شغل منصب مفتي الجمهورلة المصرية مرتين من ١٩٤٦ م-١٩٥٠ م ومن ١٩٥٢ م -١٩٥٤ م.
ثم عين رئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر مدة طويلة. حاز جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية عام ١٩٨٢ وجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام ١٩٨٣ ومنح كسوة التشريف العلمية مرتين.
وتولى رئاسة جمعية البحوث الإسلامية بالأزهر، وكذا رئاسة جمعية النهوض بالدعوة الإسلامية.
توفي في رمضان عام ١٩٩٠ م.
وكان له ﵀ مواقف في غاية القوة والرجولة، إذ وقف مدافعًا عن الحق دون هوادة. وقد أوذي في سبيل الله أيما إيذاء ولكنه ﵀ ودع الدنيا وهو من الصابرين.
من مؤلفات الشيخ:
١ - أسماء الله الحسنى والآيات الكريمة الواردة فيها.
٢ - أضواء من القرآن الكريم في فضل الطاعات وثمراتها وخطر المعاصي وعقوباتها.
٣ - أضواء من القرآن والسنة في وجوب مجاهدة جميع الأعداء.
٤ - بلوغ السؤل السؤل في مدخل علم الأصول (تحقيق).
٥ - تفسير سورة يس.
٦ - جزء عم وبهامشه كلمات القرآن تفسير وبيان.
٧ - الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثقى في علم الشريعة والطريقة والحقيقة لبحرق اليمني (تحقيق وتعليق).
٨ - حكم الشريعة في مأتم ليلة الأربعين وفيما يعمله الأحياء للأموات من الطاعات.
стр. 1262
٩ - الدعوة التامة والتذكرة العامة لعلوي الحداد (تحقيق).
١٠ - الرفق بالحيوان في الشريعة.
١١ - شرح الشفا لعلي القاري (تحقيق).
١٢ - صفوة البيان لمعاني القرآن.
١٣ - عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين لمحمد الجزري (شرح).
١٤ - فضائل نصف شعبان.
١٥ - فضائل القرآن العظيم وتلاوته.
١٦ - فتاوى شرعية وبحوث إسلامية.
١٧ - كلمات القرآن تفسير وبيان.
١٨ - المواريث في الشريعة الإسلامية.
١٩ - النصائح الدينية والوصايا الإيمانية لعبد الله الحداد (تحقيق وتعليق).
٢٠ - هداية الراغب بشرح عمدة الطالب لعثمان بن أحمد النجدي (تحقيق).
٢١ - أخطار المعاصي والآثام ووجوب التوبة منها إلى الملك العلام.
٢٢ - دعاء يوم عرفة.
٢٣ - رسالة في ختم القرآن الكريم ووجوب بر الوالدين.
٢٤ - تفسير آية الكرسي وسورة الإخلاص وسورة الضحى.
٢٥ - تفسير سورة القدر.
٢٦ - أدعية من وحي القرآن الكريم والسنة.
٢٧ - نفحات زكية من السيرة النبوية.
٢٨ - شرح الوصايا النبوية.
٢٩ - شرح وصايا الإمام علي بن أبي طالب.
стр. 1263
منهجه في تفسيره:
ويحدثنا الشيخ عن هذا التفسير، بعد كلمة عن القرآن ومكانته وهيمنته وعناية الأمة به، فيقول: (وقد رغب إلى كثير من طلاب العلم: أن أضع تفسيرًا للقرآن الكريم، واضح العبارة، داني المجتنى، مقتصرًا على ما لا بد من تفسيره من الآيات والمفردات، يستغنى به عن استيعاب المطولات، وفيها من تشعب المباحث وكثرة الأقوال، ما قد يعسر معه استخلاص المعاني القرآنية على من لم يألف أساليبها واصطلاحاتها، كما يستغنى به عن المختصرات التي يدق على الأذهان فهمها، وتنبو عن إشاراتها ... وبدأت بشرح مفردات القرآن شرحًا وافيًا على ترتيب النظم الكريم، لا على ترتيب المعاجم اللغوية، يوقف منه على المعنى بسهولة أثناء التلاوة أو السماع، مع بيان معنى بعض الآيات التي انتظمت هذه المفردات.
ولدى إعادة النظر فيه، وجدت الحاجة ماسة إلى تفسير آيات أخرى على النحو الذي قصدت، وإن لم تشتمل على غريب القرآن، فضممت تفسيرها إلى ما بدأت به، واكتمل من الجميع هذا التفسير الذي سميته: (صفوة البيان لمعاني القرآن) (١).
وقد كتب مقدمة، قبل بدئه بالتفسير، ضمنها الأمور التالية:
المكي والمدني، معنى السورة، ترتيب الآيات والسور وتسميتها، المحكم والمتشابه، وأقسام القرآن.
ويلمح القارئ لهذه الأمور، ما قلناه عن الرجل من قبل، من اعتدال في الرأي والتزام بخط جمهرة العلماء كرأيه بأن ترتيب السور توقيفي، واستشهاده بأقوال كثير من العلماء كالبغوي وابن الأنباري وابن الحصار.
стр. 1264
خصائص هذا التفسير
١ - سلفيته في تفسير آيات العقيدة:
إن المتتبع لهذا التفسير، يدرك لزوم المفسر لمذهب السلف، وثباته عليه واختياره له، ولا بد من أن نمثل ونأتي بنماذج من كلام الرجل.
أ- موقفه من آيات الصفات:
عند تفسير قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ] ٢٩ يقول:
(علا إليها وارتفع، من غير تكييف ولا تحديد ولا تشبيه، مع كمال التنزيه عن سمات المحدثات. وقد سئل مالك ﵁ عن الاستواء على العرش فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١).
ويقول:
ومن المتشابه آيات الصفات -كما قدمنا- ومذهب السلف فيها أنها صفات ثابتة لله تعالى وراء العقل، جاء بها السمع، فيجب الإيمان بها كما وردت مع وجوب اعتقاد تنزيهه تعالى من التجسيم والتشبيه، لئلا يضادّ النقل والعقل، وأن ظاهرها غير مراد قطعًا لاستحالته عليه تعالى، فإن ذاته وصفاته مخالفة لذوات المحدثات وصفاتهم، قال الإمام الشعراني وغيره: إن مذهب السلف أسلم وأحكم، وقد درج عليه صدر الأمة وساداتها، واختاره أئمة الفقه والحديث، حتى قال الإمام محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه (٢).
стр. 1265
ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ... ﴾ [البقرة: ٢٦].
(وفي الآية إشعار بصحة نسبة الحياء إليه تعالى، ومذهب السلف إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله تعالى، مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات) (١).
ويقول في تفسيره لآية الكرسي (٢): (الكرسي غير العرش، وهما مخلوقان لله تعالى، كالسماوات والأرض، ومن المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، فنفوض علم حقيقتهما إليه تعالى).
وعند قوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] يقول: قال الزمخشري: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته بمجموعه، تصوير عظمته تعالى والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، فهو تمثيل لحال عظمته تعالى، ونفاذ قدرته، بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعًا، ويمين بها يطوي السماوات، وقيل: هو تنبيه على مزيد جلالته وعظمته تعالى، بإفادة أن الأرض كلها مع عظمها وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه، فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف، كما يقال: هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه، واليمين مجاز عن القدرة التامة، والسلف -كما ذكره الألوسي- يذهبون إلى أن الكلام تنبيه على مزيد جلالته وعظمته، ورمز إلى آلهتهم -أرضية أم سماوية- مقهُورة لله تعالى، إلا أنهم لا يقولون بالتجوز بالقبضة عن الملك أو التصرف، ولا باليمين عن القدرة، بل ينزهونه تعالى عن الجوارح والأعضاء ويؤمنون بما نسبه تعالى إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذي أراده سبحانه، قال الخطابي: ليس عندنا
стр. 1266
معنى اليد الجارحة، إنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت لا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة، وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره، تلاوته والسكوت عليه (١).
إلا أن الشيخ يحمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] على المجاز، قال: "أذكر لهم يوم يشتد الأمر ويعظم الخطب، وهو يوم القيامة، وكشف الساق والتشمير عنها مثل في ذلك، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن، وإبداء حزامهن عند الهرب، واشتداد الخطب، فكنى به عما ذكر، فلا ساق ولا كشف ثمة، وهو كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثمة، ولا غل، وإنما هو كناية عن البخل (٢).
وهذا هو الأنسب في فهم الآية الكريمة، لأنه الموافق لأساليب العرب، وهذا الرأي ذهب إليه محققو العلماء سلفًا وخلفًا.
ب- رأيه في الإسراء والمعراج:
يقول في سورة الإسراء (٣): (وكان الإسراء يقظة بالجسد والروح ... وكان عروجه بالجسد والروح أيضًا، وذلك من المعجزات والله على كل شيء قدير).
أما في سورة النجم فيقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: رأى النبي ﷺ جبريل في صورته التي خلق عليها نازلًا من السماء نزلة أخرى (عند سدرة المنتهى) ليلة المعراج) (٤).
стр. 1267
ج- يثبت رؤية الله للمؤمنين يوم القيامة:
فهو يقول في تفسيره لسورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] حسنة مشرقة، جميلة في النعيم والغبطة، وهي وجوه المؤمنين المخلصين من النضرة والحسن، ناظرة إلى ربها يوم القيامة، تراه كما يليق بذاته سبحانه وكما يريد أن تكون الرؤية له ، بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة)، ويقول عند قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لا تحيط بعظمته وجلاله على ما هو عليه أبصار الخلائق في الدنيا والآخرة أو لا تدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه وحقيقته، فإن ذلك محال، والإدراك بهذا المعنى أخصّ عن الرؤية التي هي مجرد المعاينة، فنفيه لا يقتضي نفي الرؤية؛ إذ نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فأنت ترى القمر ولا تدرك حقيقته، ولذلك أثبت أهل السنة رؤية المؤمنين له تعالى في الآخرة كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] وذهب بعض السلف إلى أن الآية مخصوصة بالدنيا. ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي وهو يدرك القوة التي تدرك بها المبصرات ويحيط بها إذ هو فالق القوى والحواس (١).
د- ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
أي أخرج من ظهر آدم ذريته كهيئة الذر، ثم أخرج من هذا الذر ذريته كذلك، ثم أخرج من الذر الآخر ذريته كذلك. وهكذا إلى آخر النوع الإنساني. وأشهدهم على أنفسهم أقررهم جميعًا بربوبيته لهم، والشهادة على النفس إقرار. (قالوا بلى). أي قالوا أنت ربنا. (شهدنا). أقررنا: على أنفسنا بربوبيتك. (أن تقولوا) أي لئلا تقولوا أو كراهة أن تقولوا.
والمعني على ما ذهب إليه جمع من المفسرين: أنه تعالى نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته ومنها أنفسهم دلائل توحيده وربوبيته، وركز فيهم عقولًا وبصائر
стр. 1268
يتمكنون بها تمكنًا تامًّا من معرفتها والاستدلال بها على التوحيد والربوبية، حتى صاروا بمنزلة من إذا دعي إلى الاعتراف بها سارع دون شك أو تردد. فالكلام على سبيل المجاز التمثيلي، لكونهم في مبدأ الفطرة مستعدين جميعًا للنظر إلى التوحيد، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل.
وذهب جمع من السلف: إلى أن الله تعالى أخرج من ظهر آدم ذريته كالذر وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك الإقرار، لحديث رواه عمر ﵁، وقد أفاض العلامة الآلوسي في هذا المقام، فارجع إليه إن شئت (١).
هـ- رأيه في معجزة انشقاق القمر:
يقول في تفسيره لسورة القمر (٢): (انفلق القمر فلقتين معجزة له ﷺ ، وهو بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، حين سأله أهل مكة أن يريهم آية تدل على صدقه، فأراهم القمر فلقتين، حتى رأوا جبل حراء بينهما، فقال ﷺ : (اشهدوا)! وقد رآه كثير من الناس، والأحاديث الصحيحة في هذه المعجزة كثيرة.
و- عدم تأويله للآيات التي تتحدث عن استماع الجن والرجم بالشهب:
يقول في تفسيره لسورة الجن (٣): ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] مواضع في السماء نقعد فيها لاستراق السمع، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ بعد نزول القرآن الذي بعث به الرسول ﷺ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ مُوصَدًا: أي معدًا ومهيأ له، ينقض عليه فيصيبه، فمنع الاستراق بعد المبعث ونزول القرآن، والصحيح أن الرجم كان موجودًا قبل المبعث، فلما بعث الرسول ﷺ كثر وازداد، كما ملئت السماء
стр. 1269
بالحراس وليس في الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم، بل إنهم إذا حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى، قد تكون ظواهر طبيعية ولأسباب كونية).
ز- عقيدته في رفع عيسى ﵇ ونزوله:
إن ما كتبه الأستاذ الفاضل في ما يتعلق بخوارق العادات، كمعجزات الأنبياء ﵈ ومنها معجزة سيدنا عيسى ﵇، دون تكلف وتمحل بإخراج اللفظ عن ظاهره، ليعطي خير صورة عن التزامه بما جاءت به النصوص، وهو بالتالي يصور لنا عدم تأثر الشيخ بتلك الآراء البعيدة، كتلك التي مرت معنا في أثناء الحديث عن المدرسة العقلية، ولقد رأينا ذلك واضحًا في ما مر من أمثلة، ولنستمع للشيخ يحدثنا عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] (١). ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ يرمون سهامهم في الماء الجاري للاقتراع على من يكفل مريم، فمن وقف قلمه عن الجري مع الماء فهو أحق بها، فجرت كلها مع الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت، فكفلها الله له).
هذه صورة عن عدم تضييق الشيخ لنطاق الخوارق، على العكس مما رأيناه عند آخرين، أما عند قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقد أبدع وأجاد، ويشعر القارئ بأن كلامه يحمل حججه معه، يقول الشيخ (٢):
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أي آخذك وافيًا بروحك وجسمك، ورافعك إلى محل كرامتي، فالعطف للتفسير. يقال: وفيت فلانًا حقه، أي أعطيته إياه وافيًا فاستوفاه وتوفاه. أي أخذه وافيًا. أو قابضك ومستوفي شخصك من الأرض- من توفى المال بمعنى استوفاه وقبضه ... والجمهور على أنه رفع حيًّا من غير موت ولا غفوة، بجسده وروحه إلى السماء؛ والخصوصية له ﵇ هي في رفعه
стр. 1270
بجسده وبقائه فيها إلى الأمد المقدر له، وأما التوفي المذكور في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فالمراد منه ما ذكرنا على الرواية الصحيحة عن ابن عباس والصحيح من الأقوال، كما قال القرطبي، وهو اختيار الطبري وغيره، وكما كان ﵇ في مبدء خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة، كان في نهاية أمره آية ومعجزة باهرة، والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك العقول، وهي من متعلقات القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل ﵈ (١).
أما عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] فيقول (٢): (ما أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى ﵇ آخر الزمان، إلا ليؤمنن بأنه عبد الله ورسوله وكلمته، قبل أن يموت عيسى، وتكون الأديان كلها دينًا واحدًا وهو دين الإسلام الحنيف، دين إبراهيم ﵇، ونزول عيسى ﵇ ثابت في الصحيحين، وهو من أشراط الساعة).
هذا تفسير الشيخ لبعض آيات العقيدة، وقد اتضح لنا من خلال تلك الأمثلة، الفروق الهائلة بين الشيخ وبين كثير من المفسرين، فلم نر ذلك التأويل المتكلف لآيات الشهب، كما رأيناه عند المراغي، أو لانشقاق القمر والدابة كما رأيناه، في تفسير المراغي وتيسير التفسير (٣)، ولا تأويلًا لأحاديث نزول عيسى أوردها كما رأينا عند الشيخ محمد عبده والشيخ شلتوت، والحق أن منهج الشيخ في تفسير آيات العقيدة، مع كونه منسجمًا مع النصوص، هو منسجم كذلك مع المنطق السوي الذي لا يجد القارئ صعوبة في استيعابه، وهو بعد ذلك كله، بعيد عن المنزلقات، التي ربما تؤدي إلى نتائج ذات خطر على الدين كله.
стр. 1271
٢ - اعتداله في تفسير آيات الأحكام:
إذا كان المفسر سلفيًا في آيات العقيدة، فإنه كذلك جمهوري في تفسير آيات الأحكام، وليس معنى هذا أنه يتعصب لمذهب معين أو رأي معين، وإنما لا يخرج الشيخ عن آراء الجمهور وأقوال الأئمة في تلك المسائل، ولذا فلن يقابلنا في تفسير الشيخ، اتهام العلماء بالتقليد، وتشديد النكير عليهم والنيل منهم، وخير ما يعطينا صورة واضحة نماذج نختارها من تفسيره لنزداد إجلالًا له وإعجابه به.
يقول عند تفسيره لآية النسخ (١): (والنسخ: الرفع والإزالة. يقال: نسخت الشمس الظل تنسخه، إذا أذهبته وأبطلته، ونسخ الآية تارة برفع حكمها مع بقاء تلاوتها، وتارة برفع تلاوتها مع بقاء حكمها، وتارة برفعهما معًا، وتارة يكون النسخ ببدل، وتارة يكون بغير بدل، كما تقرر في الأصول، والمراد به في الآية نسخ الحكم ببدل).
وهو يذهب إلى نسخ آية الوصية في سورة البقرة فيقول (٢):
(فرض الإيصاء في بدء الإسلام للوالدين والأقربين -وارثين أو غير وارثين- على من حضره الموت وله مال، ثم نسخ بآية المواريث وبحديث إلا وصية لوارث)، وهو مذهب جمهور الأئمة. وذهب ابن عباس إلى أن المنسوخ وجوب الوصية للوارثين منهم، وبقي الوجوب في حق من لم يرث منهم، وهو قول الحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد".
ومفسرنا لا يذهب لإباحة التيمم (٣) للمسافر مع وجود الماء، كما ذهب إليه بعض المفسرين المحدثين.
стр. 1272
وعند قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يقول في تفسير (القروء): جمع قرء بالفتح والضم، وهو الحيض أو الطهر الفاصل بين الحيضتين، وإلى الأول ذهب أبو حنيفة وأحمد وإلى الثاني ذهب مالك والشافعي" (١).
وعند قوله ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ من آية الدين قال: "أمر استحباب، وقيل: للوجوب وعن ابن عباس: أن المراد بالدين في الآية السلم" (٢).
وهو كذلك لا يرد الأحاديث الصحيحة، أو يؤولها كما رأينا عند صاحب المنار ومن سلك مسلكه. يظهر ذلك جليًّا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فهو يقول (٣) (والحصر حقيقي بالنسبة لما نزل تحريمه، وقد وردت السنة بعد نزول هذه الآية، بتحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وقيل: الحصر إضافي بالنسبة لما زعموه من تحريم البحائر والسوائب، أي إنما حرم هذه الأربعة دون ما يزعمون من ذلك، فلا ينافي تحريم غيرها مما ذكر).
٣ - اهتمامه بالتحقيقات اللغوية:
إن من أهم ما يمتاز به تفسيره التحقيقات اللغوية، وإننا لا نجد تلك التحقيقات في تفسير بحجمه، حتى في ما هو أوسع منه، وتظهر عنايته هذه في بيان معاني الكلمات، وأصل اشتقاقها، أو في سر الفرق بين كلمة وكلمة، أو تجلية استعارة في جملة، كل ذلك وغيره واضح في هذا التفسير.
стр. 1273
فها هو يبين لنا أصل كلمة (كتاب) وكلمة (ريب)، والتقوى وكلمة (يوقنون) وكلمة (المفلحون) في أوائل سورة البقرة بقو له (١):
الكتاب: مصدر كتب كالكتاب، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم الخياطة. واستعمل عرفًا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأريد به هنا المنظوم عبارة، قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها الخط، تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.
الريب: الشك والظنة والتهمة. مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ريبة، وقال ابن الأثير: والشك مع التهمة.
هدى للمتقين: جمع متق اسم فاعل من اتقى، وأصله اوتقي بوزن افتعل من وقى الشيء وقاية أي أصانه وحفظه مما يضره ويؤذيه، فإذا بنيت منه افتعل قلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء الآخرة فصارت اتقى.
يوقنون: من الإيقان وهو التحقق. يقال: يقن الماء، إذ سكن وظهر ما تحته، واليقين: العلم وزوال الشك، يقال يقنت -بالكسر- يقنا، وأيقنت وتيقنت واستيقنت بمعنى واحد. وهو درجة من العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتهما، يصحبهما ثبات الحكم وسكون النفس وطمأنينتها).
والمفلحون: من الفلاح وهو الفوز والظفر بدرك البغية، وأصله من الفلح بسكون اللام وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث واستعمل منه الفلاح في الفوز كما أن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى البغية أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت".
وفي معنى السفهاء يقول: السفه: الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال ثوب سفيه، إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليًا رقيقا، وتسفهت الريح الشجر، مالت به. وزمام سفيه كثير الاضطراب لمنازعة الناقة إياه وشاع في خفة العقل وضعف الرأي.
стр. 1274
ويفصل لنا معنى (الهيم) و (المماراة) و (الأسر) فيقول في تفسير قوله تعالى (١) ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] من سورة الواقعة: (الإبل العطاش التي لا تروى بالماء، لداء يصيبها يشبه الاستسقاء يسمى الهيم، فلا تزال تشرب حتى تهلك، أو تسقم سقمًا شديدًا ... جمع أهيم للمذكر وهيماء للمؤنث).
ويقول في تفسير قوله تعالى ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] من سورة النجم: (يقال: ما راه يماريه مماراة ومراء، جادله، مشتق من مري الناقة يمريها، إذا مسح ضرعها ليخرج لبنها وتدربه، فشبه به الجدال، لأن كلا من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه، أي يسعى لاستخراجه ليلزمه الحجة. وعدّي الفعل بـ (على) لتضمنه معنى المغالبة).
أما عند قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] من سورة الدهر فيقول: (يقال: أسره الله، خلقه، وبابه ضرب، وفرس شديد الأسر: أي الخلق- والأسر: القوة، مشتق من الإسار -بالكسر- وهو القِدُّ الذي تشد به الأقتاب. يقال: أسرت القتب أسرًا، شددته وربطته، ومنه الأسير لأنه يكتف بالأسار).
وهذا موضع آخر، طالما اختلفت فيه كلمة العلماء، وشنع فيه على بعضهم، وتطاول بعضهم فيه على الشافعي، يحققه الشيخ، وأعني به قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] (٢): (والعول في الأصل: الميل المحسوس. يقال: عال الميزان عَوْلًا إذ مال، ثم نقل إلى الميل المعنوي وهو الجور، ومنه: عال الحكم إذا جار وقيل ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي لا تكثر عيالكم. يقال: عال يعول، إذا كثر عياله).
أما عن دقة التعبير القرآني، والتغاير بين الأساليب، فلم يفت المفسر التنبيه عليه في كثير من الأحيان، فمن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى
стр. 1275
يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] (١) يبين لنا سر استعمال هاتين الكلمتين. يقول: العفو ترك العقوبة على الذنب، والصفح ترك اللوم والعتاب عليه. وهو أبلغ من العفو، إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح).
كما يبين اختيار كلمة مرضعة بدلًا من مرضع، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [لحج: ٢] في سورة الحج: (المرضعة: المباشرة للإرضاع بالفعل، تقول: أرضعت المرأة فهي مرضع، إذا كان لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع ولدها بالفعل، قلت مرضعة ((٢).
ويقول في معنى سلقوكم من قوله تعالى ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: بسطوا فيكم ألسنتهم الذّربة بالأذى والسبّ والتنقيص. يقال: سلق البيض وغيره يسْلقه، أغلاه بالنار إغلاءة خفيفة. وسلقه بالكلام آذاه به، وأصل السلق: بسط العضو ومدّه للقهر، يدًا كان أو لسانًا (٣).
ويبين معنى مليم في قوله تعالى ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]: أي مكتسب ما يلام عليه مفارقه قومه بغير إذن ربه، يقال: ألام الرجل، إذا أتى ما يلام عليه من الأمر وإن لم يُلم. وأما الملوم: فهو الذي يلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا" (٤).
٤ - اهتمام الشيخ بالقضايا البلاغية:
لم يفت الشيخ الحديث عن الاصطلاحات البلاغية، كالاستعارة والمجاز، إذا كانت الحال تدعو إلى ذلك، فها هو يبين العلاقة بين (أرأيتكم) وأخبروني عند تفسيره لقوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] فيقول: "وفي استعمال
стр. 1276
(أرأيت) بمعنى أخبرني تجوزان، إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، لأن الرؤية سبب له، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر، بجامع الطلب في كل منهما" (١).
ويقول عند قوله تعالى: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]: هي التكاليف والفرائض.
ونقل القرطبي عن القفال وغيره: إن العرض في الآية ضرب مثل، أي أن هذه الأجرام على عظمها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من العقاب، والثواب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل، وفي القرآن من ضرب الأمثال كثير.
وقيل: الآية من المجاز، أي أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبر عن هذا بعرض الأمانة، كما تقول: عرضت الحِمْل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه (٢).
ويذهب الشيخ إلى القول بالتضمين فعند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] يقول الباء صلة للإيمان لتضمنه معنى الاعتراف (٣).
وعند قوله تعالى: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾، يقول: أي إلا قليلًا منهم لم يذيعوه، أي لم يفشوه يقال أذاع الخبر وأذاع به، إذا أشاعه وأفشاه، وقيل عدي بالباء لتضمنه معنى التحديث (٤).
وعند قوله تعالى: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، أفرطوا في المعاصي جانين على
стр. 1277
أنفسهم بارتكابها ... ولتضمنه معنى الجناية عدّي بـ (على) (١).
ومع أن الشيخ يقول بالتضمين، إلا أنه يذهب إلى القول بالزيادة في بعض الحروف في كتاب الله تعالى فعند قوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، يقول: واللام في (لك) زائدة لتأكيد التخصيص (٢).
ويقول في (لا) من قوله ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ ولا مزيدة لتأكيد النفي وهو شائع في الاستعمال (٣).
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقيل إنها -لا- زائدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في قوله ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، لتأكيد وجوب العلم (٤).
ويذهب كذلك الشيخ إلى القول بتناوب الحروف بعضها مكان بعض، فعند قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾، يقول: يحفظن في غيبة أزواجهن ما يجب حفظه في النفس والمال، فاللام بمعنى (في) والغيب بمعنى الغيبة (٥).
وعند قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، أي: اغسلوا أيديكم مع المرافق وأرجلكم مع الكعبين، فـ (إلى) بمعنى (مع) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [لفرقان: ٢٥] ... فالباء بمعنى (عن) كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾ [ق: ٤٤] وهو مثل: انشقت الأرض عن النبات، أي: ارتفعت تربتها عنه عند طلوعه (٦).
стр. 1278
ومن القضايا البلاغية التي يعرض لها الشيخ تكرار عبارة ما وإعادتها يقول: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ﴾ [البقرة: ١٤٩] أعاد سبحانه هذا الأمر ثلاث مرات، وفي كل مرة فائدة زائدة، فعلل الأمر الأول بإكرامه تعالى لرسوله والمؤمنين بالقبلة التي يحبونها ويرضونها، وهي قبلة أبيهم إبراهيم، وعلل الثاني: بما جرت به العادة الإلهية من أن يؤتي أهل كل ملة قبلة، وقد شرع للمؤمن أشرف الجهات التي يعلم أنها حق، وهي بيته المعظم قبلة لهم.
وعلل الثالث بدفع شبه الطاعنين الجاحدين، كأنه تعالى يقول لهم: إلزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، ثم يقول: إلزم هذه القبلة، فإنه قبلة الحق لا قبلة الهوى، ثم يقول: إلزم هذه القبلة فإن في ذلك انقطاع حجج الطاعنين (١).
ويتحدث الشيخ عن سر تغاير الأسلوب، ولنستمع إليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] حيث عدل بها من الرفع إلى النصب فيقول: (والصابرين منصوب على المدح بتقدير أخص، وغير سبكه عما قبله، تنبيهًا على فضيلة الصبر وميزته على سائر الأعمال، حتى كأنه ليس من جنس ما قبله، وهذا الضرب من الأسلوب يسمى القطع، وهو أبلغ من الإتباع) (٢).
أما مسائل الإعراب، فعلى الرغم من أن المفسر ﵀ لم يجعلها شغله الشاغل إلا أنه والحق يقال، نبه على كثير مما فيه لبس وخفاء، من ذلك مثلًا ما يقوله في قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٥]: (والهمزة للاستفهام، ورأى بمعنى علم، وتتعدى إلى مفعولين. والتاء ضمير الفاعل، وما بعده حرف خطاب، يدل على اختلاف المخاطب، أتى به للتأكيد. والمفعول الأول المحذوف، تقديره: أغيرَ الله تدعونه لكشفه؟ ! .
ومن ذلك ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا
стр. 1279
يُؤْمِنُونَ﴾ [لزخرف: ٨٨]. (وقيله) بجر اللام أي وقوله، مصدر قال، معطوف على لفظ الساعة، أي وعنده علم الساعة، وعلم قول الرسول ﷺ : يا رب، أو الواو للقسم، أي وأقسم بقول محمد: يا رب، وجواب القسم قوله تعالى. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقرئ بالنصب عطفًا علي محل الساعة، إذ هي في محل نصب بالمصدر المضاف إليها، على أنها مقول له، فكأنه قيل: يعلم الساعة، ويعلم قيله: يا رب) (١).
وعند قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ... ﴾ [البقرة: ٦] قال: سواء: اسم مصدر بمعنى الاستواء، خبر إن، والجملة الاستفهامية بعده مرفوعة به على الفاعلية لتأويلها بمفرد (٢).
ويقول عند قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: (ولا عاد) اسم فاعل بمعنى متعد، تقول عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره، فهو عاد، ومنه بل أنتم قوم عادون. وغير منصوب على الحال من الضمير المستقر في اضطر (٣).
وعند قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ... فالاستفهام في معنى النفي وهو إخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم، وقيل (أنّ) بالفتح بمعنى لعل، أي وما يدريكم حالهم عند مجيء الآيات، لعلها إذا جاءت لا يؤمنون فما لكم تتمنون مجيئها (٤).
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسم من الله تعالى بحياة محمد ﷺ أو من الملائكة بحياة لوط ﵇، والعمر بفتح العين لغة في العمر بضمها، ومعناها مدة حياة الإنسان وبقائه، والتُزم الفتح في القسم، وعمر مبدأ خبره محذوف وجوبًا، تقديره: قسمي أو يميني
стр. 1280
أو نحوه (١).
وعند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ] ٤٤، قال: تترى متواترين أي متتابعين واحد إثر واحد مع فصل ومهلة، مصدر كدَعْوى، وألفه للتأنيث، وأصله وَتْرَى فقلبت الواو تاء، من المواترة وهي التتابع مع تراخٍ وفترة. وهو منصوب على الحال من رسلنا (٢).
هذه بعض المسائل اللغوية وما أكثرها في تفسير الشيخ.
٤ - استشهاده بالأحاديث النبوية:
إن بعض المفسرين وبخاصة المحدثين، يندر أن يجد القارئ في تفاسيرهم، حديثا واحدًا، وهذا لعمرُ الحق من أعظم عيوب من يتصدى لتفسير كتاب الله الكريم ذلك لأن السنة هي المبينة للكتاب، المفصلة لما فيه من إجمال، ولكن مفسرنا لم يكن من هؤلاء ولله الحمد، بل رأيناه يتوج تفسيره، على ما فيه من إيجاز، بكثير من الأحاديث من ذلك مثلًا، استشهاده في قوله تعالى ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَه﴾ [البقرة: ١١٦] من سورة البقرة، بحديث رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام (لا أحدَ أصبرُ على أذىً سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويكافئهم).
وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (٣) من سورة الأنفال، يورد قول الرسول الكريم ﷺ (إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه). فقالت: عائشة ﵂: (وفيهم أهل طاعة الله؟ ) قال: (نعم ثم يصيرون إلى رحمة الله).
стр. 1281
وهكذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] يذكر قول الرسول الكريم (إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال له: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك. فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤثر بإلحاقهم به) (١).
وقد مر معنا غير هذه في النماذج التي أوردناها من قبل، وإن كان لنا من مأخذ هنا، فإنما هو ذكره لبعض الأحاديث، التي أجمع الحفاظ على ضعفها، كحديث (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه) الذي ذكره في مقدمته.
٦ - إكثاره النقل عن المفسرين:
وهذه منقبة للشيخ أن يجل من سبقه، ومع أنه ينقل عن أئمة التفسير كالطبري والرازي، إلا أنه يكثر النقل عن الراغب والآلوسي. ولقد أحسن الشيخ الاختيار، فكلا الرجلين ثقة عميق في بحثه.
فهو ينقل مثلًا عن الألوسي في تفسير جعل الأرض فراشًا في سورة البقرة (٢)، وعن معنى حياة الشهداء عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] في السورة نفسها (٣). وكثيرًا ما يرجّح معنى بقوله: (واختاره الألوسي).
أما الراغب فيكثر عنه في نقل معاني المفردات.
هذه أهم خصائص تفسير الشيخ، وهناك أمور أخرى لا بد أن نحمد للشيخ صنيعه فيها.
من ذلك توضيحه لمعنى المحكم والمتشابه حيث يقول:
(المحكمات ... من الإحكام بمعنى الإتقان ... وذلك لإحكام عباراتها عن
стр. 1282
احتمال التأويل والاشتباه، ولمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها. ووضح معانيها وإقامتها حجة من الله على عباده، وعصمة لهم من الزيغ ... والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كوقت الساعة والروح والحروف المقطعة في أوائل السور، وإليه ذهب الحنفية. أو ما لا يتضح معناه إلا بالنظر الدقيق، وهو يشمل المجمل ونحوه. وإليه ذهب الشافعية. أو ما يدل الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد، ولم يقم دليل على تعيين المراد منه، كآيات الصفات مثل: الاستواء واليد والقدم والتعجب والضحك والفوقية والنزول والرحمة والغضب ونحو ذلك) (١).
ومنها بيانه لبعض الأمكنة والأزمنة، التي تحدث عنها القرآن.
ومنها وقوفه في المبهمات عند ما أخبر عنه القرآن، كما يظهر من تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، إذ يستشهد بقول الجبائي: (إنه تعالى لم يبين ذلك، فلا يقطع فيه بخبر) (٢).
ومنها ذلك الأدب الرفيع والموقف الرائع، الذي يتجلى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] , فهو ينعى كثيرًا على أولئك الذين يذكرون الرسول ﷺ باسمه فحسب، دون الصلاة عليه، أو ما يشير إلى تعظيمه بأي إشارة، أو الذين يكتبون كلمة (صلعم) وهو يرى أنه لا بد من إجلال الرسول الكريم بما يتناسب مع مقامه أولًا، وبما ترشد إليه الآية الكريمة ثانيًا.
على أن لنا عليه مأخذًا، وهو عدم تحرّيه في المسائل التاريخية، كذكره عند تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، يقول أنهم من بقايا قوم عاد، استولوا على الأرض المقدسة التي كان يحكمها اليهود زمن يعقوب (٣). فأين أهل فلسطين من قوم عاد الذين كانوا في الأحقاف أي بين حضرموت وعُمان.
стр. 1283
تقويم التفسير:
مما تقدم ندرك أن هذا التفسير، جاء صورة صحيحة وتعبيرًا صادقًا لتلك التسمية التي سمى بها، إنه صفوة البيان حقًّا، وإن مؤلفه يعدّ من طليعة العلماء، الذين ساروا وراء النص القرآني في طريقه السوي، ولم يسيّروا النص حسب مقتضيات الظروف ومقررات عقولهم ومعطيات الحضارة الحديثة.
ولقد كنا نود من كل قلوبنا، أن يتسع هذا التفسير ليشمل آيات القرآن جميعها. لكنه وإن غلب عليه طابع الإيجاز، سوى بعض المسائل النادرة، تفسير قيم جمع بين محاسن القديم ومميزات الحديث. رحم الله الشيخ رحمة واسعة، وجزاه خيرًا على ما قدّم لهذا الدين كنابًا وسنةً، ومن الله على المسلمين بأمثاله من العلماء العاملين.
стр. 1284
الشيخ السعدي وتفسيره
* صاحب التفسير: هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي الناصري التميمي الحنبلي. ولد في مدينة عُنيزة بالقصيم سنة ١٣٠٧ هـ. توفيت والدته وهو في الرابعة، ثم والده وهو في الثانية عشرة، فكفلته زوجة والده، وأدخلته مدرسة تحفيظ القرآن، فحفظه وهو في الرابعة عشر من عمره، ثم اشتغل بطلب علم التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو، فقرأ الكتب وحفظ المتون إلى أن بلغ الثالثة والعشرين من عمره، فجلس للتدريس، فكان يعلم ويتعلم، توفي الشيخ السعدي ﵀ سنة ١٣٧٦ هـ.
* التفسير: سمّى الشيخ السعدي تفسيره (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان). وقد طُبع هذا التفسير عدة مرات في سبعة مجلدات، وصدرت طبعتهُ الأولى سنة ١٣٦٥ هـ ثم طُبع مؤخرًا في مجلد واحد بخط صغير على هامش (المصحف الشريف). وقد بدأ الشيخ ﵀ تأليفه لهذا التفسير في عام ١٣٢٢ هـ وله من العمر خمسة وثلاثون عامًا، وفرغ من تأليفه سنة ١٣٤٤ هـ (١).
* طريقة الشيخ السعدي في تفسيره:
كان قصد الشيخ السعدي ﵀ في تفسيره تقريب معاني القرآن الكريم لعموم القراء على اختلاف ثقافاتهم ومستو تهم، لذلك جاء تفسيره سهل العبارة، واضح الإشارة، بعبارات قريبة لا خفاء فيها ولا غموض، وكان المفسِّر يعتني بإيضاح المعنى المقصود بكلام مختصر مفيد، ليس فيه إطالة ولا استطراد، ولهذا في تفسير السعدي وإن طبع طبعات كثيرة في مجلدات سبعة إلا أنه أقرب إلى التفاسير المختصرة منه إلى التفاسير المطوَّلة.
стр. 1285
وقد عبَّر الشيخ في مقدمة تفسيره عن قصد الاختصار مع الوفاء بالمعنى فقال: "ولما منَّ الباري عليَّ وعلى إخواني بالاشتغال بكتابه العزيز بحسب الحال اللائقة بنا، أحببتُ أن أرسم من تفسير كتاب الله ما تيسَّر، وما منَّ به الله علينا، ليكون تذكرة للموصلين، وآلة المستبصرين، ومعونة للسالكين، ولأقيِّدهُ خوف الضياع، ولم يكن قصدي في ذلك إلا أن يكون المعنى هو المقصود، ولم أشتغل في حلِّ الألفاظ والعقود، للمعنى الذي ذكرتُ، ولأن المفسرين قد كَفَوا من بعدهم، فجزاهم الله عن المسلمين خيرًا" (١).
وكان في طريقة السعدي ﵀ عدمُ الإحالة إلى مواضع أخرى من تفسيره في الآيات المتشابهة في المعاني، بل كان يُعيد عند كل آية ما يحضره من معانيها، ولو كانت مثل هذه المعاني قد ذكرت فيما قبل من الآيات والسور، وقد نبَّه ﵀ في بداية تفسيره إلى هذه الطريقة فقال تحت عنوان (تنبيه): "اعلم أن طريقتي في هذا التفسير أني أذكر عند كل آية ما يحضرني من معانيها، ولا أكتفي بذكر ما يتعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما تعفَق في المواضع اللاحقة؛ لأن الله وصف هذا الكتاب أنه (مثاني) تثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام، وجميع المواضيع النافعة لحكم عظيمة، وأمر بتدبره جميعه، لما في ذلك من زيادة العلوم والمعارف وإصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح الأمور كلِّها" (٢).
وقد صدَّر الشيخ تفسيره بفوائد مهمة تتعلق بتفسير القرآن، نقلها عن كتاب (بدائع الفوائد) لابن القيم ﵀.
وكما تجنب السعدي الاستطرادات، فقد تجنب كذلك الإسرائيليات في أغلب تفسيره، بل أنكر عن الذين يذكرونها في التفسير، فقال عند تفسيره لمطلع سورة يوسف: "واعلم أن الله ذكر أنه يقصُّ على رسوله ﷺ أحسن القصص في هذا
стр. 1286
الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسِّنها بما يُذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف سند ولا ناقل، وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومستكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبُك بأمر ينتهي إلى هذا الحدِّ قبحًا، فإن تضاعيف هذه السورة قد مُلئت في كثير من التفاسير من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصَّه الله تعالى بشيء كثير. فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصَّه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي ﷺ يُنقل" (١).
وهذا كلام بديع وجميل من المفسِّر السعدي ﵀، ولكن ليته التزم به في تفسيره كلِّه، فالواقع أنه قد أنسيه في بعض المواضع إلى هذه الإسرائيليات التي حذَّر ونفَّر منها في كلامه السابق، فقد فسَّر النعجة في قصة داود بالزوجة، فقال: ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] أي زوجة، وذلك خير كثير، يوجب عليه القناعة بما أتاه الله، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فطمع فيها، ﴿فَقَال أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي دعها لي، وخلِّها في كفالتي، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني في القول، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد (٢).
وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] قال السعدي: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه، بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي شيطانًا قضى الله وقدَّر أن يجلس على كرسي ملكه ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان إلى الله تعالى وتاب" (٣).
وأما في أغلب التفسير فقد اجتنب السعدي ذكر الإسرائيليات خصوصًا عند
стр. 1287
الآيات التي نُسجت حولها كثير من الآيات والخرافات كآية السحر في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فقد فسَّرها الشيخ ﵀ على ما يقتضيه ظاهرها دون الاعتماد على شيء من تلك الروايات (١).
وأما في الآيات التي تتصل بالعقيدة وأسماء الله تعالى وصفاته، فقد فسَّرها السعدي على المذهب السلفي، وحذا فيها حذو ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، والسعدي متأثر بهذين العالمين كما يظهر في أسلوبه وبما رأيته في تفسيره كلِّه.
فعند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قال: "استواء استواءً يليق بجلاله وعظمته وسلطانه (٢)، وقال في موضع آخر: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] استواءً يليق بجلاله فوق جميع خلقه (٣).
وعند قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال الشيخ الهم (الحسنى) وهي الجنة الكاملة في حسنها، (وزيادة) وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه، والبهجة بقربه" (٤).
وعند قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، قال السعدي: "وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما نرى، فإنها ظاهرة في الشرك. وهكذا كل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل، فلا بدَّ أن يكون فيما احتج به حجة عليه" (٥).
стр. 1288
وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] قال الشيخ: "وفي هذه الآية وأمثالها ردُّ على فرقتي القدرية النفاة والقدرية المجبرة".
وهكذا سار الشيخ السعدي في آيات العقيدة، يفسِّرها تفسيرًا سلفيًا مجملًا دون إطالة ولا استطراد.
والسعدي ﵀ يحرص في تفسيره على تجلية الآداب والأخلاق التي تعرض لها الآيات الكريمة، ويحاول في إيجاز واختصار استنباط الفوائد الدعوية والتربوية التي من شأنها أن تفيد القارى، وتزيده استمساكًا بالفضيلة، وتجنبًا للرذيلة.
فعند تفسيره للآيات التي تذكر أن اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر قال الشيخ منبهًا على اشتغال النفس بالباطل حين لا تشتغل بالحق: "ولما كان من الفوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع، ابُتلي بالاشتغال بما يضره. فمن ترك عبادة الرحمن، ابُتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله، أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذكَ لربه ابتُلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل" (١).
وعند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] قال السعدي ﵀: "وإذا أردت أن تعرف نموذجًا يبين لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصِّبغ، فقس الشيء بهذه، فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانًا صحيحًا، أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتجلى بكل وصف حسن، وفعل جميل، وخلق كامل، ونعت جليل. ويتخلى عن كل وصف قبيح، ورذيلة وعيب، فوصفه الصدق في قوله وفعله، والصبر والحلم، والعفة والشجاعة، والإحسان القولي والفعلي، ومحبة الله وخشيته، وخوفه ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود،
стр. 1289
والإحسان لعبيده. فقسه بعبد كفر بربه، وشرد عنه، وأقبل على غيرة من المخلوقين، فاتصف بالصفات القبيحة: من الكفر، والشرك والكذب، والخيانة، والمكر، والخداع، وعدم الفقه، والإساءة إلى الخلق، في أقواله وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود، ولا إحسان إلى عبيده، فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما، ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة من انصبغ بغير دينه" (١).
وقد يذكر الشيخ السعدي ﵀ شيئًا من الحكم والعبر والفوائد المستنبطة في القصص القرآني، كما فعل في خاتمة قصة يوسف ﵇، وقصة موسى مع الخضر ﵉، وقصة داوود وسليمان ﵉.
وفي الجملة فإن تفسير السعدي تفسير وعظي موجز، يشتمل على وجازته على ترسيخ العقيدة، وتهذيب الأخلاق، وصقل النفوس، ويعين القارئ العادي على تدبر القرآن وتفهمه، والعمل بمقتضى ما فيه من الهدى والنور.
стр. 1290
التفاسير الدعوية
ابن باديس ومنهجه في التفسير
حياته:
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في سنة ١٣٠٨ هـ، في ليلة الجمعة الموافق للرابع من شهر ديسمبر سنة ١٨٨٩ م في مدينة قسنطينة، ولد من أسرة شهيرة بالعلم والمال والسلطة، فقد كان والده من حملة القرآن الكريم، ومن أعيان مدينة قسنطينة، حيث كان عضوًا بالمجلس الجزائري الأعلى، والمجلس العمالي لعمالة قسنطينة نائبًا عن المدينة.
وأمه زهيرة بنت علي بن جلول من أسرة مشهورة كذلك بالعلم والجاه والثراء، وشهرة أسرته لم تكن على مستوى الجزائر فحسب، بل امتدت لتشمل المغرب العربي، حيث لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ المغرب سياسيًا وعلميًا ودينيًا، منذ القرن الرابع الهجري وتولى أفراد منها السلطة (١).
حفظ القرآن الكريم في صغره على يد الشيخ محمد المداسي، ولم يتجاوز الثالثة عشرة، وقد نال إعجاب أستاذه لسيرته الطيبة وفطنته، وقدمه ليصلي بالناس صلاة التراويح ثلاث سنوات متتابعة في الجامع الكبير.
وتعلم مباديء العربية والعلوم الإسلامية على يد الشيخ حمدان لونيس عام ١٩٠٣ م، وزوجه والده عام ١٩٠٤، حيث أنجب ولدًا سماه عبده إسماعيل، ولهذا التسمية دلالة على تأثره منذ تعلمه بالإمام محمد عبده.
وفي عام ١٩٠٨ انتقل إلى تونس ليتلقى تعليمه العالي في جامع الزيتونة وحصل
стр. 1291
على شهادة التطويع أي العالمية سنة ١٩١٢ م.
تلقى العلم على يد مشايخ وعلماء كثيرين منهم الشيخ محمد المداسي، والشيخ أحمد أبو حمدان لونيس، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي كان له تأثير كبير في تكوين شخصيته العلمية، والأستاذ بشير صفر السياسي المؤرخ التونسي. وقد تأثر بمشايخ لم يتلق عنهم مباشرة منهم: الطاهر الجزائري حيث كتب عنه "هو الذي ربّى عقلي، وهو الذي حبب لي هذا الاتجاه الفكري"، والشيخ محمد عبده الذي تأثر بأفكاره وآرائه الإصلاحية عن طريق مجلة المنار، حيث كانت له مراسلات مع صاحبها الشيخ رشيد رضا، ومنهم الإمام أبو بكر بن العربي حيث قام الشيخ ابن باديس بطبع كتابه "العواصم من القواصم" بعد عودته إلى الجزائر، وقدم له بمقدمة هامة.
ومن العوامل التي أثرت في تكوين شخصيته:
١ - أساتذته الذين غرسوا فيه خلق العلماء، وتواضع الحلماء، وصفات القادة والمصلحين.
٢ - أسرته وبيئته.
٣ - تأثره بالحركة الإصلاحية للأفغاني ومحمد عبده، حيث اقتفى أثرهما وسلك طريق الشيخ محمد عبده في التربية والتعليم والإصلاح الديني واللغوي، وأعجب بحركة المنار والشيخ رشيد رضا.
٤ - تأثر بابن تيمية وسلفيته، وعده المجدد الوحيد والمصلح في شيخوخة الفكر الإسلامي.
٥ - تأثر وأثر في زملائه المخلصين العاملين معه أمثال: الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ العربي التبسي والشيخ مبارك الميلي وغيرهم.
٦ - فضلًا على أن نفسه كانت خيره وهمته عالية، وعقله مستنير، وقلمه سيال،
стр. 1292
ومعلوماته وفيرة ومنظمة، وبديهته حاضرة وذكاؤه وقاد (١).
وقد كان كما يقول الأستاذ توفيق عنه عاصفة في الحق لا تهدأ، إلا إذا انتصر العدل، وفي الخير نغمة لا تسكن، إلا إذا تنفس الإحسان، وهو مدرس ماهر لا يكل ولا يمل، حيث كان يقضي يومه في إعطاء الدروس، وهو كاتب ممتع، وسلفي النزعة في كنابته، ومؤدب في كتاباته، قليل السخرية بالأعداء والممالين. ولكن قلمه فهيم أمضى من السنان، أسلوبه من السهل الممتنع.
له بصر بالأدب وباع في اللغة وفقهها، محب للأدب القديم والحديث، يرتجل الشعر على البديهة، ولكن شعره أقل جودة بكثير من نثره (٢).
وهو فقيه من الطراز الأول خبير بمذهب مالك، ومتفقه على غيره من المذاهب، ويمقت التعصب لمذهب واحد، وهو محدث بصير، شرح موطأ مالك ﵁ كله، ولم يبق من هذا الشرح إلا ما جمعناه في كتاب بعنوان "من هدي النبوة" (٣).
سافر إلى المدينة المنورة حيث ألقى بعض الدروس في المسجد النبوي، والتقى هناك بكثير من العلماء والمفكرين، وتعرف على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وقد ربطت بينه وبين الشيخ الإبراهيمي روابط متينة كانت بركة على الجزائر وحركة الإصلاح فيها.
التقى بالشيخ بخيت زميل الشيخ محمد عبده الذي منحه إجازة بخط يده.
يقول عنه الدكتور عمار طالبي: إن شخصية الأستاذ عبد الحميد بن باديس غنية ومعبرة عن أزمة المجتمع الإسلامي، لا تماثلها إلا شخصية جمال الدين الأفغاني في إثرائها وشمولها وجرأتها وتعبيرها عن جميع جوانب المشكلات الاجتماعية
стр. 1293
والأخلاقية والدينية والعلمية والسياسية التي يتخبط فيها العالم الإسلامي (١).
كان الشيخ ﵀ يقضي يومه بإلقاء الدروس من بعد صلاة الفجر حتى صلاة العشاء، وأكثر ما اشتهر به درس التفسير الذي كان يلقيه بعد صلاة المغرب حتى صلاة العشاء، وبعد صلاة العشاء يدخل حجرته في المسجد ليأتيه الناس للفتوى ولحل بعض مشكلاتهم.
استمر في دروس التفسير إلى أن ختم القرآن تفسيرًا ودراسة في خمس وعشرين سنة، يقول الشيخ الإبراهيمي: "أتم الله نعمته على القطر الجزائري بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لتفسير الكتاب الكريم درسًا على الطريقة السلفية، وكان إكماله إياه على هذه الطريقة في خمس وعشرين سنة متواليات مفخرة لهذا القطر" وقد احتلفت قسنطينة احتفالًا عظيمًا بهذه المناسبة، وأقبلت الوفود من كل جهات القطر لتحضر درس ختم التفسير وحفل التكريم.
ومع أن الشيخ قد ختم تفسير القرآن العظيم تدريسًا، إلا أنه لم ينشر له إلا القليل من التفسير، فقد كان يفسر في مجلة الشهاب عام ١٩٢٥ على شكل افتتاحيات تحت عنوان "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير"، "ثم أعيد نشر هذا التفسير مع إضافات من قبل محمد الصالح رمضان، وتوفيق محمد شاهين عام ١٩٦٤، ثم طبع مرة أخرى سنة ١٩٧١ م بعد أن زيدت عليه شروحات وتعليقات تتعلق بحياته ونشأته وآراء بعض الباحثين فيه.
يقول الدكتور عماد محمود عبد الكريم "كان ﵀ يعطي أكثر من عشرة دروس يومية، وفي أغلب الأحيان كان ينتقل بين البلدان مفتشًا في مدارس الجمعية مشرفًا على نظام السير فيها، وحضر مرة الشيخ ابن باديس افتتاح مدرسة في نواحي بسكرا، في جنوب الجزائر، وقامت طفلة تدعى "ثومة"، ترحب به، فقالت: "أحييك يا ابن باديس بلغة القرآن، وبلغة الأدباء والأجداد، وأعاهدك باسم كل
стр. 1294
زميلاتي وزملائي على استعمالها وتعليمها حتى تعود العربية لغة البلاد" فتأثر الشيخ تأثرًا واضحًا وقام قائلًا: "إني دخلت هذه البلاد ولم يكن فيها من يحترم هذه اللغة، دخلت الجزائر واللغة العربية فيها مجهولة مهجورة، فكافحت طويلًا وتألمت كثيرًا لأعيد اللغة العربية إلى الجزائر العربية، ولو لم يكن من جزاء لي إلا ما قالته ثومة لكفى" (١).
ويقول كذلك صديقه العلامة محمد البشير الإبراهيمي: "كان للأخ الصديق عبد الحميد بن باديس ﵀ ذوقًا خاصًّا في فهم القرآن، كأنه حاسة زائدة خُصّ بها، يرفُده بعد الذكاء المشرف، والقريحة الوقادة، والبصيرة النافذة، بيان ناصح وإطلاع واسع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الاجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه.
يمدّ ذلك كله شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يُرزقها إلا الأفذاد المعدودون في البشر.
وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح والتربية والتعليم، وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هدايته، والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين فيه.
وكان يرى - حين تصدى لتفسير القرآن - أن تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم، لذلك آثر البدء بتفسيره درسًا تسمعه الجماهير، فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجّله المريض المنهك من الدواء وما يتعجله المسافر من الزاد.
وكان ﵀ يستطيع أن يجمع بين الجنسين، لولا أنه كان مشغولًا مع ذلك بتعليم جيل، وتربية أمة، ومكافحة أمية، ومعالجة أمراض اجتماعية، ومصارعة استعمار يؤيدها.
стр. 1295
فاقتصر على تفسير القرآن درسًا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة، ولم يختم التفسير درسًا ودراية بهذا البلد غيره منذ ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة" (١).
وفاة الشيخ:
اغتنم العدو الفرنسي فرصة عطلة المولد النبوي، وكان الشيخ في عُزلة فدسّ له العدو السمّ، وزاره بعض الأصدقاء في الصباح الباكر، فوقف فجأة، ووقفوا لوقوفه، وإذا به يمسك بكتفي شخصين، ويصرخ "إني قضيت حياتي كلها عليكم قائمًا، لن أموت راقدًا، لن أموت راقدًا، لن أموت راقدًا، ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، ومات ابن باديس واقفًا" (٢).
وكانت وفاته يوم الثلاثاء في ٨ ربيع الأول ١٣٥٩ هـ، ١٦ من إبريل سنة ١٩٤٠ م.
آثاره العلمية:
ذكر الأستاذ توفيق محمد شاهين أنه قد ضاعت كتابات كثيرة لابن باديس، وذلك أن المستعمر كان يحرق كل مجلة يعثر عليها، غير أن بعض الغيورين والمحبين دفن بعض هذه المجلات في التراب، وبعد سبع سنوات ونصف كشف عنها فبقي بعضها، وأكلت الأرصفة والأتربة بعضها الآخر، غير أن المجلات الباقية وفيها آثاره الباقية أمكن أن نستخلص عنها ما يلي:
١ - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير.
٢ - من الهدي النبوي.
стр. 1296
٣ - من رجال السلف ونساؤه.
٤ - عقيدة التوحيد من القرآن والسنة.
٥ - أحسن القصص.
٦ - رسالة في الأصول.
٧ - مجموعة كبيرة من المقالات السياسية والاجتماعية.
٨ - مجموعة خطب ومقالات ابن باديس (١).
منهج ابن باديس في التفسير:
يقول ابن باديس: كنت متبرمًا بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية، وإصطلاحاتهم المذهبية، في كلام الله، ضيِّق الصدر من اختلافاتهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقيَّةُ غشاوة من التقليد، واحترام آراء الرجال، حتى في دين الله، فذاكرت يومًا الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق فقال لي: "اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط، ويبقى الصحيح، وتستريح، فوالله لقد فتح بهذه الكلمة عن ذهني آفاقًا واسعة لا عهد له بها" (٢).
لقد اختار الشيخ بعض الآيات القرآنية التي تتجلى فيها قدرة الله تعالى ومظاهر عظمته، وما يظهر فيه هداية للناس وصلاحهم، وما فيه عظة وعبرة يقول ابن باديس: "نفسر في هذا الباب من مجلة الشهاب ما فيه تبصرة للعقول أو تهذيب للنفوس من تفسير القرآن الكريم.
ويقول الدكتور محمد البهي: "إن عبد الحميد بن باديس حلقة في سلسلة ابتدأت بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر، وثنت برشيد رضا في
стр. 1297
القرآن العشرين.
إنه واحد من أولئك الذين رأوا الإسلام نظامًا لحياة الإنسان، لأنه إنسان في أي وقت وفي أي مكان، ورأوا الإيمان بالله غاية الحياة الدنيا، ورأوا القرآن وحدة لها اكتفاؤها الذاتي في التوجيه، واكتفاؤها الذاتي في التفسير واكتفاؤها الذاتي في تحديد معالم البشرية وتاريخها وقوانين تطورها ... وعبد الحميد بن باديس في تفسيره في مجال الذكر اتخذ هذا الرأي قاعدة فيما شرح، ودستورًا لقوله ومنطقه فيما دعا وتحدث، وسنة للعمل فيما طبق" (١).
١ - فقد كان يكتب النص من السورة القرآنية، ثم يبين مناسبة الآية لما قبلها، أو يذكر قضية لها صلة بموضوعِ الآيات، ومن ذلك مثلًا ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ... إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٣٠] حيث ذكر تمهيدا تحدث فيه عنه الإنسان وأنه مدني بالطبع وعن المجتمع السعيد، ثم تحدث عن وجه ارتباط الآية بما قبلها، وتحدث عن حق القريب (٢).
٢ - يتحدث الشيخ بعد ذلك عن معاني المفردات القرآنية والتراكيب اللغوية والنحوية، ويلاحظ القارئ مقدرة ابن باديس اللغوية التي تظهر في ثنايا التفسير، والشيخ لا يدخل في متاهات اللغويين. يقول الشيخ: "فقد عدنا والحمد لله إلى مجالس التذكير في دروس التفسير نقتطف أزهارها ونجني ثمارها بيسر من الله تعالى وتيسيره، على عادتنا في تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية وربط الآيات بوجوه المناسبات (٣).
стр. 1298
٣ - وبعد التمهيد وشرح المفردات وتحليل التراكيب يبين المعنى الذي يمثل موضوع التفسير بإيجاز غير مخل، وفي بضعة أسطر، يوضح فيها المعنى المراد دون أن يدخل في تفصيلات، وقد يذكر أكثر من معنى، وقد يرجح بينها.
٤ - يستخرج بعد ذلك ما في الآية أو الآيات من حقائق كونية واجتماعية وخلقية ونفسية وسياسية واقتصادية وتاريخية وتشريعية، مبينًا ومفصلًا ما يحتاج إلى تفصيل.
أما مصادر الشيخ التي اعتمد عليها في تفسيره فهو يقول: "وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة:
١ - تفسير ابن جرير الطبري الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيانه معنى الآيات القرآنية وبترجيحاته لأولى الأقوال عنده بالصواب.
٢ - وتفسير الكشاف الذي يمتاز بذوقه البياني في الأسلوب القرآني وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب، والتنظير لها بكلام العرب واستعمالها في أفانين الكلام.
٣ - وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية وتوجيهه للقراءات.
٤ - وتفسير الرازي الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية، مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العلوم الكلامية ومقالات الفرق والمناظرة والحجاج في ذلك.
إلى غير هذا مما لا بد لنا من مراجعته من كتب التفسير والأحكام وغيرها مما يقتضيه المقام.
نقول هذا ليعرف الطلبة مصادر درسنا، ومآخذ مما يسمعونه منا ونحن نعم إننا - والله - كما قال أخو العرب:
لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوّح نبتها رُعِي الهشيم
стр. 1299
وكما نقول في المقل: "إنما نكحل في موضع العينين" (١).
ومن خلال مصادره يتبين لك عظم فائدة تفسيره، وسأنقل لك كما وعدتك بعض النماذج من التفسير التي يتبين لك من خلالها عنايته بالقضايا اللغوية مفردات وتراكيب، وعنايته بالقضايا البلاغية والنحوية والعقدية وغيرها (٢).
نماذج من تفسيره:
١ - صلاح النفوس وإصلاحها
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].
الشرح والمعنى:
صلاح الشيء: هو كونه على حالة اعتدال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به أعماله المرادة منه على وجه الكمال.
وفساد الشيء هو كونه على حالة اختلال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به تلك الأعمال على وجه النقصان.
مثال الصلاح والفساد:
اعتبر هذا في البدن، فإن له حالتين: حالة صحة، وحالة مرض:
والأولى هي حالة صحته باعتدال مزاجه، فتقوم أعضاؤه بوظائفها وينهض هو بأعماله.
والثانية هي حالة فساده باختلال مزاجه، فتتعطل أعضاؤه أو تضعف كلها أو بعضها عن القيام بوظائفه، ويقعد هو أو يثقل عن أعماله.
стр. 1300
هذا الذي تجده في البدن هو نفسه تجده في النفس: فلها صحة، ولها مرض، حالة صلاح وحالة فساد.
الإصلاح والفساد:
(والإصلاح) هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزاء ما طرأ عليه من فساد.
(والإفساد) هو إخراج الشيء عن حالة اعتداله بإحداث اختلال فيه.
إصلاح البدن والنفس:
فإصلاح البدن بمعالجته بالحمية (١) والدواء، وإصلاح النفس بمعالجتها بالتوبة الصادقة.
وإفساد البدن بتناول ما يحدث به الضرر، وإفساد النفس بمقارفة المعاصي والذنوب. وهكذا تعتبر النفوس بالأبدان في باب الصلاح والفساد، في كثير من الأحوال، غير أن الاعتناء بالنفوس أهم وألزم، لأن خطرها أكبر وأعظم.
العناية الشرعية بالنفس:
إن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، وما البدن إلا آلة لها ومظهر تصرفاتها، وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها. وإنما رقيه وانحطاطه باعتبار رقي نفسه وانحطاطها، وما فلاحه إلا بزكائها، وما خيبته إلا بخبثها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].
وفي الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
ما هو القلب؟
وليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية