والواجبُ حسبَ أُصولِ النقد والأمانة العلمية تسليطُ النقدِ -إنْ كان- على النصِّ من الطبعةِ الأخيرة لكلِّ كتاب، لأنَّ ما فيها من تعديل، ينسخُ ما في سابقتها! .
وهذا غيرُ خافٍ -إن شاء الله تعالى- على معلوماتِكم الأوَّلية. لكن لعلَّها غلطةُ طالب، حَضَّرَ لكم المعلومات، ولَمَّا يَعْرِفْ هذا؟ .
وغيرُ خافٍ أَيْضًا ما لهذا من نظائرَ لدى أَهل العلم! فمثلًا كتابُ (الروح) لابن القيم -رحمه الله تعالى- لَمّا رأى بعضهم فيه ما رأَى، قال: لعلَّه في أَوّلِ حياته! ... وهكذا في مواطنَ لغيره ..
وكتاب (العدالة الاجتماعية) هو أولُ ما ألَّفَه في الإسلاميات والله المستعان! .
ثانيًا: لقد اقشعرَّ جلدي حينما قرأتُ في فهرس هذا الكتاب قولُكم: (سيد قطب يَجَوِّزُ لغيرِ الله أنْ يُشَرِّع)! ! فهرعْتُ إِليها قبلَ كل شيء، فرأيتُ الكلامَ بمجموعهِ نقلًا واحدًا لسطور معدودة من كتابه (العدالة الاجتماعية). وكلامُه لا يفيدُ هذا العنوان الاستفزازيَّ! ! .
ولنفرضْ أَنَّ فيه عبارةً موهمةً أو مطلقة، فكيفَ نُحَوِّلُها إلى مؤاخذةٍ مكَفِّرة؟ تنسفُ ما بنى عليه سيد -رحمه الله تعالى- حياتَه، ووظَّفَ له قلمه، من الدعوةِ إلى توحيدِ الله تعالى في (الحكم والتشريع) ورفض سَنَّ القوانين الوضعية، والوقوفِ في وجوهِ الفَعلة لذلك! ! .
إنَّ اللهَ يحبُّ العدلَ والإنصافَ في كل شيء، ولا أَراك -إن شاء الله تعالى- إلّا في أَوبةٍ إلى العدلِ والإنصاف! ! .
ثالثًا: ومن العناوين الاستفزازية قولُكم: (قولُ سيد قطب بوحدة الوجود ... )! ! .
إنَّ سيدًا -رحمه الله تعالى- قال كلامًا متشابهًا، حلَّقَ فيه بالأُسلوب، في تفسيرِ سورتي الحديد والإخلاص، وقد اعْتُمِدَ عليه بنسبةِ القولِ بوحدةِ الوجودِ إليه! .
стр. 1122
وأَحْسنتُم حينما نقلْتُم قولَه في تفسير سورة البقرة، من ردِّهِ الواضح الصريح لفكرةِ وحدةِ الوجود، ومنه قولُه: (ومن هنا تَنتفي من التفكير الإسلامي الصحيحِ فكرةُ وحدةِ الوجود).
وأَزيدكم: إِنّ في كتابه (مقومات التصور الإسلامي) ردًّا شافيًا على القائلين بوحدة الوجود.
لهذا فنحنُ نقول: غَفَرَ اللهُ لسيد كلامه المتشابه، الذي جَنَحَ فيه بأُسلوب وَسَعَّ فيه العبارة! والمتشابهُ لا يُقاوِم النَّصَّ الصريحَ القاطِعَ من كلامه! .
لهذا أَرجو المبادرةَ إلى شطبِ هذا التكفير الضمنى لسيد -رحمه الله تعالى- وإني مشفقٌ عليكم! ! .
رابعًا: وهنا أَقولُ لجنابكم الكريم بكلِّ وضوح: إِنكَ تحتَ هذه العناوين (مخالفتُه في تفسير لا إله إلا الله للعلماء وأهل اللغة) و (عدمُ وضوحِ الربوبية والألوهية عند سيد).
أَقول: أَيها المحب الحبيب -لقد نَسَفْتَ بلا تثبُّت، جميعَ ما قرَّرَه سيد -رحمهُ الله تعالى- من معالمِ التوحيد، ومقتضياتِه ولوازِمِه التي تحتلُّ السمةَ البارزةَ في حياتِه الطويلة! .
فجميعُ ما ذكرتمُ يلغيه واحدة، وهي: إنَّ توحيدَ اللهِ في الحكمِ والتشريعِ من مقتضيات كلمةِ التوحيد! .
وشد -رحمهُ الله تعالى- ركّز على هذا كثيرًا، لِما رأَى من هذه الجرأة الفاجرةِ على إِلغاء شرع الله من القضاءِ وغيره، وإحلالِ القوانين الوضعية بدلًا عنها، ولا شكَّ أن هذه جرأةً عظيمة، ما عهدتهَا الأُمَّةُ الإسلاميةُ في مشوارها الطويل، قبلَ عام ١٣٤٢ هـ.
стр. 1123
خامسًا: ومن عناوين الفهرس (قولُ سيد بخلقِ القرآن، وأَنّ كلامَ الله عبارةُ عن الإرادة)! ! .
ولَمَّا رجعْتُ إلى الصفحات المذكورة، لم أَجدْ حرفًا واحدًا، يصرحُ فيه سيد -رحمه الله تعالى- بهذا اللفظ: القرآنُ مخلوَق!
كيف يكونُ هذا الاسْتسِهال للرمي بهذه المكفِّرات؟
إِنَّ نهايةَ ما رأَيتُ له تمدُّدٌ في الأسلوب، كقوله: (ولكنهم لا يملكونَ أَنْ يُؤَلِّفوا منها -أي الحروف المقطعة- مثل هذا الكتاب، لأنه من صنعِ الله، لا من صنع الناس)! .
وهي عبارةٌ لا نشكُّ في خطئها! لكن: هل نحكُمُ من خلالِها أَنَّ سيدًا يقولُ بهذه المقولةِ الكفرية (خلق القرآن)؟ اللهمَّ إِني لا أَستطيعُ تَحَمُّلَ عهدةِ ذلك! ! .
ولقد ذكَّرَني قولُه هذا بقولِ نحوِه، للشيخ (محمد عبد الخالق عضيمة) -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: (دراسات في أُسلوبِ القرآن الكريم، الذي طبعتْه -مشكورة- جامعةُ الإمامِ محمد بن سعود الإسلامية! فهل نرمي الجميع بالقولِ بخلقِ القرآن؟ اللهم لا! ! .
وأَكتفي بهذه من الناحية الموضوعية -وهي المهمَّة-.
ومن جهات أخرى أُبدي ما يلي:
١ - مسودة هذا الكتاب تقعُ في (١٦١) صفحة بقلم اليد، وهي بخطوطٍ مختلفة! ولا أَعرفُ منه صفحةً واحدةً بقلمكم حسبَ المعتاد! ! إِلَّا أن يكونَ اخْتلَفَ خَطُّكم، أو اختلط عليّ! ! أم أَنه عُهِدَ بكتبِ سيد قطب -رحمه الله تعالى- لعددِ من الطلاب، فاستخرجَ كلُّ طالبٍ ما بدا له، تحتَ إِشرافِكم أو بإِملائِكم! ! ! .
стр. 1124
لهذا فلا أتحَقَّقُ عن نسبتِه إليكم، إلَّا أن نُصَّ ما كتبْتَه على طرَّته أنَّه من تأليفِكم! وهذا عندي كافٍ في التوثيقِ بالنسبةِ لشخصِكُم الكريم! ! .
٢ - مع اختلافِ الخطوط، إلَّا أَنَّ الكتابَ من أَوَّلِهِ إِلى آخره يَجري على وتيرةٍ واحدة، وهي: أَنه بنفسٍ متوتِّرة، وتهيُّج مستمر، ووثبةٍ تضغطُ على النص، حتى يتولَّدَ منه الأخطاءُ الكبار، وتجعلُ محلَّ الاحتمال ومشتبهَ الكلام محلَّ قطع لا يقبلُ الجدال ... وهذا نكْثٌ لمنهجِ النقد: الحيدة العلمية! ! .
٣ - من حيثُ الصياغة: إِنْ قارَنّا بينَه وبين أُسلوب سيد -رحمه الله تعالى- فهو في نُزولٍ، وسيدٌ قد سَما! ! .
وإن اعتبرناه عن جانبكم الكريم، فهو أُسلوب (إعدادي)! ! لا يناسبُ إِبرازَه من طالبِ علمٍ حازَ العالميةَ العالية ..
لا بدَّ من تكافؤ القُدرات في الذوق الأدبي، والقدرةِ على البلاغةِ والبيان، وحسنِ العرض ... وإِلّا فَلْيُكْسَر القلم! ! .
٤ - لقد طغى أُسلوبُ التهيُّجِ والفزع العلمي على النقد! ولهذا افْتَقَدَ الرّدّ أَدبَ الحوار! ! .
٥ - في الكتاب من أَوَّلِه إِلى آخره: تَهَجُّم، وضيقُ عَطَن، وتشنَجٌّ في العبارات، فلماذا هذا؟ .
٦ - هذا الكتابُ يُنَشِّطُ الحزبيةَ الجديدة، التي أَنشأَتْ في نفوسِ الشبيبة جُنوحَ الفكر، بالتحريم تارة، والنقدِ تارة، وأَنَّ هذا بدعة، أو ذاكَ مبتدع، وهذا ضلال، وذاكَ ضالّ ... ولا بَيِّنَةَ كافيةَ للإِثبات! ! . وَوَلَّدَتْ غُرورُ التديّنِ والاستعلاء! حتى كأَنَّما الواحدُ عند فعلَتِه هذه يُلقي حِفلًا عن ظهره، قد استراحَ مِن عَناءِ حمله، وأَنَّه يأَخُذُ بحجزِ الأُمَّةِ عن الهاوية، وأَنه في اعتبارِ الآخرين قد حَلَّقَ في الورعِ والغيرة على حرماتِ الشرع المطهر! ! .
стр. 1125
وهذا من غير تحقيق هو في الحقيقةِ هَدْم! وإِنْ اعتبُرَ بناءً عاليَ الشرفات، فهو إلى التساقط، ثم التبردُ في أَدراجِ الرياح العاتية! .
هذه سماتٌ ستّ، تَمَتَّعَ بها هذا الكتاب، فكانَ غيرَ مُمْتِع! ! .
هذا ما بدا لي، حسبَ رغبتكم ...
وأَعتذر عن تأخرِ الجواب، لأنني من قبلُ ليس لي عنايةَ بقراءةِ كتب هذا الرجل، وإِن تداولهَا الناس! ! .
لكن هولَ ما ذكرتم، دَفَعني إلى قراءاتٍ متعددةٍ في عامَّةِ كتبه، فوجدْتُ في كتبهِ خيرًا كثيرًا، وإيمانًا مشرقًا، وحَقًّا أَبلج، وتَشريحًا فاضحًا لمخططات الأعداء للإسلام! على عثراتٍ في سياقاتهِ، واسترسالٍ بعباراته! ليتَهُ لم يَفُهْ بها! وكثيرٌ منها ينقضُها قولهُ الحق في مكانِ آخر! والكمال عزيز! ! ! .
والرجلُ كان أَديبًا نَقّادةَ، ثم اتّجَهَ إِلى خدمةِ الإسلام، من خلالِ القرآن العظيم، والسُّنَّةِ المشرفة، وسَخَّرَ قَلَمَه ووقْتَه ودَمَه في سبيلها، فَشَرِقَ بها طُغاةُ عصْرِه! ! .
وأَصَرَّ على موقفِه في سبيل الله تعالى، وكَشَفَ عن سالفَتِه! ... وطُلِبَ منه أَنْ يسطُرَ بقلمه كلماتِ اعتذار! وقال كلمته الإيمانية المشهورة: إِنّ اصبعًا أَرْفَعُهُ للشهادة، لنْ أكتبَ به كلمةَ تضادُّها! أو كلمة نحو ذلك! .
فالواجبُ على الجميع الدعاءُ له بالمغفرة! والاستفادةُ من علمه! وبيانُ ما تَحَقَّقْنا خَطَأَه فيه!
وإِنّ خطأَه لا يوجبُ حرمانَنا من علمه، ولا هَجْرَ كتبِه!
واعْتبِرْ -رعاك الله- حاله بحالِ أَسْلافٍ مَضَوْا، أمثال أبي إِسماعيل الهروي والجيلاني، كيف دافعَ عنهما شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ مع ما لديهما من الطوامَّ! لأنَّ الأصلَ في مسلكهما نصرةُ الإسلام والسُّنَّة! .
وانظرْ (منازل السائرين) للهروي -رحمه الله تعالى- تَرَ عجائبَ لا يُمكنُ قُبولُها!
стр. 1126
ومع ذلك فابنُ القيم -رحمه الله تعالى- يعتذرُ عنه أَشَدَّ الاعتذار، ولا يُجَرِّمُه فيها، وذلكَ في شرحه (مدارج السالكين).
وقد بسطتُ في كتاب (تصنيف الناس بين الظّنِّ واليقين) ما تيسَّرَ لي من قواعدَ ضابطة في ذلك! .
وفي الختام: فإِني أنصحُ فضيلةَ الأخ في الله، بالعدولِ عن طبعِ هذا الكتاب (أَضواء إسلامية .. ).
وإنه لا يجوزُ نشرُه، ولا طَبعُه، لما فيه من التَّحامُل الشديد، والتدريبُ القويُّ لشبابِ الأُمة على الوقيعةِ في العلماء، وتشذيبِهم، والحَطِّ من أَقدارهم، والانصرافِ عن فضائلهم! ! .
واسْمَحْ لي -بارك الله فيك- إِنْ كنتُ قسوتُ في العبارة، فإنه بسببِ ما رأيتهُ من تحامُلِكم الشديد، وشَفَقَتِي عليكم، ورغبتِكم الملحةِ بمعرفةِ ما لديَّ نحوه، جرى القلمُ بما تقدَّمَ! ! .
سَدَّدَ اللهُ خطى الجميع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم
بكر بن عبد الله بن أبو زيد ٢٠/ ١/ ١٤١٤ هـ
стр. 1127
ثانيًا: وقفة مع كتاب (في ظلال القرآن، رؤية استشراقية فرنسية) للمؤلف الفرنسي أوليفييه كاريه:
لن نقف مع المؤلف في حديثه في المقدمات التي ذكرها وتحدث فيها عن مولد قطب وحياته، وعن علاقته بالإخوان المسلمين، وما مرّ به في حياته من تحولات فكرية ودينية، وما كتبه في حياته وألفه.
ولا مع حديثه عن الحركات الإسلامية المعاصرة التي ظهرت بعد الظلال، ومن أسماهم بالقطبيين ...
بل نقف مع ما يتصل بموضوع كتابنا، وأول ما نقف معه شخصية صاحب الكتاب وهي تظهر في قدرته على البحث والتنقيب والتدقيق والنقد.
لكن كتابه هذا وما دسّه فيه يدل أيضًا على هدفه ومقصده، فهو يبادر دائمًا إلى الاتهام، يأخذ العبارات منقوصة غير كاملة، يفهم عبارات سيد كما يشاء، ويفسرها كيفما يهوى دون ضابط، وهو ينقل عبارات سيد بالمعنى، وسواء أكان ذلك من عمل المترجم أم أن المؤلف عند تأليفه للكتاب نقل هذه العبارات بالمعنى الذي ترجمه المؤلف، فإن ذلك أدى إلى تغيير كثير من العبارات ومؤداها ودلالاتها ...
والكتاب يحتاج حقيقة إلى قراءة متأنية وإلى أن يكتب حوله كتاب كامل يناقشه في جميع القضايا التي ذكرها ويبين فيها وجه الحق ...
والترجمة أيضًا تظهر فيها قوة العبارة وحسن الصياغة حتى إنك لا يمكن أن تشعر أن الكتاب مترجم عن لغة أخرى.
* ويشير المؤلف ص ٤٠ إلى هدفه من تأليف هذا الكتاب، فيقول:
(إن مهمتنا هي اكتشاف مبادئ ومنهاج (قراءة) القرآن التي تبناها سيد قطب وتلاميذه، ثم محاولة التعرف على المجتمع الإسلامي (المثالي) الذي يدعو إلى إقامته، والنظام السياسي (الإسلامي) الذي يجب أن يقود هذا المجتمع في عصرنا
стр. 1128
الحاضر، كذلك استطلاع (سياسات) الحرب والسلام التي يجب اتباعها في مواجهة (غير المسلمين) في عصر (الجاهلية الحديثة).
وبصفة عامة علاقة المجتمع الإسلامي مع اليهود والمسيحيين، ومعرفة النظام الاقتصادي، ونظام الأسرة، والدور الاجتماعي للمرأة في هذا المجتمع).
ونلاحظ من هذه الفقرة ومن خلال قراءة الكتاب قراءة تفصيلية دقيقة أن المؤلف جعل الكتاب في خطين متوازيين:
الخط الأول: ما قال عنه (اكتشاف مبادئ ومنهاج (قراءة) القرآن التي تبناها سيد قطب وتلاميذه).
الخط الثاني: ما قال عنه (ثم محاولة التعرف على المجتمع ... الخ الفقرة).
وستكون قراءتي الناقدة للكتاب من خلال هذين الخطين، ومن خلال الكثير من الملحوظات العلمية المنهجية التي تتعلق بمنهجية الكاتب والملحوظات التي سجلها في كتابه.
الخط الأول:
أولًا: الأمور العامة التي أراد المؤلف تأكيدها وتقويم (الظلال) من خلالها:
١ - (إن كتاب (الظلال) لا يُعدّ كتاب تفسير وفق القواعد المعمول بها ... وسيكون من الظلم أن نتصفحه أو ندرسه ككتاب تفسير (تقليدي) أو أن نقارن بينه وبين الكتب الأخرى التي ظهرت سابقًا في مجال التفسير ... إذن فإن اهتمامنا لا ينصب على (الظلال) كأحد كتب التفسير) ص ٣٤.
وهو يعدهُ (رؤية معاصرة متحمسة للنصوص القرآنية) ص ٣٥.
(وهو كتاب عقيدة لإقامة دولة إسلامية أو للقيام (بثورة إسلامية) ص ٣٥.
وإنه (يمكن مقارنته بكتاب الخميني (الدولة الإسلامية) ص ٣٥.
стр. 1129
(ويمكن مقارنته بما كتبه مؤسسا حزب البعث، الأرسوزي وعفلق) ص ٣٥.
وهو يعده (النص الرمزي) للحركات الإسلامية المعاصرة. ص ٢٩.
هذه هي النظرة التي ينطلق منها الكاتب في حديثه عن (الظلال) وهو يتعامل معه من خلال هذه الصورة ..
ولا شك في ظلم هذا التصور أو هذه النظرة عن الظلال .. ولا أدري ما هي القواعد المعمول بها التي يقصدها المؤلف، والتي أخرج (الظلال) من زمرة كتب التفسير بسبب عدم توفرها فيه.
٢ - التشكيك في سلامة (جميع نص الظلال) لسيد قطب:
يقول: (ولما كان العديد من الفقرات في كتاب الظلال قد تمّ تداوله كنصوص لتكوين وتربية (المناضلين) فإننا نجد أن المضمون الأصلي لبعض الصفحات قد تغير من سنة لأخرى) ص ٣٩.
ولا أدري من أين حكم هذا الحكم؟ ! ! .
وقد أورد مثالين أراد بهما تأكيد ما يدعيه. ص ٣٩.
المثال الأول: ما فعلته زينب الغزالي، حيث طلبت تنقيح مقدمة تفسير سورة الأنعام.
المثال الثاني: ظهور بعض الكتيبات بصورة دورية تحتوي على مجموع تفسير الآيات التي تتناول موضوعات الزكاة والربا ...
ومرة أخرى لا أدري هل هذا الذي ذكره يدل على صدق ما ادعاه؟ ؟ وهو لم يذكر أين وجد ذلك ولم يذكر مصدره! .
وإن ثبت أن زينب طلبت هذا التنقيح، فهل يُعدّ هذا تغييرًا، وهل يمكن لأحد أن يسمح بذلك، ولا يكون التنقيح إلا حسب الأصل، وهذا ليس تغييرًا، بل هو محاولة لإثبات الحق والأصل.
стр. 1130
وليت الأمر -هنا- وقف عند هذا الحد، بل المؤلف يشير في مكان آخر إلى أن محمد قطب قد أدخل بنفسه تعديلات على طبعة الظلال.
يقول: (إننا يمكن أن نتساءل حول التعديلات التي أدخلها محمد قطب بنفسه على هذه الطبعة، فالإضافات والتصحيحات التي كتبها سيد قطب (بخط يده) في أيامه الأخيرة لم يشر إليها ولم تظهر في الطباعة) ص ٤٠.
ولا ندري أين هذه التي أدخلها محمد قطب كما يدعي هذا الكاتب الفرنسي وها هو يتهم محمد قطب بأنه إما أن يكون أدخل تعديلات سيد التي كتبها بيده، ولكنه لم ينص أو يشر إلى ذلك، أو أنه لم يدخلها ولم تظهر في الطباعة بل أخفاها وحرم الظلال منها ... وهذا ما يظهر من عبارته ... فكيف يسمح محمد قطب لنفسه بذلك إلا في عرف مؤلف الكتاب؟
وهو بعد قليل يقول: (لكننا، في ذات الوقت لا نجد أسبابًا مقنعة تدعونا إلى الشك في إخلاص ووفاء محمد قطب .. ).
فهو يملك هذه الأسباب التي تدعوه للشك لكنه لا يجدها مقنعة بالشكل الكافي ...
٣ - إن الظلال هو المسؤول عن حالات التطرف والعنف التي ظهرت في مصر تحت اسم (التكفير والهجرة) أو تحت اسم (الجهاد) وظهور ما يدعون أنفسهم (القطبيين) منذ عام ١٩٧٤ م ص ٤٠.
وكذلك جعل الأمر في كتاب عفلق يقول (وربما يكون من الظاهر أيضًا أن كتاب عفلق (في سبيل البعث)، هو المسؤول عن (إرهاب الدولة) في كل من سوريا والعراق) ص ٣٦.
ويعمم ليجعل من المعتقدات والمثاليات مأساة، يقول: (وهذه هي مأساة المعتقدات والمثاليات إنها قد تتسبب في ظهور العنف) ص ٣٦.
стр. 1131
أقول: إنه ظلم واضح أن نحمّل الظلال مسؤولية حالات التطرف والعنف التي ظهرت في مصر أو غيرها تحت أي اسم كان.
والحق أن الذي قد يتسبب في العنف الفهم الخاطئ، أو التطبيق الضال، أو أعظم من هذا ما تعيشه الأمة من ظلم وحرمان وخرق للحريات واستبداد يحول بين الإنسان وبين حقه الذي منحه الله إياه، وهذا يعترف به القاصي والداني حتى من غير المسلمين، وما مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تريده أمريكا إلا أثر من آثار هذا الواقع المر.
٤ - إن أهم أسباب نجاح وانتشار كتاب (الظلال) وازدياد الإقبال الشعبي على اقتنائه خارج الوطن العربي، هو أن قطبًا استند إلى فكر اثنين من المفكرين من القارة الهندية هما أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي. ص ٢٩.
وهو يؤكد في موقع آخر أنه قد كان لكتب أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي أبلغ الأثر في تفكير سيد قطب.
ونحن لا ننكر تأثر قطب بهذين العالمين، وبما كتباه، ولكننا نعتقد أنه من الظلم وإنقاص قدر قطب وقدر الظلال أن يكون سبب اشتهار الكتاب وانتشاره هو تأثر قطب بهذين العالمين، ونحن نعلم أن للظلال شخصيته المستقلة المتفردة بقطع النظر عن تأثره بهذين العالمين الجليلين ونتاجهما الفكري.
٥ - يضع الكاتب سيدًا مع مجموعة من الشخصيات المتناقضة في أفكارها وآرائها في مقارنة مع (محمد عبده ورشيد رضا، ومع محمد أركون، ومع الخميني، ومع عفلق والأرسوزي):
* أما المقارنة مع محمد عبده ورشيد رضا فقد أمعن فيها كثيرًا وكان يعقد في كل فصل من فصول الكتاب وعددها ستة فصول مقارنة بين ما كتبه قطب وما ورد في المنار حول الموضوع نفسه.
ويقف المؤلف أولًا مع سيد ليشير إلى أن (منهج محمد عبده العقلي،
стр. 1132
ومدرسته في الدفاع عن الدين، كانت موضوع تشكيك صريح) وذكر على ذلك مثالين من موقف قطب من تفسير عبده لسورة العصر وسورة الفيل. ص ٥٢.
وقد تحدثنا من قبل عن صلة سيد بالمدرسة العقليهّ وعرفنا أن الشيخ محمد عبده، والشيخ رشيد هما محل إجلال سيد ﵏ جميعًا.
والمؤلف كما هي عادته في إطلاق الحكم وتعميمه دون الإشارة إلى نص العبارة عند قطب لم يبين لنا أين صرح قطب بأن مدرسة محمد عبده موضع تشكيك عنده.
والمؤلف في جميع مقارناته بين قطب وعبده يركز على موقف المدرستين من القضية التي تناولها في كل فصل من الفصول الستة.
وأسجل هنا ملاحظتين:
الأولى: أنه حمل في مقارنته هذه على كل من سيد وعبده في منطلقاتهما في تفسير القرآن الكريم.
ففي المبحث الثاني من الفصل الأول وعند حديثه عن تعدد الزوجات والاسترقاق يقول (فإن قطبًا قد اتخذ موقفًا قاطعًا، معتمدًا على الإيمان القوي، أقل (عقلانية) وأكثر (عقائدية) مقارنة بمحمد عبده ورشيد رضا) ص ٦٥، وانظر ص ١٠٦ - ١٠٧.
إذن ... فإن قطبًا قد اتخذ موقفًا قاطعًا معتمدًا على الإيمان القوي، أقل عقلانية وأكثر عقائدية مقارنة بمحمد عبده ورشيد رضا.
والحق أن هذا اتهام لقطب وعبده، ولمنهج التعامل مع القرآن وفهمه، فيظهر من كلامه أن قطبًا عاطفي يحكم عاطفته في فهم النص وترجيح معانيه أكثر من عقله.
وأن رضا وعبده يحكمان عقلهما دون عاطفتهما الدينية، وليس الأمر كما زعم.
стр. 1133
الثانية: أنه في الإجمال يفضل تفسير الظلال على المنار، وهو قد أطلق على تفسير الظلال اسم (تفسير المجاهد) ص ١٠٦ وما بعدها.
ومن الملاحظ التباين في مقارنته وموقفه من اختلاف قطب وعبده في أي قضية من القضايا، وقد كان اعتماده في جميع هذه المقارنات على كتاب (تفسير المنار في القرآن، للمستشرق جاك جوميير).
* وأما عن مقارنته سيدًا مع محمد أركون فقد أشار المؤلف إلى ذلك بقوله (إن (القراءة) المعاصرة للقرآن من خلال كتاب الظلال هي بالطبع، على النقيض من (القراءة) (العلمية واللغوية) التي يعرضها (محمد أركون) كمفكر إسلامي، الذي يعتبر (ثوريًا) بالرغم من أسلوبه (المسالم) حيث إن تناوله للقضايا الرئيسية لا يختلف تمامًا عما يقدمه قطب.
لذلك فإننا عند بحثنا عن (مستقبل الإسلام) لا بد وأن نقارن بين قراءة قطب، وقراءة أركون للقرآن، إن ما يدفعنا إلى ذلك هو أن (معالجات) أركون للنص القرآني (متقدمة) بدرجة كافية، بعدما قدم لنا من بدايات منهجته حول (فعل القرآن) ص ٣٨.
يبقى أن نسأل ما هي العناصر التي حكم بها على أن (قراءة) أركون للنص القرآني (علمية لغوية) وليست كذلك قراءة قطب، وكيف أن معالجات أركون للنص القرآني متقدمة بدرجة كافية عن معالجات قطب؟ ! ! .
والمؤلف -في الوقت نفسه- يعدّ (أركون) أكثر تقاربًا مع قطب من كل كتب التفسير التي ظهرت في عهد عبد الناصر، وخص بذلك كتابه (قراءات في القرآن). ص ١١٣.
والمؤلف (ص ١١٠ وما بعدها) يعقد مقارنة في جملة من القضايا بين سيد وأركون، مثل (القاعدة الأساسية للخطاب القرآني) ص ١١٠، النظرة إلى النص القرآني وقداسته، ومقارنته بالتوراة والإنجيل ... الخ. ونحن لا نعجب
стр. 1134
أن يكون مثل هذا الموقف من مستشرق، فهذا دينهم دومًا وأبدًا، ونقول: هناك فرق كبير بين سيد الذي يؤمن بالقرآن والنص وحقيقة الدين، وبين أركون الذي تنصر فاحتضنه الغرب، وأخذ ينظر إلى القرآن كأي كتاب بشري يصلح للرد والنقد ... ومن أراد المزيد في هذا الموضوع فليرجع إلى كتابنا (إتقان البرهان في علوم القرآن) في الفصل الذي تحدثنا فيه عن المستشرقين.
* وهو في مقارنته سيدًا مع الخميني وعفلق والأرسوزي ينطلق من النظرة إلى أن أفكار هؤلاء أفكار ثورية انقلابية: (وإن كتاب الظلال كتاب عقيدة لإقامة دولة إسلامية، أو للقيام بثورة إسلامية، يمكن مقارنته بكتاب الخميني (الدولة الإسلامية) في مقاصده وأهدافه والظروف التي صاحبت نشره في فترة الستينات .. ) ص ٣٥.
ثم قال (إن كتاب الظلال يمكن مقارنته أيضًا بما كتبه مؤسسا (حزب البعث) الأرسوزي وعفلق ... وعلى الرغم من أن الفكرتين استخدمتا نفس الكلمة: (البعث) التي وردت في القرآن، ولكنها عند قطب (البعث الإسلامي) بينما عند الأرسوزي وعفلق (البعث العربي) ص ٣٥.
وفي اعتقادي إن مثل هذه المقارنة بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع، وتلك قضية بدهية يدركها القاصي والداني.
هذه هي جملة القضايا العامة التي أراد المؤلف تأكيدها حول الظلال، وهي لا شك تمثل تقييمه للظلال ونظرته إليه ... والملاحظ أنها أمور فيها تجنٍّ كبير على الظلال تجعل منه كتاب رجل ناقم على الأوضاع السياسية والاجتماعية وما يحس به من الظلم، واعتقد أن هذا الشيء هو الذي دفع المؤلف للقول (لقد أراد قطب أن يدخل التجديد الفعلي على الأفكار التي كانت موجودة بصورة (شفافة) مستوحاة من النص القرآني، وذلك لمواجهة الأفكار التي قال بها عبد الناصر) ص ١١٢.
стр. 1135
وهذا تقليل واضح من قيمة الظلال العلمية ومثل هذا التجني وغيره هو دأب جلّ المستشرقين وبخاصة الفرنسيين منهم.
ثانيًا: رَسمَ المؤلف لمنهج سيد قطب في الظلال الخطوط التالية:
* جهات التفسير.
* تعريف (فعل القرآن).
* الظروف الاجتماعية في مكة والمدينة.
* القرآن والتاريخ.
* القرآن والعلوم الحديثة (قضايا منهجية).
وقد عالج هذه الأمور جميعها في الفصل الأول تحت خمسة مباحث:
المبحث الأول: جهات التفسير:
وقد حصرها المؤلف في جهتين هما:
- المستشرقون.
- كبار علماء التفسير المسلمين.
ومصطلح جهات ليس من المصطلحات المنهجية التي يتداولها العلماء في تقسيم مناهج المفسرين واتجاهات التفسير.
وحصر هذه الجهات في جهتين لا يعد تقسيمًا علميًّا منهجيًا يتفق مع ما يذكره العلماء ....
وفي هذا المبحث أراد المؤلف التأكيد على الأمور التالية:
١ - إن الظلال قد اتخذ موقفًا عدائيًا من المستشرقين بصفة عامة، وإن ما يثير الدهشة عنده -أي المؤلف- موقف قطب من تفسير عبده ومدرسته حيث يعدهم ممن (ساروا على نفس نهج الاستشراق) ص ٤٩.
стр. 1136
٢ - إن سيد قطب قد هاجم ما يسمى (بمدرسة محمد عبده) ص ٥١.
وقد سبق لي أن بينت موقف قطب من هذه المدرسة وأنه يحترم جهودها ويأخذ عنها وينقل في ظلاله، وإن كان يقف منها موقف الناقد البصير.
٣ - إن المؤلف يأخذ على سيد قطب رفضه لبعض نتائج النقد التاريخي لبعض النصوص القرآنية، بينما قبل بعض الدراسات الأخرى وخاصة التي تناولت البيئة الاجتماعية في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي ص ٥٣.
وهو يقارن هذه الخطوة بالحركة الكاثوليكية: الرافضة لكل تحديث أو تجديد، والتي تقول وتتعصب لفكرة تمام الدين وكماله) ص ٥٤.
ونلاحظ كيف أن المؤلف يؤيد فكرة النقد التاريخي (للكتاب المنزل) ويعيب على سيد وغيره من المسلمين الاعتقاد بصحة النص القرآني وثبوته وينتقد التعصب لفكرة تمام الدين وكماله، وهو يعد عدم قبول هذا المنهج في النقد يشبه موقف المتدينين من النصارى في رفضهم لكل تحديث أو تجديد ... والأمر غير دقيق.
فالنص عندنا ثابت لا شبهة في ثبوته، ونحن نقبل التطور والتجديد في فهمه وإدراك معانيه، أما الكاثوليكية فهي ترفض التجديد والتحديث متمسكةً بنصوص محرفة غير ثابتة وشتان بين الموقفين.
٤ - ويبين المؤلف هنا من هم المؤلفون الذين تأثر بهم قطب ويذكر أبا الحسن الندوي وأبا الأعلى المودودي (ص ٥٤). والعقاد، وعبد الواحد وافي، ودروزة وأبا زهرة (ص ٥٥).
ونحن نعلم أنه رغم تاثر قطب بهؤلاء وغيرهم، فهو مدرسة وحده في الأسلوب والفكرة والحجة والعاطفة والرقة ...
ونحن لو قرأنا بدقة لوجدنا الفرق بينه وبين أيّ واحد من هؤلاء واضحًا في اللغة ومنهج الكتابة والتأليف.
стр. 1137
٥ - وقد أوضح المؤلف أخيرًا موقف قطب في ظلاله من الجهتين اللتين ذكرهما عند تأليفه للظلال ولخص بذلك منطلقات الظلال في تفسير القرآن:
أ- فقد استفاد بما سبق أن كتبه بنفسه، ورجع إلى مؤلفات أخيه محمد وأحد معاصريه: عبد القادر عودة .. (ص ٥٦).
ب- تجنب قطب الاعتماد على كتب التفسير المعاصرة التي تميزت بالتقليدية، مثل تفسير طنطاوي، والقاسمي ... (ص ٥٦).
ج- ولكنه نقل عن رجال التفسير الكبار الأوائل: الطبري والحسن البصري وابن كثير والزمخشري والرازي (ص ٥٧). فيذكر المؤلف هنا أن قطب قد تأثر بتفسير الترمذي، كما وإنه نقل عن ابن إسحاق وعده مفسرًا، وإن كان قد نقل عنه بعض أحداث السيرة، وهذا تخليط لا يمت إلى العلم بصلة دقيقة بالتراث الإسلامي، وإنهم يتجاهلون ذلك.
د- إن قطب قد رفض بصورة قاطعة المنطق الجدلي (لرجال التفسير)، وما قال به (رجال علم الكلام) (ص ٥٨).
هـ- رفض أيضًا أفكار الفلاسفة الإغريقيين القدماء والغربيين المعاصرين (ص ٥٨).
و- وقطب لا يقبل فهم وتفسير القرآن إلا بالقرآن ذاته (ص ٦٠).
ز- وإن الظلال قد ركز على (القرآن المكي) وإن التمييز بينه وبين (القرآن المدني) يعد أحد المحاور الرئيسة عنده (ص ٦٠).
المبحث الثاني: فعل القرآن (ص ٦٢) .
يظهر أن المؤلف عقد هذا الفصل ليظهر من خلاله وجه إعجاز القرآن كما يراه سيد قطب، وإن لم يذكر المؤلف ذلك.
* وهو يركز على أن الوجه الذي يراه سيد في ذلك أبعد من إعجاز نظم القرآن ومعانيه، ومع ذلك لم ينص المؤلف على هذا الوجه الذي يرتئيه سيد، وقد ظهر
стр. 1138
من طيات كلام المؤلف وما ساقه من الأمثلة أنه يقصد (الإعجاز التأثيري).
* ثم ينتقل المؤلف ليعرض مباشرة -دون تمهيد أو تواصل مع ما قبل- إلى الترتيب الموضوعي الذي وضعه سيد قطب لسور القرآن، وإن كل سورة له شخصيتها الخاصة وملامحها المتميزة، ومحورها الذي تشير إليه موضوعاتها جميعًا ص ٦٣.
ويدعي (أوليفييه) أن قطبًا يرى أن محمدًا ﷺ هو الذي أمر بتجميع الآيات والسور على الشكل الذي نجده في القرآن الذي بين أيدينا، وإن قطبًا لم يتأثر أو يلتزم بالقضية التي أثارتها (التركيبة العثمانية) ص ٦٣، ٦٤.
والمؤلف لم يوثق هذا القول عن سيد قطب، وأين قال سيد قطب أن تجميع القرآن من أمر محمد ﵇ وليس من الوحي، وإنه يرى أن الترتيب العثماني ليس هو الذي أمر به سيدنا محمد ﷺ .
وما ذكره المؤلف هنا ادعاء وافتراء ليس له وجه حق.
* ووجه آخر يراه قطب في إعجاز القرآن -يشير إليه المؤلف- وهو عدم وجود التعارض أو التناقض بين القرآن في آياته وموضوعاته (ص ٦٤).
* وفي هذا المبحث عرض المؤلف لموضوع تعدد الزوجات وموضوع الاسترقاق (ص ٦٥).
وقارن فيه بين قطب ورضا بما ليس له علاقة مباشرة بموضوع المبحث. وقد سبق مناقشة الكاتب في مقارناته بين سيد ومدرسة المنار.
كما فصل المؤلف كثيرًا في حادثة الغرانيق (ص ٦٥) وحادثة زينب بنت جحش (ص ٦٧) بما ليس له علاقة بموضوع المبحث، وبما أراد الكاتب من خلاله الطعن ليس في الظلال فحسب، وإنما في الدين وفي شخص الرسول ﷺ .
* وأخيرًا عرض لموقف سيد في النظر إلى السور وكونها (مكية) أو (مدنية)
стр. 1139
ويرى أن سيدًا يخالف المفسرين في كثير من تقريراتهم حول هذا الأمر، وأنه يعتمد في تقرير ذلك على سياق السورة وموضوعها وأسلوبها ... (ص ٧٠).
والحقيقة أن هناك خلافًا بين العلماء في مثل هذه القضايا، وليس سيد بدعًا فيما ذهب إليه في اجتهاداته بهذا الصدد.
المبحث الثالث: الظروف الاجتماعية في مكة والمدينة:
* تحدث المؤلف في هذا المبحث عما يراه أنه الأمر الأساسي في منهج سيد ذلك هو (التركيز على (القرآن المكي) وتمييزه (ص ٧٢).
ودلل على ذلك بسعة حجم مقدمة سورة الأنعام، ولما تحدث عن هذا التركيز الذي يقصده جاء -في الحقيقة- بالأمور المتعلقة بسورة البقرة، وقضايا المجتمع التي عالجتها، وهذه سورة مدنية وليست مكية.
والمؤلف يدعي أن سيدًا قد طبق أسلوب (التفسير الحركي) على الآيات المدنية بصفة خاصة (ص ٧٣).
وهذا فضلًا على أنه يخالف ما قرره سابقًا فهو غير صحيح.
* وفي هذا المبحث تتبع المؤلف حديث سيد عن المجتمع المدني وحالته وظروفه ونشأته وعلاقته مع نفسه ومع الرسول ومع اليهود ... وهذه من الأمور التي ليست لها علاقة بتوضيح معالم منهج سيد الذي أراد بيانه .. وهي قد تنسجم مع القسم الآخر المتعلق ببيان بعض الموضوعات التي ناقشها الظلال.
* واللافت للانتباه ما قرره المؤلف أخيرًا حيث يقول: ( ... هذه الرؤية كان يتجاوز فيها -إذا اقتضت الظروف- (المستندات التاريخية) التي يعتبرها صحيحة في ظروف معينة وغير صالحة في ظروف أخرى.
وإنه من الصعب جدًّا حقًّا أن يكون الإنسان ذا إيمان وعقيدة قوية، وفي ذات الوقت يكون مؤرخًا لعقيدته ولمؤسساتها الدينية) ص ٨٤.
стр. 1140
وهذه عبارة فيها اتهام واضح لسيد وأنه غير موضوعي أو علمي في نقده التاريخي.
ومما يزيد الأمر غرابة أن يعمم صعوبة أن يكون الإنسان ذا إيمان وعقيدة قوية في الوقت الذي يكون فيه مؤرخًا لعقيدته ومؤسساتها الدينية ... فإما مؤرخ غير مؤمن وإما مؤمن غير مؤرخ ... وهذا من عادات المستشرقين ورأيهم في إسدال الستار على الحقائق دائمًا.
المبحث الرابع: القرآن والتاريخ (ص ٨٥):
تحدث فيه المؤلف عن نظرة سيد للقضاء والقدر ... وموقفه من الأحداث التاريخية وقصص الأنبياء.
وقد أكد الحقائق التالية عند سيد وهي تشير إلى منهجه في معالجة قضايا الظلال:
١ - إن القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها سيد في النظر إلى الأحداث والحقائق التاريخية هي التي تقول بوجود إرادة الله ومشيئته في أفعال البشر (ص ٨٥).
٢ - إنه يعرض لفكرة القدر عند سيد وإنه يطرح مفهومًا محددًا للرؤية الإسلامية المتعلقة بالتاريخ الإنساني، وهذا المفهوم يقضي بأن القرآن هو الحقيقة الأكيدة للتحولات الجديدة في واقع التاريخ الإسلامي، حتى في الفترات التي يحدث فيها انحراف أجيال كاملة من المسلمين وأشار لذلك من خلال ذكره لأرقام ثلاث صفحات في الظلال هي (٢١٧/ ٢٨١/ ٥٨٤) ص ٨٦.
والذي يراجع كلام قطب في هذه المواقع وغيرها يجد الأمر مختلفًا تمامًا.
فالكاتب يريد أن نعتقد أن سيدًا يحمّل القرآن مسؤولية انحراف أجيال كاملة من المسلمين، حتى يقنعنا عندما يقول إن الظلال هو المسؤول عن حالات التطرف الإسلامية التي ظهرت في مصر وغيرها.
стр. 1141
والواقع أن كلام سيد قطب -الذي استند إليه المؤلف- ينصبّ بالدرجة الأولى والمباشرة وبشكل واضح على اعتبار أن القرآن هو المصدر الوحيد الذي يجب التلقي عنه، وأن الإسلام يظل بريئًا من هذا الواقع التاريخي الذي ينحرف عن منهج القرآن ...
٣ - وفي موضوع قصص القرآن يقرر ما يلي:
أ- أن القرآن يبقى المصدر الوحيد الذي لم يحرف رواية القصص التاريخي القديم ... ص ٨٨.
ب- أن النص القرآني لا يعرض الحوادث عرضًا تاريخيًا مسلسلًا بقصد التسجيل، وإنما هو يعرضها للعبرة والتربية واستخلاص القيم ... ص ٨٨.
ج- أن القرآن يجرد هذه الروايات من طابعها الأسطوري الذي يخدع الجماهير ببريقه ... ص ٩٠.
* بقي أن أقول: هناك قضايا متعددة مما ذكره المؤلف عن الظلال مما وثقه أو لم يوثقه تحتاج إلى نقاش وحوار وردّ ...
المبحث الخامس: القرآن والعلوم الحديثة - قضايا منهجية (ص ٩٤):
* عرض المؤلف في بداية هذا المبحث إلى الفطرة الإسلامية والخطاب القرآني المؤثر لهذه الفطرة الذي يتولى التوجيه التربوي لها في رغائب الإنسان ودوافعه ...
* ويمكن تلخيص ما ذكره المؤلف عن منهج القرآن في حديثه عن الحقائق العلمية كما يعرضه سيد بما يلي:
١ - إنه يخاطب الفطرة ولا يلجأ إلى الأسلوب الجدلي كما هو الحال عند الفلاسفة وعلماء الكهنوت (ص ٩٥).
٢ - إن القرآن لا يفصّل كثيرًا في ماهية الظواهر الكونية وعللها. إنما يتخذ منها أداة لوصل القلب البشري بالوجود وخالق الوجود (ص ٩٦).
стр. 1142
٣ - القرآن يقرر أن الغيب علم، وكل ما يتعلق بالألوهية الذي هو من الغيب هو علم، لا كما يروج في البلاد الإسلامية من أن (الغيبيّة) لا مكان لها في الأنظمة العلمية (ص ٩٥).
٤ - إن منهج الإسلام هو الذي يوجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجيّة للحياة (ص ٩٨).
٥ - إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجئ ليكون علمًا تجريبيًا كذلك (ص ٩٨).
٦ - إننا نتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف الحقائق المجملة التي قررها القرآن ... (ص ٩٨).
* ثم ينقل عن سيد (الظلال/١٨٢) ما ذكره من الأخطاء المنهجية التي تتعلق بالمزالق العلمية التي يجب تجنبها عند قراءة القرآن:
١ - تخيل البعض أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع ...
٢ - سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، حيث إن البعض يحاول أن يبحث في القرآن عن أدلة أو معلومات علمية مادية كالتي يقدمها علم الإنسان.
٣ - التأويل المستمر -مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن، كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات ...
* وفي استكشافه لموقف القرآن من العلوم الحديثة ركز المؤلف على نقطتين هامتين عالجهما سيد في الظلال: (ص ١٠١):
الأولى: أصل الكون وخلق الإنسان.
الثانية: إعمال المعجزات وعالم الغيب.
وفي النقطة الأولى عرض لموقف سيد في الأمور التالية:
١ - تفسير حقيقة (الأيام الستة) لخلق الكون.
стр. 1143
٢ - استواء الله على العرش.
٣ - بدء نشأة الخلية الحية الأولى في الأرض.
٤ - وقد تعرض لنظرية (داروين) في نشأة الخلق وانبهار بعض الناس بها.
وفي الثانية عرض لموضوعات مثل: الجنة والنار، الشياطين، الجنة الأرضية، الوحي، الإسراء والمعراج ...
وكما هي عادة المؤلف فقد كانت طريقته في التوثيق غير دقيقة وغير واضحة، فهو يذكر أن سيدًا قد قال كذا ولا يشير إلى رقم الصفحة أو أنه ينقل العبارات بالمعنى ...
وهكذا نكون قد جلينا بعض معالم منهج الظلال من خلال ما كتبه المؤلف، والصورة التي رسمها هذا الكاتب لهذا التفسير العظيم ..
الخط الثاني:
وقد عبر عنها المؤلف بقوله (ثم محاولة التعرف على المجتمع (المثالي) الذي يدعو إلى إقامته .. ) ص ٤٠.
وهذا الذي ذكره المؤلف هو الذي عالجه في الفصول الخمسة المتبقية من الكتاب.
وموضوعات هذه الفصول هي:
الفصل الثاني: المرأة والأسرة في الإسلام.
الفصل الثالث: اليهود والمسيحيون في المجتمع الإسلامي.
الفصل الرابع: الجهاد في سبيل الله.
الفصل الخامس: المال والعدالة الاجتماعية في الإسلام.
الفصل السادس: المجتمع الإسلامي وخصائصه الفريدة.
وبعد قراءة هذه الفصول ومراجعتها يمكن تسجيل النقاط التالية:
стр. 1144
أولًا: إن منهج الكاتب في هذه الفصول كان يعتمد التجميع الموضوعي للموضوعات التي كان يتناولها، فيقتطف من الظلال حديثه في الموضوع المعين ويجمعه الكاتب ويؤلف بينه.
ثانيًا: كان في نهاية كل فصل يعقد مقارنة في الموضوع الذي تناوله بين سيد قطب والمنار، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
ثالثًا: جلّ الدراسة يعتمد على الجانب التشخيصي وعلى النقل وقلت فيه جوانب النقد ..
رابعًا: لم يكن الكاتب يوثق الصفحات التي كان ينقل منها إلا في القليل من ذلك دون الإشارة إلى رقم الصفحة بل يقتصر أحيانًا على ذكر رقم الآية، وهذا يجهد كثيرًا في التحقق من النقل.
خامسًا: كان ينقل عبارة سيد دون تنصيص عليها ولا أدري أهذا من فعل المترجم أم المؤلف.
وهو كثيرًا ما ينقل عبارة سيد بالمعنى مما سمح له بالتدخل في فهمها وتوجيهها كما شاء.
سادسًا: بقي أن أقول إن هذه الفصول تحتاج إلى قراءة متأنية وتسجيل ما ورد فيها من قضايا ليناقش فيها الكاتب في فهمه ونقله وترجمته للمعاني وفي كل جزئية من جزئيات الكتاب.
وآمل أن يلتفت بعض الكتاب المسلمين لقراءة هذا الكتاب وبيان ما فيه من خطل وتجنٍّ على الحقائق وأن تترجم هذه الدراسات إلى اللغة الفرنسية لغة الكاتب.
стр. 1145
ثالثًا: حول منهجه في التفسير الموضوعي:
لقد سبق في حديثنا عن منهج سيد وطريقته في التفسير أن أشرنا إلى شيء من منهجه في التفسير الموضوعي وكيف يقسم السورة ويتحدث عنها وفق هذا التقسيم.
ونحن نؤكد هنا أن جهود سيد في هذا المجال كان لها أكبر الأثر في توجيه أنظار الدارسين من بعده للبحث في هذه القضايا الموضوعية في تفسير القرآن الكريم.
وسيد لم يكن هو من ابتدع هذا الفنّ لكننا نجده أكثر من أجاد تطبيقه في القرآن كله.
ومع تأكيدنا أن استشراف القضايا المتعلقة بهذا النوع من التفسير مرجعه إلى الاجتهاد والتدبر وطول التأمل، فإننا نعلم حينها مدى ما يمكن أن تختلف وتتباين فيه أنظار الباحثين والعلماء في هذا المجال، وقد يفتح الله تعالى لبعض عباده في هذا المجال، وقد سار سيد قطب ﵀ في هذا المجال وفق اجتهاد وما يراه من خلال تدبره لآيات الكتاب العزيز.
ونرى المؤلف في عرضه لجهود سيد قطب في التفسير الموضوع يقول تارة أنه (قد حكمت النظرة السريعة تقريره -سيد- للوحدة الموضوعية في بعض السور) (ص ١٢٧). وتارة أخرى يقول (أن الذي قاله سيد في الوحدة الموضوعية ليس هو القول الفصل ... إلخ (ص ١٥٨).
وأود هنا أن أسجل ملحوظات الدكتور زياد الدغامين على جهود سيد قطب في مجال حديثه عن الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية ثم أناقش ما يحتاج إلى ذلك وقبل الوقوف مع هذه الملاحظات لا بد من تسجيل بعض القضايا المنهجية على كلام الدكتور الدغامين فيما وصف به جهود سيد قطب:
стр. 1146
١ - في مجال رده على كلام الدكتور صلاح الخالدي في حديثه عن أسباب نجاح سيد في القول بالوحدة الموضوعية حيث ذكر الخالدي من ذلك (حياة سيد الطويلة التي قضاها في ظلال القرآن) يرى الدكتور الدغامين أن هذا من الأسباب غير العلمية.
يقول (هذا فضلًا عن كونها أسبابًا غير علمية، فهل الحياة الطويلة مع القرآن اقتصرت في تاريخنا الإسلامي على حياة سيد ﵀؟ فكم من عالم وعالم كان القرآن شغله الشاغل، لكن هذا لا يستلزم القول بالوحدة الموضوعية في سور القرآن، وهل جرد سيد حياته مع القرآن من أجل البحث عن الوحدة الموضوعية في سُوَرِه؟ ) ص ١٢٧.
ولا ندري على هذا -ما هي الأسباب العلمية التي تؤهل لاستكشاف الوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم والبحث عن مناسبة السور والآيات؟ ! ! .
ونحن نؤكد أن من الأسباب العلمية - في هذا المجال - التدبر لآيات الكتاب الكريم وطول التأمل مع ما يرافقه من أسباب أخرى، وتوفيق الله تعالى فوق ذلك كله.
٢ - وإذا كان الدكتور الدغامين يرى أن سيد (قد حكمت النظرة السريعة تقريره للوحدة الموضوعية في بعض السور، وكان -أحيانًا- يفسر جزءًا من القرآن في شهرين، في حين كان البقاعي ينظر في مناسبة آية شهورًا) ص ١٢٧.
فإن ذلك ليس مأخذًا على سيد، إذ القضية ليست قضية زمن طويل أو قصير.
٣ - والدكتور الدغامين يرى (أن الذي قاله سيد في الوحدة الموضوعية ليس هو القول الفصل، وأن ما ذهب إليه في ذلك ليس هو المذهب الجزل في كثير من السور، مع أن له جهدًا عميقًا وكبيرًا لا يستهان به في هذا المضمار) ص ١٢٨.
أقول: من الذي يدعي أن ما قاله سيد هو القول الفصل؟ وأظن أن سيدًا نفسه لا يمكن أن يدعي ذلك، إنما هذه أمور اجتهادية، ولا شيء يمنع أن تختلف فيها الأنظار وتتعدد.
стр. 1147
٤ - ثم يعلق الدكتور زياد على جهود سيد فيقول: (هذا الجهد يفتقر أحيانًا إلى المنهج الواضح، أو الالتزام بمنهج منضبط) ص ١٢٨.
فهو يرى أن هذا الجهد يفتقر أحيانًا إلى المنهج الواضح، ونحن نريد أن نرى هذا المنهج الواضح الذي افتقر إليه جهد سيد، ولم نجد الدكتور زياد الدغامين قد حدد لنا معالم هذا المنهج الذي يجب أن يضبط جهود العلماء في تقرير الوحدة الموضوعية والقضايا الموضوعية للسور القرآنية.
وما ذكره الدكتور الدغامين في آخر كتابه من خطوات عدها منهجية لتحديد الوحدة الموضوعية في سور القرآن لا نجد أبدًا أن سيدًا قد افتقر إليها.
بل إن هذه الخطوات يمكن استقاؤها من خلال جهود سيد رحمه الله تعالى.
بل إن ما ذكره الدكتور الدغامين في حديثه عن (الوحدة الموضوعية) والنقاط التي ذكرها، وكذلك النموذج التطبيقي الذي أتى به، كل ذلك يحتاج إلى نقاش، بل هو غير مسلم، بل فيه بعد، ويصعب على الدارس أن يتقبله، إن تقريره للوحدة الموضوعية في سورة الحجر، يصعب أن يتقبله الذي تشبع بالقرآن الكريم، وملك عليه القرآن مشاعره وأحاسيسه.
والدكتور يرى أيضًا أن هذه الجهود تفتقر إلى (الالتزام بمنهج منضبط)، ونحن لم نجد أي تناقض في آراء سيد حول الملامح الشخصية للسور القرآنية، ولم نجده يناقض أيضًا نفسه في تقرير هذه الملامح، بل هو ينظر في كل سورة بما يتناسب واسمها وآياتها وروابط آياتها، وقد سبق أن ذكرنا أن هذه من القضايا الاجتهادية فما كان يتوصل إليه، كان من خلال منهجه الذي قرره لنفسه في تحديد شخصية السورة -وليس وحدتها الموضوعية- والذي لم يصرح به لكنه يظهر جليًّا من خلال تفسيره.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن العلماء لم يتفقوا على القول بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، ففي الوقت الذي يثبت فيه بعضهم تلك القضية نجد من لا يلتفت إليها ولا ينص عليها.
стр. 1148
وسيد قطب نفسه ومن قبله الدكتور محمد عبد الله دراز لم يدَّع أحد منهما الوحدة الموضوعية للسورة، وإن كان قد تحدث كل واحد منهما عن ملامح وشخصية السورة القرآنية.
نعود الآن إلى بعض الملاحظات التي سجلها الدكتور زياد على جهود سيد قطب في هذا المجال:
١ - يقول الدكتور زياد إن سيدًا (واجه صعوبة ملحوظة في تحديده لموضوع السور المكية على الإطلاق، فكم من سورة ذكر أنها تعالج موضوعات القرآن المكي) ص ١٢٨.
وهذا الكلام يحتاج إلى دليل أو تصريح من صاحب الشأن، وليس ذلك بممكن، ولا يجوز أن نعدّ الدليل على ذلك اختياره لموضوع واحد تحدده أكثر من سورة.
فكونه يرى أن أكثر من سورة تعالج موضوعًا واحدًا أو موضوعات متقاربة لا يعني أبدًا أنه واجه صعوبة ملحوظة في تحديده لموضوع السور المكية على الإطلاق، ونحن نعلم -كما أسلفنا- أن هذه الأمور مردها إلى الاجتهاد، وكان هذا رأيه في ذلك.
ثم إن سيدًا كان يصرح بهذا الاتفاق في الموضوع أو التقارب في الموضوعات، مما يدل على أن هذا رأيه، وليس ذلك تابعًا عن صعوبة في تحديد الموضوع، وهو يقرر أيضًا أن الجديد هو أسلوب العرض في كل سورة، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان.
والدكتور الدغامين يعلق في هذا المجال ويبين أنه (على ذلك يصبح المميز للسورة هو أسلوبها وطريقة عرضها وليس موضوعها، ومن ثم لا يمكن الاعتداد بالوحدة الموضوعية في السورة) ص ١٢٩.
وهذا كلام غريب، فما المانع أن يكون المميز للسورة هو أسلوبها وطريقة عرضها، وهل يمنع هذا أن يكون للسورة موضوع معين قد تتفق فيه مع سورة أخرى أو أكثر عن سورة في بعض، جوانبه.
стр. 1149
ونحن نعلم أن من أسلوب القرآن الكريم أن يعرض بعض الموضوعات المهمة كقضايا العقيدة أكثر من مرة، وكل مرة بأسلوب جديد لغاية جديدة.
ثم من قال إن اتفاق بعض السور في موضوع واحد يمنع من الاعتداد بالوحدة الموضوعية، وهل الوحدة الموضوعية -على ما قلناه في الوحدة الموضوعية من قبل- يحتمه الوحي ويفرضه الشرع ويمنع من مخالفته؟ .
إن هذه القضايا يجب أن تجلى وتوضح في أذهان كثير من الدارسين حتى لا تزلّ أقدامهم عن طريق الحق في نظرتهم لجهود العلماء.
٢ - ونرى أيضًا أن الدكتور الدغامين يلاحظ على سيد قطب في تحديده للوحدة الموضوعية لسور القرآن تشابه سور معدودة في موضوعها وطريقة عرضها وإيقاعها) ص ١٢٩.
وأتساءل هنا: هل هذه قضية يعاب بها سيد وجهوده؟ إن اجتهاد سيد قد أوصله إلى هذا الرأي، وهو لا يرى مانعًا من هذا التشابه أو التقارب، والدكتور زياد لما كان يرى غير ذلك -وهو رأي اجتهادي، حيث يرى أن لكل سورة موضوعًا واحدا فليس له الحق أن يعيب على غيره اجتهاده، ثم إن نظرته فيما طبقه على سورة الحجر لايسلم له فيها كما قلنا.
٣ - لكن الذي يحتاج إلى وقفة أطول ومراجعة أدق من كلام الدكتور زياد السابق هو حديثه عن أسلوب القرآن والاحتكام إليه:
يقول: وأرى كذلك أن الاحتكام إلى الأسلوب بحيث يكون هو المميز للسورة أمر مشكل، إذ يلزم كل باحث في سورة ما أن يبين كيفية الاختلاف من سورة إلى سورة في تناولها لموضوع ما من حيث أسلوبها، فلو درسنا موضوع البعث -الذي تناولته سور كثيرة جدًّا- في سورة (ق) مثلًا، فهل يلزمنا أن نبين الفرق في الأسلوب بين (ق) وتلك السور الكثيرة الأخرى التي تناولت موضوع البعث والنشور؟
وليعلم أنني لا أقلل بهذا من شان الذوق في فهم وإراك إعجاز القرآن. في نظمه ولغته وأسلوبه) ض ١٣٠.
стр. 1150
والدكتور زياد يدافع عن نفسه -في عبارته الأخيرة- من حيث يرى نفسه متهمًا فيما قاله.
وهذا الكلام يحتاج من صاحبه إلى مراجعة وتوضيح، فنحن نعلم أن من أسرار إعجاز القرآن الكريم ما يعبر به عن الموضوع الواحد أو القضية الواحدة بأساليب متعددة في النظم القرآني.
وما المانع أن ندرس اختلاف النظم بين موقع وآخر في القرآن الكريم، في الموضوع الواحد؟ بل إن هذا من أعظم ما يكشف أسرار الإعجاز القرآني.
أقول: ونحن إذ نوافق الدكتور زيادًا في قوله عن جهود سيد في هذا الاتجاه إنها (كانت متقدمة إلى حد كبير) ص ١٣٤ إلا أننا لا نقره في كثير مما ذهب إليه في نظرته وتقييمه لهذه الجهود.
ومن الحق أن نقرر هنا أنه ليس سيّدٌ وحده الذي نال منه الدكتور زياد، بل إن هذا شأنه مع المفسرين جميعًا ابتداءً من ابن جرير إلى ما بعد سيد مثل ابن عاشور وغيره، ومع أن هذا لم أكن أعرفه من الدكتور زياد، فلقد درسته أكثر من مساق في المرحلة الجامعية الأولى وأشرفت على رسالته في المرحلة الجامعية الثانية -الماجستير- فكان المفسرون والعلماء موضع احترامه وتقديره وإجلاله، سامح الله الدكتور زيادًا، ونرجو له ولأمثاله الرفق بأئمتنا وعلمائنا.
وبعد فأكتفي بما ذكرته عن الظلال وموقف الكاتبين منه، وما أجمل الموقف الوسط الخالي من الإفراط والتفريط رحم الله صاحب الظلال وأرجو أن يكرمه الله بمراتب العلماء ونزل الشهداء، فقد جاء في الحديث الصحيح (يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) ولقد كان سيد عالمًا شهيدًا، ﵀.
стр. 1151
الفصل الرابع مدرسة الجمهور
ونتحدث فيها عن:
١ - تفسير القاسمي.
٢ - التفسير الوسيط.
٣ - تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي.
٤ - صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسنين مخلوف.
٥ - تفسير الشيخ السعدي.
٦ - تفسير ابن باديس.
٧ - تفسير الشيخ حسن البنا.
٨ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين.
стр. 1152
الفصل الرابع مدرسة الجمهور
أولًا: محاسن التأويل للشيخ محمد جمال الدين القاسمي
كان لدعوة ابن تيمية أثر كبير في كثير من البلاد الإسلامية، وطبيعي أن يكون نصيب البلاد السورية من هذا الأثر وافيًا وافرًا، ومن هنا فليس عجيبًا أن نرى عناية خاصة بعلوم السنة، واهتمامًا بفقهها، وهرعًا إليها عند محاولة تفسير كتاب الله، على النهج الذي سار عليه ابن تيمية وتلميذاه ابن كثير وابن القيم، ومن بعدهما البرهان البقاعي. ومع ما لقيته آراء ابن تيمية من معارضة شديدة على مدى الأيام، إلا أنها كانت لا تعدم مدافعين عنها متحمسين لها يعملون ولو بالخفاء ولقد كان من هؤلاء في المتأخرين جمال الدين القاسمي (١).
مولده ونشأته:
هو محمد جمال الدين أبو الفرج بن محمد بن سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي، ولد سنة ١٢٨٣ هـ الموافق ١٨٦٦ م في مدينة دمشق، من بيت عرف بالتقوى والعلم وقد كان تشجيع أبيه، سببًا في نشأته نشأة صالحة.
حفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة ومبادئ العلوم، ثم جود القرآن على شيخ
стр. 1153
القراء الشيخ أحمد الحلواني، ودرس على الشيخ سليم العطار، وسمع منه مجالس من البخاري دراية، وحضر دروسه في الموطأ والشفاء ومصابيح السنة والجامع الصغير والطريقة المحمدية وغيرها، وذكر من مشايخه كلًّا من الشيخ بكري العطار والشيخ محمد الخاني، وخال والده الشيخ حسن جبينه الشهير بالدسوقي. وأجازه كثير من علماء مصر.
وقد جلس للتدريس وله من العمر أربعة عشر عامًا، ثم قام مقام أبيه في الدرس العام في جامع السنانية، بعد وفاته عام ١٣١٧ هـ، وفي أول درس له بعد وفاة أبيه حضر علماء الشام -وكانت عادة متبعة- وجلس الشيخ جمال الدين لإلقاء الدرس من رياض الصالحين، وبعد المقدمة قال: (قد جرت عادة أسلافنا وأشياخنا المحققين قدس الله أرواحهم أجمعين، أن يذكروا في مثل هذا المجلس سندهم إلى مقرئيهم، وأن يذكروا بعض مشايخهم والآخذين عنهم والمجازين منهم، تجديدًا لذكراهم وطلبًا للترضي عنهم والترحم عليهم، وإني مع قصر باعي وقلة بضاعتي، ووفور انكساري، أتأسى بهديهم وأقتدي بصنعهم تشبهًا بهم كما قيل:
إن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا ... إن التشبه بالكرام فلاح
ثم ذكر أنه تلقاه عن أبيه عن جده الشيخ قاسم، وأعلى إسناد له في هذا الكتاب وسائر مصنفات النووي، عن أستاذه السيد محمد الدسوقي عن الشيخ علي السليمي الصالح عن الشيخ عبد الغني النابلسي، عن الإمام نجم الدين عن والده بدر الدين الغزي، عن القاضي زكريا الأنصاري، عن الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، عن الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي، عن علاء الدين العطار، عن شيخه الإمام النووي ﵁ وقد استمر في الإمامة والدرس العام في هذا المسجد حتى لقي وجه ربه عام ١٣٣٢ هـ/ ١٩١٤ م.
стр. 1154
ثقافته:
ولقد كانت الحياة الثقافية ضعيفة في عصره، فلا مدارس ولا معاهد ولا جامعات، والطباعة ضعيفة، وكان اعتماد القلة من الناس على الكتاتيب، وحلقات الجوامع والدروس الخاصة في البيوت، وكان حال الحياة الدينية نتيجة طبيعية للحياة الثقافية، ولكن الشيخ لم يقنع بما قنع به الكثيرون من أبناء عصره، فكان ينمي ثقافته دائمًا بمختلف العلوم وأنواع المعارف، ويدلنا على ذلك مكتبته التي تزيد على ألفي مجلد، وليست محتوياتها العلوم اللغوية والشرعية فحسب، بل تعدتها إلى كتب الفلسفة والقانون، وكتب الفرق الإسلامية والديانات والعلوم الحديثة، ووجود المكتبات وحده لا يدل على زياد علم، فنحن مبتلون اليوم بهذا الداء: كثرة الكتب مع قلة القراءة والاطلاع، ولكن القاسمي ﵀، قل أن يوجد كتاب في مكتبته إلا وله فيه تصحيح أو حاشية أو تعليق، ولقد ساعده على ذلك حبه الرحلة للاتصال بمشاهير العلماء في عهده، فرحل إلى مصر حيث التقى بالإمام محمد عبده، وكان من المعجبين به.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا في وصف القاسمي (كان من أكمل ما رأيت في آدابه وأخلاقه وشمائله ... وكان تقيًا ناسكًا واسع العلم، سليم القلب، نزيه النفس واللسان والقلم برًا بالأهل وفيًا للإخوان، يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، عائلًا عفيفًا قانعًا ... ومن عظيم همته أنه شدّ الرحال إلى البلاد الحجازية في غير موسم الحج للاطلاع على كتاب المحلى لابن حزم لعدم وجوده في دمشق ... ) (١).
ويقول الأمير شكيب أرسلان: ويمكنني أن أقول: إنه لم يعط أحد شطر الجمال المعنوي الذي يحبه الله تعالى، ويشغف به عباد الله سبحانه، بدرجة المرحوم جمال الدين القاسمي الدمشقي الذي كان في هذه الحقبة الأخيرة جمال دمشق، وجمال القطر الشامي في غزارة فضله وسعة علمه وشغوف حسه، وذكاء نفسه وكرم
стр. 1155
أخلاقه، وشرف منازعه وجمعه بين الشمائل الباهية والمعارف المتناهية، بحيث إن كل من كان يدخل دمشق ويتعرف إلى ذلك الحبر الفاضل والجهبذ الكامل، كان يرى أنه إن لم يكن فيها إلا ملك الذات البهية المتجلية بتلك الشمائل السرية والعلوم العبقرية، لكان ذلك كافيًا في إظهار تفوقها على سائر البلاد، وإثبات أن أحاديث مجدها موصولة الإسناد.
أما جميل العظم فيقول: انفرد جمال الدين بفضائل أثيرة، ومناقب كثيرة، وصبر لصدمات المهاجمين من المتفقهية والقصاص والمخرفين، وله معهم مواقف، حافظ فيها على سكينته ووقاره، ولم يتجاوز فيهما حد المدافعة، فلم يسمع له فيها قعقعة مراء، ولا صليل جدل، فكان جمال الدين في خلقه كجمال الدين في فارس، وصديّق خان في الهند، والأستاذ الإمام في مصر، ولم أر في الرجال من استقام على الطريقة بعد أولئك الثلاثة مثل الجمال القاسمي إلا أن يكون صاحب المنار).
أفكاره وآثاره:
هذا عن ثقافة الشيخ، أما أفكاره وآراؤه، فلعل مما يلقي ضوءًا عليها ما يذكره عن نفسه من أنه مثل أمام المحكمة، التي كان من أعضائها مفتي الشام وقاضيها، حيث وجهت إليه تهمة الاجتهاد، وعدم الاكتراث بآراء الفقهاء، وابتداع مذهب يسمى مذهب الجمالي، وأنه عاكف مع جماعة معه على قراءة كتب التفسير والحديث، ونبذ الكتب الفقهية، وكما وجهت إليه هذه التهمة، وجهت إلى عدد من العلماء لكن أحدًا منهم لم يوقف على ذمة التحقيق سواه، ولعل مما يزيدنا معرفة بشخصيته وآرائه العلمية التي تركها آثاره العلمية .
آثاره العلمية:
وهب القاسمي القدرة على التأليف والجمع. منذ حداثة سنه، وقد كان ﵀ يكتب دون انقطاع، حتى في أيام المرض، وأكثر كتاباته في خدمة الشريعة
стр. 1156
المطهرة، جلى فيها حقائقها، وقد كتب في موضوعات أخرى متعددة إلا أنه قال: (كل مؤلف لي قبل ١٣٢٠ فلي فيه وقفه).
وقد ترك آثارًا علمية كثيرة بعضها طبع في حياته وبعضها طبع بعد وفاته.
وسأثبت هنا أهم هذه الكتب:
١ - السفينة: وهي عبارة عن مجموعة من الحكم والنوادر والوصايا، والنصائح الأخلاقية والأحاديث النبوية جمعها وهو ابن ست عشرة سنة.
٢ - الأنوار القدسية على متن الشمسية.
٣ - المسند الأحمد على مسند الإمام أحمد.
٤ - بديع المكنون في مسائل الفنون.
٥ - الطالع المسعود على تفسير أبي المسعود.
٦ - شمس الجمال على منتخب كنز العمال.
٧ - تعطير الشام في مآثر دمشق الشام.
٨ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث.
٩ - الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين (شرح الأربعين العجلونية).
١٠ - غنية الهمة على كشف الغمة.
١١ - رسالة في علم الأصول.
١٢ - الأجوبة المرضية على ما أورده، كمال الدين بن الهمام، على المستدلين بثبوت سنة المغرب القبلية.
١٣ - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، وهو مختصر لكتاب الإحياء أشار عليه بكتابته محمد عبده.
стр. 1157
١٤ - إصلاح المساجد من البدع والعوائد في مجلد تبلغ عدد صفحاته ٢٨٠ صفحة تقريبًا.
١٥ - تاريخ الجهمية والمعتزلة وهو مطبوع.
١٦ - دلائل التوحيد وهو مطبوع.
١٧ - الفتوى في الإسلام مطبوع.
١٨ - مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن مطبوع.
١٩ - تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب مطبوع.
٢٠ - نقد النصائح الكافية.
٢١ - قاموس الصناعات الشامية.
٢٢ - شرح العقائد.
٢٣ - المسح على الجوربين.
٢٤ - محاسن التأويل: وهو تفسير القرآن العظيم في سبعة عشر جزءًا وهو أشهر كتبه.
محاسن التأويل:
ابتدأ الأستاذ القاسمي تفسيره للقرآن عام ١٣١٧، وانتهى منه عام ١٣٢٩ هـ وهو تفسير ضخم يقع في سبعة عشر جزءًا، يحتوي الجزء الأول منه على مقدمات في أصول التفسير، ومباحث ذات اتصال بالقرآن الكريم، وقد طبع لأول مرة في مطبعة دار إحياء الكتب العربية عام ١٩٥٧، وتفسيره هذا كسائر كتبه، يغلب عليه فيها طابع الجمع، ولكنه والحق يقال أمين في نقله من جهة، وليس حاطب ليل من جهة أخرى، فهو لا ينقل إلا ما يرى فيه فائدة وحكمة وعبرة، لا يضيره أن ينقل عن أي أحد، أشعريًا أو معتزليًا، سنيًا أو زيديًا، سلفيًا أو متصوفيًا. كل ذلك نجده
стр. 1158
في كتابه، وسنوضحه بإيراد نماذج منه إن شاء الله تعالى، والنقل والجمع لا يعاب بهما الإنسان، فلقد عرف في تاريخنا أعلام تميزت كتبهم بهذه الميزة، وإن كانوا يتفاوتون في ذلك، كالسيوطي والآلوسي، وبعض هؤلاء لا تتلاشى شخصيتهم العلمية، بل تبرز واضحة المعالم، متميزة تتضاءل أمامها الجموع والنقول، فهل كانت شخصية القاسمي كذلك؟ ذلك ما سنتلمسه من أقوال النقاد، قبل أن نبدي رأينا فيه أو نصدر حكمنا عليه.
يقول أمير البيان شكيب أرسلان في مقدمته لكاب قواعد التحديث: (وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية، التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا، ترتاح إليه ضمائرها، وتعقد عليه خناصرها، أن لا تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي. (ويقول السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار المجلد السابع عشر عن القاسمي: (هو علامة الشام ونادرة الأيام، والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل، والتعليم والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدى السلف والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن).
وإلى جانب هذين، نجد السيد محمد كرد علي، يرى أن الشيخ القاسمي ليس له شيء في مؤلفاته، سوى النقل والجمع، وكأنه يريد أن يقول إن شخصيتة غير بارزة في ثنايا كتبه.
ولكن الأستاذ ظافر القاسمي -نجل المؤلف- لا يعجبه هذا القول، ويسوغ الطريقة التي اتبعها أبوه، بأن العصر الذي عاش فيه، كان عصر جمود ولعل الكثيرين لا يرضيهم قوله هو، فكان ينقل عن العلماء الأقدمين ما يثبت به رأيه، لأن أحدًا لا يعترض عليهم، وإن نقل الإنسان قطعة من عقله، وبأن القاسمي كان ذا أسلوب جيد، يعرف هذا من قرأ مقدمة كتبه، فكان بإمكانه الاستغناء عن النقل والجمع لولا ما تقدم (١).
стр. 1159
ولن أبدي رأيًا أو أصدر حكمًا، إلا بعد أن أستعرض نماذج من تفسيره، وقد ذهبت إلى دمشق لألتقي أخص تلاميذه، وأكثرهم صلة به العلامة الفاضل الأستاذ محمد بهجت البيطار ﵀ وهو الذي أكمل تفسير سورة يوسف ﵇، الذي لم يتمه صاحب المنار، بسبب وفاته ﵀ ولقد كان الرجل كريمًا في مقابلته، أكرمه الله، وقدر دار حديث بيننا حول تفسير القرآن، وسألته عن تراثه في التفسير، فأخبرني أنه ليس له إلا ما تقدم من إكماله سورة يوسف ﵊، ثم سألته عن القاسمي وتفسيره -فأخذ الرجل يتحدث عن مناقب أستاذه مما زادني إجلالًا له. وكان مما قاله: (رحم الله شيخنا لقد كان علمًا حقًّا، ولقد خلف هذه الآثار العلمية الجمة، مع أن المنية قد أتته مبكرة، قبل أن يبلغ الخمسين بسنين، فقلت له: (أود أن تحدثني عن تفسيره) فلم يزد على نص هذه العبارة: (إن جل تفسيره من منقوله لا من قوله).
منهجه في التفسير:
يبتدئ تفسيره بخطبة يقول فيها: (وإني كنت حركت الهمة، إلى تحصيل ما فيه من الفنون، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون، فأكببت على النظر فيه، وشغفت بتدبير لآلئ عقوده ودراريه، وتصفحت ما قدر لي من أقوال السابقين، وتعرفت حين درست ما تخلله من الغث والسمين. ورأيت كلًّا بقدر وسعه، حام جول مقاصده، وبمقدار طاقته في ميدان دلائله وشواهده. وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرًا من عمري، ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرًا من دهري، أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر، قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر، وأكون بخدمته موسومًا، وفي حملته منظومًا. فشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهمم، واستخرت الله تعالى، في تقرير قواعده وتفسير مقاصده، في كتاب اسمه بعون الله الجليل (محاسن التأويل) أودعه ما صفا من التحقيقات، وأوشحه بمباحث هي المبهمات، وأوضح فيه خزائن الأسرار، وأنقد فيه نتائج الأفكار، وأسوق إليه
стр. 1160
فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر. وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر، وزوائد استنبطتها بفكري القاصر، مما قادني الدليل إليه، وقوى اعتماده عليه. وسيحمد السابح في لججه، والسائح في حججه، ما أودعته من نفائسه القريبة البرهان، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان، وبدائعه الباهرة للأذهان، فإنها لباب اللباب ومهتدى أولي الألباب. ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات، اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات، فهنالك أصوب ألسنة البراهين نحو نحور الشبهات ... هذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير في مصطلح التفسير، وهي قواعد فائقة وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحًا لمغلق بابه ... فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم ... التائق لأسنى نتائج الفهوم، المتعطش إلى أحلى موارده، المنقب عن مصادر مقاصده، ينبوعًا لمعاني الفرقان، وعِقدًا ضم درر التبيان، وُقِفَ بك من الطريق السابلة على الظهر وخطب لك عرائس الحكم ثم وهب لك المهر، فقدِّم قدم عزمك، فإذا أنت بحول الله قد وصلت ... وفارق وهْدَ التقليد راقيًا إلى يفاع الاستبصار، وتسنّم أوج التحقيق في مطالع الأنظار، والبس التقوى شعارًا، والاتصاف بالإنصاف مثارًا، واجعل طلب الحق لك نحلة، والاعتراف لأهله ملة، ولا ترد مشرع العصبيّة، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية أنفة ذوي النفوس العصيّة. فذلك مرعى لسُوّامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل (١).
ثم يبدأ في تمهيده، الذي يبلغ ثلاثمائة وخمسين صفحة، يضمنه إحدى عشرة قاعدة في أول التفسير:
١ - قاعدة في أمهات مآخذه.
٢ - قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفسير عند الاختلاف.
٣ - قاعدة أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.