← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

٤ - وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل. فهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور! . ٥ - ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه، والتفكر في آياته ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه. فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلًا، بل ويصير مدرسًا متصدرًا ولم يفعل ذلك! وفي جامع الزيتونة - عمره الله تعالى - إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير، فإنه ويا للمصيبة يقع في خصومات لفظية، بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه، في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها. من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أيامًا أو شهورًا؛ فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلًا دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات. كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن! . وعلمنا القرآن أن النبي ﵌ هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم، وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن. فهجرناها كما هجرناه، وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقل في المتصدرين للتدريس - من كبار العلماء في أكبر المعاهد - من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها، مطالعة، فضلًا عن غيرهم من أهل العلم، وفضلًا عن غيرها من كتب السنة (١).

стр. 1332

وكم وكم وكم بيّن القرآن! ! ! وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران! ! ! بيان واستشهاد: شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به، ويصرفون وجوه الناس إليهم، وإلى ما وضعوه عنه، لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم، فكان شرهم متعديًا، وبلاؤهم متجاوزًا وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك. وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيم، في كتاب (أعلام الموقعين) عن حماد بن سلمة، ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة، عن معاذ بن جبل، قال: فتن وبدع: "تكون فتن، فيكثر المال، ويفتح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير، والمنافق والمؤمن". فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع. فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ﵌. فإياكم وإياه، فإنه بدعة وضلالة". قال معاذ ثلاث مرات. أهـ. فانظر في قطرنا وفي غير قطرنا، كم تجد ممن بنى موضعًا للصلاة، ووضع كتبًا من عنده، أو مما وضعه أسلافه من قبله، وروّجها بين أتباعه، فأقبلوا عليها وهجروا القرآن (١).

стр. 1333

وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه، إذ لا نفع بما صرف عباده عن كتاب الله. وإنما يدعى لله بكتاب الله؛ ولذلك سمى صنيع هذا الوضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير. وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على معاذ، فهو في حكم المرفوع، لأنه بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا بتوقيف من النبي ﵌. وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. سبيل النجاة: لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه. إلا بالرجوع إلى القرآن: إلى علمه وهديه. وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه. والتفقه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه. والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد، وصحة الفهم، والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين، والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين. وهذا أمر قريب على من قرَّبه الله عليه، ميسر على من توكل على الله فيه. وقد بدت طلائعه - والحمد لله - وهي آخذة في الزيادة إن شاء الله، وسبحانه من يحيي العظام وهي رميم (١). * * *

стр. 1334

٥ - تفسير المعوذتين سورة الفلق (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. استهلال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله إن الحمد لله. نحمده ونشكره، ونستعينه ونستغفره. ونتوب إليه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد فما له من مضل. ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. تمهيد: الأعمال الكسبية بين الخير والشر: بني هذا الكون الدنيوي على أن يقترن فيه الخير بالشر، وأن يتصلا، وأن يشتبها،

стр. 1335

وأن يحيطا بالإنسان من جميع جهاته، فتكون أعماله الكسبية في الحياة مكتنفة بهما، دائرة بينهما، موصوفة بأحدهما. ولا بد في ذلك من قدر الله، ومن سننه العامة في هذا العالم الإنساني. وحكمته المبينة في وحيه: هي ابتلاء خلقه، ليجازوا على ما يكون من كسبهم وسلوكهم، بعد أن وهبهم العقل والتمييز، وأكمل عليهم نعمته بهداية الدين عدلا منه تعالى ورحمة. وحكمة أخرى: وهي تمرين هذا الإنسان في حياته، العلمية والعملية، وتدريب فكره على اختيار الأنفع على النافع، والنافع على الضار، ثم سوق الجوارح إلى العمل على ذلك الترتيب وترويضها عليه. مسؤولية الإنسان: والإنسان يكتسب القوة والدربة بتمرسه على ما يلقاه من الخير والشر بعمله وبفكره. وللفكر الإنساني عمل سابق لأعمال الجوارح المجترحة، وسائق لها ومهيء لما يظهر أنه من بدواتها (١). وهذا العمل الفكري تظهر قوته في نواح منها - وهو أهمها: التمييز بين الخير والشر، وأدق منه التمييز بين الخيرين، وشر الشرين، فإن الخير درجات وأنواع؛ والشر كذلك دركات وأنواع. والإنسان في هذا الخضم الذي تلاطمت أمواجه، وفي هذا الفضاء الذي تشابهت أفواجه، محتاج إلى معونة إلهية في تمييز الخير من الشر. وقد أمده الله بهذه المعونة من دينه الحق. ومحتاج إلى تأييد إلهي يعصمه من الشر ويقيه من الوقوع فيه عن جهالة أو عمد.

стр. 1336

وقد هداه الله إلى أسبابه ووسائله بما شرع له من المنبهات عند طروق الغفلة، والمبصرات عند عروض الشبهة، والمعوذات المحصنات عند إلمام لمة الشيطان، وطواف طائفة (١). ومن هذه المعوذات: عقائد تدفع عن صاحبها الشكوك، وهي شر. وحقائق تقي صاحبها الوهم، وهو شر. وعبادات تربي مقيمها على الخير، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر. وأعمال تثبت فاعلها على الحق. وأقوال يمليها القلب - العامر بتقوى الله والخوف من مقامه - على الألسنة لتكون شهادة لها، أو عنوانًا عليها، والألسنة تراجمة القلوب. فكان مما شرع الله لنا في كتابه وعلى لسان نبيه التعوذ باللسان من الشر والباطل. وأنزل الله عليه هاتين السورتين وفيهما الاستعاذة بالله من أنواع من الشرور هن أمهات لما عداهن. وكان نبينا ﵇ يكثر التعوذ باسم الله وكلماته من أنواع أخرى من الشرور مفصلة في صحاح السنة. فضل المعوذتين: أما السورتان فيكفي في فضلهما ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير خير منهن قط: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس".

стр. 1337

وفي رواية أخرى في مسلم عنه تسميتها بالمعوذتين، وفي رواية أبي أسامة في مسلم أيضًا وصف عقبة بن عامر، بأنه كان من رفعاء أصحاب محمد ﷺ ؛ ، فتسمية هاتين السورتين بالمعوذتين تسمية نبوية مأثورة، كأسماء جميع سور القرآن. وقد يقال: المعوذات ويراد بها ما يشمل سورة الإخلاص. وكفى بما فيها من أصول العقائد معاذًا من الشرك، وهو أصل الشرور كلها. دفع توهم: وحديث مسلم هو أصح ما ورد في نزولهما. وأما ما يذكر في نزولهما في قصة سحر النبي ﵌ فإن ذلك لم يصح سببًا لنزولها. وإن كان لقصة السحر وصاحبها لبيد بن الأعصم أصل ثابت في الصحيح. وقد تساهل كثير من المفسرين في حشر هذا السبب في تفسيرهما وفي حشر كثير مما لم يصح في فضائلهما، ولنا فيما صح غنية عما لم يصح. خيريتهما: وهذه الخيرية التي أثبتها لهما حديث عقبة عند مسلم، هي خيرية نسبية في ناحية مخصوصة. وهي ناحية التعوذ بهما من الشرور العامة والخاصة المذكورة فيها. ودليل هذه النسبية ما أخرجه النسائي في سننه عن ابن عباس الجهني أن رسول الله ﵌ قال له: "يا ابن عباس، ألا أدلك (أو ألا أخبرك) بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ . قال: بلى يا رسول الله. قال: قل: أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس هاتين السورتين". فبين ﵌ أن خيريتهما وأفضليتهما من جهة ما تشتملان عليه من معنى التعوذ، وهو من المعاني الداخلة في دائرة ما كلفنا الله به.

стр. 1338

سر الختم بهما: ولهاتين السورتين خصوصية غير المناسبات التي يذكرونها في ارتباط بعض السور بالبعض، ويستخرجون منها بالتدبر ما لا يحصى من الأنواع، وهذه الخصوصية هي ختم القرآن بهما؟ وترتيب السور توقيفي، ليس من صنيع جامعي المصحف كما ذكره السيوطي في الإتقان وجماعة؟ . يستطيع ممارس القرآن ومتدبره ومتقلبه، بالذهن المشرق والقريحة الصافية، أن يستخرج من الحكم في هذا الختم بهما أنواعًا. ولكن أجلاها وأوضحها: أنهما ختم على كنوز القرآن في نفس المؤمن، وتحصين لهذه النعم المنشأة له من القرآن عليه - أن يكدرها عليه كيد كائد، أو حسد حاسد، فإن من أوتي الشيء الكريم، ورزق النعمة الهنية، هو الذي تمتد إليه أيدي الأشرار وألسنتهم بالسوء، وتقذفه عيونهم بالشرر، وتتطلع إليه نفوسهم بالحسد والبغضاء، ويشتد عليه تكالبهم، سعيًا في سلبه منه، أو تكديره عليه. وبقدر النعمة يكون الحسد، وعلى مقدار نفسه ما تملك، تكون هدفًا لمكائد الكائدين، وتأتيك البلايا من حيث تدري ولا تدري (١). ومن أوتي القرآن فقد طوى الوحي بين جنبيه، وأتى الخير الكثير، فهو لذلك مرمى أعين الحاسدين، ومهوى أفئدة الكائدين فكان حقيقًا، وقد ختم القرآن حفظًا أو مدارسة أو تلاوة، أن يلجتيء إلى الله طالبًا منه الحفظ والتحصين، ومن شر كل كيد وحسد يصيبه على هذا الخير العظيم، الذي كمل له هذه النعمة الشاملة التي تمت عليه. هذه حكمة.

стр. 1339

ب- والأخرى: هي أن من أوتي القرآن وتفقه فيه، فقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وأحاط بالعلم من أطرافه، وملك كنزه الذي لا ينفد. وأن من آفات العلم اغترار صاحبه به، وقد يتمادى به الغرور حتى يسول له أن ما أوتيه من العلم كافٍ في وقايته من الأضرار، ونجاته من الأشرار، فكان من رحمة الله بصاحب القرآن، ولطف تأديبه له، وحسن عنايته به، أن ختم بهاتين السورتين كتابه؛ لتكونا آخر ما يستوقف القارى المتفقه، وينبهه إلى أن في العلم والحكمة مسألة لم يتعلماه إلى الآن، وهي: أنه مهما اعتد في العلم باعه، واشتد بالحكمة إطلاعه، فإنه لا يستغني عن الله، ولا بد له من الالتجاء إليه، والاعتصام به: يستدفع به شر الأشرار، وحسد الحاسد وكفى بهذه التربية قامعًا للغرور، وانه لشر الشرور. هذه هي المناسبة العامة بين جميع القرآن مرتبًا ترتيبه التوقيفي، وبين هاتين السورتين في اتحاد موضعها. وجه الارتباط بما قبلهما: وأما المناسبة الخاصة بين السورتين وبين سورة الإخلاص، فهي: أن سورة الإخلاص قد عرفت الخلق بخالقهم بما فيها من التوحيد والتنزيه والتمجيد؛ فإذا قرأت القرآن وتدبرته على ترتيبه، ووجدت توحيد الله منبثًا في آياته وسوره. متجليًا ذلك التجلي الباهر بما عرضه وصوره، سادًا ببراهينه على النفوس كل ثنية وكل مطلع - كانت آخر مرحلة يقطعها فكرك من مراحل التوحيد في القرآن، هذه السورة المعجزة على قصرها، فكأنها توكيد لما امتلأت به نفسك من معاني التوحيد، وكأنها وصة مودع مشفق بمهم يخشى عليك نسيانه؛ فيعمد فيها من الكلام إلى ما قل ودل ولم يمل. ومن صدقك في توحيدك لله في ربوبيته وإلهيته ... أن تنقطع عن هذا الكون

стр. 1340

وتكون منه، وكأنك لست منه بصدق معاملتك لله، وإخلاص توحيدك إياه، فأنت وقد آمنت وصدقت، وخرجت من سورة الإخلاص متشبعًا بمعانيها، ومنها معنى الصمد - تستشعر أن العالم كله عجز وقصور، وأن خيراته مكدرة بالشرور، وأن لا ملجأ إلا ذلك الفرد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فتجيء المعوذتان بعد الإخلاص مبينتين لذلك الالتجاء الذي هو من تمام التوحيد. تسمية واحدة: ولأجل هذه المناسبة والارتباط بين السور الثلاث جمع بينهن في التسمية: ففي الصحيح عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان ينفث عن نفسه بالمعوذات". وسياق النسائي لحديث عقبة بن عامر المتقدم: "أن رسول الله ( ﷺ ) قرأ وقرأت معه الإخلاص، ثم: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. فلما ختمهن، قال: ما تعوذ بمثلهن أحد. وكما جمع ﷺ بينهن في التسمية والتعوذ، جمع بينهن عمليًا في قراءة الوتر. هذا إجمال المناسبة الخاصة بين السور الثلاث. رب الفلق: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. الألفاظ والتراكيب: الأمر المفرد للنبي ﵇. ومن حسن الأدب في مقدرات القرآن، أن تقدر في مثل هذا الأمر: أيها الرسول، أو أيها النبي؛ لأنهما الوصفان اللذان نطق بهما القرآن في نداء النبي ﵊، وأن لا نقدر يا محمد كما هو جار على الألسنة، وفي التصانيف؛ فإن القرآن لم يخاطبه باسمه.

стр. 1341

والأمر لنبينا أمر لنا، لأننا المقصودون بالتكليف، ولا دليل على الخصوصية، فهو في قوة: قل أنت، وقل لأمتك يقولون. (وأعوذ) أستجير وألتجى، ويتعدى هو وجميع تصاريفه بالباء كأستجير. والعوذ والعياذ مصدران منه كالصوم والصيام. وفي القرآن مما جاء على المعنى اللغوي: "يعوذون برجال من الجن". ومن كلام العرب: قد استعذت بمعاذ. (والرب) الخالق المكون المربي، ومواقع استعمال هذه الكلمة في القرآن هي التي تكشف كل الكشف عن معناها الكامل. لطائف لغوية: (والفلق) الفجر المفلوق المفرى. ومن لطائف هذه اللغة الشريفة: أن الفتح، والفلح، والفجر، والفلق، والفرق، والفتق، والفرى وألفأ، والفقأ والفقه ... كلها ذات دلالات واحدة، وتخصيصها بمتعلقاتها باب من فقه اللغة عظيم (١). ومما وصف به ربنا نفسه في القرآن (فالق الإصياح)، وفالق الحب والنوى)، فهما من أسمائه تعالى. ومواقع هذه الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب في القرآن، كمواقع أسماء المخلوقات التي أقسم بها الله: كلاهما عجيب معجز. فكل لفظة تستعمل في المقام الذي يناسبها وتناسبه، وكل لفظة تبعث في الأسلوب الذي وقعت فيه متانة وقوة، وفي معناه وضوحًا وجلاءً. وسر إضافة الفلق إلى رب هنا: أن الفجر بمعناه العرفي هو تشقق الظلمة عن النور، فإن الليل يكون مجتمع الظلمات مسدول الأرواق، فإذا جاء الصبح حصل الانفلاق، والذي يبقى بعد ذلك الانفلاق هو النور الذي نفى الظلمة، ولا ينف

стр. 1342

ظلمات الشر والضلال والباطل إلا أنوار الخير والهدى والحق من خالقها، وفالق أنوارها. وكما أضيف الفلق بمعنى الفجر إلى كلمة رب هنا، أقسم به في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾. الشر: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ من كل مخلوق فيه شر، فلا يدخل في عمومه إلا كل شرير من أي العوالم كان، كما يدخل في عموم المناطق كل ذي نطق، أو من شر كل مخلوق. ومن مخلوقات الله ما هو خير محض كالأنبياء والملائكة. ومعلوم أن المخلوقات كلها خلقت بحق والحكمة، فهي في نفسها خير. فإن كان لا ينشأ من أعمالها أو آثارها إلا الخير فهي الخير المحض، وإن كان ينشأ عنها الشر أحيانًا أو دائمًا، فعملها هو الشر، وهو المستعاذ منه. لا تكليف بالشر: وتصبح نسبة هذا القسم إلى الله من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين؛ لا من حيث الرضا والتكليف؛ فالله لا يرضى بالشر ولا يكلف به. وقصارى إبليس وهو مادة الشر في هذا الوجود، أن يزين الشر ويلبسه بالخير. فالشر بيد الله خلقه وحكمة، لا رضا وتكليفًا. والخير بيد الله خلقة وحكمة ونعمة وأمرًا. الشر ذاتي ونسبي: وقد يكون الشر ذاتيًا لا ينفك، وقد يكون نسبيًا: باعتبار حالة تعرض واتجاه يقصد.

стр. 1343

ونعم الله على عباده قد تنقلب عليهم شرًّا وبلاء بسبب سوء تصرفهم فيها: كالمال الذي سماه الله خيرًا في القرآن - يكسبه صاحبه من الوجوه المشروعة، ويتحرى رضا الله في جمعه وتفريقه؛ فيكون خيرًا بذاته وبعمل صاحبه. ويتصرف فيه بعكس ذلك فيكون شرًّا لا من ذاته، بل من عمل صاحبه. لم عيب الشر؟ وهذا العالم الإنساني المكلف، هو الذي يتجلى الخير والشر في أعماله، ويتصلان بحياته اتصالًا وثيقًا. وإنما عيب عليه وقبح منه، لأنه قادر على تمييزه واجتنابه، ومكلف بذلك. وقد وضح له الدين قوانين ثابتة للخير والشر، وأوضح له أن الخير ما نفع، وأن الشر ما أضر. ولكنه وإن أوتي قوة التمييز لم يؤت قوة الاستعصام، ابتداء من الله: فأما المخذول فيأتي الشر عامدًا متعمدًا وهو يعلم أنه شر. وأما الموفق فيواقع الشر في مواقف يشتبه عليه فيها الخير بالشر ويعسر التمييز (١). والخير والشر لا يوازنان بميزان حسي يستوي الناس كلهم في إدراكه، وقد تدق الفوارق بينهما حتى تخفى. وفي هذه المواقف يجب الالتجاء إلى الله ليرينا الخير خيرًا، ويكشف لبصائرنا عن حقائق الشر فلا يلتبس علينا شيء بشيء. وبعد أن يوجه الاضطرار نفوسنا هذا التوجيه الصحيح، تندفع ألسنتنا وتقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وبهذا تظهر المناسبة الدقيقة بين (رب والفلق). المناسبة بين الرب والفلق: ١ - فإن رب الناس ومربيهم وسائقهم إلى ما يكمل وجودهم، هو الذي تنكشف

стр. 1344

له سرائرهم، والفلق نور يكشف للعيان كل المبصرات فترى على حقائقها ومقاديرها، لا يزيع البصر في شيء منها ولا يطغى، والإنسان مهما يكن عالمًا فقد تخفى عليه حقائق من المعقولات فيزيغ فكره ويطغى. ٢ - ومناسبة أخرى، وهي أن الشر ظلام، وقد أجرى الله في فطر البشر تصور الشر كالظلام، وأجرى على ألسنتهم تشبيه الشر بالظلام: ذلك أن ما يلابس إحساسهم من الأنس بالنور والبشاشة له، هو عين ما يلابسه من الأنس والبشاشة للخير، وأن ما يضايقهم من وحشة الظلام وتوقع الهلاك فيه: هو عين ما يضايقهم من ذلك الشر. تخصيص أنواع خطرة من الشر: هذا كله في الشر على عمومه، ثم خصص تعالى من هذا العموم ثلاثة أنواع من الشر، لشدة تعلقها بحياة الإنسان وكثرة عروضها له، ويجيء أكثرها من أخيه الإنسان، ورتبها ترتيبًا بديعًا لا يستغرب في جنب بلاغة القرآن، ودقته في رعاية المراتب وتنسيقها في عرض الأذهان. هذه هي الثلاثة: الغاسق إذا وقب. والنفاثات في العقد. والحاسد إذا حسد. مفردات: (والغاسق) الليل المظلم، والمراد هنا المصيبة تطرق ليلًا وعلى غرة (ووقب) دخل في الوقب وهو النقرة في الشيء. (والنفاثات) السواحر ينفش الريق، واللفظ جمع نفاثة كثيرة النفث. (والعقد) جمع عقدة بيان لعادة السواحر المعروفة، من عقد الخيوط ونفث الريق عليها.

стр. 1345

جامع الثلاثة: والجامع بين الثلاثة هو اشتراكها في الخفاء: فإن الغاسق ظلام تخفى فيه الشرور، والنفاثات مبني أمرهن على الإخفاء تخييلًا وإيهامًا، والحسد داء دفين. فالثلاثة كما ترون شرها خفي، وكل شر يخفى عمله أو يخفى أثره يجل خطبه، ويعظم خطره، فيعسر التوقي منه والاحتياط له، لأنك نتقي ما يظهر ويستعلن، لا ما يخفى ويستتر، لا جرم (١) كانت الثلاثة جديرة بالتخصيص. ترتيب الثلاثة: أما نكتة الترتيب: فإن الليل ليس شرًّا في نفسه، ولا الشر من عمله، وإنما هو ظرف للشرور، والعلاقة بين الشيء وظرفه مكينة في النفوس قوية في الاعتبار، مسببة للحكم على أحدهما بحكم الآخر. بخلاف النفاثات والحساد، فإن الشر من عملهما ومن وصفهما، ولانطباعهما عليه صار ذاتيًا لهما، ولا شك أن الشر الذاتي أمكن من العرضي. كما أن بين الاثنين تفاوتًا في ذاتيه الشر وقوته، وعسر التوقي منه: فالنفاثات وإن كن يتحرين إخفاء عملهن، ولكنه مما يمكن ظهوره وافتضاحه - بخلاف الحاسد فإنه يخفي شره ويبالغ، فيظهر بمظهر الخير فشره أشد، والتوقي منه أعسر، ففي الترتيب بين الثلاثة ترق من الأخف إلى الأشد. ومن جهة أخرى نجد التناسب ظاهرًا بين الثلاثة: الغاسق والنفاثات والحاسد: فإن الجميع ظلام: ظلام الزمن، وظلام السحر، وظلام الحسد. وفي تقييد الغاسق بالوقوب احتمالان كلاهما صحيح مفيد المراد: التقييد بالوقوب زمانيًا ومكانيًا: الأول: أن وقوب الغاسق عبارة عن اعتكار الظلم وتكاثفها، فكأن بعض أجزائها

стр. 1346

يدخل بعضًا. والظلام يبدأ خفيفًا مشوبًا بأسفار من الشفق، أو من طبيعة الأرض، ثم يشتد ويحلولك حتى يغطي على كل شيء، فتلك التغطية هي الوقوب. والوقوب على هذا الاحتمال منظور فيه إلى ظرفه الزماني. وفائدة القيد حينئذ، أن تلك الحالة المصورة بهذه الجملة، هي التي يقع فيها الشرور من الآدميين وغيرهم، فالطارق يطرق، والسارق يسرق، والحيات تنهش، والضواري تفترس، وظلام الليل يستر ذلك كله، ويعين عليه، ويعوق عن الاستصراخ والاستنجاد. والعرب تقول فيما يشير إلى هذا: (الليل أخفى للويل). فالمستعاذ منه على هذا الاحتمال: شر يقع في زمان. والاحتمال الثاني: أن الوقوب في حقيقته هو دخول شيء في شيء دخولًا حسيًا، فيقتضي ظرفًا مكانيًا، وما هذا الظرف إلا الأبنية والمساكن، والظلام حين يهجم يدخل المساكن فيملأها، ويكون دخوله فيها أبين من دخوله في الفضاء، وملؤه إياها أشد. فالوقوب على هذا منظور فيه إلى ظرفه المكاني، لأن الشرور التي ترتكب في البيوت حين يغمرها الظلام أكثر مما يرتكب منها في الفضاء، خصوصًا من الآدميين، والمستعاذ منه على هذا الاحتمال شر يقع في مكان. وعلى الاحتمالين لما كان الليل معوانًا لذوي الشر على شرهم، أضيف الشر إليه واستعيذ بالله منه. النفاثات: (والنفاثات) صفة إما للنفوس فتشمل الرجال والنساء، وتكون الاستعاذة من شر كل من يتعاطى هذا الفعل رجلًا كان أو امرأة، وإما للنساء. وخصصن بذلك لأن وقوع هذا الفعل منهن أكثر، وهن به أشهر.

стр. 1347

النفث والمنفوث: والنفث إخراج الهواء من الفم مدفوعًا بالنفس بدون بصاق، أو مع قليل منه تتطاير ذراته وهو دون التفل. والنفث وإن كان عامًّا لكنه اشتهر فيما يفعله السحرة، يعقدون خيطًا ويتمتمون عليه برقى معروفة عندهم، وينفثون على عقدة منه بقصد إيصال الشر من نفوسهم الخبيثة إلى نفس المسحور، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. وما أمرنا الله بالاستعاذة من شره إلا لأنه يؤثر في بعض النفوس القابلة للتأثر به حاشا النفوس المعصومة، كنفوس الأنبياء فإن شرور الدنيا وأسواءها لا تعدو أبدانهم إلى أرواحهم. سحر الرسول: ولا يتعاصى على هذه القاعدة ما ورد في سحر لبيد بن الأعصم اليهودي، لرسول الله ﵌، وما يوهمه لفظ الرواية، فإن ذلك كله لا يخرج عن التأثر البدني (١). الاعتقاد الصحيح: نفث الشر والخير: ونحن نعتقد دينا أن تأثير المؤثرات هو من وضع الله وحده. ونقطع علمًا وتجربة أن للقوى النفسية تأثيرًا أعظم من تأثير القوى الجسمانية. وأن من مظاهر هذا التأثير النفساني تأثير العين في المعيون، وتأثير التنويم في المنوم. وأن التأثير والتأثر النفسانيين، يختلفان باختلاف النفوس الفاعلة والمنفعلة قوة وضعفًا.

стр. 1348

وأن تأثير العين ليس من ذاتها. وإنما هو من النفس التي من وراء العين ولو كان التأثير من ذات العين لكانت كل عين ناظرة تحدث ذلك الأثر، وأن هذا التأثير لون من ألوان النفس: فإن كانت خيرة كان تأثيرها خيرًا، وإن كانت شريرة كان شرًّا. فالنفث المذكور في الآية إن أثر فإنما يؤثر بالقوة النفسية التي من ورائه. والساحر لا ينفث من نفسه الخبيثة إلا نفث الشر؛ لأن الشر هو صفته الطبيعية، كالحية لا تنفث الترياق، وإنما تنفث السم، وكالعدو يلقاك بطعن الأسل لا بطعم العسل؛ ، إذ كان ذلك من طبيعة العداوة. هذا نفث الشر من النفوس الشريرة كنفوس السحرة. نفث المؤمن: وأما النفوس الخيرة الطيبة، كنفوس المؤمنين فإنها تنفث الخير للخير. وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌. نفث الرسول: كان إذا آوى إلى فراشه جمع بين كفيه ثم نفث فيهما، وهو يقرأ المعوذتين ثم مسح بهما ما استطاع من بدنه يبدأ برأسه ووجهه يفعل ذلك ثلاث مرات" فهذا نفث الخير من خير نفس خلقها الله. ثم قالت في تمامه: "فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك". وفي رواية: "كان يقرأ بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهذا، وأمسح بيد نفسه رجاء بركتها". وفي رواية مسلم عنه: "أنه كان يفعل ذلك إذا مرض أحد أهله" (١). فهذه الأحاديث - ثابتة صحيحة - تثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المعوذات، وينفث حين القراءة نفث الخير قطعًا.

стр. 1349

حقيقة النفث إذن: وتبين لنا أن كل نفس تنفث ما وقر فيها. وأن النفث إيصال للقوة الروحانية إلى ما يراد وصول الأثر إليه، وهي دليلنا على ما أسلفنا من أن في النفث خيرًا وشرًا، ولولاها لما كان النفث إلا من فعل السحرة. والنفوس إذا استفزها شيء من ملابستها، تتفشى فيها الروحانية وتضطرب، فكأنها بذلك النفث تنفض جزءًا من روحانيتها على نفس أخرى، أو على بدن. وكأن تحريك اللسان بقراءة أو غيرها إثارة لتلك الروحانية، واستدعاء لها، حتى تتصل بالريق الذي ينفث، كما يتصل السيال الكهربائي بشيء مادي. وقد علمنا أن السحرة لا ينفثون نفثًا مجردًا، بل يغمغمون برقى شيطانية وأسماء أرواح خبيثة. شاهد آخر للنفث: ومن الشواهد لنفث الريق، ما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵌ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة، أو جرح، قال النبي بإصبعه هكذا: (تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل) ثم رفعها، وقال: بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا". (بعد رواية الأستاذ لهذا الحديث، سكت لحظة كمن يستجمع خواطره، ثم اندفع فقال ما معناه بتوسع) (١): تفسير القرآن: إن القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة، فلا يستقل بتفسيره إلا الزمن. وكذلك

стр. 1350

كلام نبينا ﵌ المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع، لم تفهم أسرارها ومغازيها إلا بتعاقب الأزمنة، وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون. وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن، ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله ﵌ في وصف القرآن: "لا تنقضي عجائبه". الحوادث والمكتشفات كاشفة عنه: والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونها بالفكر الخامد، والفهم الجامد. إنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم. وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات: لم يأت مصداقها أو تأويلها بعد: يعنون أنه آت، وأن الآتي به حوادث الزمان، ووقائع الأكوان، وكل عالم بعدهم، فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه. هذا الخبر عند الناس: ولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق متقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم: أية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي ﵌ من أسبابه في هذا الحديث؟ . فماذا تراهم يقولون؟ ١ - يقول المتخلف القاصر: تربة المدينة بريق النبي ﵌ شفاء ما بعده من شفاء. ٢ - ويقول الطبيب المستغرب:

стр. 1351

هذا محال، في التراب مكروب، وفي الريق مكروب، فأنى يشفيان مريضًا؟ أو ينفسان عن مكروب؟ ! . ويقول الكيماوي: هاهنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل. ٤ - ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية: آمنا بأن محمدًا رسول الله، فقد علم الناس من قبل أربعة عشر قرنًا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه، تشفي من القروح والجروح، ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدًا من المحبة والإخلاص له، وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به، وليقرر لهم من منن الوطن منه كانوا عنها غافلين، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تشفي فليس هذا الحديث إرشادًا لمعنى طبي، ولكنه درس في الوطنية عظيم. ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقي والطب، فإنه بباب "حب الوطن" أشبه. وما نرى رافع العقيرة بقوله (١): ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي أذخر وجليل وهل أردن يومًا مياه مجنة ... وهل تبدون لي شامة وطفيل إلا سائرًا على شعاعه: وما ترى ذلك الغريب المريض الذي سئل فيم شفاؤك؟ . فقال: شمة من تربة اصطخر. وشربة من ماء نهاوند، إلا من تلامذة هذا الدرس (٢).

стр. 1352

ولقد زادنا إيمانًا به بعد إيمان (١) أنه يقول: تربة أرضنا، بريقة بعضنا. ولم يقل: تربة الأرض بريق بني آدم، فليس السر في تربة وريق ومرض. ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا - فهذه - والله ربنا - صخرة الأساس في بناء الوحدة الوطنية والقومية، لا ما يتبجح به المفتونون. ٥ - ويقول الروحانيون: إن هناك روحًا طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها، وتغذي بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوها وهوائها، من ريقة منفوثة نفث الخير، من نفس مؤمنة قوية الروحانية طيبتها، فيكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السماوات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني. وإذا تحلت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب. ٦ - ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذا الأصول كاسمها أصول. وهكذا، تأتي بعض المتون من كلام الله، وكلام رسوله، معجزة للعقول فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون - والعلوم حرف العقول (٢). الكلمة للزمان: والزمان من وراء الكل يصيح: أن انتظروا ... الحاسد والحسد: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.

стр. 1353

الحاسد، الذي قامت به صفة الحسد، وهو الذي يحب أن تسلب النعم من غيره. وقد تلح به هذه الصفة الذميمة فتزين له سلب النعم حتى من نفسه، إذا توقف على ذلك سلبها من غيره (١) فهو لا يحب الخير لأحد، ويتمنى ألا يبقى على وجه الأرض منعم عليه. منشأ الحسد: وإنما ينشأ الحسد من العجب وحب الذات، فتسول له نفسه أن غيره ليس أهلًا لنعم الله، وكفى بهذا معاداة للمنعم (٢). كل الشرور في إبليس: والحسد شر تلازمه شرور: العجب، والاحتقار، والكبر. وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها: حسد آدم عجبًا بنفسه فقال: "أنا خير منه". ورآه لا يستحق السجود احتقارًا له، فقال: "أهذا الذي كرمت علي؟ ! ثم تكبر ولم يسجد ورضى باللعنة والخزي. ولا أشنع من صفة يكون إبليس فيها إمامًا! ! . والحسد شر على صاحبه قبل غيره، لأنه يأكل قلبه، ويورق جفنه، ويقض مضجعه (٣) ولا يكون شرًّا على غيره، إلا إذا ظهرت آثاره بأن كان قادرًا على الإضرار، أو ساعيًا فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ والمتمني للشيء لا يمنعه

стр. 1354

من إتيانه إلا العجز ... وأعظم ما ينمي الحسد ويغذيه امتداد العين إلى ما متع الله به عباده من متاع المال والبنين؛ ونعمة العافية والعلم والجاه والحكم. وقد نهى الله نبيه عن مد العين إلى ما عند الغير فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. علاج الحسد: وفي هذه الآية مع النهي إرشاد إلى علاج الحسد (١)، فإن الحسد مرض نفساني معضل، ولكنه كغيره من الأمراض النفسية يعالج. وقد وصف الحكماء له أنواعًا من العلاج، فصلتها كتب السنة، وكتب الفقه النفسي (٢) ككتاب الأحياء للغزالي. * * *

стр. 1355

سورة الناس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. تمهيد: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها (هي المعوذتان). وعلمنا أنها تسمية نبوية، وقد جرت هذه الصفة مجرى الاسم لهما. أما الاسم الخاص بهذه السورة فهو (الناس) كما أن الاسم الخاص بالسورة الأولى: (الفلق). والمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف، وهو التعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام، ومن ثلاثة أنواع منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر (١). وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد لكنه سبب في شرور كثيرة. النفوس الشريرة: المناسبة: والمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام: ١ - قسم يصدر عنه الضرر ويعمله. ٢ - وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه، وهو شر من الأول.

стр. 1356

٣ - وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح، ومالك هديها (١)، وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. فهو يحسن له الأشياء القبيحة ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح، وإرادة الخير. ويزين للإنسان كل ما يرد به من القبائح، ويأتيه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله قريبًا منه متصلًا بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح، حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك. ولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطرًا، وأكثر شرًّا، وأخسر عاقبة، خصص التعوذ منه بسورة كاملة. المفردات والتراكيب: (رب الناس) هو مربيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود وما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما من به عليهم فيما ينفعهم: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. وأصله من ربه يربه ربا إذا قام على نشأته، وتعهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال، ولفظه لفظ المصدر، ولكن معناه اسم الفاعل: كالعدل يراد به العادل. (ومالك الناس) هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم، ويشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والأخروية. (وإله الناس) هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية. وبلاغة الترتيب، إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني. فالأول: طور التربية، والإعداد وهما من مظاهر الربوبية. والثاني: طور القوة والتدبير وهما من مظاهر الملك.

стр. 1357

والثالث: طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية (١). المستعاذ منه: المستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره وما شرع له لمنفعته وصلاحه. وتارة بما يفسد عليه عبوديته له وهي أشرف علائقه به وأقوى صلاته. وجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها، وبما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوة الموسوسة. مثل قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. أو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وبين خالقه، كقوله تعالى: ﴿قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. وكقوله تعالى: ﴿قَال أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]. وكقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. فهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله؛ بإفساد العقيدة الصحيحة فيه أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها. تخصيص الناس بالذكر: (والرب) رب الناس وغيرهم، بل رب العالمين وإنما خص الناس بالذكر:

стр. 1358

١ - لأنهم هم هدفه ومرمى وسوسته، ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه، ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجه الخطاب، وإليهم يساق التحذير. وهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما؛ فأمر الله بالاستعاذة منها هو تسليح إلهي لبني آدم، لتثبيت سنة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم. ٢ - ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربوبين، وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال. وقد ضلوا بالفعل في ربوبية الله وفي ألوهيته: ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين، ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ويصدونهم بذلك عما شرع الله. وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء. اختيار لفظ الناس: واختير لفظ الناس، من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية، لأنه ينوس ويضطرب وينساق. وهي صفات يلزمها التوجه، ويسهل التوجيه، فلا غنى لصاحبها عن توفيق الله للوجهة الصالحة، والتسديد فيها، ما دام لا يملك لنفسه ذلك، وما دام محاسبًا عليه، وما دامت هناك قوة مسلطة تنزع به إلى الشر. ففي تخصيص الناس بالذكر، تنبيه إلى أنهم أحوج المربوبين إلى تأييد الله وأحقهم بطلب ذلك منه - وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد. في اللفظ ضعفهم: ولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه، لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم، وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جنة من استعباد الأقوياء.

стр. 1359

ويجوز - إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها - أن تحمل كلمة (الناس) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس، وهو الأماثل، والأخيار، منهم الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب: فإنهم كثيرًا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد، أو الأفراد الكاملين في حقيقته. وإن كان هذا من المجاز في كلامهم وقد حملوا على هذا المعنى، قوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾. تكرير اللفظ: ونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس توضيح المعنى، وإلفات النفس إليه، وإيقاظ شعورها به، والتسجيل على الناس بأن لهم ربًا هو مالكهم وإلههم. من شر الوسواس: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾. (الوسواس) هنا صفة الموسوس، وإن خالف المعهود في أبنية الصفات أو هو اسم بمعنى الوسوسة كالزالزال والزلزلة. وأصل هذه الكلمة دائر على معنى الخفاء (١) والعرب تسمي حركة الحلى وسواسًا وهذا المعنى واضح في المراد هنا: فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الأنس يتحرى الإخفاء ما استطاع ويحكم الحيلة في ذلك، ولا يرمي رميته إلا في الخلوات. وإن الناس ليعرفون عرفانًا ضروريًا من الفرق بين المصلحين والمفسدين: أن الأولين يصدعون بكلمة الحق مجلجلة، ويرسلون صيحته داوية، ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق.

стр. 1360

وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا، ويستترون إذا فعلوا، ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية، ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات. الخناس: (الخناس) وصف مبالغة في الخانس من الخنوس، وهو التأخر بعد التقدم، ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس: أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي إغراقًا في الكيد، وتقصيًا في التطور، حتى يبلغ مراده. فالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كرًا وفرًا، وهجومًا وانتهازًا. واستطرادًا على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]. يرشدنا بذلك لنعد لكل حالة من حالاته عدتها، ولنضيق عليه المسالك التي يسلكها. كما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد، لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام، وإنما هو كالذباب: تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية، ثم دواليك حتى تمل أو يمل. الخناس ضعيف: وأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد، فهو مبالغة في التحذير منه؛ لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره. الوسوسة ومحلها: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾. قال: يوسوس بالمضارع إشعارًا بعد إشعار بتجدد الوسوسة منه وعدم انقطاعها.

стр. 1361

وقال: (في صدور الناس). والصدر ملتقى حنايا الأضلع ومستودع القوى التي كان الإنسان إنسانًا بها، ومجموع المضغ التي تحمل تلك القوى، والقلب واحد منها، فالقلب غير الصدر، وإنما هو فيه، ولذلك قال: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. الصدر ليس ماديًا فقط: ومواقع استعمال القرآن لكلمة الصدر مفردًا وجمعًا والحكم عليها بالشرح، والحرج، والضيق، والشفاء، والإخفاء، والإكنان - ترشدنا إلى أنه ليس المراد منه الصورة المادية، ولا أجزاءها المادية، وإنما المراد القوى النفسية المستودعة فيه، وأن الوسواس الخناس، يوجه كيده ووسوسته دائمًا إلى هذه القلعة التي هي الصدر؛ لأنها مجمع القوى. وقال: (في صدور الناس)، ولم يقل في قلوب الناس؛ لأن القلب مجلى العقل، ومقر الإيمان (١) وقد يكون محصنًا بالإيمان، فلا يستطيع الوسواس أن يظهره ولا يستطيع له نقبًا. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾: الجن: (الجنة) جماعة الجن وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس، لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين (٢). واستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون، في قوله

стр. 1362

تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. ولما كان الموسوسون فريقين (١) متعاونين على الشر، ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذ من شر الوسوسة، ليلتئم طرفا الكلام، ويحصل التقصي الوصفي المستعاذ به والمستعاذ منه. أقسام الشياطين: وقد قسم القرآن الشياطين، وهم القائمون بوظيفة الوسوسة إلى قسمين: شياطين الإنس، وشياطين الجن. وذكر بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول. وشيطان الجن ميسر للشر. فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله. ومن شياطين الإنس بطانة السوء، وقرين السوء. القرين: وورد في الآثار أن لكل إنسان قرينًا من الجن. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥]. وهو من باب توزيع الجمع على الجمع: أي لكل واحد قرين. النجاة من القرناء: فهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن، ثم لا يخلو من قرين أو قرناء من الإنس، يزينون له ما بين يديه وما خلفه، ويصدونه عن ذكر الله. فماذا يصنع؟ ما عليه إلا أن يلجتيء إلى الله، ويستعيذ به ويتذكر، فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ، وإنما يؤخذ إذا كان غافلًا، قال تعالى:

стр. 1363

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. دقائق بلاغية: ومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة، أنه يقدم أحد الاسمين المتلازمين في آية، لسر من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ثم يؤخر ذلك المقدم في آية أخرى، لسر آخر: فيقدم السماء على الأرض في مقام، ويؤخرها عليها في مقام آخر. ومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن، في آية الأنعام، لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء، وهي من الإنس أظهر، ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح. شياطين الإنس أخطر: وفي آية "الناس" قدم الجنة على الناس، لأن الحديث عن الوسوسة، وهي من شياطين الجن أخفى وأدق، وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمر: فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد، فيربى عليه ويكون شرًّا منه، لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به؛ ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جني لإنسي، ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولد منها فتن، ويتمادى شرها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل. الإنسان يعلو أو يتسفل: وهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفل كان شرًّا محضًا، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملأ الأعلى، وأوشك أن يكون خيرًا محضًا، لولا أن العصمة لم تكتب إلا لطائفة منه، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

стр. 1364

فالإنسان إذا انحط يكون شرًّا من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك - أعني جنس الإنسان - ومن هذا الجنس، كان محمد ﵌ أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال (١). وأخيرًا "سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين". وقد ضمن تفسيره محاضرة قيمة بعنوان العرب في القرآن الكريم، ارتجلها الشيخ في نادي الترقي بالعاصمة الجزائرية سنة ١٣٥٨ هـ - ١٩٣٩ م، ونشرت في مجلة السهاب في المجلد الخامس عشر، تضمنت المحاضرة الحديث عن واجب المسلمين في العناية بتاريخهم ومدينتهم، وخصائص الطبيعة العربية، والسر في اختيار العرب للرسالة، وتحدث عن معلومات مغلوطة عن العرب، وتحدث من خصائص إرم ذات العلماء، وعن ثمود، وقصة ملكة سبأ والعبرة منها (٢). هذه نماذج مضيئة لتفسير الشيخ ابن باديس نوّر الله قبره وجزاه عما قدّم خيرًا، وما كل ما يتمنى المرء يدركه، وكم كنا نتمنى أن يكون للشيخ وأمثاله نصيب أكبر في تفسير كتاب الله ﵎ ولكن ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. رحم الله الشيخ ابن باديس رحمة واسعة. تقويم التفسير: هذا هو تفسير الشيخ ابن باديس، الذي كان يعد تفسير المنار منارة له، ولذا نجده مّد تأثر به بأفكاره وآرائه الإصلاحية ... كان أسلوبه في تفسره سهلًا ميسرًا، يعالج الواقع الذي يعيشه المسلمون في شتى مجالات الحياة الاجتماعة والأخلاقية والدينية والعلمية والسياسيّة، لقد كان يعبر عن أزمة المجتمع الإسلامي في

стр. 1365

تفسيره ... كان يركز في تفسيره - كما هو الحال بالنسبة لمدرسة المنار - على هداية القرآن الكريم، فلا نجاة للمسلمين من هذا التيه الذي يعيشونه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتفقه فيه وفي سنة نبينا محمد ﷺ والاستعانة على ذلك كله بإخلاص القصد وصحة الفهم. لقد كان الشيخ يصدر في تفسيره عن بيان ناصع، واطلاع واسع في العلوم النفسية والكونية، وعلم الاجتماع. رحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه. * * *

стр. 1366

الشيخ حسن البنا ومنهجه في التفسير ولد الشيخ بمدينة المحمودية بمحافظة البحيرة صباح الأحد ٢٥ من شعبان عام ١٣٢٤ هـ، ١٤ من أكتوبر سنة ١٩٠٦ م. كان باكورة الأبناء للشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي أحد علماء السنة، وصاحب كتاب (الفتح الرباني). أنهى دراسته في دار المعلمين في دمنهور، والتحق بدار العلوم وتخرج فيها عام ١٩٢٧ وكان ترتيبه الأول، وقد عيِّن مدرسًا في مدينة الإسماعيلية في سبتمبر سنة ١٩٢٧ م. وفي سنة ١٩٢٨ كوّن مع ستة من أهل الإسماعيلية أول شعبة للإخوان المسلمين. انتقل إلى القاهرة في أكتوبر سنة ١٩٣٢ م، وقد نجح في مجال الدعوة نجاحًا منقطع النظير ... أصدر العديد من الصحف والمجلات لخدمة الدعوة، وتربى على يديه شباب كان حربًا على الاستعمار الأجنبي في مصر وفلسطين. نال الشهادة عندما أطلق عليه الرصاص في الخامسة مساء يوم السبت ١٢ من فبراير سنة ١٩٤٩ م، وكان عمر آنذاك ٤٢ عام (١). من ذكرياتي: لا يُذكر الأستاذ حسن البنا ﵁ ورحمه الله رحمةً واسعة - في مجلسٍ، ولا أذكره في مجلس إلا وعيناي تذرفان الدموع، وأنا مؤمن - ولله الحمد - بقدر الله، ولكن كنت أتمنى أن تطول معرفتي بالأستاذ الكريم، والرجل الذي أسأل الله أن يكرمه بأجر الشهداء، لكن لله إرادة - والحمد لله على ما حكم به وأراد -. ترددت على دروس الأستاذ في حديث الثلاثاء في الحليمية في القاهرة، ولم يطل هذا التردد، فلقد بدأ أول سنة ١٩٤٨ حينما ذهبت إلى القاهرة بالقطار من

стр. 1367

حيفا، - ورحم الله تلك الأيام - حيث كنت أسمع ما لم أسمعه من قبل، مع أنني كنت سمعت اثنين من نوابه، نواب المرشد العام وأنا طالب في المدرسة الأحمدية - مدرسة أحمد باشا الجزار في عكا - سنة ١٩٤٥ م - ١٩٤٦ م، وهما الأستاذ عبد المعز عبد الستار أكرمه الله، وأظنه لا زال حيًّا، والأستاذ سعيد رمضان ﵀. ولقد هيمن كل منهما على العاطفة والعقل، مع أنني كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر، لكنّ الذي سمعته من الأستاذ البنا كان نقلةً عجيبة عظيمة في حياتي، لذا لا يذكر أمامي إلا وعيناني تذرفان الدموع، لما فاتني من خير كثير من الاستماع إليه ﵀. وأبكي كذلك لأني حينما أذكره ويذكر أمامي يدور في خلدي هذا الجحود من الأمة، التي تحاول تخليد ذكرى كثيرٍ من العابثين واللاعين، ومن لم يكن لهم في حياتهم إلا تلك المنزلقات التي كانت وبالًا وكان فيها البوار على الأمة. وأبكيه ثالثًا حيث كان له ذلكم الأثر الكبير، وانتقل إلى الدار الآخرة - إن شاء الله - راضيًا مرضيًا، وهو في السنين الأولى من العقد الخاص، وكذلك شأن كثير من هؤلاء الأفذاذ الذين كان لهم هذا الأثر على قصر أعمارهم في هذه الدنيا، أذكر منهم الإمام الشافعي، والإمام النووي - رحمهما الله تعالى - وكثيرون غيرهم في القديم والحديث. لقد كان بيت الأستاذ البنا وأسرته بدعا من كثير من البيوت، ولقد كان الأستاذ البنا من النَدَرة، بل كان الإخاذ الذي يروي كل من ورد عليه. وأحبّ أن أسجل تلكم الأخبار القصيرة، والتي هي مع قصرها عظيمة الأثر، ورب كلمة واحدة تحدث كلْما لا نجده لمقالات، بل لكتب كثيرة متعددة: ١ - سمعت من الشيخ صالح السوداني ﵀ ونحسبه والله حسيبه من الصالحين ولا نزكي على الله أحدًا - وكانت لنا صلة به ونحن طلاب يزورنا ونستمع إلى دروسه، ونحضر معه بعض المجالس العلمية قال: لما توفي الأستاذ البنا، لما

стр. 1368

أطلق عليه النار ظلما وعدوانا، رغبت أن أفتح المصحف الشريف لأرى الآية التي يقع نظري عليها، لأني أحببت أن أعرف شيئًا عن منزلة الشيخ حسن البنا عند ربه، رغبت يقول الشيخ صالح ﵀ وكانت الآية التي شاء الله أن أفتح المصحف لأقرأها قول الله ﵎: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ويقيني - إن شاء الله - إنها بشرى، رحم الله الإمام البنا، ورحم الله الشيخ صالح السوداني. ٢ - ذكر العلامة الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا (الساعاتي) والد الأستاذ حسن البنا - رحمهما الله تعالى - في مقدمة الجزء الرابع عشر من كاتبه الفذّ الجليل الطيب القيم، (الفتح الرباني)، وهو يتحدث ويبث ما في نفسه عما لاقاه من صعوبة وجهد في طباعة كتابه الذي قضى فيه أكثر من ثلثي حياته، أي ما يزيد على خمس وأربعين سنة، ومع ذلك أوصدت كل الأبواب في وجه طباعة هذا الكتاب، وهذا الكتاب رتب فيه الأستاذ أحمد الساعاتي ﵀ مسند الإمام أحمد ترتيبًا موضوعيًا، كما نجده في صحيحي الإمامين البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى - ثم شرحه شرحًا وافيًا، وذكر الزوائد فكان كتابًا جامعًا ميسرًا، جزى الله الشيخ أحمد البنا خير الجزاء. أقول يقول الشيخ في مقدمة الجزء الرابع عشر، وقد كتبها بعد استشهاد الشيخ الأستاذ حسن البنا: وكنت طلبت من ابني حسن أن يطبع هذا الكتاب بعد موتي لعلمي أنه حريص على نشر العلم وبخاصة ما يتصل بالكتاب والسنة، فكان جوابه ﵀ يا والدي سيطبع في حياتك لا في حياتي "وهكذا كان ... أليس ذلك إلهامًا ربانيًا يجريه الله على ألسنة هؤلاء الذين رضي عنهم ورضوا عنه. رحم الله الوالد ومن ولد.

стр. 1369

٣ - في سنة (١٩٥٢ م) وقبل الثورة المصرية بأيام أرسلني خالي ﵀ الشيخ يوسف عبد الرزاق لأحضر له كتاب الفتح الرباني من مؤلفه الشيخ أحمد البنا، وكان من المعجبين بهذا الكتاب، بل إنه كان يرى أن هذا الكتاب لا بد من طباعته والعناية به، وكان قد اشتراه، فذهبت إلى بيت الشيخ لأحضر الكتاب، وجلست مع الشيخ لأسمع منه وأفيد من حديثه، وسألني الشيخ من أين أنت؟ لأني كنت ألبس العمامة الشامية، وهي تختلف عن العمامة التي يلبسها إخواننا المصريون. قلت: من فلسطين. وهنا كان عجبي، إذ بمجرد ما نطقت بهذه الكلمة، وإذ بي أسمع من يجهش بالبكاء في جانب البيت، فقدّرت أن الذي يبكي إنما هي زوج الشيخ، وأثرّت فيّ تلك الحادثة، ولا تزال، بمجرد أن تسمع كلمة فلسطين يكون البكاء والحزن ... أي تربية هذه؟ ! وأين نجدها؟ ! عند من؟ أنجدها عند كثير من أهل فلسطين؟ ! أم نجدها عند كثير من العرب والمسلمين؟ وبقيت هذه الحادثة تتفاعل معها نفسي. وبعد ما يزيد على ثلث قرن، ضمني لقاء مع أحمد سيف الإسلام ابن الأستاذ البنا في جمع طيب، وحدثتهم تلك الحادثة التي لا زالت وستبقى أنموذجًا حيًّا ما دمت حيا، فازداد عجبي حينما أخبرني أن هذه امرأة جده، وكان عجبي أكثر حينما أخبرني أنها تركية الأصل، وقلت في نفسي وسأقول وأظل أقول: ما أحوج المسلمين إلى هذه النماذج الحيّة التي تُربى الأجيال المسلمة على مثلها. ٤ - حينما لبّى الإخوان المسلمون دعوة الجهاد سنة ١٩٤٨ وأبلوا بلاء حسنًا في الجهاد في فلسطين يشبه المعجزات، صدرت الأوامر من الإنجليز إلى حكام مصر، وكان الملك فاروق في ذلك الوقت، وكان رئيس وزرائه محمود فهمي النقراشي باشا، صدرت الأوامر بحل جماعة الإخوان المسلمين، وإدخالهم السجون، والتضييق على المجاهدين منهم في فلسطين، وبقي الأمر كذلك إلى

стр. 1370

سنة ١٩٥٠ م، حيث كانت الانتخابات في مصر، ونجح فيها الوفديون بزعامة أحمد مصطفى النحاس باشا، وانهزم السعديون الذين كان منهم النقراشي، وكان أول ما عمله النحاس إلغاء قانون حل الجماعة، والسماح لها بالعودة، وعادت أحاديث الثلاثاء إلى ما كانت عليه من قبل، وكان الحديث الأول بعد غياب يقرب من ثلاث سنين أو يزيد عليها، كان الحديث الأول الذي جاء إليه الآلاف، بل الألوف، كان للشيخ أحمد حسن الباقوري ﵀ وكان من أعضاء الجماعة، ولا زلت أذكر أنه بدأ حديثه بقوله: لقد كان هناك رجل واحد يمكن أن يلبي رغبة الجماهير عواطف وعقولًا ومشاعر، وما أظن أن غيره يستطيع أن يقنع هذه الجماهير كلها ويمتعها، نعم، ليس هناك إلا رجل واحد، هو الأستاذ الشيخ حسن البنا ﵀. وهنا انطلقت أصوات البكاء، بما لا يمكن لأحد أن يصفه وصفًا دقيقًا. تلك أحداث شهدتها، لا أود أن أسترسل، مع أني والله أحب الاسترسال، ذلكم هو الأستاذ البنا جزاه الله خيرًا على بنائه هذه الأسرة الطيبة التي كان لها أعظم الفضل في هذه الصحوة الإسلامية، وسيبقى هذا الأثر، وسيشهد المسلمون بإذن الله النتائج والعواقب الطيبة. لقد كان الأستاذ البنا إمامًا أراد أن يجمع المسلمين على كلمة واحدة، وكان يقول: ما أحوج المسلمين في بقاع الأرض أن يجتمعوا على ما اتفقوا عليه، وهو كثير، وأن يعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا عليه، وهو قليل، كان يذكر المسلمين وإنما في أخوتهم في كل كلمة يتكلمها، مبنيًا لهم أن هذه الاخوة واجب، لا تقل عن وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، كان يبين لهم أن الواجبات أكثر من الأوقات. * كلام بعض العلماء في الشيخ حسن البنا: ١ - يقول الداعية الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي ﵀ عن شخصية البنا بأنها: "العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفة القوية
следующие страницы →