← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أما كلمة (تأويل) فقد وردت في الكتاب العزيز في مواضع متعددة وسياقات مختلفة: ١ - ما يتصل بالمتشابه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. ٢ - ما يتصل بتأويل الرؤيا، قال تعالى: ﴿وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وفي السورة نفسها في رؤيا الملك ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]. ٣ - في تأويل الأعمال وبيان ما يقصد منها، قال تعالى حاكيًا عن العبد الصالح، يخاطب موسى ﵊: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، وبعد أن شرح له ذلك شرحًا تامًّا، قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. ٤ - وردت كلمة (تأوبل) في صحة ما ينبئ عنه القرآن، وأنه أمر محقق الوقوع. قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. وإذا تأملنا هذه الآيات الكريمة، نستطيع أن ندرك الدقة في الفرق بين التفسير والتأويل من تعبيرات القرآن نفسها. فالمواضع التي عبر فيها بالتأوبل، بحاجة إلى الرويّة وإعمال الفكر، وإلى عملية عقلية. ولا أدل على ذلك من استعمال كلمة (التأويل) في شأن المتشابه وتأويل الرؤى وأمر موسى ﵇، وما حدث بينه وبين العبد الصالح الخضر. أخرج الإمام البخاري عن السيدة عائشة ﵂، مرفوعًا إلى رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإذا رأيتم الذين يتبعون ما

стр. 107

تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم (١). ندرك من هذا إذًا أن استعمالات القرآن كما يشير الحس اللغوي، تفرق بين التفسير والتأويل. وإليه ذهب كثير من الكاتيين القدامى (٢) كما يعرف ذلك من كلامهم، ولقد أدرك الراغب الأصفهاني هذا الفرق بفهمه الدقيق للقرآن، فلقد كان ﵀ على قدر عظيم من الثقافة اللغوية والدينية. فذكر في مقدمته (٣) فروقًا بين التفسير والتأويل منها: ١ - أن التفسير أعم. وأن التأويل أخص، وأن هذه الخصوصية أتت من جهتين اثنتين: أ- إن التفسير بيان غريب الألفاظ، وبيان لفظة يستطاع بها فهم نص متضمن لها. أما التأويل فهو بيان الجمل ومعانيها. وهذا يؤكد ما سبق أن قلناه من أنّ التأويل بحاجة إلى الدقة وإعمال الفكر. ب- إن التأويل أكثر ما يكون استعماله في الكتب الإلهية، وهذه الكتب بحاجة إلى أن يتروى فيها أكثر من غيرها، فلا يلقى الكلام فيها جزافًا، بخلاف التفسير فإنه يستعمل فيها وفي غيرها. ٢ - أن التفسير يختص بالرواية، والتأويل يختص بالدراية، والرواية لا تحتاج إلى إعمال الفكر، فإنها قول مسلم به ما دام قد ثبتت صحته. إذا عرفنا هذا فلسنا مع صاحب روح المعاني (٤) الذي ينكر الفرق بين التفسير والتأويل من الناحية اللغوية، وإن كان يفرق بينهما من الناحية العرفية. وهذا

стр. 108

نص عبارته: قال ﵀ بعد أن بين بعض آراء المتقدمين (وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف، فكل الأقوال فيه، ما سمعتها وما لم تسمعها، مخالفة للعرف اليوم. إذ قد تعورف من غير نكير أن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية، تكشف من سجف العبارات للسالكين، وتنهلّ من سحب الغيب على قلوب العارفين. والتفسير غير ذلك، وإن كان المراد الفرق بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة، فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال، أو بوجه ما فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعًا، وفي كل إرجاع كشفًا فافهم) ونستميح العلامة عذرًا وإن كنا لا ندانيه رتبة إن كان فهمنا قد خالف فهمه بل إن ما ذهب إليه ﵀ من الفرق بينهما من حيث العرف، كان في زمنه هو، والعرف يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ويظهر أن العرف في زماننا الآن غير ما ذكره ﵀. وممّا تقدم، يكون مجال التفسير وميدانه: أولًا: الروايات التي صحت عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. ثانيًا: تفسير الكلمات اللغوية التي هي من الغريب أو ما يشبهه، والتي لا اختلاف في فهمها عند اللغويين. ومن هنا ندرك السّر فيما دعا به سيدنا رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (١) فلا يعقل أن يكون التأويل هو حفظ الروايات عن ظهر قلب. وإذا أردت أن تتبين الفرق الواضح بين التفسير والتأويل، بعدما قلته ونقلته لك، فإني أذكرك بما ورد عن عبد الله بن عباس ﵄ في قوله سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] فقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب قال: فيم ترون هذه الآية نزلت، قالوا: الله أعلم،

стр. 109

فغضب عمر فقال، قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: (في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين) فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس (ضربت مثلًا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال. (لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله) (١). وكذلك تفسيره لسورة النصر، فقد قال ابن عباس (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكان بعضهم وجد في نفسه، فقال: لمَ يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يؤمئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال لي: (كذلك نقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال فما تقول؟ قلت هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (٢). فالذي ذكره الحبر من باب التأويل، لا من باب التفسير، لأن التفسير كما قلنا من قبل هو بيان الروايات، أو التفسير اللغوي للكلمات، وما ذكره في تفسير الآية ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ ليس من قبيل هذا ولا ذاك، حيث بين أنها ضربت مثلًا كما سيمر معنا. أما سورة النصر، فالذي ذكره الصحابة لعمر ﵁ وعنهم جميعًا، وقد سألهم عن هذه السورة كان من قبيل التفسير، إنهم فسروا له الألفاظ التي جاءت في السورة الكريمة -كما سيمر معنا- أما ما فهمه ابن عباس ﵄ فقد كان من باب التأويل، لأنه كان وراء ما يفهم من اللفظ، فقد فهم من السورة الكريمة ما فهم لأن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، أرسله الله ليبلغ

стр. 110

الرسالة، وليكوّن أمة، فكانت تلك الغاية من إرساله، فلما تحققت هذه الغاية، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فلقد بلَّغْتَ ما عليك أيها النبي، فما عليك إلا أن تشتغل بذكرنا، وأن تلحق بالرفيق الأعلى. التأويل -إذن- ما يفهم من الآية، وراء ما تعطيه الألفاظ، أي أن نتدبر الآيات، والتدبر أن لا نكتفي بمعنى اللفظ، بل أن نتجاوزه، والتدبر من الدبر وهو الوراء، فالتدبر -إذن- البحث عما وراء الألفاظ ذلكم هو الفرق بين التفسير والتأويل، ولا يظن أحد أن التأويل والتدبر شيء واحد، فقد يكون التأويل طريقًا إلى التدبر، إلا أن التدبر لا بد فيه من التأثر بالقرآن الكريم، ولذلك أثنى الله على المتدبرين، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وذم الذين لا يتدبرون بقوله ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] فإذا فتح الله للإنسان باب فهم في كتابه، فأحرى به أن يكون من المتدبرين. على أن كلتا الكلمتين في أيامنا بدأت تحل محل صاحبتها، بل إن المفسرين الأقدمين في كتبهم استعملوا الكلمتين، فبعضهم سمى مؤلفه تاويلًا، كما هو شأن الزمخشري والبيضاوي، وبعضهم سماه تفسيرًا، والله ولي كل أمر، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 111

المبحث الثاني ما روي عن ابن عباس في أقسام التفسير ومناقشته ولا بد أن نعرض هنا للأثر الذي روي عن ابن عباس رضى الله عنهما. قال الطبري حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره. قال أبو جعفر: وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس من أن أحدًا لا يعذر بجهالته معنى غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله وإنما هو خبر عن أن من تأويله ما لا يجوز لأحد الجهل به. وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أيضا عن رسول الله ﷺ خبر في إسناده نظر .. ثم قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي عن أبي صالح مولى أم هانئ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير فسره العرب، وتفسير يفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره، ومن أدعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب .. وعلق الأستاذ أحمد شاكر فقال: وإن ما قاله الطبري فيه نظر لأن الذي رواه هو الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وقد رد الطبري آنفا خبرًا روي بمثل هذا الإسناد فقال: إنه ليس من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله (١).

стр. 112

- قلتُ: بالنسبة للرواية الثانية فقد كفانا الطبري مؤونة النظر في صحتها وتبعه الأستاذ أحمد شاكر فزاد الأمر وضوحًا ولم يبق إلا الرواية الأولى التي لم يتكلم في صحتها أو ضعفها وتبعه في السكوت عليها الأستاذ أحمد شاكر كذلك وعند النظر في الإسناد نجد محمد بن بشار ثقة (١). ويروي عن مؤمل هو ابن إسماعيل قال عنه ثقة في سفيان وكذلك في رواية ابن أبي خيثمة قال ثقة (٢). وأما ابن محرز فقال إنه ليس بحجة فيه وهو هنا روى عن سفيان (٣). وأما الثوري فهو الإمام المشهور ثقة (٤)، وأما أبو الزناد فهو ثقة (٥)، وابن عباس هو الصحابي .. فالإسناد إلى أبي الزناد صحيح ولكن أبا الزناد لم يسمع من ابن عباس وعليه فالإسناد منقطع والأثر ضعيف وذلك لما يلي: ١ - أن ابن عباس توفي ٦٨ هـ، وأبو الزناد ولد ٦٤ هـ. وتوفي ١٣٠ هـ عن ٦٦ عامًا فعند وفاة ابن عباس كان عمره أربع سنوات فلا يعقل أن يكون سمع منه في هذه السن. ٢ - أنه غير معروف بالرواية عن ابن عباس كما نرى في ترجمته في تهذيب الكمال الذي يذكر عمن روى وبن روى عنه ويحاول أن يستقصي. ٣ - الناظر في كتب المراسيل يرى أن العلماء نفوا سماعه من صحابة عاشوا بعد ابن عباس فقد نفى البخاري سماعه من أنس ونفى أبو حاتم رؤيته أو إدراكه لابن عمر (٦).

стр. 113

هذا كله من حيث السند، لكن الأثر ينبغي أن يردّ من حيث المتن كذلك لأكثر من سبب، أكتفي هنا بسبب واحد، وهو أن ابن عباس ﵄ لا يفسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، بل الروايات الثابتة عنه أن المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم. وعلى هذا فإن هذه الرواية تتناقض تناقضا تامًّا مع ما اشتهر عن ابن عباس؛ لأنه في هذه الرواية جعل من التفسير ما استأثر الله بعلمه، مع ان ابن عباس ﵄ يرى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل الآيات.

стр. 114

المبحث الثالث الحاجة إلى التفسير نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وقد بلغت اللغة أوج عظمتها، فكانت آياته تؤثر في القوم، والوسول عليه وآله الصلاة والسلام يتلوها عليهم لأول مرة. والأخبار في ذلك كثيرة متواترة وما خبر الوليد وغيره ببعيد (١). ولقد كان القوم بسليقتهم مرهفي الإحساس اللغوي، وذلك أمر تحتمه الظروف التي كانوا يعيشونها فلقد امتازوا برقة الطبع كما امتازت لغتهم بدقة الوضع، لهذا كانت الآية من القرآن تعمل عملها فيهم لأول وهلة يسمعونها. وقصة إسلام عمر ﵁ (٢) خير شاهد على ما نقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ولكن على الوغم من ذلك كله، فإن القرآن كتاب سماوي نزل على حسب الوقائع، وآياته بحاجة إلى البيان، وبخاصة أن كثيرًا من تعليماته وتشريعاته وأحكامه وقصصه كانت جديدة على القوم، طرقت أسماعهم لأول مرة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فلقد كان القوم يتفاوتون فهمًا وذكاء ومعرفة باللغة كذلك. ولما كان القرآن الكريم كتابًا سماويًا أنزله الله لهداية الناس فيه المجمل والمبهم والأوامر والنواهي. والقصة والحِكم -وأفهام الناس ليست سواء- احتيج إلى بيان هذه الأمور فكان المرجع الأول في ذلك رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، ليبين مجمله ويوضِّحَ مشكله، ويرشد إلى ناسِخِه ومَنْسُوخِهِ وأسباب نزوله، كما سنبينه فيما بعد إن شاءَ الله.

стр. 115

أما بيان ألفاظ القرآن فإنما هو الرجوع إلى العربية شعرًا ونثرًا، ولما كان القوم الذين نزل القرآن فيهم على مستوى رفيع، فعل القرآن فيهم، فعله العظيم. من هنا ندرك أن للقرآن الكريم خاصيتين اثتتين كونه سماويًا أولًا، وكونه عربيًا مبينًا ثانيًا، وإذا لم يكن القوم الذين نزل فيهم بحاجة إلى تفسيره من الحيثية الثانية فهم بحاجة إلى تفسيره من حيث الخاصية الأولى، نعني كونه كتابًا سماويًا. يبين هذا ما نجده في سؤال كثير من الصحابة رسول الله ﷺ تفسير آيات من كتاب الله، وسؤال الصحابة بعضهم بعضًا. لذا كانت الحاجة ماسة إلى تفسير القرآن منذ نزوله، إلا أن من الواجب أن نقرر هنا أن هذه الحاجة لم تكن في جميع العصور سواء، بل كانت تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة، فحاجة التابعين للتفسير كانت أشد من حاجة الصحابة، وكذلك الناس فيما بعد كانوا أشد حاجة ممن قبلهم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فلقد كانت هذه الحاجة أوسع دائرة في الأزمنة المتأخرة يدلنا على ذلك الاستقراء للكتب التي وضعت في تفسير القرآن الكريم. قال أبو حيان: "وكانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي شرح لغة ونقل سبب ونسخ وقصص لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب، وبلسان العرب، فلما فسد اللسان وكثرت العجم ودخل في دين الله أنواع الأمم المختلفة الألسنة والناقصو الإدراك، احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التركيب وانتزاع المعاني وإبراز النكت البيانية حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها، ولا عنصره يحركه إليها، بخلاف الصحابة والتابعين من العرب؛ فإن ذلك كان مركوزًا في طباعهم، يدركون تلك المعاني كلها من غير موقِفٍ ولا معلم؛ لأن ذلك هو لسانهم وخطبُهم وبيانهم" (١).

стр. 116

إن الطريقة المثلى لفهم القرآن والتأدب بآدابه وإحلال حلاله وتحريم حرامه، معرفة تفسيره وتدبر آياته ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وقد روي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، (اعربوا القرآن والتمسوا غرائبه) (١). وعن إياس بن معاوية (٢) مبينًا شرف التفسير والحاجة إليه (مثل الذين يقرأون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من مليكهم ليلًا، وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب. ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب" (٣). وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: (المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله) (٤). والحق أن شرف كل علم بشرف موضوعه. ولما كان موضوع التفسير كلام الله ﵎، وهو جماع السعادتين، لا عجب أن يتبوأ التفسير المكانة الأولى، وأن تتصدى للكتابة فيه أقلام العلماء، وأفكارهم لاستخراج كنوزه فجزاهم الله كل خير. وكلما أظلمت الحياة في وجوه المسلمين، وطال ليلهم، كانوا أكثر ما يكونون حاجة إلى القرآن الكريم؛ ليخرجهم من هذه الظلمات، ولن يتأَتَّى لهم ذلك إلا بتدبره، ومعرفة تفسيره، فالقرآن -كما نعلم- لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على

стр. 117

كثرة الردّ، فجدّته كجدّيته، يمدّ المسلمين دائمًا بما لا غناء لهم عنه، فالحاجة إلى التفسير -إذن- لا تقف عند عصر أو في مصر، ذلكم لأن القرآن ليس ديوان شعر يمكن أن تشرح قصائده، فيقف الناس عند ذلكم الشرح، جل الله وعظم كتابه. مراحل التفسير: لقد تكفل الله أن يحفظ هذا الكتاب ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] كما تكفل كذلك ببيانه للرسول عليه وآله الصلاة والسلام ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ولذلك كان خير ما يبين القرآن هو القرآن، فإن لم نجد فالرسول عليه وآله الصلاة والسلام هو المبين، يقول الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وهكذا الحال في عهده عليه وآله الصلاة والسلام. فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى قام صحابته ﵃، يؤدون الأمانة على خير وجه واقتفى أثرهم التابعون، ثم بدأ تدوين التفسير ثم بدأ عهد التدوين، ثم تطور فاتسعت ميادينه وتعددت ألوانه واتجاهاته. وتحقيقًا لما تقدم، فإن التفسير مرّ بمراحل وأدوار يجدر بنا التوقف عندها مستعرضين مصادره في كل مرحلة، وما تميز به من خصائص، وذلك على النحو التالي: - التفسير قبل التدوين. - التفسير في عصر التدوين. - التفسير في العصر الحديث (١).

стр. 118

الفصل الثاني من مراحل التفسير: التفسير قبل عهد التدوين وفيه مباحث: الأول: التفسير في عهد الرسول ﷺ . الثاني: التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم. الثالث: التفسير في عهد التابعين رضوان الله عليهم. نتائج هذه المرحلة.

стр. 119

من مراحل التفسير: التفسير قبل عهد التدوين ونعني به التفسير في عهد الرسول ﷺ وفي معهد الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم-. المبحث الأول التفسير في عهد الرسول ﷺ - أولًا: تفسير القرآن بالقرآن: إن خير ما يفسر به القرآن هو القرآن نفسه، وذلك لأن الذي أنزله أعلم بمقاصده ومعانيه. ولقد نزل القرآن بلغة العرب وعلى أساليبها -فيه الإيجاز والإطناب حسب ما يقتضيه المقام والى جانب هذه، أعني- الإيجاز والإطناب، الإجمال والتفصيل، والإطلاق والتقييد، والعامّ والخاصّ- إلى جانب ذلك كله، نجد مجالًا رحبًا لتفسير القرآن بالقرآن، ونعني به القراءات الصحيحة لكتاب الله ﵎، وسنفصل ذلك بعض التفصيل: ١ - البسط والاختصار -وهو كثير في كتاب الله- نجد ذلك واضحًا في قصص القرآن الكريم، فالقصة تفصّل في سورة وتختصر في سورة أخرى، لقد فصلت قصة نوح ﵇ في سورة هود، واختصرت فيها قصة موسى، على حين أجملت قصة نوح في سورة يونس، وفصلت فيها قصة موسى ﵊، وقد فصلت هذا في كتابي (قصص القرآن الكريم).

стр. 120

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، يفسره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فسرتها الآية التي بعدها ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] فسرته آية الأعراف: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. ٢ - تخصيص العام، وهو كثير في كتاب الله ﵎، ومثلوا له بقوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهذه الآية الكريمة يفهم منها أن كل مطلقة لا بد أن تعتد، ولكن هذا الحكم يجب تخصيصه كما جاء في آية أخرى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فهذه الآية بينت لنا أن المطلقة التي لم يدخل بها زوجها لا تعتد. ومنه قوله سبحانه: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [المائدة: ٣] فهذا حكم عام خصصته آية أخرى، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. ومنه قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فهذه الآية الكريمة تحرم على الرجال أي شيء أعطوه للنساء، إلا أن آية أخرى خُصص فيها هذا الحكم وهي قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾،

стр. 121

[البقرة: ٢٢٩] فهذه الآية الكريمة بينت أنه في بعض الحالات يمكن أن تفتدي المرأة نفسها بإعطائها شيئًا من مالها للزوج -وهو الخُلع- يأخذه بلا حرج وأمثلة هذا النوع كثيرة، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى ما ذكره السيوطي ﵀ في الإتقان. ٣ - الإطلاق والتقييد: ويمكن أن نمثل له بما عند الجمهور من المفسرين بقوله سبحانه في سورة المجادلة ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وفي سورة المائدة في كفارة اليمين ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فقد ذكرت الرقبة مطلقة، ولكنها قيدت في آية أخرى في سورة النساء وهي قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فحمل كثير من العلماء المطلق على المقيد، وقالوا إن الرقبة التي وردت مطلقة في بعض الآيات، يجب أن تكون مؤمنة، كما وردت في آية النساء. ومن ذلك أن بعض الآيات التي ذكرت فيها الشهادة والشهود، أطلق فيها لفظ الشهداء؛ كقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لكنه قيد في بعض الآيات بالعدالة، في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فحمل بعض العلماء المطلق على المقيد، وقالوا إن الشهداء لا بد أن يكونوا عدولًا، وهذا كثير في كتاب الله، وذكر السيوطي ﵀ منه أمثلة كثيرة. ٤ - الإجمال والبيان. ومثلوا له بقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقوله سبحانه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بينت جواز رؤية الله ، وعلى هذا فقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ المقصود بها أنه لا تحيط به الأبصار سبحانه. ولن نستطيع أن نحيط بكل ما جاء من تفسير القرآن بالقرآن، والمتدبر لكتاب الله

стр. 122

سيجد كثيرًا في هذا المجال فيما ذكره الكاتبون أوْ لم يذكروه، بل إن ما لم يذكر أكثر مما ذكر. من ذلك حديث القرآن عن الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فمن هم أولئك المؤمنون؟ نجد في كتاب الله آيات كثيرة فصّلت لنا صفات أولئك الخيّرين، نقرأ هذا في قول الله ﵎. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ونقرأ في سورة النور ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] ونقرأ في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [آية ١٥]. وحدثنا القرآن الكريم عن البرّ والأبرار في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]. ونجد تفصيلًا لصفات أولئك في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ففي هذا تفصيل وتفسير لما جاء في سورة الدهر ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ

стр. 123

كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٥ - ١٠]. وحدثنا القرآن الكريم عن الحياة الدنيا وزينتها في آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠]. على حين نقرأ تفسيرًا وتفصيلًا في سورة آل عمران ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. القرآن يجمل أولًا ثم يفصل: ولا بد لي أن أسجل هنا ملحوظة، هي من الأهمية، بحيث يجب أن يُنبه عليها ولا ينبغي أن نغفل عنها، وهي أن الآيات التي جاءت تفسر وتفصل، ذكرت بعد الآيات المجملة غالبًا (١)، وذلكم نسق قرآني بديع، يمكن أن يُفاد منه في كل ما عرض له القرآن الكريم من قواعد ومجالات وقيم، مما يتصل بتربية نوع الإنسان، عقيدة وعبادة وخلقًا، وهي ملحوظة يجب على من يفسر القرآن تفسيرًا موضوعيًا أن يتنبه لها وأن لا يغفلها، لا في آيات الأحكام فحسب بل في كل مجال كما قلت. إن تفسير القرآن بالقرآن ميدان يمكن أن يفيد منه الباحثون كثيرًا بعد تدبر آي القرآن الكريم، وصدق الله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].

стр. 124

القراءات القرآنية: ومن مجالات تفسير القرآن بالقرآن، ما نجده في القراءات القرآنية، فلقد قالوا: إن كل قراءة بمنزلة آية من الآيات، فكما أن بعض الآيات تفسر بعضًا، فإن ذلك يصدق على القراءات كذلك، وقبل أن نسترسل في هذا الموضوع، لا بد من التنبيه على أن تفسير القرآن بالقرآن في هذا المضمار يجب أن نقتصر فيه على القراءات الصحيحة المتواترة، . أما تفسير القرآن بالقراءة الشادّة فلا يعدّ من هذا القبيل، أي لا يعدّ من تفسير القرآن بالقرآن، بل هو من تفسير القرآن بالسنة، إن كانت القراءة مسندة إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، أو من تفسير الصحابة إذا كانت مسندة إلى صحابي، فما روي من قراءة بعض الصحابة (فله أخ أو أخت من أم بزيادة) من (أم) أو بزيادة متتابعات في قوله (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وهو كثير في كتب التفسير، لا يعدّ من تفسير القرآن بالقرآن، بل لا بد من أن تكون القراءة المفسرة متواترة كما قلت. فمن ذلك على سبيل المثال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]، ففي الآية قراءتان (كُذبوا) بالتخفيف و (كُذِّبوا) بالتشديد، فقد قرأ الكوفيون (كُذبوا) بالتخفيف، وقرأ الباقون (كُذِّبوا) بالتشديد، وقد اشتهر الخلاف بين السيدة عائشة وابن عباس ﵃ حول هذه الآية الكريمة، ومعنى قراءة التشديد أن الرسل استيأسوا وأيقنوا أن المرسل إليهم قد كذبوهم، فالضمير في (كذِّبوا) للرسل، وترى السيدة عائشة ﵂، أن معنى قوله: (وظنوا أنهم قد كذبوا) أي أيقن الرسل أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم لما تأخر النصر. أما قراءة التخفيف فلها توجيهان: أحدهما: أن الظن بمعنى التوهم وحديث النفس، والمعنى أن الرسل لما طال انتظارهم توهموا وحدثتهم أنفسهم أنهم كذبوا وأخلفوا ويؤيد هذا ما في الآية الأخرى في سورة البقرة قولهم (متى نصر الله).

стр. 125

وثانيهما: هو أن أتباع الرسل هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبوا، وقد روي هذا عن سعيد بن جبير كذلك، فعلى الأول ضمير (ظنوا) يرجع إلى الرسل، وعلى الثاني إلى المرسل إليهم ويكون الظن الأول على التوهم وحديث النفس كما قلنا، أما على الثاني فيكون الظن على حقيقته أو بمعنى اليقين. وحجة السيدة عائشة أن الرسل لا يمكن أن يكون منهم ذلك فقالت: (معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها) (١) وحجة ابن عباس أنهم بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الشك. والذي يبدو لنا أن كلًّا من القراءتين ترشد المسلمين وتوجههم وهم يحملون لواء الدعوة إلى الله، فالقراءة الأولى تبين لهم إذا تيقنوا من إعراض المدعوين ويئسوا من إيمانهم فحري بهم أن يطمئنوا إلى نصر الله سبحانه، فلا بد أن يصبروا وهذا ما ترشد إليه آيات كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] ومنها قوله سبحانه ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ [سبأ: ٤٥]. أما القراءة الثانية، فإنها تبين للمسلمين أن ما يكون من خطرات النفس وهواجسها بسبب تأخر النصر، لا ينبغي أن يفل عزائمهم أو أن يضعف إرادتهم، فهواجس النفس ووساوس الشيطان لا تنقطع، ولكن ينبغي أن يكونوا منها على حذر. قراءة التشديد تعلمنا أن لا نيأس، وقراءة التخفيف ترشدنا أن نتغلب على الوساوس والهواجس وخطرات النفوس فلكل قراءة وجهة حري بالدعاة إلى الله أن يحسبوا لها حسابًا، وهم يقارعون الباطل والشر ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ

стр. 126

﴿مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] والرسل سادة المتقين (١). ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، فإن ظاهر الآية الكريمة لا يدل على صدق إيمان الحواريين، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين، مع أن الآية التي قبل هذه الآية الكريمة تبين لنا أنهم مؤمنون ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] فإذا ضممنا إلى هذه القراءة القراءة الثانية المتواترة، وهي قوله: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] تقرأ (هل تستطيع ربَّك) على أن الفاعل هو عيسى ﵊، وربَّك مفعول. والمعنى هل تستطيع الطلب من ربك؟ أقول إذا ضممنا هذه القراءة إلى القراءة السابقة يمكننا أن ندرك أن الحواريين لم يقصدوا بالاستطاعة معناها الظاهر، فهم مؤمنون بقدرة الله، ولكنهم أرادوا: هل يرضى ربك، وهل يجيبنا إذا طلبنا منه ذلك؟ . والمتدبر للقراءات القرآنية الصحيحة، يجد أن هناك كثيرًا من المواطن التي فَسَّرت فيها قراءة قراءةً أخرى (٢). ثانيًا: تفسير القرآن بالسنة قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. إذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر التشريع، فإن السنَّة هي المصدر الثاني، ولذلك كان خير مرجع لتفسير القرآن وتبيانه رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، فقد كان يرجع إليه أصحابه فيما

стр. 127

يدق عليهم فهمه، ولا عجب في ذلك، فالرسول الكريم ﷺ فضلًا على أنه اصطفاه الله كان أعلم الناس بمراد الله، وأفصحهم بيانًا. مجالات تفسير السنة للقرآن: إن الذي فسره النبي ﷺ كان على جانب من الأهمية، وكان أمرًا لا بد منه لفهم شراع الإسلام والعمل بها، وكما رأينا من قبل بأن تفسير القرآن اشتمل وجوهًا متعددة، فكذلك تفسير السنة للقرآن، فهي قد تكونه بيانًا لمجمل، أو تخصيصًا لعام، أو تقييدًا لمطلق، أو بيانًا للفظ استشكله الصحابة، أو معنى لا بد له من إيضاح، وعلى كل حال فتفسيرات السنة للقرآن، من الأمور التي تمسُّ إليها الحاجة. ولقد تتبع العلماء ما جاء في السنة من تفسير لكتاب الله، فذكر أئمة الحديث في كتبهم أبوابًا مما جاء في تفسير القرآن الكريم ذكروا فيها ما رفع إلى النبي ﷺ . فممّا جاء (١): ١ - بيانه ﷺ لبعض مجملات القرآن الكريم، ومن ذلك ما جاء في فرض الصلاة والزكاة والصيام والحج، فقد فصلت السنة هذه الأركان تفصيلًا دقيقًا، ولولاها ما كنا نستطيع أن نأتي بهذه الأركان على الوجه المفروض، ولذلك حج الرسول ﷺ وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢)، وصلّى وقال "صلّوا كما رأيتموني أصلي" (٣). ٢ - ومن ذلك تخصيصه ﷺ لما جاء عامًّا في القرآن الكريم. ومن ذلك قوله

стр. 128

تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] خصصه ﵊ بقوله وفعله بغير المحصن، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فقد خصص الظلم هنا بالشرك. ٣ - تقييده لمطلقات القرآن الكريم، وذلك مثل تقييده الحساب اليسير بالعرض والأيدي في آية السرقة بالأيمان. ٤ - إيضاحه ﷺ لبعض مبهمات القرآن الكريم، وذلك مثل ذكره لاسم العبد صاحب موسى بأنه الخضر، وتفسيره ﷺ لقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم﴾ [البقرة: ٥٩] بأنهم دخلوا الباب يزحفون على أستاههم ويقولون حبة في شعيرة، بدل أن يدخلوا الباب سجدًا ويقولوا حطة. ٥ - دفعه لبعض ما يمكن أن يشكل على قارئ القرآن، ومن ذلك ما روي عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا أرأيت ما تقرؤون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إنما كانوا يسمّون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم" (١). ٦ - تفسيره ﷺ للفظ غمض على بعض الصحابة وأشكل عليه فهمه وذلك لأنه استعمل في معنىً مجازي، ومن ذلك تفسيره ﷺ الخيط الأبيض والخيط الأسود لعدي بن حاتم ببياض النهار وسواد الليل. ٧ - بيان النسخ، فإذا ذكر أحد الصحابة رضوان الله عليهم أنّ آية كذا نسخت آية كذا، علمنا أن هذا لا يمكن أن يكون من اجتهاد الصحابة، ولكنه ﵊ أخبرهم بذلك. ولقد ذكر السيوطي ﵀ في آخر كتاب الإتقان، جملة من الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ في تفسير القرآن، وسأثبتها لك وغيرها مما لم يذكره إن شاء الله.

стр. 129

أفسر الرسول ﷺ القرآن كله ؟ نفرض هنا تساؤلًا مهمًا يرد على الأذهان هو: كان تفسير الرسول عليه وآله الصلاة والسلام للقرآن شاملًا له كله أم إنه فسر ما كانت تدعو إليه الحاجة، سواء أكان الصحابة يسألون عنه، أم كان الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يرى أن يبينه؟ وأقول: إن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، كان يفسر ما يحتاج إليه الصحابة ابتداء (١). رأي السيوطي والشيخ الذهبي -رحمهما الله- في المسألة: ذكر الشيخ الفاضل الأستاذ محمد حسين الذهبي ﵀ في كتابه (التفسير والمفسرون) أن ابن تيمية ﵀ يرى أن النبي ﷺ فسر القرآن الكريم كله للصحابة -رضوان الله عليهم- واستند في ذلك إلى ما جاء في أصول التفسير لابن تيمية أولًا وإلى ما ذكره السيوطي في الإتقان ثانيًا. قال السيوطي: (وقد صرح ابن تيمية فيما تقدم وغيره، بأن النبي ﷺ بيّن للصحابة تفسير جميع القرآن، أو غالبه، ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عمر أنه قال: من آخر ما نزل آية الربا وأن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها .. دلّ فحوى الكلام على أنه كان يفسر لهم كل ما نزل وأنه إنما لم يفسر هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه) (٢). وبعد أن عرفت ما قاله السيوطي والذهبي -رحمهما الله- لا- بدَّ كي نصل إلى الحق في هذه المسألة أن نضمَّ إلى ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المقدمة نفسها، فقد قال: "يجب أن يُعلمَ أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن،

стр. 130

كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا .. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٩]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [لمؤمنون: ٦٨] وتدبُّرُ الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن. وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك. وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فنّ من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ! ! [مقدمة أصول التفسير ص ١٨ - ٢١]. مناقشة السيوطي والذهبي: وبعد أن اطلعت على ما قاله شيخ الإسلام في مقدمته أراك تلحظ أن كلامه قد حمّل ما لا يحتمل، وفسّر على وجه يصعب تقبله، مع أنّ له محملًا ظاهرًا واضحًا، وهو أن ابن تيمية ﵀ يؤكد أن النبي ﷺ قد بيَّن لأصحابه من القرآن كل ما يحتاج إلى بيان. وهذا المعنى هو المتبادر من عبارته: "بيّن لهم معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه". وليس المراد قطعًا أنه ﵊ بيّن لهم معنى كل آية وكل كلمة، كيف وهم أهل اللسان؟ ! ولذلك لم نجد في كلام ابن تيمية ما أشار إليه السيوطي بقوله: "وقد صرح ابن تيمية فيما تقدم وغيره بأن النبي ﷺ بيّن للصحابة تفسير جميع القرآن أو غالبه"، ولا ما أشار إليه الذهبي بقوله: "فمن العلماء من ذهب إلى القول بأن النبي ﷺ بيّن لأصحابه كل معاني القرآن كما بيَّن

стр. 131

لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية". فابن تيمية ﵀ لم يقل هذا، ولا في كلامه المنقول آنفًا ما يدل على هذا. وكل الذي يدل عليه أن آيات القرآن الكريم كانت مفهومة تمامًا للصحابة رضوان الله عليهم، إما ابتداءً لأن الكلام بلغتهم، وهذا هو الغالب، وإما بعد بيان منه ﷺ ، وهذا هو القليل النادر. وأكبر دليل على أن هذا هو مراد ابن تيمية من كلامه ما ذكره في موضع آخر من مقدمته حين قال: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. فإن أعياك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: (كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن .. وحينئذ إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم، وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين، وعبد الله بن مسعود) (١). فكلام ابن تيمية صريح في أنّنا إذا لم نجد تفسير القرآن الكريم في السنّة النبوية فلنبحث عما قاله الصحابة في تفسير القرآن، بل التابعون ﵃ جميعًا بل إن الأدلة التي يمكن أن يستند إليها من يرى أن النبي ﷺ القرآن كله، إن وجد هذا القائل -ولا إخاله كذلك- أقول إن الأدلة التي يمكن أن يُركن اليها، لا تثبت هذه الدعوى، فمنها قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فإن المفهوم من هذه الآية الكريمة، أن النبي ﷺ يبين لهم ما

стр. 132

يحتاج إلى بيان، وليس القرآن كله كذلك، كيف وهم عرب خُلَّص أثر فيهم القرآن الكريم، حتى قبل أن يسلموا، بل أثر فيمن استمر على كفره، وهذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ تبينها آية أخرى من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] فهذه الآية الكريمة صريحة بأن بيان النبي ﷺ ، إنما كان لما اختلف فيه الصحابة واحتاجوا إلى معرفته، كما سأبينه لك إن شاء الله، فما قاله الأستاذ الذهبي ﵀ غير مسلَّم. هل كان تفسير الرسول ﷺ مقتصرًا على ما علمه جبريل ﵇ ؟ وإذا كان هذا القول يعوزه الدليل، فإن هناك قولًا آخر حريًا بالرد وعدم القبول، وهو أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، ما كان يفسر من القرآن الكريم إلا آيًا بعدد، علمه إياهن جبريل. وهذا حديث مطعون فيه -كما ذكر الامام الطبري في مقدمة تفسيره (١) وذلك لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيري، وهو متروك ومنكر الحديث كما قال الحافظ، وقد قال فيه الحافظ الهيثمي: وأخرجه أبو يعلى والبزار وفيه راوٍ لم يقرر اسمه عند واحد منهما (٢). وإذا كان الطبري وغيره قد طعنوا في سند الحديث فإني أرى أن الحديث يمكن أن يناقش من ناحية أخرى أعني ناحية متنه وذلك لأن الرسول ﷺ كما يقول الحديث- ما كان يفسر إلا آيًا بعدد، والى هنا لا غبار على متن الحديث، وهو معقول ومقبول، ولكن تتمة الحديث وهي (علمه إياهن جبريل) هي التي يمكن أن تجعلنا نرد الحديث من أساسه، فإذا كان الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهو الذي كرمه الله بالرسالة والنبوة والوحي وأعطاه من الفهم والفقه ما لم يعطه أحدًا، لا يفسر إلا ما يعلمه إياه جبريل، فكيف يمكن لغيره من

стр. 133

الصحابة ومن بعدهم في العصور المتتالية أن يفسر أحدهم آية واحدة من القرآن؟ لأن تفسيره إذًا توفيقي ولا يجرؤ أحد أن يقدم عليه، وهذا إشكال قوي يرد على متن الحديث فيردّه. لمَ لمْ يفسر الرسول ﷺ القرآن كله ؟ بقي سؤال على جانب من الإهمية: وهو لِمَ لم يفسر النبي ﷺ القرآن كله؟ وأقول إن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام كان يفسر ما يحتاج المسلمون إلى تفسيره -كما قلنا- ولو أنه فسر القرآن كله لوصل إلينا ذلك أو أكثره، كيف لا والصحابة ومن تبعهم قد حفظوا لنا كلام الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في شؤون هي أقل أهمية من تفسير القرآن، والحكمة في أن الرسول ﷺ لم يفسر القرآن كله أنه أراد أن يفتح للأمة مجالات في فهم القرآن، ليدبروا آياته وليذكر أولو الألباب، ولو أن الرسول ﷺ فسر القرآن كله، ما كان هناك مجال لتلك الثروة التفسيرية ولكنه القرآن الذي لا تنقضي عجائبه؛ ولا يخلق على كثرة الرد، ولذا فإن ما ورد عن الرسول الكريم ﷺ في التفسير لا يجوز تجاوزه، اللهم إلا إذا كان ذلك بطريق التأويل والتوسع. وبعد، فإن كتب السنة قد خصصت أبوابًا للتفسير المأثور عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام وعن الصحابة، ففي صحيح البخاري كتابان: كتاب التفسير، وكتاب فضائل القرآن، وهكذا نجد في كثير من الكتب الأخرى ما لا نستطيع أن نشك في نقله أبدًا، وذلك كتفسير القوة بالرمي وتفسير الحج الأكبر بيوم النحر، وتفسير الحساب اليسير بالعرض (١). والحق أن التفسير الذي روي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، بأسانيد

стр. 134

صحيحة، من الأهمية بحيث يجب ألا يعدل عنه. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، تستريح نفوسهم حينما يصل إليهم علم شيء من ذلك. وإن اختلفوا في شيء من تفسير القرآن، فذلك ما لم يرد فيه شيء عن الرسول ﵌ (١). وإذًا فالتفسير في عهده ﷺ ، كان له مصدران: القرآن أولًا، والرسول ﷺ ثانيًا. هذا هو التفسير في عهد الرسول ﷺ كان أصيلًا في مصادره مشرقًا في نوره واضح المعالم. وليكن مسك الختام لهذا المبحث (تفسير القرآن بالسنة) طائفة من الأحاديث رويت في التفسير. بعض روايات التفسير (٢) سورة الفاتحة: عن عدي بن حاتم ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المغضوب عليهم) اليهود (والضالين) النصارى رواه أحمد وابن حبان والترمذي (٣). سورة البقرة: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٨ - ٥٩]. عن ابن مسعود موقوفًا قال: قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. فنزل قوله

стр. 135

تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. رواه الطبراني، وفيه شيخه عبد الله بن أبي مريم وهو ضعيف. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. عن النبي ﷺ قال: (إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأتهم. أو لأجزأت عنهم. رواه البزار. وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] عن رسول الله ﷺ قال: وسطًا أي عدلًا، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (١). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. عن رسول الله ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. ٥ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. عن رسول الله ﷺ قال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار). رواه البخاري (٢) ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح (٣). ٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: نزلت في النفقة. أخرجه البخاري (٤).

стр. 136

٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. عن. أبي أيوب الأنصاري ﵁ في تفسير التهلكة قال: الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي رواية أبي داود عن أبي أيوب الأنصاري موقوفا قال: الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد (١). ٨ - قوله تعالى: " ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. عن عبد الله بن معقل ﵁ قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية الصيام؟ فقال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: (ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا. أما تجد شاة؟ قلت لا. قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. رواه البخاري ومسلم والترمذي (٢). ٩ - قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. عن رسول الله ﷺ قال: "الحج أشهر معلومات ذو القعدة وذو الحجة" (٣). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: الرفث: الإعرابة (٤) والتعرض للنساء

стр. 137

بالجماع. والفسوق المعاصي، والجدال: جدال الرجل صاحبه. رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح عن سراد بن محمد بن قريش وكلاهما فيه لين وقد وثقا. وبقية رجاله رجال الصحيح (١). ١٠ - قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. عن رسول الله ﷺ قال: (أقبل وأدبر واتق الدبر). رواه الترمذي: وقال: هذا حديث حسن صحيح. وروى الترمذي كذلك عن رسول الله ﷺ في هذه الآية قال: يعني صمامًا واحدًا. وقال: هذا حديث حسن صحيح (٢). ١١ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. عن رسول الله ﷺ قال: (الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج). رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف (٣). ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. عن رسول الله ﷺ قال: (هي صلاة العصر): رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٤). ١٣ - قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. عن رسول الله ﷺ قال: (كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة. رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط. وفي إسناد أحمد

стр. 138

وأبي يعلى ابن لهيعة وهو ضعيف (١)، ١٤ - قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: النفقة في سبيل الله .. أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم. وأخرج عبد الرزاق والطيالسي عن رسول الله ﷺ مرفوعًا نحوه (٢). ١٥ - قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. عن رسول الله ﷺ قال: (إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ. بالله من الشيطان الرجيم. ثم تلا الآية. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب (٣). سورة النساء: ١٦ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. عن عائشة ﵂ قالت: قلنا يا رسول الله: إني لأعلم أشد آية في كتاب الله ، قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: (أما علمت يا عائشة، أن المسلم تصيبه النكبة أو الشوكة فيحاسب أو يكافأ بأسوأ أعماله. ومن حوسب عذب. قالت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قال: (ذاكم العرض يا عائشة. ومن نوقش الحساب عذب) (٤).

стр. 139

وعن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي ﷺ ، فأنزلت عليه هذه الآية. ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال رسول الله ﷺ : (يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عَلَيّ قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت انقصامًا في ظهري. فتمطأت لها. فقال رسول الله ﷺ قال: ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي. وأينا لم يعمل سوءًا؟ وإنا لمجزيون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ : أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنب. وأما الآخرون فيتجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب وفي إسناده مقال وتضعيف (١). سورة التوبة: ١٧ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]. عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية. كبر ذلك على المسلمين فقال عمر بن الخطاب: أنا أفرج عنكم. فانطلق فقال: يا نبي اللَّه، إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم. وإنما فرض المواريث. وذكر كلمة -لتكون لمن بعدهم قال: فكبر عمر ﵁ ثم قال له: ألا أخبرك بخبر ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة. إذا نظر إليها سرته. وإذا أمرها أطاعته. وإذا غاب عنها حفظته. رواه أبو داود. وعن ابن عمر قال في هذه الآية. من كنزها ولم يؤد زكاتها ويل له. هذا كان قبل أن تنزل الزكاة. فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال. رواه البخاري.

стр. 140

سورة الشورى: ١٨ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. عن رسول الله ﷺ لعلي: أفلا أفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه. رواه أحمد وأبو يعلى وفيه راوٍ ضعيف (١). نكتفي بهذه الروايات، وقد رأينا أن كثيرًا منها لا يخلو من ضعف، ومن أراد زيادة فليرجع إلى ما ذكره السيوطي في آخر كتاب الإتقان.

стр. 141

المبحث الثاني التفسير في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم - كان الصحابة رضوان الله عليهم يتورعون عن تفسير القرآن على عهد الرسول ﵊، مع أنهم كانوا على جانب عظيم من البيان العربي والتذوق الأدبي، بل كانوا يرجعون إليه عليه وآله الصلاة والسلام فيما يشكل عليهم فهمه. ولما انتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى، كان لا بد لهم من أن يشمروا عن سواعدهم، ليقوموا بما يجب عليهم نحو كتاب الله العزيز، وهم الذين شهدوا نزول القرآن ونالوا بركة الوحي، وبركة الإفادة من الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. فمصادر التفسير عندهم إذًا الكتاب والسنة واللغة والاجتهاد، وإذا كانت تلك المنزلة للصحابة، فيجب أن لا يقلل من شأنه ما وصل إلينا منهم بأسانيد صحيحة. على أنه ينبغي أن ننبه على أن أقوالهم ﵃، لا تعطى حكم الحديث المرفوع، اللهم إلا إذا كانت بيانًا لسبب نزول آية، وذلك كما يذكره أئمة الحديث، وهو ما نص عليه ابن الصلاح في مقدمته (١). المكثرون في الرواية من الصحابة- مناقشة ما قيل في هذا الموضوع: والصحابة متفاوتون في فهمهم لكتاب الله، كما أنهم متفاوتون فيما روي عنهم بين مقل ومكثر. فهذا هو مسروق ﵁ يقول: (وجدت أصحاب محمد مثل الإخاذ، الإخاذ يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخَاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم. وإن عبد الله بن مسعود من تلك الإخاذ (٢). وذكر السيوطي ﵀ في الإتقان (٣) أن المكثرين من الصحابة عشرة: الخلفاء

стр. 142

الراشدون الأربعة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وقد اشتهر هذا القول ونقله عن السيوطي كل من الذين جاءوا بعده، ولقد حملني على بحث تلك القضية المشتهرة قراءتي في كتب الستة أو كتب التفسير التي كان لها عنايةً بذكر الروايات ومن رُوي عنهم، حيث وجدت أن كثيرًا ممّن قيل إنهم مكثرون، كانوا من المقلّين والعكس صحيح، فتتبعت ما جاء في كتب الحديث الآتية: ١ - جامع الأصول لابن الأثير وفيه ستة أسفار هي: صحيحا البخاري ومسلم وجامع الترمذي وسنن أبى داود والنسائي وموطأ مالك. ٢ - مجمع الزوائد الذي يتضمن ستة من أسفار الحديث ذات الشأن العظيم هي: معجمات الطبراني الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، ومسند الإمام أحمد وأبي يعلى والبزار. ٣ - موارد الظمآن في زوائد ابن حبان. ٤ - كنز العمال وهو يتضمن كثيرًا من كتب الحديث. ٥ - كما رجعت إلى بعض أجزاء تفسير ابن أبي حاتم، وهو من أوسع التفاسير بالمأثور، وسأثبت في آخر هذا الموضوع بعض الروايات ليطلع عليها القارئ لما فيها من فائدة من جهة وليدرك عدم دقة المقولة المشتهرة عن المكثرين والمقلّين من جهة أخرى فوجدت على سبيل المثال بعد استقصاء هذه الكتب أنه لم يرد لابن الزبير ﵄ الذي قالوا إنه من المكثرين إلا ثلاث روايات بينما ورد لعبد الله بن عمر ﵄ الذي عدّوه من المقلين ثلاث وثلاثون رواية. وما أجدر الباحثين وبخاصة طلاب العلم بالبحث والتمحيص حتى لا يأخذوا كل قضية يقرؤونها على أنها مسلّمة لا شك فيها.

стр. 143

من المكثرين ابن عباس ﵄: وقد أجمعوا على أنه في مقدمة أولئك المكثرين، هذا الفتى الذي دعا له الوسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهو سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن، وهو الحبر والبحر لكثرة علمه. فإمامته لم تقتصر على التفسير فحسب بل هو من المكثرين في الحديث كذلك، وفي الفقه له يد طولى، وفي أشعار العرب وأقوالهم له قدم راسخة، ينمي ذلك كله حدة ذكاء وعظيم فهم ونور ساطع في عقله وقلبه. ولا غرابة في ذلك، فلقد هيئت لفتى مكة أسباب عديدة جعلته يتربع على كرسي الأستاذية في هذه العلوم كلها وبخاصة التفسير. ولو لم يكن من هذه الأسباب إلا دعاء الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، لكان كافيًا له أن يكون هكذا. وإذا أردنا أن ندرك فهم ابن عباس ﵄ فما لنا إلا أن نرجع لبعض تفسيراته. وأذكر من هذه التفسيرات على سبيل المثال تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ١٣٢٦٦] (١)، فقد روى البخاري: أن عمر ﵁ قال يومًا لأصحاب النبي ﷺ فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: (في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين) فقال عمر: (يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك). قال ابن عباس (ضربت مثلًا لعمل) قال عمر: (أي عمل؟ ) قال: (لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله) (٢)، وكذلك تفسيره لسورة النصر في قصة شهيرة مع عمر ﵁ وهي ما رواه ابن عباس قائلًا: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه. فقال لِمَ يدخل هذا معنا

стр. 144

ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه من قد علمتم. فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم. فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال لي: (كذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: (لا)، قال: فما تقول؟ ) قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له (قال) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقوله رواه البخاري (١). ولعل بعض الصحابة كانوا يأخذون على ابن عباس ﵄ كثرة تفسيره للقرآن، ومع إجماعهم على فضل ابن عباس وسبقه في هذا الأمر، فإن الشافعي ﵁ كان يقدم قول زيد في الفرائض، لقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (أفرضكم زيد) (٢) ونجد لابن عباس عدة خلافات في آيات المواريث لم يأخذ بها الصحابة، ولكن هذا العالم الجليل قد افتُريَ عليه كثيرًا لأسباب عديدة، ولهذا قال الشافعي ﵁: (لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث) (٣). أسباب قلة الروايات عن الصحابة في التفسير: وهنا مسألة لا بد من بيانها والوقوف عندها، وهي أن ما نقل عن الصحابة من تفسيرات القرآن، لم يكن شيئًا كثيرًا، بل إنه أقل مما نقل عنهم في أمور أخرى كالفقه والفتاوى. وذلك لا يرجع بالطبع لعدم اهتمامهم بالقرآن، معاذ الله، ولا يرجع كذلك لعدم فهمهم لآيات القرآن وعدم حفظ أكثرهم له، وإنما يرجع ذلك

стр. 145

لأنهم كانوا يفسرون القرآن تفسيرًا عمليًا، حسب ما تقتضيه الوقائع والحوادث. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لسلامة لغة القوم وصفاء عقيدتهم. بينما نجد أن ما نقل عنهم في التشريع والفتاوى كثير وجم غفير. فلقد ذكر ابن حزم في رسالته (أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم) أن من نقل عنهم الفتيا من الصحابة، مائة واثنان وستون، وذلك بعد بحثه وتقصيه عن ذلك. ثم ذكر أن المكثرين في ذلك سبعة هم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ﵃، ثم ذكر أن مجموع ما روي عن الصحابة يزيد على عشرين ألف قضية، وقال إنه يمكن أن يجمع لكل من هؤلاء السبعة المكثرين سفر ضخم، وهذا يدل على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بواقع الحياة التي يعيشونها وبما تتطلبه الظروف التي كانت تمر بهم (١). شبهة حول روايات التفسير عند الصحابة: يقول الدكتور عبد المنعم النمر ﵀ وزير الأوقاف المصري الأسبق: (إن من الحقائق التي يجب أن نضعها أمام أعيننا، أنّ الصحابة لم يحفظ منهم القرآن كله إلا عدد يسير قيل أربعة وقيل أكثر من ذلك بقليل، والذين لم يحفظوا آيات القرآن كله لا نستطيع أن ندعّي إحاطتهم بفهم ما لم يحفظوه) (٢). ثم يقول وهو يتحدث عن الآيات المتشابهة: (وما دمنا لا نعثر على حديث صحيح عن الرسول ﷺ أو على رأي للصحابة موثوق، بنسبته إليهم، فالمعقول أنهم لم يفهموها ولم يسألوا عنها (٣) والمانع لهم من السؤال آيتان إحداهما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
следующие страницы →