تفسيره:
كتب الأستاذ محمد فريد وجدي تفسيرين للقرآن الكريم، الأول: (صفوة العرفان في تفسير القرآن)، ١٣٢١ هـ، وبعد عامين أتبعه بتفسير آخر سماه: (المصحف المفسر)، وبينهما تشابه كبير، وكلاهما موجز، ووضع لكل تفسير مقدمة، كانت موجزة في (المصحف المفسر)، أما (صفوة العرفان في تفسير القرآن)، فجعل له مقدمة فلسفية كبيرة، امتازت بقوة التعبير ومتانته، وحسن السَّبْك والصياغة، ولِمَا تضمّنته من فوائد عظيمة، ومعاني عميقة، آثرتُ أن أوجزها هنا، حتى لا تفوت الفائدة على القارئ وبعد ذلك سنتحدث عن منهجه في التفسير.
أولًا: مقدمة (صفوة العرفان):
هذه المقدمة وضعها ليصل إلى مرمى وغاية، هي: دراسة الحوادث الجليلة التي قلبت شكل العقول والأفكار، وبدلت الأرض غير الأرض، والأمم غير الأمم.
لذا بدأ بإيراد موجز عن فلسفة الأديان والأدوار التي يمر بها الإنسان من حيث الاستسلام للعقيدة أو التردد فيها، وعلاقة ذلك بالجهل والعلم والحضارة والبداوة، وغير ذلك من الأسباب الأدبية والمادية، ليستطيع أن يجلي مركز القرآن للأذهان، ويظهر مقامه العالي بين مؤثرات العمران.
بدأ ببيان حال العرب حين نزل القرآن، فقد كانوا على أدنى الحالات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والسياسية، من تشتتٍ وتنازع واشتغال بالحروب والغارات، وخشونة الملبس والمسكن، وجهل بالمعارف الإنسانية، وكيف نهضت الأمة نهضة الأسد حين نزل القرآن، وصارت أمة الأمم، وحيل بين القرآن والمسلمين اليوم، فتقهقرت الأمة، ونزلت إلى الحضيض، وكيف جعل المسلمون اليوم قراءة القرآن لمحض التبرك في المنازل، وللتحزن في سهرات المآتم، والاهتزاز للنغمات دون السبح في معانيه العالية، والسبب في بعد المسلمين عن القرآن هو عدم فهم مراميه
стр. 1227
العالية ومغازيه السامية من جرّاء العجمة التي طرأت على لغتنا.
هذه الحاجة الشديدة دفعته لوضع تفسير للقرآن الكريم مستمد من كتب التفاسير المعتبرة، لا باللفظ ولكن بالمعنى الحقيقي؛ ليتمكن من وضع المعنى في أبسط. وأرق القوالب العربية العصرية التي اعتادها الناس، كما يقول.
جاء بموجز عن فلسفة الأديان، وما هو الدين، تحدث فيه عن مبدأ التدين والباعث الطبيعي على العقيدة، وهو ما يجيش في صدر الإنسان من شعور حين يجيل نظره في الكون وعظمته، وحين تتبين له حقارة شخصه، فيقر بعجزه واحتياجه المطلق لملجأ يلجأ إليه، وفقره لقوي يهبه قوته، ورحيم ينشر عليه من إفاضات رحمته.
ثم شرع في تعداد مظاهر عظمة خلق الكون وما فيه من عجائب، وأن الإنسان كلما ازداد بالكون علمًا، ازداد إحساسًا بجهله واحتياجه لمن يأخذ بيده، هذا هو الدين الفطري.
بعد ذلك بيّن أن للإنسان مطالب روحانية لا تقل عن المطالب المادية، هذه المطالب الروحانية تتجاوز الكون المحسوس، والركون لمموهات هذه الأشياء الأرضية إلى إحساس سماوي ليس من طبيعة الجبلة الحيوانية، وكل حادثة من حوادث الحياة توقظ هذا الشعور، كالمرض والحزن والمصائب في النفس والأهل والمال التي تُشعِرُه بحاجته إلى ركن يعتصم به، وإلى ملاذ يلوذ إليه، ليجد أشفق المسلين له في مصائبه وأرأف المعزين له في نوائبه.
وتحت عنوان (الإنسان تتمة الإبداع الإلهي) تحدث عن إدراك الإنسان لحقيقة ذاته، وهي ما يملكه من مواهب سامية وقدرات عالية، واستعداده لبلوغ كل ما يتصور من الكمال والرفعة في عالم الممكنات، ويلزم من إدراكه لهذه الحقيقة أن يرتدع عن الإيغال في سفاسف الأمور وأن يمتنع عن الاسترسال في الخسائر.
ثم ذكر أن الإنسانية مرّت من حيث الإيمان بأربعة أدوار مهمة، وذلك تحت
стр. 1228
عنوان (الإيمان في خلال القرون)، ولكل دور مميزات ولوازم خاصة، أما الدور فهو دور الفطرة الأولى، حيث كان الإنسان مؤمنًا إيمانًا فطريًا مسوقًا إلى الاخبات والخضوع للخالق بغير سائق، ويمتاز هذا الدور بتنزهه عن الشبهات والشكوك والتردد في أصل الإيمان، يبتدى هذا الدور من مبدأ الخليقة، إلى قبل بعثة المسيح بقرون، لا يمكن تحديدها بالضبط.
أما الدور الثاني فهو دور الفلسفة والحكمة، وفيه فتقت أنوارُ العقل حجبَ الكثافات الطبيعية، وسبر مساتير المجاهيل الوجودية، ليحيط بما خبأته له يد القدر من عالم الشهادة وعوالم الغيوب، يُعرف هذا الدور بتولد الشكوك فيه، وسريان شياطين الشبهات إلى العقول من بعض الأفراد ضد بعض الأصول الاعتقادية، وكان ثوران تلك الشبه نتيجة طبيعية؛ لأن العقل الإنساني لما مال لأن يفتق تلك الحجب التي تمنعه من متابعة شهواته في النفوذ إلى سرائر الموجودات الكونية استلزم لتلك الدفعة أن يطوف من المدركات على ما يلائم درجته من الرقي، فكان الخيال قائده في تلك الرحل الفكرية، وناهيك بعقل يرشده الخيال، لا جرم أنه لا ينال من الحقيقة المطلقة إلا ما يناسب درجته المقيدة، فكان من الضروري أن يصيح به لأن يشرئب إلى ما فوق ذلك، ليعلم أن الحقيقة أبعد مما كان يتوهمه، لذلك بعث الله تعالى عليه روحًا دافعة ظهرت بمظهر الشبهات والشكوك، لتسوقه رغم أنفه إلى غاية ما يمكن إدراكه من معنى اللاهوت الأقدس، وما يتعلق به من شؤون الحضرة الإلهية. من هنا نشبت الحرب بين الفلاسفة ورؤساء الأديان.
أما الدور الثالث فهو دور العلم الطبيعي والفلسفة الحسية، ويبتدى من حوالي القرن الخامس عشر لغاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، في هذا الدور استطار لهب الحرب الدينية العلمية بين قادة العلوم الطبيعية وحملة النصوص الاعتقادية، وتحقق الفوز للحزب الأول، وكان ذلك رد فعل لما كان قد حصل من غلواء أنصار الحزب الثاني في الإبعاد عن العلم، ولقد بلغ عدم الاهتمام بالدين عند
стр. 1229
بني هذا الدور، بحيث عُدّت التعاليم الإلحادية من الأفكار الواجبة الاعتبار والاحترام.
أما الدور الرابع فهو دور الفطرة، وهو الدور الذي نحن فيه، ويمتاز بمحاولة النوع الإنساني فيه الرجوع إلى دينه الفطري البعيد عن مظان الشبه.
ثم بدأ يفصّل هذه الأدوار دورًا دورًا.
الدور الأول: دور الفطرة
بحث في أول معبود عبده الإنسان في أول نشأته، هل عبد الأصنام مباشرة على أدنى أشكالها، ثم ترقى فيها شيئًا فشيئًا على قدر رقيه العقلي والفكري، كما يقول الماديون، أم أنه عبد الخالق الأقدس على أكمل صورة من صور التنزيه والتوحيد، ثم عرض له عبادة الأوثان لمّا مال إلى عالم المحسوسات، كما قال الروحيون من الفلاسفة.
ناقش الماديين، ثم رجّح النظرية الثانية، وقال إن هذه النظرية هي السائدة اليوم، ، لأنها ليست من باب الفروض الظنية، بل مما يمكن تحققه بالاختبار، ولا يعقل أن يعبد الإنسان شيئًا مجسمًا مثل أن تكون العبادة مسبوقة بفكرة دعت إليها، فأول عبادة عبدها الإنسان كانت روحية قلبية على صفتها الصحيحة، وموجهة للخالق الأقدس المنزه عن الحدود والقيود.
الدور الثاني: دور الفلسفة
كان الإنسان في دوره الأول مطبوعًا على الإيمان، ولكن لما ابتدأت خصيصة التعقل تسوق الإنسان إلى التملي بمجالي هذه الطبيعية الباهرة، أخذ يبحث في موضوع عبوديته، وانشغل بملهيات الظواهر عن حقائق البواطن، فهبّ يشخص إلهه على مقتضى حواسه الشخصية، فاصطنع الأصنام والتماثيل.
في هذا الدور دور التخيل والتعقل كان الله تعالى يرسل رسله تترى إلى الأمم
стр. 1230
بالعقيدة النقية، وفي هذا الدور كثر التجادل والتنابذ في أصول العقائد، وكان اختلاف الناس في المدارك وتباينهم في درجات التصور سببًا في انفراج مدى المذاهب بينهم، فأخذ كل فريق يجهد عقله ويعمل فكره على حقية الصفات التي يعزوها للخالق جل شأنه، ويكلف نفسه الإتيان بمزاعم خصمه، ويكر عليه بالحجج الداحضة.
الدور الثالث: دور العلم
لم يمر على حفظة العقاثد دورًا أشد هولًا من هذا الدور، على أن حدوثه جمع ما فيه من إفراط وتفريط وغلواء وسفسطة وعناد ومغالطة كان أمرًا منتظرًا، لا بل حادثًا طبيعيًا؛ لأن كل الرذائل التي شوهت وجه هذا الدور كان لها مقدمات تقتضيها في الدور الذي سبقه، فلم تكن لتوجد هذه لو لم تكن تلك.
ارتكب حملة بعض الكتب السماوية غلطات إفراطية، منها الضغط على حرية العقل والعلم، وزعمهم أن العقل عدو الدين، وكانوا كلما أوغلوا في الظلم انفجرت ينابيع مواهب الناس وملكاتهم، حتى تكافأت القوتان.
أما أصحابنا نصراء الحرية العقلية، وزعماء العلوم الطبيعية والفلسفية فقد انتشوا بالانتصار، وازدهتهم تلك الحرية المطلقة، فجاوزوا تخوم الاعتدال، فمنهم من ترك المعتقداتِ وشأنها حقيقة كانت أو باطلة، وأكبّ على دراسة المادة وحدها، ومنهم من أطلق لنفسه عنان الحرية في الاعتقاد، وكون لنفسه دينًا خاصًّا بها، وبقيت العامة بين هذه المذاهب المتشاكسة، فأدتها تلك الحيرة الشديدة إلى مجافاتها كلها دفعة واحدة.
الدور الرابع: رجوع الإنسان لدين الفطرة
عادت الطبيعة البشرية إلى تلمّس العقيدة النقية، وهذا يعدّ من أكبر مميزات القرن التاسع عشر، لم يجد الإنسان الحالي محيصًا أمامه إلا الرجوع إلى أصل الفطرة
стр. 1231
خصوصًا بعد ما أصبح من المقرر الثابت أن نزعات تلاعبت بالأديان، فأخرجتها عن أصولها، اللهم إلا تلك الفطرة الأولى التي لم تزل في كل دور من أدوار الإنسان تبرهن على استقلالها وثباتها.
من هنا انتقل إلى عنوان جديد، وهو (الإسلام هو دين الفطرة):
الدين الفطري يمكن تعبيره باللسان العصري بالدين الطبيعي، وهو لا يدعو إلا لما يشعر به الإنسان في ذاته شعورًا ضروريًا طبيعيًا، هذا من جهة التدين، أما من جهة العلم بالكون وأشيائه، فأرانا أننا لم نعلم منه إلا قليلًا، وأمرنا بدوام طلب العلم، وكان الإسلام هو الدين الفطري أو الدين الطبيعي، لأنه لا يكلف الإنسان بما هو مطبوع على البحث فيه واعتقاده.
نظرة على الأدوار التي تنتاب العقائد:
من أكبر الشبه التي يطعن بها فلاسفة هذا العصر صدور المليين، ويغض بها الماديون من أعين الاعتقاديين هي قولهم: إن الإنسان مرّ ويمرّ من عقائده على ثلاثة أدوار.
الأول: دور الاحترام والإجلال، والاعتقاد بأنها نهاية الكمال.
الثاني: دور الشك والارتياب عند يقظة الأفكار والألباب.
الثالث: دور العلوم والمعارف، حيث يبلغ العقل أشده، فيعلم الإنسان أن الأديان أساطير الماضي، فيتركها ويتجه للعلوم.
ثم قال: إنْ صدقت هذه المقولة في نسف صروح العقائد التي أنس بها الإنسان في دور طفولته، فلا تصدق على الإسلام الذي أرسله الله عندما بلغ الإنسان رشده وسئم الوصاية عليه.
والإسلام ينزل الإنسان منزل الراشد لا القاصر، ولو شك الإنسان في شيء من عقائد الإسلام يعالجه بعلاج الشك وهو العلم لا بالضغط على فكره، أو حرق جسده، كما فعل غيره.
стр. 1232
ثم زاد الأمر بيانًا، تحت عنوان (ما هو الإسلام):
الإسلام هو مطلوب كل روح ومرمى كل قابلية، وأنشودة كل استعداد، ومطمأن كل إحساس، ومنتهى كل عقل، ، لذلك نجد أن الناس على أصنافهم (الجاهل والعالم والمتوسط بينهما) يجدون في الإسلام سلطة على نفوسهم وأرواحهم.
ثم أورد صورة موجزة من الآثار التي تحدثها عقيدة وجود الخالق على عواطف الإنسان لمعرفة كنه تسلطها عليها جميعا تمهيدًا للحديث عن الأدب الذي تهبه عقيدة التوحيد والتنزيه لنفس الإنسان.
وتحدث عن مفهوم التوحيد ومعنى التنزيه، وأن لهاتين العقيدتين أثرًا على نفس معتقدهما من جهة التأديب النفساني، والموحدون يشعرون بعاطفة الاستقلال والحرية، بحكم عقيدتهم، فلا رازق إلا الله ولا نافع ولا ضار إلا الله، قال في هذا المعنى: تخيل أمة يكثر في آحادها الموحدون الصادقون، ثم انظر كيف تعدم فيها تانك السلطتان الضارتان، سلطة الملوك المطلقتين، وسلطة الرؤساء الدينيين، وما نشأ عن التوحيد من عواطف أخرى، فمما لا يستقل باستيفائه كتاب، فعقيدة التوحيد تهب على الروح الإنسانية بأدب إلهي لا يقتصر على تأدية الإنسان لأرقى مظاهر الكمال الدنيوي فقط، بل يؤديه لأسمى منصات الرقي الروحاني أيضًا.
الرقي المادي والشكوك في الدين:
ما هذا التلازم بين الرقي المادي والشكوك في الدين؟ (ملاحظة: لا يعني بالرقي المادي والكمالات الصورية تلوين الأواني وتزويق الألبسة وإقامة المراقص والملاعب، وإنما المتاع بالمزايا العظيمة التي خلقها الله في الطبيعة، وتحسين الحياة الجسدية بما لا يفتن العقل والنفس).
حتى يجيب على هذا السؤال، بيّن أن الناس أمام هذه العقيدة على أصناف:
١ - معتقد بها، مصدق لها بالبرهان، وعامل بما يقتضيه.
стр. 1233
٢ - غير معتقد بها.
٣ - معتقد بها بالوراثة.
وكلٌّ من هذه الأصناف له دستور خاص في الحياة، يلائم مكانه من هذه العقيدة.
وبعد التحليلات الفلسفية قرر أن لكل من المعتقد وغير المعتقد دافعًا يدفعه إلى الرقي والتقدم، وأن رقي الأول يشمل الرقي الروحي والجسدي، أما الثاني فرقته محدود في عالم المادة فقط، والمعتقد بالوراثة لا حظ له من أحد هذين الدافعين، ولا يليق به إلا أن يكون تبعا لأحد هذين الصنفين.
إن الدافع الذي يدفع المعتقد للتقدم للأمام هو (طلب الكمال) بمعناه الحقيقي الذي ينال به كمال الروح وكمال الجسد، أما غير المعتقد الذي يرى نفسه مدفوعًا لتكميل بدنه وإشباع حواسه فمبدأه (تنازع الحياة)، فلا ينال إلا كمال الجسد، وهو لا يرى سعادته إلا في نيل أقصى ما يستطيعه من المال والجاه، فتراه يتنازع الناس فيهما منازعة اليائس المستميت بما يراه أحسن الوسائل.
وهذا دافع عظيم للحياة ودستور كبير للبقاء.
من هنا ترى أنه ليس بعجيب أن ينال غير المعتقدين مدنية زاهرة وحضارة باهرة، ولكن لا ترى فيها نصيبًا للروح، فترى أن الحق فيها مع القوة والحكم للسيف والفتوة.
كيف كان العالم قبل بعثة النبي ﷺ -:
تحدث عن الاضطرابات والفتن والحروب التي كانت سائدة في العالم كله، وكانت شبه الجزيرة العربية جغرافيا بعيدة عن هذه الفتن، وعن الديانات التي كانت سائدة قبل بعثة النبي ﷺ : اليهودية والنصرانية والوثنية، وأن الوثنيين كانوا هم السواد الأعظم.
стр. 1234
هذه هى الأحوال العمومية التي أرسل فيها النبي ﷺ ، وتنحصر أعمال النبي ﷺ في أربع حوادث مهمة:
١ - إبداله الوثنية بالتوحيد
٢ - تهيبه لأخلاقهم
٣ - ربط قبائلهم برباط الإخاء، وجعلهم أمة وثيقة العرى
٤ - تكوينه لقانون كامل أداهم للمدينة الفاضلة.
هذه حوادث اجتماعية تحتاج إلى تعليل مقبول تطمئن إليه النفس، وليس أمامنا إلا أحد فرضين، وهما إما التسليم بأن محمدًا ﷺ رسول الله حقيقة، وإما فرض أنه ليس رسولًا، وأنه وصل إلى ما وصل إليه بالتدبير وحسن السياسة.
ثم ناقش هذا القول الثاني وما ينبني عليه من أمور، وأثبت بطلانها، ثم قال: هذه فروض يقتضيها زعم من يتجاسر فيزعم أن محمدًا ﷺ ليس برسول، وقد أريناك مكانها من العلم، فلم يبقَ أمامنا إلا الفرض الأول، وهو أنه رسول رب العالمين.
ثم عرض للمقصد السامي الذي أنزل القرآن من أجله، وهو تربية الإنسان تربية صحيحة، حاصلًا على كمال طبيعته الجسدية والروحية، ومن أجل إيصال الإنسان لهذه المكانة اتبع معه مختلف الوسائل، وأتبع ذلك بالحديث عن كل شعبة من شعب الأدب الإلهي أودعه زبدة ما يرمي إليه العلم العمري، ثم بما قرره فيه الكلام الإلهي.
ثم ذكر أن الإنسان فُطِر على أن يبحث في أمرين: أمر دينه وأمر دنياه، وقد سمى الأوروبيون اليوم الأمر الأول بالفلسفة، لأن الأديان بنظرهم لا توصل إلى حقيقة، ولأن الفلسفة يجب أن تكون حسية عملية، وسموا الأمر الثاني بالعلم الطبيعي، وقالوا إن كل نظرية لا تعد من العلم إلا إذا أسعفتها التجربة وقوّاها الاختبار.
стр. 1235
على هذين الأصلين قام الفكر العصري، فسقطت أمامه كل مدركات الأديان المحرفة، فتوهمت الفلسفة العصرية بالنظر لهذه الأصول أنها أول من خلص العالم من أسر التقاليد والظنون، ولم تدرِ أن هذا القرآن قد سبقها بثلاثة عشر قرنًا في تقرير تلك المبادئ.
تحدث عن مسألة اللاهوت في نظر الفلسفة العصرية المعتدلة، فهي تقدر أن مسألة وجود الخالق من المسائل التي لا تحتمل كثرة الأخذ والرد، لكلنها وقفت موقف التحفظ خشية إحداث التفريق بين الأمم؛ لأن لكل أمة عقلًا يخصها، وقد قرر القرآن الكريم كثيرًا من المعاني التي أثبتتها الفلسفة للخالق، ولكنا قبلها بقرون.
الرسل في نظر القرآن:
عقد بابًا في تاريخ علوم ما وراء المادة، ومجموع ما حصله العالم من المشاهدات الروحانية الخارقة للعادة، ليخلص أنها أمر لا يُستهان به يوجب على أعصى الناس على العقائد أن يعترف بوجود العالم الروحاني، وقد اعترف بهذا أئمة الشكوك في أوروبا وأمريكا، ومجرد الاعتراف بهذا العالم الروحاني يكفي لإعداد الفؤاد لقبول العقيدة بالرسل، فإن الرسول وجد بينه وبين ذلك العالم اتصال على نحو أرقى مما يجربه المجربون في أوروبا، فقد انكشف لهم هذا العالم باستعداد فطرتهم وبتخصيص الله تعالى إياهم للرسالة.
الإسلام:
هو الدين الذي اتحد جميع الرسل على نشره، وتخليصه من شوائب ما وضعه الواضعون فيه، فلم يرسل رسول الله ﷺ ، ليؤسس دينًا جديدًا في أمة معينة، ولكن ليصلح سائر الأديان مما طرأ عليها بهداية الأمم للدين الأصلي الذي أرسل الله به المرسلين، وأن الديانة الحقة أن يؤمن الإنسان بجميع رسل الله من أولهم إلى آخرهم، وهذا ما بُني عليه دين الإسلام، وهذا الدين سيكون في يوم من الأيام الديانة العامة اضطرارًا لا اخيارًا؛ لأنه لماذا يكون الإنسان يهوديا ولا يكون بوذيًا؟
стр. 1236
أو لماذا يكون مسيحيًا ولا يكون برهميًا؟ وبأي مرجح يعتقد الإنسان برسول دون غيره، وها نحن في زمان أخذت فيه الأمم تتعارف، وأخذت نواميس الحياة تسوقها سوقًا إلى وحدة العقائد، من هنا حدث شعور عام بضرورة وجود دين عام.
الإسلام هو الدين الحق العادل العام الصالح لأن يجمع كافة الشعوب والأمم، ويؤاخي بينهم ويرضيهم جميعًا.
الأديان في نظر القرآن:
الأديان كما هي عليه اليوم بكتبها وأساطيرها هي مجموع أقوال رؤساء المعابد، علقوها شرحًا على الوحي الإلهي، أو كتبوها بأيديهم، وزعموا أنها وحي من عند الله، ولو كانت وحيًا كما يقولون لاتحدت جميع الأديان في أصولها وفروعها؛ لأن إله الكل واحد، ولا يعقل أنه يوحي إلى أمة ما يوحيه إلى الأخرى.
الناس في نظر القرآن:
الناس في نظر القرآن ثلاثة أقسام:
مسلمون، وهم المؤمنون بجميع رسل الله وكتبه، وقائمون من الدين على طريق الفطرة والاعتدال، وأهل الكتاب، كاليهود والنصارى، وهم الذين لهم كتاب سماوي، والمشركون وهم الوثنيون، وقد جاء القرآن بأحكام عامة تشمل كل هذه الأقسام مثل العدل، وأنه تعالى رب العالمين كلهم، أي مربيهم، وأحكام خاصة تخص كل منهم على حدة، فمثلًا حتم القرآن على المسلمين أن يكونوا إخوانًا تجمعهم وحدة الدين، وخولهم حق تأديب العالم وإرجاعه عن غيّه، أما الكافرون، فإن كان بيننا وبينهم ذمة فلهم حق الحماية، وإن كانوا محاربين، فنعطيهم السيف مراعين تقوى الله.
ثم تحدث عن الإنسان في نظر القرآن أنه أكرم الكائنات، وأن القرآن الكريم أكسب الإنسان فكرة صحيحة، عن عظمة الوجود، وبيّن له موقفه من الدنيا، وماذا
стр. 1237
يجب عليه أن يعمل فيها، وبيّن نظرة القرآن للحكومة بأنه أتى عليها بقوانين عامة، وترك للأمة الخيار في الشكل الذي تختاره.
وعرّج على الجهاد وأهميته، ونظرة القرآن له حيث أوجبه في بعض الأحيان، ولكنه أحاطه بقوانين بما لا يوجد مثله في العالم الوضعي.
النسخ في القرآن:
تحدث عن النسخ في القرآن، وأنه جاء مراعاة لتغير الأمة من حال إلى حال، وبما يتناسب مع أن رسالة سيدنا محمد ﷺ خاتمة الرسالات.
الولاية والكرامة:
عرض لمفهوم الولاية والكرامة، وبيّن أن الولي يُطلق على كل مؤمن تقي، أما الكرامة التي يكرم الله بها أولياءه، فلا يشترط أن تكون من الأمور الخارقة للعادة، فإن من الكرامة أن يوفقه للطاعات، ولهديه للكمالات.
وما يشاهد لدى بعضهم من كشف المغيبات أو تخلف بعض الكائنات عن طبائعها في بعض الأحوال على يديه فذلك من الكرامات أيضًا، وهي أحوال تلازم بعض المتفرغين للعبادات والرياضيات من أهل الفطر السليمة.
... وقد تحدثُ على يد ذلك الصالح أمور خارقة للعادة، لا يريدها، وربما تستر من أجلها.
هذا ما يقال من أمر الولاية والكرامة على مذهب القرآن، أما ما وراء ذلك من دفن الصالحين في مدافن خاصة ورفع القباب عليهم، وتقريب القرابين إليهم، والاستغاثة في الملمات بهم، فمن أشد مناهي الشرع، وهي من أفظع البدع.
الشفاعة والتوسل في القرآن:
ذكر الله تعالى في كتابه مسألة الشفاعة مرارًا، وقد ورد أن رسول الله ﷺ يشفع للمسلمين، فإن صدق هذا الحديث، فلن يشفع إلا لمن يأذن الله له بالشفاعة لهم
стр. 1238
ممن يستحقون العفو على مقتضى العفو الإلهي.
أما التوسل، فلم يرد فيه حديث إلا من طريق الآحاد، ولا أثر لهذا الأمر في القرآن ولا في السنة المتواترة، ولم يرد على ألسنة الصحابة كما تدل عليه الأدعية المأثورة عنهم من طريق صحيح.
والذي نراه اجتناب الأمور المشكوك فيها احتياطًا للدين.
أقول: لقد صحت الأحاديث التي تثبت شفاعة الرسول ﷺ ، أما التوسل فقد وردت فيه أحاديث آحاد، ، لذلك اختلف الناس فيه اختلافا كبيرًا، فمنهم المفرِط ومنهم المفرِّط، منهم من يعدّ أن التوسل نوع من أنواع الشرك الأكبر، ومنهم من يفتح فيه الباب على مصراعيه، ولكلٍّ من هذين الفريقين ما ينبغي أن ينُاقش فيه، ولقد ذكر العلامة الألوسي في تفسيره الفذ روح المعاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] كلامًا كثيرًا ناقش فيه الآراء المتعددة، وخلص إلى القول بأن التوسل لا يجوز بأحد من الخلق إلا للرسول عليه وآله الصلاة والسلام، ومن قبل الألوسي ﵀ ذكر العلامة المناوي في كتابه كثير الفوائد (فيض القدير شرح الجامع الصغير) عند شرحه لحديث الأعمى الذي طلب من الرسول أن يدعو الله ليعيد له بصره، ذكر ﵀ أن التوسل بالرسول ﷺ كان أمرًا مجمعًا عليه لم يخالف فيه أحد من العلماء، حتى جاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله الجميع، فهو أول من حرم التوسل بالرسول ﷺ ، ولست بصدد مناقشة هذه القضية لكني أحببت أن أعلق على ما ذكره الأستاذ محمد فريد وجدي ﵀.
القضاء والقدر في نظر القرآن:
النظر المجرد في الكون يدلنا على أنه قائم على نظام ثابت والبحث في هذا يدلنا على أن له قوانين ونواميس تمسكه وتحفظه، فلا تحدث في الهواء حركة ولا تسقط من شجرة ورقة إلا تبعًا لقانون ثابت، وفاعل مؤثر، هذا الأثر مشاهد في عوالم
стр. 1239
الجمادات والنباتات أتم مشاهدة، وهو في عالم الحيوانات أقل ظهورًا لما متعت به من الحس والحركة، وهو في العالم الإنساني يحتاج لتأمل ونظر، فلو قلت للمتوحش: إن كل حركة وسكنة فيك تابعة لقانون ثابت شك في قولك إنْ لم يكن أخذه من طريق الدين بالتسليم.
اتحد الدين والعلم الطبيعي على أن الإنسان مجبر على أفعاله حتى إن أحد رؤوس الماديين العصريين بوشنر الألماني قال إن الحرية الإنسانية التي اعتبرها الروحيون مبدأ للاختيار والإرادة وهمٌ باطل، فإن الإنسان في ذاته حادث طبيعي محكوم بالطبيعة التي كونته والمناخ الذي ربّاه، والوسط الذي يقله، والجنس الذي نشأ منه، والتربية التي غرست فيه من صغره.
يتصدق الرجل منا مثلًا، فإن سألته عن السبب الذي حمله على التصدق قال لك: إرادتي، فإن سألته: وما الذي حمل إرادتك؟ قال: شفقتي، فإن قلت: وما الذي أوجد لك الشفقة دون جارك، قال: ورثتها عن أبي وجدي، أو من طبيعة مزاجي.
فإن سألته: ومن الذي أوجد لك هذا المزاج وصوّر أباك شفيقًا؟ قال: الله تعالى بما أوجده من عوامل، إذن فقد حكمتما بأن الباعث للصدقة في الواقع هو الله، وهكذا تستطيع أن تصعد بسائر أعمالك إلى موجدها الله .
هذا معنى القضاء والقدر، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وبعد أن أثبت الله تعالى علمه بالجزئيات قرر في آية أخرى بأن كل الحوادث هو فاعلها، فقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
стр. 1240
إذا تقرر هذا قال لنا قائل: إذا كانت أعمال الإنسان مقدرة عليه تقديرًا، فكيف يصحّ أن يعاقبه في الآخرة على فعل ليس هو فاعله في الحقيقة؟ .
حل هذه المسألة يقتضي أن ندرك كنه علاقة الإنسان بالخالق، وكيفية ترتب الأحوال في العالم الأخروي على أعمال الإنسان في هذا العالم، وحكمة خلق الشر في الدنيا، وحقيقة النظام الكوني من حيث عوامله وكائتاته، وغاية كل منها، والخلاصة أن حل هذه المسألة العويصة يستدعي تمام الإلمام بمسائل ليس للإنسان منها إلا علم سطحي لا يغني عن الكنه شيئًا، ولو سمحنا لأنفسنا بالخوض في هذه المسألة مع جهلنا لمقدماتها كنا كالجهال يرون الترامواي سائرًا، فيعللون حركته تعليلًا طفليًا يضحك العاقل، ويضل الجاهل، فوقوفنا أمام هذه المسألة سببه جهلنا بمقدماتها، فإذا انتظرنا حتى يفتح الله علينا بالمقدمات، كان كلامنا فيها عن بصيرة وبيّنة.
إنا نستطيع أن نذكر في هذه الموضوع كلامًا ننفي به عن أنفسنا أمام البسطاء صفة الجهل، ولكنا نعلم أن ما من حل لهذه المسألة إلا وهو قابل للانتقاد والرد، فليجعل كل منا هذه المسألة مما يسأل الله هدايته إلى حله، وليتق الله في الطلب، وهو يفتح عليه من العلم والطمأنينة ما لا يجد بعضه بالجدال والخصومة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أقول: إن أمر القدر من الأمور التي تاهت فيه كثير من العقول وقد عرضت لشيء من هذا في الكتاب الأول عند حديثي عن الدكتور مصطفى محمود، حيث عرض إلى قضية القدر، وكان لا بد من مناقشته هناك، على أن الأستاذ محمد فريد وجدي ﵀ قد يكون أصاب كبد الحقيقة حينما قرر أن هذه القضية من القضايا التي سيظل الإنسان فيها محتاجًا إلى تعليم الله وهدايته، ولعل من سلامة العقيدة أن تدرس هذه القضية على ضوء الهدي الرباني في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وللعلامة الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في دار الخلافة عرض مبسط، فقد
стр. 1241
تحدث عن هذه القضية في كتابه (موقف العقل)، وهو كتاب مكون من أربعة أجزاء، كما تحدث عنها في كتاب خاص بالقدر وما يتصل به، ونحن راضون بكل ما هو من الله ﵎، لأن عبوديتنا لته لا تتم إلا بأمرين، أولًا: أن نفعل ما يرضيه، وثانيًا: أن نرضى بما يفعله، وأن ذلك كله من الحكم الإلهية، وما أجمل قول القائل:
يا حاكمي وحكيمي ... أفعالك الكل حكمة
وقول الآخر:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلًا ... وجدت جميع الكائنات ملاحا
وقول الآخر: لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع، وصدق الله ﵎:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
النعيم والعذاب الأخرويان:
ناقش مفهوم النعيم الأخروي، وأثبت بالبرهان أنه مادي حسي، وأنه على المثال الذي حكاه الله تعالى لنا، لأنه لا موجب لتأويل كلام الله مع تكرر نصوصه في ذلك، ونفى أن يكون الله قد أورد النعيم الأخروي وصوره للتأثير على أفكار العرب بما يحبون كما زعم ذلك بعض الأوروبيين ومن قلدهم من المسلمين، وأثبت بالبرهان العقلي أن البعث بالروح والجسد.
أما العذاب الأخروي، فللناس فيه مذاهب، فحمل جمهور المسلمين الآيات الواردة فيه على ظاهرها، وقالوا إنها نار متأججة لها شرور ووقود ودخان، إلخ، وقالت طائفة قليلة من الصوفية والمعتزلة: بل هي نار معنوية، وما ورد فيها من الآيات فهو من قبيل المجاز لا الحقيقة، كما هو أسلوب اللغة العربية في مواطن الترغيب والترهيب وما شاكلها، ويذهب بعض العصريين من أصحاب البصر في
стр. 1242
الدين إلى هذا القول الأخير لمناسبته لعقولهم وموافقته لفلسفتهم، فإنهم يشبهون حال الإنسان الذي عاش عمره في هذه الأرض غير مفكر إلا في شهواته وأطماعه المادية، ولم يقدم لنفسه عملًا روحانيًا، فلا جرم سيعيش في العالم الأخروي كما يعيش من لا رأس مال له في الدنيا، أي فقيرًا عاملًا يتعب وينصب طول عمره.
فأصحاب المال في الدنيا كأنهم في نعيم والفقراء في الدنيا كأنهم في جحيم، فتنقلب الحال في العالم الأخروي، وهذا تشبيه مع الفارق، لأن لهذا العالم شؤونًا غير شؤون العالم الأخروي.
هذا فكر بعض العصريين، والمؤمن يجب عليه أن يبرأ إلى الله من كل ظن لا يحققه بعلم يقين، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لإسراء: ٣٦] والأحوط أن يعتقد بالثواب والعقاب، ويكل تحقيق ذلك إلى مولاه، فهو ولي الكفاية.
رحم الله الأستاذ محمد فريد وجدي، حيث ثبت ولم ينزلق، وحوَّم ولكنه وقع على الحقيقة، فهو لم يذهب كما شطح غيره إلى إنكار النعيم المادي وغيره، ولقد عرضت لهذه القضية في الكتاب الأول عند حديثي عن الأستاذ عبد القادر المغربي ﵀، وهو من رجال مدرسة المنار، حيث ادعى بكل ما عنده من قوة عارضة وجزالة أسلوب بأن ما في القرآن الكريم من أخبار النعيم وما يتصل به ليس إلا تقريبًا للعقول، وسامح الله الشيخ المغربي ومن سار سيره.
جمع القرآن:
بيّن مراحل جمع القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وعثمان.
القراءات:
ختم المقدمة بكلام موجز عن القراءات، فقال: لما نزل القرآن وحفظه الناس في صدورهم كانوا يقرأونه على وجوه مختلفة بحسب لغاتهم، وللعرب لغات
стр. 1243
متعددة، أفصحها سبعة، وأرجحها كلها لغة قريش، ورخص للناس أن يقرأوا القرآن بلغاتهم، فوقع الخلاف بين الصحابة في بعض الآيات باختلاف وجوه القراءة، فقال النبي ﷺ : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف"، فصارت وجوه القراءة في الأمصار مختلفة باختلاف لغاتهم مع اختلاف مأخذهم، [ذكر مأخذ أهل كل مِصر]، ثم قال: وكان كل قطر يدعي أنه أهدى سبيلًا في قراءته، فخشي عثمان هذا الاختلاف، فجعل القراءة بلغة قريش دون غيرها.
ولكن لم يمض على أمره هذا غير زمن قصير حتى عادوا إلى ما كانوا عليه قبل الاختلاف في القراءة، يتبع كل قطر قارئًا، ويثق به، ثم استقر أمر الناس على سبع قرأءات معينة تواتر نقلها من القراء.
ثم ذكر أصحابَ القراءات، ثم قال: على أن القراءات السبع قد أُصعدت إلى عشر، وعُدَّت كلها أصولًا للمَراءة، وهي كلها جائزة يصلى بها على السواء بخلاف الشاذة.
واختلاف القراءات العشر منحصرة في اختلاف الألفاظ في الحروف أو في كيفيتها من تخفيفه أو تشديد وغيرها، وذكر أمثلة، وختم بتعريف القراءة الشاذة بأنها تكون بتغيير ذات الألفاظ في بعض المواطن مما يغير معنى الآية، ولا تجوز بها الصلاة.
أقوله: إن حديث الأستاذ عن الأحرف والقراءات ينقصه شيء من التحرير والدقة رحم الله الأستاذ محمد فريد وجدي عما قدم لهذا الدين.
ثانيًا: منهجه في التفسير:
أقدم الأستاذ على وضع تفسير موجز للقرآن الكريم بهدف تقريب معانيه للناس؛ وبخاصة الذين لا يملكون الوقت للإطلاع على كتب التفسير المطولة، أو أولئك الذين لا يقدرون على إدراك أغراض المؤلفين السابقين، وتتميمًا للفائدة جعله على شكل المصاحف العادية، وجعل تفسير كل صفحة في هامشها.
стр. 1244
وقد استخلص هذا التفسير بشكل واضح من الآراء المجمع عليها لدى أئمة المفسرين، وأقطاب أهل السنة، وكان يشرح اللفظ حيث صادفه، ولا يحيل، يقول في المقدمة: "والتزمنا أن نشرح اللفظ حيث وجدناه، ولو صادفنا في كل صفحة من صفحات المصحف، وهذا ما لم يعمله مفسر من المتقدمين؛ فإنه متى أتى على شرح اللفظ في سورة من السور، ثم صادفه في سورة أخرى أهمله من الشرح اعتمادًا على سبق الكلام فيه".
يقسم تفسير الآيات قسمين، تفسير الألفاظ، وتفسير المعاني، يبين فيه المعنى الإجمالي للآية، وأفرد قسمًا ثالثًا في (صفوة العرفان) لبيان القراءات، ويبدأ مباشرة ببيان معنى السورة دون أن يقدم للسورة بمقدمة، ولا يعطي فكرة عن مكيتها ومدنيتها، أو موضوعها.
يمتاز أسلوبه بالسهولة واليسر، عباراته واضحة، يفسر الآية حسب ما يبدو ظاهرًا منها، ولا يحاول الغوص وراء الألفاظ، واستخراج ما ترشد إليه.
الجانب اللغوي في التفسير:
اهتمام الشيخ بجوانب اللغة في التفسير ملحوظ، حيث شرح المفردات، وجاء بأصولها اللغوية، وقد يأتي بأكثر من معنى للفظ الواحد، وهذا الجانب من أهم الجوانب في هذا التفسير.
- يقول عند قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].: العقب مؤخر القدم، يقال: جاء فلان بعَقب فلان أو بعُقبه، أي جاء بعده، ومعناه: جاء يطأ عقبه، ثم كثر حتى قيل: جاء عقبه.
- ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]: أي معلَّمين، من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء، أو مرسلين، من التسويم بمعني الإسامة وهو الإرسال.
- ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]: يمحق: ينقصه ويذهب بركته، ومنه المحاق
стр. 1245
لآخر الشهر إذا انمحق الهلال.
- ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]: الشفا حرف كل شيء وحدّه، تثنيته شفوان، وجمعه أشفاء، ويقال: ما بقي منه إلا شفا، أي قليل.
- ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]: افترى، أي اختلق، وأصله الفري، وهو قطع الجلد لخرزه وإصلاحه، والإفراء لإفساده، والافتراء يستعمل فيهما وأكثر استعماله في الإفساد، وقد استعمل في القرآن الكريم بمعنى الكذب والشرك والظلم.
- ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [لأنبياء: ١١]: أي وكم أهلكنا من قرية، والقصم كسر يبطل تلاؤمها وحركتها، فعله قصمه يقصمه قصمًا.
- ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [لفرقان: ٣٢]: أي وقرأناه عليك شيئًا فشيئًا على تؤدة، وأصل الترتيل تفليج الأسنان، أي جعل بعضها متباعدًا عن بعض، شبه بها نزول القرآن مفرقًا.
* وظهر اهتمامه الشديد والملحوظ باشتقاقات الألفاظ من أول التفسير إلى آخره:
- يقول عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]: يصرفون، أفكه يأفكه إفكًا، صرفه وقلب رأيه، فهو أفيك ومأفوك.
- وقوله ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ [النساء: ١١٢]: أي ظلمًا وباطلًا، يقال: بهته يبهته بهتًا وبهتانًا، قذفه بالباطل.
- وقوله ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ [القيامة: ٣٣]: يتمطى: يتبختر، مشتق من المط وهو المد، فإن المتبختر يمد خطاه، أو من المطا، وهو الظهر، فإن المتبختر يلويه.
* وتخلل بيان المفردات فوائد لغوية تتعلق باللفظ الذي يتناوله:
- يقول عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١]: وهو من الأفعال التي لها معنيان متضادان: بقي وذهب.
стр. 1246
- وعند قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨]: (بلى) تستعمل ردًّا لنفي، وتستعمل أيضًا جوابًا لاستفهام مقترن بنفي، نحو: (ألست بربكم؟ قالوا: بلى).
- ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]: طفق مختص بالإثبات، فلا يقال ما طفق.
- ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]: الكيد ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذموما وممدوحًا، وأكثر استعماله في المذموم.
- ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]: خير: الأفصح حذف الألف منها ومن أشر، فيقال: هذه خير أمة وتلك شر أمة.
* في كثير من الأحيان كان الشيخ يعرض للمباحث البلاغية في الآيات الكريمة، ولكن بإيجاز، انسجامًا مع أسلوبه المختصر والسهل الذي نهجه في تفسيره:
- يقول عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]: الريح مستعارة للدولة من حيث إنها في سريان أمرها ونفوذ سلطانها تشبه الريح في هبوبها وامتدادها.
- ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]: كأنه ضمّن (عجل) معنى (سبق) فعدّى تعديته.
- ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]: نكر (آيات) للتفخيم.
- ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]: استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس بتمامه.
- ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]: استفهام إنكار للنفي، مبالغة في الإثبات.
- ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]: (زهرة) منصوب بمحذوف، دلَّ عليه متعنا على تضمينه معنى أعطينا.
стр. 1247
- ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]: أي لا تقدموا أمرًا، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن.
- ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]: هذا وعد من الله لرسوله بفتح مكة، وعبّر بالماضي لتحققه.
- ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]: وهو أبلغ من الحياة، لما في بناء فعَلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة.
- ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤]: وإنما خصّ التوفي بالذكر للتهديد.
* كان على عناية بذكر معاني الحروف:
- ومن ذلك عند قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]: قيل (أم) هنا منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت، وقيل: هي متصلة بمحذوف، تقديره: أكنتم غائبين أم كنتم شهداء.
- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]: (لمّا) مثل (لم) للنفي، إلا أن منفيها مستمر النفي إلى وقت التكلم.
- ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]: الهمزة للتوبيخ.
- ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ [لأنعام: ١٩]: الهمزة للإنكار.
*كان حريصًا على بيان وجه الإعراب، وخصوصًا ما له تعلّق بتوضيح المعنى ومما ورد في تفسيره:
- عند قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]: وإنما نصب (أياما) بفعل مضمر تقديره صوموا.
стр. 1248
- ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]: متعلق بمحذوف، تقديره: اجعلوا ما تنفقون للفقراء.
- ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٧]: اللام للقسم، وإنْ حرف شرط جازم.
- ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]: (رسلا) نصب على المدح، أو بإضمار (وأرسلنا) أو على الحال.
- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧]: (بالحق): صفة مصدر محذوف، أي تلاوة ملتبسة بالحق.
- ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [لأنعام: ١٤٥]: (فسقًا) معطوف على لحم خنزير.
- ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]: أي أفنضرب عنكلم الذكر ضربًا، وهو مصدر من غير لفظه.
مسائل علوم القرآن في التفسير:
* يذكر أسباب النزول، بدون سند، وبدون تخريج، فيأتي بالمقبول وغير المقبول، ولا يحكم على الرواية، فلا يذكر درجتها من الصحة، ولا يعقِّب:
- يقول عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]: نزلت هذه الآية في بني قريظة وبني النضير وكانوا من اليهود، فكان كلما تقاتل هؤلاء نصرهم حلفاؤهم، فكان اليهود بسبب ذلك يقاتل بعضهم بعضًا.
- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]: نزلت هاتان الآيتان وما بعدهما في بعض اليهود، وقد قدموا إلى مكة ليحالفوا أهلها على قتال رسول الله، فقال لهم المشركون: أنتم أهل كتاب ولا نأمنكم، فاسجدوا لآلهتنا، ففعلوا.
стр. 1249
- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]: سبب نزول هذه الآية اختلاف المسلمين في غنائم بدر: كيف تقسم؟ ومن يقسمها ... إلخ.
- ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَاليْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]: سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي طلبن إليه أن يسمح لهن بالتزين، وأن يزيد لهن النفقة، فأمره الله أن يخيرهن بين الإصرار على طلبهن وبين البقاء مع رسوله، فاخترن كلهن البقاء مع رسوله وأقلعن عن طلبهن.
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]: سبب نزول هذه الآية أن أرسل رجلًا إلى بني المصطلق ليتعرف أحوالهم، وكان بينه وبينهم عداء، فاستقبلوه فظنهم مقاتليه، فعاد وأخبر بأنهم ارتدوا، فبعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم مقيمين على الإسلام.
* يشير إلى الآيات الناسخة والمنسوخة: ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى:
- ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]: نقول إن النسخ ضروري في الأحكام بسبب تطور الأمم وترقيها وتدليها، وإن الإسلام دين عملي فلا مناص له من مسايرة المجتمع الإنساني في تقلباته حتى يبلغ به كمالًا، أليس هذا أولى من بقاء الأحكام على حالة واحدة، فيضطر الآخذون بالدين لتركها واللجوء إلى تشريع أجنبي؟ .
- ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]: فرضي الله إذا أوشك أحدكم على الموت، وكان ذا مال أن يوصي بثلثه لوالديه وأقربائه بالعدل والمساواة، وكان هذا الحكم ساريًا في أول الإسلام قبل تعيين المواريث، فلما نزلت آيات المواريث نسخ هذا الحكم.
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [ ... إلخ الآية]﴾ [المائدة: ٢]: هذا منسوخ بآية براءة.
стр. 1250
- ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]: أي أن المتوفى يوصي قبل موته أن تمتع امرأته حولًا كاملّا بالسكنى والنفقة غير مخرجة من بيت زوجها مدة الحول، وقد كان هذا في أول الإسلام قبل أن تورّث المرأة، فلما ورّثها الشرع نسخت هذه المدة، وأبدلت مدة العدة بها أي أربعة أشهر وعشرة أيام.
* كان حريصًا على بيان وجوه القراءات في الآيات، دون تمييز المتواتر من الشاذ، ودون تعقيب، وغالبًا يبين وجهها، وقليلًا ما ينسب القراءة إلى قارئها:
ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى:
- ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]: الإبكار بكسر الهمزة، وقرى بفتح الهمزة، جمع بَكَر، كأسحار جمع سحر.
- ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤]: قرى الوِلاية بمعنى السلطان والملك.
- ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥]: قرأها ابن عامر وأبو بكر مودة بينكم.
- ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]: وقرئ: لا مستقر لها، أي لا سكون لها.
- ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]: قرى جَبْلًا وجُبْلًا، وكلها لغات بمعنى الخلق.
- ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]: أي ليعلموا ولا زائدة، ويؤيده أنه قرئ: ليعلم ولكي يعلم، ولأن يعلم.
- ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال﴾ [إبراهيم: ٤٦]: قرأ الكسائي لتزولُ منه الجبال، على أن (إنْ) مخففة واللام فاصلة، ويكون معناها تعظيم مكرهم.
стр. 1251
* موقفه من الإسرائيليات:
وقع الشيخ في الإسرائيليات وتعيين المبهمات، وفي ذكر ما لا فائدة منه، دون التنبيه عليها:
- عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]: إدريس هو حفيد شيث وجد أبي نوح واسمه اخنوخ، روي أن الله أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب.
- ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]: هي بلقيس بنت شراحبيلا، وقد أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في ترفهم، ولها سرير ملك عظيم، قيل: كان ثلاثين ذراعًا في ثلاثين أو ثمانين في ثمانين من ذهب وفضة ومرصعًا بالأحجار الكريمة.
- ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]: التابوت الصندوق وهو الصندوق المحفوظ فيه التوراة، وكان من خشب الشمشاد مموهًا بالذهب.
- ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١]: وسخرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب تحمل بساطه، وتجري به إلى الأرض التي باركنا فيها.
- ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]: لقمان هو الحكيم لقمان ابن باعورا من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته، أدرك أيوب وأخذ منه العلم.
- ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]: قيل إن المرسلين هما يوحنا وبولس من حوالي عيسى، وثالثهم هو شمعون، وإن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى هو حبيب النجار من الحواريين أيضًا.
- ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١]: قيل إن داود هوى امرأة، فاستنزل زوجها عنها وتزوجها، وكان له تسع وتسعون زوجة، وقيل أخذ يكثر من إرسال
стр. 1252
زوجها إلى الحروب ويقدمه فيها حتى قتل، فأرسل الله إليه ملكين يتحاكمان إليه على هذا النحو ليتنبه إلى ما صنع (١).
- ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١]: فقد عرضت عليه الخيول الجياد فألهته عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فتألم لذلك، وقال ردوها على فأخذ يضرب أعناقها وسيقانها بالسيف على حبه لها؛ لأنها سببت إلهاءه عن الصلاة؛ وقيل أخذ يمسح أعناقها وسيقانها محبة لها، ولقد امتحنا سليمان بمولود فشغفه حبًا، فأخذ يهتم ويتغالى في العناية به فقتلته الشياطين، وألقته على كرسيه جسدًا لا حراك يه، فأدرك سليمان أن الله امتحنه به فرجع إلى الله (٢).
* موقفه من التفسير الأثري:
لم يفسر القرآن بالقرآن ولا بالحديث، والآثار الواردة في تفسيره مقتصرة على أسباب النزول، ومن النادر جدًّا العثور على حديث يتعلق بتفسير آية، وإذا ذكره يأتي بحديث بدون سند ولا تخريج، ولا يلتزم بالصحيح من الآثار:
- يقول عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]: وقد نزلت هذه الآية لما أظهرت زينب بنت جحش ابنة عمته وأظهر أخوها إباءهما لما قرره رسول الله من تزويجها بزيد بن حارثة معتوقه، قال الله ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا، ثم إن النبي ﵊ رآها فوقعت في نفسه، فقال سبحان الله مقلب القلوب، فذكرت زينب هذا لزوجها زيد، فكلم النبي في طلاقها محتجًا بأنها تتكبر عليه لشرف نسبها، فنهاه عن تطليقها.
стр. 1253
- ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]: سئل رسول الله عن القوم الذين يقيمهم الله مقام العرب، وكان سلمان الفارسي بجانبه، فضرب فخذه، وقال: هذا وقومه.
- ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]: ما كذب القلب البصر بما حكاه له، فإن العلويات تدرك أولًا بالقلب، ثم تنتقل منه إلى البصر، وقيل: معناه ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ، لأنه عرفه بقلبه كما رآه بصره، ويؤيده أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: رأيته بفؤادي.
* نقله عمن سبق من المفسرين:
ذكر في مقدمة تفسيره أنه مستمد من أقوال المفسرين، ولكن بالمعنى لا باللفظ، لذلك فإن تفسيره يخلو من نسبة الآراء إلى مفسرين، وحين يذكر أكثر من قول، يسردها سردًا، ولا يرجح، فلا يظهر للقارى رأيه في المسألة:
- فمن ذلك عند حديثه عن: (الأحرف المقطعة في أوائل السور: هذه الأحرف وغيرها مما افتتحت به بعض السور قيل إنها من الأسرار المحجوبة، وقيل هي أسماء الله تعالى، وقيل هي أيمان الله ، وقيل هي إشارة لابتداء كلام وانتهاء كلام، وذهب الأكثرون إلى أنها أسماء للسور.
- وقوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]: أي سبع آيات وهي الفاتحة، وقيل: سبع سور وهي الطوال، وسابعها الأنفال والتوبة.
- ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]: أبي أمرنا متنعميها بالطاعة فخرجوا عن الطاعة وتمردوا، وقيل أمرنا مترفيها بالفسق من طريق القضاء والقدر عليهم، وقيل: أمرنا بمعنى كثرنا.
- ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناكها ليلة المعراج إلا اختبارًا للناس، وقد استدل القائلون بأن الإسراء
стр. 1254
والمعراج كانا منامًا بهذه الآية على صحة ما ذهبوا إليه، وذهب القائلون بأنهما كانا في اليقظة إلى أن المراد بهذه الرؤيا رؤيا رآها في وقعة بدر، لقوله: إذ يريكهم الله في منامك قليلًا، وقيل: بل هي رؤيا عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة.
- ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]: أي يوم شدة ومجاعة، فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار، أو لأن العرب تسمي الشر المتفاقم دخانًا، أو يوم ظهور الدخان المعدود من علامات القيامة.
* موقفه من آيات الأحكام:
ليس للشيخ عناية بالناحية الفقهية، فهو لا يخوض في خلافات الفقهاء، ولا يبدو في تفسيره مذهبًا فقهيًّا معينًا يتبعه، بل يفسر آيات الأحكلام كما يبدو من ظاهرها.
* موقفه من القضايا العقيدة:
يبدو من تفسيره لآيات الصفات أنه يسلك مسلك المؤولين، وهو لا يدخل في مشادات وخلافات كلامية.
- يقول: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]: واسع يسع جوده كل وجوه الفضل والإحسان.
- ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]: برفع عيسى، ومعنى المكر الاحتيال على الغير للإضرار به، وهو بهذا المعنى لا يصح إسناده إلى الله إلا للمقابلة والازدواج.
- ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]: إذ لا يؤبه بمكر دون مكره، والمكر مستحيل على الله، والمراد بالمكر هنا التدبير.
стр. 1255
- ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]: أي احتلنا ليوسف، والاحتيال مستحيل على الله، فيكون المعنى ألهمناه هذا التدبير الذي حصل به على أخيه.
- ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]: مبسوطتان أي مفتوحتان، وهو كناية عن الكرم والإحسان.
- ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: أي هم في قبضته.
- ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]: أي تحت رعايتنا.
- ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]: أي ولتربى وأنا راعيك وراقبك.
- ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [لطور: ٤٨]: أي في حفظنا، بحيث نراك ونكلأك، وإضافة جمع العين لجمع الضمير للمبالغة بكثرة أسباب الحفظ.
- ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]: أي إلا ذاته، لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء.
- ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]: يومئذٍ يوفيهم الله جزاءهم المستحق، ويعلمون أن الله هو الواجب الوجود الظاهر عدله.
- ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠]: أي بسبب أن الله هو الثابت الواجب الوجود.
- ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ] ٣، : هو الأول السابق على سائر الموجودات، من حيث إنه موجدها، والآخر الذي لا يبقى بعده شيء، وهو الظاهر بقدرته، ، إذ لا قدرة إلا وهي مفاضة منه، وهو الباطن؛ لأنه أجل وأكبر من أن يوى بالعين المادية، وهو بكل شيء عليم.
ليت الأستاذ فسر الآية بالأثر، وهو: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء؛ اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر".
стр. 1256
* أما الاستواء على العرش، فقد اضطرب في بيان معناه:
- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: أي ثم جلس على سرير الملك، وبما أن الله ليس بجسم، ولا عرض، فلا يجوز أن يؤخذ هذا الكلام على ظاهره، بل يجب تأويله، وقد سلك علماء السنة هذا المسلك، فقالوا: إن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف، أي أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزهًا عن الاستقرار والتمكن، وقالوا: العرش هو الجسم المحيط بسائر الأجسام.
- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]: أي ثم جلس على العرش، وهذا محال على الله لأنه ليس بجسم، وعليه فهو كناية عن التمكن في السلطان والاستيلاء على ناصية كل شيء.
- ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]: أي بالله البليغ الرحمة، مشتق من رحم يرحم رحمة، أي رق قلبه وعطف.
كان حقه هنا أن يبين أن هذا محال على الله، والرحمة كما قال العلماء إما أن تكون صفة فعل، وهذا ما ذهب إليه المتأخرون، وإما أن تكون صفة ذات، وهذا ما ذهب إليه المتقدمون، وآثرت كلمتي (متقدمين، ومتأخرين) على كلمتي (السلف والخلف).
مآخذ على التفسير:
١ - أكثر من القول بالزوائد:
فمن ذلك عند قوله:
- ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]: لا هنا زائدة.
- ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١]: ما مزيدة للتقليل.
- ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]: أي وهم قليل، وما مزيدة، للإبهام والتعجب من قلتهم.
стр. 1257
- ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]: وترى الملائكة محدقين بالعرش، من هنا مزيدة، ينزهون الله عن النقص.
- ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ [فصلت: ٣٦]: أي وإن ينزغنك، وما زائدة.
- ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]: أي ليعلموا، ولا زائدة.
- ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]: اللام في كلمة لمن زائدة، والمعنى ولا تصدقوا إلا من اتبع دينكم.
والأمثلة على هذا كثيرة جدًّا.
٢ - وقع في القول بالتكرار:
- حين فسر آيات تحويل القبلة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] قال: ثم كرر هذا القول تأكيدًا وزيادة بيان.
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٧]: تكرير للتأكيد أو تعميم للفكرة بعد تخصيص من نافق من المتخلفين أو ارتد من العرب.
- ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]: كررها للتأكيد.
- ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٣]: لقد تكرر ذكر موسى وفرعون في القرآن على وجوه شتى؛ لأن في تاريخهما عبرة للعرب، وزجرًا لهم عن التمادي في إهمال الدعوة الإسلامية.
وقد نفاه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]: الصلاة ذكرت أول السورة وفي الآية التاسعة، وليى هذا تكرارًا ينافي البلاغة كما قد يتوهم، فإنه ذكر الصلاة أولًا مقترنة بالخشوع، والخشوع فيها غير المحافظة عليها.
стр. 1258
٣ - أحيانًا كان يفسر الآيات بتعسّف:
- ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]: أي كبروه في أدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين ورمي الجمار.
- ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]: اسما ملكين هبطا من السماء إلى الأرض لتعليم الناس السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزًا بينه وبين المعجزة، وهذا بعيد عن العقل، وأحسن منه ما قيل من أنه عنى بالملكين رجلين صالحين سماهما ملكين لصلاحهما.
- ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ... [إلى قوله تعالى] ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]: إن إشارة الكتاب الكريم إلى معجزة إبراهيم هذه تشير إلى أن في الإنسان قوى إلهية في إمكانها بتوفيق الله أن تبعث الحياة في الجمادات، وقد دلت الأبحاث في المغناطيس الحيواني في هذا العصر على ما يجعل هذه المعجزة معقولة علميًّا. وهذا تكلف في تفسير الآية الكريمة.
- ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ويخلق لكم ما لا تعلمون من تسخير قوى البخار والكهرباء وغيرهما، وهذه من أغرب معجزات القرآن، فإنه فيه تنبوأ صريحًا بما اخترع في القرنين التاسع عشر والعشرين.
- ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ﴾ إلى آخر قصة خلق آدم ﵇، ورفض إبليس السجود [الحجر: ٢٨ - ٤٢]: نقول: ولا يصح أن يؤخذ هذا الكلام على ظاهره، فإن الله لا يُرى للملائكة ولا لإبليس، ولا يستطيع كائن من كان أن يجادله، وإنما أراد الله تصوير ما فعله الملائكة والشيطان حيال آدم، وما جاش بصدورهم عنه، فأتى بما رأيت، وهو أبلغ ما يقال في هذا المقام.
أقول: لعل هذه نزعة مستوحاة مما ذكره الشيخ محمد عبده في تفسير الآية الكريمة في سورة البقرة، وليت الأستاذ بقي على منهجه الذي عُرف به وعرفناه عنه.
стр. 1259
- ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] أي ونفخ في البوق، قيل: إذا جاء يوم القيامة نفخ إسرافيل في بوق فحييت الخلائق وخرجت من قبورها للمحشر، ونرى نحن أن النفخ في البوق كناية عن الإيذان بحلول ساعة الحشر، واللغة العربية ملأى بالكنايات والاستعارات، وقال بعض المفسرين الصور جمع صورة، ويكون معنى (ونفخ في الصور) أي بُعثت الأرواح إلى أجسادها.
- ﴿طه﴾: قيل معناه: يا رجل على لغة بني عك، وقيل: أصله طأها، على أنه أمر لرسول الله بأن يطأ الأرض بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، وقد أبدلت الألف من الهمزة، والهاء كناية عن الأرض، لكن يرد ذلك رسمها.
- ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي في ستة أوقات وأدوار، لأنه لم يكن قد خلق اليوم قبل خلقها.
- ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]: أي لأستأصلنهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض، إذا استأصل ما عليها.
ونكتفي بهذه النماذج التي أعطتنا صورة واضحة عن تفسيره الموجز.
стр. 1260
الشيخ حسنين مخلوف وتفسيره صفوة البيان لمعاني القرآن
ترجمة موجزة للشيخ حسنين محمد مخلوف (١)
١٨٩٠ م-١٩٩٠ م- ١٣٠٨ هـ-١٤١٠ هـ
هو الشيخ حسنين بن محمد بن مخلوف العدوي المالكي، مفتي مصر، فقيه، محدث، أصولي، ولد بالقاهرة، والتحق بالأزهر، وقرأ على كبار الشيوخ ومنهم والده والشيخ العلامة الأنبابي والشيخ المطيعي وغيرهم.
التحق بمدرسة القضاء الشرعي وحصل على الشهادة العالمية، وهو دون الرابعة والعشرين، فسلك بالتدريس بالأزهر، ثم عُين قاضيًا بالمحكمة الشرعية، وتدرج في وظائف القضاء، حتى صار رئيسًا لمحكمة الإسكندرية الكلية، ثم رئيسًا لتفتيش القضاء الشرعي بوزارة العدل، وشارك حينئذ في إعداد مشروعات إصلاحية لبعض القوانين، ثم انتدب للتدريس في قسم التخصص بالمدرسة المشار إليها ثلاث سنوات، عين بعدها نائبًا لرئيس المحكمة الشرعية العليا، كما عين عضوًا بجماعة كبار العلماء بالأزهر، وعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية منذ إنشائه، واختير عضوًا برابطة العالم الإسلامي وشارك بتأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
стр. 1261
شغل منصب مفتي الجمهورلة المصرية مرتين من ١٩٤٦ م-١٩٥٠ م ومن ١٩٥٢ م -١٩٥٤ م.
ثم عين رئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر مدة طويلة. حاز جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية عام ١٩٨٢ وجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام ١٩٨٣ ومنح كسوة التشريف العلمية مرتين.
وتولى رئاسة جمعية البحوث الإسلامية بالأزهر، وكذا رئاسة جمعية النهوض بالدعوة الإسلامية.
توفي في رمضان عام ١٩٩٠ م.
وكان له ﵀ مواقف في غاية القوة والرجولة، إذ وقف مدافعًا عن الحق دون هوادة. وقد أوذي في سبيل الله أيما إيذاء ولكنه ﵀ ودع الدنيا وهو من الصابرين.
من مؤلفات الشيخ:
١ - أسماء الله الحسنى والآيات الكريمة الواردة فيها.
٢ - أضواء من القرآن الكريم في فضل الطاعات وثمراتها وخطر المعاصي وعقوباتها.
٣ - أضواء من القرآن والسنة في وجوب مجاهدة جميع الأعداء.
٤ - بلوغ السؤل السؤل في مدخل علم الأصول (تحقيق).
٥ - تفسير سورة يس.
٦ - جزء عم وبهامشه كلمات القرآن تفسير وبيان.
٧ - الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثقى في علم الشريعة والطريقة والحقيقة لبحرق اليمني (تحقيق وتعليق).
٨ - حكم الشريعة في مأتم ليلة الأربعين وفيما يعمله الأحياء للأموات من الطاعات.
стр. 1262
٩ - الدعوة التامة والتذكرة العامة لعلوي الحداد (تحقيق).
١٠ - الرفق بالحيوان في الشريعة.
١١ - شرح الشفا لعلي القاري (تحقيق).
١٢ - صفوة البيان لمعاني القرآن.
١٣ - عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين لمحمد الجزري (شرح).
١٤ - فضائل نصف شعبان.
١٥ - فضائل القرآن العظيم وتلاوته.
١٦ - فتاوى شرعية وبحوث إسلامية.
١٧ - كلمات القرآن تفسير وبيان.
١٨ - المواريث في الشريعة الإسلامية.
١٩ - النصائح الدينية والوصايا الإيمانية لعبد الله الحداد (تحقيق وتعليق).
٢٠ - هداية الراغب بشرح عمدة الطالب لعثمان بن أحمد النجدي (تحقيق).
٢١ - أخطار المعاصي والآثام ووجوب التوبة منها إلى الملك العلام.
٢٢ - دعاء يوم عرفة.
٢٣ - رسالة في ختم القرآن الكريم ووجوب بر الوالدين.
٢٤ - تفسير آية الكرسي وسورة الإخلاص وسورة الضحى.
٢٥ - تفسير سورة القدر.
٢٦ - أدعية من وحي القرآن الكريم والسنة.
٢٧ - نفحات زكية من السيرة النبوية.
٢٨ - شرح الوصايا النبوية.
٢٩ - شرح وصايا الإمام علي بن أبي طالب.
стр. 1263
منهجه في تفسيره:
ويحدثنا الشيخ عن هذا التفسير، بعد كلمة عن القرآن ومكانته وهيمنته وعناية الأمة به، فيقول: (وقد رغب إلى كثير من طلاب العلم: أن أضع تفسيرًا للقرآن الكريم، واضح العبارة، داني المجتنى، مقتصرًا على ما لا بد من تفسيره من الآيات والمفردات، يستغنى به عن استيعاب المطولات، وفيها من تشعب المباحث وكثرة الأقوال، ما قد يعسر معه استخلاص المعاني القرآنية على من لم يألف أساليبها واصطلاحاتها، كما يستغنى به عن المختصرات التي يدق على الأذهان فهمها، وتنبو عن إشاراتها ... وبدأت بشرح مفردات القرآن شرحًا وافيًا على ترتيب النظم الكريم، لا على ترتيب المعاجم اللغوية، يوقف منه على المعنى بسهولة أثناء التلاوة أو السماع، مع بيان معنى بعض الآيات التي انتظمت هذه المفردات.
ولدى إعادة النظر فيه، وجدت الحاجة ماسة إلى تفسير آيات أخرى على النحو الذي قصدت، وإن لم تشتمل على غريب القرآن، فضممت تفسيرها إلى ما بدأت به، واكتمل من الجميع هذا التفسير الذي سميته: (صفوة البيان لمعاني القرآن) (١).
وقد كتب مقدمة، قبل بدئه بالتفسير، ضمنها الأمور التالية:
المكي والمدني، معنى السورة، ترتيب الآيات والسور وتسميتها، المحكم والمتشابه، وأقسام القرآن.
ويلمح القارئ لهذه الأمور، ما قلناه عن الرجل من قبل، من اعتدال في الرأي والتزام بخط جمهرة العلماء كرأيه بأن ترتيب السور توقيفي، واستشهاده بأقوال كثير من العلماء كالبغوي وابن الأنباري وابن الحصار.
стр. 1264
خصائص هذا التفسير
١ - سلفيته في تفسير آيات العقيدة:
إن المتتبع لهذا التفسير، يدرك لزوم المفسر لمذهب السلف، وثباته عليه واختياره له، ولا بد من أن نمثل ونأتي بنماذج من كلام الرجل.
أ- موقفه من آيات الصفات:
عند تفسير قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ] ٢٩ يقول:
(علا إليها وارتفع، من غير تكييف ولا تحديد ولا تشبيه، مع كمال التنزيه عن سمات المحدثات. وقد سئل مالك ﵁ عن الاستواء على العرش فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١).
ويقول:
ومن المتشابه آيات الصفات -كما قدمنا- ومذهب السلف فيها أنها صفات ثابتة لله تعالى وراء العقل، جاء بها السمع، فيجب الإيمان بها كما وردت مع وجوب اعتقاد تنزيهه تعالى من التجسيم والتشبيه، لئلا يضادّ النقل والعقل، وأن ظاهرها غير مراد قطعًا لاستحالته عليه تعالى، فإن ذاته وصفاته مخالفة لذوات المحدثات وصفاتهم، قال الإمام الشعراني وغيره: إن مذهب السلف أسلم وأحكم، وقد درج عليه صدر الأمة وساداتها، واختاره أئمة الفقه والحديث، حتى قال الإمام محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه (٢).
стр. 1265
ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ... ﴾ [البقرة: ٢٦].
(وفي الآية إشعار بصحة نسبة الحياء إليه تعالى، ومذهب السلف إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله تعالى، مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات) (١).
ويقول في تفسيره لآية الكرسي (٢): (الكرسي غير العرش، وهما مخلوقان لله تعالى، كالسماوات والأرض، ومن المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، فنفوض علم حقيقتهما إليه تعالى).
وعند قوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] يقول: قال الزمخشري: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته بمجموعه، تصوير عظمته تعالى والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، فهو تمثيل لحال عظمته تعالى، ونفاذ قدرته، بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعًا، ويمين بها يطوي السماوات، وقيل: هو تنبيه على مزيد جلالته وعظمته تعالى، بإفادة أن الأرض كلها مع عظمها وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه، فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف، كما يقال: هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه، واليمين مجاز عن القدرة التامة، والسلف -كما ذكره الألوسي- يذهبون إلى أن الكلام تنبيه على مزيد جلالته وعظمته، ورمز إلى آلهتهم -أرضية أم سماوية- مقهُورة لله تعالى، إلا أنهم لا يقولون بالتجوز بالقبضة عن الملك أو التصرف، ولا باليمين عن القدرة، بل ينزهونه تعالى عن الجوارح والأعضاء ويؤمنون بما نسبه تعالى إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذي أراده سبحانه، قال الخطابي: ليس عندنا