← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

٣ - من رجال السلف ونساؤه. ٤ - عقيدة التوحيد من القرآن والسنة. ٥ - أحسن القصص. ٦ - رسالة في الأصول. ٧ - مجموعة كبيرة من المقالات السياسية والاجتماعية. ٨ - مجموعة خطب ومقالات ابن باديس (١). منهج ابن باديس في التفسير: يقول ابن باديس: كنت متبرمًا بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية، وإصطلاحاتهم المذهبية، في كلام الله، ضيِّق الصدر من اختلافاتهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقيَّةُ غشاوة من التقليد، واحترام آراء الرجال، حتى في دين الله، فذاكرت يومًا الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق فقال لي: "اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط، ويبقى الصحيح، وتستريح، فوالله لقد فتح بهذه الكلمة عن ذهني آفاقًا واسعة لا عهد له بها" (٢). لقد اختار الشيخ بعض الآيات القرآنية التي تتجلى فيها قدرة الله تعالى ومظاهر عظمته، وما يظهر فيه هداية للناس وصلاحهم، وما فيه عظة وعبرة يقول ابن باديس: "نفسر في هذا الباب من مجلة الشهاب ما فيه تبصرة للعقول أو تهذيب للنفوس من تفسير القرآن الكريم. ويقول الدكتور محمد البهي: "إن عبد الحميد بن باديس حلقة في سلسلة ابتدأت بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر، وثنت برشيد رضا في

стр. 1297

القرآن العشرين. إنه واحد من أولئك الذين رأوا الإسلام نظامًا لحياة الإنسان، لأنه إنسان في أي وقت وفي أي مكان، ورأوا الإيمان بالله غاية الحياة الدنيا، ورأوا القرآن وحدة لها اكتفاؤها الذاتي في التوجيه، واكتفاؤها الذاتي في التفسير واكتفاؤها الذاتي في تحديد معالم البشرية وتاريخها وقوانين تطورها ... وعبد الحميد بن باديس في تفسيره في مجال الذكر اتخذ هذا الرأي قاعدة فيما شرح، ودستورًا لقوله ومنطقه فيما دعا وتحدث، وسنة للعمل فيما طبق" (١). ١ - فقد كان يكتب النص من السورة القرآنية، ثم يبين مناسبة الآية لما قبلها، أو يذكر قضية لها صلة بموضوعِ الآيات، ومن ذلك مثلًا ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ... إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٣٠] حيث ذكر تمهيدا تحدث فيه عنه الإنسان وأنه مدني بالطبع وعن المجتمع السعيد، ثم تحدث عن وجه ارتباط الآية بما قبلها، وتحدث عن حق القريب (٢). ٢ - يتحدث الشيخ بعد ذلك عن معاني المفردات القرآنية والتراكيب اللغوية والنحوية، ويلاحظ القارئ مقدرة ابن باديس اللغوية التي تظهر في ثنايا التفسير، والشيخ لا يدخل في متاهات اللغويين. يقول الشيخ: "فقد عدنا والحمد لله إلى مجالس التذكير في دروس التفسير نقتطف أزهارها ونجني ثمارها بيسر من الله تعالى وتيسيره، على عادتنا في تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية وربط الآيات بوجوه المناسبات (٣).

стр. 1298

٣ - وبعد التمهيد وشرح المفردات وتحليل التراكيب يبين المعنى الذي يمثل موضوع التفسير بإيجاز غير مخل، وفي بضعة أسطر، يوضح فيها المعنى المراد دون أن يدخل في تفصيلات، وقد يذكر أكثر من معنى، وقد يرجح بينها. ٤ - يستخرج بعد ذلك ما في الآية أو الآيات من حقائق كونية واجتماعية وخلقية ونفسية وسياسية واقتصادية وتاريخية وتشريعية، مبينًا ومفصلًا ما يحتاج إلى تفصيل. أما مصادر الشيخ التي اعتمد عليها في تفسيره فهو يقول: "وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة: ١ - تفسير ابن جرير الطبري الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيانه معنى الآيات القرآنية وبترجيحاته لأولى الأقوال عنده بالصواب. ٢ - وتفسير الكشاف الذي يمتاز بذوقه البياني في الأسلوب القرآني وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب، والتنظير لها بكلام العرب واستعمالها في أفانين الكلام. ٣ - وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية وتوجيهه للقراءات. ٤ - وتفسير الرازي الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية، مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العلوم الكلامية ومقالات الفرق والمناظرة والحجاج في ذلك. إلى غير هذا مما لا بد لنا من مراجعته من كتب التفسير والأحكام وغيرها مما يقتضيه المقام. نقول هذا ليعرف الطلبة مصادر درسنا، ومآخذ مما يسمعونه منا ونحن نعم إننا - والله - كما قال أخو العرب: لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوّح نبتها رُعِي الهشيم

стр. 1299

وكما نقول في المقل: "إنما نكحل في موضع العينين" (١). ومن خلال مصادره يتبين لك عظم فائدة تفسيره، وسأنقل لك كما وعدتك بعض النماذج من التفسير التي يتبين لك من خلالها عنايته بالقضايا اللغوية مفردات وتراكيب، وعنايته بالقضايا البلاغية والنحوية والعقدية وغيرها (٢). نماذج من تفسيره: ١ - صلاح النفوس وإصلاحها ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]. الشرح والمعنى: صلاح الشيء: هو كونه على حالة اعتدال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به أعماله المرادة منه على وجه الكمال. وفساد الشيء هو كونه على حالة اختلال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به تلك الأعمال على وجه النقصان. مثال الصلاح والفساد: اعتبر هذا في البدن، فإن له حالتين: حالة صحة، وحالة مرض: والأولى هي حالة صحته باعتدال مزاجه، فتقوم أعضاؤه بوظائفها وينهض هو بأعماله. والثانية هي حالة فساده باختلال مزاجه، فتتعطل أعضاؤه أو تضعف كلها أو بعضها عن القيام بوظائفه، ويقعد هو أو يثقل عن أعماله.

стр. 1300

هذا الذي تجده في البدن هو نفسه تجده في النفس: فلها صحة، ولها مرض، حالة صلاح وحالة فساد. الإصلاح والفساد: (والإصلاح) هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزاء ما طرأ عليه من فساد. (والإفساد) هو إخراج الشيء عن حالة اعتداله بإحداث اختلال فيه. إصلاح البدن والنفس: فإصلاح البدن بمعالجته بالحمية (١) والدواء، وإصلاح النفس بمعالجتها بالتوبة الصادقة. وإفساد البدن بتناول ما يحدث به الضرر، وإفساد النفس بمقارفة المعاصي والذنوب. وهكذا تعتبر النفوس بالأبدان في باب الصلاح والفساد، في كثير من الأحوال، غير أن الاعتناء بالنفوس أهم وألزم، لأن خطرها أكبر وأعظم. العناية الشرعية بالنفس: إن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، وما البدن إلا آلة لها ومظهر تصرفاتها، وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها. وإنما رقيه وانحطاطه باعتبار رقي نفسه وانحطاطها، وما فلاحه إلا بزكائها، وما خيبته إلا بخبثها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. وفي الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". ما هو القلب؟ وليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية

стр. 1301

المرتبطة به (١). وللنفس ارتباط بالبدن كله، ولكن القلب عضو رئيسي في البدن، ومبعث دورته الدموية، وعلى قيامه بوظيفته تتوقف صلوحية البدن، لارتباط النفس به. فكان حقيقًا لأن يعبر به عن النفس على طريق المجاز. وصلاح القلب - بمعنى النفس - بالعقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، وإنما يكونان بصحة العلم، وصحة الإرادة، فإذا صلحت النفس هذا الصلاح صلح البدن كله، بجريان الأعضاء كلها في الأعمال المستقيمة. وإذا فسدت النفس من ناحية العقل، أو ناحية الخلق، أو ناحية العلم، أو ناحية الإرادة ... فسد البدن، وجرت أعمال الجوارح على غير وجه السداد. مقصود الأديان: فصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس: إما مباشرة وإما بواسطة. فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح. وما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء إلا وهو عائد عليها بالفساد. فتكميل النفس الإنسانية، هو أعظم المقصود من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وشرع الشرائع. وهذه الآيات الثمان عشرة قد جمعت من أصول الهداية ما تبلغ به النفوس - إذا تمسكت به - غاية الكمال.

стр. 1302

وجه الارتباط: قد أمر تعالى في الآيات المتقدمة بعبادته والإخلاص له. وأمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما في الظاهر والباطن. كما أمر بغير ذلك في الآيات اللاحقة. ووضع هذه الآية أثناء ذلك، وهي متعلقة بالنفس وصلاحها ... لينبه الخلق على أصل الصلاح الذي منه يكون، ومنشؤه الذي منه يبتدى. فإذا صلحت النفس قامت بالتكاليف التي تضمنتها هذه الآيات الجامعة لأصول الهداية، وهذا هو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها، الذي يكون قبل التدبر خفيًا (١). ونظير هذه الآية في موقعها ودلالتها على ما به يسهل القيام بأعباء التكاليف - قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فلقد جاءت أثناء آيات أحكام الزوجية آمرة بالمحافظة على الصلوات، تنبيهًا للعباد على أن المحافظة عليها على وجهها، تسهل القيام بأعباء تكاليف تلك الآيات، لأنها تزكي النفس بما فيها من ذكر وخشوع وحضور وانقطاع إلى الله تعالى، وتوجه إليه، ومناجاة له. وهذا كله تعرج به النفس في درجات الكمال. اللذة في الطاعة: والنفوس الزكية الكاملة تجد في طاعة خالقها لذة وأنسًا تهون معهما أعباء التكليف.

стр. 1303

ثم إن العباد بنقص الخلقة وغلبة الطبع .. معرضون للتقصير في ظاهرهم وباطنهم في صور أعمالهم ودخائل أنفسهم - وخصوصا في باب الإخلاص - فذكروا بعلم ربهم بما في نفوسهم في قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ ليبالغوا في المراقبة فيتقنوا أعمالهم في صورها ويخلصوا بها له. وهذه المراقبة هي الإحسان الذي هو عبادتك الله كأنك تراه. وذكر اسم الرب لأنه المناسب لإثبات صفة العلم، فهو الرب الذي خلق النفوس وصورها ودبرها. ولا يكون ذلك إلا بعلمه بها في جميع تفاصيلها وكيف يخفى عليه شيء وهو خلقها؟ . ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. والصالحون في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾، هم الذين صلحت أنفسهم فصلحت أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. ميزان الصلاح: وصلاح النفس وهو صفة لها .. خفي كخفائها، وكما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها. فمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة - وهي الجارية على سنن الشرع، وآثار النبي ﵌ حكمنا بصلاح نفسه، وأنه من الصالحين. ومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه، وأنه ليس منهم. ولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس وفسادها إلا هذا الطريق. وقد دلنا الله تعالى عليه في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤].

стр. 1304

فذكر الأعمال، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين. فأفادنا: أن الأعمال هي دلائل الصلاح، وأن الصلاح لا يكون إلا بها، ولا يستحقه إلا أهلها. تفاوت الصلاح: ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال. ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد. ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند الله في الباطن؛ فندعي أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالى من هذا؛ لأن الأعمال قسمان: أعمال الجوارح، وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال الجوارح. وقد قال النبي ﵌: "التقوى ههنا"، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلا الله. (والأوابون) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. هم الكثيرو الرجوع إلى الله تعالى. والأوبة في كلام العرب هي الرجوع، قال عبيد (١): وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب التوبة وشروطها: والتوبة، هي الرجوع عن الذنب ولا يكون إلا بالإقلاع عنه، واعتبر فيها الشرع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، وتدارك ما يمكن تداركه. فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة: فتشمل من رجع إلى ربه تائبًا من ذنبه، ومن رجع إليه يسأله ويتضرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب.

стр. 1305

فائدة: فنستفيد من الآية الكريمة: سعة باب الرجوع إلى الله تعالى. فإن تاب العبد، فذاك هو الواجب عليه، والمخلِّص له - بفضل الله - من ذنبه. وإن لم يتب فليدم الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال والتضرع، والتعرض لمظان الإجابة وخصوصًا في سجود الصلاة، فقمين - إن شاء الله تعالى - أن يستجاب له. شر العصاة: وشر العصاة هو الذي ينهمك في المعصية، مصرًا عليها، غير مشمئز منها، ولا سائل من ربه - بصدق وعزم - التوبة منها، ويبقى معرضًا عنه ربه كما أعرض هو عنه، ويصر على الذنب حتى يموت قلبه. ونعوذ بالله من موت القلب فهو الداء العضال الذي لا دواء له. دواء النفوس في التوبة: وجاء لفظ "الأوابين" لأواب، وهو فعّال من أمثلة المبالغة، فدل على كثرة رجوعهم إلى الله. وأفاد هذا طريقة إصلاح النفوس بدوام علاجها بالرجوع إلى الله؛ ذلك أن النفوس - بما ركب فيها من شهوة، وبما فُطرت عليه من غفلة، وبما عرضت له من شؤون الحياة، وبما سلط عليها من قرناء السوء من شياطين الإنس والجن، لا تزال - إلا من عصم الله - في مقارفة ذنب، ومواقعة معصية صغيرة أو كبيرة، من حيث تدري ومن حيث لا تدري. وكل ذلك فساد يطرأ عليها، فيجب إصلاحها بإزالة نقصه، وإبعاد ضرره عنها. وهذا الإصلاح لا يكون إلا بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى. ولما كان طروء الفساد متكررًا فالإصلاح بما ذكره يكون دائما متكررًا. والمداومة على المبادرة إلى إصلاح النفس من فسادها. والقيام في ذلك، والجد فيه، والتصميم عليه، هو من جهاد النفس الذي هو أعظم الجهاد.

стр. 1306

ومن معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهم الذين كلما أذنبوا تابوا، والتوبة طهارة للنفس من درن المعاصي. (والغفور) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. وهو الكثير المغفرة، لأنه على وزن فعول، وهو من أمثلة المبالغة الدالة على الكثرة. والمغفرة سترة للذنب وعدم مؤاخذته به. ولما ذكر من وصف الصالحين كثرة رجوعهم إليه، ذكر من أسمائه الحسنى ما يدل على كثرة مغفرته ليقع التناسب في الكثرة من الجانبين، ومغفرته أكبر. وليعلم أن كثرة الرجوع إليه يقابله كثرة المغفرة منه، فلا يفتأ العبد راجعًا راجيًا للمغفرة، ولا تقعده كثرة ما يذنب عن تجديد الرجوع، ولا يضعف رجاءه في نيل مغفرة الغفور كثرةُ الرجوع. نكتة نحوية: وقد أكد الكلام (بإن) لتقوية الرجاء في المغفرة. وجيءَ بلفظة كان، لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه من سابق، وهذا مما يقوي الرجاء فيه في اللاحق، ، فقد كان عباده يذنبون ويتوبون إليه، ويغفر لهم، ولا يزالون كذلك، ولا يزال ﵎ لهم غفورًا. تطلب التوبة مهما عظمت الذنوب: وإنما احتيج إلى هذا التأكيد كله في تقوية رجاء المذنب في المغفرة، ليبادر الرجوع على كل حال، لأن العبد مأخوذ بأمرين يضعفان رجاءه في المغفرة: أحدهما كثرة ذنوبه التي يشاهدها، فتحجبها كثرتها عن رؤية مغفرة الله تعالى، التي هي أكبر وأكثر. والآخر رؤيته لطبعه البشري، وطبع بني آدم من المنع عند كثرة السؤال، كما

стр. 1307

قال شاعرهم - أي البشر لأن الشاعر العربي (١) عبر عن طبع بشري: سألنا فأعطيتم، وعدنا فعدتُمُ ... وَمَنْ أكْثَرَ التَسْآلَ يوما سيحرمُ فيقوده القياس - وهو من طباع البشر أيضًا - الفاسد: إلى ترك الرجوع والسؤال، من الرب الكريم العظيم النوال. فهذان الأمران يقعدانه عن الرجوع والتوبة، فيستمر في حمأة المعصية، وذلك هو الهلاك المبين. فكان حاله مقتضيًا لأن يؤكد حصول المغفرة عند رجوعه بتلك المؤكدات. ونكتة بلاغية: وقد كان مقتضى الظاهر في تركيب الآية أن يقال: إن تكونوا صالحين فإنه كان لكم غفورًا، لأن المقام للإضمار. لكنه عدل عن الضمير إلى الظاهر فقيل: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ لينص على شرط المغفرة وهو الأوبة والرجوع. وعلم من ذلك أن الصالح عندما تقع منه الذنوب مطالب - كغيره - بالأوبة، لتحصيل المغفرة، لأن فرض الأوبة إلى الله من المعاصي عام على الجميع. وقد اشتملت الآية من فعل الشرط، وهو ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾، وجواب الشرط، وهو ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ - على الحالتين اللازمتين للإنسان لتكميل نفسه، وهما الصلاح المستفاد من الأول، والإصلاح بالأوبة المستفاد من الثاني. وما دام الإنسان مجاهدًا في تزكية نفسه بهذين الأصلين فإنه بالغ أملًا ورجاءً - بإذن الله - درجة الكمال.

стр. 1308

ثبتنا الله والمسلمين عليهما، وحشرنا في زمرة الكاملين، المكملين إنه المولى الغفور الكريم (١). * * * ٢ - القَول الحسَنُ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٣ - ٥٤]. تمهيد: اللسان وخطره: اللسان أداة البيان، وترجمان القلب والوجدان. والكلام به يتعارف الناس ويتقاربون، وبه يتحاجون ويتفاضلون، ولولاه لما ظهرت ثمرات العقول والمدارك، ولما تلاحقت الأفكار والمشاعر، ولما تزايدت العلوم والمعارف، ولما ترقى الإنسان في درجات أنواع الكمالات، ولما امتاز على بقية الحيوانات. فهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره وأممه. وبريد عقله وواسطة تفاهمه. فإذا حسن قويت روابط الإلفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي في التعاون والتآزر. ويعني العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران. وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك:

стр. 1309

فالكلام السيء قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستعداد والتعاون، وبين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة، وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل. وفي ذلك كل الشر لأبناء الشر. القول الحسن: فالمحصل للناس سعادتهم وسلامتهم، والمبعد لهم عن شقاوتهم وهلاكهم - هو القول الحسن: ولهذا أمر الله تعالى نبيه ﵌ أن يرشد العباد إلى قول التي هي أحسن، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. (والعباد المأمورون هنا هم المؤمنون لوجهين: الأول: أنهم أُضيفوا إليه وهذه إضافة شرف لا يكون إلا للمؤمنين به. الثاني: أن الذين يخاطبون بهذا الإرشاد ويكون منهم الامتثال إنما هم من حصلوا أصل الإيمان. التي هي أحسن ومواطنها: (والتي هي أحسن) هي الكلمة الطيبة، والمقالة التي هي أحسن من غيرها. فيعم ذلك. ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس، حتى ينادي بعضهم بعضا بأحب الأسماء إليه (١). وما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات وأقربها للفهم حتى لا يحدث

стр. 1310

الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة وبلاء. وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إذاية لخصمه، ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به (١). وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعريض، ومن أدنى تلميح إلى شيء قبيح. عموم الأمر: وهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم. وقد جاء في الصحيح: "أن رهطًا من اليهود دخلوا على النبي ﵌ فقالوا: السام عليكما (٢) ففهمتها عائشة ﵂ فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله ﵌: مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت: ألم تسمع ما قالوا؟ فقال: قد قلت: وعليكم". فكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله وعليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال ﵌ القولة التي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس. وأفاد قوله تعالى: (أحسن) بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام.

стр. 1311

خطر الكلمة: فحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة، والاقتصار على الحسن، وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم استعمال العقل والروية عند كل كلمة تقال (١)، ولو كلمة واحدة: فرب كلمة واحدة أوقدت حربًا، وأهلكت شعبًا، أو شعوبًا. ورب كلمة واحدة أنزلت أمنا وأنقذت أمة أو أممًا. وقد بين لنا النبي ﵌ مكانة الكلمة الواحدة من الأثر في قوله: "الكلمة الطيبة صدقة، واتقوا النار ولو بكلمة طيبة". ضرورة الأدب الإسلامي: وهذا الأدب الإسلامي - وهو التروي عند القول، واجتناب السيء واختيار الأحسن - ضروري لسعادة العباد وهنائهم. وما كثرت الخلافات وتشعبت الخصومات وتنافرت المشارب، وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم، والنبي ﵌ يقول -: "المسلم أخو المسلم" - إلا بتركهم هذا الأدب، وتركهم للتروي عند القول والتعمد السيء، بل للأسوأ في بعض الأحيان. التحذير من كيد العدو الفتان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. (نزغ الشيطان) وسوسته ليهيج الشر والفساد. وعداوته باعتقاده البغيض، وسعيه في جلب الشر والضر. وإبانته لعداوته بإعلانه لها كما علمنا القرآن.

стр. 1312

كيف ينزغ الشيطان: وهو يلقي للإنسان كلمة الشر والسوء، ويهيج غضبه ليقولها، ويهيج السامع ليقول مثلها، وهكذا حتى يشتد المراء ويقع الشر والفساد. ولون آخر من نزغه، وهو أنه يحسن للمرء قول الكلمة التي يكون فيها احتمال السوء، ويلح عليه في قولها، ويبالغ في تحسين الوجه السالم منه، وفي تهوين أمر وجهها القبيح - حتى يقولها. فإذا قالها عاد لسامعه بالنزغ يطمس عنه الوجه السالم منها، ويكبر له الوجه القبيح، ولا يزال به يثير نخوته، ولهيج غضبه، حتى يثور فيقع الشر والفساد بينه وبين صاحبه. فحذر الله تعالى عباده من كيده حتى يحترسوا منه إذا تكلموا، وإذا سمعوا فيتباعدون عما فيه احتمال السوء، فضلًا عن صريحة ويحملون الكلام على وجهه الحسن عند احتماله له، ويتجاوزون عن سيئه الصريح ما أمكن التجاوز. المحاسنة على الحال والظاهر والتفويض إلى الله تعالى في العواقب والسرائر: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. وجادلهم بالتي هي أحسن: أقوى الأحوال مظنة لكلمة السوء هي حالة المناظرة والمجادلة. وأقرب ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أمر الدين والعقيدة، فما أكثر ما يضلل بعض بعضًا أو يفسقه أو يكفره، فيكون ذلك سببًا لزيادة شقة الخلاف اتساعا، وتمسك كل برأيه ونفوره من قول خصمة. دع ما يكون عن ذلك من البغض والشر. فذكر الله تعالى عباده بأنه هو العالم ببواطن خلقه وسرائرهم وعواقب أمرهم، فيرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، بحكمته وعدله: فلا يقطع لأحد بأنه من أهل النار لجهل العاقبة سواء كان من أهل الكفر، أو كان

стр. 1313

من أهل الفسق، أو كان من أهل الابتداع (١). كما لا يقطع لأحد بالجنة كذلك، إلا من جاء النص بهم (٢). من أدب الجدال: فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته: إنك من أهل النار، ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر، وسوء عاقبته. ولا يقال للمبتدع: يا ضال (٣)، وإنما تبين البدعة وقبحها. ولا يقال لمرتكب الكبيرة (٤): يا فاسق، ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها. فتقبح القبائح والرذائل في نفسها، وتجتنب أشخاص مرتكبها (٥). إذ رب شخص هو اليوم من أهل الكفر والضلال، تكون عاقبته إلى الخير والكمال. ورب شخص هو اليوم من أهل الإيمان، ينقلب - والعياذ بالله تعالى - على عقبه في هاوية الوبال. وإن عليك إلا البلاغ: وخاطب الله تعالى نبيه ﵌: إنه لم يرسله وكيلًا على الخلق، حفيظًا عليهم، كفيلًا بأعمالهم.

стр. 1314

فما عليه إلا تبليغ الدعوة، ونصرة الحق بالحق. والهداية والدلالة، إلى دين الله، وصراطه المستقيم. خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به، من قول التي هي أحسن للموافق والمخالف. فلا يحملنّهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلهما؟ فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم ﵌. ولن يكن أحد أحرص منه على تبليغه، فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه. أحيانا الله عليهما، وأماتنا عليهما، وحشرنا في زمرة أهلهما. آمين (١). ٣ - الطور الأخير لكل أمة وعاقبته ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]. تمهيد: أطوار الأمم: الأمم كالأفراد، تمر عليها ثلاثة أطور: طور الشباب، وطور الكهولة، وطور الهرم. فيشمل الطور الأول. نشأتها إلى استجماعها قوتها ونشاطها، مستعدة للكفاح والتقدم في ميدان الحياة. ويشمل الطور الثاني. ابتداء أخذها في التقدم والانتشار، وسعة النفوذ، وقوة السلطان إلى استكمالها قوتها، وبلوغها غاية ما كان لها أن تبلغه من ذلك، ، بما كان فيها من مواهب، وما كان لها من استعداد، وما لديها من أسباب.

стр. 1315

ويشمل الطور الثالث. إبداءها في التقهقر والضعف والانحلال، إلى أن يحل بها الفناء والاضمحلال، إما بانقراضها من عالم الوجود، وإما باندراسها في عالم السيادة والاستقلال. وما من أمة إلا ويجري عليها هذا القانون العام، وإن اختلفت أطوارها في الطول والقصر، كما تختلف الأعمار. من معجزات القرآن: هذه السنة الكونية التي أجرى الله عليها حياة الأمم في هذه الدنيا، أشار إليها في كتابه العزيز في غير ما آية: فذكر أعمار الأمم، مقدرة محددة بآجلها في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. وذكر إنشاء الأمم على إثر الهالكين في مثل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١]. وذكر طور شباب الأمة ودخولها معترك الحياة في مثل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. أطوار بني إسرائيل: فإن بني إسرائيل ما استخلفوا في الأرض حتى قووا، واشتدوا وتكونت فيهم أخلاق الشجاعة، والنجدة والحمية والأنفة بعد خروجهم من التيه. وذلك هو الطور الأول طور الشباب للأمة الإسرائيلية. وذكر الطور الثاني وهو طور الكهولة واستكمال القوة، وحسن الحال، ورغد العيش في مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا

стр. 1316

رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل: ١١٢]. وذكر الطور الثالث طور الضعف والانحلال في مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩]. سبب الهلاك: وإهلاكهم يكون بعد إسباغ النعمة وإقامة الحجة عليهم، وتمكن الفساد فيهم وتكاثر الظلم منهم. فإهلاكهم هو نهاية الطور الثالث من أطوار الأمم الثلاث. وإلى خاتمة الطور الثالث وعاقبته، جاء البيان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]. الألفاظ: (القرية) المساكن المجتمعة، ومادة (ق ر ى) تدل على الجمع، فتصدق على القرية الصغيرة والمدينة الكبرى. وتطلق القرية مجازًا على السكان إطلاقًا لاسم المحل على الحال ومنه هذا. و(الإهلاك) الإبادة والإفناء بالاستئصال كما فعل بعاد وثمود. و(قبل يوم القيامة) أي في الدنيا. و(العذاب الشديد) كأمراض الأبدان وفساد القلوب، وانحطاط الأخلاق، وافتراق الكلمة، وتسليط الطلام: كما أرسل على بني إسرائيل عبادًا أولى بأس شديد، فساءوا وجوههم، وجاسوا خلال ديارهم. وكتسليط أهل الحق على أهل الباطل، وكالجدب والقحط وجوائح الأرض، وجوائح السماء. و(في الكتاب) أي اللوح المحفوظ (١). و (مسطورا) أي مكتوبا أسطارًا مبينا.

стр. 1317

التراكيب: (إن) نافية. و"من" زيدت لاستغراق الجنس وتأكيد العموم. و(إلا) أفادت مع إن النافية حصر كل قرية في أحد الأمرين من الهلاك والعذاب الشديد، ليعلم أن لا نجاة لكل قرية من أحدهما قطعًا. و(أو) تفيد أحد الشيئين المذكورين على الإبهام وعدم التعيين. و(ذلك) إشارة المذكور من الهلاك والتعذيب. المعنى: يقول تعالى: ما من قرية على وجه الأرض إلا ولا بد أن يحل بها منا هلاك وفناء بما يبيدها ويفنيها، أو عذاب شديد لا يفنيها، ولكنه يذيقها أنواع الآلام وشديد النكال. كان هذا قضاء سابقًا في علمنا، ماضيًا في إرادتنا، مكتوبًا أسطارًا في اللوح المحفوظ. الأحكام: الأحكام الشرعية والقدرية: أحكام الله تعالى قسمان: أحكام شرعية: وهي التي فيها بيان ما شرعه لخلقه مما فيه انتظام أمرهم وحصول سعادتهم إذا ساروا عليه. وأحكام قدرية وهي التي فيها بيان تصرفه في خلقه على وفق ما سبق في علمه وما سبق في إرادته. والأحكام الشرعية تقع من العباد مخالفتها، فيتخلف مقتضاها من الفحل أو الترك. والأحكام القدرية لا تتخلف أصلًا، ولا يخرج المخلوقات عن مقتضاها قطعًا.

стр. 1318

وفي هذه الآية حكم من أحكامه القدرية، وهو أن كل قرية لا بد أن يصيبها أحد الأمرين المذكورين بما سبق من علمه، وما مضى من إرادته، فلا يتخلف هذا الحكم، ولا تخرج عنه قرية. إيضاح وتعليل: الله حكم عدل، حكيم خبير، ، فما من حكم من أحكامه الشرعية إلا وله حكمته، وما من حكم من أحكامه القدرية (١) إلا وله سببه وعلته. لا لوجوب أو إيجاب عليه، بل بمحض مشيئته، ومقتضى عدله وحكمته (٢). سبب الهلاك: وقد قضى على كل قرية بهذه العاقبة من الهلاك والعذاب الشديد في هذه الآية، وبيِّن في غيرها سبب استحقاقها لهما فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق: ٨]. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].

стр. 1319

فأفادت هذه الآيات أن سبب الهلاك والعذاب هو الظلم، والفساد، والعتو، والتمرد، عن أمر الله ورسله، والكفر بأنعم الله. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. توجيه: سر العناية بالطور الأخير: الطور الأخير للأمم هو الذي ذكر في الآيات كثيرًا دون الطور الأول والثاني. ووجه ذلك: أنه هو الطور الذي ينتشر فيه الفساد، ويعظم فيه الظلم، وينتهي فيه الإعذار للأمة، ويحل فيه أجلها، فينزل بها ما تستحقه من هلاك أو عذاب، فكرر ذكر هذا الطور لزيادة التحذير منه، والتخويف من سوء عاقبته، والحث على تدارك الأمر فيه بالإقلاع عن الظلم والفساد، والرجوع إلى طاعة الله وإعمال يد الإصلاح في جميع الشؤون فيرتفع العذاب بزوال ما كان بنزوله من أسباب. استنتاج وتطبيق: العلاج ممكن: القرى التي قضى عليها بالهلاك والاستئصال هذه، قد انتهى أمرها بالموت، وفاتت عن العلاج مثل عاد وثمود من الأمم البائدة. وأما القرى التي قضى عليها بالعذاب الشديد، فهذه لا تزال بقيد الحياة فتداركها ممكن، وعلاجها متيسر: مثل الأمم الإسلامية الحاضرة: فمما لا شك فيه أن فينا ظلمًا، وعتوًا وفسادًا وكفرا بأنعم الله، وإننا من جراء ذلك لفي عذاب شديد. ولا نعني بهذا أن الأمم الإسلامية مخصوصة بهذا، بل مثلها وأقوى منها في أسباب العذاب والهلاك غيرها من أمم الأرض. وإن لهم لقسطهم من العذاب

стр. 1320

الشديد. وإذا لم يأت المقدار المماثل من الهلاك أو العذاب لما عندهم من أسبابهما، ، فلأنه لكل أمة أجل، ولما يأت ذلك الأجل بعد، ، فإذا جاء لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. إرشاد واستنهاض: علاجنا اليوم: قد ربط الله بين الأسباب ومسبباتها خلقًا وقدرًا بمشيئته وحكمته، لنهتدي بالأسباب إلى مسبباتها، ونجتنبها باجتناب أسبابها. وقد عرفنا في الآيات المتقدمة باسباب الهلاك والعذاب لنتقي تلك الأسباب فنسلم، أو نقلع عنها فننجو، فإن بطلان السبب يقتضي بطلان المسبب. وقد ذكر لنا في كنابه أمة أقلعت عن سبب العذاب فارتفع عنها بعد ما كان ينزل بها، ليؤكد لنا أن الإقلاع عن السبب ينجي من المسبب، فقال تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١) [يونس: ٩٨]. فبمبادرتهم للإيمان، وإقلاعهم عن الكفر. كشف عنهم العذاب. وأرشدنا في ضمن هذا العلاج الناجع في كشف العذاب، وإبطال أسبابه، وهو الإيمان. كما أرشدنا إليه أيضا في قوله تعالى قبل هذا: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨] أي نجاها من العذاب. وذكر قوم يونس دليلًا على ذلك.

стр. 1321

وأرشدنا إليها أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فالإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد لنا من حالتنا لأننا إذا التزمناهما نكون قد أقلعنا عن أسباب العذاب. واجب الإفراد والجماعة: ولا ننهض بهذا العلاج العظيم إلا إذا قمنا متعاونين أفرادًا وجماعات، فجعل كل واحد ذلك نصب عينيه، وبدأ به في نفسه، ثم فيمن يليه ثم فيمن يليه من عشيرته وقومه، ثم جمع أهل ملته. فمن جعل هذا من همّه، وأعطاه ما قدر عليه من سعيه، كان خليقًا أن يصل إلى غايته أو يقرب منها (١). صفحة جديدة: ولنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك، وأخلاقنا من الفساد، وأعمالنا من المخالفات. ولنستشعر أخوة الإيمان التي تجعلنا كجسد واحد ولنشرع في ذلك، غير محتقرين لأنفسنا، ولا قانطين من رحمة ربنا (٢). ولا مستقلين لما نزيله كل يوم من فسادنا، فبدوام السعي واستمراره، يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله. دليل بدئنا: وليكن دليلنا في ذلك وإمامنا كتاب ربنا، وسنة نبينا، وسيرة صالح سلفنا. ففي ذلك كله ما يعرفنا بالحق، ويبصرنا في العلم، ويفقهنا في الدين، ويهدينا إلى

стр. 1322

الأخذ بأسباب القوة والعز والسيادة العادلة في الدنيا، ونيل السعادة الكبرى في الأخرى. وليس هذا عن العاملين ببعيد، وما هو على الله بعزيز. رجاء وتفاؤل: إن المطلع على أحوال الأمم الإسلامية يعلم أنها قد شعرت بالداء، وأحست بالعذاب، وأخذت في العلاج، وإن ذلك، وإن كان يبدو - اليوم - قليلًا، لكنه - بما يحوطه من عناية الله، وما يبذل فيه من جهود المصلحين - سيكون بإذن الله كثيرا. وعسى أن يكون في ذلك خير لأمم الأرض أجمعين، حقق الله الآمال وسدد الأعمال، بلطف منه وتيسير، إنه نعم المولى ونعم النصير (١). * * * ٤ - الفرقان ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢]. المفردات والتراكيب: (تبارك) مادة (ب ر ك) كلها ترجع إلى معنى الثبوت، منها: بروك الإبل، استناختها، والبركة كالقربة مثل الحوض يثبت فيها الماء. والبراكاء الثبات في الحرب، ومنها البركة بمعنى النماء والزيادة، ولا ينمو ويزيد إلا ما كان ثابت الأصل، وشأن ثابت الأصل أن ينمو ويزيد، فلم تخرج عن معنى الثبوت وتبارك من البركة فمعناه تزايد خيره. والله تعالى له الكمال، ومنة الإنعام، فتبارك: أي تزايد كماله وإنعامه، فلا تُحصى إنعاماته، ولا تحد كمالاته.

стр. 1323

وثبوت الكمال ينافي وينفي ضده؛ فيقتضي التنزه عن النقص. فانتظم اللفظ ثلاثة معاني: التنزه عن النقص، والاتصاف بالكمال، والإفاضة للإنعام. (فتبارك تقدس وتعاظم) الفعل الأول مفيد للأول والفعل الثاني مفيد للثاني والثالث. (نزل) مادة (ن ز ل) كلها ترجع إلى معنى الهبوط من عل، والحلول في أسفل. ونزل المضاعف أبلغ في المعنى من أنزل، وقد يفيد كثرة النزول كما هنا؛ لأنه نزله مفرقًا على نيف وعشرين سنة. وقد يفيد القوة في نزول واحد، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]؛ لأن تنزيل أقوى من إنزال التفصيل. (الفرقان) أصله مصدر فرق بمعنى فصل. وهو أبلغ في الدلالة على المعنى من فرق المصدر المجرد، بما فيه من زيادة الألف والنون، كما كان القرآن أبلغ من القراءة لذلك. وهو هنا اسم من أسماء هذا الكتاب الكريم. (نذير) مادة (ن ذ ر) كلها ترجع إلى الإعلام والتحتيم، فمنها: نذر على نفسه الصوم أوجبه وحتمه وأعلم به، ونذر بالعدو كفرح علم به، وأنذره أعلمه، ولا يستعمل إلا في إبلاغ ما فيه تخويف، فهو إعلام بتأكيد وتحتيم. ونذير هنا بمعنى منذر من فعيل بمعنى مفعل. (الذي نزل) عرف المسند إليه بالموصولية لزيادة تقرير الغرض الذي إليه سيق الكلام (١) لأن الغرض بيان كمالات الله تعالى، وإنعاماته، وتنزيل الفرقان منها، فهو من أعظم نعم الله على البشر، ومن آيات الله الدالة على قدرته وعلمه وحكمته.

стр. 1324

(عبده) إضافة تشريف لأنه أكمل العباد (١). المعنى: تقدس وتعاظم الرب الذي نزل الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال وحزبيهما من الناس. مفصلًا آيات آيات على محمد ﵌ أكمل عباده؛ ليكون بذلك الكتاب - لجميع الإنس والجن - منذرًا لهم يعلمهم بعذابه، ويخوفهم بشديد عقابه إن لم يعبدوه وحده، ويخلعوا غيره من آلهتهم الباطلة، ويدخلوا في الدين الذي جاءهم به وهو الإسلام. توحيد: هذا الفعل وهو (تبارك) لا يسند إلا إلى الله تعالى؛ (٢) ذلك لأن العظمة الحقيقة بالكمال والإنعام والتقديس بالتنزه التام ليسا إلا له. وما من كامل من مخلوقاته إلا وهو ﷻ الذي كمله. وما من منعم عليه منهم إلا وهو تعالى الذي أنعم عليه، وما من زكي منهم إلا وهو - سبحانه - الذي زكاه. سلوك: هذا الرب الكامل المكمل، المنعم المتفضل القدوس، هو الذي أنزل هذا الفرقان. فإذا أردت أن ترقى في درجات الكمال، وتظفر بأنواع الإنعام وتزكي نفسك الزكاء التام، فعليك بهدى هذا الفرقان، فهو بساط القدس، ومعراج الكمال، ومائدة الإكرام.

стр. 1325

وقد سئلت عائشة -رضي الله تعالى عنها - عن خلق النبي ﵌ فقالت: "كان خلقه القرآن". فقه واستنباط: تحكيم القرآن في كل شيء: لما سمى الله كتابه الفرقان، علمنا أنه به يفرق بين الحق والباطل، وأهل هذا وذاك. فهو الحكم العدل، والقول الفصل بين كل متنازعين يدعي كل منهما أنه على الحق، فيما هو عليه من عقد، أو قول، أو عمل. فما تقابل حق وباطل، وما تعالجت حجة وشبهة إلا وفي هذا الكتاب الحكيم ما يفرق ما بينهما (١). وإنما يتفاوت الناس في إدراك ذلك منه على حسب ما عندهم من قوة علم، وصدق بصيرة، وحسن إخلاص. فعلينا - إذن - أن يكون أول فزعنا في الفرق والفصل إليه. وأن يكون أول جهدنا في استجلاء ذلك من نصوصه ومراميه، مستعينين بالسنة القولية والعملية على استخراج لآليه. فإذا حكم قبلنا وسلمنا وكنا مع ما حكم له، وفارقنا ما حكم عليه؛ فالله سماه الفرقان، لنعلم أنه فارق بنفسه، ولنعمل بالفرق به، ولا يكمل إيماننا بأنه الفرقان، إلا بالعلم والعمل. الإنذار بالقرآن: ولما جعل - تعالى - غاية تنزيل الفرقان أن يكون عبده نذيرًا اقتضى ذلك أن نذارته تكون بالقرآن؛ لتقوم الحجة، وتتم الحكمة، وتحصل الفائدة وتشمل النعمة.

стр. 1326

وقد صرح بهذا في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢]. ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢]. ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. فعلينا - إذن - أن نعلم أن القرآن هو كتاب النذارة والهداية، فنستخرج أصولها وفنونها من آياته، وهذا حظ العلم. وأن يكون اهتداؤنا في أقسنا وهدينا لغيرنا به وهذا حظ العمل وهما ركنا الإيمان. تطبيق وتحاكم: تنازع ورده إلى القرآن: في العالم الإسلامي كله اليوم طائفتان من المؤمنين (١)، يتنازعان خطة الهداية والنذارة والتذكير. ولكل منهما - في سلوكها للقيام بتلك الخطة - سبيل. وكل منهما تدعي أنها على الصواب، وأنها الأحق والأولى بنفع العباد. فرأينا أن نطبق فصل الفرقان عليهما، وننظر: كيف يفرق ما بينهما ومن هي المصيبة أو المخطئة. وفي ضمن ذلك تحاكمهما إليه وفصل النزاع بينهما بحكمه. وإنما اخترناهما للتطبيق والتمثيل، لخطر الخطة التي تنازعا عليها، وعظيم النفع والضرر الذي يحصل من خطأ المخطئ، وصواب المصيب بها. ولأن الهداية والنذارة والتذكير أمور لها أنزل القرآن، فتنازعهما عليها تنازع عليه.

стр. 1327

فأحق فصل أن نمثل به لنعلمه هو فصله بين المتنازعين فيه. وها نحن نعرض بعض حال كل طائفة في قيامها بالخطة، ثم نسوق آيات القرآن، وننظر من أسعد الطائفتين بها: الطائفة الأولى: يذكرون من يدعونهم بغير القرآن بأحزاب وأورد من وضعهم، لا مما ثبت عن النبي ﵌ إلا قليلًا. ولهم عليهم في أموالهم حق في أوقات من السنة معلومة. والطائفة الثانية: يذكرون الناس بالقرآن فيأمرونهم بقراءته وتدبره، ويبينون لهم معانيه، ويحثونهم على التمسك به والرجوع إليه. ويدعونهم إلى الأذكار النبوية الثابتة في الكتب الصحاح، لرجوعها إلى القرآن لحكم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. ولا يطلبون عليهم في ذلك أجرًا. حكم الله: والله تعالى يقول في الحال الأول ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [ق: ٤٥] وغيرها من الآيات المتقدمة في هذا المجلس. ويقول - تعالى - في الحال الثاني لنبيه ﵌: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. ويقول في آية صريحة صراحة تامة في بيان من يجب أن يتبع من الدعاة: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١].

стр. 1328

ومن هم المهتدون؟ هم المتبعون للنبي ﵌ لقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. واتباعه بالنسبة لموضوعنا هو اتباعه في طريق دعوته الخلق إلى الله. وقد ثبت بالقرآن أنه كان يدعو بالقرآن، ويذكر به، وأنه لا يسئل على ذلك أجرًا. بأن - والحمد لله - بما ذكرنا حكم القرآن بين الطائفتين، واتضح طريق الحق في الدعوة والإرشاد لمن يريد سلوكه منهما. والله نسأل لنا ولهم قبول الحق والتعاون عليه والقوة والإخلاص في الصدع به والثبات عليه. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. شكوى النبي وتسليته وتثبيته ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] المناسبة: لما ذكر تعالى ما قاله المشركون من الباطل في معارضة القرآن، والإعراض والصد عنه. وما قالوه من عبارات الحسرة والندامة يوم القيامة، على ما كان منهم من ذلك في الدنيا - ذكر ما قاله النبي ﵌ من الشكوى لربه بهم من تركهم للقرآن العظيم وهجره. المفردات والتراكيب: (مهجورا): متروكًا مقاطعًا مرفوعًا عنه. (الرسول): محمد ﵌، (وقومه) قريش.

стр. 1329

في قوله: (يا رب): إظهار لعظيم التجائه، وشدة اعتماده. وتمام تفويضه لمالكه ومدبر أمره، وموالي الإنعام عليه. وفي التعبير عنهم بقومه وإضافتهم إليه، وفي التعبير عن القرآن باسم الإشارة القريب - بيان لعظيم جرمهم بتركهم للقرآن، وهو قريب منهم في متناولهم (١)، وقد أتاهم به واحد منهم، أقرب الناس إليهم، فصدوا، وأبعدوا في الصد عمن هو إليهم قريب من قريب، وهذا أقبح الصد وأظلمه. وفي قوله: (اتخذوا) إلخ ... بيان أنهم جعلوا الهجر ملازمًا له ووصفًا من أوصافه عندهم. وذلك أعظم من أن يقال: هجروه، الذي يفيد وقوع الهجران منهم، دون دلالة على الثبوت والملازمة. المعنى: قال الرسول شاكيًا لربه: إن قومي الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم، قد صدوا عنه وتركوه، وثبتوا على تركه وهجره. استنتاج واعتبار: في شكوى النبي ﵌ من هجرة القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور وأبغضها لديه. وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه. ولما كان الهجر طبقات أعلاها عدم الإيمان به ... فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.

стр. 1330

تنزيل: هجر المسلمين للقرآن: ونحن - معشر المسلمين - قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل، وإن كنا به مؤمنين: ١ - بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها، وقلنا: تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة، وإشكالاتها المتعددة، واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمره على الطلبة فضلًا عن العامة. ٢ - وبين القرآن أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والاعتبار، مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام، فهجرنا، واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها. غلو وتنطع ٣ - وبين القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها، ومساويء الأخلاق ومضارها وبيَّن السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك، مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها. فهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعًا من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في كثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع. وعن السنة البيضاء إلى الأحداث والبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها، ومعارضة هداية القرآن بها.

стр. 1331

٤ - وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل. فهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور! . ٥ - ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه، والتفكر في آياته ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه. فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلًا، بل ويصير مدرسًا متصدرًا ولم يفعل ذلك! وفي جامع الزيتونة - عمره الله تعالى - إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير، فإنه ويا للمصيبة يقع في خصومات لفظية، بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه، في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها. من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أيامًا أو شهورًا؛ فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلًا دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات. كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن! . وعلمنا القرآن أن النبي ﵌ هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم، وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن. فهجرناها كما هجرناه، وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقل في المتصدرين للتدريس - من كبار العلماء في أكبر المعاهد - من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها، مطالعة، فضلًا عن غيرهم من أهل العلم، وفضلًا عن غيرها من كتب السنة (١).

стр. 1332

وكم وكم وكم بيّن القرآن! ! ! وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران! ! ! بيان واستشهاد: شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به، ويصرفون وجوه الناس إليهم، وإلى ما وضعوه عنه، لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم، فكان شرهم متعديًا، وبلاؤهم متجاوزًا وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك. وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيم، في كتاب (أعلام الموقعين) عن حماد بن سلمة، ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة، عن معاذ بن جبل، قال: فتن وبدع: "تكون فتن، فيكثر المال، ويفتح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير، والمنافق والمؤمن". فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع. فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ﵌. فإياكم وإياه، فإنه بدعة وضلالة". قال معاذ ثلاث مرات. أهـ. فانظر في قطرنا وفي غير قطرنا، كم تجد ممن بنى موضعًا للصلاة، ووضع كتبًا من عنده، أو مما وضعه أسلافه من قبله، وروّجها بين أتباعه، فأقبلوا عليها وهجروا القرآن (١).

стр. 1333

وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه، إذ لا نفع بما صرف عباده عن كتاب الله. وإنما يدعى لله بكتاب الله؛ ولذلك سمى صنيع هذا الوضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير. وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على معاذ، فهو في حكم المرفوع، لأنه بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا بتوقيف من النبي ﵌. وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. سبيل النجاة: لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه. إلا بالرجوع إلى القرآن: إلى علمه وهديه. وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه. والتفقه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه. والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد، وصحة الفهم، والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين، والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين. وهذا أمر قريب على من قرَّبه الله عليه، ميسر على من توكل على الله فيه. وقد بدت طلائعه - والحمد لله - وهي آخذة في الزيادة إن شاء الله، وسبحانه من يحيي العظام وهي رميم (١). * * *

стр. 1334

٥ - تفسير المعوذتين سورة الفلق (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. استهلال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله إن الحمد لله. نحمده ونشكره، ونستعينه ونستغفره. ونتوب إليه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد فما له من مضل. ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. تمهيد: الأعمال الكسبية بين الخير والشر: بني هذا الكون الدنيوي على أن يقترن فيه الخير بالشر، وأن يتصلا، وأن يشتبها،

стр. 1335

وأن يحيطا بالإنسان من جميع جهاته، فتكون أعماله الكسبية في الحياة مكتنفة بهما، دائرة بينهما، موصوفة بأحدهما. ولا بد في ذلك من قدر الله، ومن سننه العامة في هذا العالم الإنساني. وحكمته المبينة في وحيه: هي ابتلاء خلقه، ليجازوا على ما يكون من كسبهم وسلوكهم، بعد أن وهبهم العقل والتمييز، وأكمل عليهم نعمته بهداية الدين عدلا منه تعالى ورحمة. وحكمة أخرى: وهي تمرين هذا الإنسان في حياته، العلمية والعملية، وتدريب فكره على اختيار الأنفع على النافع، والنافع على الضار، ثم سوق الجوارح إلى العمل على ذلك الترتيب وترويضها عليه. مسؤولية الإنسان: والإنسان يكتسب القوة والدربة بتمرسه على ما يلقاه من الخير والشر بعمله وبفكره. وللفكر الإنساني عمل سابق لأعمال الجوارح المجترحة، وسائق لها ومهيء لما يظهر أنه من بدواتها (١). وهذا العمل الفكري تظهر قوته في نواح منها - وهو أهمها: التمييز بين الخير والشر، وأدق منه التمييز بين الخيرين، وشر الشرين، فإن الخير درجات وأنواع؛ والشر كذلك دركات وأنواع. والإنسان في هذا الخضم الذي تلاطمت أمواجه، وفي هذا الفضاء الذي تشابهت أفواجه، محتاج إلى معونة إلهية في تمييز الخير من الشر. وقد أمده الله بهذه المعونة من دينه الحق. ومحتاج إلى تأييد إلهي يعصمه من الشر ويقيه من الوقوع فيه عن جهالة أو عمد.
следующие страницы →