٤ - حكمة التكرار في آيات القبلة:
وهنا سر بديع يبينانه في الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، حيث يقولان: (وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده، لأن تحول القبلة كان أول نسخ في الإسلام - كما قال كثير من العلماء، فاقتضى الأمر تأكيده حتى يرسخ في نفوس المؤمنين، ويستقر في مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج الرياح. ولأن الله تعالى، أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر، فاختلفت فوائدها فكأنّه سبحانه يقول لنبيه وللمؤمنين: (الزموا هذه القبلة لأنها هي التي ترضونها وترغبون فيها وطالما تمنيتموها، والزموها أيضًا لأنها هي القبلة التي تنسخ بعد ذلك، والزموها كذلك لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين وغيرهم من المعاندين الخاسرين) (١).
٥ - قوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤١ - ٤٣] جاء في تفسيرها:
стр. 1192
وردت أحاديث متعددة في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، ومن ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم. إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها.
فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما.
فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (١).
وروى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: مَرَّ رسول الله ﷺ على يهودي محمم مجلود - أي قد وضع الفحم الأسود على وجهه للتنكيل به -.
فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا والله. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه.
وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ... فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد - مكان الرجم -.
فقال النبي ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال: فأمر به فرجم. قال: فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ ... ﴾ (٢).
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وأولئك هم الظالمون .. وأولئك هم الفاسقون).
قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد قهرت
стр. 1193
الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا. وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ . فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق. فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا خوفًا منكم، فأما إذ قدم محمد ﷺ فلا نعطيكم. فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ حكمًا بينهم. ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم. ولقد صدقوا. ما أعطونا هذا إلا خوفًا منا. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه. إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم لا تحكموه. فدسّوا إلى رسول الله ﷺ ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله ﷺ فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ .. ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
قال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بما يوافق حكم التوراة. وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله -تعالى- إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: (إن أوتيتم هذا فخذوه) أي: إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه (وإن
стр. 1194
لم تؤتوه فاحذروا، أي: وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه) (١).
وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التي وردت في سبب نزول هذه الآيات، نراها جميعها قد وردت بأسانيد صحيحة وفي كتب السنة المعتمدة، وأن بعضها قد حكى أن الآيات نزلت في شأن القضية التي تحاكم فيها اليهود إلى النبي ﷺ وبعضها قد حكى أنها نزلت في قضية دماء. ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فقد يكون هذان السببان قد حصلا في وقت واحد، أو متقارب، فنزلت هذه الآيات فيهما معًا. وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات.
هذا، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله -تعالى- لرسوله ﷺ فقال -سبحانه-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ... ﴾ [المائدة: ٤١].
قال القرطبي: قوله -تعالى- (لا يحزنك) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي. والحزن خلاف السرور. ويقال: حزن الرجل -بالكسر- فهو حزين وحزين .. ) (٢).
والمعنى: يا أيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك: لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين، وبأولئك اليهود الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة، ويقولون بأفواههم آمنا بك وصدقناك، مع أن قلوبهم خالية من الإيمان، ومليئة بالنفاق والفسوق والعصيان ... لا تهتم -أيها الرسول الكريم- بهؤلاء جميعًا فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرهم.
وفي ندائه ﷺ بعنوان الرسالة: (يا أيها الرسول .. ) تشريف له وتكريم،
стр. 1195
وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة الله، دون أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين، أو كفر الكافرين، فإن تكاليف الرسالة تحتم عليه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم.
والنهي عن الحزن - وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه - المراد به هنا: النهي عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، وتعز السلوى. وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول ﷺ ، وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها.
وفي التعبير بقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ .. ﴾ ذم لهم على انحدارهم في دركات الكفر بسرعة من غير أناة ولا تدبر ولا تفكر، فهم يتنقلون بحركات سريعة في ثنايا الكفر ومداخله دون أن يزعهم وازع من خلق أو دين.
قال صاحب الكشاف: يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد بمعنى: وقع فيه سريعًا. فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها) (١).
وقال أبو السعود: والمسارعة في الشيء: الوقوع فيه بسرعة ورغبة. وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك ... ) (٢).
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. بيان لأولئك المسارعين في الكفر، والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة.
وقوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿قَالوا﴾. وقوله: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾،
стр. 1196
جملة حالية من ضمير ﴿قَالوا﴾.
وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ... ﴾. وعليه فيكون الذين هادوا داخلين في الذين يسارعون في الكفر.
أي إن المسارعين في الكفر فريقان: فريق المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الاسم واشتركوا مع المنافقين في نفاقهم والمعنى: لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإيمان على أطراف ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه.
وعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله -تعالى- ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ويكون ما بعده وهو قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ... إلخ﴾ من أوصاف الفريقين معًا. لأنهم مشتركون في المسارعة في الكفر.
ومنهم من يرى أن قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ جملة مستأنفة لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود، وأن قوله -تعالى- بعد ذلك ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ... إلخ﴾ من أوصاف هؤلاء اليهود، وأن الكلام قد تم عند قوله -تعالى-: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. وأن البيان بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ .. ﴾ لفريق المنافقين.
قال الفخر الرازي قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ ذكر الفراء والزجاج ها هنا وجهين:
الأول: أن الكلام إنما يتم عند قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ثم يبدأ الكلام من قوله:
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ وتقدير الكلام لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود. ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين للكذب.
стр. 1197
الثاني: أن الكلام تم عند قوله -تعالى-: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ثم يبدأ من قوله: (ومن هادوا سماعون للكذب). وعلى هذا التقدير فقوله (سماعون) صفة محذوف. والتقدير: (ومن الذين هادوا قوم سماعون) (١).
قال الجمل: الأولى والأحسن أن يكون قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ معطوفًا على البيان وهو قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا .. ﴾ فيكون البيان بشيئين المنافقين واليهود. أما على القول الثاني فيكون البيان بشيء واحد وهو المنافقون) (٢).
وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفتان أخريان لأولئك الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة.
وقوله (سماعون) جمع سماع. وهو صيغة مبالغة جيء بها لإفادة أنهم كثيرو السماع للكذب، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة في الاستماع إليه من رؤسائهم وأحبارهم، ومن هم على شاكلتهم في العناد والضلال.
واللام في قوله: (للكذب) للتقوية أي: أنهم يسمعون الكذب كثيرًا سماع قبول وتلذذ، ويأخذونه ممن يقوله من أعداء الإسلام على أنه حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها.
وقيل إن اللام للتعليل أي أنهم كثيرو السماع لكلام الرسول ﷺ ولأخباره من أجل الكذب عليه، عن طريق تغيير وتبديل ما سمعوه، على حسب ما تهواه نفوسهم المريضة.
وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ بيان لمسلك آخر من مسالكهم الخبيثة بعد بيان احتفالهم بالأخبار الكاذبة وتقبلها بفرح وسرور.
أي: إن هؤلاء المسارعين في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم أنهم
стр. 1198
كثيرو السماع للأكاذيب التي يروجها أعداء الدعوة الإسلامية ضدها. وكثيرو السماع والقبول والاستجابة لما يقوله عنها قوم آخرون من أعدائها لم يحضروا مجالس الرسول ﷺ تكبرًا وعتوًا.
ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كثيرو السماع للكذب عن محبة ورغبة، وأنهم كثيرو السماع لما يقوله الرسول ﷺ لينقلوه إلى قوم آخرين - من أشباههم في الكفر والعناد - ولم يحضروا مجالس الرسول ﷺ أنفة وبغضًا. فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بفساد بواطنهم، حيث استحبوا الكذب على الصدق، كما وصفهم بضعف نفوسهم، حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم، ويبلغونهم أخبار المسلمين، فهم عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر والنفاق.
وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله: ومعنى: (سماعون للكذب): قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه. من قولك: الملك يسمع كلام فلان، ومنه سمع الله لمن حمده.
وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يعني اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله ﷺ وتجافوا عنه، لما فرط فيهم من شدة البغضاء، وتبالغ من العداوة. أي: قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك. وقيل: سماعون إلى رسول الله ﷺ لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيونًا ليبلغوهم ما سمعوا منه) (١).
وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. صفة أخرى للقوم الآخرين الذين لم يأتوا إلى مجالس الرسول ﷺ أنفة وبغضًا. أو للمسارعين في الكفر من الفريقين.
стр. 1199
وقوله: (يحرفون) من التحريف وأصله من الحرف، وهو طرف الشيء. ومعناه إمالة الكلام عن معناه، وإخراجه عن أطرافه وحدوده. والكلم: اسم جنس جمعي للفظ كلمة ومعناه الكلام.
أي إن هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورًا منك، أو هم والمسارعون في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف جنس الكلم عن مواضعه، فهم يحرفون كلامك يا محمد، ويحرفون التوراة، ويحرفون معاني القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم، ويحرفون الحق الذي جئت به تارة تحريفًا لفظيًا، وتارة تحريفًا معنويًا، وتارة بغير ذلك من وجوه التحريف والتبديل.
وقوله: (من بعد مواضعه)، أي: يحرفون الكلم من بعد استقرار مواضعه وبيان حلالها وحرامها. وعبر هنا بقوله: (من بعد مواضعه)، وفي مواطن أخرى بقوله (عن مواضعه) لأن المقام هنا للحديث عن الأحكام المستقرة الثابتة التي حاول أولئك المسارعون في الكفر تغييرها وإحلال أحكام أخرى محلها تبعًا لأهوائهم - كما حدث في قضية الزنا وفي غيرها من القضايا التي تحاكموا فيها إلى رسول الله ﷺ ، فكان من المناسب هنا التعبير بقوله: (من بعد مواضعه) أي: من بعد استقرار مواضعه وثبوتها ثبوتًا لا يقبل التحريف أو التغيير أو الإهمال.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ بيان لما نطقت به أفواه أولئك الذين لم يحضروا مجالس رسول الله ﷺ من مكر وخداع وضلال ...
أي: إن أولئك القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلس رسول الله ﷺ عنادًا وتكبرًا، لم يكتفوا بتحريف الكلم عن مواضعه هم وأشياعهم، بل كانوا إلى جانب ذلك يقولون لمطاياهم السامعين منهم أو السامعين لأجلهم: يقولون لهم عندما أرسلوهم إلى الرسول ﷺ ليحكم بينهم (إن أوتيتم هذا فخذوه) أي: إن أفتاكم محمد ﷺ بمثل هذا الذي نفتيكم به - كالجلد والتحميم بدل الرجم - فاقبلوا حكمه وخذوه واعملوا به (وإن لم تؤتوه فاحذروا) أي: وإن أفتاكم بغير ما أفتيناكم
стр. 1200
به فاحذروا قبول حكمه، وإياكم أن تستجيبوا له، أو تميلوا إلى ما قاله لكم.
واسم الإشارة هذا في قوله: (يقولون إن أوتيتم هذا) يعود إلى القول المحرف الذي تواضع أحبار اليهود على الإفتاء به تبعًا لأهوائهم، كما حدث منهم في قضية الزنا حيث غيروا حكم الرجم بحكم آخر هو الجلد والتحميم ...
وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف، إشارة إلى تخوفهم الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله ﷺ ، فهم يحذرونهم بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل.
وقوله: (إن أوتيتم) مفعول لقوله: (يقولون). واسم الإشارة (هذا)، مفعول ثان لأوتيتم، والأول نائب الفاعل، وقوله: (فخذوه) جواب الشرط ثم بين -سبحانه- سوء عاقبتهم فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ومن يقض الله بكفره وضلاله، فلن تملك له - أيها الرسول الكريم - شيئًا من الهداية لتدفع بها ضلاله وكفره. أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة لم يرد الله -تعالى- أن يطهر قلوبهم من النفاق والضلال؛ لأنهم استحبوا العمى على الهدى، (لهم في الدنيا خزي) أي: فضيحة وهوان بسبب ظهور كذبهم، وفساد نفوسهم، وانتشار تعاليم الإسلام التي يحاربونها ويشيعون الأباطيل حولها وحول من جاء بها ﷺ .
(ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وهو خلودهم في النار بسبب اجتراحهم السيئات، ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة.
ثم كشف -سبحانه- عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال -تعالى-: (سماعون للكذب أكالون للسحت .. ).
والسحت: هو كل ما خبث كسبه، وقبح مصدره، كالتعامل بالربا، وأخذ
стр. 1201
الرشوة وما إلى ذلك من وجوه الكسب الحرام. وقد بسط الإمام القرطبي هذا المعنى فقال: والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة.
قال -تعالى- (فيسحتكم بعذاب) أي: - فيهلككم ويستأصلكم بعذاب - ويقال للحالق: أسحت أي استأصل. وقال الفراء: أصل السحت كلب الجوع. يقال رجل مسحوت المعدة: أي أكول فكائن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطي مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم.
وعن النبي ﷺ أنه قال: (كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به (قالوا يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم).
وقال بعضهم: من السحت أن يأكل الرجل بجاهه. وذلك بأن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها (١).
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم -أيضًا- أنهم كثيرو السماع للكذب، وكثيرو الأكل للمال الحرام بجميع صوره وألوانه. ومن كان هذا شأنه فلا تنتظر منه خيرًا، ولا تؤمل فيه رشدًا.
وقوله: (سماعون ... ) خبر لمبتدأ محذوف أي: هم: سماعون. وكرر تأكيدًا لما قبله، وتمهيدًا لما بعده وهو قوله: (أكالون للسحت).
وجاءت هاتان الصفتان - سماعون وأكالون - بصيغة المبالغة، للإيذان بأنهم محبون حبًا جمًا لما يأباه الدين والخلق الكريم، فهم يستمرئون سماع الباطل من القول، كما يستمرئون أكل أموال الناس بالباطل.
وإن اليهود بصفة خاصة قد اشتهروا في كل زمان بتقبل السحت، وقد أرشد الله -تعالى- نبيه إلى ما يجب عليه نحوهم إذا ما تحاكموا إليه فقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
стр. 1202
أي: فإن جاءوك هؤلاء اليهود متحاكمين إليك - يا محمد - في قضاياهم، فأنت مخير بين أن تحكم بما أراك الله، وبين أن تتركهم وتهملهم وتعرض عنهم (وإن تعرض عنهم) فيما احتكموا فيه إليك، فقدوا مضرتك، وإيذاءك فلا تبال بشيء من كيدهم؛ لأن الله حافظك وناصرك عليهم، وإن اخترت الحكم في قضاياهم، فليكن حكمك بالعدل الذي أشرت به؛ لأن الله - تعالى - يحب العادلين في أحكامهم.
والفاء في قوله: (فإن جاءوك ... ) للإفصاح أي: إذا كان هذا حالهم وتلك صفاتهم، فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من خصومات (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم).
وجاء التعبير بأن المفيدة للشك مع أنهم قد جاءوا إليه للإيذان بأنهم كانوا مترددين في التحاكم إليه ﷺ ، وأنهم ما ذهبوا إليه إلا ظنًّا منهم بأنه سيحكم فيهم بما يتفق مع أهوائهم، فلما حكم فيهم بما هو الحق كبتوا وندموا على مجيئهم إليه.
قال أبو السعود: وقوله: (وإن تعرض عنهم ... ) بيان لحال الأمرين إثر تخييره ﷺ بينهما. وتقديم حال الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه، حيث كان مظنة الضرر، لما أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم شق ذلك عليهم، فتشتد عداوتهم ومضارتهم له، فأمنه الله بقوله: (فلن يضروك شيئًا)، من الضرر (١).
وكان التعبير بإن أيضًا في قوله ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ... ﴾ للإشارة بأنه ﷺ ليس حريصًا على الحكم بينهم، بل هو زاهد فيه؛ لأنهم ليسوا طلاب حق وإنصاف، بل هم يريدون الحكم كما يهوون ويشتهون، والدليل على ذلك أن التوراة التي بين أيديهم فيها حكم الله، إلا أنهم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مؤملين أن يقضي بينهم بغير ما أنزل الله، فيشيعوا ذلك بين الناس، ويعلنوا عدم صدقة في نبوته، فلما حكم بما أنزل الله خاب أملهم وانقلبوا صاغرين.
стр. 1203
وقوله: (إن الله يحب المقسطين) تذبيل مقرر لما قبله من وجوب الحكم بينهم بالعدل، إذا ما اختاروا أن يقضي بينهم.
يقال: أقسط الحاكم في حكمه، إذا عدل وقضى بالحق، فهو مقسط أي عادل ومنه قوله -تعالى- (إن الله يحب المقسطين).
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا) (١).
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتي:
١ - أن أكل السحت حرام سواء أكان عن طريق الرشوة أم عن أي طريق محرم سواها.
ولقد كان السابقون من السلف الصالح يتحرون الحلال. وينفرون من الحرام، بل ومن الشبهات (وكانوا يرون أن تأييد الحق ودفع الباطل واجب عليهم، وأنه لا يصح أن يأخذوا عليه أجرًا ...
قال ابن جرير: شفع مسروق لرجل في حاجة فأهدى إليه جارية فغضب مسروق غضبًا شديدًا وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك، ولا أكلمه فيما بقي من حاجتك. سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليرد بها حقًّا، أو يرفع بها ظلمًا، فأهدى له، فقبل، فهو سحت .. ).
وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به. قيل يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم).
وعن الحكم بن عبد الله قال: قال لي أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إياك والرشوة فإنها سحت. وكان أبوه على شرط المدينة) (٢).
стр. 1204
قال بعض العلماء: والرشوة قد تكون في الحكم وهي محرمة على الراشي والمرتشي. وقد روى أنه ﷺ لعن الراشي والمرتشي والذي يمشي بينهما لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقًا من جهة أنه قبل الرشوة على أن يحكم بما يعرض عليه الحكم به. وإن حكم بالباطل كان فاسقًا من جهة أنه أخذ الرشوة. ومن جهة أنه حكم بالباطل.
وقد تكون الرشوة في غير الحكم مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه. فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محرمة على معطيها. فقد روى عن الحسن أنه قال: لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه). وروى عن جابر بن زيد والشعبي أنهما قالا: (لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم).
وقد ورد أنه ﷺ حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا الجزيلة، أعطى العباس بن مرداس أقل من غيره، فلم يرق ذلك للعباس وقال شعرًا يتضمن التعجيب من هذا التصرف. فقال ﷺ (اقطعوا لسانه). فزادوه حتى رضي، فهذا نوع من الرشوة رخص فيه السلف لدفع الظلم عن نفسه يدفعه إلى ما يريد ظلمه أو انتهاك عرضه) (١).
٢ - استدل بعض العلماء بقوله -تعالى- فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، على أن الرسول ﷺ كان مخيرًا في الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم، وأن حكم التخيير غير منسوخ لأن ظاهر الآية يفيد ذلك.
ويرى فريق من العلماء ان هذا التخيير قد نسخ بقوله -تعالى- بعد ذلك (وأن احكم بينهم بما أنزل الله). قالوا: النبي ﷺ كان أولًا مخيرًا، ثم أمر بعد ذلك بإجراء الأحكام عليهم.
وقد رد القائلون بثبوت التخيير على القائلين بالنسخ بأن التخيير ثابت بهذه الآية.
стр. 1205
أما قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فهو بيان لكيفية الحكم عند اختياره له ويرى فريق ثالث من العلماء: أن التخيير ورد في المعاهدين الذين ليسوا من أهل الذمة كبني النضير وبني قريظة، فهؤلاء كان الرسول ﷺ مخيرًا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ورد في أهل الذمة الذين لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وعلى هذا فلا نسخ في الآية.
قال الآلوسي: قال أصحابنا: أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإنهم يقرون عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين ... واختلف في مناكحتهم. فقال أبو حنيفة: يقرون عليها وخالفه - في بعض ذلك - محمد وزفر. وليس لنا عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا، فمتى تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم. وتمام التفصيل في الفروع.
٣ - أخذ العلماء من هذه الآية - أيضًا - أن الحاكم ينفذ حكمه فيما حكم فيه؛ لأن اليهود حكّموا رسول الله ﷺ في بعض قضاياهم، فحكم فيهم بما أنزل الله، ونفذ هذا الحكم عليهم.
٤ - قال بعضهم: "إنه ﷺ قد حكم بينهم بشريعة موسى ﵇ ولكن هذا الحكم كان قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين، وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأي حاكم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية لا فرق بين المسلمين وغيرهم".
هذا، وبعد أن وصف الله تعالى اليهود وأشباههم بجُملة من الصفات القبيحة، وخير رسوله ﷺ بين أن يحكم فيهم بشرع الله وبين أن يعرض عنهم ... بعد كل ذلك أنكر عليهم مسالكهم الخبيثة، وعجب كل عاقل من حالهم فقال تعالى:
стр. 1206
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].
أي: إن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب، لأنهم يحكمونك -يا محمد- في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك. ومع أن كتابهم التوراة قد ذكر حكم الله صريحا واضحًا فيما يحكمونك فيه.
فالاستفهام في قوله: "وكيف يحكمونك" للتعجب من أحوالهم، حيث حكّموا من لا يؤمنون به، في قضية حكمها بين أيديهم، ظنًّا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه، مما يرضي أهواءهم وشواتهم.
وقوله: "وعندهم التوراة" جملة حالية من الواو في "يحكمونك" والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت "فيها حكم الله" ما موضعه من الإعراب؟ قلت: إما أن ينتصب على أنه حال من التوراة. وهي مبتدأ والخبر (عندهم)، وإما أن يرتفع خبرًا عنها كقولك: وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله. وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبنية؛ لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره؟ (١)
وقوله "ثم يتولون من بعد ذلك" معطوف على "يحكمونك".
وجاء العطف بثم المفيدة للتراخي، للإشارة إلى التفاوت الكبير بين ما في التوراة من حق، وبين ما هم عليه من باطل ومخادعة.
واسم الإشارة "ذلك" يعود إلى حكم الله الذي في التوارة، والذي حكم به النبي ﷺ .
أي: كيف يحكّمونك يا محمد في قضاياهم والحال أنهم عندهم التوارة فيها
стр. 1207
حكم الله واضحًا فيما تحاكموا إليك فيه، ثم هم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما قضى الله به في كتابهم التوراة.
وقوله: (وما أولئك بالمؤمنين)، تذييل مقرر لمضمون ما قبله. ونفى الإيمان عنهم مع حذف متعلقه لقصد التعميم.
أي: وما أولئك الذين جاءوك يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا بكتابهم التوراة؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين به لنفذوا أحكامه، ولا بك يا محمد؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بك لاستجابوا لك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه.
قال الفخر الرازي: قوله -تعالى-: (وكيف يحكمونك ... الخ): هذا تعجيب من الله لنبيه ﵊ بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني، ثم تركهم قبول ذلك الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكمًا حقًّا إلى ما يعتقدونه باطلًا، طلبًا للرخصة. فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه: أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم. والثاني: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل. والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه. فبين الله حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله، ومن المحافظين على أمر الله) (١).
واعذرني أيها القارئ أن أطلت النقل إذ إن الكلام متّصل بعضه ببعض، إذ الآيات لم تُفَسَّر نجمًا نجمًا، وهذا النجم قد يكون آيتين أو ثلاثًا أو أكثر من ذلك.
وأنت ترى من خلال ما نقلته لك أن الشيخ كانت له عناية:
١ - بأسباب النزول، حيث ذكرت بعض الروايات في نزول هذه الآيات، ورجح بينها.
٢ - وبالمناسبات بين الآيات القرآنية.
стр. 1208
٣ - ببيان أسرار التعبير القرآني، رأينا ذلك عند قوله تعالى (يسارعون في الكفر) حيث ذكر المفسر سر التعبير بـ (في) بدلًا من (إلى)، وقوله هنا (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) وفي موطن آخر (عن مواضعه) وسر التعبير بـ (إن) في أكثر من موضع (وإن تعرض عنهم) (وإن حكمت) وسر مجيء (سماعون وأكالون) بصيغة المبالغة.
٤ - بذكر القراءات القرآنية وتوجيهها إن لزم الأمر.
٥ - بالقضايا النحوية فقد تحدث المفسر عن موقع قوله (ومن الذين هادوا) ونقل أقوال المفسرين في ذلك، وما يترتب على هذا الاختلاف في المسارعين في الكفر أهم فريقان أم فريق واحد، ومن ذلك حديثه عن إعراب (إن أوتيتم هذا فخذوه).
٦ - ببيان معاني الألفاظ القرآنية، وقد رأينا ذلك عند بيانه لمعنى معنى الحزن والمسارعة والتحريف والسحت.
٧ - وهو -كما قلت من قبل- ينقل كثيرًا عن المفسرين، لكنه يتخير النقل بدقة، وعناية.
٨ - وأخيرًا فإن المفسر يذكر بعض الأحكام التي أخذها العلماء من الآيات الكريمة فقد تحدث عن حكم الرشوة، ورأي العلماء فيه، وعرض لقوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ التي تدل على تخيير النبي ﷺ بين الحكم على أهل الكتاب وبين الإعراض عنهم، وهل هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وينقل خلاف العلماء في ذلك.
٦ - تفسير سورة الطارق: جاء في تفسيرها:
١ - سورة (الطارق) من السور المكية، وعدد آياتها سبع عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة (البلد) وقبل سورة (القمر) وهي السورة السادسة والثلاثون، في
стр. 1209
ترتيب النزول، أما في المصحف فهي السورة السادسة والثمانون.
وكان النبي ﷺ يقرأ بها كثيرًا، فقد أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة، بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق).
وأخرج -أيضًا - عن خالد بن أبي جبل العدواني: (أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق - بضم الميم - ثقيف. - أي في سوق ثقيف - وهو قائم على قوس أو عصى. حين أتاهم يبتغي عندهم النصر. فسمعته يقول: (والسماء والطارق) حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم. فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا. لو كنا نعلم أن ما يقول حقًّا لاتبعناه) (١).
٢ - والسورة الكريمة من مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله -تعالى-، وعلى كمال قدرته، وبليغ حكمته، وسعة علمه، وإثبات أن هذا القرآن من عنده -تعالى-، وأن العاقبة للمتقين.
قال -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١ - ١٧].
والطارق: اسم فاعل من الطروق. والمراد به هنا: النجم الذي يظهر ليلًا في السماء.
قال القرطبي ما ملخصه: الطارق: النجم، اسم جنس، سمى بذلك لأنه يطرق
стр. 1210
ليلًا، ومنه الحديث: نهى النبي ﷺ أن يطرق المسافر أهله ليلًا .. ) والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقًا. يقال: طرق فلان إذا جاء ليلًا ... وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمى قاصد الليل طارقًا، لاحتياجه في الوصول إلى الدق ...
وفي الحديث: أعوذ بك من طوارق الليل والنهار، إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن .. ) (١).
وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام به، فالاستفهام مستعمل في تعظيم أمره ...
وقد جاء التعبير بقوله -تعالى- (وما أدراك ... ثلاث عشرة مرة في القرآن الكريم، كلها جاء الخبر بعدها -كما هنا- وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ... ﴾.
وكما في قوله -سبحانه- ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ... ﴾ إلا واحدة لم يأت الخبر بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ... ﴾.
أما التعبير بقوله -تعالى-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ .. ﴾ فقد جاء ثلاث مرات، ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات. قال -تعالى-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾.
قال القرطبي: قال سفيان: كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: وما يدريك، لم يخبر به.
وقوله (النجم الثاقب) بيان وتفسير للطارق، والثاقب: أي: المضيء الذي يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه، ويبدده ...
стр. 1211
والجملة الكريمة مستأنفة، وهي جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله، كأنه قيل وما هو الطارق؟ فكان الجواب: هو النجم الثاقب.
وقوله -سبحانه-: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ جواب القسم وما بينهما كلام معترض لتفخيم شأن المقسم به. والحافظ: هو الذي يحفظ ما كلف بحفظه، لمقصد معين. أي: وحق السماء البديعة الصنع، وحق النجم الذي يطلع فيها فيبدد ظلام الليل، ما كل نفس من الأنفس، إلا وعليها من الملائكة من يحفظ عملها ويسجله سواء أكان هذا العمل خيرًا أم شرًّا.
قال الإمام الشوكاني ما ملخصه: قرأ الجمهور بتخفيف الميم في قوله (لما) فتكون (إن) مخففة من الثقيلة، فيها ضمير الشأن المقدر، وهو اسمها، واللام هي الفارقة - بين (إن) النافية، و (إن) المخففة من الثقيلة - وما مزيدة: أي: إن الشأن كل نفس لعليها حافظ.
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم في قوله (لما)، فتكون "إن" نافية ولما بمعنى إلا. أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ. والحافظ هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها ... وقيل: الحافظ هو الله -تعالى- وقيل: هو العقل يرشدهم إلى المصالح ...
والأول أولى، لقوله -تعالى-: (ويرسل عليكم حفظة) وقوله: (وإن عليكم لحافظين).
وحفظ الملائكة إنما هو من حفظه -تعالى-، لأنهم لا يحفظون إلا بأمره ) (١).
والمقصود من الآية الكريمة: تحقيق تسجيل أعمال الإنسان عليه، وأنه سيحاسب عليها، وسيجازى عليها بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
стр. 1212
وبعد أن بين -سبحانه- أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أعمالها ... أتبع ذلك بأمر الإنسان بالتفكر فيما ينفعه، بأن يعتبر بأول نشأته، وليعلم أن من خلقه من ماء مهين، قادر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى، فقال -تعالى-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ .. ﴾.
والفاء في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ ... ﴾ للتفريع على ما تقدم، وهي بمعنى الفصيحة، وقوله: (خلق من ماء دافق) جواب الاستفهام في قوله -سبحانه- ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ والمقصود بالاستفهام هنا: الحث والحض على التفكر والتدبر ...
و(دافق) اسم فاعل من الدفق، وهو الصب للشيء بقوة وسرعة، يقال: تدفق الماء إذا سال باندفاع وسرعة، والمراد به هنا: الماء الذي يخرج من الرجل ويصب في رحم المرأة.
والصلب: يطلق على فقار الظهر بالنسبة للرجل، والترائب: جمع تريبة، وهي العظام التي تكون في أعلى صدر المرأة، ويعبرون عنها بقولهم موضع القلادة من المرأة.
أي: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم -أيها الناس-، من أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أقوالها وأفعالها ... فلينظر الإنسان منكم نظر تأمل وتدبر واعتبار، وليسأل نفسه من أي شيء خلق؟ لقد خلقه الله -تعالى- بقدرته، من ماء دافق، يخرج بقوة وسرعة من الرجل، ليصب في رحم الأنثى ...
وهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، حيث يختلط الماءان، ويتكون منهما الإنسان في مراحلة المختلفة بقدرة الله -تعالى-.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: (فلينظر) بما قبله؟
قلت: وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظًا، أتبعه بتوصية الإنسان.
стр. 1213
بالنظر في أول أمره، ونشأته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته.
و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ استفهام جوابه: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾. والدفق: صبّ فيه دفع. ومعنى (دافق) النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللّابِن والتامر. أو الإسناد المجازي. والدفق في الحقيقة لصاحبه.
ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدأ في خلقه .. ) (١).
وقال بعض العلماء: قوله (خلق من ماء دافق) أي: من ماء ذي دفق.
وكل من مني الرجل، ومني المرأة، اللذين يتخلق منهما الجنين، ذو دفق في الرحم.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ أي: يخرج هذا الماء الدافق، من بين صلب كل واحد منهما، وترائب كل منهما. أي: أن أعضاء وقوى كل منهما، تتعاون في تكوين ما هو مبدأ لتوالد الإنسان: ماء الرجل وهو المني، وماء المرأة وهي البويضة المصحوبة بالسائل، المنصبان بدفع وسيلان سريع إلى الرحم عند الاتصال الجنسي. ويسمي الفقهاء هذه المادة منيًا وماء) (٢).
وقال فضيلة الشيح ابن عاشور: وأطنب -سبحانه- في وصف هذا الماء الدافق: لادماج التعليم وللعبرة، بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل والكافر، ويزداد المؤمن علمًا ويقينًا.
ووصف بأنه (يخرج من بين الصلب والترائب)، لأن الناس لا يتفطنون لذلك ... وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن، الذي لم يكن علم به للذين نزل بينهم، وهو إشارة مجملة، وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة: أن رسول
стр. 1214
الله ﷺ سئل عن احتلام المرأة فقال: تغتسل إذا أبصرت الماء. فقيل له: أترى المرأة ذلك؟ فقال: وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها، أشبه أعمامه) (١).
وقال صاحب الظلال، ولقد كان هذا سرًّا مكنونًا في علم الله لا يعلامه البشر، حتى كان نصف القرن الأخير، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية، يتكون ماء الرجل، حيث يلتقيان في قرار مكين، فينشأ منهما الإنسان) (٢).
وقوله -سبحانه-: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.
بيان لكمال قدرته -تعالى-، وأنه كما أنشأ الإنسان من ماء مهين، قادر على إعادته إلى الحياة بعد موته.
والضمير في قوله: (إنه) يعود إلى الله لأن الخالق للإنسان من ماء دافق هو الله -تعالى-.
والضمير في قوله (رجعه) يعود إلى الإنسان المخلوق.
وقوله: (تبلى) من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان، ومنه قوله -تعالى-: (إن هذا لهو البلاء المبين، والمراد بقوله (تبلى) هنا: الكشف والظهور.
و(السرائر) جمع سريرة، وهي ما أسره الإنسان من أقوال وأفعال. والظرف (يوم) متعلق بقوله: (رجعه).
أي: إن الله -تعالى- الذي قدر على خلق الإنسان من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب ... لقادر -أيضًا- على إعادة خلق هذا الإنسان بعد موته، وعلى بعثه من قبره للحساب والجزاء، يوم القيامة، يوم تكشف المكنونات، وتبدو ظاهرة
стр. 1215
للعيان، وترفع الحجب عما كان يخفيه الإنسان في دنياه من عقائد ونيات وغيرهما.
وفي هذا اليوم لا يكون للإنسان من قوة تحميه من الحساب والجزاء، ولا يكون له من ناصر ينصره من بأس الله -تعالى- أو من مدافع يدافع عنه.
ثم أقسم -سبحانه- مرة أخرى بالسماء، على أن القرآن من عنده -تعالى- فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾.
والرجع: المطر، وسمى بذلك لأنه يجيء، ويرجع ويتكرر. وقيل: الرجع هنا: الشمس والقمر والنجوم، يرجعن في السماء، حيث تطلع من ناحية، وتغيب في أخرى.
وقيل: المراد بالرجع: الملائكة، لأنهم يرجعون إليها حاملين أعمال العباد.
والصدع: الشق والانفطار، يقال تصدع الشيء، إذا تشقق ...
والمراد به هنا: ما تشقق عنه الأرض من نبات ... كما قال -تعالى-: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا ... ﴾.
أي: وحق السماء صاحبة المطر الذي ينزل من جهتها مرة فأخرى، لنفع العباد والحيوان والنبات ... وحق الأرض ذات النبات البازغ من شقوقها.
(إنه) أي: هذا القرآن (لقول فصل) أي: لقول فاصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد ... وقد بلغ النهاية في ذلك، حتى لكأنه نفس الفصل.
(وما هو بالهزل) أي: وأن هذا القرآن، ليس فيه شائبة من شوائب الهزل أو اللعب أو المزاح ... بل هو جد كله، فيجب على كل عاقل، أن يتبع هداه، وأن يستجيب لأمره ونهيه.
وفي هذه الآيات الكريمة رد بليغ، على أولئك المشركين الجاهلين، الذين وصفوا القرآن بأنه نزل على الرسول ﷺ ليهزل به؛ لأنه يخبرهم بأن الأموات
стр. 1216
سيعادون إلى الحياة مرة أخرى، وذلك أمر تستبعده نفوسهم المطموسة.
وفي قوله -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ مقابلة لطيفة، حيث وصف -سبحانه- السماء والأرض بما يناسبهما، وبما يشير إلى أن البعث حق؛ لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيي الأرض بعد موتها. كذلك يحيى الله -تعالى- بقدرته الأجساد بعد موتها.
وعاد الضمير في قوله (إنه) إلى القرآن -مع أنه لم يسبق له ذكر- لأنه معلوم من المقام.
ثم ختم -سبحانه- السورة الكريمة، بتسلية الرسول ﷺ وبتبشيره بحسن العاقبة فقال -تعالى-: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. وقوله (رويدا) تصغير (رود) -بزنة عود- من قولهم: فلان يمشي على رود، أي: على مهل، وأصله من رادت الريح رود، إذا تحركت حركة ضعيفة.
والكيد: العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية، فهو نوع من المكر.
والمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين: تكذيبهم للرسول ﷺ ، ولماء جاء به من عند ربه، فكيدهم مستعمل في حقيقته.
والمراد به بالنسبة لله -تعالى-: إمهالهم واستدراجهم، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، في الوقت الذي يختاره ويشاؤه.
أي: إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك -أيها الرسول الكريم-، وإني أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج، من حيث لا يعلمون، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، فتمهل -أيها الرسول الكريم- مع هؤلاء المشركين. ولا تستعجل عقابهم، وانتظر تدبيري فيهم، وأمهلهم وأنظرهم (رويدًا) أي: إمهالًا قريبًا أو قليلًا، فإن كل آت قريب، وقد حقق -سبحانه- لنبيه وعده بأن جعل العاقبة له ولأتباعه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1217
ويظهر لك من خلال تفسير الشيخ لسورة الطارق:
١ - بيانه لمكية السورة، وترتيبها في النزول.
٢ - ذكره مقاصد السورة الكريمة.
٣ - عنايته بالمفردات القرآنية، حيث بين معنى الطارق، والنجم الثاقب وغيرها.
٤ - عنايته ببيان القضايا اللغوية، حيث ذكر الغرض من الاستفهام في قوله (وما أدراك ما الطارق) والاستئناف البياني في قوله النجم الثاقب، والإطناب في وصف الماء الدافق، ومن ذلك بيانه لأسرار التعبير في قوله (وما أدراك).
فقد ذكر المفسر أنها وردت في كتاب الله ثلاث عشرة مرة كلها جاء الخبر بعدها، عدا آية واحدة هي ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾.
وورد التعبير بقوله (وما يدريك) ثلاث مرات وهذه لم يأت الخبر بعدها.
٥ - بيانه للإعجاز العلمي في الآيات الكريمة.
٦ - عنايته بالقراءات القرآنية وتوجيهها.
٧ - بيانه للمناسبات بين الآيات، فها هو يبين مناسبة قوله ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مع ما قبلها من الآيات.
٧ - سورة الكوثر
قال: سورة الكوثر وتسمى أيضًا سورة النحر، تعتبر أقصر سورة في القرآن الكريم وهي من السور المكية عند الجمهور وقيل مدنية ...
قال بعض العلماء: والأظهر أن هذه السورة مدنية، وعلى هذا سنسير في تفسير آياتها، وعلى القول بأنها مكية عددها الخامسة عشرة، في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة العاديات، وقبل سورة التكاثر وعلى القول بأنها مدنية، فقد قيل إنها نزلت في الحديبية، وعدد آياتها ثلاث آيات بالاتفاق (١).
стр. 1218
والسورة الكريمة بشارة للنبي ﷺ بأن الله تعالى سيعطيه الخير الجزيل والذكر الخالد.
والكوثر: فوعل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، ومعناه: الشيء البالغ في الكثرة حد الإفراط، والعرب تسمي كل شيء كثر عدده وعظم شأنه: كوثرًا، وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر، بم آب ابنك؟ قالت آب بكوثر أي بشيء كثير.
قال الإمام القرطبي: ما ملخصه واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ على ستة عشر قولًا: الأول: أنه نهر في الجنة رواه البخاري عن أنس، ورواه الترمذي أيضًا عن ابن عمر. الثاني أنه حوض النبي ﷺ في الموقف، الثالث: إنه النبوة والكتاب، الرابع: أنه القرآن، الخامس: الإسلام.
ثم قال ﵀: قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني، لأنه ثابت عن النبي ﷺ نص في الكوثر، وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه ﷺ زيادة على حوضه (١).
وافتتح سبحانه الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر، وللإشعار بأن المعطى شيء عظيم، أي: إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا أيها الرسول الكريم الكوثر، أي: الخير الكثير، الذي من جملته هذا النهر العظيم والحوض المطهر، فأبشر بذلك أنت وأمتك ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك في شأنك.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد بالصلاة: المداومة عليها، أي ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة فداوم على شكرك لنا بأن تواظب على أداء الصلاة أداء تامًّا، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك، وبأن تواظب أيضًا على نحرك الإبل تقربًا إلى ربك كما قال سبحانه:
стр. 1219
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
ثم بشره سبحانه ببشارة أخرى فقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ والشانئ: هو المبغض لغيره يقال: شنأ فلان فلانًا شنئًا إذا أبغضه وكرهه، والأبتر في الأصل: هو الحيوان المقطوع الذنب والمراد به هنا الإنسان الذي لا يبقى له ذكر، ولا يدوم له أثر.
شبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان؛ لأنه تابع له، وهو زينته، وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذيل وقطعه.
والمعنى: إن مبغضك وكارهك أيها الرسول الكريم هو المقطوع عن كل خير، والمحروم من كل ذكر حسن.
قال الإمام ابن كثير: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى هذه السورة.
وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر، فلما مات أبناء النبي ﷺ قالوا: بتر محمد فأنزل الله هذه الآية.
وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره، وحاشا وكلا، بل أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم التناد (١).
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة (٢).
هذه النماذج السبعة تعطي صورة واضحة عما تحدثت عنه من قبل، ويظهر فيها جليًّا إعمال الفكر وإجالته، في تجلية النص وإظهار أسراره البلاغية، دون الوقوف
стр. 1220
على ما ذكر في الكتب، أو ترداد لما قاله العلماء، كما رأينا في الأنموذج الثاني، حينما تحدث عن سر إفراد السمع، مع جمع القلوب والأبصار، وتقديم السمع على القلوب تارة وتأخيره أخرى.
محاسن هذا التفسير:
من خلال دراستي لهذا التفسير، تبين لي أن هنالك محاسن اجتمعت له، ومن الإنصاف أن أذكر أهم هذه المحاسن:
١ - الإكثار من الاستشهاد بالحديث النبوي:
إن إبراز العنصر الأثري في التفسير من الأمور الضرورية، وبخاصة في الدراسة المنهجية، وفي وقت رأينا فيه بعض التفاسير لا تعطي هذا العنصر حقه، ولا تحله المكانة التي ينبغي أن يتبوأها، والتفسير الوسيط برز فيه هذا العنصر واضحًا. والحق أنني لم أر تفسيرًا من غير التفاسير بالمأثور، جمع من الأحاديث مثل ما جمع هذا التفسير، فكأنه تفسير بالدراية والرواية، ولقد امتاز هذا النقل باختيار ما ثبت من الأحاديث، مع الإشارة لمصادرها غالبًا.
وعلى هذه الأحاديث يكون المعول في التفسير، دون النظر إلى ما قيل وأثير أو يقال ويثار، كما يرى ذلك واضحًا عند تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، فلقد عول في تفسيرها على ما جاء في صحيح الإمام البخاري، هذا الحديث الذي رأينا من المفسرين من يرده ومنهم من يتناساه، كما يظهر هذا عند تفسيرهما لآية السحر.
٢ - بيانه لبعض القيم والأحكام التي تؤخذ من الآيات:
فهو لا يكتفي بذكر المعاني الأولية، بل يغوص على إظهار بعض الحكم المناسبة لها.
فعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾
стр. 1221
[البقرة: ٥٥] يقولان: (وفي ندائهم لنبيهم باسمه (يا موسى)، سوء أدب منهم معه، لأنه كان من الواجب عليهم، أن يقولوا له: يا رسول الله أو يا نبي الله، من الصيغ التي تشعر بصفات التعظيم والتوقير، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردًا في كثير من المواطن.
ومن أدب الصحابة مع الرسول ﷺ أنهم كانوا يقولون له: يا رسول الله، استجابة لأمر الله تعالى في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (١).
وجاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]: (وقد أمرهم سبحانه أن يدخلوا باب المدينة التي فتحوها خاضعين، وأن يلتمسوا منه مغفرة خطاياهم، لأن تغلبهم على أعدائهم ودخولهم الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، نعمة من أجلّ النعم، وهي تستدعي منهم أن يشكروا الله عليها بالقول والفعل؛ لكي يزيدهم من فضله، فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم الله بالشكر.
ولهذا كان النبي ﷺ ، يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى، عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف يكاد يمس عنق ناقته، شكرًا لله على نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثماني ركعات سماها بعض الفقهاء صلاة الفتح. ومن هنا استحب العلماء للفاتحين المسلمين إذا فتحوا بلدة، أن يصلوا فيها ثماني ركعات عند أول دخولها شكرًا لله تعالى. وقد فعل ذلك سعد بن أبي وقاص ﵁ عندما دخل إيوان كسرى، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات.
ولكن ماذا كان من بني إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟ إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل، ولذا قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]
стр. 1222
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على استاههم. وقالوا: حبة في شعيرة) (١).
٣ - نقله أقوال المفسرين:
وهذه لعمر الحق من أهم ما يتطلبه التفسير المنهجي. ونحن في زمن كادت تندرس فيه آثار العلماء السابقين في كل علم، وصار يكتفي فيه بالمذكرات التي تحول بين الطالب وتراثه العلمي، هذا كله إلى جانب ما نراه من هجوم على المفسرين الأقدمين، لذا كان النقل من كتب التفسير في هذا الكتاب من أعظم المحاسن، فكأن الطالب الذي يدرسه، يجمع إلى الدراسة النصية. ولكن النقل في هذا الكتاب يمتاز عن غيره بميزتين اثنتين:
أولاهما: النقل عن أئمة التفسير دون غيرهم. كابن جرير والزمخشري والرازي وأبي حيان والقرطبي وابن كثير والآلوسي والشيخ محمد الخضر حسين رحمهم الله تعالى، ويلاحظ في هذا النقل حسن الاختيار.
ثانيتهما: الترجيح بين أقوال المفسرين عند الحاجة، فلم يقفا موقفًا سلبيًا وإنما كانت تبرز شخصيتهما العلمية مرجحين موجهين ما اختاراه.
يظهر هذا عند تفسير الصراط المستقيم، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]، فبعد أن أوردا أقوال المفسرين: ابن جرير وأبي حيان وابن كثير في المقصود من كلمة (مصر) قالا: (هذا والذي نرجحه في هذا المقام هو ما ذهب إليه الإمام ابن كثير لما يأتي:
١ - إن القراءة بالتنوين متواترة: وابن جرير نفسه لم يجوز القراءة بغيرها، وهذه القراءة المتواترة، نص في أن المراد من مصر، أي بلد كان، لا مصر فرعون،
стр. 1223
ثم إذا كان المراد به ذلك فليس لنا أن نقول إنه يصدق على مصر فرعون، وذلك لأن الأمصار التي تنبت ما طلبوا من البقول والخضر أقرب إليهم من مصر، فليس المعقول أن يؤمروا بالذهاب إلى مصر فرعون وهي بعيدة عن مكانهم بعدًا شاسعًا، ويتركوا الأمصار الأقرب إليهم وفيها ما يريدون.
٢ - لم ينقل أحد من المؤرخين أنهم رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها كما قال أبو حيان وغيره، بل الثابت أن بني إسرائيل خرجوا من مصر، وأمروا بعد خروجهم بدخول الأرض المقدسة لقتال الجبارين، ولكنهم أبوا طاعة نبيهم ﵇، فعذبوا بالتيه أربعين سنة؛ لتخلفهم عن قتال الجبارين؛ ولعصيانهم أمر نبيهم، وماتوا جميعًا في التيه، وبقي أبناؤهم، ، فامتثلوا أمر الله تعالى وهبطوا إلى الشام، وقاتلوا الجبارين ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون.
٣ - ليس في الآية ما يشعر بأن موسى ﵇، طلب من ربه أن يجيبهم إلى رغبتهم، فكيف نقول بما لم يدل عليه القرآن الكريم ولو من طريق الإشارة؟ .
٤ - دخولهم في التيه كان عقوبة لهم على نكوصهم عن قتال الجبارين، ليدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، فالتيه والحالة هذه، كان بمثابة سجن لهم يعاقبون فيه، كما يشعر بذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] فكيف يخرج السجين من سجنه تلبية لبعض رغباته المنكرة، وبناء على ذلك يكون الأمر في قول موسى لهم ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ للتهديد والتوبيخ والتجهيل) (١).
هذا هو التفسير الوسيط في منهجه وخصائصه ومميزاته، وإنه بحق وسط بين التفاسير. ولقد أدى الغرض الذي كتب من أجله، وأوصل إلى الغاية التي توخيت منه، وأرجو الله تعالى أن يكرم مؤلفيه بنعمة إتمام هذا التفسير.
стр. 1224
هذا الكلام كنت كتبته في أول السبعينيات من القرن الماضي وبعد سنين صدر هذا التفسير للقرآن الكريم كاملًا في خمسة عشر مجلدًا، لكنه كان يحمل اسم الدكتور محمد سيد طنطاوي، وقد تفضل مشكورًا فأهداني هذا التفسير حينما جاء إلى عمان لحضور أحد المؤتمرات.
ولقد عجبت كل العجب عندما قرأت مقدمة هذا التفسير التي كتبها الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي فلم أجد فيها ذكرًا لأستاذنا الشيخ الكومي ﵀ وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب، ويبعث في النفس ألمًا، وإذا كان الشيخ الكومي ﵀ ذا أثر طيب يقر به تلاميذه جميعهم، بل كلّ من عرفه، فإن الدكتور طنطاوي أولى الناس بأن يعترف للشيخ الكومي؛ لأن الذي أعرفه أنه كان من أخصّ تلاميذه، فحينما ذهبت مع الشيخ الذهبي ﵀ إلى الشيخ الكومي من أجل الإشراف على رسالتي، استدعى الدكتور الطنطاوي للإشراف على رسالتي، وخصه بهذا الإشراف من بين تلاميذه جميعًا.
وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة فإن التفسير الوسيط يفيد منه المتخصصون كما يفيد منه ذوو الثقافات العامة، وقد يغني عن قراءة كثير من التفاسير، فلقد جمع أقوال كثير من المفسرين وبخاصة أجلتهم جمعًا ليس عشوائيًا، بل هو جمع ناشئ عن فهم وذكاء، وإذا كان في الآية أكثر من رأي للمفسرين فهو يوازن بين هذه الآراء مرجحًا ما يبدو له، وغالبًا ما يكون موفقًا في هذا الترجيح، وإني أنصح لطلاب العلم قراءة هذا التفسير، رحم الله شيخنا الشيخ الكومي، وجزى الله الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي خيرًا على ما بذله من جهد في هذا الكتاب خدمة لكتاب الله ﵎.
стр. 1225
من التفاسير التقليدية الموجزة تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي
ترجمة المفسر:
(١٢٩٥ - ١٣٧٣ هـ = ١٨٧٨ - ١٩٥٤ هـ).
محمد فريد بن مصطفى وجدي، مؤلف (دائرة المعارف)، من الكتاب الفضلاء، ولد ونشأ في الإسكندرية، وأقام في دمياط، ثم انتقل إلى السويس، وسكن القاهرة، عمل في وظيفة بديوان الأوقاف، أصدر مجلة (الحياة)، . نشر رسالة له سماها (الفلسفة الحقة في بدائع الأكوان)، وكتاب (تطبيق الديانة الإسلامية على نواميس المدنية)، كتبه أولًا بالفرنسية، ثم ترجمة إلى العربية، وغيّر اسمه في طبعة أخرى إلى (المدنية والإسلام)، ثم أنشأ مطبعة أصدر بها جريدة (الدستور) اليومية، ثم (الوجديات)، وهي شبه مجلة أسبوعية، ونشر كتابه (دائرة معارف القرن الرابع عشر، العشرين)، في أجزاء متتابعة اكتملت في عشرة مجلدات، ومن تصانيفه: (ما وراء المادة، جزأين)، (الحديقة الفكرية في إثبات وجود الله بالبراهين الطبيعية)، (المرأة المسلمة) في الرد على (المرأة الجديدة لقاسم أمين)، (الإسلام في عصر العلم - جزأين)، (كنز العلوم واللغة) وهو من أنفس كتبه، (على أطلال المذهب المادي)، (مجموعة الرسائل الفلسفية)، (نقد كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين)، وتولى تحرير مجلة الأزهر نيفًا وعشر سنين، واعتزلها قبل وفاته بنحو عامين، وكان مترفعًا عن غشيان المجالس العامة، يأنس بزواره في بيته، وقلّ أن يزور أحدًا أو يجيب دعوة، توفي بالقاهرة (١).
стр. 1226
تفسيره:
كتب الأستاذ محمد فريد وجدي تفسيرين للقرآن الكريم، الأول: (صفوة العرفان في تفسير القرآن)، ١٣٢١ هـ، وبعد عامين أتبعه بتفسير آخر سماه: (المصحف المفسر)، وبينهما تشابه كبير، وكلاهما موجز، ووضع لكل تفسير مقدمة، كانت موجزة في (المصحف المفسر)، أما (صفوة العرفان في تفسير القرآن)، فجعل له مقدمة فلسفية كبيرة، امتازت بقوة التعبير ومتانته، وحسن السَّبْك والصياغة، ولِمَا تضمّنته من فوائد عظيمة، ومعاني عميقة، آثرتُ أن أوجزها هنا، حتى لا تفوت الفائدة على القارئ وبعد ذلك سنتحدث عن منهجه في التفسير.
أولًا: مقدمة (صفوة العرفان):
هذه المقدمة وضعها ليصل إلى مرمى وغاية، هي: دراسة الحوادث الجليلة التي قلبت شكل العقول والأفكار، وبدلت الأرض غير الأرض، والأمم غير الأمم.
لذا بدأ بإيراد موجز عن فلسفة الأديان والأدوار التي يمر بها الإنسان من حيث الاستسلام للعقيدة أو التردد فيها، وعلاقة ذلك بالجهل والعلم والحضارة والبداوة، وغير ذلك من الأسباب الأدبية والمادية، ليستطيع أن يجلي مركز القرآن للأذهان، ويظهر مقامه العالي بين مؤثرات العمران.
بدأ ببيان حال العرب حين نزل القرآن، فقد كانوا على أدنى الحالات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والسياسية، من تشتتٍ وتنازع واشتغال بالحروب والغارات، وخشونة الملبس والمسكن، وجهل بالمعارف الإنسانية، وكيف نهضت الأمة نهضة الأسد حين نزل القرآن، وصارت أمة الأمم، وحيل بين القرآن والمسلمين اليوم، فتقهقرت الأمة، ونزلت إلى الحضيض، وكيف جعل المسلمون اليوم قراءة القرآن لمحض التبرك في المنازل، وللتحزن في سهرات المآتم، والاهتزاز للنغمات دون السبح في معانيه العالية، والسبب في بعد المسلمين عن القرآن هو عدم فهم مراميه
стр. 1227
العالية ومغازيه السامية من جرّاء العجمة التي طرأت على لغتنا.
هذه الحاجة الشديدة دفعته لوضع تفسير للقرآن الكريم مستمد من كتب التفاسير المعتبرة، لا باللفظ ولكن بالمعنى الحقيقي؛ ليتمكن من وضع المعنى في أبسط. وأرق القوالب العربية العصرية التي اعتادها الناس، كما يقول.
جاء بموجز عن فلسفة الأديان، وما هو الدين، تحدث فيه عن مبدأ التدين والباعث الطبيعي على العقيدة، وهو ما يجيش في صدر الإنسان من شعور حين يجيل نظره في الكون وعظمته، وحين تتبين له حقارة شخصه، فيقر بعجزه واحتياجه المطلق لملجأ يلجأ إليه، وفقره لقوي يهبه قوته، ورحيم ينشر عليه من إفاضات رحمته.
ثم شرع في تعداد مظاهر عظمة خلق الكون وما فيه من عجائب، وأن الإنسان كلما ازداد بالكون علمًا، ازداد إحساسًا بجهله واحتياجه لمن يأخذ بيده، هذا هو الدين الفطري.
بعد ذلك بيّن أن للإنسان مطالب روحانية لا تقل عن المطالب المادية، هذه المطالب الروحانية تتجاوز الكون المحسوس، والركون لمموهات هذه الأشياء الأرضية إلى إحساس سماوي ليس من طبيعة الجبلة الحيوانية، وكل حادثة من حوادث الحياة توقظ هذا الشعور، كالمرض والحزن والمصائب في النفس والأهل والمال التي تُشعِرُه بحاجته إلى ركن يعتصم به، وإلى ملاذ يلوذ إليه، ليجد أشفق المسلين له في مصائبه وأرأف المعزين له في نوائبه.
وتحت عنوان (الإنسان تتمة الإبداع الإلهي) تحدث عن إدراك الإنسان لحقيقة ذاته، وهي ما يملكه من مواهب سامية وقدرات عالية، واستعداده لبلوغ كل ما يتصور من الكمال والرفعة في عالم الممكنات، ويلزم من إدراكه لهذه الحقيقة أن يرتدع عن الإيغال في سفاسف الأمور وأن يمتنع عن الاسترسال في الخسائر.
ثم ذكر أن الإنسانية مرّت من حيث الإيمان بأربعة أدوار مهمة، وذلك تحت
стр. 1228
عنوان (الإيمان في خلال القرون)، ولكل دور مميزات ولوازم خاصة، أما الدور فهو دور الفطرة الأولى، حيث كان الإنسان مؤمنًا إيمانًا فطريًا مسوقًا إلى الاخبات والخضوع للخالق بغير سائق، ويمتاز هذا الدور بتنزهه عن الشبهات والشكوك والتردد في أصل الإيمان، يبتدى هذا الدور من مبدأ الخليقة، إلى قبل بعثة المسيح بقرون، لا يمكن تحديدها بالضبط.
أما الدور الثاني فهو دور الفلسفة والحكمة، وفيه فتقت أنوارُ العقل حجبَ الكثافات الطبيعية، وسبر مساتير المجاهيل الوجودية، ليحيط بما خبأته له يد القدر من عالم الشهادة وعوالم الغيوب، يُعرف هذا الدور بتولد الشكوك فيه، وسريان شياطين الشبهات إلى العقول من بعض الأفراد ضد بعض الأصول الاعتقادية، وكان ثوران تلك الشبه نتيجة طبيعية؛ لأن العقل الإنساني لما مال لأن يفتق تلك الحجب التي تمنعه من متابعة شهواته في النفوذ إلى سرائر الموجودات الكونية استلزم لتلك الدفعة أن يطوف من المدركات على ما يلائم درجته من الرقي، فكان الخيال قائده في تلك الرحل الفكرية، وناهيك بعقل يرشده الخيال، لا جرم أنه لا ينال من الحقيقة المطلقة إلا ما يناسب درجته المقيدة، فكان من الضروري أن يصيح به لأن يشرئب إلى ما فوق ذلك، ليعلم أن الحقيقة أبعد مما كان يتوهمه، لذلك بعث الله تعالى عليه روحًا دافعة ظهرت بمظهر الشبهات والشكوك، لتسوقه رغم أنفه إلى غاية ما يمكن إدراكه من معنى اللاهوت الأقدس، وما يتعلق به من شؤون الحضرة الإلهية. من هنا نشبت الحرب بين الفلاسفة ورؤساء الأديان.
أما الدور الثالث فهو دور العلم الطبيعي والفلسفة الحسية، ويبتدى من حوالي القرن الخامس عشر لغاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، في هذا الدور استطار لهب الحرب الدينية العلمية بين قادة العلوم الطبيعية وحملة النصوص الاعتقادية، وتحقق الفوز للحزب الأول، وكان ذلك رد فعل لما كان قد حصل من غلواء أنصار الحزب الثاني في الإبعاد عن العلم، ولقد بلغ عدم الاهتمام بالدين عند
стр. 1229
بني هذا الدور، بحيث عُدّت التعاليم الإلحادية من الأفكار الواجبة الاعتبار والاحترام.
أما الدور الرابع فهو دور الفطرة، وهو الدور الذي نحن فيه، ويمتاز بمحاولة النوع الإنساني فيه الرجوع إلى دينه الفطري البعيد عن مظان الشبه.
ثم بدأ يفصّل هذه الأدوار دورًا دورًا.
الدور الأول: دور الفطرة
بحث في أول معبود عبده الإنسان في أول نشأته، هل عبد الأصنام مباشرة على أدنى أشكالها، ثم ترقى فيها شيئًا فشيئًا على قدر رقيه العقلي والفكري، كما يقول الماديون، أم أنه عبد الخالق الأقدس على أكمل صورة من صور التنزيه والتوحيد، ثم عرض له عبادة الأوثان لمّا مال إلى عالم المحسوسات، كما قال الروحيون من الفلاسفة.
ناقش الماديين، ثم رجّح النظرية الثانية، وقال إن هذه النظرية هي السائدة اليوم، ، لأنها ليست من باب الفروض الظنية، بل مما يمكن تحققه بالاختبار، ولا يعقل أن يعبد الإنسان شيئًا مجسمًا مثل أن تكون العبادة مسبوقة بفكرة دعت إليها، فأول عبادة عبدها الإنسان كانت روحية قلبية على صفتها الصحيحة، وموجهة للخالق الأقدس المنزه عن الحدود والقيود.
الدور الثاني: دور الفلسفة
كان الإنسان في دوره الأول مطبوعًا على الإيمان، ولكن لما ابتدأت خصيصة التعقل تسوق الإنسان إلى التملي بمجالي هذه الطبيعية الباهرة، أخذ يبحث في موضوع عبوديته، وانشغل بملهيات الظواهر عن حقائق البواطن، فهبّ يشخص إلهه على مقتضى حواسه الشخصية، فاصطنع الأصنام والتماثيل.
في هذا الدور دور التخيل والتعقل كان الله تعالى يرسل رسله تترى إلى الأمم
стр. 1230
بالعقيدة النقية، وفي هذا الدور كثر التجادل والتنابذ في أصول العقائد، وكان اختلاف الناس في المدارك وتباينهم في درجات التصور سببًا في انفراج مدى المذاهب بينهم، فأخذ كل فريق يجهد عقله ويعمل فكره على حقية الصفات التي يعزوها للخالق جل شأنه، ويكلف نفسه الإتيان بمزاعم خصمه، ويكر عليه بالحجج الداحضة.
الدور الثالث: دور العلم
لم يمر على حفظة العقاثد دورًا أشد هولًا من هذا الدور، على أن حدوثه جمع ما فيه من إفراط وتفريط وغلواء وسفسطة وعناد ومغالطة كان أمرًا منتظرًا، لا بل حادثًا طبيعيًا؛ لأن كل الرذائل التي شوهت وجه هذا الدور كان لها مقدمات تقتضيها في الدور الذي سبقه، فلم تكن لتوجد هذه لو لم تكن تلك.
ارتكب حملة بعض الكتب السماوية غلطات إفراطية، منها الضغط على حرية العقل والعلم، وزعمهم أن العقل عدو الدين، وكانوا كلما أوغلوا في الظلم انفجرت ينابيع مواهب الناس وملكاتهم، حتى تكافأت القوتان.
أما أصحابنا نصراء الحرية العقلية، وزعماء العلوم الطبيعية والفلسفية فقد انتشوا بالانتصار، وازدهتهم تلك الحرية المطلقة، فجاوزوا تخوم الاعتدال، فمنهم من ترك المعتقداتِ وشأنها حقيقة كانت أو باطلة، وأكبّ على دراسة المادة وحدها، ومنهم من أطلق لنفسه عنان الحرية في الاعتقاد، وكون لنفسه دينًا خاصًّا بها، وبقيت العامة بين هذه المذاهب المتشاكسة، فأدتها تلك الحيرة الشديدة إلى مجافاتها كلها دفعة واحدة.
الدور الرابع: رجوع الإنسان لدين الفطرة
عادت الطبيعة البشرية إلى تلمّس العقيدة النقية، وهذا يعدّ من أكبر مميزات القرن التاسع عشر، لم يجد الإنسان الحالي محيصًا أمامه إلا الرجوع إلى أصل الفطرة