← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الشيخ حسن البنا ومنهجه في التفسير ولد الشيخ بمدينة المحمودية بمحافظة البحيرة صباح الأحد ٢٥ من شعبان عام ١٣٢٤ هـ، ١٤ من أكتوبر سنة ١٩٠٦ م. كان باكورة الأبناء للشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي أحد علماء السنة، وصاحب كتاب (الفتح الرباني). أنهى دراسته في دار المعلمين في دمنهور، والتحق بدار العلوم وتخرج فيها عام ١٩٢٧ وكان ترتيبه الأول، وقد عيِّن مدرسًا في مدينة الإسماعيلية في سبتمبر سنة ١٩٢٧ م. وفي سنة ١٩٢٨ كوّن مع ستة من أهل الإسماعيلية أول شعبة للإخوان المسلمين. انتقل إلى القاهرة في أكتوبر سنة ١٩٣٢ م، وقد نجح في مجال الدعوة نجاحًا منقطع النظير ... أصدر العديد من الصحف والمجلات لخدمة الدعوة، وتربى على يديه شباب كان حربًا على الاستعمار الأجنبي في مصر وفلسطين. نال الشهادة عندما أطلق عليه الرصاص في الخامسة مساء يوم السبت ١٢ من فبراير سنة ١٩٤٩ م، وكان عمر آنذاك ٤٢ عام (١). من ذكرياتي: لا يُذكر الأستاذ حسن البنا ﵁ ورحمه الله رحمةً واسعة - في مجلسٍ، ولا أذكره في مجلس إلا وعيناي تذرفان الدموع، وأنا مؤمن - ولله الحمد - بقدر الله، ولكن كنت أتمنى أن تطول معرفتي بالأستاذ الكريم، والرجل الذي أسأل الله أن يكرمه بأجر الشهداء، لكن لله إرادة - والحمد لله على ما حكم به وأراد -. ترددت على دروس الأستاذ في حديث الثلاثاء في الحليمية في القاهرة، ولم يطل هذا التردد، فلقد بدأ أول سنة ١٩٤٨ حينما ذهبت إلى القاهرة بالقطار من

стр. 1367

حيفا، - ورحم الله تلك الأيام - حيث كنت أسمع ما لم أسمعه من قبل، مع أنني كنت سمعت اثنين من نوابه، نواب المرشد العام وأنا طالب في المدرسة الأحمدية - مدرسة أحمد باشا الجزار في عكا - سنة ١٩٤٥ م - ١٩٤٦ م، وهما الأستاذ عبد المعز عبد الستار أكرمه الله، وأظنه لا زال حيًّا، والأستاذ سعيد رمضان ﵀. ولقد هيمن كل منهما على العاطفة والعقل، مع أنني كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر، لكنّ الذي سمعته من الأستاذ البنا كان نقلةً عجيبة عظيمة في حياتي، لذا لا يذكر أمامي إلا وعيناني تذرفان الدموع، لما فاتني من خير كثير من الاستماع إليه ﵀. وأبكي كذلك لأني حينما أذكره ويذكر أمامي يدور في خلدي هذا الجحود من الأمة، التي تحاول تخليد ذكرى كثيرٍ من العابثين واللاعين، ومن لم يكن لهم في حياتهم إلا تلك المنزلقات التي كانت وبالًا وكان فيها البوار على الأمة. وأبكيه ثالثًا حيث كان له ذلكم الأثر الكبير، وانتقل إلى الدار الآخرة - إن شاء الله - راضيًا مرضيًا، وهو في السنين الأولى من العقد الخاص، وكذلك شأن كثير من هؤلاء الأفذاذ الذين كان لهم هذا الأثر على قصر أعمارهم في هذه الدنيا، أذكر منهم الإمام الشافعي، والإمام النووي - رحمهما الله تعالى - وكثيرون غيرهم في القديم والحديث. لقد كان بيت الأستاذ البنا وأسرته بدعا من كثير من البيوت، ولقد كان الأستاذ البنا من النَدَرة، بل كان الإخاذ الذي يروي كل من ورد عليه. وأحبّ أن أسجل تلكم الأخبار القصيرة، والتي هي مع قصرها عظيمة الأثر، ورب كلمة واحدة تحدث كلْما لا نجده لمقالات، بل لكتب كثيرة متعددة: ١ - سمعت من الشيخ صالح السوداني ﵀ ونحسبه والله حسيبه من الصالحين ولا نزكي على الله أحدًا - وكانت لنا صلة به ونحن طلاب يزورنا ونستمع إلى دروسه، ونحضر معه بعض المجالس العلمية قال: لما توفي الأستاذ البنا، لما

стр. 1368

أطلق عليه النار ظلما وعدوانا، رغبت أن أفتح المصحف الشريف لأرى الآية التي يقع نظري عليها، لأني أحببت أن أعرف شيئًا عن منزلة الشيخ حسن البنا عند ربه، رغبت يقول الشيخ صالح ﵀ وكانت الآية التي شاء الله أن أفتح المصحف لأقرأها قول الله ﵎: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ويقيني - إن شاء الله - إنها بشرى، رحم الله الإمام البنا، ورحم الله الشيخ صالح السوداني. ٢ - ذكر العلامة الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا (الساعاتي) والد الأستاذ حسن البنا - رحمهما الله تعالى - في مقدمة الجزء الرابع عشر من كاتبه الفذّ الجليل الطيب القيم، (الفتح الرباني)، وهو يتحدث ويبث ما في نفسه عما لاقاه من صعوبة وجهد في طباعة كتابه الذي قضى فيه أكثر من ثلثي حياته، أي ما يزيد على خمس وأربعين سنة، ومع ذلك أوصدت كل الأبواب في وجه طباعة هذا الكتاب، وهذا الكتاب رتب فيه الأستاذ أحمد الساعاتي ﵀ مسند الإمام أحمد ترتيبًا موضوعيًا، كما نجده في صحيحي الإمامين البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى - ثم شرحه شرحًا وافيًا، وذكر الزوائد فكان كتابًا جامعًا ميسرًا، جزى الله الشيخ أحمد البنا خير الجزاء. أقول يقول الشيخ في مقدمة الجزء الرابع عشر، وقد كتبها بعد استشهاد الشيخ الأستاذ حسن البنا: وكنت طلبت من ابني حسن أن يطبع هذا الكتاب بعد موتي لعلمي أنه حريص على نشر العلم وبخاصة ما يتصل بالكتاب والسنة، فكان جوابه ﵀ يا والدي سيطبع في حياتك لا في حياتي "وهكذا كان ... أليس ذلك إلهامًا ربانيًا يجريه الله على ألسنة هؤلاء الذين رضي عنهم ورضوا عنه. رحم الله الوالد ومن ولد.

стр. 1369

٣ - في سنة (١٩٥٢ م) وقبل الثورة المصرية بأيام أرسلني خالي ﵀ الشيخ يوسف عبد الرزاق لأحضر له كتاب الفتح الرباني من مؤلفه الشيخ أحمد البنا، وكان من المعجبين بهذا الكتاب، بل إنه كان يرى أن هذا الكتاب لا بد من طباعته والعناية به، وكان قد اشتراه، فذهبت إلى بيت الشيخ لأحضر الكتاب، وجلست مع الشيخ لأسمع منه وأفيد من حديثه، وسألني الشيخ من أين أنت؟ لأني كنت ألبس العمامة الشامية، وهي تختلف عن العمامة التي يلبسها إخواننا المصريون. قلت: من فلسطين. وهنا كان عجبي، إذ بمجرد ما نطقت بهذه الكلمة، وإذ بي أسمع من يجهش بالبكاء في جانب البيت، فقدّرت أن الذي يبكي إنما هي زوج الشيخ، وأثرّت فيّ تلك الحادثة، ولا تزال، بمجرد أن تسمع كلمة فلسطين يكون البكاء والحزن ... أي تربية هذه؟ ! وأين نجدها؟ ! عند من؟ أنجدها عند كثير من أهل فلسطين؟ ! أم نجدها عند كثير من العرب والمسلمين؟ وبقيت هذه الحادثة تتفاعل معها نفسي. وبعد ما يزيد على ثلث قرن، ضمني لقاء مع أحمد سيف الإسلام ابن الأستاذ البنا في جمع طيب، وحدثتهم تلك الحادثة التي لا زالت وستبقى أنموذجًا حيًّا ما دمت حيا، فازداد عجبي حينما أخبرني أن هذه امرأة جده، وكان عجبي أكثر حينما أخبرني أنها تركية الأصل، وقلت في نفسي وسأقول وأظل أقول: ما أحوج المسلمين إلى هذه النماذج الحيّة التي تُربى الأجيال المسلمة على مثلها. ٤ - حينما لبّى الإخوان المسلمون دعوة الجهاد سنة ١٩٤٨ وأبلوا بلاء حسنًا في الجهاد في فلسطين يشبه المعجزات، صدرت الأوامر من الإنجليز إلى حكام مصر، وكان الملك فاروق في ذلك الوقت، وكان رئيس وزرائه محمود فهمي النقراشي باشا، صدرت الأوامر بحل جماعة الإخوان المسلمين، وإدخالهم السجون، والتضييق على المجاهدين منهم في فلسطين، وبقي الأمر كذلك إلى

стр. 1370

سنة ١٩٥٠ م، حيث كانت الانتخابات في مصر، ونجح فيها الوفديون بزعامة أحمد مصطفى النحاس باشا، وانهزم السعديون الذين كان منهم النقراشي، وكان أول ما عمله النحاس إلغاء قانون حل الجماعة، والسماح لها بالعودة، وعادت أحاديث الثلاثاء إلى ما كانت عليه من قبل، وكان الحديث الأول بعد غياب يقرب من ثلاث سنين أو يزيد عليها، كان الحديث الأول الذي جاء إليه الآلاف، بل الألوف، كان للشيخ أحمد حسن الباقوري ﵀ وكان من أعضاء الجماعة، ولا زلت أذكر أنه بدأ حديثه بقوله: لقد كان هناك رجل واحد يمكن أن يلبي رغبة الجماهير عواطف وعقولًا ومشاعر، وما أظن أن غيره يستطيع أن يقنع هذه الجماهير كلها ويمتعها، نعم، ليس هناك إلا رجل واحد، هو الأستاذ الشيخ حسن البنا ﵀. وهنا انطلقت أصوات البكاء، بما لا يمكن لأحد أن يصفه وصفًا دقيقًا. تلك أحداث شهدتها، لا أود أن أسترسل، مع أني والله أحب الاسترسال، ذلكم هو الأستاذ البنا جزاه الله خيرًا على بنائه هذه الأسرة الطيبة التي كان لها أعظم الفضل في هذه الصحوة الإسلامية، وسيبقى هذا الأثر، وسيشهد المسلمون بإذن الله النتائج والعواقب الطيبة. لقد كان الأستاذ البنا إمامًا أراد أن يجمع المسلمين على كلمة واحدة، وكان يقول: ما أحوج المسلمين في بقاع الأرض أن يجتمعوا على ما اتفقوا عليه، وهو كثير، وأن يعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا عليه، وهو قليل، كان يذكر المسلمين وإنما في أخوتهم في كل كلمة يتكلمها، مبنيًا لهم أن هذه الاخوة واجب، لا تقل عن وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، كان يبين لهم أن الواجبات أكثر من الأوقات. * كلام بعض العلماء في الشيخ حسن البنا: ١ - يقول الداعية الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي ﵀ عن شخصية البنا بأنها: "العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفة القوية

стр. 1371

الجياشة، والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ، والزهد والقناعة - دون عنت - في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة - دونما كلل - في سبيل نشر الدعوة والمبدأ، والنفس الولوعة الطَّموح، والهمة الساطعة الوثَّابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضحُ في كلِّ ما يخصُّ النفس، تواضعًا يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنَّه - كما حدثنا كثير منهم - مثل رفيق الضياء: لا ثقل ولا ظل ولا غشاوةً [من مقدمة الندوي لكتاب البنا (مذكرات الدعوة والداعية). ٢ - ويقول الأستاذ خالد محمد خالد: "كان إعجابي بالأستاذ البنا يتنافس دومًا، فكلُّ ما فيه يدعو للإعجاب به وبالمودة له، علمه، وخُلُقه، وسمْتُهُ، وزهده، وتبتُّله، وجهاده، ومثابرتُه، وتفانيه، وسحرُ حديثه، ورُواء بيانه، وشخصيتهُ كلُّها الآسرة ... المضيئة، وهذا الرجل المتصوِّف الأواب، كان أستاذًا في فن "الزعامة"، والزعماء السياسيون تتقاصر هاماتُهم عن هامته في الزعامة التي كان يتناولها بيد أستاذ حاذق وقدير ... كلُّ ذكاء الزعامة ويقظتها وشمولها، كان للأستاذ البنا منه أوفى نصيب ... ولقد كان في الصدارة في الذين يألفون ويؤلفون ... وكانت شمائلُه تفتحُ له القلوب الغلف، والآذان الصُم ... ولا يقترب منه أحد إلا أحبَّه، ولا يُحبُّه إلا هابه [عن كتاب (قصتي مع الحياة) - خالد محمد خالد ٧١ - ٧٣]. * طريقته في التفسير: إن المتأمِّل فيما نقل عن الشيخ البنا ﵀ في تفسير القرآن الكريم، يُدرك أنه كان له في التفسير طريقتان مختلفتان، الطريقة الأولى: هي طريقة التفسير الوعظي التربوي المجمل. والطريقة الثانية: هي طريقة التفسير العلمي المُسهب. والطريقة الأولى هي الغالبة على ما نقل من تفسيره، وأما الطريقة الثانية فيمثِّلها تفسيره للآيات السبع الأولى من سورة الرَّعد، التي فسَّرها على صفحات مجلة المنار،

стр. 1372

ونهج في تفسيرها نهج الشيخ رشيد رضا ﵀، ونسج على منواله. ونختار فيما يلي نماذج من تفسير الشيخ البنا على كلتا الطريقتين: أولًا: نماذج من تفسيره الوعظي الدَّعوي: ١ - فسَّر الشيخ البنا ﵀ قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] وقال بعنوان (من وظائف القائد)، فقال: [من ص ١١٣ - ص ١١٥]. تسير البشرية قُدُمًا نحو الكمال الذي كتبه الله لها يوم شاء أن يستخلف الإنسان في الكون وسخَّر له ما في السماوات، وما في الأرض جميعًا. والبشرية في محاولتها هذه أحيانًا تستوحي الشحر والخيال وتستلهم منه صورًا رائعة جميلة وإن كانت بين الخطأ والصواب، وأحيانًا تستوحي الفكر والعقل، فيرشدها إلى تجارب في تكوين الأمم، وتربية الشعوب كثيرًا ما تكون طويلة المدى، وكثيرًا ما تنزع بها المماكسات العاطفية ونحوها إلى جهة الخطأ، فتصبح عقيمة النتائج فاسدة الآثار. لهذا اقتضت حكمة الله ﵎ ورحمته بالناس وهو ربهم البر الرحيم أن يشد أزر العقل والقلب بنواميس. ونظم إلهية تقرب على الإنسانية المدى وترشد البشرية إلى مدارج الكمال الذي كتب لها. وجاء الرسل الكرام بهذه النواميس وتلك النظم، فكان كل منهم الزعيم الرباني لأمته الذي يصلها بأسباب السماء ويصف لها نظم الحياة في الأرض، تسمع عن زعماء الشعر وقادة العواطف، وتسمع عن أساطين العلم والأدمغة الكبيرة، وتسمع عن زعماء الأمم في السياسة والاجتماع والثورات الفكرية أو العملية، وتسمع عن قادة الحروب وبناة الدول، فتصف أولئك جميعًا بالزعامة وترى فيهم رؤوسًا تنهض بالإنسانية نحو الكمال.

стр. 1373

فاعلم أن النبي ﷺ في أمته زعيم رباني جمع الله له مظاهر الزعامة جميعًا، فهو يخاطب القلوب والعقول، ويختط سبل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ويحدث في أمته وبها ثورة فكرية عملية تدفع الإنسانية إلى الأمام عدة مراحل. والفرق بين الزعامتين: الزعامة المسممدة من قوى البشر، والزعامة المستمدة من إمداد الله، أن الثانية صواب كلها لا خطأ فيها، وأنها أدوم أثرًا وأبقى على الزمن، وأنها أعم وأشمل في نواحي الحياة كلها. والفرق بين الزعماء الربانيين وهم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - في القديم، وبين الزعيم الأخير سيدنا محمد ﷺ أن أحد أولئك - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما كان يأتي للأمة الواحدة أو الأمم المتجاورة، وهو ﷺ إنما بعث للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وأن الشرائع السابقة كانت عرضة للتبدل أو التغير، أما الشريعة الختامية فقد كفلت بالحراسة الإلهية، وبقيت في كنف قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. إذا تقرر هذا علمنا أية نعمة على البشر ينعمها الله ﵎ بالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وعلمنا الارتباط بين الآية الكريمة: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ وبين ما قبلها من قول الله ﵎: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. أما وظائف الرسول ﷺ فقد أجملتها الآية الكريمة في هذه العناصر المباركة: * ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ يصلكم بالحق ويبلغكم دستور السماء، ويتلو عليكم نظام الله الذي إن تمسكتم به سعدتم، وإن هديتم بهديه رشدتم، فوظيفة الرسول ﷺ الأولى تبليغ دستور الله لعباد الله. * ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يطهر أخلاقكم ويصفي نفوسكم ويطبعها على الخير، ويغسلها من أدران الرذائل، حتى تستعد لفقه هذا الدستور وتنشط للعمل به وتحرص على حمايته. فإذا كانت الوظيفة الأولى إيصال الدستور من السماء إلى

стр. 1374

الأرض، فإن الوظيفة الثانية إمداد النفوس وتقوية الأخلاق وتدعيم القلوب لتحفظ هذا الدستور وتحرسه. * ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فإذا تطهرت النفس وصفا القلب واستعدت الفطرة جاء دَور العلم وتلاه دَور الحكمة، والعلم تلقي المعلومات ودراستها، والحكمة إلقاء المعلومات وفيضانها وانتزاعها من النفس والروح، فأنت في مركز العَالم منفعل وفي مركز الحكيم فاعل وشتان ما بينهما وأولاهما من وسائل الثانية، فإذا فقه الإنسان المعلومات الحاضيرة وقويت ملكته العلمية، استدل بهذا الذوق العلمي على الكشف والتحقيق، فعلم ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا. أرأيت التدرج في هذا النسق البديع؟ يوضع النظام من السماء فتصقل النفوس لتلقيه، فتفقهه وتتعلمه، فتتذوقه وتفيض به، فتكشف المساتير وتبني المستقبل على أساسه، إن هذا لهو الفضل العظيم. أو رأيتَ بعد ذلك كيف يجدد الزعيم الرباني أمته تجديدًا قويًّا ثابتًا؟ وكيف يسير هذا التجديد في خطوات متناسقة مأمونة العثار؟ إذا عرفت هذا فإن القائد لا يزال وسيظل قائمًا والخطوات مرسومة وما بقى إلا وظيفة الأمة وذلك ما سنتحدث عنه إن شاء الله (١). ٢ - وتحت عنوان (من وظائف الأمة الناهضة) فسّر الشيخ قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ... بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٢ - ١٥٤] يقول: قد علمت في الكلمة الأولى الإشارة في الآية الكريمة إلى وظيفة القائد وهنا ترى الإشارة إلى واجب الأمة.

стр. 1375

تحتاج الأمة المجاهدة إلى قوانين لا بد منها، لتنجح في مهمتها وتنتصر في جهادها. تحتاج إلى الإيمان القوي المتين المرتكز على قواعد ثابتة من روحها وفطرتها المستند إلى نبع فياض من قلبها ووجدانها، وتحتاج إلى قوة مادية يتشكل بها هذا الإيمان فيعرب للناس عن وجوده ويبرهن للخصوم على قوته وثباته. ومن الناس من ينصرف إلى القوة الروحية في الأمة ويراها كل شيء، ومن الناس من ينصرف إلى المادة وحدها ويرى أنه لا حاجة إلى ما سواها. وكلا النظرتين يرى النهضة من جانب واحد، والمصلح إنما ينظر إليها من كل ناحية: لا بد من الجانب الروحي الذي يستند إلى الإيمان والخلق وهو أول وأولى بالعناية، وهو الدعامة التي تستند عليها القوة المادية. فإذا قويت روح الأمة وأخلاقها. تبع ذلك حتمًا دوام التفكير في وسائل القوة المادية وتلا ذلك التفكير القوة نفسها، فها أنت تسمع قول الله تبارك في نظامه الحكيم الذي وضع لحياة الأمم ونهوضها، فها أنت تسمع قول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وأساس القوة الروحية كما علمت الإيمان بالمثل الأعلى والتفاني في سبيل الوصول إليه، وكلما سما هذا المثل سمت نهضة الأمة، وتوفرت لها وسائل القوة، وأي مثل أسمى من (سبيل الله) الذي تفنى أمامه الماديات والأهواء والمطامع والمنافع الشخصية ولا يجد النفعي ولا الوصولي ولا الدسَّاس ولا المغرض إليه سبيلًا، لهذا كان المثل الذي وضعه القرآن الكريم لأمته وجعله أساس نهضتها الإيمان بالله أولًا، ومن هذا الإيمان: تستمد الأمة سيادتها في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 1376

وتستمد عزتها في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وتستمد التأييد والهداية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وتستمد القوة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. وتستمد في النهاية النصر في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وهذا معنى خاص تنفرد به النهضة المستندة إلى جانب الله والإيمان به وسلوك سبيله لا يكون في غيرها من النهضات أبدًا، وتأمل قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. وعلى ضوء هذا البيان نتفهم الآية الكريمة ونعرف منها وظائف الأمة وواجباتها في النهضة: * ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فالواجب الأول أن تستذكر الأمة دائمًا مثلها الأعلى وتجعله القائد في نهضتها والهادي في حيرتها، فيكون جزاء ذلك تأييد الله وتسديد الخطط ونجاح الغايات. * ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ والواجب الثاني أن تتعرف الأمة خطواتها ومدى نجاحها. وإذا كانت حقيقة الشكر استخدام النعمة فيما خُلقت له، فعلى الأمة أن تجعل النصر سبيلًا إلى نصر آخر؛ ولا تقف عند حد النصر الأول فإن مهمة المسلم أن يسير بالدنيا إلى منتهى الكمال الممكن لها، لا يلهيه نصر عن نصر ولا يشغله واجب عن واجب، وبذلك تنجو الأمة من دور الاستغلال والانتفاع الذي يلي غالبًا دور النصر والنعمة، وما تزال الأمة بخير ما دامت مجاهدة، فإذا انقلبت مستغلة فتلك أولى بوادر الانهزام.

стр. 1377

* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ والواجب الثالث من واجبات الأمة أن تحتمل التضحيات وتصبر على المشاق في كفاحها ونضالها وأن تستروح روح النصر بالصلاة لما فيها من الصلة بالله ﵎ واستمداد فيضه واستعادة ما فقدته الروح من مضائها وقوتها بهذا النضال. فالصلاة امتلاء الروح بالقوة المعنوية، والصبر هو المحافظة على هذه القوة واستخدامها بأكبر قدر مستطاع، حتى إذا أضناها الجهد وأمضَّها الجلاد، تجددت مرة أخرى بالصلاة، وهذا تلازم غريب بينهما يدركه من صفت نفسه وقويت روحه. وفي الصبر وحقيقته وآثاره ومعناه كلام واسع لعلنا نعرض له في كلمة أخرى إن شاء الله، فإذا استعانت الأمة في جهادها بالصبر والصلاة كان الله معها وأدركها نصره وتأييده وظلت في كنفه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. * ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وهنا نرى الواجب الرابع من واجبات الأمة وهو واجب هام إن أدته الأمة لم تسقط راية الجهاد من يدها أبدًا، ولم يتطرق إليها الضعف يومًا من الأيام. ذلك الواجب أن تعتبر الأمة التضحية والفداء مغنمًا، لا مغرمًا، ونصرًا لا هزيمة، وتجارة رابحة لن تبور، وأن تعتقد أن الموت في ميدان الشرف هو حياة الخلود، وأن الفناء في سبيل الواجب هو عين البقاء. وهذا المعنى إن تشبعت به الأمة فهي لا شك منصورة مهما كان في سبيلها من عقبات، وانظر إلى الكتيبة الأولى كيف استولت عليها هذه العقيدة فكانت سر نجاحها. أو لست تَشِمُ بوارق النصر من قول عمير بن الحمام في بدر: ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد أو من رجز الأنصار بين الصفوف: نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما حيينا أبدًا

стр. 1378

ألا إن أعذب الأناشيد في أذن المجاهد المؤمن وأحلاها على قلبه ذلك الهتاف العالي المجيد: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]. ولقد جمعت هذه الآية الكريمة في نسق واحد أركان النهضة، وهي المثل الأعلى في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. والقوة المعنوية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. والقوة المادية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. واعلم أنهما سبيلان لا ثالث لهما أولهما ما علمت وما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهو سبيل البقاء والمجد وثانيهما ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وهو سبيل الفناء والتدهور فأي سبيل من السبيلين تختار أمتنا؟ (١). ٣ - وبعد أن فسر الشيخ البنا فاتحة الكتاب على صفحات مجلة الشهاب قال تحت عنوان (تناسب وإنعام): ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، ولا شك أن من تدبر الفاتحة الكريمة - وكل مؤمن مطالب بتدبرها في تلاوته عامة وفي صلاته خاصة - رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله، ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه. فهو يبتدى ذاكرًا تاليًا متيمنًا باسم الله الموصوف بالرحمة التي تظهر آثار رحمته متجددة في كل شيء، مستشعرًا أن أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التي وسعت كل شيء. فإذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه

стр. 1379

انطلق لسانه بحمد هذا الإله الرحمن الرحيم، وذكَّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله وعظيم آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعًا، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثم تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة ليست عن رغبة ولا رهبة ولكنها عن تفضل ورحمة فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمة بالعدل، ويذكر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سَيَدِينُ عباده، ويحاسب خلقه يوم الدين: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]. فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب، وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مُكلَّفًا بتحري الخير والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه، فليلجأ إليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلي بعد العطاء والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه آمين. فهل رأيت تناسبًا أدق أو ارتباطًا أوثق مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات؟ . وتذكر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله ﷺ عن ربه في الحديث القدسي، الذي أوردناه آنفًا: "قَسَّمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي". وأَدِمْ هذا التدبر والإنعام. واجتهد أن تقرأ في الصلاة أو غيرها على مكث وتمهل وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد والنغمات من غير تكلف ولا تطريب، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية، فإن ذلك يعين على الفهم ويثير ما

стр. 1380

غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع (١). ٤ - وفي مقالة بعنوان (من سنن الله في تربية الأمم) فسَّر الشيخ البنا ﵀ قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقال بعد أن عرض لسبب نزول الآية والروايات فيه: "وأيًّا ما كان سبب النزول فإن الآية الكريمة تقرر سنَّة من سنن الله في حياة الأمم، ذلك أن كل أمة بين طورين لا ثالث لهما، يخلف كل منهما الآخر متى توفرَّت دواعيه وأسبابه، هذا الطوران هما: طور القوة وطور الضعف. فالأمة تقوى إذا حدَّدت غايتها، وعزمت مثلها الأعلى، ورسمت منهاجها، وصَمَّمت على الوصول إلى الغاية وتنفيذ المنهاج، والمحاكاة للمثل مهما كلَّفها ذلك من تضحيات إذا صدقت عزيمة الأمة، وقويت إرادتها في ذلك، فقد قويت قوة مطردة لا تزال تزداد حتى تتسلَّم غوارب المجد، ولا يمكن لأية قوة في الأرض أن تُضعف هذه القوة أو تنال من تلك الأمة وهي على هذا الحال. "ولا تزال الأمة بخير حتى تنسى الغاية، وتجهل المثل وتضل المنهاج، وتؤثر المنفعة والمتعة على الجهاد والتضحية، وتهن العزائم، وتضعف الإرادات، وتنحلَّ الأخلاق، ويكون مظهر ذلك الإغراق في الترف والقعود عن الواجب، وحينئذٍ تأخذ الأمة في الضعف، ويدبُّ إليها دبيبُ السَّقم الاجتماعي، ولا تزال تضعف حتى تتجدد أو تبيد: وسبيل التجدد أن يتُيح الله لها الطبيب الماهر، فيهتدي إلى الدواء الناجح، وتتبعُه الأمة في تناول هذا الدواء، فتموتُ جراثيم المرض وتعود إليها القوة ... وتملك مهمة المصلحين والقادة مصابيح الهدى، وشموسُ النهضات، بِهِم تنجلي كل فتنة عمياء ... وسبيل الإباءة أن تسدر الأمة في غيِّها،

стр. 1381

وتظلَّ هائمة على وجهها لا تُصِيخ لناجح، ولا تسمعُ لمرشد، حتى تحين فيها ساعة الفناء" [مقاصد القرآن الكريم ص ١٣٢ - ١٣٣]. ٥ - وكتب الشيخ البنا ﵀ مقالة بديعة جملة في تفسير قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] تعال معي - أيها الأخ القاريء - لنَقفَ برهة أمام هذه الآية الكريمة فَنسْتَجلى ما فيها من روائع الجمال اللفظي وبدائع التفضل المعنوي ثم نقول بعد ذلك ... ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ١ - أرأيت كيف عبَّر القرآنُ الكريمُ عن محمد ﷺ (بالنبي) وهل تذوقْتَ ما في هذا اللفظ الكريم من معاني التعظيم والتكريم والشرف العالي والمنحة الخاصة والمقام السامي الرفيع الذي نَبَا عن تقدير الناس وسَمَا عن مقاييسهم وموازينهم. ٢ - وأَرأيتَ كيف عبَّر القرآن الكريم عن الاستحقاق بالولاية فوقعت كلمة (أولى) موقع كلمة (أحق) لما في الأولى من الشعور بأن ذلك الاستحقاق إنما كان عن الحب والولاء والرغبة والرجاء لا عن خوف ولا إرهاب ولا إلزام ولا إكراه. ٣ - وأرأيت كيف عبَّر القرآنُ بكلمة (المؤمنين) ولم يقل الناس أو المسلمين لما في هذه الكلمة من الإشارة إلى أن هذه الأولوية ثمرة التصديق ونتيجة الإيمان واليقين كما قال ﷺ : "تالله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ومن نفسه التي بين جنبيه". وهناك لطيفة أخرى هي أن هذه الفضيلة فضيلة موالاة النبي ﷺ إنما كتبها الله لأشرف طبقات الخلق وهم المؤمنون تعظيمًا لقدر نبيه ﷺ وتقديرًا لتصديق عباده المؤمنين. ٤ - وأرأيت كيف عبَّر (بالأنفس) ليُدخِلَ في هذه الأولوية كلَّ ما دونها وهو كل شيء من مباهج الحياة ومظاهرها ... فالأهلُ دون النفس ... والمالُ دون النفس ... والمسكنُ دون النفس ... والزوجُ دون النفس ... والعشيرةُ دون

стр. 1382

النفس ... وإنما يكون حب الإنسان لهذه العوارض نتيجةَ حُبِّه لنفسه وثمرة حرصه على إسعادها. ألا كلُّنا يبغى الحياةَ لنفسه ... حريصًا عليها مُستهامًا بها صَبّا فحبُّ الجبان النفسَ أورده التقى ... وحبُّ الشجاع النفسَ أورده الحربا فإذا جاد الإنسان بنفسه وسخا بروحه، فقد جاد بكل شيء والجود بالنفس أقصى غاية الجود. وبعد أيها الأخ: فهذه لوامع بروق تسطع في قلوب المؤمنين حين تهطل عليهم سحائب فيض الحب النبوي من سماء الحقيقة المحمدية فتهتف بها ألسنتهم وتجري بها أقلامهم، وإن في القول بعد ذلك لسعة، وإن ما يبدو في مرآة قلوب العارفين لا حد له، فسل الله يعطك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وبعد أن ملأت سمعك وقلبك من روائع هذا الجمال هلمَّ نتفهم الآية الكريمة: إن ربك يقول لك: النبي أحق بك من نفسك، فنفسُك وكل ما تملك فداء لنبيك وملْك لرسولك ﷺ وَوَقف على مناصرة الدعوة وحماية شريعته، ليس لك أن ترغب بنفسك عن نفسه أو تحتجز روحَك أو مالك أو كل ما تملك عن مناصرته، وفي هذا المعنى وردت الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، والآية الكريمة: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. والحديث الصحيح: "تالله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". وإذا كان النبي ﷺ قد اختار الرفيقَ الأعلى وفارق الحياة الدنيا، فإن هذا المعنى ثابتٌ لسنته من بعده ولشريعته الباقية الخالدة، فهي أولى بكل مؤمن من نفسه وأحق به من أهله وأرضه ومسكنه وقومه وعشيرته والناس أجمعين. فَهمَ المسلمون

стр. 1383

الأولونَ ﵃ هذا المعنى فسمعنا حسانًا ﵁ يقول: فإن أبي ووالده وعرْضي ... لعرْض محمد منكم وقاءُ وسمعنا أبا بكر ﵁ يبكي حين سمع قول النبي ﷺ : "إن من أَمنِّ الناس على في نفسه وماله أبا بكر بن أبي قحافة" يقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وهل أنفسنا وأموالنا إلا ملك يمينك. فهل يفهم المسلمون الآن هذا ... فيعلموا أن دينهم أولى بهم من أنفسهم وأموالهم، فيعملوا على مناصرته وإنقاذه ... أم هم في غمرة ساهون ... ؟ اللَّهم فقهنا في دينك ... وعلمنا من أسرار كتابك (١). ثانيًا: نماذجُ من تفسيره العلمي المُسهَب: ذكرتُ آنفًا أن هذا القسم من تفسير الشيخ البنا ﵀ يتمثل فيما كتبه على صفحات مجلة المنار، حين فسَّر فواتح سورة الرعد، ونهج نهجَ الشيخ رشيد رضا، وسار على منواله، فبدأ الاختلاف واضحًا بين هذه الطريقة والطريقة التي قبلها. فإذا كانت النماذج السابقة تُجمل تفسير الآية، وتستطرد في دلالات فكرية وتربوية مستوحاة من معناها ومغزاها، فإن هذه النماذج يظهر فيها اللون العلمي لتفسير الشيخ البنا، وتبرز فيها شخصيتُه التفسيرية، كما برزت في النماذج السابقة شخصيتُه الدعوية التربوية. وأختارُ هنا تفسير الشيخ ﵀ للآية الأولى من سورة الرعد مع المقدمة التي أوردما بين يدي السورة، وتفسيره للآية السادسة من السورة نفسها. ١ - قال الشيخ ﵀ في بداية تفسيره لسورة الرعد: يرى بعض العلماء أن من حرمة القرآن وتوقيره ألّا يقال سورة النحل وسورة

стр. 1384

الرعد وسورة البقرة ... إلخ، ولكن يقال السورة التي يذكر فيها النحل والسورة التي يذكر فيها الرعد وهكذا. ولقد جرى على ذلك شيخ المفسرين الطبري فعنون لهذه السورة في تفسيره بقوله: "أول السورة التي يذكر فيها الرعد" وقد رد القرطبي على من قال بهذا الرأي فقال: هذا يعارضه قوله ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في كل ليلة كفتاه". (أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود) ولعل هذا هو الأقرب إلى سماحة الإِسلام وابتعاده عن التعقيد الشكلي وفي اللغة والمجاز مَنْدُوَحة. * مكان النزول: قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية رواه أبو طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية إلا آيتين إحداهما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَال الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] , والأخرى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣]. والقول الثاني: أنها مدنية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس وبه قال جابر بن زيد، وروى عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة وهما قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال﴾ [الرعد: ٣١] , وقال آخرون المدني منها قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٢ - ١٤] وقال آخرون: نزلت آية منها بالجُحْفَة وهي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد: ٣٠] , وتكاد الطبعات في المصاحف تُجْمع على أنها مدنية نزلت بعد سورة محمد ﷺ . ويلاحظ اضطراب الروايات عن ابن عباس ﵄ في تحديد المكي والمدني منها, ولعل ذلك من اشتباه الأمر على الرواة.

стр. 1385

والذي يتفق مع القواعد العامة في تعريف المكي والمدني أن معظم هذه السورة الكريمة مكي. فقد جعل العلماء من علامات المكي غالبًا أنه يعرض للعقائد وأدلتها من النظر في الكون واستجلاء عجائب طبع الله فيه مع الزجر والوعيد وبيانا جزاء المخالفين والمؤمنين؛ لأن ذلك هو الموافق لحال المخاطبين من الكفار والمشركين. أما المدني فغالبه تقص فيه الأحكام التفصيلية من عبادات ومعاملات وغيرها. وأيضًا فمن علامات المكي أن يغلب فيه الخطاب والتعبير بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ونحوها من ألفاظ العموم، على حين أن الخطاب والتعبير يغلب في المدني أن يكون بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونحوها. والناظر في مقاصد السورة الكريمة يراها بحال المكيين وموقفه أَخْلَقُ فنحن نرجح القول بمكية معظمها ... والله أعلم. وعدد آياتها ثلاث وأربعون عند الكوفيين. وخمس وأربعون عند الشاميين، والسبب في ذلك اختلافهم في أن الآية الأولى هي: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ أو إن ﴿المر﴾ وحدها آية و ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ آية ثانية وما بقى بعدها ذلك آية ثالثة، فعلى الأول هي ثلاثة وأربعون، وعلى الثاني هي خمسة وأربعون، مع الاتفاق على جواز الوقف بل على استحسانه في كل موضع من هذه المواضع. * المقاصد العامة في السورة: عرضت السورة الكريمة لتقرير عظمة الخالق وإثبات المعاد والرد على منكريه مع التقديم لذلك بعرض الأدلة من ظواهر هذا الكون العجيب، والتقفية بضرب الأمثلة الرائعة لكل من الحق والباطل. ثم عرضت بعد ذلك لقسمي المؤمنين والمخالفين وأوصاف كل منهما والأخلاق التي تنبتها في نفسه العقيدة وتنميها، وجزاء كل من الفريقين في الدنيا

стр. 1386

والآخرة ثم تثبيت الرسول ﷺ وارتقاب يوم الفصل الذي يعلم فيه الجاحدون لمن عقبى الدار. وتستطيع أن تجمل هذه المقاصد السامية في أنها إثبات التوحيد والمعاد، وبيان ما ينتج من الإيمان بهما من أخلاق فاضلة وجزاء حسن كريم، والمقابلة بين ذلك وضده كما هي عادة القرآن. * المناسبة بين هذه السورة الكريمة وما قبلها: وتستطيع من ذلك أن تلمس المناسبة بين هذه السورة وبين السورة التي قبلها، ففي السورة التي قبلها أجمل يوسف ﵇ عقيدة التوحيد في قوله: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يوسف: ٣٩] وفي هذه السورة أفاض في بيان هذه العقيدة وتدعيمها بالأمثلة الواضحة والبراهين والأدلة. وفي السورة التي قبلها تناول بالتحليل نفوس إخوة يوسف وما استولى عليها من أخلاق إذ ذاك دفعتهم إلى ما فعلوا بأخيهم ثم ما كان بعد ذلك من توبتهم ومسامحته إياهم واستغفار أبيهم لهم، وفي هذه بسط لأخلاق المؤمنين كالتأكيد لما ذكر هنالك والتبين له. وفي سورة يوسف أجمل الإشارة إلى ما في الكون من روائع الآيات وإن أعرض الناس عنها ولم يكلفوا أنفسهم عناء النظر فيها فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف: ١٠٥]. وفي هذه السورة الكريمة تناول هذا الإجمال بالتفصيل المبين، فذكر من آيات الله في السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والماء والنبات والرعد والبرق ... إلخ ما يلفت الأبصار الزائغة، ويسترعى الأفئدة الغافلة المعرضة. ولما كانت سورة يوسف قد تناولت بالبيان والتفصيل ما كان من جدود اليهود والنصارى وهم أبناء يعقوب بالنسبة لأخيهم، ثم ختمت بأن في قصص هؤلاء

стр. 1387

وغيرهم من أنبياء الله الذين قصَّ الله من نبئهم على رسوله ﷺ عبرة لأولى الباب، وكان ذلك مظنة اعتراض من اليهود على عادتهم في التحريف والعناد، جاءت فاتحة سورة الرعد مؤكدة لكل هذه المعاني فذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وبذلك ينقطع عليهم سبيل الاعتراض ويتقرر المعنى في نفس القاري والسامع. ولما كان ختام سورة يوسف قد عرض لحقيقة الدعوة القرآنية وسبيلها في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] , مع بيان أن هذه الدعوة ليست بدعًا من دعوات المرسلين، ولا مخالفة لما جاءوا به، وكانت المناسبة تامة بين السورتين، فقد جاء كذلك في ختام سورة الرعد عرض لهذه الدعوة الكريمة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦] , ثم ذكر بعدها طرفًا آخر من شؤون المرسلين من قبل لبيان أن محمدًا ﷺ لم يكن في أحواله بدعًا منهم فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الرعد: ٣٨]. وإذا نظرنا إلى أن سورة يوسف كلها جاءت تفصيلًا لما وقع من ذرية يعقوب وأبنائه ﵇، رأينا أن ورود هذه الآية الكريمة في سورة الرعد إجمال في الدليل يتكئ على ذلك، وسيأتي التفصيل، فالمناسبة تامة ولا شك. وثَمَّ وجوه أخرى من المناسبات يطول بنا الأمر إذا أردنا أن نتقصاها، وسيأتي بعضها خلال التفسير إن شاء الله. ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿المر﴾ الكلام في فواتح السور بهذه الحروف الكريمة تقدم مسهبا، واختار صاحب المنار في ذلك أنها أسماء للسور، وقد يُعتَرض على هذا القول بأن ذلك يتجه لو لم يكن لهذه السور أسماء، أما وقد سميت بعد ذلك فما الحكمة في تعدد التسمية؟ .

стр. 1388

وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى أن كل سورة تفتتح بمثل هذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وبيان أحقيته، مما يدل على أن المقصود بها لفت النظر إلى اختصاصه بالإعجاز، مع أنه مركب من جنس هذه الحروف التي تفتتح بها السور، ومن طرائفه في ذلك أنه نقل عن بعضهم: أن مجموع حروف الفواتح في القرآن أربعة عشر حرفًا يجمعها قولك: (نص حكيم قاطع له سر)، ولا شك أنه استئناس طريف ولكن غير مقصود طبعًا. وقد قيل في تأكيد هذا المعنى -وهو أن هذه الحروف في فواتح السور للإشارة إلى الإعجاز- أنك لو أمعنت النظر في حروف كل سورة من السور التي تفتتح بالحروف المقطعة، لوجدت حروف الافتتاح أكثر الحروف دورانًا فيها، وعلى هذا القول نستطيع أن نفهم حكمة اختلاف هذه الفواتح فهي أحيانا: ﴿الَم﴾ فقط، وأحيانا ﴿المص﴾ وأحيانًا ﴿الَر﴾ وأحيانا ﴿المر﴾ وتتضح لك بهذا حكمة زيادة الميم في فاتحة الرعد بخلاف ما قبلها وما بعدها. ونُقل عن ابن عباس أن الحكمة في زيادة الميم في هذه الفاتحة أن معنى الفواتح السابقة في ﴿الَرَ﴾ فقط: أنا الله أرى، وأما في هذه فمعناها: أنا الله أعلم وأرى بزيادة أعلم، على ما نقل عن ابن عباس في أن هذه الحروف أجزاء كلمات، والقول الأول أوضح وأبين. ومما يعجبني في حكمة افتتاح السور بهذه الحروف ما أشار إليه الحافظ ابن كثير أن المراد التحدي بنفس هذه الحروف، وبيان ذلك أن المعلوم لدى قريش ومن جاورها -بل لدى كل من عرف النبي ﷺ واتصل به- أنه أميّ لم يقرأ ولم يكتب فحين يفجأ الناس باستفتاح كهذا في أول تلاوته للقرآن، فهو بلا شك سيسترعي التفاتهم لما يقرأ من جهة، وسيحملهم على التفكير في مصدر هذا العلم الجديد الذي طلع عليهم به من جهة أخرى، والتفكير سلم الهداية وأول خطوات الإيمان الصحيح، ثم نقول بعد هذا: والله أعلم بمراده بذلك، كما كان يقول سلفنا رضوان الله عليهم.

стр. 1389

﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ إشارة إلى آيات القرآن الكريم وتأكيد لمعنى أحقيته ونزوله من عند الله ﵎، وأنه لا شك فيه ولا مرية: إنه ﵎ لما أشار في سورة يوسف إلى القرآن الكريم وبيَّن أنه سيقص على نبيه فيه أحسن القصص، ثم ختم السورة بأن هذه القصص القرآنية عبرة لأولى الألباب وتصديق لما بين يديها من الكتب السماوية السابقة والشرائع الإلهية الماضية، وهي بعد ذلك كله تفصيل كل شيء ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وهي كذلك هدى ورحمة لقوم يؤمنون بها ويصدقون، لما تقدم ذلك في فاتحة السورة وختامها، أكَّد ذلك المعنى في فاتحة هذه السورة فقال: تلك آيات الكتاب بخصائصها وروعتها وصفاتها النافعة الجليلة التي تقدمت، وهي حق من عند الله لا شك فيه ولا مرية. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لما ذكر في الآية السابقة صفات هذه الآيات وأنها عبرة وتصديق وتفصيل وهداية ورحمة ختم ذلك بأن الذي يستفيد هذه الفوائد جميعًا إنما هم المؤمنون المصدقون، وقد ورد: أنه ما جلس أحد إلى القرآن إلا زاد أو نقص، فإن كان مؤمنًا زاد إيمانًا وهدى، وإن كان غير ذلك نقص: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. لما ذكر ذلك قرر في هذه الآية ناموسًا اجتماعيًا، وهو أن أكثر الناس لا يؤمنون، وقد تكرر هذا المعنى كثيرًا في القرآن الكريم، وقلما تذكر الكثرة إلا ومعها الضلالة والإعراض، وقلما تذكر القلة إلا ومعها الهداية والنور والإنتاج. وتأملْ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣] , ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] , ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] , ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] , إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ,

стр. 1390

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] , ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] , ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ... إلخ، تجدْ ذلك يكاد يكون مطردًا، وأنت إذا طالعت مصداق ذلك في شؤون الناس وأحوال الدعوات، وجدته صحيحًا مطردًا. فما من دعوة حق إلا كان أهلها قليلًا بالنسبة لمن يناوؤها من أهل الباطل والدهماء، ولكنك إلى جانب هذا تجد أن الغلبة دائمًا للقلة المحقة والنصر دائمًا إلى جانبها. وبذلك يتضح لك وجه الجمع بين ما سبق من وعد الله لدينه أن يظهره على الدين كله، مع تقرير أن أكثر الناس لا يؤمنون الإيمان الكامل الحق، ولو مع الحرص على ذلك، ومن ذلك تعلم أن قول ذلك العربي: (وإنما العزة للكاثر) لا يتمشى إلا إذا تساوت الفئتان في غير العدد من وسائل القوة وزادت إحداهما الكثرة، أما إذا يتميز أهل الحق من أهل الباطل فقد كتب الله الغلبة للمحقين مهما كان عدد خصومهم كثيرًا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. والسر في انصراف أكثر الناس عن الإيمان أن الإنسان تتجاذبه قوتان تحاول كل منهما أن تتغلب عليه وأن توجهه وجهتها: قوة الخير التي يؤازرها العقل ويرشدها الوحي ويقويها العمل الصالح، وقوة الشر التي تمدها الشهوات ويزينها الشيطان ويقود إليها الهوى، وتغري بها زخارف المادة وأعراض الحياة الدنيا ولذائذها، وتزداد ضراوة بالمعاصي والمخالفات. ولما كان العقل والوحي وما إليهما من عالم النفس السامية الفاضلة، وكانت الشهوات والأهواء والزخارف المادية من عالم هذا الحس، وكان الإنسان ما دام في حياته الدنيا فهو إلى الحس أقرب وبه ألصق، ولا يقوى على مقاومة هذه الدوافع إلى الشر إلا بتوفيق رباني وإرادة قوية ومجاهدة دائمة وعزيمة صادقة، وهو ما يشق على أكثر النفوس، من هنا كان أكثر النوع الإنساني ماديًا دنيويًا إلا القليل الذي بلك عنان نفسه، وقوي على التصرف في عوالم حسه، واستعان بطاعة الله على تثبيت

стр. 1391

هذا الإيمان الكريم وسلوك هذا المسلك القويم. وتأمل الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣]. وتأمل دوران هذا المعنى في كثير من الآيات التي ورد فيها ذكر الإنسان. وانظر كيف أن صوارف الحس ونوازع النفس وتعلق الروح بالمادة، لا تزال تحاول أن تصرف الإنسان عن إيمانه لأقل المناسبات حتى بعد أن تثبت العقيدة وترسخ، وانظر مصداق ذلك في الآية الكريمة: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩] , وإلى ما كان من بعض أصحاب النبي ﷺ في غزوة حُنَين حينما مروا بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! ! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لَتركبن سَنَنَ من قبلكم". (رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي ﵁. تأمل ذلك كله لتعلم صدق هذا الناموس الخالد: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وليس معنى أنهم (لا يؤمنون) أن يكونوا جميعًا كفارًا ولا شك، بل يدخل في معنى الآية أن من الناس من لا يؤمنون ظاهرًا ولا باطنًا، وهم الكفار على اختلاف أنواعهم من وثنيين وكتابيين وملاحدة وزنادقة ... إلخ، ومنهم من يؤمن ظاهرًا ولا يؤمن قلبه كالمنافقين، ومنهم من يؤمن قلبًا ولا يؤمن عملًا كعصاة المسلمين، ومنهم من لا يتحقق بصفات أهل الإيمان الباطنة مع قيامه بأعمالهم الظاهرة فيكون ناقص الإيمان, ومنهم من يتردد بين الشك والإيمان وهكذا. والحكمة في تقرير هذا الناموس في كتاب الله ﵎ أمور: منها: تعزية المصلحين الذين يقضون الزمن الطويل في الجهاد العنيف والكفاح

стр. 1392

المُمِضِّ ثم يرون أنهم بعد ذلك كله لم يظفروا إلا بالعدد القليل من المؤمنين، وفيه إلى جانب هذه التعزية إرشاد لأصحاب الدعوات أن تكون وجهتهم في التكوين أولًا الكيف لا الكم، والإيمان الصادق بالمبدأ والعقيدة، لا العدد الكثير الذي لا يغني شيئًا، ولهذا قضى رسول الله ﷺ شطر مدة الدعوة في مكة يتخير لها الأكفاء حتى مكث مدة طويلة ولمّا يبلغ أصحابه الأربعين ولكن الرجل منهم كان أمة وحده. ومنها: إرشاد المؤمنين إلى وجوب حياطة إيمانهم بصلاح العمل ومجاهد النفس وسد الذرائع والبعد عن الشبهات واتباع سبيل الله حتى لا ينتكسوا ويعودوا بعد الإيمان الكامل إلى مرتبة دون هذه المرتبة، وأكثر ما يكون ذلك إذا قلدوا غيرهم من الأمم وسلكوا سبيل سواهم ممن لا يدين دينهم ولا يعتقد عقيدتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]. وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن الإيمان لا يكون كاملًا حقيقيًّا إلا إذا اعتقد المؤمن أن هذا القرآن حق نزل من عند الله ثم عمل على إنفاذه وجعله حكمًا على نفسه والله أعلم (١). ٢ - وفي تفسير قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ [الرعد: ٦] قال الشيخ البنا ﵀: "بعد أن فصلت الآيات السابقة مظاهر قدرة الله ﵎ وأدلة عظمته وعجائب صنعه في الكون، ذكرت الشبهات التي يتذرع بها الجاحدون في إنكار نبوة الأنبياء، ويبررون بها انصرافهم عما جاء به الرسل الكرام من الهدى والنور. ومن هذه الشبهات استبعاد أمر البعث والخلق الجديد بعد

стр. 1393

الموت والفناء، ومنها استبطاء العقوبة على التكذيب واستعجالها لتكون دليلًا على صدق المبلِّغ عن الله ﵎ في دعواه، ومنها اقتراح الآيات والمعجزات. فأما الشبهة الأولى فقد فصلتها الآية الكريمة وردتها في قوله ﵎: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥] , وأما الشبهتان الباقيتان فقد أشير إليهما في الآيتين الكريمتين كما عرض لهما القرآن الكريم في سور كثير ماضية وتالية. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ويطلبون إليك أن يوقع الله بهم العذاب والعقوبة قبل النعمة والعافية، وهذا خُلُقٌ من أخلاق الجاحدين المعاندين في كل زمان ومكان استكبارًا في الأرض وتعاليًا بالباطل وبَطَرًا على الحق، ولقد حكى الله عن قوم هود ﵇ في سورة الأعراف: ﴿قَالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف: ٧٠] , كما حكى عن قوم نوح في سورة هود ﵇: ﴿قَالوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَال إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣] , كما حكى ذلك عن كفار قريش في كثير من الآيات ففي سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢] , وفي سورة العنكبوت: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ [العنكبوت: ٥٤] , وفي سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ [يونس: ٤٨]. وهذا الخُلُقُ غريب حقًّا في الإنسان، فإن مقتضى العقل السليم الذي يتحلّى به هذا الجنس البشري أن يطلب الهداية والعافية بدلًا من العذاب والنقمة، وما أظرف رد هذا السبأي الذي خاطبه معاويةُ بقوله: ما أجهلَ قومك حين ملَّكوا عليهم امرأةً، فقال: أجهلُ من قومي قومُك حين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، ولم يقولوا: فاهدنا له.

стр. 1394

ولعل السر في ذلك أن الإنسان مفطور على نوع من التعالي والكبرياء يجعل قبوله للحق أمرًا شديدًا على نفسه لا يستطيعه إلا من ألهمه الله الرشد وهداه سواء السبيل. وقد سبق في الجزء الأول من هذا التفسير إشارة لطيفة إلى هذا المعنى فقد جاء هنالك ما نصه: (إن كُلَّ قوة من قوى هذه الأرض وكُلَّ ناموس من نواميس الطبيعة فيها خُلِقَ خاضعًا للإنسان. وخُلِقَ الإنسان مستعدًا لتسخيره لمنفعته إلا قوة الإغراء بالشر وناموس الوسوسة بالإغواء الذي يجذب الإنسان دائمًا إلى شر طباع الحيوان ويعيقه عن بلوغ كماله الإنساني، فالظاهر من الآيات أن الإنسان لا يَغلب هذه القوة ولا يُخْضِعُها مهما ارتقى وكَمُلَ، وقُصارى ما يصل إليه الكاملون هو الحذرُ من دسائس الوسوسة، والسلامة من سوء عاقبتها بألا يكون لها سلطان على نفس الكامل تجعله مسخرًا لها وتستعمله بالشرور كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] , وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] , قال صاحب التفسير (١) -ثم زاد الأستاذ (٢) هنا قوله-: أما سلطان تلك القوة في الفناء، ؤقطع حركة الوجود إلى الصعود، فلا يستطيع إخضاعه لقدرته من البشر كامل ولا يقاوم نفوذه عامل، وإنما ذلك لله وحده وهذا حكمها في الكائنات إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات). أهـ. والمراد بهذا الكلام -كما ترى-: بيان قوة الشر ونزعاته ووضوح أثرها في الوجود وسهولة انجذاب النفوس إليها وسرعة التصاقها بها, وليس المراد استحالة التخلص منها، فإن من عصمه الله ﵎ وحفظه ويسَّره لمغالبة الشرور وأعانه على مقاومة النزعات الفاسدة والوساوس المضلة كان منها بمنجاة -ولا شك- كما تشير إليه الآية الكريمة.

стр. 1395

ووجه العبرة فيما تقدم أن يَتنبَّه الإنسان لقوة هذه الناحية في نفسه وفي ناموس الخليقة، وأن يراقب نفسه مراقبة دقيقة، وأن يَخضد فيها دائمًا شوكة الكبرياء الكاذب والتأبِّي على الحق، وأن يلح على الله في الدعاء أن يجعله من أهل الهداية والتوفيق الذين لا يجد الشيطان إلى نفوسهم سبيلا. ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ خلت: مضت وذهبت، والمثلات جمع مَثُلَة قال الراغب: والمَثُلَة نقمةٌ تنزل بالإنسان فيُجعل مثالًا يرتدع به غيرُه وذلك كالنَّكال وجمعه مُثُلات ومَثُلات، وقد أمثلَ السلطانُ فلانًا إذا نكَّلَ به. وقال ابن جرير يقول تعالى ذكره: (ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية فيقولون ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢] وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عَصَت ربها وكَذَّبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه، فمن بين أُمة مُسخت قرَدَة وأخرى خنازير، ومن بين أُمة أُهلكت بالرجفة وأخرى بالخسف، وذلك هو المَثلات التي قال الله جل ثناؤه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ والمَثلات: العقوبات المنكِّلات، والواحدة منها مَثُلَة بفتح الميم وضم الثاء ثم تجمع مَثُلات كما واحدةُ الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات، وذُكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعًا من المُثُلات، فالواحدة على لغتهم منها مثلة ثم تجمع مثل غرفة وغرفات، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء، فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت أمثلته من صاحبه أمثلة مثلا وذلك إذا أقصصته منه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل). أهـ. وفي الآية تبكيت لهم على هذه الغفلة التي تجعلهم يتناسون الاتعاظ بغيرهم وتجاهلِ ما حل بسواهم من السابقين، وفي المثل: (السعيد من وُعظَ بغيره والشقي من وُعظ بنفسه). وبهذا تقرر الآية الكريمة ناموس العبرة والعظة وتلفت إليه الأمم والشعوب.

стр. 1396

واعلم أن العبرة والعظة لا تنحصر في الفرد ولا في الجماعة على الاعتبار بحال غيرهما وعاقبته، بل تكون كذلك في الفرد وفي الجماعة بها بما يقع لهما من الحوادث، فالفرد الذي يحرص على الاستفادة من تجاربه ونتائج أعماله يزيد صوابه دائمًا فتزيد سعادته، ويقل خطؤه فيزول شقاؤه، وكذلك الأمة والفرد الذي لا يعتبر ولا يستفيد من تجاربه ونتائج أعماله يظل على خطئه وضلاله فلا يلقى إلا الخسارة والوبال، وإلى هذا يشير حديث أبي هريرة ﵁: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين". (رواه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه). ولا يُعرض عن الانتفاع بالآيات والنذر إلا الجاحدون الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم والله ﵎ يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. ولو أن المسلمين راجعوا تاريخهم وتاريخ الأمم السابقة والمعاصرة وأنعموا في ذلك النظر لخلصوا بكير من العبر ولاستطاعوا أن يجدوا في صفحات هذا التاريخ دروسًا وافية تدفعهم إلى العمل وتجنبهم الأخطاء والزلل ولو ذهب الباحث يستقصي ذلك لأعجزه حصره، ولقد علم الناس لو يتعلمون. ولا نريد أن نفيض في ذكر حوادث التاريخ وعبره فذلك ما لا يُستطاع، ولكنا نلفت أنظار المسلمين إلى عبرتين واضحتين في التاريخ الحديث: واحدة تتصل بتاريخهم وحياتهم، والثانية تتصل بتاريخ غيرهم وحياته. * قامت الحرب العالمية الماضية سنة ١٩١٤ - ١٩١٨ وللمسلمين حكومة جامعة، ودولة واسعة، ووحدة قائمة، وإن كان قد دب في ذلك كله الضعف والوهن، ولكنهم زادوا هذا الضعف ضعفًا بتفرقهم وتباغضهم وتحاقدهم ونسيانهم الأخوة الإِسلامية ورابطة الدين والعقيدة التي هي أقدس الروابط وأوثق الوشائج والصلات، ودب فيهم دبيب الفكرة العنصرية، فالأتراك يحاولون تتريك عناصر الدولة وإظهار الشعائر الطورانية، والعرب يحلمون بالاستقلال على أساس من

стр. 1397

الوحدة العربية، وبذلك دب إلى النفوس الإِسلامية داء الأمم من قبل: البغضاءُ وفسادُ ذات البَين التي تفسد أمر الدنيا والدين، وهبت عواصف الحرب فزادت دسائسها ومكائدها النفوس جفوةً وتباعدًا، وكان أن ثار العرب على الحكومة التركية وصار المسلمون قسمين كلُ قسم إلى صف عدو من أعداء دينهم وقوتهم وجامعتهم، وانتهت الحرب بتفريق جامعتهم وضياع الرسم الباقي من خلافتهم وانحلال حكومتهم، وكان ذلك جزاء وفاقًا بما كسبت أيديهم ومثلة منذرة بعاقبة المقصرين المفرطين .. هذه عبرة من تاريخنا يجب أن نطيل إليها النظر في هذا العصر الذي لا يعيش فيه إلا الأمم القوية بعددها وعدتها ورابطتها وإيمانها، ونعمل جاهدين لإحياء الجامعة الإِسلامية والوحدة المحمدية، ولا ننخدع أبدًا ... أبدًا بهذه الوعود الكافرة الجاحدة، بل نعتمد على أنفسنا ونستمد النصر والتأييد من الله وحده وبذلك تعود إمامة المسلمين وتتجدد دولتهم. وقامت هذه الحرب الحاضرة (١) بين قوتين عظيمتين في أوروبا بين الدولة الألمانية ومن شايعها من جانب وبين فرنسا وإنجلترا ومن شايعهما من جانب آخر، وما كان الناس يظنون أو يخطر ببالهم أن دولة غنية مجهزة مستعدة كفرنسا تُهزم شر هزيمة في أيام قلائل ويقضي على استقلالها وجيشها وسلطانها ويحتل عدوها أرضها ويتحكم في كل مقدراتها، هذا أمر لم يكن يخطر ببال أحد بمثل هذه السرعة العجيبة ولكن رئيس وزرائها (المسيو بيتان) قد أماط اللثام عن سر ذلك بكلمته المشهورة: (لقد أتت الهزيمة من الانحلال، ودمرت روح الملذات ما شيدته روح التضحية) وكان ذلك مصداقًا للناموس الإلهي الخالد في حياة الأمم والشعوب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] , وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦] ومع هذا فما زال كثير من المسلمين يُعجَبون

стр. 1398

بحياة فرنسا الزائلة ويتغنون بآدابها وفنونها ومفاتنها التي صرفت شعبها عن الجد والتضحية إلى اللهو والملذات فحق عليها القول وصارت مَثُلَةً بين الدول في هذا المصير ... (١) وهذه عبرة أخرى من تاريخ غيرنا ممن يعاصروننا ويتصلون بنا أوثق اتصال يجب كذلك أن نطيل النظر فيها، ونعمل جاهدين على بناء نهضتنا على دعائم قوية صحيحة من الجد والعمل والخلق والإيمان والتضحية والكفاح، فإن البقاء دائمًا للأصلح. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إن الله ﵎ لم يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى، وإنما خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وفي الإنسان الاستعداد القابل للخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠] , وإنما تجئ الأديان لِتُقَوِّيَ في النفوس البشرية معاني الخير، وتبين لها طرق المقاومة لنوازع الشر، وبذلك تهتدي إلى الصراط المستقيم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] , والنفس الإنسانية إنما تقاد إلى الخير وتُوزَعُ عن الشر بأحد عاملين: إما الخوف، وإما الرَّجاء بالرغبة أو بالرهبة، ولا بد من تعادل هذين العاملين في التأثير في النفس وإلا كانت عرضة للانحراف، فإذا غلبها الخوف بغير رجاء أدَّاها ذلك إلى اليأس، وإذا غلبها الرَّجاء بدون خوف أَدَّاها ذلك إلى التحلل والإباحة، ومن هنا كان ناموس المؤاخذة من الله لخلقه دائرًا بين هذين العاملين، فهو يطمعهم في رحمته ومغفرته وفاقًا لقانون الفضل الرباني ثم يحذرهم سطوته وعقوبته وجبروته إحقاقًا للعدل الإلهي.

стр. 1399

قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذا الشطر من الآية الكريمة: أي أنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرَّجاء والخوف كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ [الأنعام: ١٤٧] وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرَّجاء والخوف. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد بن سعيد بن المسيب قال لما نزلت الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنا أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتَّكَل كلُّ أحد". وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد". (رواه مسلم). وذهب ابن جرير إلى أن المغفرة المذكورة هنا خاصة بالمؤمنين التائبين والعقوبة للكافرين والعاصين، وأن الكلام إن كان خبرًا في ظاهره فإنه وعيد وتهديد للمشركين من أهل مكة إن لم يتوبوا وينيبوا إلى الله ﵎ قبل أن يحل عليهم غضبه وعقوبته ونقمته، ولا ينافي هذا ما ذكرناه من تقرير الناموس العام في حكمة ذكر الثواب والعقاب والعدل والرحمة مقترنين دائمًا في كتاب الله. واستدل الأشاعرة بقوله تعالى: ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ بعد ذكر المغفرة، على مذهبهم من جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، وقد أطال النيسابوري في توجيه هذا الاستدلال وكأنهم يريدون أن يجعلوا الظلم المذكور في الآية إنما يراد به التلبس بالإثم والعصيان ... والذي تطمئن إليه النفس أن المراد بالظلم هنا ما عرف من قوة ميل النفس الإنسانية إلى الشر أكثر مما تميل إلى الخير حتى صار ذلك وصفًا ملازمًا

стр. 1400

لها لاصقًا بها، وقد تردد هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم، وجاء ذكر الإنسان والنفس الإنسانية مقرونًا بالظلم تارة، وبالجحود تارة أخرى، وهكذا قال ﵎: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار﴾ [إبراهيم: ٣٤] , وقال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] , وقال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] , ويكون المراد على ذلك والله أعلم: أن الله ﵎ يغفر للناس تفضلا منه وكرما وإن كانت طبائعهم إلى الشر والظلم أقرب. ومن ذلك تعلم أن الإنسان في أشد الحاجة إلى محاسبة نفسه ومراقبتها أدق المراقبة ومقاومة غرائز السوء فيها، وتقوية عوامل الصلاح والخير التي تحيط بها حتى يسلس له قيادها ويسير في الطريق المستقيم، وذلك بإشعارها الخوف تارة وأخذها بالشدة والقسوة، وإشعارها الرَّجاء تارة أخرى وأخذها باللين والأمل. قال الإِمام النووي في رياض الصالحين: (اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض بمحض الرَّجاء، وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرةٌ على ذلك ... فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية واحدة). أهـ. وكأن ﵀ أشار بتغليب الرَّجاء في حال المرض إلى قوله ﷺ في حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتَنَّ أحدكُم إلا وهو يُحسنُ الظن بالله ". (رواه مسلم). والقاعدة التي يجب أن يسير عليها الإنسان دائمًا الفرار إلى الخوف إذا استنام إلى الرَّجاء، والفرار إلى الرَّجاء إذا استبد به الخوف، وهكذا لا يزال يكسر حدَّةَ أحدهما بالآخر بحسب حاله في مجاهدة نفسه. وفي التعبير بالربوبية في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ إشارة إلى عظيم لطف الله ﵎ بعباده ووعده إياهم بفضله وبره، وأن المراد بالثواب والعقاب إنما هو كمال تربية النوع الإنساني حتى يصل إلى كماله المنشود.

стр. 1401

ووجه الارتباط بين أجزاء الآية الكريمة واضح، فإنهم لما استعجلوا السيئة قبل الحسنة ذكَّرهم القرآن الكريم بما وقع للأمم من قبلهم وأحالهم على ما عرفوا من أحوال المكذبين السابقين الذين حقت عليهم الكلمة ووقعت بهم المَثُلات وبيَن لهم بعد ذلك أن الله قادر على المغفرة كما أنه قادر على العقوبة الشديدة، ولكنه يغفر لمن يشاء ويعاقب من يشاء، لا تتوقف عقوبته ولا مغفرته على اقتراح أحد أو تحكم مخلوق، وفقنا الله وإياكم إلى الخير وهدانا سواء السبيل ... (١) * معالم منهج البنا في التفسير: قبل أن نتحدث عن معالم منهج الشيخ البنا في التفسير، نذكر أنه ﵀ كتب على صفحات مجلة الشهاب عام ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٧ م مقدمة ضافية في التفسير أراد أن تكون مدخلًا لمشروع تفسير له يكون عنوانه (مقاصد القرآن الكريم). ونورد فيما يلي خلاصة هذه المقدمة؛ لأنها توقفنا على طرف كبير من منهج الشيخ في التفسير. عنون البنا ﵀ لمقدمته بهذا العنوان: (مقدمات في علم التفسير)، ثم تحدَّث عن القرآن الكريم مبينًا أن بركته الكبرى إنما هي في تدبره وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على الهواء، ثم تحدَّث عن الحاجة إلى التفسير، ونشأة علم التفسير، وعناية السلف به. ثم عرض لقضيته (التفسير بالرأي) وبيَّن أن المذموم منه ما كان بغير علم أو اتباعًا للهوى. وذكر الشيخ ﵀ أن أسلوب التفسير قد تأثر بالتطورات الاجتماعية والثقافية في العصور الإِسلامية المختلفة، فنشأ عن ذلك اتجاهات في التفسير، ومناهج المفسرين. ثم قال الشيخ: "وهكذا نجد أن أسلوب التفسير يتجدد مع كلِّ مفسَّر، ومع كل عصر بحسبه، وذلك أمر طبيعي كما قدمنا، فإنما يصور المفسرون ما

стр. 1402

فهموا من كتاب الله، وأداة فهمهم عقولُهم، ومادة علمهم بيئتهُم ومعارف عصرهم، فكان لزامًا أن يظهر ذلك جليًّا في نفثات أقلامهم، ومعرض آلائهم" [مقاصد القرآن الكريم ص ٢]. ثم تحدَّث الشيخَ البنا ﵀ عن مزالق بعض الكاتبين في التفسير، وبُعدِهم عن جادة الصواب، وشططهم في الآراء التي تنافي مقاصد القرآن الكريم، كزعم بعضهم أن قصص القرآن لا يعدو أن يكون سردًا فنيًا لا يستلزم صدق الرواية ولا صحة الواقعة! وكغُلُوِّ بعضهم في التفسير العلمي للقرآن تكلفًا وتعسفًا، وآخذًا بنظريات وفروض علمية لم ترق إلى مستوى الحقائق! ! وكغُلُوِّ آخرين في تأويل بعض السمعيات والغيبيات كالجن والملائكة وأحوال الموت والقبر والبعث ... ! . ثم ختم البنا ﵀ مقدمته بنصيحة تُرشد القاري إلى أسلوب عملي محدد يمرن عليه، ويلجأ إليه لفهم القرآن الكريتم، فقال تحت عنوان: (أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم": "وبعد فقد سألني أحد الإخوان عن: أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم لكتاب الله ﵎؟ . فكان جوابي على سؤاله بهذه الكلمة: (قلبك) فقلب المؤمن ولا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎، وأقرب طرائق الفهم أن يقرأ القاري بتدبر وخشوع وأن يستلهم الله الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة، وإن يُلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعني بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد في ذلك أكبر العون على اللهم الصحيح السليم، وإذا قرأ في كتب التفسير بعد ذلك فللوقوف على معنى لفظ دَقَّ عليه، أو تركيب خَفي أمامه معناه، أو استزادة من ثقافة تُعينه على الفهم لكتاب الله، فهي مساعدات على الفهم، والفهم بعد ذلك إشراق ينقدح ضوؤه في صميم القلب. ومن وصايا الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده ﵀ لبعض تلامذته:

стр. 1403

(وأدمْ قراءة القرآن، وفهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وعبره كما كان يُتلى على المؤمنين أيام الوحي، وحاذرْ النظر إلى وجوه التفاسير إلا لفهم لفظ غاب عنك مراد العرب منه أو ارتباط مفرد بآخر خَفَي عليك متصله، ثم اذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه، واحمل نفسك على ما يحمل عليه) انتهى. ولا شك أن من أخذ بهذه الطريقة سيجد أثرها بعد حين في نفسه مَلَكَةً تجعل الفهم من سجيته، ونورًا يستضيء به في دنياه وآخرته إن شاء الله تعالى (١). وبعد الحديث عن مقدمة الشيخ البنا ﵀، وما تضمنته من إشارة إلى منهجه في التفسير، نورد فيما يلي أهم معالم منهجه مشفوعة بنماذج وأمثلة من تفسيره ﵀: ١ - حرصُه على ربط الآيات القرآنية بالواقع المعاش: ويتجلَّى هذا المعلم في تفسير الشيخ كلِّه رحمة الله عليه؛ لأنه تفسير رجل نذر نفسه لهذا الدين، ووهب له كلَّ جهده ووقته دعوة وإرشادًا، وتربية وتوجيهًا، فلا جرم أن يكون تفسيره نابعًا من واقع نفسه، وواقع مجتمعه الذي يعيش فيه، وأن يستلهم من القرآن كلَّ دواء وعلاج للمشكلات والآفات النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية، التي يواجهها مواجهة حقيقية، وينفعل معها انفعالًا واقعيًا. ولذلك كان تفسير الشيخ البنا ﵀ تفسيرًا مميزًا يحمل طابعه الإيماني، وهمته الوثَّابة إلى إرشاد الناس، وروحه التواقة إلى استنقاذهم من مهاوي الرَّدى! . وقد يُدرك القاري لما تَقَدَّم من تفسير الشيخ هذه الصفة في منهجه، ونزيده مع ذلك نماذج أخرى ممتعة ومقنعة: ١ - فسَّر الشيخ البنا ﵀ قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ... ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] تفسيرًا بديعًا جميلًا.

стр. 1404

فقال: يقول المربُّون إن أعظم مظاهر القوة في الإنسان أن يتغلب على ما يحيط به وأن يُخضع الصعاب لإرادته، وإذا وصلت الأمة إلى هذا الحد فلم تتأثر بالحوادث ولم تبال بالعقبات وكان عندها من المناعة الطبيعية ما يحول بينها وبين تسرب الوهن إليها، كانت خليقة بأن ترث الأرض وتسود الدنيا وتُحسن الخلافة في الكون. والآية الكريمة تشير إلى (التدريبات) الربانية التي تُنشى في الأمة هذه المناعة وتطبعها بطابع القوة الحقيقية وتجعلها أسمى من ظروفها وأقوى مما يحيط بها، ويجمع هذه التمرينات الابتلاء أو الاختبار الذي يبتلي الله به الناس لتصفو به نفوسهم وتتطهر من الأدران أرواحهم ويعتادوا مقاومة الصعاب وتحمل الصدمات، فإنْ صَبَرَ العبد على اختبار الله إياه وشغلته الغاية عن ألم الوسيلة، كانت العاقبة خيرًا وأبدله الله بهذا الصبر قوة في الدنيا وثوابًا في الآخرة وكان مثله كمثل من يصبر على مرارة الدواء أملًا في الشفاء، وإن جزع وتألم أفسد على نفسه العلاج وكان الاختبار وبالًا عليه. وأساس الصبر على الابتلاء الإيمان بالله والاشتغال بمراقبة عظمته والتسليم لحكمة تصرفه ولهذا ورد في الأثر: (الصبر شطر الإيمان) وفي قول الله ﵎: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] , ومن ذلك ترى أن الاختبار كما يكون تدريبًا على المقاومة يكون دليلًا على الإيمان والتسليم، فإذا صبر العبد وسلَّم كان ذلك دليلًا إيمانه فيرفع الله درجته ويعلي منزلته، وكان الابتلاء وسيلة إلى رفع الدرجات وإعلاء الرتب ونوال الفضل، وربما منعك فأعطاك فمنعك: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. والتمرينات التي ذكرتها الآية الكريمة أنواع منها: * الخَوف وإنما بدأ القرآن به لأنه غريزة مستقرة في النفس لاصقة بالفؤاد تُولد مع المرء منذ ولد وتتحرك لأدنى مؤثر وتتولد عنها الأوهام والخرافات. فإذا

стр. 1405

استطاع الإنسان أن يكبح جماحها وألا يتأثر بمثيراتها خمدت وسكنت وذهب من نفسه ما تولد عنها من الجبن والوهم والخرافة وصار شجاعًا قوى النفس بعد أن كان رعديدًا خائر العزيمة، وبذلك يحسن استعداده النفسي وتكون الصدمات التي تلي هذه الصدمة أقل منها أثرًا وأضعف خطرًا. * يلي ذلك الجُوع وإنما ثنى به القرآن لأنه أَلَم الجسم فإذا تعود الإنسان مقاومة دواعيه والصبر على حرارته فقد قوى جسمه وصلب عوده وانضمت قوة جسمه بمقاومة الجوع إلى قوة روحه بمقاومة الخوف فكان إنسانًا كاملًا جسمًا وروحًا. * يأتي بعد هذين التدريب الثالث في قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ وهو الصبر على مفارقة المألوفات من مظاهر البيئة القريبة إلى الشخص، الحبيبة إلى النفس، وللألفة على القلب سلطان ولها في النفس منزلة، ورحم الله أبا الطيب إذ يقول: خلقت ألوفًا لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا هذه المألوفات التي تعُوق الإنسان عن العظائم وتحول بينه وبين الجد في المطالب، يريد القرآن أن يعوِّد الأمة الصبر على مفارقتها وعدم الركون إليها حتى يتحرر الإنسان حرية كاملة وحتى لا يقف شيء من دون وصوله إلى الغاية. فإذا دَرَبت نفسه الصبر، وقويت روحه بمقاومة الخوف، وقوى جسمه بمقاومة الجوع، وتحرر من أغلال البيئة وقيود المألوفات، تحقق له قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ يبشرهم بحسن الأجر وجزيل الثواب في الدنيا بالمناعة التي تخفف وقع المصائب، وفي الآخرة بالنعيم المقيم. ولما كان أعظم شيء يساعد على الصبر ويتقوى به الإنسان على مرارة هذه التدريبات اللجوء إلى الله ﵎ وتذكر الغاية السابقة وتمثل المثل الأعلى: (وقد يهون على المستنجح العمل) لهذا كان أحسن شعار للمبتلى عند الابتلاء أن
следующие страницы →