأويل غير مقبول لكلامه.

стр. 1111

سادسًا: ميزات الظلال: وإنصافًا للرجل -لابد من القول بأن للظلال ميزات تنعكس عن شخصية المفسر، وقبل أن نبين تلك الميزات لا بد أن نشير إلى شخصية المفسر نفسه، فلقد كانت كتابته عن القرآن كتابة من تفاعل مع القرآن بعد رحلة طويلة قضاها مع أفكار أرضية متباينة وثقافات متعددة كان أسيرها واستهوت فؤاده وملكت عليه لبه ولكنه بعد أن خبرها جميعها وجدها نخالات وعفارات فكان لا بد من أن يرجع إلى القرآن وثيقة السماء الوحيدة الخالدة رجوعًا فيه سلامة العقيدة وصفاء الفكر (١) يقول سيد ﵀ في كتابه (معالم في الطريق) (٢) (إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاقل يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والإطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية ... ما هو من تخصصه وما هو من هواياته ... ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره، فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلًا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم -وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك- وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره، فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها وعلى إغراقها وعلى ضآلتها وعلى جعجعتها وانتقائها وعلى غرورها وادعائها كذلك، وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي (ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ من سورة الحجرات .. ويختفي شعور كالشعور الذي عشته في فترة من فترات الضياع والقلق -قبل أن أحيا في ظلال القرآن وقبل أن يأخذ الله بيدي إلى عطفه الكريم- ذلك الشعور الذي خلعته روحي المتعبة على الكون كله فعبرت عنه أقول: وقف الكون حائرًا أين يمضي ... ولماذا وكيف -لو شاء- يمضي عبث ضائع وجهد غبين ... ومصير مقنع ليس يُرضي

стр. 1112

فأنا أعرف اليوم -ولله الحمد والمنة- أنه ليس هناك جهد غبين فكل جهد مَجزيّ، وليس هناك تعب ضائع فأكل تعب مثمر وإن المصير مُرضٍ، وإنه بين يدي عادل رحيم، وأنا أشعر اليوم -ولله الحمد والمنة- أن الكون لا يقف تلك الوقفة البائسة أبدًا، فروح الكون تؤمن بربها وتتجه إليه وتسبح بحمده، والكون يمضي وفق ناموسه الذي اختاره الله له في طاعة وفي رضى وفي تسليم، وهذا كسب ضخم في عالم الشعور وعالم التفكير كما أنه كسب ضخم في عالم الجسد والأعصاب فوق ما هو كسب ضخم في جمال العمل والنشاط والتأثر والتأثير ... ) (١). هذا هو سيد وتلك شخصيته فما هي الانعكاسات التي انعكست على تفسيره التي يمكنني أن أسميها ميزات التفسير . ميزات التفسير: إن الميزة الأولى: في رأي هي الإيمان بالنص القرآني ، إيمانًا يجعل كل المسلمات العقلية والعلمية خاضعة وتابعة للتقريرات القرآنية فلم ينجرف وراء العقل كما انجرف غيره، ولم يغال في محاولة التوفيق بين النص ونظريات العلم أو حقائقه كما رأينا من بعض من تصدى للتفسير. يقول سيد ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] وتلمس موافقات من النظريات العلمية للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن، واليقين بصحة ما فيه وأنه من لدن حكيم خبير، هزيمة ناشئة من الفتنة بالعلم وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته، فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على العلم يخدم العقيدة ويثبت الإيمان! إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم البشري المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه) (٢).

стр. 1113

أما الميزة الثانية: فهي موقفه من الإسرائيليات فكتابه ليس خاليًا من الإسرائيليات فحسب -فهناك كثير من المفسرين يحاولون أن تكون كتبهم كذلك، وسواء تم لهم هذا أم لم يتم وسيد ليس بدعًا منهم فذلك ليس موضوع بحثنا الآن- بل إن له موقفًا يكاد يكون خاصًّا به، هذا الموقف يتجلى واضحًا ويظهر جليًّا في أنه لا يجيز الاستشهاد على تفسير النص القرآني بشيء من العهد القديم والجديد، ولو كان ذلك من أجل الاستئناس، يقول عن الطوفان في تفسير سورة هود (وأساطير بني إسرائيل المدونة فيما يسمونه العهد القديم) تحوي كذلك ذكر طوفان نوح ... ولكن هذا كله شيء لا ينبغي أن يذكر في معرض الحديث القرآني عن الطوفان، ولا ينبغي أن يخلط الخبر الصادق بمثل هذه الروايات الغامضة وهذه الأساطير المجهولة المصدر والأسانيد .. وينبغي أن نذكر أن ما يسمى (بالكتاب المقدس) سواء في ذلك العهد القديم (المحتوي على كتب اليهود والجهد الجديد المحتوي على أناجيل النصارى ليس هذا هو الذي نزل من عند الله ... ومن ثم لا يجوز أن يطلب عند تلك الكتب جميعها يقين في أمر من الأمور) (١). الميزة الثالثة: خلو التفسير خلوًا تامًّا من المماحكات اللفظية والتشاد كلاميًا كان أو غير ذلك، فلم نجد فيه ما نجده في غيره، كذلك التراشق العنيف بين المتصوفة والمتسلفة، ولم نجد فيه تلك الحملات العنيفة مثل تلك التي يحمل لواءها صاحب المنار، إن تفسير الظلال خال من تلك المعارك الجانبية بل يلمح القارئ فيه روحانية المتصوف وتمسك السلفي، ويظهر هذا واضحًا وهو يتحدث عن مدى تأثير القرآن في النفس الإنسانية وربط المشاعر والوجدانات بتقريرات القرآن كما يظهر هذا في تحريه للآثار الصحيحة وتقريره وجوب وقوف المسلم عند حدود السنّة المطهرة الشريفة. الميزة الرابعة: هذه الدعوة الصريحة لتحكيم القرآن في مناحي الحياة على

стр. 1114

اختلافها وطرح كل اللافتات والأقنعة التي تحول دون الانطلاق الإسلامي الكامل لمواجهة الجاهلية القابعة وراء تلك اللافتات والأقنعة، وهذه الميزة هي من أهم مميزات الظلال فلا نكاد نجد موضعًا من المواضع يجد الكاتب فيه فرصة إلا ويفرغ فيه ما يختلج في صدره وما يدور في خلده، مما يلمح فيه حرقة المؤمن ولوعته وهو يقارن بين واقع الأمة ومعطيات الإسلام. الميزة الخامسة: عدم مخالفته للمفسرين: على أن سيدًا لا تستهويه مخالفة المفسرين فليس من عشاق الإغراب في الرأي ويظهر هذا جليًّا في استشهاده بأقوال المفسرين، وليس معنى هذا أنه لا تظهر شخصيته في كتابته أو أنه يقف موقفًا سلبيًا إزاء بعض المسائل، بل نراه يدلي بدلوه ناقدًا مرجحًا مختارًا، أو مناقشًا داحضًا حينًا آخر، ولقد كان ذلك واضحًا في مناقشته لآراء السيد محمد عزة دروزة في الجهاد، وفي تعليقاته على المدرسة العقلية كما يسميها، كما نرى هذا في مواضع أخرى. يقول في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. (ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم ... والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية أن المؤمنين لا ينفرون كافة -ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة- على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون -لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة ... والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه -وله أصل من تأويل ابن عباس ﵄ ومن تفسير الحسن البصري واختيار ابن جرير وقول لابن كثير -إن هذا الدين منهج حركي لا يفقهه إلا من يتحرك به فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه بما يكتشف لهم من أسراره ومعانيه وبما

стр. 1115

يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به، أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا ولا فقهوا فقههم ... وفي هذا يكون الجهد الجهاد المثمر اللائق، وغير هذا لا يكون إلا هزلًا ترفضه طبيعة هذا الدين، وإلا هروبًا من واجب الجهاد الحقيقي تحت التستر بستار (تجديد الفقه الإسلامي (أو تطويره) هروب خير منه الاعتراف بالضعف والتقصير وطلب المغفرة من الله على التخلف والقعود مع المتخلفين القاعدين) (١). كما يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]. قال المفسرون القدامى (إن التحدي كان على الترتيب بالقرآن كله ثم بعشر سورٍ ثم بسورة واحدة ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور، وحقيقة أن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور ... ولقد حاول السيد رشيد رضا في تفسير المنار أن يجد لهذا العدد (عشر سور) علة فأجهد نفسه طويلًا -رحمة الله عليه- ليقول: (إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني وإنه بالاستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرًا فتحداهم بعشر (٢) ... ونحسب والله أعلم أن المسألة أيسر من كل هذا التعقيد وأن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول ... فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره. والعجز كان عن النوع لا عن المقدار، وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة، ولا يلزم ترتيب (٣).

стр. 1116

إن الظلال يحتاج إلى دراسة واعية عميقة، ولقد كانت المكتبة الإسلامية في أمسّ الحاجة لتتفيأ ظلال القرآن الوارفة، ولقد كان الظلال بحق مدرسة واضحة المعالم جديدة في طرازها جامعة لشعاب الثقافة الإسلامية غير متأثرة بصبغة خاصة أو نزعة من النزعات للعقل فيها مرتعه وللوجدان فيها غذاؤه ونماؤه، وللروح فيها حياتها وانطلاقها، وأخيرًا فإنه الظلال يتفيؤه هؤلاء الذين يتحركون بالإسلام عقيدة ومنهج وحياة، وهو بحق في حاجة إلى أكثر من هذا (١) ولا غرابة في ذلك فإنه ظلال القرآن، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الجانب الثاني: * المتحدثون عن الظلال وصاحبه: - لقد هيأ الله تعالى لسيد من يدافع عنه وينافح عن مواقفه، ويدفع عنه كل شبهة، ويعتذر له عن أخطائه التي قد وقع فيها -وما أقلها- موضحًا مراده ومقصوده في بعض عباراته التي توهم معنى غير مقبول، والتي طار بها بعضهم فرحًا، وجعلها دليلًا على رأيه في انحراف سيد في فكره وعقيدته ... ولما لم يكن هدفنا في هذا الكتاب الحديث عن سيد وفكره وحياته إلا بقدر ما يتصل بالحديث عن الظلال، فإننا لن نعرض لكثير من الشبهات التي أثيرت حول سيد وفكره. ولقد وفق الله تعالى كثيرًا من المنصفين، للتأليف والكتابة حول سيد قطب وحياته، ومناقشة كثير مما وجه إليه .. وليس غريبًا أن يصل عدد المؤلفات التي تحدثت عن سيد، سواء أكانت في نقد

стр. 1117

أفكاره أم الدفاع عنه إلى ما يقرب من الأربعين مؤلفًا، وذلك حسبما أعلمه يقينًا. وبعض هذه المؤلفات جمع الشبهات والاتهامات والانتقادات التي وجهت لسيد ﵀ وسجلها جميعها، ونسبها إلى قائليها وردّ عليها ... ولكننا وجدنا بعض القضايا مما لم يعرض له الكاتبون بحاجة إلى تجلية وتوضيح، ولذا سنتحدث هنا عن بعض هذه القضايا وهي: أولًا: اتهامات ربيع المدخلي والرد عليه. ثانيًا: وقفة مع كتاب (في ظلال القرآن) للفرنسي أولفييه كاريه. ثالثًا: موقف سيد من التفسير العلمي وكلام الدكتور فهد الرومي. رابعًا: منهجه في التفسير الموضوعي. أولًا: بعض اتهامات ربيع المدخلي لسيد قطب والرد عليها . قلنا في بداية الحديث عن سيد قطب ومن تحدث عن الظلال إنه ليس من هدفنا الحديث عن سيد وفكره وحياته إلا بقدر ما يتصل بالحديث عن الظلال. ومن هذا المنطلق فإننا لن نطيل النفس في حديثنا عن الاتهامات التي وجهها ربيع بن هادي المدخلي لفكر سيد وعقيدته، وبخاصة إذا علمنا أن حديث المدخلي كله منصب على شخص سيد، وليت دراسته كانت موضوعية، وليته تحدث عن أخطاء سيد في الظلال، أو عن الأخطاء التي في كتب سيد بشكل عام، بل إنك تلمس وكأن هم هذا الرجل الحديث عن سيد وشخص سيد كأن بينه وبين سيد عداوة أبدية. وإنك تلحظ هذا في كتابَيْه الأول والثاني في هذا الشأن وهما: الأول: مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله ﷺ . والثاني: أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره. وقد صدر الكتابان عن مكتبة الغرباء في السعودية عام ١٩٩٣ م. أما الكتاب الأول فقد كان للدفاع عن صحابة رسول الله ﷺ ، وعن عثمان رضي

стр. 1118

الله عنه تحديدًا، ولو قرأت الكتاب لوجدته للطعن في سيد قطب، لا للدفاع عن الصحابة أو عثمان ﵃ جميعًا، يكفيك دليلًا على ذلك أن تقرأ مقدمة الكتاب وخاتمته لتعرف أن هدف المؤلف متجه إلى كشف عيوب من تصدى لتوجيه الشباب والتأثير فيهم، هذا في مقدمة الكتاب، وفي خاتمة الكتاب يقول: (لقد تبين للمؤمنين أولي الدين والعقول والنهى من هذا العرض مدى ما كان ينطوي عليه سيد قطب من حقد وكراهية لعثمان بن عفان الخليفة الراشد المظلوم، وما ظلم به هذا الخليفة الحمى الصالح الوقور العادل. ومدى التطاول والافتراءات والاتهامات التي جمع فيها بين حقد الروافض والاشتراكيين) (١). وقد ختمها بقوله عن سيد (والله حسيبه، والله يكافئه بما يستحق، ووقى شبابَ الأمة سوءُ أفكاره ومبادئه المنافية للمنهج الإسلامي الحق اللابسة لباس الإسلام ظلمًا وزورًا) (٢). بهذا التعميم، وهذا الأفق الضيق الجائر يحاكم المدخلي سيد قطب وأفكاره وعقيدته ونتاجه. وليته عدل في حكمه وعرض لآراء سيد وأقواله دون أن يكون الحقد على سيد وفكر سيد منطلقه في ذلك، ولو فعل لكان كغيره من المفكرين والعلماء الذين عرضوا لآراء سيد وأقواله وناقشوها نقاشًا علميًّا موضوعيًا بعيدًا عن التعصب والحقد، وبعيدًا عن عبارات الاتهام والتجني في الألفاظ، وذلك من منطلق أن لا أحد معصوم غير الأنبياء، وأنه لا قدسية لكلام أحد غير كلام الوحي. وفي الكتاب الآخر (أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره) تجد هذه العنوانات الاستفزازية الصارخة المثيرة التي يظهر فيها التحامل من أولها إلى آخرها: شذوذ سيد في تفسير (لا إله إلا الله) عن أهل العلم عدم وضوح الربوبية

стр. 1119

والألوهية عند سيد وفي ذهنه الشك والتشكيك في أمور عقدية يجب الجزم بها قول سيد بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة عن الإرادة قول سيد بعقيدة وحدة الوجود والحلول والجبر غُلوّ سيد في تعطيل صفات الله كما هو شأن الجهمية سيد لا يقبل أخبار الآحاد الصحيحة في العقائد بل ولا المتواترة سيد يجوز للبشر أن يشرعوا قوانين لتحقيق حياة إسلامية صحيحة إيمان سيد قطب بالاشتراكية المادية الغالية (١). ولعله من حسن حظ الحقيقة وسوء حظ ربيع المدخلي أنه قبل أن يدفع بهذا الكتاب للطبع أرسله إلى الدكتور بكر بن عبد الله أبي زيد، ليقرأه ويسجل عليه بعض الملحوظات، فكان رأيه أن لا ينشر الكتاب وأرسل رسالة إلى المدخلي يدافع فيها عن سيد، فرد عليها بكتاب عنوانه (الحدّ الفاصل بين الحق والباطل- حوار مع الشيخ بكر أبي زيد) وهذا نص الرسالة التي أرسلها بكر أبو زيد للمدخلي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الأخ الشيخ: ربيع بن هادي مدخلي الموقر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد ... فأُشيرُ إلى رغبتكم قراءةَ الكتابِ المرفق: (أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره). هل من ملاحظات عليه؟ ثم هذه الملاحظات هل تَقضي على هذا المشروع، فيُطوى ولا يُروى؟ أمْ هي مما يمكن تعديلُها، فيترشحُ الكتاب بعدُ للطبع والنشر؟ ويكونُ ذخيرةً لكم في الآخرة، بصيرةً لمن شاء الله من عباده في الدنيا! . لهذا أبَدي ما يلي: ١ - نظرْتُ في أَولِ صفحةٍ منه (فهرس الموضوعات) فوجدتُها عناوين قد جَمعَت

стр. 1120

في سيد قطب- رحمه الله تعالى- أُصولَ الكفر، والإلحاد، والزندقة: القولُ بوحدة الوجود، القولُ بخلقِ القرآن، يُجَوِز لغيرِ الله أَنْ يُشَرِّع، غلوُّه في تعطيل صفاتِ الله تعالى، لا تقْبلُ الأحاديث المتواترة، يشكِّكُ في أُمورِ العقيدة التي يَجبُ الجزمُ بها، يُكَفِّرُ المجتمعات .. إلى آخرِ تلك العناوين، التي تقشعِرُّ منها جلودُ المؤمنين! ! . وأَسِفْتَ على أَحوالِ علماء المسلمين في الأقطار، الذين لم يُنَبِّهوا على هذه الموبقات! وكيفَ الجمعُ بين هذا وبين انتشارِ كتبه في الآفاقِ انتشارَ الشمس، وعامَّتُهم يستفيدونَ منها، حتى أَنتَ في بعض ما كتبت! . عند هذا أَخذتُ بالمطابقة بين العنوان والموضوع، فوجدتُ الخبرَ يكذبهُ الخبر! ونهايتُها بالجملة عناوينُ استفزازية، تجذبُ القارئ العاديَّ إلى الوقيعةِ في سيد -رحمه الله تعالى-. وأما القارئُ الذي عنده قدرٌ يسير من البصيرة، فإنه إذا قرأَ الموضوعَ داخل الكتاب، سيجدُ عنده ردةَ فعلٍ قوية نحو ما كتبت، وعودةَ الحنين إلى كتب سيد -رحمه الله تعالى-. وإني أكرهُ لي ولكم ولكل مسلم، مواطنَ الإثم والجُناح ... وإنَّ من الغبنِ الفاحِش إِهداءَ الإنسانِ حسناتهِ إلى مَن يعتقدُ بغضَه وعداوتَه! . ٢ - نظرتُ، فوجدتُ هذا الكتاب يفتقدُ (أُصولَ البحثِ العلمي): الحيدةُ العلمية، منهجُ النقد، أَمانةُ النقل والعلم، عدمُ هضمِ الحق! . أما أدب الحوار، وسموُّ الأسلوب، ورصانةُ العرض، فلا تمتُّ إلى الكتاب بهاجس! ! وإليك التدليل: أولًا: رأيتُ الاعتمادَ في النقل من كتبِ سيد -رحمه الله تعالى- من طبعاتٍ سابقة، مثل (الظلال) و (العدالة الاجتماعية). مع علمِكم أنَّ لها طبعاتٍ معدَّلَة لاحقة! .

стр. 1121

والواجبُ حسبَ أُصولِ النقد والأمانة العلمية تسليطُ النقدِ -إنْ كان- على النصِّ من الطبعةِ الأخيرة لكلِّ كتاب، لأنَّ ما فيها من تعديل، ينسخُ ما في سابقتها! . وهذا غيرُ خافٍ -إن شاء الله تعالى- على معلوماتِكم الأوَّلية. لكن لعلَّها غلطةُ طالب، حَضَّرَ لكم المعلومات، ولَمَّا يَعْرِفْ هذا؟ . وغيرُ خافٍ أَيْضًا ما لهذا من نظائرَ لدى أَهل العلم! فمثلًا كتابُ (الروح) لابن القيم -رحمه الله تعالى- لَمّا رأى بعضهم فيه ما رأَى، قال: لعلَّه في أَوّلِ حياته! ... وهكذا في مواطنَ لغيره .. وكتاب (العدالة الاجتماعية) هو أولُ ما ألَّفَه في الإسلاميات والله المستعان! . ثانيًا: لقد اقشعرَّ جلدي حينما قرأتُ في فهرس هذا الكتاب قولُكم: (سيد قطب يَجَوِّزُ لغيرِ الله أنْ يُشَرِّع)! ! فهرعْتُ إِليها قبلَ كل شيء، فرأيتُ الكلامَ بمجموعهِ نقلًا واحدًا لسطور معدودة من كتابه (العدالة الاجتماعية). وكلامُه لا يفيدُ هذا العنوان الاستفزازيَّ! ! . ولنفرضْ أَنَّ فيه عبارةً موهمةً أو مطلقة، فكيفَ نُحَوِّلُها إلى مؤاخذةٍ مكَفِّرة؟ تنسفُ ما بنى عليه سيد -رحمه الله تعالى- حياتَه، ووظَّفَ له قلمه، من الدعوةِ إلى توحيدِ الله تعالى في (الحكم والتشريع) ورفض سَنَّ القوانين الوضعية، والوقوفِ في وجوهِ الفَعلة لذلك! ! . إنَّ اللهَ يحبُّ العدلَ والإنصافَ في كل شيء، ولا أَراك -إن شاء الله تعالى- إلّا في أَوبةٍ إلى العدلِ والإنصاف! ! . ثالثًا: ومن العناوين الاستفزازية قولُكم: (قولُ سيد قطب بوحدة الوجود ... )! ! . إنَّ سيدًا -رحمه الله تعالى- قال كلامًا متشابهًا، حلَّقَ فيه بالأُسلوب، في تفسيرِ سورتي الحديد والإخلاص، وقد اعْتُمِدَ عليه بنسبةِ القولِ بوحدةِ الوجودِ إليه! .

стр. 1122

وأَحْسنتُم حينما نقلْتُم قولَه في تفسير سورة البقرة، من ردِّهِ الواضح الصريح لفكرةِ وحدةِ الوجود، ومنه قولُه: (ومن هنا تَنتفي من التفكير الإسلامي الصحيحِ فكرةُ وحدةِ الوجود). وأَزيدكم: إِنّ في كتابه (مقومات التصور الإسلامي) ردًّا شافيًا على القائلين بوحدة الوجود. لهذا فنحنُ نقول: غَفَرَ اللهُ لسيد كلامه المتشابه، الذي جَنَحَ فيه بأُسلوب وَسَعَّ فيه العبارة! والمتشابهُ لا يُقاوِم النَّصَّ الصريحَ القاطِعَ من كلامه! . لهذا أَرجو المبادرةَ إلى شطبِ هذا التكفير الضمنى لسيد -رحمه الله تعالى- وإني مشفقٌ عليكم! ! . رابعًا: وهنا أَقولُ لجنابكم الكريم بكلِّ وضوح: إِنكَ تحتَ هذه العناوين (مخالفتُه في تفسير لا إله إلا الله للعلماء وأهل اللغة) و (عدمُ وضوحِ الربوبية والألوهية عند سيد). أَقول: أَيها المحب الحبيب -لقد نَسَفْتَ بلا تثبُّت، جميعَ ما قرَّرَه سيد -رحمهُ الله تعالى- من معالمِ التوحيد، ومقتضياتِه ولوازِمِه التي تحتلُّ السمةَ البارزةَ في حياتِه الطويلة! . فجميعُ ما ذكرتمُ يلغيه واحدة، وهي: إنَّ توحيدَ اللهِ في الحكمِ والتشريعِ من مقتضيات كلمةِ التوحيد! . وشد -رحمهُ الله تعالى- ركّز على هذا كثيرًا، لِما رأَى من هذه الجرأة الفاجرةِ على إِلغاء شرع الله من القضاءِ وغيره، وإحلالِ القوانين الوضعية بدلًا عنها، ولا شكَّ أن هذه جرأةً عظيمة، ما عهدتهَا الأُمَّةُ الإسلاميةُ في مشوارها الطويل، قبلَ عام ١٣٤٢ هـ.

стр. 1123

خامسًا: ومن عناوين الفهرس (قولُ سيد بخلقِ القرآن، وأَنّ كلامَ الله عبارةُ عن الإرادة)! ! . ولَمَّا رجعْتُ إلى الصفحات المذكورة، لم أَجدْ حرفًا واحدًا، يصرحُ فيه سيد -رحمه الله تعالى- بهذا اللفظ: القرآنُ مخلوَق! كيف يكونُ هذا الاسْتسِهال للرمي بهذه المكفِّرات؟ إِنَّ نهايةَ ما رأَيتُ له تمدُّدٌ في الأسلوب، كقوله: (ولكنهم لا يملكونَ أَنْ يُؤَلِّفوا منها -أي الحروف المقطعة- مثل هذا الكتاب، لأنه من صنعِ الله، لا من صنع الناس)! . وهي عبارةٌ لا نشكُّ في خطئها! لكن: هل نحكُمُ من خلالِها أَنَّ سيدًا يقولُ بهذه المقولةِ الكفرية (خلق القرآن)؟ اللهمَّ إِني لا أَستطيعُ تَحَمُّلَ عهدةِ ذلك! ! . ولقد ذكَّرَني قولُه هذا بقولِ نحوِه، للشيخ (محمد عبد الخالق عضيمة) -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: (دراسات في أُسلوبِ القرآن الكريم، الذي طبعتْه -مشكورة- جامعةُ الإمامِ محمد بن سعود الإسلامية! فهل نرمي الجميع بالقولِ بخلقِ القرآن؟ اللهم لا! ! . وأَكتفي بهذه من الناحية الموضوعية -وهي المهمَّة-. ومن جهات أخرى أُبدي ما يلي: ١ - مسودة هذا الكتاب تقعُ في (١٦١) صفحة بقلم اليد، وهي بخطوطٍ مختلفة! ولا أَعرفُ منه صفحةً واحدةً بقلمكم حسبَ المعتاد! ! إِلَّا أن يكونَ اخْتلَفَ خَطُّكم، أو اختلط عليّ! ! أم أَنه عُهِدَ بكتبِ سيد قطب -رحمه الله تعالى- لعددِ من الطلاب، فاستخرجَ كلُّ طالبٍ ما بدا له، تحتَ إِشرافِكم أو بإِملائِكم! ! ! .

стр. 1124

لهذا فلا أتحَقَّقُ عن نسبتِه إليكم، إلَّا أن نُصَّ ما كتبْتَه على طرَّته أنَّه من تأليفِكم! وهذا عندي كافٍ في التوثيقِ بالنسبةِ لشخصِكُم الكريم! ! . ٢ - مع اختلافِ الخطوط، إلَّا أَنَّ الكتابَ من أَوَّلِهِ إِلى آخره يَجري على وتيرةٍ واحدة، وهي: أَنه بنفسٍ متوتِّرة، وتهيُّج مستمر، ووثبةٍ تضغطُ على النص، حتى يتولَّدَ منه الأخطاءُ الكبار، وتجعلُ محلَّ الاحتمال ومشتبهَ الكلام محلَّ قطع لا يقبلُ الجدال ... وهذا نكْثٌ لمنهجِ النقد: الحيدة العلمية! ! . ٣ - من حيثُ الصياغة: إِنْ قارَنّا بينَه وبين أُسلوب سيد -رحمه الله تعالى- فهو في نُزولٍ، وسيدٌ قد سَما! ! . وإن اعتبرناه عن جانبكم الكريم، فهو أُسلوب (إعدادي)! ! لا يناسبُ إِبرازَه من طالبِ علمٍ حازَ العالميةَ العالية .. لا بدَّ من تكافؤ القُدرات في الذوق الأدبي، والقدرةِ على البلاغةِ والبيان، وحسنِ العرض ... وإِلّا فَلْيُكْسَر القلم! ! . ٤ - لقد طغى أُسلوبُ التهيُّجِ والفزع العلمي على النقد! ولهذا افْتَقَدَ الرّدّ أَدبَ الحوار! ! . ٥ - في الكتاب من أَوَّلِه إِلى آخره: تَهَجُّم، وضيقُ عَطَن، وتشنَجٌّ في العبارات، فلماذا هذا؟ . ٦ - هذا الكتابُ يُنَشِّطُ الحزبيةَ الجديدة، التي أَنشأَتْ في نفوسِ الشبيبة جُنوحَ الفكر، بالتحريم تارة، والنقدِ تارة، وأَنَّ هذا بدعة، أو ذاكَ مبتدع، وهذا ضلال، وذاكَ ضالّ ... ولا بَيِّنَةَ كافيةَ للإِثبات! ! . وَوَلَّدَتْ غُرورُ التديّنِ والاستعلاء! حتى كأَنَّما الواحدُ عند فعلَتِه هذه يُلقي حِفلًا عن ظهره، قد استراحَ مِن عَناءِ حمله، وأَنَّه يأَخُذُ بحجزِ الأُمَّةِ عن الهاوية، وأَنه في اعتبارِ الآخرين قد حَلَّقَ في الورعِ والغيرة على حرماتِ الشرع المطهر! ! .

стр. 1125

وهذا من غير تحقيق هو في الحقيقةِ هَدْم! وإِنْ اعتبُرَ بناءً عاليَ الشرفات، فهو إلى التساقط، ثم التبردُ في أَدراجِ الرياح العاتية! . هذه سماتٌ ستّ، تَمَتَّعَ بها هذا الكتاب، فكانَ غيرَ مُمْتِع! ! . هذا ما بدا لي، حسبَ رغبتكم ... وأَعتذر عن تأخرِ الجواب، لأنني من قبلُ ليس لي عنايةَ بقراءةِ كتب هذا الرجل، وإِن تداولهَا الناس! ! . لكن هولَ ما ذكرتم، دَفَعني إلى قراءاتٍ متعددةٍ في عامَّةِ كتبه، فوجدْتُ في كتبهِ خيرًا كثيرًا، وإيمانًا مشرقًا، وحَقًّا أَبلج، وتَشريحًا فاضحًا لمخططات الأعداء للإسلام! على عثراتٍ في سياقاتهِ، واسترسالٍ بعباراته! ليتَهُ لم يَفُهْ بها! وكثيرٌ منها ينقضُها قولهُ الحق في مكانِ آخر! والكمال عزيز! ! ! . والرجلُ كان أَديبًا نَقّادةَ، ثم اتّجَهَ إِلى خدمةِ الإسلام، من خلالِ القرآن العظيم، والسُّنَّةِ المشرفة، وسَخَّرَ قَلَمَه ووقْتَه ودَمَه في سبيلها، فَشَرِقَ بها طُغاةُ عصْرِه! ! . وأَصَرَّ على موقفِه في سبيل الله تعالى، وكَشَفَ عن سالفَتِه! ... وطُلِبَ منه أَنْ يسطُرَ بقلمه كلماتِ اعتذار! وقال كلمته الإيمانية المشهورة: إِنّ اصبعًا أَرْفَعُهُ للشهادة، لنْ أكتبَ به كلمةَ تضادُّها! أو كلمة نحو ذلك! . فالواجبُ على الجميع الدعاءُ له بالمغفرة! والاستفادةُ من علمه! وبيانُ ما تَحَقَّقْنا خَطَأَه فيه! وإِنّ خطأَه لا يوجبُ حرمانَنا من علمه، ولا هَجْرَ كتبِه! واعْتبِرْ -رعاك الله- حاله بحالِ أَسْلافٍ مَضَوْا، أمثال أبي إِسماعيل الهروي والجيلاني، كيف دافعَ عنهما شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ مع ما لديهما من الطوامَّ! لأنَّ الأصلَ في مسلكهما نصرةُ الإسلام والسُّنَّة! . وانظرْ (منازل السائرين) للهروي -رحمه الله تعالى- تَرَ عجائبَ لا يُمكنُ قُبولُها!
следующие страницы →