← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ووجه الارتباط بين أجزاء الآية الكريمة واضح، فإنهم لما استعجلوا السيئة قبل الحسنة ذكَّرهم القرآن الكريم بما وقع للأمم من قبلهم وأحالهم على ما عرفوا من أحوال المكذبين السابقين الذين حقت عليهم الكلمة ووقعت بهم المَثُلات وبيَن لهم بعد ذلك أن الله قادر على المغفرة كما أنه قادر على العقوبة الشديدة، ولكنه يغفر لمن يشاء ويعاقب من يشاء، لا تتوقف عقوبته ولا مغفرته على اقتراح أحد أو تحكم مخلوق، وفقنا الله وإياكم إلى الخير وهدانا سواء السبيل ... (١) * معالم منهج البنا في التفسير: قبل أن نتحدث عن معالم منهج الشيخ البنا في التفسير، نذكر أنه ﵀ كتب على صفحات مجلة الشهاب عام ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٧ م مقدمة ضافية في التفسير أراد أن تكون مدخلًا لمشروع تفسير له يكون عنوانه (مقاصد القرآن الكريم). ونورد فيما يلي خلاصة هذه المقدمة؛ لأنها توقفنا على طرف كبير من منهج الشيخ في التفسير. عنون البنا ﵀ لمقدمته بهذا العنوان: (مقدمات في علم التفسير)، ثم تحدَّث عن القرآن الكريم مبينًا أن بركته الكبرى إنما هي في تدبره وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على الهواء، ثم تحدَّث عن الحاجة إلى التفسير، ونشأة علم التفسير، وعناية السلف به. ثم عرض لقضيته (التفسير بالرأي) وبيَّن أن المذموم منه ما كان بغير علم أو اتباعًا للهوى. وذكر الشيخ ﵀ أن أسلوب التفسير قد تأثر بالتطورات الاجتماعية والثقافية في العصور الإِسلامية المختلفة، فنشأ عن ذلك اتجاهات في التفسير، ومناهج المفسرين. ثم قال الشيخ: "وهكذا نجد أن أسلوب التفسير يتجدد مع كلِّ مفسَّر، ومع كل عصر بحسبه، وذلك أمر طبيعي كما قدمنا، فإنما يصور المفسرون ما

стр. 1402

فهموا من كتاب الله، وأداة فهمهم عقولُهم، ومادة علمهم بيئتهُم ومعارف عصرهم، فكان لزامًا أن يظهر ذلك جليًّا في نفثات أقلامهم، ومعرض آلائهم" [مقاصد القرآن الكريم ص ٢]. ثم تحدَّث الشيخَ البنا ﵀ عن مزالق بعض الكاتبين في التفسير، وبُعدِهم عن جادة الصواب، وشططهم في الآراء التي تنافي مقاصد القرآن الكريم، كزعم بعضهم أن قصص القرآن لا يعدو أن يكون سردًا فنيًا لا يستلزم صدق الرواية ولا صحة الواقعة! وكغُلُوِّ بعضهم في التفسير العلمي للقرآن تكلفًا وتعسفًا، وآخذًا بنظريات وفروض علمية لم ترق إلى مستوى الحقائق! ! وكغُلُوِّ آخرين في تأويل بعض السمعيات والغيبيات كالجن والملائكة وأحوال الموت والقبر والبعث ... ! . ثم ختم البنا ﵀ مقدمته بنصيحة تُرشد القاري إلى أسلوب عملي محدد يمرن عليه، ويلجأ إليه لفهم القرآن الكريتم، فقال تحت عنوان: (أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم": "وبعد فقد سألني أحد الإخوان عن: أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم لكتاب الله ﵎؟ . فكان جوابي على سؤاله بهذه الكلمة: (قلبك) فقلب المؤمن ولا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎، وأقرب طرائق الفهم أن يقرأ القاري بتدبر وخشوع وأن يستلهم الله الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة، وإن يُلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعني بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد في ذلك أكبر العون على اللهم الصحيح السليم، وإذا قرأ في كتب التفسير بعد ذلك فللوقوف على معنى لفظ دَقَّ عليه، أو تركيب خَفي أمامه معناه، أو استزادة من ثقافة تُعينه على الفهم لكتاب الله، فهي مساعدات على الفهم، والفهم بعد ذلك إشراق ينقدح ضوؤه في صميم القلب. ومن وصايا الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده ﵀ لبعض تلامذته:

стр. 1403

(وأدمْ قراءة القرآن، وفهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وعبره كما كان يُتلى على المؤمنين أيام الوحي، وحاذرْ النظر إلى وجوه التفاسير إلا لفهم لفظ غاب عنك مراد العرب منه أو ارتباط مفرد بآخر خَفَي عليك متصله، ثم اذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه، واحمل نفسك على ما يحمل عليه) انتهى. ولا شك أن من أخذ بهذه الطريقة سيجد أثرها بعد حين في نفسه مَلَكَةً تجعل الفهم من سجيته، ونورًا يستضيء به في دنياه وآخرته إن شاء الله تعالى (١). وبعد الحديث عن مقدمة الشيخ البنا ﵀، وما تضمنته من إشارة إلى منهجه في التفسير، نورد فيما يلي أهم معالم منهجه مشفوعة بنماذج وأمثلة من تفسيره ﵀: ١ - حرصُه على ربط الآيات القرآنية بالواقع المعاش: ويتجلَّى هذا المعلم في تفسير الشيخ كلِّه رحمة الله عليه؛ لأنه تفسير رجل نذر نفسه لهذا الدين، ووهب له كلَّ جهده ووقته دعوة وإرشادًا، وتربية وتوجيهًا، فلا جرم أن يكون تفسيره نابعًا من واقع نفسه، وواقع مجتمعه الذي يعيش فيه، وأن يستلهم من القرآن كلَّ دواء وعلاج للمشكلات والآفات النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية، التي يواجهها مواجهة حقيقية، وينفعل معها انفعالًا واقعيًا. ولذلك كان تفسير الشيخ البنا ﵀ تفسيرًا مميزًا يحمل طابعه الإيماني، وهمته الوثَّابة إلى إرشاد الناس، وروحه التواقة إلى استنقاذهم من مهاوي الرَّدى! . وقد يُدرك القاري لما تَقَدَّم من تفسير الشيخ هذه الصفة في منهجه، ونزيده مع ذلك نماذج أخرى ممتعة ومقنعة: ١ - فسَّر الشيخ البنا ﵀ قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ... ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] تفسيرًا بديعًا جميلًا.

стр. 1404

فقال: يقول المربُّون إن أعظم مظاهر القوة في الإنسان أن يتغلب على ما يحيط به وأن يُخضع الصعاب لإرادته، وإذا وصلت الأمة إلى هذا الحد فلم تتأثر بالحوادث ولم تبال بالعقبات وكان عندها من المناعة الطبيعية ما يحول بينها وبين تسرب الوهن إليها، كانت خليقة بأن ترث الأرض وتسود الدنيا وتُحسن الخلافة في الكون. والآية الكريمة تشير إلى (التدريبات) الربانية التي تُنشى في الأمة هذه المناعة وتطبعها بطابع القوة الحقيقية وتجعلها أسمى من ظروفها وأقوى مما يحيط بها، ويجمع هذه التمرينات الابتلاء أو الاختبار الذي يبتلي الله به الناس لتصفو به نفوسهم وتتطهر من الأدران أرواحهم ويعتادوا مقاومة الصعاب وتحمل الصدمات، فإنْ صَبَرَ العبد على اختبار الله إياه وشغلته الغاية عن ألم الوسيلة، كانت العاقبة خيرًا وأبدله الله بهذا الصبر قوة في الدنيا وثوابًا في الآخرة وكان مثله كمثل من يصبر على مرارة الدواء أملًا في الشفاء، وإن جزع وتألم أفسد على نفسه العلاج وكان الاختبار وبالًا عليه. وأساس الصبر على الابتلاء الإيمان بالله والاشتغال بمراقبة عظمته والتسليم لحكمة تصرفه ولهذا ورد في الأثر: (الصبر شطر الإيمان) وفي قول الله ﵎: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] , ومن ذلك ترى أن الاختبار كما يكون تدريبًا على المقاومة يكون دليلًا على الإيمان والتسليم، فإذا صبر العبد وسلَّم كان ذلك دليلًا إيمانه فيرفع الله درجته ويعلي منزلته، وكان الابتلاء وسيلة إلى رفع الدرجات وإعلاء الرتب ونوال الفضل، وربما منعك فأعطاك فمنعك: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. والتمرينات التي ذكرتها الآية الكريمة أنواع منها: * الخَوف وإنما بدأ القرآن به لأنه غريزة مستقرة في النفس لاصقة بالفؤاد تُولد مع المرء منذ ولد وتتحرك لأدنى مؤثر وتتولد عنها الأوهام والخرافات. فإذا

стр. 1405

استطاع الإنسان أن يكبح جماحها وألا يتأثر بمثيراتها خمدت وسكنت وذهب من نفسه ما تولد عنها من الجبن والوهم والخرافة وصار شجاعًا قوى النفس بعد أن كان رعديدًا خائر العزيمة، وبذلك يحسن استعداده النفسي وتكون الصدمات التي تلي هذه الصدمة أقل منها أثرًا وأضعف خطرًا. * يلي ذلك الجُوع وإنما ثنى به القرآن لأنه أَلَم الجسم فإذا تعود الإنسان مقاومة دواعيه والصبر على حرارته فقد قوى جسمه وصلب عوده وانضمت قوة جسمه بمقاومة الجوع إلى قوة روحه بمقاومة الخوف فكان إنسانًا كاملًا جسمًا وروحًا. * يأتي بعد هذين التدريب الثالث في قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ وهو الصبر على مفارقة المألوفات من مظاهر البيئة القريبة إلى الشخص، الحبيبة إلى النفس، وللألفة على القلب سلطان ولها في النفس منزلة، ورحم الله أبا الطيب إذ يقول: خلقت ألوفًا لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا هذه المألوفات التي تعُوق الإنسان عن العظائم وتحول بينه وبين الجد في المطالب، يريد القرآن أن يعوِّد الأمة الصبر على مفارقتها وعدم الركون إليها حتى يتحرر الإنسان حرية كاملة وحتى لا يقف شيء من دون وصوله إلى الغاية. فإذا دَرَبت نفسه الصبر، وقويت روحه بمقاومة الخوف، وقوى جسمه بمقاومة الجوع، وتحرر من أغلال البيئة وقيود المألوفات، تحقق له قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ يبشرهم بحسن الأجر وجزيل الثواب في الدنيا بالمناعة التي تخفف وقع المصائب، وفي الآخرة بالنعيم المقيم. ولما كان أعظم شيء يساعد على الصبر ويتقوى به الإنسان على مرارة هذه التدريبات اللجوء إلى الله ﵎ وتذكر الغاية السابقة وتمثل المثل الأعلى: (وقد يهون على المستنجح العمل) لهذا كان أحسن شعار للمبتلى عند الابتلاء أن

стр. 1406

يضع مراقبة الله نصب عينيه وأن يهتف من أعماق قلبه مسترجعًا وأن يحقق معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦] وفي هذا التركيب العجيب من لطائف اللطائف وعوارف المعارف ما يدِق ويرِقْ وما هو بهذا النظام أليق وأخلق. وحسب الإنسان أن يذكر في صحيح أن لله بدؤه ولله نهايته ليكون لله ما بينهما: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. أما البشرى فقد أشارت إلى مضمونها الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] سمعها عمر ﵁ فقال: نعم العدلان ونعمت العلاوة. والصلاة من الله على عبد: الثناء والتشريف والتكريم والرحمة والعفو وإغداق النعم ظاهرة وباطنة. فالأولى إشارة إلى اللطائف الروحية ولهذا عبر عنها بلفظ الصلاة. والثانية إشارة إلى اللطائف الحسية ولهذا عبَّر عنها بلفظ الرحمة، ومن جمع الله له هذه الصفات في الدنيا وهذه المنح في الآخرة فقد هدي إلى صراط مستقيم، ولنا في الصبر وثوابه والدوافع إليه كلمات أخرى إن شاء الله (١). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٤، ١٥] قال الشيخ تحت عنوان (حقيقة الإيمان وآثاره). "فاعلم -يا أخي- أن الإيمانَ عقيدةٌ قلبيةٌ تخالط القلبَ وتستولي على النفس وتتملكَ الفؤاد فترى المؤمنَ ذاكرًا لعقيدته فانيًا فيها مضحيًا في سبيلها يراها في

стр. 1407

حلمه ويقظته وغُدُوه ورَواحه لأنها مَلَكتْ عليه نفسَه واستولت عليه. والناسُ في الإيمان متفاوتون مختلفون، درجات بعضُها فوق بعض، فأنت مُصَدِّقٌ بشيء وسمعت عنه فإذا قرأت عنه بعد ذلك زاد إيمانك به وتصديقك فيه، فإذا رأيت صورته ثبت هذا الإيمان في قلبك، فإذا رأيته رأي العين وفتَّشَت فيه وعرفت ظاهره وخافيه انتهيت إلى درجة من الإيمان لا تقبل شَكًّا ولا يتطرق إليها وَهَنٌ، كذلك إيمان المؤمن بالله ﵎ تتفاوت درجاته وتتباين منازله. فمن الناس من يدَّعون الإيمان وهم في هذه الدعوى كاذبون كالذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩]. ومنه من يؤمن في الرخاء حتى إذا عَضَّته الشدة بأنيابها انقلب على عقبه وكفر بنعمة ربه كالذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. ومنهم من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبَه فهو يُظهر كلمة الإيمان وقلبُه منها خواء كأولئك الأعراب الذين عرضت لهم الآية الكريمة. ومن المؤمنين قوم اطمأنت بالإيمان قلوبهم، وأخبتت له أرواحهم، فهم به سعداء وعليه حريصون أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وإذا وصل الإيمان إلى مثل هذه الدرجة السامية واحتل من القلب مكانًا رفيعًا أنتج أروع الآثار ولم يكن عاطفة خامدة بل يثور في النفس ثائرةً، فتبدو على الجوارح آثاره أوضح من الصبح وأضوأ من النور وأجلى من غرة النهار، وشرح ذلك يطول وإنما نُلِمُّ من ذلك بطرف ليكون تبصرةً للمؤمن، وتذكرةً للمخدوعين، وحسرةً على المجرمين.

стр. 1408

* من آثار الإيمان حُبٌّ يستروح معه المؤمن السعادة الكاملة والنعيم المقيم والله ﵎ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. * ومن آثار الإيمان سعادة دائمة وراحة قلبية واطمئنان نفسي لا يجد المؤمن معه مَسَّ الشقاء ولو عُذِّب بجميع ما عرف الناس من أنواع العذاب ما سَلمَت له عقيدته واطمأن قلبه ... كالذي حَدَّثُوا أن بعضهم خاصم زوجته المؤمنة فكان فيما قال لها: والله لأُشقيَنَّك، فابتسمت وقالت: إنك لا تستطيع ذلك، فقال: وَلِمَ؟ فقالت: لأن سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه، فُسُرِّيَ عنه وَهشَّ لها وابتسم. وهم يقولون إن ذلك مما وقع لعمر بن الخطاب ﵁ مع زوجه أم كلثوم بنت عليّ ﵃ أجمعين، والله أعلم حيث يجعل رسالته .. وقد علمت نبأ ذلك الشيخ الذي طال به السجن في سبيل إيمانه، فأخذ تلامذته يُعَزُّونَه ويتلمسون له سبيل النجاة فكان فيما قال لهم: (إن حبسي خلوةٌ، وقتلي شهادةٌ، ونفيي سياحةٌ، وكل ذلُ بأجره، ولو ملأتُ لهم قلعتهم هذه ذهبًا ما كأفاتُهم على ما سَاقُوا إليّ من ثواب الله، وإن جَنَّتي وبُستَاني في صدري). الله أكبر .. أرأيت يا أخي كيف يُحيلُ الإيمان المصائبَ والنكبات نعمًا سابغات وكيف يُصّيِّرُ الهمومَ الراسيات لذائذَ مُفرحات، وصدق رسول الله ﷺ الذي يقول ما معناه: "عجبت لأمر المؤمن إن أمره كلَّه خيرٌ إن أصابته النَّعماءُ شكر وإن مسته الضراءُ صبر" ... وهذا أبو القاسم الجُنَيد يقول: نحن من إيماننا بالله ومعرفتنا إياه في لذة لو عرفها ملوك الدنيا لقاتلونا عليها بالسيوف. * ومن آثار الإيمان عزةٌ سابغةٌ تجعل المؤمنَ عزيزًا بربه عظيمًا في نفسه لا يرى أحدًا أعز منه إذ يستمد عزته من الله لا من أحد من خلقه وإذ يدوي في نفسه صدى الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ,

стр. 1409

إلى جانب الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩] , إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. * ومن آثار الإيمان شجاعة تتضاءل أمامها الجحافل وتنطوى أمام قوتها الجبابرة وتذل لها النكبات والمشاق والصعاب والعقبات: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. * وبعد، فمن آثار الإيمان بعد ما علمت جهادٌ في سبيل الله بالنفس إلى آخر قطرة من دمها وبالمال إلى آخر درهم منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. ولما كان هذا الأثر الأخير يعتبر النتيجة الطبيعية والعملية للآثار السابقة من الحب والسعادة والعزة والشجاعة ذكره الله ﵎ ونَوّه به واكتفى بذكره في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وأمامك آيات القرآن وأحاديث الرسول العظيم ﷺ تجد فيها ما تدهش له من تحصيل حقيقة الإيمان وبيان آثاره وتربية النفوس عليه، فروض نفسك بها حتى تكون من الصادقين. ج - وفي سياق تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ١٣٥] قال الشيخ ﵀: "أيتها الأمة المجاهدة: اختاري الرجال للقيادة، واجعلي الأساس المواهب والرجولة، ودَعَي ما سوى ذلك من المقاييس، واعلمي أنَّ أساس النهضات قوة وعلم أو عقل وجسم يمدُّهما إيمان ثابت، ويقين راسخ، وشعور فيَّاض، فهل أنتم سامعونا؟ ". [مقاصد القرآن الكريم ص ١٣٨].

стр. 1410

د - وها هو الشيخ ﵀ يَعُدُّ ما يكتبه من التفسير الواقعي الذي يكون عماده إدامة التدبر، وإطالة التفكر مدارسة قرآنية تثمر الفهم السليم ثم العمل المستقيم، فيقول في تفسير الآية الأولى من سورة الحجرات: "فلنتدارس هذه الآية الكريمة معًا، اقرأها كما قرأتها بتدبر وإنعام، وسَلْ نفسك بعد ذلك هذه الأسئلة كما سألت نفسي من قبلك، وسأجيبُك عنها. فإن طابَقَتْ إجابتي ما وصلتَ إليه فيها، وإن فتح الله عليك بخيرٍ لما فتح به عليَّ فاحمد الله، وإن شئت أن تفيدني إياه فافعل، وأنت في حل إن لم تشأ ذلك، وسأمُدك في هذه الإجابة بما عرفتُ من أسباب النزول والمأثور في الآية الكريمة. وأظنك بعد هذا عرفت أنَّ ما أكتبُه إلى مدارسة القرآن أقربُ منه إلى التفسير، ولم لا نتدارس القرآن؟ ولم لا تكونُ هذه المدارسة نوعًا آخر من أنواع التفسير ومسلكًا مبتكرًا من مسالكه؟ " (١). ٢ - تأثُّره بالأستاذ الإِمام وبمدرسة المنار: وهذا أمر واضح في تفسير البنا ﵀، فهو يُكثر النقل عن الأستاذ الإِمام، ويتبنَّى كثيرًا من آرائه الفكرية والتربوية والتفسيرية، بل يُعجب ببعضها ويُظهر ارتياحه لها، وميله إليها، فتراه يقول مثلًا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]: "والعبادة غير العبودية، ولا بدَّ من تفريق بينهما، يشعر بذلك الذوق السليم والطبع المستقيم. وقد ألمَّ الأستاذ الشيخ محمد عبده في تفسيره بهذا المعنى إلمامًا جميلًا، وصوَّر معنى العبادة تصويرًا بديعًا يطمئنُّ به القلب ... " ثم نقل عن الأستاذ الإمام كلامًا طويلًا (٢). والشيخ البنا ينقل عن الأستاذ الإِمام من تفسير المنار أحيانًا، ومن كتبه الأخرى كرسالة التوحيد أحيانًا أخرى. وأما تأثره بالشيخ رشيد رضا ﵀ فيظهر جليًّا حين شرع في إكمال تفسير

стр. 1411

المنار، فنهج نهج الشيخ رشيد، ونسج على منواله، كما تقدم ذكر ذلك، ولكنَّ الشيخ رشيد يتوسَّعُ في القضايا اللغوية والآثار النبوية أكثر من الشيخ حسن البنا، ﵀ الجميع. وهكذا نرى أن مدرسة المنار تشكل طرفًا كبيرًا في منهج الشيخ البنا في التفسير، وهذا أمر طبيعي كما يرى الشيخ الغزالي الذي يقول: "والذي أراه أن مدرسة المنار هي المهاد الأوحد للصحوة الإِسلامية الحاضرة، وعلى الذين يرفعون القواعد من هذا المهاد أن يجتنبوا بعض الهفوات التي فات فيها الصواب إمامنا الكبير، فما نزعم عصمة له أو لغيره. قال لي الأستاذ حسن البنا عليه الرضوان: إنه تناقش مع الشيخ رشيد في إحدى القضايا الفقهية، واتَّسعت مسافة الخُلف بينهما, ولم يصلا إلى وفاق، ثم رأيتُ الأستاذ البنا يُصدر صحيفة المنار، ويبدأ فيها باب التفسير، فإذا هو يستفتح بسورة الرعد، قلتُ له: لم هذا البدء؟ قال: من حيث انتهى الشيخ الكبير محمد رشيد رضا، قلتُ في نفسي: لا يعرف الرجال إلا الرجال" (١). ٣ - شخصيتهُ البارزة في مناقشة أقوال المفسرين والترجيح بينها: أذكر لذلك بعض الأمثلة والنماذج على سبيل المثال لا الحصر: أ - قال الشيخ البنا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة: ٣٦]: "والتقسيم إلى اثني عشر شهرًا إنما جاء بطبيعة البروج والمنازل، فبروج الشمس اثنا عشر، ومنازل القمر اثنا عشر كذلك، وذلك التقسيم قائم منذ تمَّ تكوين هذه المجموعة، فهو في كتاب الله بحكم التكوين منذ خلق السماوات والأرض، ومعنى (الكتاب) على هذا الفهم التقدير الإلهي التكويني، ويرى بعض المفسرين أن هذا التقسيم بحكم الشرع، فمعنى (الكتاب) إذن التقييد الإلهي التشريعي السابق في علم الله ﵎، ولعل الأول أولى وأدق وأوفى

стр. 1412

بالغاية من تأكيد هذا التقسيم، وأنه لا يمكن أن يخالف بحال" (١). ب - وعند قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في الأربعة الحرم باستحلال القتال فيها بعد أن أكَّد الإِسلام حرمتها، وحرَّم فيها القتال، أو في الشهور كلِّها بأن يستخدم الوقت في العبث أو العصيان فيظلم الإنسان نفسه بصرف وقته في غير ما خلق له وبطاعة الله وأداء حقوقه، وقد خلق الله الموت والحياة، وجُعل العُمر بينهما ابتلاءً وامتحانًا للناس: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قولان، ولعلَّ النافي أشمل وأفضل، والله أعلم. وفي حكمة تسمية سورة البقرة بهذا الاسم يقول الشيخ البنا ﵀: "قال المفسرون: سميت بهذا الاسم لما ورد فيها من ذكر قصة البقرة ويبدو لي أن الحكمة في هذه التسمية أعمق من هذا الذي ذُكر، ولعلها لفت النظر إلى هدم هذه العقيدة في نفوس الناس: عقيدة تقديس البقرة وعبادتها من دون الله، والمقصد الأول من الأديان وبالتالي من إنزال القرآن تقرير وحدانية الله ﵎ وصرف وجوه عباده وقلوبهم إليه، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله، ولقد كانت البقرة أوفر أنواع الحيوان حظًّا من عبادة البشر وتقديسهم، فالتاريح يحدثنا. عن قدماء المصريين وكيف كانوا يبالغون في تقديس هذا الحيوان وعبادته، ويعنون أشد العناية باختيار العجل (أبيس) بشروط خاصة وكيفيات خاصة حتى سرت منهم هذه العادة إلى الإسرائيليين رغم ما كان فيهم في أنبياء وما أنزل الله عليهم من كتب. ولقد عرفت عبادة البقر في معظم القارة الآسيوية كذلك بين الأشوريين والبابليين والإيرانيين والهنود، ولا زالت إلى اليوم معبود الهندوس الأعظم، وسرى إلى العرب شيء من هذه العقيدة فكان منها السائبة والبحيرة والوصيلة والحامي وما يصل بها من شعائر. ولقد استمر ظل هذه العقائد الفاسدة ممتدًا حتى وصل إلى بعض المجتمعات الإِسلامية، وكنا نسمع إلى وقت قريب عن (عجل السيد)

стр. 1413

ونظرائه في كثير من البلاد. ولهذا كان من اللازم أن تُحارب هذه العقيدة، وأن تُجتث من أصولها، وأن تسمى أطول سورة في القرآن باسم الجزء الذي تعرض للبقرة منها، وفيه الأمر بذبحها بأيدي الذين سرى إلى نفوسهم تقديسها، وتكريمها من بني إسرائيل تقليدًا للمصريين ونقلًا عن شرائعهم حينذاك ... والله أعلم. وعند قوله تعالى: ﴿الم﴾ قال الشيخ ﵀: "الحروف المفردة في أوائل السور: ﴿الم﴾ وما شابهها في أوائل السور القرآنية كثرت فيها أقوال المفسرين وأحقها بالنظر والتقدير آراء ثلاثة: أنها للفت النظر للاستماع للقرآن حين يتلى، فهي أداة تنبيه وخاصة للمشركين الذين كانوا يعلمون تمام العلم أن محمدًا ﵊ أميّ لم يقرأ ولم يكتب قبل أن يوحى إليه هذا القرآن، فنطقُه بهذه الحروف على الهيئة التي لا يحذقها إلا القراء والكاتبون أمرٌ يستدعي الانتباه ويستلفت النظر. أو أنها إشارة إلى الإعجاز، كأنه يقول لهم إن هذه الألفاظ والجمل والعبارات والآيات قد ركبت من هذه الحروف البسيطة التي تعرفونها جميعًا، ومع ذلك فقد عجزتهم عن الإتيان بمثل هذا التركيب مع أن هذه هي مادته الأولية بين أيديكم، فلا مندوحة لكم بعد هذا من الإقرار بأن هذا الكتاب المركب هذا التركيب من عند الله لا من صنع البشر. أو أنها إشارة إلى فضل الكتابة وسمو منزلتها والتفاؤل بأنه كما كانت معرفة البشر للكتابة إيذانًا بانتقالهم من طور إلى طور في مدارج الرقي والكمال، فكذلك الاهتداء بهذه الرسالة سيكون انتقالًا جديدًا إلى درجة أعلى وأكمل في مدارج

стр. 1414

الحضارة الإنسانية والترقي الاجتماعي، وقد جاء القرآن حريصًا على إبراز هذا المعنى حتى كانت أول سورة أنزلت منه في أرجح الأقوال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. وكل ما عدا هذه الآراء الثلاثة من أقوال المفسرين ظن لا يغني من الحق شيئًا. ومن طرائق ما ذهب إليه بعضهم في ذلك استخلاصه هذا التركيب من هذه الحروف في أوائل السور بعد حذف المكرر منها: (نص حكيم قاطع له سر) كأنه يريد أن يقول: إنها وصف للقرآن ولا دليل على هذا القول ولا سند له. ٤ - رده على الآراء المنحرفة في التفسير: نشر الشيخ البنا ﵀ مقالًا في جريدة الإخوان المسلمين ردَّ فيه على كاتب ومؤرح يزعم أن (وادي النمل) وادي المستضعفين من سكان فلسطين وما إليها، وأن (النملة) التي أمرت قومها بدخول مساكنهم لا يحطمنكم سليمان وجنوده رجلٌ من هؤلاء القوم! ! ! ثم قال الشيخ الإِمام البنا طيب الله ثراه: "هؤلاء من شيوخ الباحثين في هذه الأمة، وكبار كتابها، ضل بهم الفكر، وزاغ بهم البحث، فتركوا الجادة، وتنكبوا الطريق، وطلعوا على الناس بما لا يتفق مع أحكام الإِسلام وقواعده، وقوانين تفسير القرآن الكريم وتفهُّمه، وكأن الله ﵎ لم يقل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢] , وقد سبقهم غيرهم بمئل قولهم تشابهت قلوبهم! ! وما أُتي القوم إلا من ناحية، هي أنهم أرادوا أن يحصروا قدرة الله وتصرفاته في دوائر عقولهم، وفي حدود هذه النواميس العادية التي جهلنا فيها أضعاف ما علمنا، والله ﵎ أكبر من ذلك وأجل، ولو سَمَتْ المدارك، وحَفَت الأرواح، لعلموا أن في آحاد الناس من استطاع أن يقهر هذه النواميس المتعارفة، فكيف بالرسل والأنبياء، فكيف بالحق ﵎؟ ! . اللهم مناشرة الحجاب، وتنكُّب الصواب, هي فتنة بلا شك، وفي الأمة كثير من هذا الصِّنف، وما انتدبنا للكتابة في هذا الموضوع إلا

стр. 1415

لنكشف للأمة النقاب عما يُشاعُ فيها من هذه الآراء المنحرفة، حتى تتخذ الحيطة، وتتمسك بالكتاب، ولا تغتر بشخصيات الكاتبين وما لهم من شهرة واسعة في عالم الكتابة والتأليف، فقد أصبحنا في زمن كلُّه فتنٌ تتجارى بأصحابها كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرقُ ولا منصلُ إلا دخله، ولا نجاة إلا بالاعتصام بحبل الله المتين، وكتابه المبين، وسنة رسوله ﷺ ، وأن نتفهَّمها كما كان يفهمها النبي ﷺ وأصحابه في سهولة وبساطة، بغير نظر إلى وجوه التأويل، ونواحي الخلاف، ثم نتوجَّه إلى ما يوجِّهنا الدين إليه، مستعصمين بالإيمان وصالح الأعمال، وإن أكبر ما أتمناه لهذه الأمة أن يرزقها الله حسنَ فراسة، تميز بها بين العدو والصديق، والمبطل والمحق. ٥ - عنايتُه بدقائق البلاغة وأسرار التعبير القرآني: والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها بعض النماذج: أ - عند تفسير قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ ذكر الشيخ البنا ﵀ أنه ورد التعبير عن خلق الأرض في القرآن الكريم بألفاظ كثيرة منها المدُّ المذكور هنا، ومنها الفرش، ومنها البسط، ومنها الدحوُ أو الدحي، وأن المراد من ذلك كلِّه: خلقها وسوَّاها وجعلها ممهدة لمعايش الخلق ومصالحهم. ثم قال ﵀: "وفي هذا التنويع في التعبير إشارة إلى تصرف القرآن في أساليب البلاغة اللفظية وبلوغه من ذلك المبلغ الذي لا يُسامى. وفيه كذلك فائدة معنوية، وهي الإشارة بهذه التعبيرات المختلفة إلى فوائد الأرض ومنافعها للناس: ففي المد إشارة إلى السعة والامتداد لمن شاء الغدوَّ والرواح، والتقلب في مناكبها والاضطراب في مذاهبها وفي البسط إشارة إلى السعة والتذليل لمن شاء اجتناء منافعها، وتحصيل خيراتها. وفي الفرش إشارة إلى الراحة والإيواء والاستقرار على ظهرها لمن شاء أن يتذكر نعمة الله في ذلك، فيقوم بشكرها، وفي الدَّحو إشارة إلى عجائب

стр. 1416

صنع الله ﵎ في خلقها وتسويتها وهكذا" (١). ب - وعند قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] , قال الشيخ ﵀: "عبَّر القرآن الكريم عن الاستحقاق بالولاية، فوقعت كلمة (أولى) موقع كلمة (أحق) لما في الأولى من الشعور بأن ذلك الاستحقاق إنما كان عن الحب والولاء، والرغبة والرجاء، لا عن خوف ولا إرهاب، ولا إلزام ولا إكراه (٢). ج - وفي تفسيره لأوائل سورة التوبة قال الشيخ البنا ﵀: تحت عنوان (تكرير للتقرير). وإن القارئ ليلمح في هذه الآيات الكريمة الإسهاب والإطناب وتكرير المعاني والألفاظ، وقد يقال: إن الإطالة ليست من الإعجاز، والتكرار ليس من البلاغة، وهذا خطأ في الحكم عظيم، فإن البلاغة مراعاة مقتضى الحال، والإعجاز نفاذ المعاني إلى النفس واستقرارها فيها بصورة لا يصل إليها أسلوب آخر. والمقام هنا مقام تكوين وتأسيس وإنشاء للأمة الإِسلامية الجديدة التي أذن لها أن تحمل إلى الإنسانية بأجمعها رسالته الشاملة الخالدة الباقية، وتكوين خير أمة أخرجت للناس، وذلك لا يتم إلا بتخليصها من كل عناصر الفتنة والضعف والشغب والفساد والتهدم مهما كانت التضحيات في هذه الوسائل، حتى تصير نقية قوية خالصة صالحة، فاقتضى المقام الإطناب في صفات المشركين والمنافقين، والتطويل في واجبات المؤمنين والمجاهدين. ليهلك من هلك عن بيِّنة ويَحْيى من حيَّ عن بَيِّنة والله سميع عليم، فهو

стр. 1417

تكرير للتقرير، والمكرر في هذا المقام أحلى وحكمة الله أجل وأعلى" (١). د - وبعد أن فسَّر أوائل سورة الرعد قال الشيخ ﵀: (ومن دقائق البلاغة في الآيات الكريمة الإشارة إلى مراتب الاعتقاد في تدرج وتلطف: فإن النظر في عوالم السماوات والعرش والشمس والقمر كما هو في الآية الثانية من السورة يؤدي إلى اطمئنان القلب وحسن اليقين، ولذلك ختمها بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ ... والتأمل في عوالم الأرض ومدها، وما فيها من جبال وأنهار وصلتها بغيرها من العوالم، تلك الصلة التي تظهر في تعاقب الليل والنهار يؤدي إلى يقظة الفكر وجودة النظر، ولذلك ختمها بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ ... والبحثُ في عوالم النبات وعجائب حياته بعد حياة القلب باليقين، وصحة الفكر يؤدي إلى كمال العقل وتمام المعرفة، ولذلك كان ختامُ الآيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فاليقين شعور يلتئم مع الفكرة فينتج العقل الكامل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] (٢). هـ - وعند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧] ذكر الشيخ الآيات المشابهة لهذه الآية في المعنى والموضوع، ثم قال: "وإنما آثر وصف الإنذار للرسل في هذه الآيات الكريمة، مع أنهم - صلوات الله عليهم - مبشرون ومنذرون كما جاء في سورة النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]؛ لأن هذا الوصف هو الأليق والأخلق بهذه النفوس العنيدة، والرؤوس الصُلبة التي تأبى الإيمان إلا أن تُقْسَرَ عليه قَسْرًا، فالمقام يقتضي هذا الوصف، ولهذا أفرد بالذكر دون الوصف الثاني وهو التبشير؛ لأنه مقتضى المقام، وهذا

стр. 1418

المعنى هو الغالب على النفوس البشرية أن تقاد بالقهر والتخويف أكثر مما تُقاد بالحب والتبشير) (١). ٦ - عنايتُه بالمناسبات القرآنية: ومن أمثلة ذلك: أ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦ - ٣٧] , قال الشيخ البنا تحت عنوان (مناسبة): بعد أن بَيَّن القرآنُ طرَفًا من أحوال المشركين في أول السورة وطرفًا من أحوال أهل الكتاب، وكان ختام هذا البيان ذكر ما تشترك فيه الأمم جميعًا في كثير من الأحيان -بدافع حب المال- من أكل أموال الناس بالباطل وكنز الذهب والفضة وعدم إنفاقها في سبيل الله، ناسَبَ أن يذكر بعد ذلك تقدير الوحدة الشرعية في عرف القرآن وهي (العام) وبيان أقسامها ووجوب تحرى العمل الصالح فيها، ثم ما عرض عليها من تغيير وتبديل للأغراض الدنيوية الزائلة، ووجوب التزام نظام ثابت في ذلك تتحرى فيه مصالح الدنيا والآخرة. فذكر عدة الشهور والقاعدة فيها، وتحريم أربعة منها وما يترتب على ذلك من أحكام، وعرض لعادة المشركين التي جروا عليها في جاهليتهم من العيير والتبديل اتباعًا للعرب ورغبة في القتال والمغانم الحرام، وعابها عليهم ونهى عنها المؤمنين أشد النهي، وهي عادة النسيء الذي وصفته الآية الكريمة بأنه: زيادة في الكفر. ب - وعند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ... ﴾ [الرعد: ٥]، قال البنا ﵀: "بعد ذكر العقيدة الأولى وهي عقيدة التوحيد ومعرفة الصانع جلَّ وعلا، وإفاضة العقول فيها، وذكر الدلائل الكونية لذوي اليقين والفكر والتعقل على وجود الباري سبحانه، تناولت الآيات العقيدة الثانية من أصول العقائد، وهي عقيدة المعاد والبعث بعد الموت، فذكرت الآية أن هؤلاء

стр. 1419

الذين أُرسل إليهم رسولُ الله ﷺ يستغربون هذه الإعادة بعد التحلل، ويرونها أمرًا عجبًا، مع أن العجيب حقًّا هو اعتقادهم هذا مع وجود الدلائل عليه، ونهوض البراهين المثبتة له" (١). ج- وبيَّن الشيخ البنا ﵀ في سورة التوبة مناسبة آية الصدقات لما قبلها فقال: "وحين عرضت الآيات الكريمة لهذا الخلق من أخلاق المنافقين، وهو الطعنُ في القادة، والتشكيك في نزاهتهم، وانتهاز فرصة تقسيم الأموال؛ لأن ذلك عند الناس هو نقطة الخيانة والطمع، وخصوصًا إذا لم ينالوا من هذه الأُعطيات مطامعهم، ناسب بعد ذلك أن تُقرَّر أحكام الصدقات وتبين مصارفها حتى يكون في هذا التقرير قطع ألسنتهم، وتسجيل براءة من يتهمونهم بالباطل، فجاءت هذه الآية الكريمة تقرر مصارف الصدقات" (٢). ٧ - عنايتُه بالتفسير الموضوعي للآيات والسُّور: وقد كانت هذه العناية جلية واضحة في تفسير البنا ﵀، وإن لم يكن يذكر هذا المصطلح (التفسير الموضوعي)، وكان يعبر عنه أحيانًا بالمقاصد، كما فعل حين استعرض المقاصد الكلية لسورة البقرة (٣)، وحين عرض لمقاصد سورة الرعد، قال: "وتستطيع أن تُجمل هذه المقاصد السامية في أنها إثبات التوحيد والمعاد، وبيان ما ينتج من الإيمان بهما من أخلاق فاضلة، وجزاء حسن كريم، والمقابلة بين ذلك وضده كما هي عادة القرآن" (٤). وأما التفسير الموضوعي للآيات، فيظهر عند الشيخ في حرصه على جمع الآيات في الموضوع الواحد، ومن أمثلة ذلك:

стр. 1420

أ - عند قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] جمع الشيخ البنا طائفة كبيرة من آيات الإنفاق، وتناولهما تناولًا موضوعيًا شرح به (سياسة القرآن في الإنفاق)، قال (١): وتدور سياسة القرآن الكريم في الإنفاق على هذه القواعد: ١ - الترغيب في الإنفاق في سبيل الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. ٢ - الترهيب والتخويف من البخل وكنز المال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]. ٣ - التحذير من الإسراف والتنبيه إلى التوسط: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٧]. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]. ٤ - إيثار الأقرب فالأقرب والأحوج فالأحوج: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]. ٥ - اللين في الرد عند الاعتذار: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ [الإسراء: ٢٨].

стр. 1421

٦ - التنزه عن المنِّ والأذى عند العطاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]. ٧ - ابتغاء وجه الله ﵎ وطيب النفس بالنفقة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]. ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤]. ٨ - افتراض الزكاة على القادرين لتنفق في وجوه من ضروريات الإصلاح الاجتماعي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. ٩ - الإشادة بفضل الإيثار والتطهر من الشح: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. ١٠ - تفضيل السر على العلانية إلا لحكمة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].

стр. 1422

ولا شك أن لهذه السياسة أثرها البالغ في صلاح المجتمع الإنساني وتحقيق معنى التكافل والعدالة واستقامة الأوضاع فيه، ولا شك أن من لاحظها وأنفق مما رزقه الله في حدود قواعدها مع إقامة الصلاة والإيمان بالغيب فهو من خيار المتقين المهتدين بهداية القرآن الكريم. * أفضل نظام اقتصادي: ولا شك أن القرآن بسياسته هذه في الإنفاق قد أقام الاقتصاد الاجتماعي على المزج بين أصلين أساسيين أولهما: الاعتراف بمواهب الفرد وحقه في ثمرات كسبه وعدم الحد من جهوده في هذه السبيل ما دام يكتسب من حلال طيب لا إثم فيه ولا عدوان، وهذا هو الأساس الذي قام عليه النظام الذي يسمونه في هذا العصر (بالرأسمالية) وهو وحده لا يؤدي إلى صلاح المجتمع أو استقرار الأمور بين الناس على وفاق وصفاء فكان لا بد من المزج بينه وبين الأصل الثاني وهو: تقرير حق المجتمع في كسب الفرد ووجوب التكافل بين أبناء الأمة الواحدة وهو الأساس الذي قام عليه النظام الذي يسمونه في هذا العصر (بالشيوعية) وهو وحده لا يؤدي كذلك إلى صلاح المجتمع أو استقرار الأمور فيه بين الناس على وفاق وصفاء فكان من المزج بينه وبين الأصل الأول. فجاء نظام القرآن بهذا المزج بين أفضل ما في النظامين وقدمه للناس سائغًا في صورة (اشتراكية معقولة) عمادها تقديس الأخوة، وروحانية العاطفة، وحب الخير، والإيمان بالجزاء في الدنيا والآخرة، وليس ذلك فحسب -فإن من النفوس من لا تهزه هذه النواحي وحدها- بل لاحظ أيضًا وجوب تدخل الدولة وحماية هذا السمو بالتشريع بل بالقتال -إذا احتاج الأمر عند اللزوم- ومن هنا قال الخليفة الأول ﵁: والله لو منعوني عَناقا كانوا يؤدونها لرسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها.

стр. 1423

* تقريب: كما لاحظ الإِسلام بأوضاعه الاقتصادية الدقيقة في الكسب والإنفاق التقريب بين الطبقات بحيث ضاقت الشُقَّةُ بين الثروة والفقر إلى أقصى حد. فمن حيث الأغنياء: حدد أمامه أبواب الكسب، وفتح لهم أبواب الإنفاق، وفرض عليهم الزكاة وحرم الربا وحيل بينهم وبين مظاهر الترف ولم تعتبر ثروتهم في عرف المجتمع الإِسلامي مظهرًا من مظاهر التميز والاستعلاء، وأنذروا بأشد الوعيد في الدنيا والآخرة إذا لم يؤدوها حق الله والناس في المال. ومن حيث الفقراء: رفع عنهم معنى النقص الاجتماعي بسبب الفقر وفرض عليهم العمل وفتح أمامهم أبوابه، وجُعِلُوا عند العجز في ضمان الأقرباء أولًا والأغنياء من الأمة ثانيًا، وبيت مال الدولة ثالثًا، وتقرر بالتشريع حقهم المعلوم في أموال الأثرياء، ثم أُلزمت الدولة بعد ذلك بملاحظة هذا التوازن والمبادرة إلى المحافظة عليه كلما عرضت له عوارض الاختلال، ووضعت في يدها كل السلطات التشريعية والتنفيذية اللائقة لإصلاح الحال، وليس بعد ذلك زيادة لمستزيد، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا (١). ب - وعند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧] ذكر الشيخ البنا ﵀ الآيات الأخرى التي تتفق في المعنى مع هذه الآية، وشرح الآيات كلها شرحًا موضوعيًا جمليًا، فقال: تشير الآية الكريمة إلى صفة من صفات الكفار وحجة من حججهم الواهية التي يتعللون بها في تكذيب الرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- ويحاولون بها التشكيك في صدقهم ويعترضون بها رسالاتهم، وفي الآيتين السابقتين عرض لبعض هذه الحجج فهم يستبعدون البعث بعد الموت وهم يستعجلون العذاب

стр. 1424

الدنيوي ويستبطئون نزوله بالمخالفين، ويريدون أن يتخذوا من هذا وذاك حجة لهم على أن الرسول ﷺ ليس بصادق، وقد علمت ما في ذلك من المغالطة والضعف. وهذه الآية تقرر أن هؤلاء أخذوا يقترحون على الرسول ﷺ أن ينزِّل عليهم آية يستدلون على صدقه، وقد تكرر هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم، بل ورد في هذه السورة نفسها في موضع آخر قول الله ﵎: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾ [الرعد: ٢٧]. وفي سورة الأنعام ورد في لك في موضعين، ففي الأول منهما اقترحوا آية معينة: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] , وفي الثاني اقترحوا آية مبهمة: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ [الأنعام: ٣٧]. وفي سورة طه: ﴿وَقَالوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ [طه: ١٣٣]. وفي سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ [يونس: ٢٠]. وفي سورة الإسراء ذكر لآيات مفصلة اقترحوها: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٣]. وقد تكرر طلبهم نزول الملك بدلًا من الرسول البشري في آيات كثيرة غير سورة الأنعام ففي سورة الحجر: ﴿وَقَالوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا

стр. 1425

مُنْظَرِينَ (٨)﴾ [الحجر: ٨]. وفي سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ [هود: ١٢]. وفي سورة الفرقان: ﴿وَقَالوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (وقالوا مسحورا) [الفرقان: ٨]. وجاء في سورة العنكبوت أنهم اقترحوا آيات لا آية واحدة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقد بيَّن القرآن الكريم أن تلك كانت سنة الأمم السابقة أن يقترحوا على أنبيائهم الآيات المعجزات، وأن يستعجلوهم بالعذاب، فلقد قالت ثمود من قبل لصالح ﵇: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ [الشعراء: ١٥٤]. وقال أصحاب الأيكة لشعيب ﵇: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ [الشعراء: ١٨٧] وقال فرعون لموسى ﵇: ﴿قَال إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ [الأعراف: ١٠٨]. وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة جميعًا الرد على مقترحاتهم هذه بما يفحمهم ويلجمهم، وبينت أن السبب في عدم إجابتهم ليس العجز عنها، فإن الله على كل شيء قدير، وإنما السبب في ذلك اعتبارات جليلة وحكم سامية وردت منثورة في هذه الآيات، وهذه هي حكمة تكرارها وورودها في سور كثيرة ومن هذه

стр. 1426

الاعتبارات والحكم التي تقتضي عدم إجابتهم إلى ما سألوا: ١ - بيان أن ذلك ليس من مهمة الرسول عليهم الصلاة والسلام فهم دعاة هداية وأساتذة إرشاد يبينون للناس الحق ويدعونهم إليه، فمن اهتدى فقد فاز ومن أبى فقد خسر، وليس من مهمة الرسل ولا من وظائفهم التصرف في نواميس الكون ونظمه، فذلك لله وحده إن شاء ذلك فهو على كل شيء قدير، وإن لم يرده فلا قدرة لأحد عليه، وقد أُشير إلى هذا في الجواب عليهم في كثير من الآيات السابقة مثل قوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠] , ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد؛ ٧] , ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] , ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]. وإنما آثر وصف الإنذار للرسل في هذه الآيات الكريمة مع أنهم -صلوات الله عليهم- مبشرون ومنذرون كما جاء في سورة النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... ﴾ [النساء: ١٦٥] , لأن هذا الوصف هو الأليق والأخلق بهذه النفوس العنيدة والرؤوس الصلبة التي تأبى الإيمان إلا أن تُقْسَر عليه قَسْرًا، فالمقام يقتضي هذا الوصف، ولهذا أُفرد بالذكر دون الوصف الثاني وهو التبشير لأنه مقتضى المقام، وهذا المعنى هو الغالب على النفوس البشرية أن تقاد بالقهر والتخويف أكثر مما تقاد بالحب والتبشير. ٢ - بيان أن حكمة الله تعالى قد اقتضت أن الأمة التي تقترح الآيات ثم تكذب بها لا بد أن تُعَذَّبَ عذابَ استئصال ويأخذها الله تعالى أخذ عزيز مقتدر. فثمود حين كذبت صالحًا أخذتها الصيحة والرجفة، وفرعون حين كذب موسى أخذه الله هو وجنوده فنبذهم جميعًا في اليم وهكذا .. ولما كانت نبوة محمد ﷺ نبوة خالدة أبد الدهر، وكانت أمته هي الوارثة إلى يوم القيامة، وقد علم الله من عناد هؤلاء الكفار وصلابة رؤوسهم أنهم لن يؤمنوا حتى ولو جاءتهم هذه

стр. 1427

الآيات كما قال ﵎ في سورة الأنعام: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩] وكما قال ﵎ في هذه السورة نفسها: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] لما علم الله منهم ذلك لم يجبهم إلى ما طلبوا، إذ لو أجابهم فكذبوا كما فعلت الأمم السابقة لاستأصلهم وأبادهم وذلك مخالف لمقتضى بقائهم ووراثتهم، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩] , وقد صرحت به سورة الحجر في قوله ﵎: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ [الحجر: ٨]. وقد يقال إن هذه القاعدة قاعدة الاستئصال لا تطبق على الأمة المحمدية فقد أمَّنها الله برسوله وبالاستغفار، فقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣] وهو قول محتمل. ٣ - بيان أن أفضلَ الإيمان ما كان عن طواعيه واختيار لا عن إلجاء واضطرار، وما كان عن نظر سليم وفكر ثاقب حكيم وتدبر لآيات الله وتقديمس لقدرته وعظمته في مخلوقاته والمتجلية في إبقاء آيات كتابه الكريم. فالمعجزة الكبرى والآية الخالدة لنبينا ﷺ هي القرآن الكريم وفيه الكفاية كل الكفاية من تدبير وتذكر، وقد ورد ذلك صريحًا في سورة العنكبوت في قوله تعالى جوابًا لهم على اقتراح الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١] وقد روى الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". وقد سبق في هذا التفسير في سورة العنكبوت عند قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا

стр. 1428

أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّه﴾ [الآية: ٥٠] , ذكر اعتراض وجوابه قال: (هذا وإن بعض الكفار وبعض الشاكِّين والمتشككين في الإِسلام يقولون لو أن محمدًا ﷺ أوتي آية بينة ومعجزة واضحة تدل على نبوته ورسالته لما طلب قومه الآية، وأن هذا الجواب بقدرة الله على تنزيل الآية ومعنى العلم عن أكثرهم لا تقوم به الحجة عليهم المبطلة لحق طلبهم). ثم أجاب عن هذا بما خلاصته ما قدمناه من: أن القرآن هو المعجزة القطعية الباقية الخالدة لرسول الله ﷺ على أن الجواب لم يقتصر على ما ذكر بل قد علمت أن الإجابات تعددت تلفت أنظارهم إلى حكمة الامتناع عن الإرسال بالآيات الخارقة. ويقال أيضًا: إنه لما كانت أسئلتهم أسئلة تعنت وإحراج، لا أسئلة تثبت واسترشاد ناسب أن يجابوا بمثل هذه الإجابات: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أكَثْرَ المفسرون في بيان المعنى المراد بالهادي في هذه الآية، فذهب بعضهم إلى أن المراد به: الله ﵎، وذهب آخرون إلى أنه: محمد ﷺ أو النبي أيا كان أو قائد يقودهم أو داع يدعوهم إلى الخير. كل ذلك مروي بأسانيده، وقال ابن جرير بعد أن أورد كثيرًا من هذا: (وقد بينت معنى الهداية، وأنه الإِمام المتبع الذي يقدم القوم، فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خلقه. ٨ - تناولُه للقضايا العلمية التي تشير إليها الآيات: وقد كان تناول الشيخ البنا لهذه القضايا في اعتدال ودون إسراف ولا تكلف، وذلك وفق المنهج الذي ذكره في المقدمة التي كتبها، وأشرنا إليها سابقًا، إذ عدَّ من مزالق المفسرين في القديم والحديث الغُلُو في تطبيق آيات القرآن على العلوم الكونية، وذكر أنه تكلف يخرج بالقرآن عن مقصده من الهداية والإصلاح. وفي سورة الرعد عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] عرض الشيخ لحكمة ذكر المظاهر الكونية في القرآن، وحد ما وصل

стр. 1429

إليه العقل الإنساني في معرفة هذه الظواهر، ثم قال: ونستطيع بعد ذلك أن نلخص موقف القرآن من العلوم الكونية العصرية وغير العصرية مما سبقها أو مما سيلحقها أو موقف هذه العلوم من القرآن الكريم في هذه النقاط: ١ - ليست مهمة القرآن شرح بحوث هذه العلوم تفصيليًا، وإنما تَركَ ذلك للعقل الإنساني يكشف في كل طور من أطوار رقيه وكماله جزاء منه يتناسب مع مقدرته وما أتيح له من وسائل البحث والإدراك السليم. ٢ - إنما عرض القرآن لما عرض له من هذه البحوث تنبيهًا لما فيها من دقة الصنع وجمال الإبداع ليكون ذلك حافزًا إلى معرفة الله وصدق الإيمان به كما يكون حافزًا إلى دوام البحث والنظر كذلك. ٣ - إن هذا لم يمنع القرآن الكريم من أن يتعرض لكثير من النواميس الدقيقة في هذه العلوم إرشادًا للخاصة من الناس وإثباتًا لنسبة هذا الكتاب الكريم إلى العليم الحكيم. ٤ - كان أسلوب القرآن في التكلم عن هذه المظاهر الكونية أسلوبًا معجزًا حقًّا ... فيه إجمال وفيه دقة وفيه وضوح إلى جانبهما فهو يرضي النفس الفطرية كما يشبع نهمة الفكرة العلمية كما لا يمكن أبدًا أن يصطدم في مرونته وسعة معاني ألفاظه بنتائج البحث العلمي أيأ كان في أي عصر من العصور وهذا من أبلغ وجوه إعجاز القرآن. ٥ - إن القرآن بهذا الأسلوب فارق ما في أيدي الناس مما يزعمونه التوراة والإنجيل، فقد امتلأت بالتفريعات الدقيقة لهذه العلوم. ومن الإشارات العلمية التي ذكرها البنا في تفسيره، ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣] "ولا تنافي بين ما جاء في القرآن الكريم من التعبير بهذه الألفاظ.

стр. 1430

يعني ألفاظ المد والبسط والفرش - وما يقوله علماء الفلك من كروية الأرض، فإن كل جزء من أجزاء سطح الأرض يبدو في رأي العين ممتدًا مبسوطًا، وحقيقة وضعه تكاد تكون كذلك، إذ لا يتوفر فيها معنى التكوير والتقوس لسعة المحيط، والقرآن لا يريد تنبيه الناس إلى المعنى العلمي البحت في شأن الأرض، ولكنه يريد تنبيهم إلى الاعتبار والتفكر فيما يقع تحت حواسِّهم منها، وهذا الذي يقع تحت حواسهم منها هو ما يستخدمونه فعلًا، ويعيشون عليه فعلًا، وهذا الجزء لا مظهر فيه ولا حقيقة ولا حِسَّ لمعنى التقوس الذي لا يكاد يُدرك، فلهذا أثر التعبير بالمد والبسط والفرش ونحوها (١). وعند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] قال الشيخ: "وأنت إذا عرفت ما قرره النباتيون من أنَّ الأثمار في كل أصناف النبات لا يكون إلا بعد الإخصاب الذي يكون بعد التلقيح، وأن الأزهار النباتية منها ما هو ذكر، ومنها ما هو أنثى، ومنها ما هو مزدوج، ففيه أعضاء الذكورة والأنوثة معًا، علمت مبلغ الإعجاز في هذه الآية الكريمة، وأنها تشيرُ إلى قانون نباتي لم يكتشف إلا في الأعصار الحديثة) (٢). ٩ - عنايتُه بالقضايا الفقهية مع استطراد أحيانًا: ومن أمثلة ذلك استطراده في أحكام الصلاة عند قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] إذ قال: "وهناك بحوثُ طريفة لطيفة نلم بها في اختصارَ وإيجاز لما فيها من فائدة وتنبيه على دقائق الآيات التي ستمر بنا بعد ذلك متصلة بأحكام الصلاة" (٣). ثم تحدث عن الصلاة في القرآن والسنة، وحكم ترك الصلاة في الفقه الإِسلامي، وكيف فرضت الصلاة ومتى فرضت؟ وعن آثار الصلاة الروحية والاجتماعية، وعن

стр. 1431

كمال الخشوع في الصلاة، وعن علاج الوسوسة في الصلاة (١). وعند قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] استطرد الشيخ البخاري ذكر طائفة من أحكام الجزية وفلسفتها التشريعية (٢). ١٠ - موقف الشيخ البنا من الخوارق والمعجزات ، عرض الشيخ الشيخ البنا ﵀ لموقف الناس من الخوارق والمعجزات، ما بين مُفرط ومفرِّط، ثم بيَّن المنهج السديد في ذلك، فقال تحت عنوان (موقف الناس من المعجزات): أ. أنكر كثير من المرتابين المعجزات قليلها وكثيرها ما تقدم منها وما تأخر بحجة أنها تخالف النواميس الكونية، ولا تتفق مع نتائج البحوث العلمية، وقد يحتج بعضهم يقول الله تبارك: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] , وقد يلجأ بعضهم إلى تأويل ما ورد من النصوص القرآنية مشيرًا ومصرحًا بهذه المعجزات والخوارق. وهؤلاء جاحدون جامدون متعسفون متكلفون ولا دليل لهم فيما ذكروا، فإن نواميس الكون التي علمها الناس ليست هي كل شيء، ولا زالت هناك نواميس لم تعرف بعد، ولعلها أكثر مما عرفوا، بل إنها لكذلك، ونتائج العلم الحديث لا تزال تترقى وتتغير وتتبدل بحكم ترقي الفكر الإنساني وتقدمه، والآية الكريمة حجة عليهم لا لهم، فقد علمنا بحكم الواقع أن من نواميس الله خرق النواميس الكونية لتأييد رسله وأنبيائه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، وكثير من أمثال هذه العجائب تقع بين ظَهْرانينا ولا يقال إنها خرق لنواميس الكون، والآيات الواردة بهذه المعجزات في صراحتها ووضوحها لا تحتمل التأويل إلا من متلاعب باللفظ صارف له عن مدلوله صرفًا تامًّا، فضلًا عن أن هذا التأويل لا موجب له بعد ما بيناه.

стр. 1432

ب - وفريق ثان سلم بالمعجزة من حيث هي وبوقوعها في الأمم السابقة على يد الأنبياء السابقين -صلوات الله وسلامه عليهم- كما ورد ذكر ذلك في القرآن، ولكنه نفاها فيما يتعلق بأمة محمد ﷺ ورسالته نفيًا تامًّا، واحتج لذلك بأنها لم ترد في القرآن، وبتصريح القرآن برد الكفار عن مقترحاتهم هذه مع عدم إجابتهم إليها، حتى ورد ذلك صريحًا في نحو الآية الكريمة: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وجرَّحوا ما جاء في ذلك من الأخبار الصحيحة وأوَّلوا ما رأوا أنه يحتمل التأويل منها، وقالوا إن المعجزة الكبرى لنبينا ﷺ هي القرآن الكريم، واستدلوا لذلك بما قدمت من حديث الشيخين والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". قالوا فهذا الحديث الصحيح والآيات الكريمة تنطق بأن آية النبي ﷺ هي القرآن الكريم ولا نعدل عن ذلك لآثار مهما صحت فهي لا تنهض لمعارضة هذه الأدلة. وهؤلاء قوم غالون قد ورَّطوا أنفسهم فيما لا موجب له من تجريح كثير من الأحاديث والأخبار الصحيحة التي لا مغمز فيها سندًا ولا متنًا وكلها تنطق بغرائب المعجزات التي وقعت على يد سيدنا محمد ﷺ كما ورد في حديث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ وقد أخرجه الستة إلا أبا داود، وكما في حديث تكثير الطعام وقد رواه الشيخان من طرق عدة، وكما في الأحاديث الكثيرة التي استجاب الله فيها دعاء نبيه ﷺ أو كف عنه الأذى أو أخبر فيها بما سيقع لأمته من بعده، وكلها صحاح لا مطعن عليها ولا داعي لتأويلنا أو إنكارها من عقل أو نقل. ج - وفريق ثالث سلَّم بالمعجزة من حيث هي وبوقوعها للأنبياء السابقين -صلوات الله وسلامه عليهم- وبوقوعها في هذه الأمة على يد رسول الله ﷺ -

стр. 1433

متى صح بذلك الخبر، ولكنه نفى أن يكون ذلك لإثبات الرسالة، ولكنه لكشف الأذى أو لإجابة الدعاء أو لتثبيت أهل الإيمان ... إلخ، ولم يقع شيء فيها إجابة لمقترحات المشركين أو إقناعًا لهم بصدق الرسول ﷺ إذ إن دعامة الإيمان في هذا الدين الإسلامي الحنيف الاستدلال العقلي السليم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقالوا إن في ذلك جمعًا بين الأدلة التي نفت والتي أثبتت فيكون المراد بالنفي نفي الإقناع والاستدلال، ولكون المراد بالإثبات إثبات الوقوع من حيث هو، وهو مذهب حسن ورأي معقول لا حرج على قائله ولا الأخذ به، إذ كل ما هنالك تنزيه الإسلام عن أن يستخدم هذه الخوارق كنوع من أنواع الأدلة الإقناعية، وهو كذلك. وقد أكثر جماعةٌ من إيراد المعجزات وتلمس الخوارق والتسليم بكل ما ورد من ذلك من طريق واه أو ضعيف بل موضوع، يريدون بذلك أن يستدلوا لعظمة هذا الدين وعظمة النبي الذي جاء به ﷺ فأساءوا من حيث أرادوا الإحسان ودفعوا غيرهم إلى إنكار الخوارق جملة وللقَدْح فيها ولا لزوم لشيء من هذا، فإن هذا الدين عظيم متين بوضوح حجته واستقامة طريقه، والرسول ﷺ كريم أمين بما اختصه الله به من عظيم الفضائل وجميل الصفات وعموم البعثة وخلود الأثر: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] (١). ونختم الحديث عن الشيخ البنا ﵀ بكلام بديع جميل كتبه في تحليل نفسية النبي ﷺ فقال تحت عنوان: بحث تحليلي لنفس المصلح أو حال النبي ﷺ قبل البعثة: أرأيت رجلًا سليم الفطرة طيب النفس ذكي الفؤاد خُلق لغيره لا لنفسه وأُعدَّ ليكون مصلحًا كريمًا زعيمًا فهو دقيق الحس دقيق الشعور ثائر العاطفة يقظ العقل

стр. 1434

بعيد الآمال كبير المطامع في الإصلاح طموح إلى المجد، كل همه أن يكون نافعًا لغيره أو أن يدفع الضر عن سواه. مثِّلْ لنفسك هذا الرجل بعواطفه الحية ونفسه الكبيرة ثم ضَعْهُ في أمة فَسد أمرها واختل نظامها وقبحت عاداتها رغم ما فيها من استعداد للخير وتقبل الصلاح وانطباع على مكارم الأخلاق، فهو يرى بعيني رأسه انتهاك الحرمات وارتكاب الموبقات وقبح العادات وانتشار الظلم ومخالفة الحق وفُشُوّ الفظائع والتدابر، ولاحظ مع هذا أن هذا الرجل الذي يشعر بكل ما حوله شعورًا قويًّا حادًّا ويدركه إدراكًا جليًّا واضحًا وينكره إنكارًا شديدًا، ويود أن يغير هذا الحال إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، لم يدرس وسائل إصلاح المجتمعات، ولم يتعلم طريق قيادة الجماعات ولم يتلق فلسفة النفسيات. ثم قل لي بربك، ماذا يكون شعور هذا الرجل أمام ما يحيط به؟ وهو يعلم كما قلت لك ما يحيط به ولا يرضى عنه؛ لأنه لا يتفق مع فطرته وإدراكه ويود أن يغيِّره ويأخذ الناس بالإقلاع عنه؛ لأنه يلمس فساده ولا يجد وسيلة إلى ذلك ولا يعلمها، فكلما حاول الإرشاد افترقت أمامه السبل وتَشَعَّبَت بين يديه الطرق، لا شك أنك معي في أن هذا الرجل يحمل عبئًا من الضيق النفسي والحيرة الفكرية تنوء بحمله الجبال. إذا عرفت هذا فاعلم أنه صورة مصغرة تقريبية لحال النبي ﷺ قبل بعثته فقد كان ﷺ أزكى الناس فطرة وأقواهم حسًّا وشعورًا وعقلًا وتفكيرًا. فهو أشدهم إدراكًا لما عليه فساد المجامع والأمم في عصره فطرةً لا تعليمًا، ثم هو يَوَدُّ من صميم فؤاده أن يصل إلى طريق لهدايتهم أو يعلم سبيلًا لإرشادهم، ثم هو أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يدرس فلسفة الإصلاح على أستاذ أو معلم، فأي ضيق نفسي كان ينتابه ﷺ قبل أن يَتَنبَّأ؟ ! وأي حيرة فكرية كانت تتوزع عقله الشريف قبل أن يُرسل؟ ! حتى أراد الله ﵎ أن يُريحه من عناء هذا العبء وأن يُرشده إلى أقوم طرق الإصلاح، فأنزل عليه وحيه وأرشده بقرآنه وألهمه السداد

стр. 1435

في كل خطواته: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. ولو عرفت هذا أيضًا سهل عليك أن تعلم أن سورة (الضحى) وسورة (ألم نشرح لك صدرك)، لم تكونا إلا تصويرًا لحالته النفسية ﷺ قبل البعثة وذكْرًا لمنة الله عليه ﷺ بعدها، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٦ - ٧]، أي: حائر الفكر في طريق إصلاح قومك وإرشادهم فهداك بوحيه إلى أفضل هذه الطرق وأنجعها وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، بالهداية إلى طريق الإصلاح بعد انقباضه حينًا من الدهر لعدم معرفة هذا الطريق: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح: ٢ - ٣] ووضعنا عنك حمل التألم لما عليه قومك مع عجزك عن علاجهم أولًا، ووضعنا عنك ما كنت تشعر به من الضيق الشديد الذي تنوء به الجبال فأرشدناك إلى طريق الهداية والإرشاد ورفعنا لك ذكرك. هذا هو المقصود والله أعلم وكل ما يتقوله الذين في قلوبهم زيغ من أغرار الملاحدة والمبشرين يريدون انتقاص المصطفى ﷺ فكل ما يتقولونه عَفَنٌ في العقول وزَيغٌ في العقائد. وهذا المعنى إنما يُدْركَه مَنْ صَفت نفسه، وخَلُصَ من رق الغايات عمله، وشعر بما عليه قومه وَرَدَّ إصلاحه من صميم قلبه .. فاللَّهم أرشدنا إلى أقوم السبل لا يُرشدُ إلى أقومها إلا أنت (١).

стр. 1436

الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ " هو الأستاذ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي: عالم إسلامي أديب باحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر ولد في نقطة (من بلاد تونس) وانتقل إلى تونس مع أبيه سنة (١٣٠٦) وتخرج بجامع الزيتونة ودرس فيه، وأنشأ مجلة (السعادة العظمى) سنة (١٣٢١ - ١٣٢٣) وولي قضاء بنزرت (١٣٢٣) واستعفى وعاد إلى التدريس بالزيتونة (سنة ٢٤) وعمل في لجنة تنظيم المكتبتين العبدلية والزيتونة. وزار الجزائر ثلاث مرات ويقال أصله منها، ورحل إلى دمشق (سنة ٣٠) ومنها إلى الأستانة، وعاد إلى تونس (سنة ٣١) فكان من أعضاء (لجنة التاريخ التونسي) وانتقل إلى المشرق فاستقر في دمشق مدرسًا في المدرسة السلطانية قبل الحرب العالمية الأولى. وانتدبته الحكومة العثمانية في خلال تلك الحرب للسفر إلى برلين، مع الشيخ عبد العزيز جاويش وآخرين، فنشر بعد عودته إلى دمشق سلسلة من أخبار رحلته في جريدة المقتبس الدمشقية. ولما احتل الفرنسيون سورية انتقل إلى القاهرة (١٩٢٢) وعمل مصححًا في دار الكتب خمس سنوات، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية فنال شهادتها. ودرس في الأزهر وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية وتولى رئاستها وتحرير مجلتها. وترأس تحرير مجلة (نور الإسلام) الأزهرية ومجلة (لواء الإسلام) ثم كان من هيأة كبار العلماء، وعين شيخًا للأزهر أواخر (١٣٧١) واستقال سنة (٧٣) وتوفي بالقاهرة ودفن بوصية منه في تربة صديقه أحمد تيمور باشا، وكان هادى الطبع وقورا، خص قسمًا كبيرًا من وقته لمقاومة الاستعمار وانتخب رئيسًا لجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا (١). إن من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة، أن يهيئ لها رجالًا، أقوياء الإيمان أشداء في الحق، يبنون لها دينها، ويقفون بالمرصاد لكل مارق وماكر. ولقد كان

стр. 1437

شيخنا ﵀ من هؤلاء فكانت حياته كلها وقفًا على هذه الأمة، وذلك بما منحه الله من قلم سيال، وأسلوب بليغ، وفكر ثاقب، يمد هذا كله عقيدة راسخة. تلقى الشيخ علومه -كما قلت- في تونس، ومن شيوخه الشيخ سالم أبو حاجب، والشيخ إبراهيم الرياحي ﵏. ولقد كان في جهاد مستمر، لم تغره الدنيا بمغرياتها المختلفة من منصب وجاه ومال، فتحول بينه وبين أن يصدع بالحق. فقد تعرض لحكم الإعدام مرتين، بسبب استمساكه بحق الإسلام والوطن الإسلامي عليه، فكان له المقام الأوّل بين المجاهدين للاحتلال الفرنسي في تونس، ثم هاجر إلى سوريا، ولما أن حدثت الطامة بسقوط الخلافة واحتلال الفرنسيين لبلاد الشام، رحل إلى مصر محتسبًا النية في الهجرة، ولمصر طبيعة تحمد في إكرام من يفد إليها، وبخاصة إذا كان من هؤلاء الأعلام، فتضمه حنانًا وعطفًا فلا يشعر بغربة. عمل الشيخ -كما مر- مدرسًا في كلية أصول الدين، ثم عين شيخًا للأزهر. وهو من الشيوخ القلائل الذين تركوا هذا المنصب قبل وفاتهم. ولقد آمن الرجل بالقرآن، وثيقة خالدة وكتاب حياة للأحياء، فكان يرمي بسهامه الصائبة، كل من أراد أن يحوم حوله، بشبهة تشكيك أو تأويل فاسد بعيد. فمواقفه وكتاباته في الرد على فريد وجدي، الذي عد معظم محكم القرآن متشابهًا (١)، وردوده على الشيخ حامد محيسن ﵀، في تأويل آيات قصة أيوب ﵇ في سورة (ص) وغيرها، ورده على صاحب الفن القصصي في القرآن، ودحضه لأباطيل المستشرقين أمثال جولد تسهير، كل هذا ينبغي أن نسجله بكل إكبار للشيخ (٢) ﵀.

стр. 1438

إن ميزات العالم من جرأة، وعمق في البحث، وسعة في الإطلاع، ودأب على النهل من العلم، كل ذلك اجتمعت له، ولو لم يكن له إلا ذلك التراث الهائل من المقالات المتعددة، في كثير من الصحف والمجلات، لكان ذلك شيئًا عظيمًا، يذكر في ميزان العلم وأهله. ذكر له صاحب الأعلام (١) من التآليف: ١ - حياة اللغة العربية. ٢ - الخيال في الشعر العربي. ٣ - مناهج الشرف. ٤ - الدعوى إلى الإصلاح. ٥ - طائفة القاديانية. ٦ - مدارك الشريعة الإسلامية. ٧ - الحرية في الإسلام. ٨ - نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم. ٩ - نقض كتاب في الشعر الجاهلي. ١٠ - خواطر الحياة. ١١ - بلاغة القرآن. ١٢ - السعادة العظمي. ومن مؤلفاته كذلك: ١٣ - رسالة في السيرة النبوية. ١٤ - القياس في اللغة العربية. ١٥ - محمد رسول الله ﷺ . وغيرها.

стр. 1439

يقول الأستاذ عبد الله عقيل سليمان العقيل في كتابه "من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة" عن الأستاذ محمد الخضر حسين: "وكان تمكن الشيخ محمد الخضر حسين في الدفاع عن الإسلام ومبادئه وقيمه مدعاة للتقدير، فتقدم لامتحان العالمية بالأزهر وكان رئيس اللجنة عبد الحميد اللبان، وقد أبدى الشيخ الخضر حسين من الرسوخ والتمكن في العلوم ما لا حدود له، حتى إن الشيخ اللبان قال عنه: إن هذا بحر لا ساحل له" وبهذا نال الشهادة العالمية الأزهرية وصار أستاذًا في الأزهر، ومدرسًا في كلية أصول الدين ... " ... تولى مشيخة الأزهر أواخر عام ١٣٧١ هـ، غير أنه ترك المشيخة محتسبًا في سنة (١٣٧٣ هـ - ١٩٥٣ م)، لأنه رأى القوم لا يسمعون النصح، ولا يلتزمون الأدب مع أهل العلم، فآثر البعد وترك المشيخة لمن يتزاحمون على المنصب في ظل الخضوع للحاكم الظالم والديكتاتور المستبد. سعدت بمعرفة أستاذنا الجليل وشيخنا الكبير، والتقيته مرات ومرات، وشرفنا بتوليه الأزهر، فهو أهل له، لكنه حين رأى تصرفات الضباط العسكريين من رجال الثورة وتسلطهم على البلاد والعباد، وانتشار الظلم والفساد، ومحاربة الدعاة إلى الله، وإلغاء الشورى، وفرض حكم الفرد الديكتاتوري المستبد، آثر ترك المشيخة، فهو أكرم وأكبر من أن يكون لعبة بأيدي هؤلاء الضباط الذين شرعوا بتطوير الأزهر بمسخ هويته، وإلغاء دوره العلمي الإسلامي، وإبعاد العلماء الصالحين وتقريب المرتزقة والمنتفعين من وعاظ السلاطين، وسدنة الظلمة من المنافقين والمتزلفين، الذين يسوغون للظلم ويباركون تسلطه على رقاب الناس ... ... لقد كان الشيخ محمد الخضر حسين من الذين يؤلفون لأخلاقهم، ويُحترقون لعلمهم، ويقدرون لمكانتهم، وكان التواضع زينته، وبذل العلم لطالبيه ديدنه، ومقارعة خصوم الإسلام والردّ على أباطيلهم من أولى مهماته ... ... إن أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين كان في القمة من علماء العصر

стр. 1440

الذين قدموا القدوة وضربوا المثل لما يجب أن يكون عليه العالم المسلم، أمام التحديات التي يواجهها من خصوم الإسلام في الداخل والخارج، فلم يضعف أمام المغريات ولم يهب التهديدات، بل وقف موقفًا صلبًا رافع الرأس يقول كلمة الحق، ويقدم النصح للراعي والرعية، وينتصب أمام الطواغيت من عبيد الدنيا والذين يأكلون الفتات من موائد الأعداء، ويتسلطون على أبناء جلدتهم من الضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم ولا طول، ولا يملكون من الأمر شيئًا ... إن العلامة محمد الخضر حسين قد استعلى بإيمانه على كل أولئك ولم تلن له قناة أو يتهالك على منصب، بل ركل المنصب بقدمه، حين رأى أنه صورة لا حقيقة، وألعوبة بيد الحكم المتسلط يملي عليه ما يشاء" (١). ولقد كان حريًّا بأن تقدره هذه الأمة، وخاصة علماؤها، فتخلد ذكره. ولكننا أمة أعظم مصائبها أنها تنسى. رحم الله الشيخ، وجزاه عن جهاده خير الجزاء، وسامح أمته في ما قصرت فيه من أجله. تفسيره: إذا أردنا أن نحصي تراث الشيخ في التفسير، فإننا نخرج بحصيلة كثيرة غير قليلة. ولقد كان من حقه أن تجمع هذه التفسيرات من مظانها، وتطبع في كتاب مستقل، ليفيد منه كل من أراد أن ينهل من هذا المنهل العذب. إن ما كتبه الشيخ عن القرآن وتفسيره، يمكن أن يكون منه عدة أجزاء، ونسأل الله أن يقيض لهذا التراث (٢)، من يجمعه ليسهل إطلاع الناس عليه، وله بذلك
следующие страницы →