← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المطهرة، جلى فيها حقائقها، وقد كتب في موضوعات أخرى متعددة إلا أنه قال: (كل مؤلف لي قبل ١٣٢٠ فلي فيه وقفه). وقد ترك آثارًا علمية كثيرة بعضها طبع في حياته وبعضها طبع بعد وفاته. وسأثبت هنا أهم هذه الكتب: ١ - السفينة: وهي عبارة عن مجموعة من الحكم والنوادر والوصايا، والنصائح الأخلاقية والأحاديث النبوية جمعها وهو ابن ست عشرة سنة. ٢ - الأنوار القدسية على متن الشمسية. ٣ - المسند الأحمد على مسند الإمام أحمد. ٤ - بديع المكنون في مسائل الفنون. ٥ - الطالع المسعود على تفسير أبي المسعود. ٦ - شمس الجمال على منتخب كنز العمال. ٧ - تعطير الشام في مآثر دمشق الشام. ٨ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث. ٩ - الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين (شرح الأربعين العجلونية). ١٠ - غنية الهمة على كشف الغمة. ١١ - رسالة في علم الأصول. ١٢ - الأجوبة المرضية على ما أورده، كمال الدين بن الهمام، على المستدلين بثبوت سنة المغرب القبلية. ١٣ - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، وهو مختصر لكتاب الإحياء أشار عليه بكتابته محمد عبده.

стр. 1157

١٤ - إصلاح المساجد من البدع والعوائد في مجلد تبلغ عدد صفحاته ٢٨٠ صفحة تقريبًا. ١٥ - تاريخ الجهمية والمعتزلة وهو مطبوع. ١٦ - دلائل التوحيد وهو مطبوع. ١٧ - الفتوى في الإسلام مطبوع. ١٨ - مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن مطبوع. ١٩ - تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب مطبوع. ٢٠ - نقد النصائح الكافية. ٢١ - قاموس الصناعات الشامية. ٢٢ - شرح العقائد. ٢٣ - المسح على الجوربين. ٢٤ - محاسن التأويل: وهو تفسير القرآن العظيم في سبعة عشر جزءًا وهو أشهر كتبه. محاسن التأويل: ابتدأ الأستاذ القاسمي تفسيره للقرآن عام ١٣١٧، وانتهى منه عام ١٣٢٩ هـ وهو تفسير ضخم يقع في سبعة عشر جزءًا، يحتوي الجزء الأول منه على مقدمات في أصول التفسير، ومباحث ذات اتصال بالقرآن الكريم، وقد طبع لأول مرة في مطبعة دار إحياء الكتب العربية عام ١٩٥٧، وتفسيره هذا كسائر كتبه، يغلب عليه فيها طابع الجمع، ولكنه والحق يقال أمين في نقله من جهة، وليس حاطب ليل من جهة أخرى، فهو لا ينقل إلا ما يرى فيه فائدة وحكمة وعبرة، لا يضيره أن ينقل عن أي أحد، أشعريًا أو معتزليًا، سنيًا أو زيديًا، سلفيًا أو متصوفيًا. كل ذلك نجده

стр. 1158

في كتابه، وسنوضحه بإيراد نماذج منه إن شاء الله تعالى، والنقل والجمع لا يعاب بهما الإنسان، فلقد عرف في تاريخنا أعلام تميزت كتبهم بهذه الميزة، وإن كانوا يتفاوتون في ذلك، كالسيوطي والآلوسي، وبعض هؤلاء لا تتلاشى شخصيتهم العلمية، بل تبرز واضحة المعالم، متميزة تتضاءل أمامها الجموع والنقول، فهل كانت شخصية القاسمي كذلك؟ ذلك ما سنتلمسه من أقوال النقاد، قبل أن نبدي رأينا فيه أو نصدر حكمنا عليه. يقول أمير البيان شكيب أرسلان في مقدمته لكاب قواعد التحديث: (وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية، التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا، ترتاح إليه ضمائرها، وتعقد عليه خناصرها، أن لا تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي. (ويقول السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار المجلد السابع عشر عن القاسمي: (هو علامة الشام ونادرة الأيام، والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل، والتعليم والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدى السلف والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن). وإلى جانب هذين، نجد السيد محمد كرد علي، يرى أن الشيخ القاسمي ليس له شيء في مؤلفاته، سوى النقل والجمع، وكأنه يريد أن يقول إن شخصيتة غير بارزة في ثنايا كتبه. ولكن الأستاذ ظافر القاسمي -نجل المؤلف- لا يعجبه هذا القول، ويسوغ الطريقة التي اتبعها أبوه، بأن العصر الذي عاش فيه، كان عصر جمود ولعل الكثيرين لا يرضيهم قوله هو، فكان ينقل عن العلماء الأقدمين ما يثبت به رأيه، لأن أحدًا لا يعترض عليهم، وإن نقل الإنسان قطعة من عقله، وبأن القاسمي كان ذا أسلوب جيد، يعرف هذا من قرأ مقدمة كتبه، فكان بإمكانه الاستغناء عن النقل والجمع لولا ما تقدم (١).

стр. 1159

ولن أبدي رأيًا أو أصدر حكمًا، إلا بعد أن أستعرض نماذج من تفسيره، وقد ذهبت إلى دمشق لألتقي أخص تلاميذه، وأكثرهم صلة به العلامة الفاضل الأستاذ محمد بهجت البيطار ﵀ وهو الذي أكمل تفسير سورة يوسف ﵇، الذي لم يتمه صاحب المنار، بسبب وفاته ﵀ ولقد كان الرجل كريمًا في مقابلته، أكرمه الله، وقدر دار حديث بيننا حول تفسير القرآن، وسألته عن تراثه في التفسير، فأخبرني أنه ليس له إلا ما تقدم من إكماله سورة يوسف ﵊، ثم سألته عن القاسمي وتفسيره -فأخذ الرجل يتحدث عن مناقب أستاذه مما زادني إجلالًا له. وكان مما قاله: (رحم الله شيخنا لقد كان علمًا حقًّا، ولقد خلف هذه الآثار العلمية الجمة، مع أن المنية قد أتته مبكرة، قبل أن يبلغ الخمسين بسنين، فقلت له: (أود أن تحدثني عن تفسيره) فلم يزد على نص هذه العبارة: (إن جل تفسيره من منقوله لا من قوله). منهجه في التفسير: يبتدئ تفسيره بخطبة يقول فيها: (وإني كنت حركت الهمة، إلى تحصيل ما فيه من الفنون، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون، فأكببت على النظر فيه، وشغفت بتدبير لآلئ عقوده ودراريه، وتصفحت ما قدر لي من أقوال السابقين، وتعرفت حين درست ما تخلله من الغث والسمين. ورأيت كلًّا بقدر وسعه، حام جول مقاصده، وبمقدار طاقته في ميدان دلائله وشواهده. وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرًا من عمري، ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرًا من دهري، أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر، قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر، وأكون بخدمته موسومًا، وفي حملته منظومًا. فشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهمم، واستخرت الله تعالى، في تقرير قواعده وتفسير مقاصده، في كتاب اسمه بعون الله الجليل (محاسن التأويل) أودعه ما صفا من التحقيقات، وأوشحه بمباحث هي المبهمات، وأوضح فيه خزائن الأسرار، وأنقد فيه نتائج الأفكار، وأسوق إليه

стр. 1160

فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر. وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر، وزوائد استنبطتها بفكري القاصر، مما قادني الدليل إليه، وقوى اعتماده عليه. وسيحمد السابح في لججه، والسائح في حججه، ما أودعته من نفائسه القريبة البرهان، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان، وبدائعه الباهرة للأذهان، فإنها لباب اللباب ومهتدى أولي الألباب. ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات، اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات، فهنالك أصوب ألسنة البراهين نحو نحور الشبهات ... هذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير في مصطلح التفسير، وهي قواعد فائقة وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحًا لمغلق بابه ... فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم ... التائق لأسنى نتائج الفهوم، المتعطش إلى أحلى موارده، المنقب عن مصادر مقاصده، ينبوعًا لمعاني الفرقان، وعِقدًا ضم درر التبيان، وُقِفَ بك من الطريق السابلة على الظهر وخطب لك عرائس الحكم ثم وهب لك المهر، فقدِّم قدم عزمك، فإذا أنت بحول الله قد وصلت ... وفارق وهْدَ التقليد راقيًا إلى يفاع الاستبصار، وتسنّم أوج التحقيق في مطالع الأنظار، والبس التقوى شعارًا، والاتصاف بالإنصاف مثارًا، واجعل طلب الحق لك نحلة، والاعتراف لأهله ملة، ولا ترد مشرع العصبيّة، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية أنفة ذوي النفوس العصيّة. فذلك مرعى لسُوّامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل (١). ثم يبدأ في تمهيده، الذي يبلغ ثلاثمائة وخمسين صفحة، يضمنه إحدى عشرة قاعدة في أول التفسير: ١ - قاعدة في أمهات مآخذه. ٢ - قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفسير عند الاختلاف. ٣ - قاعدة أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.

стр. 1161

٤ - قاعدة في معرفة سبب النزول. ٥ - قاعدة في الناسخ والمنسوخ. ٦ - قاعدة في القراءة الشاذة والمدرج. ٧ - قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات. ٨ - قاعدة في أن كل معنى مستنبط من القرآن، غير جار على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في شيء. ٩ - قاعدة في أن الشريعة أمية، وأنه لا بد في فهمها من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل بلسانهم. ١٠ - قاعدة الترغيب والترهيب في التنزيل الكريم. ١١ - قاعدة في أنه: هل في القرآن مجاز أم لا؟ ؟ . والمتأمل لهذه القواعد، يجد أن جلها قد نقله القاسمي بنصه، فقد نقل عن الموافقات مثلًا ما يزيد على مائة وخمسين صفحة، كما نقل عن ابن تيمية ومحمد بن مرتضى اليماني والعز بن عبد السلام والسيوطي وابن خلدون وولى الله الدهلوي وابن الجزري وعن الإمام ابن العباس أحمد بن زروق وغيرهم، والمقدمة على الرغم من أنها نقول إلا أنها غنية بفوائدها. وبعد فلا بد أن نلم بفكرة عن هذا التفسير، في خطوط عريضة، نستعرض منها بعض النماذج، لتكون على بينة من الأمر، تعيننا على تقويمه وإبداء الرأي فيه. نماذج من التفسير: ١ - يقول في تأويل قوله تعالى (١): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].

стр. 1162

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أي اخشوه أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه، ثم نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى، وتأكيد إيجاب الامتثال به، على طريق الترغيب والترهيب، بقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم. وخلقه تعالى إياهم على هذا النحو البديع مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على نحوه كان قادرًا على كل شيء، ومنه عقابه على معاصيهم، فالنظر فيه يؤدي إلى الإتقاء من موجبات نقمته. وكذا جعله تعالى إياهم صنوانًا مفرعة من أرومة واحدة، من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة، كما ينبئ عنه ما يأتي من الإرشاد إلى صلة الأرحام ورعاية حال الأيتام، والعدل في النكاح وغير ذلك. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم مجتابو النمار (أي من عريهم وفقرهم) قام فخطب بالناس بعد صلاة الظهر، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] حتى ختم الآية. ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، ثم حضهم على الصدقة فقال: (تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره من صاع تمره). وذكر تمام الحديث (وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. الآية ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي من نفسها، يعني من جنسها، ليكون بينهما ما يوجب التآلف والنظام قإن الجنسية علّية الضم، وقد أوضح هذا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ أي نشر تلك النفس وزوجها المخلوقة منها، بطريق التوالد والتناسل ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي كثيرة، وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور.

стр. 1163

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ تكوير للأمر، وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به، فإن سؤال بعضهم بعضًا بالله تعالى، بأن يقولوا: أسألك الله، وأنشدك الله على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال، بتربية المهابة وإدخال الروعة، ولوقوع التساؤل به، لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته. و ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ أصله تتساءلون، فطرحت إحدى التائين تخفيفًا. وقرئ بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس، وقرئ تساءلون (من الثلاثي) أي تسألون به غيركم. وقد فسر به القراءة الأولى والثانية، وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع، كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه -أفاده أبو السعود- وقوله تعالى: (والأرحام) قرأ حمزة بالجر عطفًا على الضمير المجرور، والباقون بالنصب عطفًا على الاسم الجليل، أي اتقوا الله والأرحام أن تقطعوها ... فإن قطيعتها مما يجب أن يتقى، أو عطفًا على محل الجار والمجرور، كقولك مررت بزيد وعمرو. ونظيره قراءة ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فإنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله . ويقولون أسألك بالله وبالرحم. ولقد نبه حيث قرنها باسمه الجليل على أن صلتها بمكان منه، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣]. وقد روى الشيخان عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: (الرحم معلقة بالعرض، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله). وروي أيضًا عن جبير بن مطعم رضي الله، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة قاطع، قال سفيان في رواية: (يعني قاطع الرحم)، وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﵌: (ليس الواصل بالمكافيء، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها). وروي عن أبي هريرة ﵁: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه). والأحاديث في الترغيب بصلة الرحم والترهيب من قطيعتها كثيرة .. ).

стр. 1164

٢ - وفي تفسير قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ المائدة: ٣٥] يقول (١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا﴾ أي اطلبوا ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي القربة - كذا فسره ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وزيد وعطاء والثوري وغير واحد. وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وقرأ ابن زيد ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] قال ابن كثير: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه، وفي (القاموس وشرحه)، الوسيلة والواسلة: المنزل عند الملك والدرجة والقربة والوصلة. وقال الجوهري: الوسيلة، ما يتقرب به إلى الغير، والتوسيل والتوسل واحد. يقال: وسل إلى الله تعالى توسيلًا، عمل عملًا تقرب به إليه كتوسل. (وإلى) يجوز أن يتعلق بـ (ابتغوا)، وأن يتعلق بـ (الوسيلة)، قدم عليها للاهتمام به، (وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) أي سبب المجاهدة في سبيله، وقد بين كثير من الآيات أن المجاهدة بالأموال والأنفس. تنبيه: ما ذكرناه في تفسير (الوسيلة) هو المعوّل عليه، وقد أوضحه إيضاحًا لا مزيد عليه تقي الدين بن تيمية عليه الرحمة في (كتاب الوسيلة)، فرأينا نقل شذرة منه، إذ لا غنى للمحقق في علم التفسير عنه. ثم نقل شرح ابن تيمية لمعاني ألفاظ التوسل والوسيلة، الواردة في الكتاب والسنة، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه، وتعريفه لما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. ٣ - ويفسر المقسمات بها في سورة التين بقوله: (اعلم أن المفسرين لم يختلفوا في أن البلد الأمين مكلة المشرفة، الآمن أهلها أن

стр. 1165

يحاربوا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وأما المقسمات بها، ففيها أقوال للسلف لاحتمال موادها لكل منها، فعن مجاهد والحسن وغيرهما، أن (التين) الذي يؤكل، و (الزيتون) الذي يعصر، قالوا: (التين مسجد دمشق، و (الزيتون) بيت المقدس، وعن ابن عباس: (التين) مسجد نوح الذي بني على الجوديّ، و (الزيتون) بيت المقدس، فظهر أنهما إما الشجران المعلومان أو الجبلان أو المسجدان، وصوب ابن جرير الأول فنهما - وعبارته: والصواب من القول ذلك عندنا، قول من قال (التين) هو التين الذي يؤكل، و (الزيتون) هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى تينًا، ولا جبل يقال له زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم جل ثناؤه بالتين والزيتون، والمراد من الكلام، القسم بمنابت التين ومنابت الزيتون، فيكون مذهبًا، وإن لم يكن على صحة، ذلك أنه كذلك دلالة على ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون) انتهى كلامه، وفيه نظر لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، كيف وجبل الزيتون هو من جبال فلسطين، معروف ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين في تقويم البلاد. قال صاحب (الذخيرة) في تعداد جبال فلسطين: ويتصل بجبال إسرائيل جبل الزيتون، قال: وقد دعي كذلك لكثرة الزيتون فيه، وهو قريب المسافة من أورشليم، وفيه صعد المسيح النبي ﵇ لكي يرتفع إلى السماء انتهى (١). ويسمى أيضًا طور زيتا إلى الآن. على أن فيما صوبه ابن جرير، تبقى المناسبة بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين، وحكمة جمعهما معهما في نسق واحد، غير مفهومة كما قاله الإمام. فالأرجح أنهما موضعان أو موضع واحد معظم، ويكون المقسم به ثلاثة مواضع مقدسة.

стр. 1166

فال ابن كثير: وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة، بعث الله من كل واحد منها نبيًّا مرسلًا من أولي العزم أصحاب الشراثع الكبار، فالأول محل التين والزيتون وهو بيت المقدس، الذي بعث الله فيه عيسى بن -صلوات الله وسلامه عليه- ﵉، والثاني طور سينين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة وهو البلد الأمين، الذي من دخله كان آمنًا، وهو الذي أرسل فيه محمد ﷺ ، وفي التوراة ذكر لهذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء، يعني الذي كلم الله عليه موسى، وأشرق من ساعير، يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى، واستعلن من جبال فاران: يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمدًا ﷺ ، فذكرهم مخبرًا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف ومن ثم بالأشرف منهما ... انتهى كلام ابن كثير. ومراده ببعض الأثمة شيخ الإسلام ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان، فإنه ذكر ذلك في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، ونحن ننقلها زيادة في إيضاح المقام واهتمامًا بتحقيقه) ثم نقل فصلًا من كلام ابن تيمية بعنوان (فصل شهادة الكتب المتقدمة بنبوته ﷺ )، يقول في أواخره: (واستظهر بعض المعاصرين، أن قوله تعالى (والتين) يعني به شجرة (بوذا) مؤسس الديانة البوذية، التي انحرفت كثيرًا عن أصلها الحقيقي، لأن تعاليم بوذا لم تكتب في زمنه، وإنما رويت كالأحاديث بالروايات الشفهية، ثم كتبت بعد ذلك حينما ارتقى أتباعها، والراجح عندنا بل المحقق، إذا صح تفسيرنا لهذه الآية، أنه كان نبيًّا صادقًا، ويسمى (سيكا موتى) أو (جوناما)، وكان في أمره يأوي إلى شجرة تين عظيمة، وتحتها نزل عليه الوحي، وأرسله الله رسولَا، فجاءه الشيطان ليفتنه هناك فلم ينجح معه، ولهذه الشجرة شهرة كبيرة عند البوذيين، وتسمى عندهم (التينة المقدسة) وبلغتهم (أجابالا). ففي هذه الآية ذكر الله تعالى، أعظم أديان البشر الأربعة، الموحاة منه تعالى لهدايتهم، ونفعهم في دينهم ودنياهم. فالقسم فيها كالتمهيد لقوله تعالى بعده:

стр. 1167

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى آخر السورة. ولا يزال أهل الأديان الأربعة هم أعظم أمم الأرض وأكثرهم عددًا وأرقاهم. والترتيب في ذكرها في الآية هو باعتبار درجة صحتها بالنسبة لأصولها الأولى، فبدأ تعالى بالقسم بالبوذية، لأنها أقل درجة في الصحة، وأشد الأديان تحريفًا عن أصلها، كما يبدأ الإنسان بالقسم بالشيء الصغير، ثم يرتقي للتأكيد إلى ما هو أعلى. ثم النصرانية وهي أقل من البوذية تحريفًا. ثم اليهودية وهي أصح من النصرانية، ثم الإسلامية وهي أصحها جميعًا وأبعدها عن التحريف والتبديل، بل إن أصولها الكتاب والسنة العملية المتواترة، لم يقع فيها تحريف مطلقًا، ومن محاسن هذه الآية الشريفة غير ذلك، ذكر ديني الفضل (البوذية والمسيحية) أولًا، ثم ديني العدل (اليهودية والإسلامية) ثانيًا، للإشارة إلى الحكمة بتربية الفضل والمسامحة مع الناس أولًا، ثم تربية الشدة والعدل، وكذلك بدأ الإسلام باللين والعفو ثم بالشدة والعقاب، ولا يخفى على الباحثين التشابه العظيم بين بوذا وعيسى ودينيهما. وكذلك التشابه بين موسى ومحمد ودينيهما. فلذا جمع الأولان معًا والآخران كذلك، وقدم البوذية على المسيحية لقدم الأولى، كما قدم الموسوية على المحمدية لهذا السبب بعينه، ومن محاسن الآية أيضًا الرمز والإشارة إلى ديني الرحمة بالفاكهة والثمرة، وإلى ديني العدل بالجبل والبلدة الجبلية (مكة) وهي البلد الأمين، ومن التناسب البديع بين ألفاظ الآية، أن التين والزيتون ينبتان كثيرًا في أودية الجبال، كما في جبل الزيتون بالشام وطور سينا، فهما مشهوران بها، فهذه الآية قسم بأول مهابط الوحي، وأكرم أماكن التجلي الإلهي على أنبيائه الأربعة، الذين بقيت شرائعهم للآن، وأرسلهم الله لهداية الناس الذين خلقهم في أحسن تقويم) (١).

стр. 1168

وبعد أن نقلنا لك بعض النماذج من تفسير الشيخ القاسمي، يتبين لنا منهجه ﵀ ، فقد كانت له عناية بكثير من قضايا التفسير، ومن هذه القضايا: أولًا: عنايته بالقضايا اللغوية: ومن الأمثلة على ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]: (الصمم: آفة مانعة من السماع، سمي به فقدان حاسة السمع لما أن سببه اكتناز باطن الصماخ، وانسداد منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموجه. والبكم: الخرس، والعمي: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر، ووصفوا بذلك مع سلامة حواسهم المذكورة، لما أنهم سدوا عن الإصغاء إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويبصروا بعيونهم، فجعلوا كانما أصيبوا بآفةٍ في مشاعرهم، كقوله: صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وكقوله: أصمَّ عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنقال: ٥٧]: (قال في التاج: وقيل: معنى: (فشرد بهم) فسَمِّع بهم، وقيل فزِّع بهم، ولا يخفى أن هذه المعاني متقاربة، وأصل التشريد الطرد والتفريق، ويقال: شرد به تشريدًا، سمَّع الناس بعيوبه، قال: أطوِّف بالأباطح كل يوم ... مخافة أن يُشَرَّد بي حكيم

стр. 1169

معناه أن يسمع بي، (وحكيم) رجل من بني سليم كانت قريش وَلَّته الأخذ على يد السفهاء). وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]: (ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقًا -وهي حي غير ميت- قول الله : ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] يعني مغشيًا عليه، ومنه قول جرير: وهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصواعق فاستدارا ومثال نقله عن الصحاح قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]: (وفي الصحاح الشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله، والجمع: شيات، يقال: ثور أشيه كما يقال فرس أبلق). ثانيًا: عنايته بالقضايا النحوية: يعرض القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره لقضايا النحو ذات الصلة بالآيات القرآنية التي يفسرها، وهو إذ يتحدث عن ذلك يتحدث بشيء من الإيجاز من دون توسع، وقد يتوسع أحيانًا في إعراب بعض الألفاظ القرآنية فيذكر وجوه الإعراب المختلفة. ومن الأمثلة على ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]: (وبعوضة) بدل من (مثلًا) أو هما مفعولا (يضرب) لتضمنه معنى الجعل والتصيير). وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، (صبغة الله مصدر مؤكد منتصب عن قوله: (آمنا به). وقوله عند تفسيره لآيات الصيام ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] نصب على الظرف أي: كتب عليكم الصيام في أيام معدودات).

стр. 1170

ومثال توسعه في ذكر الوجوه المختلفة في الإعراب قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]: (وفي رفع (شهر) وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي شهر، يعني الأيام المعدودات فعلى هذا يكون قوله (الذي أنزل) نعتًا للشهر أو لرمضان، والثاني: هو مبتدأ ثم في الخبر وجهان: أحدهما: (الذي أنزل)، والثاني: إن (الذي أنزل) صفة الخبر هو الجملة التي هي قوله (فمن شهد). فإن قيل: لو كان خبرًا لم يكن فيه الفاء، لأن شهر رمضان لا يشبه الشرط. قيل: الفاء -على قول الأخفش- زائدة، وعلى قول غيره ليست زائدة، وإنما دخلت لأنك وصفت الشهر بـ (الذي) فدخلت الفاء كما تدخل في خبر نفس (الذي)، ومثله ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] فإن قيل: فأين الضمير العائد على المبتدأ من الجملة؟ قيل: وضع الظاهر موضعه تفخيمًا، أي: فمن شهده منكم). ومن أمثلة توسعه كذلك ما نقله عن أبي السعود عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث قال: (وفي إعرابها قال أبو السعود في صدر الآية: جملة (من) مبتدأ هو (حج البيت) وخبر هو الله) وقوله تعالى: (على الناس) متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار أو بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في الجار، ثم قال في قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا) في محل الخبر على أنه بدل من (الناس) بدل البعض من الكل مخصص لعمومه، فالضمير العائد إلى المبدل منه محذوف، أي (من استطاع منهم)، وقيل بدل الكل على أن المراد بالناس هو البعض المستطيع، فلا حاجة إلى الضمير وقيل في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي هم من استطاع، وقيل في حيز النصب بتقدير أعني).

стр. 1171

ثالثًا: عنايته ببعض القضايا البلاغية: يعرض القاسمي رحمه الله تعالى لبعض الجوانب البلاغية التي تتعلق ببعض الآيات الكريمات، وذلك ببيان سر التعبير القرآني في بعض الكلمات والعبارات، والسر في تقديم بعض الألفاظ في موضع وتأخيرها في موضع آخر وغير ذلك. فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] حيث قال: (واعلم أن مساق هذه الآية بخلاف ما سبقت له أول قصة المنافقين، فليس بتكرير؛ لأن تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم وهذه لبيان تباين أحوالهم، وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تبيان المخاطبين) (١). وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] يقول: (وإنما علق النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب اجتنابه، لأن القرب من الشيء يقتضي الألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصم فلا يرى قبيحًا، ولا يسمع نهيًا فيقع، والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به) (٢). وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨]: (إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكيد والإيذان بتحتم مقتضاه، وتحققه لا محالة، أو لاختلاف المقصود، فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بليةٍ يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اتبع الهدى نجا، ومن ضل هلك) (٣).

стр. 1172

وهو ينقل عن الزمخشري، وأبي السعود وغيرهما، فما نقله عن الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] حيث قال: (قال الزمخشري: فإن قبل: لم عطف بالواو عدم اهتدائهم على انتفاء ربح تجاربهم، ورُتبا معًا بالفاء على اشتراء الضلالة بالهدى؟ وما وجه الجمع بينهما -مع ذلك الترتيب- على أن عدم الاهتداء قد فُهم من استبدال الضلالة بالهدى، فيكون تكرارًا لما مضى؟ قلت: فالجواب أن رأس مال هم هو الهدى، فلما استبدلوا به ما يضادّه -ولا يجامعه أصلًا- انتفى رأس المال بالكلية، وحين لم يبق في أيديهم إلا ذلك الضدّ -أعني الضلالة- وصفوا بانتفاء الربح والخسارة؛ لأن الضالّ في دينه خاسر هالك -وإن أصاب فوائد دنيوية- ولأن من لم يسلم له رأس ماله لم يوصف بالربح، بل بانتفائه؛ فقد أضاعوا سلامة رأس المال بالاستبدال، وترتب على ذلك إضاعة الربح) (١). ويقول عند قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ﴿آل عمران: ٢٨]. قال: وليّ ومعانيه كثيرة منها المحب والصديق والنصير، قال الزمخشري: نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابه بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يُتصادق بها ويُتعاشر ... ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسًا. وهذا أمر معقول؛ فإن موالاة الوليّ وموالاة عدوه متنافيان قال: تودّ عدّوي ثم تزعم أنني ... صديق. ليس النول عنك بعازب أفاده الزمخشري" (٢)

стр. 1173

وعند قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] يقول: قال الزمخشري: فهذا عام، يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخاينة لكسبوا محبة الله. قلت: أجل؛ لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شيء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسولٍ مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمة" (١). وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنقال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] قلت: قللوا أولًا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ... كذا في الكشاف، قلت: أو يجاب بأنهم كثروا أولًا في أعينهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع ثم لما حصل التصافُّ والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على الآخر ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا) (٢). والقاسمي رحمه الله تعالى ينبه على بعض الأمور الدقيقة واللطيفة التي تشتمل عليها الآية بعد تفسيرها، فيقول: فائدة أو تنبيهات أو لطيفة. مثال ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]: (تنبيهات في وجوه فوائد من الآية) (٣). وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] (٤):

стр. 1174

(لطيفة: الذرية مثلثة ولم تسمع إلا غير مهموزة اسم لنسل الثقلين ... ). وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ... فوائد الأولى قال القاشاني: لأن الزيادة والنقصان إنما يكون باعتبار العاقبة والنفع في الدارين ... ) (١). عنايته بالقضايا العلمية: يظهر من خلال تفسير القاسمي رحمه الله تعالى اهتمامه بالمسائل العلمية وبالآيات ذات المضامين العلمية، ولكنه مع ذلك لم يتحدث عن جميع الآيات التي فيها إشارات إلى العلم، ويظهر اهتمامه من خلال نقله عن بعض علماء الفلك. من ذلك نقله عنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] حيث قال: (قال بعض علماء الفلك في معنى الآية: أي كالبنيان يشد بعضه بعضًا فجميع السماوات أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس لها). ونقله كذلك عن بعض علماء الفلك بعد تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] قال (٢): (تنبيه: قال بعض علماء الفلك: السماوات السبع المذكورة كثيرًا في القرآن هي هذه السيارات السبع، وإنما خصت بالذكر - مع أن السيارات كثر من ذلك؛ لأنها أكبر السيارات وأعظمها، على أن القرآن الكريم لم

стр. 1175

يذكرها في موضع واحد على سبيل الحصر فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع. وقال بعض علماء اللغة: إن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة: فالعدد إذن غير مراد، ومنه آية (سبع سنابل) وآية (والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) وآية (سبعين مرة) والله أعلم. وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي، وأن المراد به العالم الشمسي وحده دون غيره، وعبارته: إن قيل: إن كل ما يعلو الأرض من الشمس والقمر والكواكب هو سماء، فلماذا خصص تعالى عددًا هو سبع؟ فالجواب: لا شك أنه يشير إلى العالم الشمسي الذي أحطنا الآن به علما، وأن حصر العدد لا يدل على احتمال وجود زيادة عن سبع؛ لأن القول بذلك يخرج تطبيق القرآن على الفلك؛ لأن العلم أثبتها سبعا كالقرآن الذي لم يوجد فيه احتمال الزيادة؛ لأن الجمع لدخل فيه جميع العوالم التي لا نهاية لها حتى يمكن أن يقال: إن سبعًا للمبالغة كسبعين وسبعمائة، ولا يصح أن يكون العدد سبعة للمبالغة لأنه قليل جدًّا بالنسبة إلى العوالم التي تعد بالملايين مثل العالم الشمسي ويؤيد الحصر في هذا العدد آية ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] فأخرج الشمس؛ لأنها مركز، وأخرج القمر؛ لأنه تابع للأرض، ولم يبق بعد ذلك إلا سبع. قال: وبذلك تتجلى الآن معجزة واضحة جلية، لأنه في عصر التقدم والمدنية العربية، حينما كان العلم ساطعًا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلا خمسًا بأسمائها العربية إلى اليوم وهي: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وكانوا يفسرونها بانها هي السماوات المذكورة في القرآن، ولما لم يمكنهم التوفيق بين السبع والخمس، أضافوا الشمس والقمر لتمام العدد مع أن القرآن يصرح بأن السماوات السبع غير الشمس والقمر، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

стр. 1176

كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] فلفظ (وسخر) دليل يفصل تعداد الشمس والقمر عن السبع السماوات، ولذلك كان المفسرون الذين لا يعرفون الهيئة لا يرون أن تعد الشمس سماء، ولا القمر، لعلمهم أن السماوات السبع مسكونة، وأما الشمس فنار محرقة، فذهبوا في تفسير السماوات على تلك الظنون، ولما اكتشف بعد بالتلسكوب سيار لم يكن معلومًا دعوه (أرانوس) ثم سيار آخر سموه (نبتون) صارت مجاميع السيارات سبعًا. فهذا الاكتشاف الذي ظهر بعد النبي ﷺ ، بألف ومائتي سنة دل على معجزة القرآن ونبوة المنزل عليه. ثم قال: وأما كون السماوات هي السيارات السبع بدون توابعها، فلا يفهم من الآية، لأن الأقمار التي تثبتها، والنجوم الصغيرة التي مع المريخ، يلزم أن تكون تابعة للسماوات السبع؛ لأنها تعلونا، وهي في العالم الشمسي، وحينئذ فالسماوات السبع هي مجاميع السيارات السبع، بمعنى: أن مجموعة زحل بما فيها هو نفسه أي مع أقماره الثمانية تعد سماء، فكلها طبقة فوق طبقة، وكذلك مجموعة المشتري، ويدل على هذا التطبيق قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] يشير إلى أن السماء الدنيا أي السماء التي تلي الأرض فلك المريخ، فهو وما حوله من النجوم العديدة التي تسمى مصابيح، وتعتبر كلها سماء وليس السيار نفسه ... انتهى). ملاحظات حول التفسير: هذه نقول من نقول القاسمي ﵀، وقد أحسن صنعًا حينما سماها محاسن التأويل، ولقد أحببت أن أنقل هذه النماذج على كثرتها، لتكون هناك صورة واضحة عن التفسير، إذ لا يتأتى هذا من أنموذج واحد أو اثنين، لأن أي كاتب قد يضطر في بعض المواضع أن ينقل عن غيره، ولقد اشتملت هذه النماذج على آيات مكية ومدنية. والذي نلاحظه أن شخصيات من نقل عنهم هي البارزة في هذا التفسير، أما

стр. 1177

شخصيته فكل ما نجده لها من أثر، إنما هو حسن اختيار هذا النقل، ومن الإنصاف أن أقرر هنا إلى جانب أمانته، سعة إطلاعه أولًا، واهتمامه بإيراد المأثور ثانيًا، وتخلصه من وطأة التعصب ثالثًا. على أن الرجل كان يتدخل أحيانًا ليبدي رأيه في بعض المسائل، كما رأينا ذلك عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] من سورة الأنعام، في تحديد المثلية، حيث ينقل عن المفسرين أقوالًا في معنى المثلية، فمن قائل إن المثلية هنا إنما هي في هيمنة الله ورعايته وتدبيره، ومن قائل إنها في معرفة الله وتسبيحه، وقول ثالث إنها في الحشر بعد الموت، ويقول بعد إيراد هذه الأقوال: (لا شك في صحة الوجهين بذاتهما -يعني الثاني والثالث- وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل عليهما يبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى، فالأمَسّ تأييد للنظائر ما ذكرناه أولًا - والله أعلم) (١). كما نرى ذلك عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، حيث يبدي رأيه في الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، في إحباط الكبائر للأعمال فيقول: (ولا يخفى أن الإنصاف هو الوقوف مع ما أوضحه النص وأبانه، فكل موضع نص فيه على الإحباط، وجب قبوله بدون تأويل، وامتنع القياس عليه؛ لأنه مقام توعد وخسران، ولا مجال للرأي في مثل ذلك هذا ما أعتقده وأراه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) (٢). وللرجل بعض اللفتات أحيانًا، فنراه مثلًا عند تفسيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] يقول (٣):

стр. 1178

(فإن قيل الجمل المتعاطفة لا بد فيها من المناسبة، وأين هي في إنزال الحديد مع ما قبله؟ فالجواب أن بينهما مناسبة تامة، لأن المقصود ذكر ما يتم به انتظام أمور العالم في الدنيا، حتى ينالوا السعادة في الأخرى، ومن هداه الله من الخواص العقلاء، ينتظم حاله في الدارين بالكتب والشرائع المطهرة، ومن أطاعهم وقلدهم من العامة بإجراء أقوال الشرع العادلة بينهم، ومن تمرد وطغى وقسا، يضرب بالحديد الراد لكل مريد. وإلى الأولين أشار بقوله (وأنزلنا معه الكتاب والميزان)، فجمعهم واتباعهم في جملة واحدة، وإلى الثالث أشار بقوله (وأنزلنا الحديد)، فكأنه قال: أنزلنا ما يهتدي به الخواص، وما يهتدي به أتباعهم، وما يهتدي به من لم يتبعهم. فهي حينئذ معطوفه لا معترضة لتقوية الكلام كما توهم، إذ لا داعي له، وليس في الكلام ما يقتضيه بل فيه ما ينافيه). على أن من المآخذ التي نأخذها عليه، سكوته عن نقد بعض ما ينقل من آراء، وإيراده أقوالًا متناقضة. ففي النموذج الذي أوردناه في تفسير الآية الأولى من سورة النساء في معنى قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، تفهم عبارته أنه يذهب إلى ما ذهب إليه أبو مسلم، ولكنه في آخر العبارة يفهم منه الرأي الآخر. فلا ندري ما الذي يرتئيه الشيخ، وفي نفس الآية يورد أحاديث ظاهرها التعارض، مما يجعل القارئ في حيرة دون توضيح فأولى له أن يبين المراد، أوْ لا يوردها أصلًا. وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] ينقل بحثًا عن إيمان فرعون، فيذكر ما قاله الشهاب، وما نسب للجلال الدواني، وأقوال غيرهما من العلماء، ثم يورد كلامًا لشيخه العطار من كتابه (الفتح المبين) في رد ما اعترض به على الشيخ محيي الدين) يرد ما قال فيه عن ابن عربي بأنه يقول بنجاة فرعون، لقبول توبته، ويقرر الشيخ العطار أن ابن عربي، إنما نظر في المسألة من حيث الدليل، فلا مانع عنده من صحة الدليل على إيمانه، وقبول توبته. ولست في صدد بحث هذه القضية، لكن الذي أقوله أن الشيخ

стр. 1179

القاسمي ﵀، ترك هذه المسألة بعد نقل كلام شيخه دون الإشارة بكلمة أو إبداء رأي. كذلك مما يؤخذ على الرجل استطراده في كثير من الأحيان، بحيث يخرج عن موضوع الآية وإيجازه في كثير من الأحيان، وهذا واضح في تفسيره. وقد يورد بعض الإسرائيليات في تفسيره، وهو ما كنا نتمنى أن لا يتورط فيه الشيخ، وهو كثيرًا ما ينقل عن التوراة والإنجيل وغيرهما، من ذلك ما نراه عند تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: ٢٤٦] الآيات من سورة البقرة، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] من سورة النساء وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] من سورة الإسراء وفي غير هذه المواضع لا يجد الرجل بأسًا من نقل مثل هذه الأخبار، ولعل هذا يبين لنا سر دفاعه عن الثعالبي ﵀ في مقدمة تفسيره. ومن أغرب ما نراه في هذا التفسير -وهو أمرٌ جدير بالبحث والمناقشة- أن شيخنا يردّ أحاديث صحيحة، في مواضع، بينما يحتج بأحاديث واهة في مواضع أخرى، مع أن الشيخ القاسمي من رجال المدرسة السلفية، وكل من يقرأ في تفسيره يدرك هذا بوضوح، فهو كثيرًا ما يذكر فصولًا يبين فيها حقيقة مذهب السلف، كما نرى ذلك عند حديثه عن آيات الصفات، وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] يعقد فصلًا يبين فيه مذهب السلف في كلام الله تعالى: وهذه أمثلة على ما ذكرت: ١ - يظهر انتصاره لمذهب الحنابلة، عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] حيث يورد الرأي القائل بأن الله تعالى يجلس سيدنا محمدًا ﷺ يوم القيامة، معه على عرشه، وأن هذا هو المقام المحمود، وينقل الشيخ اعتراضات الرازي على هذا القول، ولكنه يردها واحدًا واحدًا ردًّا

стр. 1180

لا يخلو من تكلف. هذا مع نقله عن بعض الحفاظ توهين الحديث في هذه المسألة، وليته اكتفى بما أخرجه البخاري في صحيحه (١)، في تفسير هذه الآية من أحاديث مرفوعة، وهو أن المقام المحمود، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة، وهنا يحق لنا أن ندهش لمثل هذا الموقف من الشيخ وأمثاله، فمع أخذه بهذه الرواية الواهية، نراه يرد روايات ثبت صحتها وأقوالًا ذهب إليها الجمهور. ٢ - ومما يستنكر ويدهش له كذلك مخالفته للجمهور، في قضية خطيرة وهي إتيان المرأة في دبرها، فبعد أن يورد الشيخ روايات وآثارًا تبيح ذلك وتجيزه، يتتقد ابن القيم ويقول عنه إنه أول في هذه المسألة، وأن الأحاديث التي استدل بها على التحريم ضعيفة، لا تقوى للاحتجاج بها، ويمكن أن يكون هناك حديث صحيح في هذا الباب (٢). ٣ - يفهم من كلام الشيخ إنكاره لانشقاق القمر، ويخطئ الحافظ ابن كثير في قوله بتواتر حديث انشقاق القمر، ويأتي بكلام كثير حول منكر أحاديث الآحاد. وهكذا نرى الشيخ وأمثاله، يردون الحديث بحجة عدم التواتر، وإذا جاءت الآية صريحة عمدوا إلى تأويلها. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تأثر القاسمي بالإمام محمد عبده رحمهما الله؟ . إذا عرفنا إعجاب القاسمي بالإمام، ورحلته لمصر ليلتقي به، ورأينا كثيرًا من نقوله عنه -فقد نقل فصلًا كاملًا في مقدمته، كما نقل فصولًا تامة من رسالة التوحيد في ثنايا التفسير. إذا عرفنا هذا نستطيع أن نجزم بتأثر القاسمي به إلى حد بعيد، ولعل

стр. 1181

ما يؤكد ذلك تأويله لبعض الآيات، بما يتفق مع تأويل الإمام لها، وعلى سبيل المثال تأويله لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ولكن بعد الشقة، وعظم المسافة وصعوبة الاتصال في ذلك الوقت بينهما، لم يتح له أن يطلع على كل ما قاله الإمام، ولا ننسى الصلة الوثيقة بين القاسمي وبين الشيخ رشيد رضا أهم أعلام مدرسة محمد عبده. تقويم التفسير: وبعد، فهذه لمحات وقبسات وملاحظات من هذا التفسير وعليه، ولا بد من كلمة أخيرة نرجو أن نجانب فيها الهوى والزلل، ونتوخى فيها الإنصاف. إن تقويم كتاب ما، يعتمد أول ما يعتمد على أسلوب كاتبه وآرائه وعلى الموضوع الذي كتب شكلًا ومضمونًا. وقد ورد في (محاسن التأويل) مجموعة تبرز فيها شخصيات متعددة، ويظهر فيها أكثر من طابع واحد، ومن هنا، فتقويم الكتاب إنما هو بقدر ما فيه من تلاؤم بين الأقوال والنقول التي أودعت فيه، والحق أن (القاسمي) كان موفقًا في هذا، وكتابه دائرة معارف، نقرأ فيها أقوال المفسرين، ابتداء من (ابن جرير) إلى الشيخ محمد عبده، ونطلع على آرائهم، وعلى اختلاف اتجاهاتهم ونحلهم، فتتجلى لنا فيه أقوال المعتزلة والمتصوفة والزيدية والأشاعرة، إلى جانب آراء السلف، كما نقرأ فيه لعلماء الحديث واللغة وعلماء الفلك، ونبذة غير قليلة من كتب الديانات الأخرى، كل هذا استطاع (القاسمي) أن يضم بعضه دونما قلق أو تنافر إلى بعض، مع إظهار سلفيته في آيات العقيدة، وحريته في آيات الأحكام، دون التقيد بمذهب ما. والحق أن هذا اللون من التفسير لون ممتع، قل أن يجد الإنسان في قراءته سآمة أو مللًا، و (القاسمي) ليس بدعًا في هذا، فنحن مثلًا لا ننسى (إتقان السيوطي)، وأقرب منه (حاشية العلامة الجمل) على تفسير الجلالين ﵏، ولم نبتعد

стр. 1182

كثيرًا فهذا هو العلامة (الآلوسي) إلا أن الآلوسي ﵀ كانت شخصيته تطغى على كل نقوله، فهو بحجته وغزير قوله وعلمه، ينقد ويرجح، ويضعف، ويصحح، ويناظر ويناقش، ومن هنا كان تفسيره المورد الذي يستغني به الظمآن. لكن (القاسمي) كما رأينا كان أقل خوضًا في المصطلحات العلمية والمناقشات الفنية ولن يعاب في هذا، كما لا يعاب في كثرة نقوله، فكم ترك الأوائل كلمة لقائل. وأخيرًا، فإن تفسير (القاسمي)، حافل بعظيم الفوائد، وكل قارئ ربما يجد فيه بغيته، وجزى الله الرجل خيرًا، فلقد وصلنا بأمانة علمية فائقة بما كتب العلماء الأعلام رحمه الله تعالى ورحمهم.

стр. 1183

التفسير المنهجي التفسير الوسيط للقرآن الكريم والكتاب الذي سأتحدث عنه الآن هو (التفسير الوسيط للقرآن الكريم) للأستاذين الفاضلين الدكتور أحمد الكومي ﵀ رئيس قسم التفسير في كلية أصول الدين سابقًا. والدكتور محمد سيد طنطاوي الأستاذ المساعد في الكلية. لقد وضع هذا التفسير لطلاب كلية أصول الدين، وهي الكلية التي يدرس فيها التفسير دراسة شاملة واسعة، فالدراسة فيها للقرآن الكريم وعلومه تختلف عن الدراسة في أي كلية حتى من كليات الأزهر نفسه، ذلك لأن الكليات الأخرى، تعنى بدراسة جانب من جوانب التفسير، فكلية الشريعة مثلًا تعنى بالجانب الفقهي، وكلية اللغة تعنى بالجانب اللغوي، أما كلية أصول الدين، فإنها والحق يقال، كان لها الفضل والسبق في خدمة القرآن وعلومه، لا من ناحية واحدة فحسب، بل من كل ناحية تمت إلى الدراسات القرآنية بصلة. الأستاذ الدكتور أحمد الكومي ولد الأستاذ الدكتور أحمد السيد الكومي في محافظة البحيرة في مصر، وهي محافظة أنجبت كثيرًا من العلماء الذين ذاع صيتهم واشتهر ذكرهم، لا في مصر وحدها، بل في العالم الإسلامي والعالم كله، وكان الشيخ ﵀ يفخر بهذا، ونفخر دائمًا أن الشيخ محمد عبده ﵀ كان من مواليد هذه المحافظة. ولد الشيخ سنة ١٩١٢ م، ودرس في الأزهر، وحصل على أرفع الشهادات وهي

стр. 1184

شهادة التخصص، وعين مدرسًا في كلية أصول الدين في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، ثم صار رئيسًا لقسم التفسير في الكلية، وكما منَّ الله على الشيخ بالعلم وبخاصة علم كتابة العزيز منَّ كذلك عليه بالخلق الطيب، وألقى محبته في قلوب الذين عرفوه والذين لم يعرفوه ونستطيع أن نقول أن الشيخ ﵀ كان أستاذًا لأجيال متعددة، ولقد كان من القليل الذين أجمع طلاب العلم والمثقفون على محبتهم والإشادة بفضلهم، وإذا كان بعض الناس، قد منَّ الله عليهم بحافظة تميزهم من غيرهم، وبعض الناس قد منَّ عليهم بالتفكير والقدرة على الاستنباط، فلقد أكرم الله الشيخ بهاتين مجتمعتين، ولقد كانت هاتان الميزتان ظاهرتين في حياة الشيخ. ولقد تعجب أيها القارئ الكريم كما عجب من قبلك الكثيرون مما أكرم الله به الشيخ وهو يناقش رسائل الدكتوراه، وقد تستمر المناقشة ثلاث ساعات أو أربع ساعات أو تزيد على هذا، وأذكر أنني قد شرفت بمناقشته رسالتي التي استمرت أربع ساعات ونصف ساعة. لقد كان حاسوبًا قبل أن يظهر الحاسوب، لقد كان الطلاب والأساتذة في جامعة الأزهر وغيرها من الجامعات يأتون ليستمعوا مناقشة الشيخ ... كان يبدأ المناقشة بتحديد السطر والصفحة تحديدًا دقيقًا، وقد تستمر المناقشة ساعات كثيرة - كما قلت من قبل - مع العلم بأن الشيخ ﵀ كان كفيفًا، وتلك نعم الله يختص بها من يشاء. ولقد أكرم الشيخ بطلاب كثيرين هم أساتذة التفسير في الجامعات في البلاد الإسلامية، وكان التدريس ومراجعة الطلاب له، ولقاؤهم في بيته كان كل ذلك يشغله عن التأليف، ومع ذلك فللشيخ كتب مفيدة ﵀ ومن هذه الكتب: ١ - التفسير الموضوعي. ٢ - كتاب في علوم القرآن ورد الشبهات. ٣ - تفسير سورة الفتح.

стр. 1185

٤ - أجزاء في تفسير القرآن الكريم الذي سماه التفسير الوسيط، والذي كتبه مع الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، ثم خرج التفسير بعد ذلك، ليس فيه ذكر للشيخ الكوفي، حتى في مقدمة التفسير، وهذا مما يؤسف له. توفي الشيخ ﵀ سنة ١٩٩١ عن ثمانين سنة، رحم الله الشيخ الكومي رحمة واسعة وجزاه عما قدم للعلم وللقرآن الكريم خير الجزاء، وأسكنه فسيح جنانه، ومنَّ الله على الأمة بأمثال الشيخ أو بما هو قريب منه، وما ذلك على الله بعزيز. منهج هذا التفسير: إن أي منهج لكي يكون ناجحًا، مؤديًا النتيجة التي أنيطت به، موصلًا للغاية التي وضع من أجلها، لا بد من أن يستجمع نواحي ثلاثًا: ١ - حسن العرض مع يسر العبارة وسهولة الأسلوب. ٢ - كون المادة التي عرضت صحيحة وافية منسجمة مع المستوى الذي وضعت به. ٣ - أن تكون خالية من الاستطرادات التي يكون من نتائجها التشويش على القارئ، فتضطرب نفسه وتتشعب أفكاره. وسنتعرف إلى هذه الجوانب الثلاثة في هذا التفسير، كي نستطيع أن نحكم عليه. ١ - حسن العرض ويسر العبارة: أما حسن العرض فيبدو واضحًا في هذا التفسير إذا استعرضنا فواتح السور التي جاءت فيه. فعند سورة الفاتحة، يذكر أمورًا خاصة في السورة قبل تفسيرها، كوقت نزولها وأسمائها وفضلها، ثم يبدأ في تفسيرها آية آية. وعند تفسير سورة البقرة، يذكر خلاصة للسورة، فيها إلمامه مفيدة عن

стр. 1186

الموضوعات التي ذكرت فيها. وعند تناوله للآيات يذكر المعنى الإجمالي للآية أو الآيات، ثم يبدأ التفسير التفصيلي بعرض لما اشتملت عليه الآية أو الآيات من مباحث لغوية، إفرادًا وتركيبًا، ومباحث فقهية بقدر ما تدعو الحاجة، وأقوال المفسرين، وما يستنبط من الآية من حكم ومواعظ، وعرض مثل هذا لا يجد فيه الطالب والقارئ عنتًا وعناء. إن حسن العرض من أعظم المشوقات، في كل ما يكتب ويقال بعامة، وفي كتابة التفسير بخاصة، ولقد كان الأستاذان الفاضلان، والحق يقال، موفقين كل التوفيق في عرضهما للمادة على تشعيب فنونها. أما يسر العبارة وسهولة الأسلوب، فهما أمران ظاهران في هذا التفسير، وسيبدو هذا واضحًا حينما نعرض لبعض النماذج من هذا التفسير إن شاء الله. ٢ - شمول المادة وصحتها: إن القارئ لهذا التفسير، يدرك أن المادة التي عرضت فيه، امتازت بميزتين اثنتين، وهما الشمول والصحة. أما الشمول فلا يفوت الأستاذين أي مبحث، من المباحث الضرورية لفهم الآية وتفسيرها، فهذا مثلًا قول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، يعرض في تفسيره لمعنى الختم والقلب، وسر جمع القلوب والأبصار وإفراد السمع، ونكتة البدء بالجملة الفعلية أولًا والاسمية ثانيًا، هذا من الناحية اللغوية. وربما يحتاج الأمر إلى تحقيق تاريخي، كما نجد هذا عند قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]. وأما صحة المادة، وأعني بها عدم الخروج في تأويل الآية عن مدلولها إلى تأويلات بعيدة غريبة، يظهر هذا عند تفسيرهما للآيات، التي تتحدث عن معجزات الأنبياء، كفرق البحر، وبعث بني إسرائيل بعد موتهم، والحديث عن السحر والنسخ.

стр. 1187

٣ - عدم الاستطراد: إنّ عدم الاستطراد من أعظم ميزات هذا التفسير، فإن القارئ له لا يشعر أبدًا، أنه خرج من جو التفسير إلى جو آخر، كما نجد ذلك في كثير من التفاسير، وجميل للأستاذين يعترف به كل قارئ أنهما يحيلان إذا اقتضى الأمر، على العلوم الخاصة بالبحث المتحدث عنه، فعند تفسيرهما لـ (بسم الله الرحمن الرحيم) لا يستطردان في ذكر التفريعات الفقهية واختلاف المذاهب، بل يحيلان القارئ على كتب الفقه وكذلك عند معنى الختم على القلوب، يحيلان القارئ على كتب علم الكلام، وبهذا لا يخرجان عن صلب التفسير ودائرته. هذه أهم مميزات المنهج القويم، نجدها قد توفرت لهذا التفسير، ولا بد من استعراض بعض النماذج حتى نتبين هذه الخصائص عن كثب. نماذج من التفسير: ١ - من سورة الفاتحة: (والمراد بقوله تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير في سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله في كل وقت لكي يثبته على الهداية، ويزيده منها ويعينه عليها، وقد أمر المؤمنين أن يقولوا ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وجملة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من الصراط المستقيم. ولم يقل (اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم) مستغنيًا عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل على أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم. وقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين؛ ليدل على أن الدين في ذاته نعمة عظيمة، ويكفي للدلالة على عظمتها إسنادها إليه تعالى في قوله ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، لأن المراد بالإنعام هنا - على الراجح - الإنعام

стр. 1188

الديني، فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به) (١). ٢ - تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [ البقرة: ٧]: بعد بيان معاني الكلمات قالا (٢): (فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل، أي هناك حواجز حصينة وأقفالًا متينة وغشاوات مطبقة، قد ضربت على أسماعهم وعلى قلوبهم، حتى أصبحوا لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير. وعبر في جانب القلب والسمع بالختم، وفي جانب البصر بالغشاوة، لمعنى سام وحكمة رائعة، ذلك أن آفة البصر معروفة، إذ غشاوة العين معروفة لنا، فالتعبير في جانب العين بالغشاوة، مما يحدد لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات الله بتلك الجارحة، وأما القلب والسمع فإنهما لما كانا لا تدرك آفتهما إلا بصعوبة، فقد صور لنا موانعهما عن الاستجابة للحق بصورة الختم. وعبر عن جانب القلب والسمع بجملة فعلية تفيد التجدد والحدوث، وفي جانب البصر بجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار، لأنهم قبل الرسالة ما كانوا يسمعون صوت نذير، ولا يواجهون بحجة، وإنما كان صوت النذير وصياغة البراهين بعد ظهور النبي ﷺ ، وأما ما يدرك بدلائل البصر من دلائل وجود الله وآيات قدرته، فقد كان قائمًا في السماوات والأرض وفي الأنفس، ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية، وأن يستدل به المتبصرون والمتدبرون على وجود ربهم وحكمته، فلم يكن عماهم عن آيات الله القائمة حادثًا متجددًا، بل هم قد صحبهم العمى من بدء وجودهم، فلما دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ما كانوا عليه من عمى. وجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع، لأن القلوب تختلف باختلاف مفاد ما تفهمه، مما يلقي إليها من إنذار أو تبشير، ومن حجة أو دليل، فكان عن ذلك تعدد

стр. 1189

القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم وكذلك شأن الناس فيما تنتظمه أبصارهم من آيات الله في كونه، فإن أنظارهم تختلف في عمق تدبرها وضحولته، فكان من ذلكم تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستنبطون من آيات الله في الآفاق، وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعًا شيء واحد، هي الحجة يناديهم بها المرسلون، والدليل يوضحه لهم النبيون. لذلك كان الناس جميعًا كأنهم على سمع واحد، فكان إفراد السمع إيذانًا من الله بأن حجته واحدة، ودليله واحد لا يتعدد. ونرى القرآن هنا قدم القلب في الذكر على السمع، بينما في سورة الجاثية قدم السمع في الذكر على القلب فقال ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ذلك لأنه سبحانه في سورة الجاثية، قد ذكر الختم معطوفًا على قوله ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ومن اتخذ إلهه هواه، يكون أول ما يبدو منه للناس ويعرف، هو إعراضه عن النصح ولى رأسه عن استماع الحجة، فكان مظهر عدم السماع منه أول ما يبدو للناظرين، فلذلك قدم السمع على القلب، وأما آيتنا هذه ... فقد جاءت إثر الآية المختومة بقوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والإيمان تصديق يقوم على الحجة والبرهان، وإدراك الحجة والبرهان إنما هو في القلب، فكان التعليل المتصل الواضح لنفي الإيمان، أن قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها الحجة، ولا يترسب إليها نور البرهان، لذلك قدم القلب على السمع)، وهذا كلام لا يرتاب أيّ قارئ في أنّه للأستاذ الشيخ أحمد سيد الكومي ﵀ لأنه شذرات عن سمو في الفهم وقوة استنباط يكرم الله بهما من يشاء. ٣ - الشفاعة: وعند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] تحدثا عن الشفاعة فقالا: (الضمير في (منها) يعود إلى النفس المحاسبة في ذلك اليوم، والشفاعة: من الشفع ضد الوتر، وهي انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه، أي

стр. 1190

لا يقبل منها أن تأتي بشفيع ليحصل لها نفعًا، أو يدفع عنها ضررًا، والآية الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفيًا مطلقًا، ولكن هناك آيات كريمة تنفي قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن في ذلك من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. وللجمع بين هذه الآيات تحمل الآيات التي تنفي الشفاعة نفيًا مطلقًا، على أنها واردة في شأن النفس الكافرة، وتحمل الآيات التي تبيح الشفاعة على أنها واردة في شأن المؤمنين، إذا أذن الله فيها للشافعين، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي، في أن النبي ﷺ ستكون له شفاعة، في دفع العذاب عن أقوام مؤمنين، وتخفيفه عن أهل الكبائر من المسلمين، من ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت أنا إلى الناس عامة). قال الإمام ابن جرير (وهذه الآية وإن كان مخرجها عامًا في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وأنه قال ليس من نبي: إلا وقد أعطي دعوة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئًا. فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين، بشفاعة نبينا محمد ﷺ لهم، عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله (١).

стр. 1191

٤ - حكمة التكرار في آيات القبلة: وهنا سر بديع يبينانه في الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، حيث يقولان: (وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده، لأن تحول القبلة كان أول نسخ في الإسلام - كما قال كثير من العلماء، فاقتضى الأمر تأكيده حتى يرسخ في نفوس المؤمنين، ويستقر في مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج الرياح. ولأن الله تعالى، أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر، فاختلفت فوائدها فكأنّه سبحانه يقول لنبيه وللمؤمنين: (الزموا هذه القبلة لأنها هي التي ترضونها وترغبون فيها وطالما تمنيتموها، والزموها أيضًا لأنها هي القبلة التي تنسخ بعد ذلك، والزموها كذلك لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين وغيرهم من المعاندين الخاسرين) (١). ٥ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤١ - ٤٣] جاء في تفسيرها:

стр. 1192

وردت أحاديث متعددة في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، ومن ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم. إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها. فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (١). وروى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: مَرَّ رسول الله ﷺ على يهودي محمم مجلود - أي قد وضع الفحم الأسود على وجهه للتنكيل به -. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا والله. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ... فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد - مكان الرجم -. فقال النبي ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال: فأمر به فرجم. قال: فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ ... ﴾ (٢). وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وأولئك هم الظالمون .. وأولئك هم الفاسقون). قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد قهرت

стр. 1193

الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا. وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ . فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق. فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا خوفًا منكم، فأما إذ قدم محمد ﷺ فلا نعطيكم. فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ حكمًا بينهم. ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم. ولقد صدقوا. ما أعطونا هذا إلا خوفًا منا. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه. إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم لا تحكموه. فدسّوا إلى رسول الله ﷺ ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله ﷺ فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ .. ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). قال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بما يوافق حكم التوراة. وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله -تعالى- إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: (إن أوتيتم هذا فخذوه) أي: إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه (وإن

стр. 1194

لم تؤتوه فاحذروا، أي: وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه) (١). وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التي وردت في سبب نزول هذه الآيات، نراها جميعها قد وردت بأسانيد صحيحة وفي كتب السنة المعتمدة، وأن بعضها قد حكى أن الآيات نزلت في شأن القضية التي تحاكم فيها اليهود إلى النبي ﷺ وبعضها قد حكى أنها نزلت في قضية دماء. ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فقد يكون هذان السببان قد حصلا في وقت واحد، أو متقارب، فنزلت هذه الآيات فيهما معًا. وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات. هذا، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله -تعالى- لرسوله ﷺ فقال -سبحانه-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ... ﴾ [المائدة: ٤١]. قال القرطبي: قوله -تعالى- (لا يحزنك) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي. والحزن خلاف السرور. ويقال: حزن الرجل -بالكسر- فهو حزين وحزين .. ) (٢). والمعنى: يا أيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك: لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين، وبأولئك اليهود الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة، ويقولون بأفواههم آمنا بك وصدقناك، مع أن قلوبهم خالية من الإيمان، ومليئة بالنفاق والفسوق والعصيان ... لا تهتم -أيها الرسول الكريم- بهؤلاء جميعًا فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرهم. وفي ندائه ﷺ بعنوان الرسالة: (يا أيها الرسول .. ) تشريف له وتكريم،

стр. 1195

وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة الله، دون أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين، أو كفر الكافرين، فإن تكاليف الرسالة تحتم عليه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم. والنهي عن الحزن - وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه - المراد به هنا: النهي عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، وتعز السلوى. وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول ﷺ ، وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها. وفي التعبير بقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ .. ﴾ ذم لهم على انحدارهم في دركات الكفر بسرعة من غير أناة ولا تدبر ولا تفكر، فهم يتنقلون بحركات سريعة في ثنايا الكفر ومداخله دون أن يزعهم وازع من خلق أو دين. قال صاحب الكشاف: يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد بمعنى: وقع فيه سريعًا. فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها) (١). وقال أبو السعود: والمسارعة في الشيء: الوقوع فيه بسرعة ورغبة. وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك ... ) (٢). وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. بيان لأولئك المسارعين في الكفر، والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة. وقوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿قَالوا﴾. وقوله: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾،
следующие страницы →