← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبحث الثاني التفسير في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم - كان الصحابة رضوان الله عليهم يتورعون عن تفسير القرآن على عهد الرسول ﵊، مع أنهم كانوا على جانب عظيم من البيان العربي والتذوق الأدبي، بل كانوا يرجعون إليه عليه وآله الصلاة والسلام فيما يشكل عليهم فهمه. ولما انتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى، كان لا بد لهم من أن يشمروا عن سواعدهم، ليقوموا بما يجب عليهم نحو كتاب الله العزيز، وهم الذين شهدوا نزول القرآن ونالوا بركة الوحي، وبركة الإفادة من الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. فمصادر التفسير عندهم إذًا الكتاب والسنة واللغة والاجتهاد، وإذا كانت تلك المنزلة للصحابة، فيجب أن لا يقلل من شأنه ما وصل إلينا منهم بأسانيد صحيحة. على أنه ينبغي أن ننبه على أن أقوالهم ﵃، لا تعطى حكم الحديث المرفوع، اللهم إلا إذا كانت بيانًا لسبب نزول آية، وذلك كما يذكره أئمة الحديث، وهو ما نص عليه ابن الصلاح في مقدمته (١). المكثرون في الرواية من الصحابة- مناقشة ما قيل في هذا الموضوع: والصحابة متفاوتون في فهمهم لكتاب الله، كما أنهم متفاوتون فيما روي عنهم بين مقل ومكثر. فهذا هو مسروق ﵁ يقول: (وجدت أصحاب محمد مثل الإخاذ، الإخاذ يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخَاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم. وإن عبد الله بن مسعود من تلك الإخاذ (٢). وذكر السيوطي ﵀ في الإتقان (٣) أن المكثرين من الصحابة عشرة: الخلفاء

стр. 142

الراشدون الأربعة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وقد اشتهر هذا القول ونقله عن السيوطي كل من الذين جاءوا بعده، ولقد حملني على بحث تلك القضية المشتهرة قراءتي في كتب الستة أو كتب التفسير التي كان لها عنايةً بذكر الروايات ومن رُوي عنهم، حيث وجدت أن كثيرًا ممّن قيل إنهم مكثرون، كانوا من المقلّين والعكس صحيح، فتتبعت ما جاء في كتب الحديث الآتية: ١ - جامع الأصول لابن الأثير وفيه ستة أسفار هي: صحيحا البخاري ومسلم وجامع الترمذي وسنن أبى داود والنسائي وموطأ مالك. ٢ - مجمع الزوائد الذي يتضمن ستة من أسفار الحديث ذات الشأن العظيم هي: معجمات الطبراني الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، ومسند الإمام أحمد وأبي يعلى والبزار. ٣ - موارد الظمآن في زوائد ابن حبان. ٤ - كنز العمال وهو يتضمن كثيرًا من كتب الحديث. ٥ - كما رجعت إلى بعض أجزاء تفسير ابن أبي حاتم، وهو من أوسع التفاسير بالمأثور، وسأثبت في آخر هذا الموضوع بعض الروايات ليطلع عليها القارئ لما فيها من فائدة من جهة وليدرك عدم دقة المقولة المشتهرة عن المكثرين والمقلّين من جهة أخرى فوجدت على سبيل المثال بعد استقصاء هذه الكتب أنه لم يرد لابن الزبير ﵄ الذي قالوا إنه من المكثرين إلا ثلاث روايات بينما ورد لعبد الله بن عمر ﵄ الذي عدّوه من المقلين ثلاث وثلاثون رواية. وما أجدر الباحثين وبخاصة طلاب العلم بالبحث والتمحيص حتى لا يأخذوا كل قضية يقرؤونها على أنها مسلّمة لا شك فيها.

стр. 143

من المكثرين ابن عباس ﵄: وقد أجمعوا على أنه في مقدمة أولئك المكثرين، هذا الفتى الذي دعا له الوسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهو سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن، وهو الحبر والبحر لكثرة علمه. فإمامته لم تقتصر على التفسير فحسب بل هو من المكثرين في الحديث كذلك، وفي الفقه له يد طولى، وفي أشعار العرب وأقوالهم له قدم راسخة، ينمي ذلك كله حدة ذكاء وعظيم فهم ونور ساطع في عقله وقلبه. ولا غرابة في ذلك، فلقد هيئت لفتى مكة أسباب عديدة جعلته يتربع على كرسي الأستاذية في هذه العلوم كلها وبخاصة التفسير. ولو لم يكن من هذه الأسباب إلا دعاء الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، لكان كافيًا له أن يكون هكذا. وإذا أردنا أن ندرك فهم ابن عباس ﵄ فما لنا إلا أن نرجع لبعض تفسيراته. وأذكر من هذه التفسيرات على سبيل المثال تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ١٣٢٦٦] (١)، فقد روى البخاري: أن عمر ﵁ قال يومًا لأصحاب النبي ﷺ فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: (في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين) فقال عمر: (يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك). قال ابن عباس (ضربت مثلًا لعمل) قال عمر: (أي عمل؟ ) قال: (لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله) (٢)، وكذلك تفسيره لسورة النصر في قصة شهيرة مع عمر ﵁ وهي ما رواه ابن عباس قائلًا: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه. فقال لِمَ يدخل هذا معنا

стр. 144

ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه من قد علمتم. فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم. فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال لي: (كذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: (لا)، قال: فما تقول؟ ) قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له (قال) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقوله رواه البخاري (١). ولعل بعض الصحابة كانوا يأخذون على ابن عباس ﵄ كثرة تفسيره للقرآن، ومع إجماعهم على فضل ابن عباس وسبقه في هذا الأمر، فإن الشافعي ﵁ كان يقدم قول زيد في الفرائض، لقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (أفرضكم زيد) (٢) ونجد لابن عباس عدة خلافات في آيات المواريث لم يأخذ بها الصحابة، ولكن هذا العالم الجليل قد افتُريَ عليه كثيرًا لأسباب عديدة، ولهذا قال الشافعي ﵁: (لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث) (٣). أسباب قلة الروايات عن الصحابة في التفسير: وهنا مسألة لا بد من بيانها والوقوف عندها، وهي أن ما نقل عن الصحابة من تفسيرات القرآن، لم يكن شيئًا كثيرًا، بل إنه أقل مما نقل عنهم في أمور أخرى كالفقه والفتاوى. وذلك لا يرجع بالطبع لعدم اهتمامهم بالقرآن، معاذ الله، ولا يرجع كذلك لعدم فهمهم لآيات القرآن وعدم حفظ أكثرهم له، وإنما يرجع ذلك

стр. 145

لأنهم كانوا يفسرون القرآن تفسيرًا عمليًا، حسب ما تقتضيه الوقائع والحوادث. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لسلامة لغة القوم وصفاء عقيدتهم. بينما نجد أن ما نقل عنهم في التشريع والفتاوى كثير وجم غفير. فلقد ذكر ابن حزم في رسالته (أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم) أن من نقل عنهم الفتيا من الصحابة، مائة واثنان وستون، وذلك بعد بحثه وتقصيه عن ذلك. ثم ذكر أن المكثرين في ذلك سبعة هم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ﵃، ثم ذكر أن مجموع ما روي عن الصحابة يزيد على عشرين ألف قضية، وقال إنه يمكن أن يجمع لكل من هؤلاء السبعة المكثرين سفر ضخم، وهذا يدل على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بواقع الحياة التي يعيشونها وبما تتطلبه الظروف التي كانت تمر بهم (١). شبهة حول روايات التفسير عند الصحابة: يقول الدكتور عبد المنعم النمر ﵀ وزير الأوقاف المصري الأسبق: (إن من الحقائق التي يجب أن نضعها أمام أعيننا، أنّ الصحابة لم يحفظ منهم القرآن كله إلا عدد يسير قيل أربعة وقيل أكثر من ذلك بقليل، والذين لم يحفظوا آيات القرآن كله لا نستطيع أن ندعّي إحاطتهم بفهم ما لم يحفظوه) (٢). ثم يقول وهو يتحدث عن الآيات المتشابهة: (وما دمنا لا نعثر على حديث صحيح عن الرسول ﷺ أو على رأي للصحابة موثوق، بنسبته إليهم، فالمعقول أنهم لم يفهموها ولم يسألوا عنها (٣) والمانع لهم من السؤال آيتان إحداهما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا

стр. 146

الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. والثانية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ويستدل لذلك بما روي أن أصبغ التميمي جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ قال: هي الرياح والسحاب والسفن والملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله يقوله ما قلته، ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما رآه دعاه فضربه مئة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى، فحلف له بالأيمان المغلظة، ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئًا فكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا قد صدق فخلِّ بينه وبين مجالسة الناس (١). مناقشة هذه الشبهة: ولخطورة هذه الشبهة وانتظامها قضايا متعددة نرى من المفيد أن نأخذ كل جزئية منها على حدة على النحو التالي: ١ - كون الصحابة رضوان الله عليهم لم يحفظ القرآن منهم إلا أربعة. ٢ - كونهم لم يفهموا القرآن ما داموا لم يحفظوه. ٣ - عدم سؤالهم عما لم يفهموه لورود آيات تمنعهم من ذلك. ٤ - شدتهم وعنفهم على كل من كان يسأل عن شيء من كتاب الله. أما عن الجزئية الأولى وهي أن الصحابة لم يحفظ القرآن منهم إلا أربعة فإن من المؤكد أن الأستاذ أراد أن يستدل على ذلك بما أخرجه الإمام البخاري عن أنس ﵁ وقد سئل عمن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ فقال: إنهم أربعة

стр. 147

كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد وفي رواية أبو الدرداء بدل أبيّ بن كعب. وقد تصدى العلماء قديمًا للإجابة عما أثاره الملاحدة حول هذا الحديث، فهذا الحافظ ابن حجر (١) ﵀ في فتح الباري يذكر وجوهًا كثيرة يعزو بعضها للمازري وبعضها للباقلاني وبعضها لم يعزه لأحد، وكأنما هو استنتاجه وتفسيره وقبل أن أذكر هذه الوجوه أحب أن أشير إلى قضية مهمة حبذا أن يتنبه القارئ إليها، وهي أن فهمنا للحديث حري أن يكون على نسق فهمنا لكتاب الله من حيث معرفة أسباب النزول والمناسبات فإن معرفة السبب تعيننا كثيرًا على فهم الآية الكريمة وكذلك الأحاديث الشريفة، وأظننا إن أدركنا سبب هذا الحديث بان لنا الأمر، ووضح المَعْلَم. فقد أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة قال: افتخر أعيان الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة: من اهتز له العرش سعد بن معاذ ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدُّبُر عاصم بن ثابت فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم. هذا إذًا سبب ورود الحديث، والحديث كما نعلم موقوف على أنس ﵁ وقد جاء كما رأينا في مجال التنافس في الأعمال الخيرة والتسابق في خدمة الدين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، اللهم ارحم الأنصار. فلا مانع إذًا من أن يكون قد جمعه غيرهم من المهاجرين ومن غير المهاجرين وبعد أن يذكر الحافظ ﵀ أجوبة متعددة لا يرضيه بعضها ينقل عن المازري أن هذا ما علمه أنس ولا يلزم منه أن يكون الواقع كذلك لأن الصحابة قد تفرقوا في البلاد، ولكي يكون الحصر حقيقيًّا لا بد أن يكون أنس ﵁ قد لقي كل واحد من الصحابة كُلًّا على حدة وأخبره عن نفسه وهذا غاية في البعد، وبعد ذلك

стр. 148

نجد الحافظ يذكر كثيرًا ممن حفظوا القرآن وجمعوه في عهد الرسول عليه وآله الصلاة السلام. ثم ينقل ما قاله القرطبي وهو أن عدة مئات من الصحابة من حملة القرآن وحفظته قد استشهدوا يوم اليمامة. بعد ذلك كله يقول الحافظ: (وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه فإنَّا لا نسلم حمله على ظاهره، سلّمناه ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجمّ الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ ولو على التوزيع كفى) (١). أفبعد ذلك كله يمكننا أن نوافق الدكتور عبد المنعم فيما ذهب إليه! ! أم يمكنه هو أن يثبت على قوله هذا! ! ، أما نحن فلا، وأما هو فنسأل الله أن يرحمه ويعفو عنه. وأما الجزئية الثانية فهي ادعاء الأستاذ أن الفهم مرتب على الحفظ، وما دام الصحابة لم يحفظوا القرآن فهم لم يفهموه كذلك، وعكس هذه القضية من البدهيات، فالقواعد التربوية وغيرها لا ترتب الفهم على الحفظ بل إن كانت صلة بينهما فالعكس هو الصحيح ولا يمتري أحد في أن الفهم مما يسهل الحفظ وييسره لمن أراده، ونحن نلمس من أنفسنا أننا ربما تعرض علينا نصوص لنبين معناها فلا نجد عسرًا في ذلك مع أننا لا نحفظ هذه النصوص، إن باستطاعتنا -وهذا دأب علماء النقد- أن نفسر كثيرًا من الأشياء شعرًا ونثرًا وننقدها دون أن نحفظها. وأنقل هنا كلمة للحارث المحاسبي ﵀ في كتابه العظيم الرائع (الرعاية لحقوق الله): (حدثنا الغلابي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول العلم حسن الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر) (٢). وإذا كان الصحابة

стр. 149

-رضوان الله عليهم- وهم الذين قبسوا من مشكاة النبوة وأكرموا ببركة الوحي لا يفهمون كتاب الله ﵎ -وفاقد الشيء لا يعطيه- وهم الذين تصدوا له إقراء وشرحًا فأي جيل إذًا تتوافر له إمكانات الفهم؟ قال الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات في معرض الحديث عن علم الصحابة بعلم أسباب النزول وما يتصل به: (ذكر أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي، قال: خلا عمر ذات يوم: فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنَّا أُنزل القرآن علينا فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا واقتتلوا، قال فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه فقال: أعد عليَّ ما قلت فأعاده عليه فعرف عمر قوله وأعجبه) (١). وخلاصة القول أن الله ﵎ أنزل على نبيه ﷺ الذِكرَ ليبين للناس ما نُزّل إليهم فكان أول من وعى هذا البيان وحفظه وعض عليه بالنواجذ الصحابة البررة فكانوا أعلم الناس -بعد نبيهم ومعلمهم- بالله وبالحلال والحرام وبالكتاب الكريم مجمله ومبينه، مطلقه ومقيده، ناسخه ومنسبوخه، مكيه ومدنيه، محكمه ومتشابهه. وأما الجزئية الثالثة وهي أنهم رضوان الله عليهم لم يكونوا ليسألوا عما لم يفهموه، وبرهان ذلك عنده أننا لم نجد حديثًا واحدًا سألوا فيه عن المتشابه. والمانع لهم من السؤال الآيتان السابقتان فذلك ما نجل الصحابة عنه وفي القرآن الكريم جملة ليست قليلة من أسئلتهم صدرت بهذا العنوان (يسألونك) ولا سيما السور المدنية حتى إنّ القرآن الكريم سجل لنا سؤالهم عن الله ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].

стр. 150

وكان النبي عليه وآله الصلاة والسلام يشدد النكير على الذين لا يسألون، والمطلع على السنة المطهرة يجد ذلك واقعًا عمليًا في موقف الصحابة مع الرسول ﵊ من جهة. ومن جهة ثانية سؤال بعضهم بعضًا حتى إنّ جبريل ﵇ جاء يسأله عليه وآله السلام فيما أخرجه الإمام مسلم وأخبرهم النبي أنه جبريل جاء يعلمهم دينهم (١). أما الآيتان اللتان يدّعي أنهما مانعتان من السؤال وهما آية المائدة وهي من آخر القرآن نزولًا فإنها وردت في سبب خاص وأما آية آل عمران: فلقد نصت على أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله والصحابة مبرأون من هذا الوصف، ثم إذا كانت هاتان الآيتان مانعتين لهم عن السؤال، فمما لا ريب فيه أنهم كانوا يسألون قبل نزولهما -وكان لا بد أن تدون تلك السؤالات وتسجل. ولا يعقل أن تكون قد حذفت وتلاشت بعد نزول الآيتين الكريمتين. المقبول والمعقول أنهم لم يسألوا عن المتشابه؛ لأن ذلك كان لا يعنيهم كثيرًا، لا لعدم اهتمامهم به أو لعدم فهمهم، وإنما لأنهم كانوا يفهمون المراد منه من غير ما تكلف ولا تعقيد فهم أصحاب الذوق العربي من جهة، والعقيدة الصافية التي تلقوها مباشرة ومشافهة من النبي الكريم ﷺ من جهة أخرى. أما الجزئية الرابعة والأخيرة وهي أنهم كانوا يشددون النكير على من كان يسأل عن شيء من كتاب الله فإن لنا في ردها طريقتين اثنتين النقض والمعارضة (٢). أما النقض: فالحديث الذي أورده فضيلة الدكتور وهو ما كان من عمر ﵁ مع أصبغ التميمي مردود، رده العلماء من حيث السند، فقد أخرجه

стр. 151

الطبراني وذكره الحافظ الهيثمي، رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد (١) في كتاب التفسير وعلق عليه بقوله: (فيه أبو بكر بن أبي صبرة وهو متروك)، وهذا الاصطلاح له مدلوله عند المحدثين وإذا كان الحديث قد رد سندًا فيمكن أن نوده كذلك متنًا، فإن السؤال عن الذاريات وأخواتها لا يحمل إشارات الانحراف، وليس فيه رائحة المتشابه، سيما وقد صرح عمر ﵁ أنه سمع تفسيره من النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وأخرى غير مقبولة في متن الحديث وهي أن عمر أمر بجلده مئة وهي حد الزاني ثم مئة ثانية تبعهما النفي والحبس، وهذا من شأنه أن يكمم الأفواه ويذل الجباه، وما نظن ذلك كائنًا في ظل الخلافة الراشدة التي كانت فيها أروع الأمثلة لما ينقص المسلمين اليوم من حرية التعبير. وأما الرد بطريقة المعارضة فإننا نجد في تاريخ المسلمين في تلك الحقبة. مثلًا رائعًا لسعة الصدر دون حجر على الفكر أو تعنت أو تشدد، فعمر ﵁ نفسه كان يسأل عن آيات كثيرة، وفي كتب السنة أنماط متعددة لأسئلة ذات اتجاهات مختلفة في شؤون العقيدة، وفي الحلال والحرام حتى في قضايا الكون، كالرتق والفتق في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] ومع ذلك لم نجد وجهًا مكفهرًا لمسؤول، ولا زجرًا أو صدًا لسائل، فضلًا على أن يجلد المئين وينفى ويحبس بل لقد وجدنا ما هو أكثر من هذا وأشد، ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى عن الإمام الشهيد سعيد بن جبير رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال: وما هي؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقال: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)

стр. 152

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١] فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى، ثم قال ابن عباس: فلا أنساب بينهم، في النفخة الأولى ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الأخرى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشرك: تعالوا نقل: ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك عرف أن الله لا يُكْتَم حديث عنده، ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، وخلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين آخرين، ثم دحى الأرض أي بسطها وأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله دحاها. فخلقت الأرض وما فيها من شيءفي أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سمى نفسه ذلك أي لم يزل ولا يزال كذلك، فإن الله لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله. وفي رواية عبد الرزاق قال ابن عباس: ما هو آلشكُّ في القرآن؟ قال ليس بشك ولكنه اختلاف (١).

стр. 153

اعتماد الصحابة أسباب النزول في التفسير: إن ما نقل من تفسيرات الصحابة للقرآن (١) يعول عليه كثيرًا، وذلك لمعرفة القوم بأسباب النزول فإن سبب النزول يعين على فهم الآية ومعرفة المراد منها، وذلك واضح في آيات كثيرة. فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] يوهم ظاهره عدم وجوب التوجه إلى القبلة. لكننا إذا عرفنا السبب زال هذا الوهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. يقتضي ظاهره عدم وجوب السعي. لكننا إذا عرفنا سبب النزول، عرفنا المراد من الآية وزال هذا التوهم. ويوضح هذا المعنى ما رواه أبو عبيد عن إبراهيم قال: (خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس يا أمير المؤمنين إنا أنزل القرآن علينا فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، وإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا فاقتتلوا (٢).

стр. 154

أخبار أهل الكتاب ليست من مصادر التفسير عند الصحابة: إذا كانت مصادر التفسير عند الصحابة -كما سبق أن قلنا- الكتاب والسنة ومعرفتهم بلغة العرب وأسباب النزول وما منَّ الله عليهم من رأي ثاقب صائب فهل كانوا في حاجة إلى أهل الكتاب ليستعينوا بهم على تفسير القرآن، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين؟ للإجابة عن هذا لا بد أن نتبين أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، أراد أن يشد الصحابة رضوان الله عليهم، إلى شيء واحد هو القرآن، حتى لا ينصرفوا إلى غيره فهذا هو الرسول ﵊ يدخل المسجد، فيجد الناس قد اجتمعوا حول واحد يحدثهم، فيقول: (ما هذا؟ فيقال رجل يحدث عن أنساب العرب! فيقول عليه وآله الصلاة والسلام: (هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر. ثم يقول: العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة قائمة، وسنة متبعة) (١). ولما رأى عمر ﵁ يقرأ صحيفة من التوراة غضب، وقال: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل. والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) (٢). وفي رواية: (يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلام وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا) (٣) وهذا هو ابن عباس ﵄ يقول فيما رواه البخاري (يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه، أحدث الأخبار بالله، تقرأونه لم يُشَب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب. فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا

стр. 155

قليلًا. أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (١) ونحن عندما نستعرض ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من روايات صحيحة، لا نجد فيها أثرًا لأهل الكتاب، بل نجد ما فسروه يرجع إلى المصادر التي ذكرناها، ولعله على العكس من ذلك، نجد أنهم كانوا لا يقبلون، بل ينفرون من كثير مما يعرض له أهل الكتاب، يناقشونهم في آرائهم. فهذا عمر ﵁، يهدد كعبًا بوجوب انتهائه عما يحدث به بقوله (لتتركن الحديث عن الأَول، أو لألحقنك بأرض القردة) (٢) وهذه السيدة عائشة ﵂ حينما يصل إليها أن كعبًا يقول: (لقد قسم الله كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام) تقول: (لقد قف شعري) (٣). بعد هذه النصوص والتعليمات، لا نستطيع مطلقًا أن ندعي أن أخبار أهل الكتاب كانت مصدرًا من مصادر التفسير عند الصحابة، فضلًا على أن يتوسعوا في الأخذ عنهم، بل كانت مصادر التفسير عندهم صافية غير مستوردة، تنبع من ذاتهم وبيئتهم ولذلك لم نجد بينهم اختلافًا فيما فسروه، مع أنه لم يصل إلينا عنهم تفسير للقرآن كله (٤) والذي وصل إلينا منهم كان سهل المأخذ ميسور التناول، حتى لقد كان كثير من تفسيراتهم يوضح بالقراءات التفسيرية، مما دعا مجاهدًا أن يقول كلمته الشهيرة (لو قرأت قراءة ابن مسعود، ما احتجت أن أسأل ابن عباس عن كل ما سألته عنه) (٥) وهذه ميزات لا تجدها في الفترة التالية أعني فترة تفسير التابعين.

стр. 156

من مرويات الصحابة في التفسير: ونختم بحثنا (التفسير في عهد الصحابة) بطائفة من الأحاديث التفسيرية المروية عنهم: ١ - عن عروة قال: قلت لعائشة: أرأيت قول الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى آخر الآية فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بهما. قالت ليس كما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أولتها عليه لكان (لا جناح عليه ألا يطوف) ولكنها إنما أنزلت في هذا الحي من الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى آخر الآية (١). ٢ - عن مرة عن عبد الله ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر .. في قوله ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ (٢). ٣ - عن ابن عمر قال أنزلت ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] كتب عليهم أن أحدهم إذا صلى العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها. ٤ - عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قلت: ما أراني إلا مكلم الأمير في هؤلاء الذين ينامون في المسجد فيجنبون ويحدثون قال: فلا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال هم العاكفون .. في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. ٥ - عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فبدرنا رجل يقال له حكم

стр. 157

فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقول في القتال قال ثكلتك أمك وهل تدري ما الفتنة إن محمدًا ﷺ كان يقاتل المشركين فكان الدخول فيه فتنة، وليس بقتالكم على الملك .. في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ٦ - عن حذيفة في قول الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] قال يعني في ترك النفقة في سبيل الله. ٧ - عن أسلم أبي عمران قال: غزونا القسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله يلقي بيديه، فقال أبو أيوب الأنصاري إنما تتأولون هذه الآية هكذا وإن حمل رجل يلتمس الشهادة أو يبلى من نفسه إنما أنزلت الآية فينا معشر الأنصار إنا لما نصر الله تعالى نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا خفيةً عن رسول الله ﷺ : إنا كنا قد تركنا أهلنا وأموالنا نقيم فيها نصلحها حتى يعز الله تعالى رسوله هل نقيم في أموالنا ونصلحها؟ فأنزل الله الخبر من السماء ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا نصلحها وندع الجهاد. وقال ابن عمران فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية (١). ٨ - عن سالم قال سمعت ابن عمر يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: إذا رجع إلى أهله في قوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. ٩ - قال عبد السلام يعني ابن شداد أبا طالوت قال: كنت عند أنس فقال له ثابت إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم فقال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وتحدثوا ساعة حتى إذا هم أرادوا القيام قالوا يا أبا حمزة: إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم قال تريدون أن أشق لكم الأمور. إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله.

стр. 158

١٠ - عن أبي بن كعب في قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم الله يومئذ على الإسلام وأقروا له بالعبودية وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد آدم .. ١١ - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قال: هو قول الرجل لا والله، وبلى والله .. (١) ١٢ - عن علي ﵁ قال: يوشك أن يأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر فيه على ما في يده، وينسى الفضل، وقد نهى الله عن ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ١٣ - عن موسى بن أبي كثير الأنصاري أن عمر بن الخطاب قال في قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال: النفقة في سبيل الله. ١٤ - عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان وهي بعد ريح هفافة. في قوله ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. ١٥ - عن أبي زرعة عن أبي هريرة في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] قال: قد أحاط به شركه. ١٦ - عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٤] قال: فضل الله القرآن. ١٧ - عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار. ١٨ - جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال له: اعهد إليّ فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شرّ

стр. 159

ينهى عنه، قال ذلك في تفسير قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]. ١٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦] عن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال كان إبراهيم احتجرها دون الناس فأنزل الله: ومن كفر أيضًا فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقًا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلًا .. الخ الآية. ثم قرأ ابن عباس ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠]. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (١). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. عن عبد الله بن عمرو ﵄ موقوفًا قال: نحو ميزاب الكعبة. رواه الطبراني من طريقين: رجال إحداهما ثقات (٢). ٢١ - قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. عن علي بن أبي طالب قال: قبله. رواه عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي (٣). ٢٢ - قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] عن ابن عباس موقوفًا قال: "على الإسلام كلهم" رواه أبو يعلى والطبراني باختصار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح (٤). ٢٣ - قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. عن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال: "الفضل على العيال" رواه الطبراني وفيه محمد بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ وبقية رجاله ثقات (٥).

стр. 160

٢٤ - قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "النفقة في سبيل الله" أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم. ٢٥ - قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. عن عمر بن الخطاب قال: فيم ترون هذه الآية نزلت: قالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لِرجلٍ غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. رواه البخاري موقوفًا (١). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. عن علي بن أبي طالب موقوفًا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي من الذهب والفضة. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي الحب والثمر وكل شيء عليه زكاة رواه ابن جرير (٢). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. عن ابن عباس موقوفًا: أخبر الله ، إذا سلم العبد لأمر الله ورجع فاسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير -الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى. رواه الطبراني وإسناده حسن (٣).

стр. 161

٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. عن ابن مسعود موقوفًا قال: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح. تأمل العيش وتخشى الفقر. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (١). ٢٩ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. عن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية. فقال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فالعفو: أن يقبل الرجل الدية في العمد، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان. ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قتل بعد قبول الدية. رواه البخاري (٢). ٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. عن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال: ليست هذه الآية بمنسوخة. هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. رواه البخاري (٣) وروى الشيخان (٤) وأصحاب السنن: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.

стр. 162

٣١ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا. رواه ابن جرير (١). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. عن ابن عباس موقوفًا قال: إنه قد أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلًا في الشهور والأيام. رواه الطبراني وفيه مسعد بن طريف وهو متروك (٢). ٣٣ - ومن مسند عمر ﵁ عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال يا أمير المؤمنين: إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا قال أي آية هي قال قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله ﷺ والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ عشية عرفة يوم الجمعة. ٣٤ - عن الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر لأصحابه ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم بخطيئة، قال لقد حملتموها على غير المحمل، قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يلتفتوا إلى إله غيره وفي لفظ فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. ٣٥ - عن أبي الصلت الثقفي أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ

стр. 163

يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بنصب الراء، وقرأها بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ حرجًا بالخفض، فقال عمر: ابغوا لي رجلًا من كنانة واجعلوه راعيًا وليكن مدلجيًا، فأتوه به، فقال عمر: يا فتى، ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. ٣٦ - عن علي أنه مرّ على قوم يتحدثون فقال فيم أنتم؟ فقالوا نتذاكر المروءة، فقال أو ما كفاكم الله في كتابه إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] فالعدل الإنصاف والإحسان التفضل فما بعد هذا؟ ٣٧ - عن مجاهد قال كتبت إلى عمر: يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] عن ابن عمر ﵄ قال ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: التلبية والإحرام، ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: غشيان النساء، ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قال السباب ﴿وَلَا جِدَال﴾ قال المراء. رواه الطبراني في الأوسط وفيه يحيى بن السكن وهو ضعيف (١). ومن دراستنا لهذه الروايات ندرك أن التفسير في عهد الصحابة ﵃ كان توضيحًا لكلمة أو سبب نزول، أو بيانًا لحكم شرعي أو استنباطًا لأمر فهم من الآيات كما كان من ابن عباس وعمر في فهم قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.

стр. 164

المبحث الثالث التفسير في عهد التابعين -رضوان الله عليهم - التابعون هم الذين ورثوا علم الصحابة رضوان الله عليهم. ولا شك أن عصر التابعين هو خير العصور بعد عصر الصحابة، يقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (١) وإذا كان ورع التابعين وعلمهم من المكانة بحيث لا يسعنا إلا أن نوليه من الاهتمام ما يتسع له الجهد، فإنه ينبغي ألا يفوتنا أن نقرر أن التفسير في عصر التابعين، امتاز عنه في عصر الصحابة بميزات كان لها أثر فيما بعد. وإذا كان الأئمة قد اختلفوا في قول الصحابي في التفسير أهو حجة أم لا؟ فإن هذا الاختلاف من الأولى أن يكون في تفسير التابعين. ولقد فرعوا على ذلك خلافًا آخر هو: هل تفسير التابعين من التفسير المأثور؟ فهو من المأثور في إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها ابن عقيل من أئمة الحنابلة. وقال أبو حيان: (وقد جرينا الكلام يومًا مع بعض من عاصرنا، فكان يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تراكيبه، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم. وأن فهم الآيات متوقف على ذلك، والعجب له أن أقوال هؤلاء كثيرة الاختلاف متباينة الأوصاف متعارضة ينقض بعضها بعضًا) (٢). ثم قال (وهذا كلام ساقط). والذى أفهمه من قول أبي حيان أنه لا يعده -أى تفسير التابعين- من التفسير بالمأثور، والذي أرتأيه أن التفسير بالمأثور يشمل فيما يشمل ما كان بيانًا لمناسبة نزلت فيها آية، أو توضيحًا لمعنى مبهم يبينه الرسول الكريم ﷺ ، وغير هذا لا يعد من التفسير بالمأثور، حتى لو روي عن أعظم الصحابة، وأعلمهم، وليس معنى

стр. 165

هذا أننا نقلل من شأنهم ﵃، فهم حملة علم النبي ﷺ ، وهم الذين لا يقادر قدرهم أمانة وذكاء وحرصًا على سلامة الدين كتابًا وسنة (١). ولا ننسى كلمة أبي حنيفة ﵁ (ما جاءنا عن الرسول ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا فيه، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال) (٢). وسأفصل إن شاء الله هذه القضية. ولا بد أن نعرض هنا لمسألتين: الأولى: ما امتاز به التفسير في عهد التابعين وأوجه الخلاف في التفسير بين عهدهم وعهد الصحابة. والمسألة الثانية: أشهر المفسرين في هذا العصر. ١ - ميزات التفسير في عهد التابعين: لقد عرفنا أن التفسير في عهد الصحابة ﵃، كان يعتمد الكتاب والسنة واجتهاد الصحابة في بعض الأحيان. وكان يساعدهم على ذلك معرفتهم اللغوية، وعلمهم بأسباب النزول، ومعرفتهم عادات العرب، وأهم من ذلك ما فتح الله لهم من أبواب الفهم. والتفسير في عهد التابعين أخذ بهذه الأسباب، إلا أن دائرته كانت أوسع من دائرته عند الصحابة. ولقد قل الاختلاف في التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ولكنه زاد في عهد التابعين إلى درجة أوسع كما سنفصله فيما بعد. ولئن كان التفسير في عصر الصحابة لم يعتمد أهل الكتاب مصدرًا من مصادره فإن أخبارهم في عهد التابعين كانت مصدرًا من مصادره. وهذا بحكم امتداد البيئة الإسلامية ومن دخل الإسلام من أهل الكتاب. ولا ننسى أن أهم ما يميز التفسير في عهد التابعين ظهور الخلافات المذهبية،

стр. 166

التي لم تكن قد ظهرت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم. وهناك بادرة ينبغي أن ننبه عليها وهي أن البذرة الأولى للتفسير بالرأي ظهرت في عهد التابعين، كما نراه مثلًا في بعض تفسيرات مجاهد. ٢ - أشهر المفسرين في عهد التابعين (١): بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، كان من الطبيعي أن لا يبقى أصحاب الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ملتزمين بيئة واحدة، إذ تفرقوا في البلاد التي بسط الإسلام عليها سلطانه، وأشرق فيها نوره، لينهل الناس من علمهم، ومن هنا فإن أمكنة عديدة كانت منارات لنشر العلم بعامة والتفسير بخاصة، وأشهر هذه الأمكنة التي كان يتلقى التابعون فيها التفسير من الصحابة رضوان الله عليهم هي مكة والمدينة والكوفة، ففي مكة المكرمة عبد الله بن عباس، وفي المدينة المنورة أبيّ بن كعب وفي الكوفة عبد الله بن مسعود، ولما كان ابن عباس ﵄، من انتهت إليه الشهرة في التفسير، رأينا أن أعلم الناس بالتفسير تلاميذه، ورأينا التفسير ينتقل للعالم الإسلامي أكثر ما ينتقل عن هؤلاء التلاميذ. ولعل هناك سببًا آخر لهذا، وهو أن مكة المكرمة فيها بيت الله العتيق مهوى الأفئدة. ومهما يكن من أمر فمن هذه المنارات الإسلامية اشتهر أعلام كانوا المرجع لكل من أراد أن ينهل من كتاب الله. ومن هؤلاء الأعلام في مكة سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وطاوس وعطاء. ومنهم في المدينة المنورة زيد بن أسلم وأبو العالية ومحمد بن كعب القرظي. ومنهم في الكوفة علقمة بن قيس ومسروق والحسن البصري وقتادة وغيرهم. قال ابن تيمية: (وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن

стр. 167

عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس وابن الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به عن غيرهم. وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن وعبد الله بن وهب (١). ثم أخذ عن التابعين تابعوهم، وكانت دائرة التفسير تتسع في كل عصر أكثر من سابقه. وهذا أمر تحتمه ضروريات الحياة، إلى أن وصل التفسير إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التدوين. أسباب ضعف التفسير بعد التابعين: وبعد عهد التابعين ظهرت مؤثرات كان لها أثر في ضعف روايات التفسير. وأهم هذه المؤثرات الوضع و الإسرائيليات . أما الوضع فقد نشأ عن الخلاف المذهبي الذي أثرت فيه السياسة تأثيرًا كبيرًا. فرأينا أن بعض الفرق تود أن تنصر رأيها بتأويل الآية تارة وبالوضع تارة أخرى، ورأينا كذلك أن هذا الوضع يزيد وينقص بحسب الأشخاص الذين يوضع عليهم كابن عباس وعلي ﵃، فالمنسوب إليهما في التفسير أكثر من المنسوب إلى غيرهما. الإسرائيليات: أما الإسرائيليات فإنّ مما ساعد على انتشارها وتضخمها حذف الأسانيد (٢) وأول من سن هذه السنة السيئة، هو مقاتل بن سليمان صاحب التفسير الكبير فقد حذف الأسانيد وملأ تفسيره بروايات عن أهل الكتاب.

стр. 168

وجاء بعده من نقل عنه هذه الروايات غير مميز بين صحيحها وضعيفها وغثها وسمينها. وإن لهذه الإسرائيليات قصة اشتركت في حبكها مؤثراث كثيرة، منها المباشر وغير المباشر ومنها القريب والبعيد. وقد دامت هذه القصة قرونًا تبتدئ من القرن الأول إلى عصرنا هذا، بين أخذ ورد، وقبول ورفض، وقلة وكثرة فكيف بدأت هذه القصة؟ وكيف تطورت؟ وما هو وجه الصواب في ذلك؟ هذا ما سأحدثك عنه فيما بعد إن شاء الله. ونختم هذا الفصل بذكر بعض الروايات التفسيرية المروية عن التابعين، ﵃. من مرويات التابعين في التفسير: ١ - في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]. قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. ٢ - ما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال مجاهد: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. وفي رواية: علم من آدم الطاعة وخلقه لها. ٣ - في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. يقول قتادة: (كانت اليهود تستفتح بمحمد ﷺ على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم، فلما بعث الله محمدًا ﷺ فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب،

стр. 169

وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ ويجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة). ٤ - في قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]. قال مجاهد: ليس بالسحاب (هو الغمام الذي يأتي فيه يوم القيامة لم يكن إلا لهم). ٥ - في قوله ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قال مجاهد: ثم اجعلهن أجزاءً على كل جبل، ثم ادعهن يأتينك سعيًا، كذلك يحيي الله الموتى هو مثل ضربه الله لإبراهيم ﵇. ٦ - يقول سعيد بن جبير في قوله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] تبيان للمتقين. وفي قوله ﴿كَصَيِّبٍ﴾ الصيب المطر. وفي قوله ﴿الرِّجْزُ﴾ الطاعون. وفي قوله ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب. ٧ - في قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. قال مجاهد: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ الفقهاء العلماء وهم فوق الأحبار. ٨ - في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢]. قيل للحسن: هي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال الحسن البصري: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. ٩ - أخرج البغوي في تفسير قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] عن سعيد بن جبير قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية

стр. 170

في السفر وهي محكمة والعمل على هذا باق. ١٠ - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. يقول أبو العالية: كان قبله مؤمنون ولكن يقول أبو العالية: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. ١١ - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. يرى قتادة أن الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، وليس عامًّا، وذلك لأنه لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي ﷺ ). ١٢ - روى ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] عن ابن جبير قال: هذه خاصة في أهل بدر. ١٣ - يقول سعيد بن جبير ﵁ عند قوله ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦] قال: أي صنف أعطيته من هذه الأصناف أجزأك، وقال في الفقراء: يعطي الزكاة من له الدار والخادم والفرس، وقال في (الرقاب) هم الرقاب وهم المكاتبون لهم سهم من الصدقة، وقال في (المؤلفة) ليس اليوم مؤلفة قلوبهم. ١٤ - وعند تفسير أنس لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] يوضح الآية بما روي عن الرسول ﷺ يقول: بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، وقد فاوت السير بأصحابه، إذ نادى رسول

стр. 171

الله ﷺ بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ .. ﴾ فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله ﷺ ، قال: أتدرون أيّ يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: يوم يقول الله لآدم: يا آدم قم فابعث بعث النار فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فكبر ذلك على المسلمين فقال سددوا وقاربوا وأبشروا فوالذى نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرّتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الإنس والجن (١). ١٥ - في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]. قال عكرمة: المشيد: المجصص، والجص بالمدينة: يسمّى الشيد. ١٦ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]. يقول قتادة: (الصابئون: قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرأون الزبور، والمجوس: عبدة الشمس والقمر والنيران، وأما الذين أشركوا فهم عبدة الأوثان). ١٧ - في قوله: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] قال الله: إني إنما أخفتك لقتلك النفس، ثم قال: كانت الأنبياء تذنب فتعاقب. ١٨ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا .. ﴾ [القصص: ٣٨] يقول السيوطي: أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله:

стр. 172

﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قال: أوقد على الطين حتى يكون آجرًا. ١٩ - في قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]. قال عكرمة: أتدعون ربًا، وهي لغة أهل اليمن، تقول: من بَعل هذا الثور؟ أي: من ربُّه؟ ٢٠ - أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﵁ قال: يدخل الرجل الجنة، فيقول: أين أمي، أين ولدي، أين زوجي؟ فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم. وفي تفسير قوله تعالى. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨]. ذكر ابن جبير الرواية نفسها، وزاد في آخرها: (فيقال. أدخلوهم الجنة). ٢١ - في قوله ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧]. قال عكرمة: ذات الحبك. ذات الخلق الحسن، ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب قال: ما أحسن حبكه؟ . ٢٢ - في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. يقول قتادة: ذكر لنا أن هذا الحي من العرب كانوا إذا نزلوا بواد قالوا: نعوذ بأعز أهل هذا المكان فهو يحكي ما كان من العرب، وأن هذه الآية بصدد هذا الذي كان منهم، ثم يحكي رد القرآن على ذلك فيقول: (قال الله). (فزادوهم رهقًا) أي إثمًا وزادت الجن عليهم بذلك جراءة. ٢٣ - في قوله ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦]. قال عكرمة: هي شجرة ذات شوك، لاطئة بالأرض، فإذا كان الربيع سمتها قريش الشبرق، فإذا هاج العود سمتها الضريع.

стр. 173

٢٤ - يقول قتادة في قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] أي لا مال له ولا ولد. وفي قوله: ﴿صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]: الحجر الذي يسمى صفاة. وفي قوله: ﴿طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]: الذي يلصق باليد. وقوله: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]: متواضعين. و﴿الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦]: حبل القلب. * نتائج المرحلة الأولى (مرحلة ما قبل التدوين): بعد أن استعرضنا بعض المرويات في كتب السنة المعتبرة يمكننا استخلاص الحقائق التالية: أولًا: كان الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يفسر للصحابة ما تدعو الحاجة إليه، وأحيانًا يرشدهم إلى تفسير القرآن بالقرآن نفسه لفهم ما أشكل عليهم فهمه. ثانيًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يدر في خلدهم يومًا أن يسألوا عن المتشابه، وما ذلك إلا لأنهم كانوا يفهمون المقصود منه بجلاء ووضوح. ثالثًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا يذكر، وإنما كانت هناك بعض اختلافات نابعة من اجتهاداتهم في فهم الآية، كخلاف ابن عباس ﵄ مع عائشة ﵂ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] (١) وكخلافه معها في رؤية النبي ﷺ ربه (٢). رابعًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن الرجوع إلى أهل الكتاب مصدرًا من مصادر التفسير عندهم مطلقًا، بدليل أقوال كبار الصحابة الثابتة الصحيحة،

стр. 174

كقول ابن عباس الذي مر معنا (لا تسألوا أهل الكتاب) وهو في صحيح البخاري، وكإنكار ابن مسعود ﵁ على أحد القصاص، وهو يفسر الدخان في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (١)، وكإنكار عائشة ﵂ لما قاله كعب، من أن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد ﵉ وقولها (قف شعري)، وكإنكار عمر ﵁ على كعب في حديثه عن الأوائل وتهديده له بالنفي، وكإنكار علي ﵁ لأخبار القُصّاص. خامسًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكونوا ليمتنعوا عن سؤال ما لم يفهموه من القرآن، كما لم يمتنعوا ولم ينكروا على من أراد فهم شيء من كتاب الله كما يدعي بعض الكاتبين، فقد ورد في صحيح البخاري (٢) عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قال رجل لابن عباس إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال: ما هي؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] وقد مرت الرواية معنا من قبل. سادسًا: اتسعت دائرة الاختلاف في التفسير في عهد التابعين، وذلك بحكم التطور وما ورد عليهم من أخبار غيرهم، كالاختلاف في بعض المبهمات، كمائدة عيسى ﵇، أأنزلت أم لا؟ إلا أن اختلافهم في التفسير لم يكن اختلاف تضاد، كما يقول ابن تيمية. قال ﵀ في مقدمته في أصول التفسير: (وغالب ما يصح عنهم من الخلاف، يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان. أحدهما أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر،

стр. 175

مع اتحاد المسمى. بمنزلة الأسماء المتكافئة، التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند. وذلك كأسماء الله الحسنى، وأسماء رسول الله ﷺ ، وأسماء القرآن. الصنف الثاني أن يذكر كل منهم من الاسم العام، بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، (لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فرأى رغيفًا وقيل له: هذا. فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده .. الخ (١).

стр. 176

الفصل الثالث أنواع التفسير وفيه مبحثان: الأول: التفسير الأثري. الثاني: التفسير بالرأي.

стр. 177

المبحث الأول التفسير الأثري نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، على قلب الرسول ﵌، لينذر أول ما ينذر قومًا كانوا في قمة المعرفة اللغوية، وكانت لغتهم نفسها قد بلغت من النمو والتكامل ما بلغت. ولكن هذا القرآن لم ينزل جملة واحدة. بل نزل منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث والمناسبات والوقائع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان فيه ما يحتاج إلى بيان أو تفصيل. والصحابة الذين شهدوا نزول الوحي ﵃، قد عرفوا هذه المناسبات التي نزلت في شأنها آيات من القرآن، وهي التي سماها العلماء فيما بعد أسباب النزول. وسمعوا من الرسول ﵌ تفسير ما كان يشكل عليهم فهمه من معنى مبهم، فكانوا هم أعلم الناس بذلك. ثم اتسعت دائرة التفسير، فكانت اللغة مصدرًا من مصادره تارة وأخبار أهل الكتاب تارة أخرى. ولكن التفسير بالمأثور يبقى محتفظا بميزاته وحدوده ليشمل فيما يشمل ما كان بيانا لمناسبة نزلت فيها آية، أو توضيحًا لمعنى بينه الرسول الكريم ﷺ ، أو قولًا أجمع عليه الصحابة، أو ما كان له حكم الرفع، مما لا يعرفه الصحابي إلا عن الرسول ﷺ . حدود التفسير الأثري: ذهب أكثر العلماء إلى أن التفسير بالمأثور، هو ما رفع إلى النبي ﷺ ، وما كان موقوفًا على الصحابة رضوان الله عليهم، وما جاء عن التابعين رضوان الله عليهم. وذهب بعضهم إلى أن ما جاء عن التابعين لا يعدّ من التفسير بالمأثور، وقد نقل هذا الزركشي في البرهان عن ابن عقيل من الحنابلة ﵀ (١).

стр. 178

ولكن الذي يظهر لي، ويتفق مع مكانة التفسير الأثري، أن التفسير المأثور ما صح عن النبي ﷺ أو كان له حكم المرفوع، ممّا روي عن الصحابة -رضوان الله عليهم- ويشمل هذا أسباب النزول: ١ - فمن المعلوم أن التفسير الأثري يقابل التفسير بالرأي، والتفسير بالرأي ما كان فيه مجال للاجتهاد، وعلى هذا فالتفسير الأثري ليس كذلك، أي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، وهذا يصدق على ما رفع إلى النبي ﷺ ، أو كان له حكم المرفوع أما ما روي عن الصحابة والتابعين مما هو اجتهاد منهم، فيدخل ضمن دائرة التفسير بالرأي، مثل بعض الروايات التي رويت عن ابن عباس. ٢ - إنهم عدّوا من التفسير بالمأثور، تفسير القرآن بالقرآن، وعلى هذا فإن الأقرب إلى تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، أما ما عدا هذين مما كان من اجتهادات الصحابة، فلا ينبغي أن نعدّه من التفسير بالمأثور. ومن باب أولى أن لا نعدّ من التفسير بالمأثور كذلك ما روي عن التابعين من اجتهادات، أو أخبار أهل الكتاب، والمعلوم أنه قد اتسعت دائرة الخلاف في التفسير في عهد التابعين، فلا نستطيع -إذن- أن نجعل تفسيرهم تفسيرًا أثريًا. وهنا لا بد أن أشير إلى قضية، وهي أننا يجب أن نفرق بين خيرية القرون التي تكلم عنها النبي ﷺ (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١) وبين قضية علمية تتصل بالقرآن الكريم، ثم إننا لا نملك دليلًا مقطوعًا به على ما ذهب إليه الأكثرون، من أن دائرة التفسير بالمأثور تشمل ذلك الكمّ الهائل من الروايات الكثيرة المتعددة، المتفقة حينًا والمختلفة أحيانًا، وقد عرفت ما قاله أبو حيان في البحر المحيط. ومثل هذا ما روي عن أبي حنيفة (ما جاءنا عن رسول الله ﷺ على الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا فيه، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال). وليس معنى هذا أننا نقلل من شأنهم ﵃ فهم

стр. 179

حملة علم النبي ﷺ وهم الذين لا يقادر قدرهم أمانة وذكاء وحرصا على سلامة الدين كتابًا وسنة. ملحوظات على هذا التقسيم: هذا هو الذي اشتهر عند القوم، فلا نكاد نجد كاتبًا من الذين عرضوا للتفسير وتاريخه وبخاصة في العصر الحديث، إلا وقسم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، حتى لقد أضحت هذه القضية من المسلمات، ولعل مما ساعدهم على ذلك تفسير الإمام السيوطي (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) حيث اشتمل كتابه على الروايات دون عرض اختلافات المفسرين، ولنا على هذا التقسيم ملاحظ عدة: أولًا: إن هذا المصطلح لم يكن معلومًا معروفًا في القرون الأولى وما بعدها حتى عند الذين كتبوا في علوم القرآن من المتقدمين، وعلى هذا هو مصطلح يخضع للبحث والتدقيق والنقد. ثانيًا: لم يتفقوا على ماهية هذا التفسير فبعضهم وسمع دائرته ليشمل تفسير النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وتفسير الصحابة ﵃، وتفسير التابعين ﵏ وآخرون لم يدخلوا فيه تفسير التابعين، كما بينته لك من قبل، وهذا ما أشارت إليه عبارة أبي حيان ﵀ في البحر المحيط، وفئة ثالثة -وأنا منهم- جعلته خاصًّا بما صح عن الرسول ﷺ . ثالثًا: إنهم جعلوا التفسير بالمأثور مقابلًا للتفسير بالرأي، مع أن ما روي عن الصحابة ﵃ كان كثير منه ناشئًا عن الرأي والاجتهاد، وكذلك بعض ما روي عن التابعين، فهذا ابن عباس ﵄ يختلف مع الصحابة في بعض أحكام آيات الميراث، ويختلف مع السيدة عائشة ﵂. في رؤية النبي ﷺ ربه، وفي تفسير قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ

стр. 180

كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وردت عن الحبر روايتان. إحداهما: أن السماوات والأرض كانتا كتلة واحدة وهذه إحدى النظريات في نشأة الكون. والأخرى: أن السماوات كانت رتقًا ففتقها الله بالمطر، وأن الأرض كذلك فتقها الله بالنبات. ولا يرتاب أحد في أن هذا اجتهاد من الحبر ﵄، فهو تفسير بالرأي، فكيف يمكن أن تعدّه تفسيرًا بالمأثور؟ ومثل هذا ما روي عن مجاهد ﵁ في مخالفة المفسرين في بعض الآيات، أن هذا التقسيم، اعني بالمأثور وبالرأي لا يخلو من إشكالات متعددة منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي. رابعًا: إننا لا نقدّر الصحابة -رضوان الله عليهم- قدرهم عندما نسلبهم القدرة على الاجتهاد في فهم القرآن الكريم، فنجعل كل ما روي عنهم روايات، فهموها من الرسول الكريم ﷺ ، أو نقلوها عن أهل الكتاب، وهذا هو سيدنا عليّ ﵇ وقد سئل: اترك الرسول ﷺ غير هذا الكتاب؟ يقول: لا، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن". أليس هذا الفهم للصحابة رضوان الله عليهم من قبيل التفسير بالرأي، فلماذا يكون هناك إصرار أن يعد من التفسير بالمأثور؟ خامسًا: لقد عدّوا من التفسير بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن، وتوسعوا في ذلك كثيرًا، وهناك تفسيران كبيران، أحدهما للأستاذ عبد الكريم الخطيب ﵀ وهو خمسة عشر جزءًا واسمه (التفسير القرآني للقرآن)، والثاني للشيخ الشنقيطي ﵀ وهو في تسعة أجزاء، واسمه (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن)، فهو عندما يذكر الآية الكريمة، يذكر عشرات الآيات في
следующие страницы →