← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ " هو الأستاذ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي: عالم إسلامي أديب باحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر ولد في نقطة (من بلاد تونس) وانتقل إلى تونس مع أبيه سنة (١٣٠٦) وتخرج بجامع الزيتونة ودرس فيه، وأنشأ مجلة (السعادة العظمى) سنة (١٣٢١ - ١٣٢٣) وولي قضاء بنزرت (١٣٢٣) واستعفى وعاد إلى التدريس بالزيتونة (سنة ٢٤) وعمل في لجنة تنظيم المكتبتين العبدلية والزيتونة. وزار الجزائر ثلاث مرات ويقال أصله منها، ورحل إلى دمشق (سنة ٣٠) ومنها إلى الأستانة، وعاد إلى تونس (سنة ٣١) فكان من أعضاء (لجنة التاريخ التونسي) وانتقل إلى المشرق فاستقر في دمشق مدرسًا في المدرسة السلطانية قبل الحرب العالمية الأولى. وانتدبته الحكومة العثمانية في خلال تلك الحرب للسفر إلى برلين، مع الشيخ عبد العزيز جاويش وآخرين، فنشر بعد عودته إلى دمشق سلسلة من أخبار رحلته في جريدة المقتبس الدمشقية. ولما احتل الفرنسيون سورية انتقل إلى القاهرة (١٩٢٢) وعمل مصححًا في دار الكتب خمس سنوات، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية فنال شهادتها. ودرس في الأزهر وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية وتولى رئاستها وتحرير مجلتها. وترأس تحرير مجلة (نور الإسلام) الأزهرية ومجلة (لواء الإسلام) ثم كان من هيأة كبار العلماء، وعين شيخًا للأزهر أواخر (١٣٧١) واستقال سنة (٧٣) وتوفي بالقاهرة ودفن بوصية منه في تربة صديقه أحمد تيمور باشا، وكان هادى الطبع وقورا، خص قسمًا كبيرًا من وقته لمقاومة الاستعمار وانتخب رئيسًا لجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا (١). إن من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة، أن يهيئ لها رجالًا، أقوياء الإيمان أشداء في الحق، يبنون لها دينها، ويقفون بالمرصاد لكل مارق وماكر. ولقد كان

стр. 1437

شيخنا ﵀ من هؤلاء فكانت حياته كلها وقفًا على هذه الأمة، وذلك بما منحه الله من قلم سيال، وأسلوب بليغ، وفكر ثاقب، يمد هذا كله عقيدة راسخة. تلقى الشيخ علومه -كما قلت- في تونس، ومن شيوخه الشيخ سالم أبو حاجب، والشيخ إبراهيم الرياحي ﵏. ولقد كان في جهاد مستمر، لم تغره الدنيا بمغرياتها المختلفة من منصب وجاه ومال، فتحول بينه وبين أن يصدع بالحق. فقد تعرض لحكم الإعدام مرتين، بسبب استمساكه بحق الإسلام والوطن الإسلامي عليه، فكان له المقام الأوّل بين المجاهدين للاحتلال الفرنسي في تونس، ثم هاجر إلى سوريا، ولما أن حدثت الطامة بسقوط الخلافة واحتلال الفرنسيين لبلاد الشام، رحل إلى مصر محتسبًا النية في الهجرة، ولمصر طبيعة تحمد في إكرام من يفد إليها، وبخاصة إذا كان من هؤلاء الأعلام، فتضمه حنانًا وعطفًا فلا يشعر بغربة. عمل الشيخ -كما مر- مدرسًا في كلية أصول الدين، ثم عين شيخًا للأزهر. وهو من الشيوخ القلائل الذين تركوا هذا المنصب قبل وفاتهم. ولقد آمن الرجل بالقرآن، وثيقة خالدة وكتاب حياة للأحياء، فكان يرمي بسهامه الصائبة، كل من أراد أن يحوم حوله، بشبهة تشكيك أو تأويل فاسد بعيد. فمواقفه وكتاباته في الرد على فريد وجدي، الذي عد معظم محكم القرآن متشابهًا (١)، وردوده على الشيخ حامد محيسن ﵀، في تأويل آيات قصة أيوب ﵇ في سورة (ص) وغيرها، ورده على صاحب الفن القصصي في القرآن، ودحضه لأباطيل المستشرقين أمثال جولد تسهير، كل هذا ينبغي أن نسجله بكل إكبار للشيخ (٢) ﵀.

стр. 1438

إن ميزات العالم من جرأة، وعمق في البحث، وسعة في الإطلاع، ودأب على النهل من العلم، كل ذلك اجتمعت له، ولو لم يكن له إلا ذلك التراث الهائل من المقالات المتعددة، في كثير من الصحف والمجلات، لكان ذلك شيئًا عظيمًا، يذكر في ميزان العلم وأهله. ذكر له صاحب الأعلام (١) من التآليف: ١ - حياة اللغة العربية. ٢ - الخيال في الشعر العربي. ٣ - مناهج الشرف. ٤ - الدعوى إلى الإصلاح. ٥ - طائفة القاديانية. ٦ - مدارك الشريعة الإسلامية. ٧ - الحرية في الإسلام. ٨ - نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم. ٩ - نقض كتاب في الشعر الجاهلي. ١٠ - خواطر الحياة. ١١ - بلاغة القرآن. ١٢ - السعادة العظمي. ومن مؤلفاته كذلك: ١٣ - رسالة في السيرة النبوية. ١٤ - القياس في اللغة العربية. ١٥ - محمد رسول الله ﷺ . وغيرها.

стр. 1439

يقول الأستاذ عبد الله عقيل سليمان العقيل في كتابه "من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة" عن الأستاذ محمد الخضر حسين: "وكان تمكن الشيخ محمد الخضر حسين في الدفاع عن الإسلام ومبادئه وقيمه مدعاة للتقدير، فتقدم لامتحان العالمية بالأزهر وكان رئيس اللجنة عبد الحميد اللبان، وقد أبدى الشيخ الخضر حسين من الرسوخ والتمكن في العلوم ما لا حدود له، حتى إن الشيخ اللبان قال عنه: إن هذا بحر لا ساحل له" وبهذا نال الشهادة العالمية الأزهرية وصار أستاذًا في الأزهر، ومدرسًا في كلية أصول الدين ... " ... تولى مشيخة الأزهر أواخر عام ١٣٧١ هـ، غير أنه ترك المشيخة محتسبًا في سنة (١٣٧٣ هـ - ١٩٥٣ م)، لأنه رأى القوم لا يسمعون النصح، ولا يلتزمون الأدب مع أهل العلم، فآثر البعد وترك المشيخة لمن يتزاحمون على المنصب في ظل الخضوع للحاكم الظالم والديكتاتور المستبد. سعدت بمعرفة أستاذنا الجليل وشيخنا الكبير، والتقيته مرات ومرات، وشرفنا بتوليه الأزهر، فهو أهل له، لكنه حين رأى تصرفات الضباط العسكريين من رجال الثورة وتسلطهم على البلاد والعباد، وانتشار الظلم والفساد، ومحاربة الدعاة إلى الله، وإلغاء الشورى، وفرض حكم الفرد الديكتاتوري المستبد، آثر ترك المشيخة، فهو أكرم وأكبر من أن يكون لعبة بأيدي هؤلاء الضباط الذين شرعوا بتطوير الأزهر بمسخ هويته، وإلغاء دوره العلمي الإسلامي، وإبعاد العلماء الصالحين وتقريب المرتزقة والمنتفعين من وعاظ السلاطين، وسدنة الظلمة من المنافقين والمتزلفين، الذين يسوغون للظلم ويباركون تسلطه على رقاب الناس ... ... لقد كان الشيخ محمد الخضر حسين من الذين يؤلفون لأخلاقهم، ويُحترقون لعلمهم، ويقدرون لمكانتهم، وكان التواضع زينته، وبذل العلم لطالبيه ديدنه، ومقارعة خصوم الإسلام والردّ على أباطيلهم من أولى مهماته ... ... إن أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين كان في القمة من علماء العصر

стр. 1440

الذين قدموا القدوة وضربوا المثل لما يجب أن يكون عليه العالم المسلم، أمام التحديات التي يواجهها من خصوم الإسلام في الداخل والخارج، فلم يضعف أمام المغريات ولم يهب التهديدات، بل وقف موقفًا صلبًا رافع الرأس يقول كلمة الحق، ويقدم النصح للراعي والرعية، وينتصب أمام الطواغيت من عبيد الدنيا والذين يأكلون الفتات من موائد الأعداء، ويتسلطون على أبناء جلدتهم من الضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم ولا طول، ولا يملكون من الأمر شيئًا ... إن العلامة محمد الخضر حسين قد استعلى بإيمانه على كل أولئك ولم تلن له قناة أو يتهالك على منصب، بل ركل المنصب بقدمه، حين رأى أنه صورة لا حقيقة، وألعوبة بيد الحكم المتسلط يملي عليه ما يشاء" (١). ولقد كان حريًّا بأن تقدره هذه الأمة، وخاصة علماؤها، فتخلد ذكره. ولكننا أمة أعظم مصائبها أنها تنسى. رحم الله الشيخ، وجزاه عن جهاده خير الجزاء، وسامح أمته في ما قصرت فيه من أجله. تفسيره: إذا أردنا أن نحصي تراث الشيخ في التفسير، فإننا نخرج بحصيلة كثيرة غير قليلة. ولقد كان من حقه أن تجمع هذه التفسيرات من مظانها، وتطبع في كتاب مستقل، ليفيد منه كل من أراد أن ينهل من هذا المنهل العذب. إن ما كتبه الشيخ عن القرآن وتفسيره، يمكن أن يكون منه عدة أجزاء، ونسأل الله أن يقيض لهذا التراث (٢)، من يجمعه ليسهل إطلاع الناس عليه، وله بذلك

стр. 1441

ثواب الله وشكر الناس، وقبل أن نعرض لطريقته في التفسير ولنماذج منه ولآرائه في بعض المسائل، نود أن نتبين رأيه في تفسير القرآن. ١ - رأيه في تفسير القرآن: ليس الشيخ من هؤلاء، الذين يريدون أن يحولوا بين الناس وبين إرادة الفهم لكتاب الله، فيضع الحواجز والعراقيل. وليس من أولئك، الذين يريدون أن يجعلوا من تفسير القرآن، متنًا يركبه كل واحد دون خبرة. كما أنه لا يرضى عن الذين يريدون التوسع في تأويل آيات القرآن، لتوافق ما يستجد من نظريات العلم. وإنما يقف الشيخ وقفة المعتدل المتبصر. فألفاظ القرآن ومعانيه يمكن أن يفسرها من يملك العدة لذلك. وإذا تحدثت بعض الآيات الكريمة عن حقائق الكون والحياة، فلا ينبغي أن نضرب صفحًا عما تحدث عنه، بل يجب أن نؤمن بأنه الحق. يقول الشيخ في ذلك (١): وإذا كان الباطنية، يخرجون بألفاظ القرآن، عن مقتضى أوضاعها ومجازاتها المألوفة، فهناك طائفة أخرى تحمل ألفاظه على حقائقها اللغوية، وقد يكون حملها على المجاز أو التمثيل، هو الذي تقضي به البلاغة، ويستدعيه المقام الذي سيقت فيه الآية. ومن هنا كان من شرائط المفسر للقرآن، أن يكون ملمًّا بفنون البيان، ذا ألمعية مهذبة، تساعده على أن يعرف المواضع التي تفهم فيها الألفاظ على حقائقها. والمواضع التي يليق ببلاغة القرآن أن تفهم فيها على المجاز أو التمثيل. وحدث في هذا العصر آراء في التفسير، يذيعها نفر لا يرقبون في القرآن حكمة ولا بلاغة، كمن ينكر المعجزات الكونية بإطلاق، فيؤول آيات المعجزات على وجوه تجعلها من الحوادث العادية، وإن كان تأويلها لا يجرى على استعمال الألفاظ المعروف في اللغة، ولا تحتمله أساليب بلاغتها.

стр. 1442

هذه هي الطريقة الموصلة إلى التفسير الحق فيما نرى، وننظر بعد هذا في الأهداف التي يتجه إليها المفسر، فنقول: أنزل القرآن لمقصدين ساميين: ١ - هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة. ٢ - دلالته على صدق الرسول ﷺ ، فيما ادعاه من الرسالة، التي هي مطلع تلك الهداية العامة، فكان أعظم معجزة وأخلدها على وجه الأرض. فمن أراد تفسير القرآن، فليتجه إلى وجوه الهداية التي أرشد إليها من نحو العقائد والعبادات والأخلاق والآداب، وأحكام المعاملات، ويتجه مع هذا إلى الوجوه التي كان بها المعجزة الخالدة. وقد تفاوت آراء المفسرين، في البحث عن وجوه هدايته، ووجوه إعجازه، على قدر تفاوتهم في العلم والفهم. وتجاوز قوم حدود هذين الهدفين، وأطلقوا لأقلامهم العنان، فاستطردوا في التفسير مباحث لا يتوقف عليها فهم القرآن من حيث إنه هداية، أو مباحث لا يحتاج إليها في تقرير وجه من وجوه إعجازه، وإنما هي المسائل ترجع إلى علوم أخرى مستقلة بنفسها. كنت يومًا في مجلس حافل، فقال أحد الحاضرين: إن القرآن نزل للوعظ والإرشاد، ولا يضره أن يوجد فيه ما يكون مخالفًا لقضايا بعض العلوم القطعية. فقلت: نحن نعلم أن القرآن الكريم لم ينزل لبيان الحقائق العلمية، التي يبحث عنها في مثل العلوم الطبيعية والرياضية، ولكنه إذا عرج في طريق هدايته، على شيء مما يبحث عنه أرباب هاتيك العلوم، عرفنا حق اليقين أنه لا يقول إلا حقًّا، ولا أرى هذا الرأي الذي أبديته إلا أنك فرضته فرضًا، إذ لا تستطيع أن تأتينا بمثال يرينا، كيف قرر القرآن شيئًا يخالف ما ثبت في العلوم اليقينية. وهنا انقطعت المحاورة بيني وبينه من ناحية المباحث العلمية" (١).

стр. 1443

وما قرره الأستاذ هنا نظريًّا، نجده ينعكس على فهمه للقرآن عمليًّا. ٢ - عمق فهمه لكتاب الله: هو ليس من هؤلاء، الذين لا حظ لهم إلا نقل الأقوال وجمعها. وإنما يظهر فهم الرجل ويبدو عمقه، وهو يعلق على أقوال المفسرين، مبينًا أن من واجب المفسر، أن يكون مدركًا لأساليب القرآن الكريم في الإطلاق والتقييد والعموم والخصوص. يقول وهو يتكلم عن أسلوب القرآن (١): "إنه قد يرد تعبير في القرآن الكريم مطلق غير مقيد، ومحتمل لوجوه، والقرآن يقصد هذا الإطلاق وذلك التعميم، ويهدف إلى تلك الأوجه المختلفة لأنّها هي التي تناسب المقام، بل ربما أعطى ذلك الإطلاق في الآية حيوية وقوة في صلاحيتها لكل عصر، وبذلك لا يحتاج القرآن إلى قرآن آخر يعدله أو يبدله، أو يصيغه صياغة تساير تطور الحياة الإنسانية، وهذا ضرب من إعجاز القرآن وسر من أسرار خلوده. ثم يمثل لذلك بآيات ثلاث: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. فيذكر أقوال المفسرين التي تتلخص في أن (فوق) زائدة، أو أنها بمعنى (على) أو أنها بمعنى (دون) أو أنها على بابها وأراد الرؤوس التي فوق الأعناق. ثم يعقب على ذلك كله بقوله: "ونحن نقول: إن التعبير صالح لكل هذه الاتجاهات والمعاني، وهو الذي يناسب حال الحرب، فإن الضرب في القتال والحرب يكون كيفما اتفق، فالمراد الضرب في الأعالي، سواء أكان فوق الأعناق نفسها، أم على الرؤوس، أم في أي مقتل من المقاتل التي تبدأ من الأعناق فما فوق. وهذا أنسب بحال القتال، فإن المقاتل عسير عليه أن يتحرى فوق الأعناق أو الرؤوس، فإن الالتحام في القتال لا يتأتى فيه هذا التحري، ولا يناسبه التريث، حتى يصيب هدفًا بعينه، ولا سيما إذا كان الجيشان مختلفين عددًا وعدة".

стр. 1444

الثانية: قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] حيث يقول فيها: "فكلمة (شفاء) في هذه الآية عامة، تشمل شفاء النفوس من أدوائها، وشفاء المجتمع من أمراضه، وشفاء الأسر من كل ما يكدر حياتها ويودي بكيانها. فالقرآن فيه شفاء للفرد وللجماعة، في كل شؤون حياتهما، في ظاهرهما وباطنهما، في علاقاتهما الداخلية وسياستهما الخارجية". الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. فيذكر أقوال المفسرين التي تتلخص في ما يلي: ١ - أمرناهم بالطاعة فخرجوا عنها وتمردوا. ٢ - (أمرنا) بمعنى كثرنا أو أكثرنا. ٣ - (أمرنا) بمعنى جعلناهم أمراء ووليناهم السلطان. ثم يعقب عليها بقوله: "والرأي عندي هو أن كل هذه المعاني جائزة ومقصودة وهي تتحقق باختلاف الأمم، وباختلاف العصور، وباختلاف الأحوال الاجتماعية. فكل معنى يصدق ويطبق في حال وزمان وأمة غير الحال والزمان والأمة. فيكون الغرض إذًا من الآية، تنبيه الأذهان إلى أسباب الدمار وهلاك الأمم، ففي مخالفة مترفيها بأوامر الله والتمادي في العصيان، وأن سبب هلاك الأمم إنما يكون من المترفين، سواء أكثروا أم أمروا أم جاهروا بالمعصية وعدم الطاعة. فهي آية اجتماعية، تصلح عنوان فصل من فصول كتاب في تدهور الأمم ودمارها، وانحلالها وفنائها، وكذلك يحدثنا التاريخ، وهو أبو العبر، وسجل السنن، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]. ٣ - طريقته في التفسير: الطريقة التي سلكها الأستاذ في تفسيره، وإن لم تكن جديدة مبتكرة، لكن ما قام به من حسن العرض وجودة السبك وروعة الأسلوب يضفي عليها الخبرة

стр. 1445

والجمال، فيجد الخاصة بها إبداعًا لهم، وإرضاء لنهمهم العلمي، ولا يحرم العامة من الإفادة منها. وتلك هي الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. تقوم طريقة الأستاذ في التفسير على ما يلي: ١ - يأتي بوحدة من الآيات الكريمة، فيبين أولًا معاني المفردات، غير مهمل ما تدعو له الحاجة من مسائل لغوية في النحو أو البلاغة. ٢ - بعد انتهائه من ذلك، يفسر الآيات تفسيرًا مبسطًا يجلي فيه مواطن الهداية، كما يبين فيه آراء المفسرين معقبًا عليها إن رأى ذلك ضروريًّا. ٣ - يحرص في تفسيره على أمرين هامين: أحدهما: بيان المأثور مما ورد في تلك الآيات أو كان له تعلقًا بها، والآخر التنبيه على قول بعيد، أو تأويل غريب أو رأي شاذ، بكل أدب رفيع. ٤ - لا يستطرد إلا إذا دعت الحاجة واقتضى المقام، فيذكر ذلك بقدر. تلك هي طريقة الشيخ، والأسس التي تقوم عليها أسس سليمة في أصلها من الناحية العلمية والتربوية وخير ما يبين لنا ذلك نماذج نختارها من تفسيره. ٤ - نماذج من تفسير الشيخ: ١ - تفسير آيات الصوم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ

стр. 1446

وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. تضمنت الآيات السابقة إيجاب القصاص ثم إيجاب الوصية، وجاءت هذه الآيات عقبها بإيجاب عبادة هي من أعظم أركان الإسلام، وهي الصيام، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. وردت هذه الآيات في صيغة الخطاب مفتتحة بالنداء ووصْف المخاطبين بأكمل خصلة تقوم عليها السعادة في الدارين، وهي الإيمان، ليقبل الناس على ما يلقى إليهم من أمر هذه العبادة، ويضعوه موضع العناية بقدر ما يقتضيه إيمانهم وتقديرهم الشرف الذي اكتسبوه من خطاب رب العالمين. قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعِ لها سمعك، فإنها لأمر تؤمر به، أو نهي تنهى عنه. والصيام في أصل اللغة كالصوم: الإمساك عن الفعل من نحو الأكل والمشي والكلام، وخصه بعض المفسرين بالإمساك عما تنازع إليه النفس. وحقيقته شرعًا: الإمساك بنية عن الأكل والشرب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى مغرب الشمس. ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: فرض عليكم. وقد دل القرآن على بعض أحكامه، ودلت السنّة على سائرها. ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. معنى الجملة: أن الصيام كتب على من قبلنا من الأنبياء وأممهم، والتشبيه في قوله (كما كتب) يرجع إلى الوجوب، أي أن الله فرض عليكم الصيام مثل ما فرضه على من تقدمكم من الأمم. وحكمة التذكير بأن الصيام قد فرض على الأمم السابقة، تخفيف وقعه على النفوس، حيث إن الصائم يكفُّ نفسه عن كثير من الشهوات التي اعتاد التمتع بها، فإذا قيل له إن هذه العبادة قد فرضت على أمم من قبلنا. وأفهم السياق أنهم لم يهملوها. خف عليه أمرها، وأقبل على أدائها بنفس مطمئنة.

стр. 1447

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هذه الجملة واقعة موقع التعليل لقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام)، والمعنى: فرض عليكم الصيام لتدخلوا في زمرة أهل التقوى، ذلك أن الصيام يكف النفوس عن كثير مما تنزع إليه النفس من خواطر السوء، ويربي فيها ملكة الصبر ومغالبة طغيان الشهوات، ويروضها إلى عمل الخير مقبلة عليه راغبة فيه، وبهذه السيرة يبلغ العاملون أسنى منازل البر والتقوى. ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. وصف الأيام المفروض صيامها بكونها معدودات، يكنى بذلك عن قلتها ليخفف أمر صيامها متتابعات على المكلف، فيقبل عليه محتملًا مشقته التي لا تزيد على مشاق اعتدا الناس احتمالها للحصول على مآرب من متاع هذه الحياة وزينتها. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. العدة: من العد بمعنى معدود. ولم تقدر الآية المرض الذي يؤذن لصاحبه بالفطر، ولكن المحققين في فهم مقاصد الشريعة حملوه على المرض الذي يلحق صاحبه بالصوم مشقة فوق ما يجده وهو سليم البنية، كمن يخشى تزيّد المرض أو تأخر برئه. وظاهر الآية أيضًا أن كل ما ينطلق عليه اسم سفر، يبيح الفطر. والذين ينظرون عند تقرير الأحكام إلى حكمة التشريع يرون أن الفطر إنما أبيح للمسافر نظرًا إلى ما يلحقه من المشقة. ولما كانت لا توجد في كل مسافة يتنقل بها الشخص من موضع إقامته إلى مكان آخر، كان مناط الرخصة هو السفر الذي شأنه أن توجد فيه مشقة. وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فقدره طائفة من الأئمة بمسير ثلاثة أيام، وقدره آخرون بمسير يوم السير الوسط، فمن أخذ في سفر يقدر بمسير يوم على الدواب السير المعتاد، يباح له الفطر وإن قطع تلك المسافة في زمن أقل من يوم كراكب سيارة أو طائرة. ومعنى الآية: فمن كان منكم مريضًا أو مسافرًا فأفطر فالواجب

стр. 1448

عليه متى برئ من مرضه أو انقطع سفره، صيام أيام بعدد ما أفطر فيه من أيام رمضان. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الآية نزلت عند ابتداء فرض الصيام على وجه الرخصة، فكان الناس مخيّرين بين الصيام والفدية، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ورويت آثار صحيحة عن السلف في هذا المعنى. ولعل وجه القول بنسخ هذه الآية هو أن الشارع لم يرد إرغام العباد على الصوم وهم يستكبرون مشقته، ويستصعبون القيام به، فخيرهم بينه وبين الفدية، ولما استبان لهم أن مشقته على المؤمن بحق غير فادحة، وتتابعوا على الصيام مؤثرين له على الفدية، نسخ التخيير الذي تضمنته الآية، وبقيت الآية تتلى ليعرف منها أن الشريعة تأخذ في تشريعها مأخذ الحكمة، وتسلك مسلك التدريج في تقرير الأحكام التي يحتاج المكلف في احتمال مشقتها إلى عزيمة نافذة. وأنكر آخرون من أهل العلم أن تكون الآية منسوخة وقالوا: الإطاقة في قوله تعالى: (يطيقونه) بمعنى القدرة على الصيام بتكليف شديد، وحملوا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ على أصحاء يستطيعون الصوم ولكنهم يلاقون فيه مشقة شديدة، وهم الشيوخ والعجائز. وأضاف بعض الأئمة إلى هؤلاء الحامل والمرضع إذا خافتا أن يلحق ولديهما ضرر من الصيام. وقد بينت الآية الفدية بطعام مسكين. ويكفي في تحقيق طعام المسكين المقدار الذي يشبعه في اليوم الواحد. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. التطوع: فعل الشيء على وجه التبرع، والمعنى فمن تطوع فاعلًا خيرًا بأن زاد على القدر المقرر للفدية، فأعطى لمسكين واحد ما يكفيه الجوع أكثر من يوم، أو أطعم مسكينين فأكثر، فما تطوع به معدود عند الله في أعمال الخير التي يجازى صاحبها الجزاء الأوفى.

стр. 1449

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. هذا خطاب لمطيقي الصيام من الذين خيروا بين الصوم والفدية، فهي من متممات قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. والمعنى: أن الصوم أفضل من الفدية، ذلك أن الفوائد الروحية والاجتماعية التي تحصل بالصوم أرجح من الفوائد التي تحصل بالفدية. ويصح أن تكون هذه الجملة موصولة بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فيكون المراد منها، فرض عليكم الصيام الخ، ثم قال ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي أن الصوم من الأعمال التي تورثكم خيرًا عظيمًا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. هذا أسلوب معروف في بلاغة اللغة العربية، يقصد منه التحريض على فعل ما هو خير كما ورد في هذه الآية، أو الزجر عما فيه شر، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] فقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى: إن كنتم من أهل العلم. والمعنى: وصومكم خير لكم فصوموا إن كنتم من أهل العلم، لأن شأن أهل العلم المبادرة إلى الفعل متى عرفوا وجه الخير منه. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. هذا بيان للأيام المعدودات المفروض على الناس صيامها، ومعنى إنزال القرآن في شهر رمضان: ابتداء نزوله فيه، فقد أنزل في ليلة القدر، وكانت وقتئذ في رمضان، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٣ - ٤] وفي قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ تنبيه لمزية في هْذا الشهر اقتضت تخصيصه بأن يكون مظهرًا لركن من أهم أركان الإسلام وهو الصيام، تلك المزية هي: جملة مبدأ لإنزال الكتاب الذي استضاء الناس بما فيه من هدى وبينات من الهدى والفرقان. ومعنى كون القرآن

стр. 1450

هدى للناس: أنه يرشدهم إلى سبيل الحق، ويدعوهم إلى مراقي الفلاح في الدنيا، ومعارج السعادة في الأخرى. وقوله (بينات) وصف لآيات المقدرة في نظم الآية. والفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل أي يفصل بينهما، والمعنى: أن القرآن أنزل هدى وآيات بينات، أي واضحات، من جملة ما أنزل الله به كتبه، وبعث به أنبياءه من الهدى والفرقان. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. أمر بصيام شهر رمضان بعد أن وصف الشهر بكونه مطلع هداية القرآن. ليجد الأمر بالصوم من نفوس السامعين إقبالًا زائدًا وعناية. وشهد: من الشهود بمعنى الحضور، فمعنى شهد الشهر: حضر فيه. أي كان مقيمًا وقت دخوله. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. أعيد في هذه الجملة ذكر الرخصة للمريض والمسافر، تأكيدًا لمشروعيتها، وتنبيهًا على أنها صادرة عن عناية من شارعها، حتى لا يقع في نفوس المتقين أدنى حرج من الأخذ بها. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. هذه جملة مستأنفة لبيان حكمة الإذن للمريض والمسافر في الفطر. وهي أن الله تعالى بنى تشريعه على اليسر والرفق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ومن مثل هاتين الآيتين تقررت في الشريعة قاعدة من القواعد التي تشهد بسماحتها، وهي: المشقة تجلب التيسير. وإرادة الله في التشريع تنبئ بعدم إرادته للعسر. فقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ تصريح بما فهم من الجملة قبلها لتوكيد معناها، وتقوية يقين المكلفين بأنهم لا يلاقون فيما شرع الله عسرًا في حال.

стр. 1451

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾. روعي في هذا التعليل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والمعنى: أوجب عليكم إذا أفطرتم لمرض أو سفر عدة أيام أخر، لتكملوا عدة الأيام المفروض عليكم صيامها، فلا يفوتكم الأجر العظيم الذي يعده الله لصائمي الشهر كله. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. تكبير الله: تعظيمه، وهذا التعليل مراعى فيه الإذن للمريض والمسافر في الفطر على وجه الرخصة، ثم بيان كيفية قضائهما للأيام التي أفطرا فيها، والمعنى: أرشدكم إلى التخلص من مشقة الصيام في حال مرض أو سفر، وإلى كيفية القضاء. فجمع لكم على التيسير والحصول على أجر الصيام كاملًا لتعظموه على هذه الهداية. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. هذه الجملة واردة موردة التعليل للترخيص وللتيسير بالإذن في الفطر والقضاء من بعد. والشكر في الأصل: تصور النعمة وإظهارها. ويطلق بمعنى الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فشكر العبد لله أن يثني عليه بذكر النعمة التي أنعم بها عليه. ومعنى الجملة: يسر لكم أمر الصوم فرخص لكم في الفطر عند توقع مشقة زائدة على العادة. وجعل القضاء عندما ينقطع المرض أو السفر محصلًا للثواب الذي وعده به الصائمون، الذين لم يعرض لهم عذر يبيح لهم الفطر، شرع ذلك لتتلقوه بالشكر الذي هو معدود في أفضل ما تتقربون به إليه. ٢ - يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ من سورة المائدة، يفصل في معنى العقود والتوفية فيقول: "العقد معناه في اللغة العربية ضم طرف إلى طرف، وربطهما ربطًا محكمًا. يقال عقد الرجل طرفي الحبل أو الحبلين، إذا ربط أحدهما بالآخر. وضده الحل

стр. 1452

أي فك هذا الربط. وسمى الإيجاب والقبول عقدًا لأنهما يضمان إرادة المتعاقدين، ويربطان أحدهما بالآخر. والعقد معناه في استعمال القرآن الارتباط والعقود والعهود والمواثيق والمعاهدات والمحالفات والتعهدات والاتفاقات. والالتزامات، كلها في استعمال القرآن والاصطلاح الشرعي ألفاظ متقاربة المعنى المراد بها الارتباطات سواء أكانت ارتباطات أفراد أو حكومات أو جماعات، وسواء أكانت ارتباطات على عمل أو على غير عمل. والفروق التي يقررها علماء القانون الدولي لهذه الألفاظ لا تعرف في الاصطلاح الشرعي. والإيفاء بالعقد معناه تنفيذ ما يقتضيه والقيام بما يوجبه وافيًا تامًّا غير منقوص والإيفاء بالعقد والوفاء به والتوفية به ألفاظ مترادفة معناها واحد" (١). ثم يذكر أنواع العقود فيقول: "قال المحققون من المفسرين: العقود التي أمر الله المؤمنين أن يوفوا بها تشمل أربعة أنواع: الأول: العقود التي عقدها المؤمن مع ربه بسبب إيمانه. فكل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فقد التزم لله أن يطيعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإحلال ما أحله وتحريم ما حرمه. فهذا عقد بين المؤمن وربه، وسبب الالتزام فيه إيمانه. وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧] وبقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾. الثالث: العقود التي يعقدها الأفراد بعضهم من بعض. الرابع: العقود التي تعقدها الحكومة الإسلامية مع غيرها ... (٢). ويتكلم عن الوفاء بالعقود في ثنايا التفسير فيقول: "وإذا تعارض الإيفاء بعقد من

стр. 1453

هذه الأنواع الأربعة مع الإيفاء بعقد آخر منها، وجب على المؤمن أن يوفي بعقده مع ربه، ولا يجب عليه أن يوفي بعقده مع نفسه أو مع غيره إذا كان إيفاؤه. بعقد منهما يخل بإيفائه بعقد ربه. فإذا حلف على ما فيه مخالفة أمر ربه فليحنث في يمينه، وليوف عقده مع ربه ولا يوف بما حلف عليه، ولهذا ورد في الحديث (من حلف على شيء ورأى غيره خيرًا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه). وإذا عقد عقدًا أو شرط شرطًا يقضي بتحليل محرم أو تحريم حلال أو التزام بباطل شرعًا فعليه أن يوفي بعقده مع ربه ولا يوفي بما يخالفه من عقود وشروط. ولهذا ورد في الحديث "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا". وقد خاطب الله المخاطبين في أمرهم بالإيفاء بالعقود بوصف الإيمان، يشير إلى أن الإيفاء بالعهود مما يقتضيه الإيمان. وفي هذا حدث على امتثال الأمر والإيفاء بالعقد. وهذا الذي أشار إليه القرآن، صرح به رسول الله ﷺ في سنته إذ عد الوفاء بالعهود من شعائر الإيمان وآيات المؤمن، ففي الحديث (آية المؤمن ثلاث، إذا حدث صدق، وإذا أؤتمن أدى، وإذا وعد وفى) وكما ذكرهم بإيمانهم في بدء هذه السورة إذ أمرهم بالإيفاء بالعقود جملة، ذكرهم بإيمانهم في أمرهم بكل عقد فصله فيها. ففي تفصيل ما حرمه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ ... ﴾ وفي تفصيل التطهير لأداء الصلاة وهي عماد الدين قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وفي تفصيل عماد الدنيا وهو الشهادة بالقسط في إقامة حقوق الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾. فالمقصود بهذا إشعار المؤمنين بأن إيفائهم بالعقود جملة وتفصيلًا هو من مقتضى الإيمان، وأن نكت العهود والإخلال بما تقتضيه العقود لا يتفق والإيمان. فالمؤمن حقًّا يوفي بالتزاماته لربه ولنفسه ولغيره.

стр. 1454

ومن هنا نفهم معنى الحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) (١). ٣ - وأحيانًا يكون الغرض من العلم المضاف إلى الله تعالى تذكير المؤمنين بعلم الله ، وبعث الثقة في نفوسهم والاطمئنان في قلوبهم، والحث على المراقبة من غير أن يكون هناك قصد إلى التهديد أو الوعيد ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]. ٤ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [ البقرة: ٥٠] يقول (٢): "الفرق: الفصل بين الشيئين، يقال فرق كذا أي فصل بعضه عن بعض والبحر: الماء الكثير مجتمعًا بمكان ملحًا كان أم عذبًا. والواقعة تقتضي أنه بحر يصل مصر بالأرض المقدسة. وقال المفسرون: هو بحر القلزم (البحر الأحمر). وقد انفلق البحر عند انتقال موسى ﵇ ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، فمروا في طريق يبس والأمن محيط بهم من كل جانب حتى بلغوا شاطئ النجاة. ومعنى ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾. فصلنا بعضه عن بعض من أجلكم، أي من أجل مروركم فيه. وهذا معنى قولهم: إن الباء في قوله ﴿بِكُمُ﴾ السببية. وإذا نظرنا إلى ما جاء في آية أخرى، من أن موسى ﵇ ضرب البحر بعصاه فانفلق، ثم إن القوم بعد انفلاق البحر بعصا موسى توسطوه بسيرهم بين جنبيه، ومن توسط شيئًا صح أن يقال: إنه فرق بعضه عن بعض، فيقال إن القوم فرقوا البحر على معنى أنهم فصلوه بعضه عن بعض بسيرهم في وسطه. ونسب الله فرق البحر بهذا المعنى إلى نفسه، فقال ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، ليدل على أن القوم فرقوا البحر وقد طاعوه وعبروه، وهو معهم برعايته وعونه، فيؤول معنى ﴿فَرَقْنَا

стр. 1455

بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾: في الآية جملة ملاحظة في النظم، استغني عن ذكرها بدلالة المعنى عليها، وتقديرها مع الملفوظ به: وإذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده، فأنجيناكم من الغرق، أو من إدراك فرعون وآله لكم. وذكر الله تعالى في هذه الآية إغراق آل فرعون دون فرعون، وذكر في آية أخرى إغراقه، فقال تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣]، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: النظر: الإبصار. والمعنى أغرقنا آل فرعون وأنتم تبصرون إهلاك عدوكم بالإغراق، وتشاهدونه بأعينكم، وهذا أدعى لليقين بهلاكه، وأبلغ في الشماته به. والعقيدة السليمة تقضي بأن نفهم واقعة انفلاق البحر لموسى وقومه، على أنها معجزة كونية، لا أنها حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر، كما يزعم بعض من لا يبالي أن يظهر برأي يدفعه صريح القرآن". تلك النماذج التي نقلناها لك نماذج من سور مكية، ولنعرض لنموذج من سور مدنية. ٣ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٥]، يقدم للآيات بكلمة موجزةٍ، ثم يعقب ذلك بتفسير غريب المفردات ... فيقول: "ليحزنك: الحزن ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوت مطلوب. وحزن الرسول صلوات الله عليه كان على نوعين: النوع الأول: حزنه على قومه لضلالهم ولحرصه على إيمانهم ونجاتهم، شأن المصلح الطيب القلب الصافي السريرة المحب لخير الجميع ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا

стр. 1456

يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. والنوع الثاني: هو حزنه صلوات الله عليه لأقوالهم واتهاماتهم ولما كان يلقاه منهم من الإيذاء ويقابلونه به من المقاومة والاستهزاء ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾. والآيات التي نحن بصدد تفسيرها، تشمل النوعين من الحزن، فهي تتصدى لتبديد الضربين، وإزالة النوعين. الظالمين: أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بزيادة أو بنقصان، وإما بعدول عنه وقته أو مكانه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ أي لا يسلب الناس ولا ينقصهم. ويقال ظلمت الناقة: أي نحرت من غير علة وكل ما أعجلته عن أوانه فقد ظلمته. ثم انتقل معنى الظلم إلى مجاوزة الحق حتى إذا بلغ الظلم أقبح صورة وأبشع مثل، كان هو الشرك وهو المراد في الآية. بآيات الله: الآية في أصل اللغة: الأمارة والدليل والعلامة، وقد استعملت في القرآن الكريم بهذا المعنى، فقال تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وتكون أيضًا بمعنى العبرة والأمر العجيب ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] أي عبرة. ثم أطلقت في اصطلاح علوم القرآن على طائفة من حروف القرآن، أو على جمل من القرآن ذات مبدأ ومقطع مندرجة في سورة. وسميت بذلك لأنها علامة على صدقة من أتى بها، أو لأنها دلائل لفظية على ربوبية الله وأحكامه. وتطلق أيضًا في القرآن على كل ما يدل على وجود الخالق تعالى وقدرته

стр. 1457

وصفات كماله، وتطلق على المعجزات لأنها تدل على صدق من جاء بها وهذا المعنى الأخير هو المراد في آيتنا. يجحدون: الجحد والجحود: نقيض الإقرار كما في القاموس الإنكار نقيض المعرفة. لكلمات الله: الكلمات جمع كلمة، وقد وردت في القرآن الكريم مفردة وجمعًا فهي في إفرادها تطلق تارة على القرآن ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. وعلى الوعد بالنصر ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾. وتطلق كذلك على الوعيد الذي جعله الله للكافرين ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦]. وتطلق على سنته وأحكامه التي قررها ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. وأما الكلمات فقد جاءت منكرة في قصة إبراهيم أو قصة آدم. ففي قصة إبراهيم ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] فالمراد بها التكاليف التي كلف الله بها إبراهيم ﵇. وجعل التكليف كلمات لأن الكلمات تدل عليها وتعرف بها عادة. وأما الكلمات في قصة آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] فهي كلمات التوبة التي جاءت مفصلة في سورة الأعراف: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وأما (كلمات الله) فتأتي بمعنى وعوده وأخباره بالنصر، كما في الآية التي نحن بصددها ﴿وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤]. ويجوز أن يراد بالكلمات سننه وقوانينه. وأما الكلمات في قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].

стр. 1458

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. فالمراد بكلمات الله في الموضعين عجائب صنع الله الدالة على قدرته، أو كلمات علمه سبحانه وحكمته جل شأنه، الدالة على عظمته وجلاله ... " (١) وبعد ذلك يفسر المعنى الكلي للآيات آية آية. فيذكر في سياق تفسير الآية الأولى، معاني العلم المضاف إلى الله تعالى فيقول (٢): "والعلم المضاف إلى الله تعالى يؤتى به في القرآن الكريم -فضلًا عن اتصاف الله تعالى به- لأغراض وراء ذلك، وهي أمور يكون العلم دليلًا عليها ورمزًا لمعناها. ١ - في المعاني التي يكنى عنها بالعلم المضاف إلى الله تعالى: التحذير من الجزاء والتخويف من العقاب، للترغيب في عمل ما يجب عمله، والتنفير مما يجب التنفير منه كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي والله يعلم متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة. والمراد من علمه تعالى بذلك تحذيرهم من جزائه وعقابه. ٢ - ومن المعاني التهديد والوعيد، كما في الآيات الموجهة للمنافقين والمشركين ويستلزم ذلك اطمئنان المؤمنين وتهدئة خواطرهم وخاطر الرسول صلوات الله عليه ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٢ - ٦٣]. ومن ذلك الآية التي بين أيدينا ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] فيقول الله مسليًا لرسوله قد أحطنا بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم، فاطمئن ولا تكدر خاطرك فسينالهم من العقاب ما يستحقونه، وستكون عاقبتك

стр. 1459

النصر عليهم. التعبير في الآية في صورة الخبر ولكن المقصود النهي وذلك تلطف من الله تعالى. ومن خلال هذه النماذج التي ذكرتها لك، تجد أن الشيخ كانت له عناية كبيرة بالقضايا اللغوية والبلاغية، وقد رأيت ذلك عند حديثه عن معنى الصيام والعقد، والحزن، وترى هذا مبثوثًا في تفسيره فمن ذلك: أ - ١ - عند قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] قال: الفاسقون جمع فاسق من الفسق وهو في أصل اللغة الخروج، يقال: فسقت الرطبة من قشرها، أي خرجت منه. وشرعًا: الخروج من طاعة الله فيشمل الخروج من حدود الإيمان وهو الكفر، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر، ولكنه اختص في العرف من بعد بارتكاب الكبيرة ولم يسمع الفسق في كلام الجاهلية بمعنى الخروج عن الطاعة، فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإسلامية. ٢ - ومن ذلك تعريف التلقي في قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: التلقي في الأصل التعرض للقاء، ثم استعمل في معنى آخذ الشيء وقبوله، تقول: تلقيت رسالة من فلان، أي أخذتها منه وقبلتها. ٣ - ومعنى الوسط في قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: الوسط في الأصل: ما بين طرفين أو أطراف، ويستعمل بمعنى العدل، والخير، ويوصف به المفرد والجمع والمذكر والمؤنث، وهو في الآية بمعنى خيار عدول، وقيل: للخيار وسط، لسلامة الوسط مما يسارع إلى الأطراف من الخلل والفساد ومسالك الوسط من الطريق محفوظ من الانحراف إلى غير طريق". ب - أما القضايا البلاغية فبالإضافة إلى ما مر نستمع إليه عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢].

стр. 1460

هذا تكذيب لهم في دعوى أنهم مصلحون، ووصف لهم بالإفساد على أبلغ وجه: فقد افتتحت الجملة بكلمة (ألا) وهي إنما تستعمل لتنبيه المخاطب وإحضار ذهنه لما يرد بعدها من الحديث حتى لا يلقى إليه وهو غير متهيء لسماعه، ووصل (ألا) بإن الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه. وأورد الخبر بعدهما مؤكدًا بوجه من أقوى وجوه التوكيد، وهو تعريف المسند (المفسدون). وتوسط ضمير الفصل (هم) بينه وبين المسند إليه، إذا قال إنهم هم المفسدون ولم يقل إنهم مفسدون، ثم وصفهم بالجهل الفاحش فنفى عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد ومن أفظع الجهل أن يكون الرجل مفسدًا ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر في العيان، مرئي لكل ذي حس، فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبى باختلال آلات إدراكهم. حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحًا، والشر خيرًا. ٢ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. بعد أن عدد مساوئ أولئك الكافرين، وبيّن ما يصيرون إليه من الخسران في حياتهم العاجلة والآجلة، وجّه إليهم الإنكار والتوبيخ على الوجه المعروف في علم البلاغة باسم "الالتفات" حيث نقل الحديث عنهم من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب، فقال: (كيف تكفرون) الخ .. قوله: (كيف تكفرون) استفهام لا يراد منه استعلام المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما يراد منه معنى تكثر تأديته في صورة الاستفهام. وهو الإنكار والتوبيخ، كما تقول لشخص: كيف تؤذي أباك وقد رباك، لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه، وتوبخه عليها. ٣ - وعند قوله ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] قال: قوله (مفسدين) حال مؤكدة، والتأكيد يرجع إلى النهي عن العثي، ووجه فصاحة هذا الأسلوب أن المتكلم قد تشتد عنايته بأن يجعل الخبر أو الأمر أو النهي قارًّا في نفس السامع، واقعًا موقعًا لا يحوم به لبس، ومن مظاهر هذه العناية التوكيد،

стр. 1461

وللتوكيد في العربية طرق مألوفة، منها اتباع الفعل بالمصدر، نحو قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، ومنها اشتقاق وصف من الفعل وإيراده في صورة الحال، نحو ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. أو من فعل موافق له في المعنى، نحو ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فقوله (مفسدين) يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيدًا من أن يغفل عنه أو ينسى. ٤ - وعند قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. من أساليب البيان عندما يراد إعطاء الخبر جانبًا من العناية والتأكيد. أن يصدر المتكلم الجملة بضمير المفرد الغائب "هو" ثم يأتي بعده بالخبر، ويكون هذا الخبر هو معنى ذلك الضمير الذي وقع صدرًا في الجملة. ويسمونه ضمير الشأن. والضمير في قوله تعالى ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ من هذا القبيل. ج - ومن القضايا النحوية التي ذكرها الشيخ، إضافة لما مر. ١ - ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]. الحطّة: من حط بمعنى وضع، وقد وردت هذه الكلمة وهي مفردة في معرض الحكاية بالقول (وقولوا حطة) والمعروف أن القول لا يحكى به إلا الجمل، ولا يحكى به المفردات إلا أن يكون المفرد في معنى الجملة نحو: شعر وخطبة، وهذا ما دعا المفسرين إلى فهم الآية على وجه يجري به القول على أصله من حكاية الجمل. ومن أقرب ما تفسر به الجملة أن يكون (حطة) مصدرًا مرادًا منه طلب حط الذنوب. وقد يجيء المصدر المراد منه الطلب مرفوعًا نحو "سلام عليكم" ويحمل من جهة صناعة الإعراب على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: مسألتنا حطة، أي أن تحط عنا ذنوبنا. والاقتصار في لفظ الجملة على الخبر وحدة عند قيام قرينة تدل على المبتدأ، من أساليب الإيجاز المعدود في أبدع فنون البيان.

стр. 1462

٢ - قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]. مدخل القرية. و (سجدًا): جمع ساجد، من السجود وهو وضع الجبهة على الأرض. ويستقيم هذا التفسير بجعل قوله (سجدًا) من قبيل الحال المسماة "الحال المقدّرة"" وهي التي تقع بعد وقوع العامل لا معه، والعامل في الآية الدخول. والسجود إنما يتيسر بعد انتهاء الدخول. وهذا الضرب من الحال وارد في الكلام البليغ. كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فإن الحلق والتقصير إنما يكون بعد الدخول، ومعنى الآية: ادخلوا باب القرية ناوين السجود شكرًا لله على ما أنعم به عليكم، من إخراجكم من التيه، والمُقام ببلدة تعيشون فيها عيشة ناعمة. ٥ - موقفه من بعض المسائل في التفسير أ - المحكم والمتشابه في القرآن (١) لكل من المحكم والمتشابه معنى في أصل اللغة، ومعنى في عرف الشرع، أما المحكم لغة، فإن مادة "حكم" تدور على معنى الصرف والمنع، ومنه حكمة اللجام للحديدة التي تمنع الفرس من الاضطراب والجموح، ومنه حكم الحاكم لأنه منع للظالم من وضع يده على حق غيره، ومنه الحكيم لأنه يمنع نفسه من اتباع هواها وارتكاب ما لا يليق. ويرجع إلى هذا المعنى قولهم: أحكمته إحكامًا إذا أخذت على يده، قال جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا ومنه الإحكام بمعنى الإتقان، لأنه منع للشيء من الخلل والخطأ، يقال: بناء محكم أي متين لا وهن فيه ولا خلل.

стр. 1463

وأما المتشابه فمعناه في أصل اللغة أن يكون أحد الشيئين مشابهًا للآخر، ولما كان من شأن المتشابهين تعذر التمييز بنيهما، أطلق هذا الاسم على كل ما لا يهتدي الإنسان إلى حقيقة المراد منه، من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، ومما جاء فيه التشابه بمعنى تعذر التمييز قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]. ومما جرى على هذا الوجه قولهم: اشتبه عليَّ الأمر. وأما معنى المحكم والمتشابه في عرف الشريعة، فقد اختلفت فيه آراء أهل العلم، ولا نطيل البحث بإيراد الأقوال الضعيفة ومناقشتها وإنما نعمد إلى قولين مشهورين بين أهل العلم، وننظر في أدلتهما فنعلم أيهما أوفق لحكمة الشريعة، وأقرب إلى فهم قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وأول القولين أن المحكم: ما اتضحت دلالته، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وهذا مذهب من يؤمنون بالمتشابه، ويفوضون العلم به إلى الله تعالى، وبهذا سمُّوا "مفوضة" وينسب هذا المذهب إلى جمهور السلف. والمفوضة يتفقون على صرف الألفاظ في المتشابه عن معانيها المعروفة عند العرب، وهم بعد هذا فريقان: فريق لا يتعرضون إلى المعنى المراد ولو بوجه مجمل، وفريق قد يعينون نوع المجاز كأن يحملوا الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ والوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ على أنه صفة من صفات الله، ولكنهم يفوضون معنى هذه الصفة إلى الله تعالى، وهذا ما ينسب إلى الأشعري وأكثر السلف. وثاني القولين المشهورين أن المحكم ما اتضحت دلالته، والمتشابه ما كان خفيَّ الدلالة، وهؤلاء يؤولون المتشابه على ما ترتضيه أفهامهم من المعاني، فيخرج من الخفاء إلى وضوح، ولهذا سمُّوا "مؤولة" والتأويل أما بحمل الألفاظ على الحذف أو المجاز المفرد، وأما بحملها على طريقة التمثيل.

стр. 1464

واختلاف الجمهور في معنى المتشابه بهذين القولين، اقتضاه اختلافهم في معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. فالمفوضة يقولون: إن قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبر عنه، ومفاد هذا الوجه من الإعراب أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه من الآيات، والمؤولة يقولون: إن قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ معطوف على اسم الجلالة عطف المفرد على المفرد، وقوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ استئناف مبين لحال الراسخين في العلم، ومقتضى هذا الوجه من الإعراب أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ويقولون مع التأويل له: آمنا به كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا. ولننظر في هذين المذهبين من جهة دلالة الآية أولًا، ثم من جهة الأدلة الخارجة عن الآية ثانيًا. أما من جهة ما تدل عليه الآية، فقد قال أصحاب مذهب التفويض: الظاهر أن قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وقع معادلًا لحال الزائغين المشار إليه بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ويكون معنى الآية: وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، ولم يأت في الآية على هذا الوجه الظاهر في المعادلة، مبالغة في رفع شأن الراسخين في العلم حيث لم يسلك بهم مسلك المعادلة اللفظية لأولئك الزائغين. وأجاب المؤولة بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذكورًا في النظم، بل قد يكون محذوفًا اكتفاء بما يدل عليه من القرائن اللفظية أو الحالية، فيصح أن يقال: إن المعادل لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ محذوف. وتقديره وأما الذين في قلوبهم هدى وطمأنينة، فلا يتبعون ما تشابه منه ليفتنوا به الناس، ويؤولوه على حسب أهوائهم. وقال المفوضة أيضًا: إن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ينبئ أن الراسخين لا يعلمون تأويله، إذ لو كانوا ممن يعلم تأويله لم يكن لهذا القول فائدة، إذ لا غرابة

стр. 1465

في الإيمان بما ظهر معناه، وإنما تكون له فائدة حيث يكون إخبارًا عن إيمانهم بالمتشابه مع عدم فهمهم للمراد منه. ويجاب عن هذا بأن قولهم آمنا به، إيحاء إلى أن إيمانهم به هو الذي دعاهم إلى أن يسلكوا في تأويله الطريقة اللائقة به، وفي ذلك تعريض بأن من اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة، وتأولوه على ما يوافق أهواءهم ليسوا بمؤمنين (١). وقال المؤولة: إن وصف أهل العلم في الآية بالرسوخ يقتضي أن يكون الحكم المسند إليهم مما يحصل بطريق الرسوخ في العلم، فيكون الحكم المثبت لهم هو العلم بالمتشابه، لا مجرد قولهم آمنا به، فإن هذا القول لا يمتاز به الراسخون في العلم، بل يستوي فيه الراسخون في العلم وغير الراسخين، قال ابن عطية: "تسميتهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من الحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع، وما الرسوخ في العلم إلا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة". وأجاب أنصار مذهب المفوضة بأن فائدة وصفهم بالرسوخ في العلم المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه على الله تعالى، لأنه إذا قيل: إن الراسخين في العلم لا يعلمونه، وذلك مفاد قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ كان عدم علم غيرهم بتأويله مفهومًا بالأولى. وأما الاستدلال بأمور خارجة عن مدلول الآية فيرجع إلى ثلاثة وجوه: القراءات والآثار وحكمة التشريع. أما القراءات فقد استدل المفوضة بما رواه الحاكم في مستدركه أن ابن عباس كان يقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ويقول الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ﴾ وهذه القراءة تدل على أن الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ للاستئناف لا لعطف الراسخين

стр. 1466

على اسم الجلالة، ويجيب المؤولة بأن هذه الرواية لا تثبت بها القراءة، وإن أنزلناها منزلة خبر الآحاد، فهي لا تزيد على إفادة أن ابن عباس يرى أن المتشابه مما استأثر الله بعلمه، وقد اختلفت الرواية في هذا عن ابن عباس، ومما حكي عنه أنه قال بعد تلاوة الآية: "أنا ممن يعلم تأويله". وتمسك أنصار مذهب المفوضة بقراءة الوقف على اسم الجلالة، ثم استئناف القراءة بقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، والوقف على اسم الجلالة شاهد بأن العلم بالمتشابه مما استأثر الله به وليس لمخلوق عليه من سبيل. وحمل بعض أنصار مذهب التأويل قراءة الوقف على أن المراد من المتشابه ألفاظ استعملت في معان ليس للبشر قابلية لفهمها بالكنه، ويراد إفهامها لهم بوجه مجمل، كالنصوص الواردة في بعض أحوال يوم القيامة. وأما الاستدلال من جهة الآثار، فقد روى أن صَبيغ بن عسيل جاء من البصرة إلى المدينة في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وأخذ يسأل الناس عن متشابه القرآن وعن أشياء، فأحضره عمر وضربه ضربًا موجعًا، ثم أرجعه إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته. ولو كان المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم، ولا أرسخ في علم الشريعة من الصحابة، لترك صبيغ لمن يجيبه عن تأويل ما يسأل عنه من المتشابه. وقد يجاب عن هذا بأن صبيغًا لم يكن يسأل عن المتشابه استرشادًا، بل كان يورد المتشابهات تعنتًا، فإنما عاقبه عمر لسوء قصده، ومنع الناس من مخالطته حذرًا من أن يفتن بأسئلته قلوب العامة. وأما الاستدلال من جهة حكمة التشريع، فقد قال أصحاب طريقة التأويل: يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته، وأجاب المفوضة بأن ورود مثل هذا الخطاب يكفي في حكمته ابتلاء العبد تلقي كلمات من الشارع لا يعلم المراد منها، ليظهر فضله في الإيمان بها وتفويض أمرها إلى الله مقرًّا بالعجز عن الوصول إلى المراد منها.

стр. 1467

ويختلف المفوضة في ضبط أنواع المتشابه، فابن حزم وهو من أصحاب هذا المذهب يخص المتشابه بالحروف والأقسام الواردة في أوائل السور، فقال في كتاب الأحكام: "والمتشابه لا يوجد في شيء من الشرائع إلا بالإضافة إلى من جهل دون من علم، وهو في القرآن، وهو الذي نهينا عن اتباع تأويله وعن طلبه وأمرنا بالإيمان به جملة وليس هو في القرآن إلا للأقسام التي في السور، كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢] وقوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] والحروف المقطعة في أوائل السور، وكل ما عدا هذا من القرآن، فهو محكم". والمعروف بين أهل العلم، أن السلف يعدون في المتشابه ألفاظًا واردة في الآيات والأحاديث تدل بمقتضى استعمالها العربي على صفات أو أفعال يستحيل إضافتها إليه تعالى، نحو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. ومن المفوضة أبو إسحاق الشاطبي غير أنه قسَّم المتشابه إلى حقيقي وإضافي، وأراد من الحقيقي ما لا سبيل إلى فهم المراد منه، وأراد من الإضافي ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، وقال: "فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة، وجد فيها ما يبين معناه، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدًّا، وبالمعنى الإضافي كثير". وليس من شك في أن هناك آيات كثيرة وأحاديث قد يعدُّها بعضهم من قبيل المتشابه، وينبغي إخراجها من دائرة الاختلاف، حيث إنه يمكن فهمها على وجه صحيح لا كلفة فيه، ونضرب المثل لهذا آيات أو أحاديث تشتمل على ألفاظ عرف في كلام العرب استعمالها في معان على وجه الكناية أو المجاز، وصح حملها على هذه المعاني المعروفة في الاستعمال كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] فإن حمل الآية على معنى الجود واضح لا شبهة فيه. ويخرج عن موضع الاختلاف آيات الأحكام، إذ ليس لأحد أن يقول في آية أو حديث يرجع إلى التشريع إن هذا من قبيل ما استأثر الله بعلمه.

стр. 1468

ونختار بعد هذا أن في القرآن آيات متشابهات أي غير واضحة الدلالة، فإما أن تصل إليها أفهام الراسخين في العلم بعد النظر، وإما أن تصل إليها أفهام بعض منهم دون بعض، وفهمها إما أن يكون على وجه مفصل، وإما أن يكون على وجه مجمل تحصل به فائدة للمخاطب وإن لم يصل إلى كنه المراد منه، كالآيات والأحاديث الواردة في بعض أحوال يوم القيامة، أما أن يخاطب الله عباده بكلام يستأثر بعلمه، ولا يفهم منه أحد ماذا أريد منه ولو بطريق الإجمال، فذلك ما نراه بعيدًا، ولم تقم أدلة تلجئنا إلى اعتقاد وجوده. لا يظهر للمتشابه على مذهب المفوضة فائدة سوى ابتلاء العبد بتلاوة كلمات تعلو من فهمه، ولكنه يتيقن أنها حق، ويفوض أمرها إلى الله، مقرًّا بالعجز عن الوصول إلى معناها، وذلك دليل قوة الإيمان. وأما على مذهب المؤولة فله فوائد متعددة، منها أن وجود المتشابه في الشريعة يجعل في الوصول إلى المراد صعوبة ومشقة، وذلك موجب لزيادة الثواب عند الله، ومنها أن وجود المتشابه يدعو الإنسان إلى الرجوع إلى الأدلة النظرية، فيصل إلى الحقائق من طرق الاستدلال، ويتخلص من أسر التقليد، ومنها أن البحث عن المراد من المتشابه يعلم الإنسان طرق التأويل ووجوه ترجيح بعض هذه الطرق على بعض، قال الطيبي مشيرًا إلى هذا الوجه: "إنما كان المتشابه في القرآن لأنه باعث على تعلم علم الاستدلال، ذلك أن معرفة المتشابه متوقفة على معرفة الاستدلال، فتتوجه الرغبات إليه". ويذكرون في فوائد ورود المتشابه أن القرآن دعوة للخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، كإثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، وقد يسبق إلى ذهنه أن هذا عدم ونفي، فيقع في التعطيل، فكان من الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ يتبادر إلى أذهانهم منها ما يتخيلونه، وذلك هو المتشابه، ويوضع بجانب هذا ما هو حق صريح يدل على أن المراد غير ما سبق إلى

стр. 1469

أذهانهم، وهذا الوجه من حكمة ورود المتشابه ظاهر فيما كان من قبيل الصفات ونحوها. ب - مسائل العقيدة: من خلال دراساتنا للتفاسير السابقة، رأينا أن بعضها قد تطرق في تأويل الآيات التي تمس العقيدة، كما فعلت المدرسة العقلية. وأراد بعضها الآخر أن يخضع بعض العقائد الغيبية لمجريات العلم وخداع الخرافة كما فعل الشيخ طنطاوي ﵀ ومن سار على نهجه في تحضير الأرواح. ولكن الأستاذ الأكبر ﵀ لم يجر مع هؤلاء، الذين خرجوا بالنص عن دائرة سياقة ولفظه. ولم يجر مع أولئك الذين ساروا وراء سراب الخرافة. ولم يكن الرجل سلبيًّا في موقفه هذا وإنما كان إيجابيًّا، لذا رأيناه يرد على كلا الفريقين منتصرًا لسلف هذه الأمة وأئمتها. ١ - فها هو يرد على القائلين باب رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة مستحيلة. يقول عند قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]. وقد يخطر على البال أن هذه الآية تصلح لأن تكون دليلًا على عدم صحة رؤية الله بالعين الباصرة يوم القيامة، فإن الذين طلبوها سلط الله عليهم الصاعقة كما سلط على عبَدة العجل القتل. ويُدفع هذا الخاطر بأن موسى ﵇ قد علم أن رؤية الله ممكنة، فطلبها كما جاء في سورة الأعراف ﴿قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وأعلمه الله أن رؤيته في الدنيا بالأبصار لا تقع، وصار هذا أصلًا معروفًا عنده وعند قومه، ولكن بني إسرائيل سألوا الرؤية بالأبصار بعد علمهم بذلك تعنتًا، أو لشك خالجهم، فأخذهم الله بالصاعقة وهم ينظرون، عقوبة لهم على ما سألوا. وورد في الكتاب المجيد آيات تدل على أنه تعالى يُرى يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وورد أيضًا من الآيات ما يدل بظاهره على نفيها، ولكن الآيات المثبتة تأيدت بأحاديث صحيحة، فوجب المصير إليها، وفهمُ الآيات الأخرى على وجه يوافق الآيات المؤيَّدة

стр. 1470

بالأحاديث الصحيحة الصريحة. ٢ - وعند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يقول: "والإيمان بالله: التصديق بما لا تتم معرفته إلا به، وهي الصفات الواجبة له تعالى من نحو الوحدانية والقدم والبقاء والعلم والغنى المطلق. ومن اعتقد أن الله حلّ في غيره أو اتحد به، فقد عمي عن سبيل النجاة، واستبدل بالإيمان جحودًا" (١). ٣ - وها هو يرد على الذين قالوا بالتمثيل في قصة آدم بقوله (٢): "ويجدر بنا أن ننبه لرأي أبداه بعض من كتب في التفسير منذ عهد قريب، وهو أن هذه القصة واردة على وجه التمثيل، لا أنها إخبار عن حقائق واقعة، وبسط القول في تقرير كونها تمثيلًا بما لا يسع المقام حكايته. والحقيقة أن القصة سيقت على وجهٍ ظاهر في أنها واقعة. وتأويل آيات القصص على أنها من قبيل التمثيل، لا يلجأ إليه إلا أن يكون حملها على المعنى الظاهر متعذرًا، ولم يقم دليل شرعي أو عقلي يقتضي العدول في تفسير هذه القصة عن الظاهر من سياقها، حتى يسهل صرف ألفاظها عن حقائقها، وتقبل دعوى أنها خارجة مخرج التمثيل والقصة مع كونها حقيقة واقعة، تنطوي على حكم شائقة وعبر لامعة، يجدها المتدبر لكتاب الله قريبة المنال، غزيرة المثال". ٤ - كما يقول عن إبليس (٣): "وإبليس: اسم للشيطان أعجمي، وهو كائن حي. وقد أخطأ وجه الحق من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر بالنفوس. وليس من المعقول أن تحمل عليه الآيات وهي صريحة في أنه كان يقول ويقال له، ويرى الناس ولا يرونه ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].

стр. 1471

٥ - أما مسألة الأرواح التي كثر الحديث عنها، ومع كل أسف في كتب التفسير، كما رأينا في الجواهر وتفسير المراغي، وتفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة - الذي سنتحدث عنه فيما بعد إن شاء الله، فإن الشيخ الخضر ﵀ يكتب عنها، من أجل تثبيت عقيدة المسلم، مفندًا رادًّا كل دعوى من هذا القبيل. يقول (١): "فلا نتوقف في الإيمان بالأرواح والجن على أن يثبتهما العلم البحت، ويكفينا أنه لا يستطيع نفيهما بدليل منطقي يسلمه العقل إذا خلا ونفسه. فدعوى أن روح فلان أو فلان الميت بعينها، يقتادها فلان من مستقرها، ويضعها بين أيدي المتجمعين حوله للتسلية، وتحدثهم عن حالها أو حال غيرها في الدنيا أو بعد الموت، لم تجئنا مصحوبة بدليل سوى أن فلانًا الأوروبي قال أو جرب أو ألف. وهذا النوع من الاستدلال لا يغني في مسألة كمسألة الأرواح فتيلًا. ولماذا لا تكون هذه الأرواح التي تستحضر من قبيل الأرواح الخفية التي هي الجن؟ وهذه الأرواح ليست مبرأة من أن تضلل أو تقول باطلًا. وكيف يكون حال المسلم إذا قال له "محضر الأرواح": هذه روح فلان الذي مات على عقيدة الوثنية أو غيرها من الأديان الباطلة، ويسمع من هذه الروح أن صاحبها في نعيم وسعادة؟ ! أيرتاب في دينه، أم يكذب أن هذه روح فلان الكافر بحكم دينه! ! والحق أن الله لم يجعل للعلم بأحوال الموتى من سبيل، غير ما دل عليه كتابه العزيز، أو أخبر عنه النبي المعصوم". والشيخ بعد ذلك كله سلفي في عقيدته، ولكنه ليس من أولئك المتزمتين، الذين لا هم لهم إلا غمز الأئمة والنيل من الصالحين. وها هو في كل ما فسر يتبع هذا النهج. يظهر هذا في تفسيره للرحمة والغضب في سورة الفاتحة والاستواء في سورة البقرة.

стр. 1472

يقول عند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله تعالى، ففسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان، وفسرها آخرون بالإحسان نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته تعالى لا نعرف حقيقتهما، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان. وليست الصفتان، أعني الرحمن الرحيم بمعنى واحد بل روعي في كل منهما معنى، ولم يراع في الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فَعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، ولا يلزم منه الدوام كغضبان وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة؛ لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف، فكأنه قيل العظيم الرحمة الدائمها. وذهب ابن قيم الجوزية في الفرق بين الصفتين إلى أن الرحمن دالة على الصفة القائمة به تعالى، والرحيم دالٌّ على تعلقها بالمرحوم، فيكون الرحمن من صفات الذات، والرحيم من صفات الأفعال" (١). ويقول في صفة الغضب: "والغضب ضد الرضا، وهو في أصل اللغة حركة في النفس تنزع بها إلى طلب الانتقام، وإذا أسند إلى الله فسروه بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له تعالى لائقة بجلاله، لا نعلم حقيقتها وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم) (٢). ويقول في صفة الاستواء: "استوى أقبل وعمد إليها بإرادته، وتسويتها تعديل خلقها وتقويمه" (٣).

стр. 1473

جـ - الشيخ والقصة القرآنية: يقف الشيخ على قاعدة صلبة، وهو يقرر أننا يجب أن نفهم القصص القرآني على حقيقته. وقد مر معنا رده على القائلين بالتمثيل كالشيخ محمد عبده. أما القائلون بالتخيل كصاحب الفن القصصي، فلقد رد عليهم الشيخ ردًّا مشبعًا مقنعًا. والذي يهمنا الآن، وما ينبغي أن نقدره للشيخ ونسجل إعجابنا به، ليس حمله القصة على حقيقتها فحسب، وإنما فهمه الدقيق للقصة كذلك. فهو يرى أنه لا تكرار في القصص القرآني، وإنما كل قصة في سورة، فيها من المعاني والحكم ما لا يوجد في سورة أخرى، وسياق السورة وظرفها يحددان موضع العبرة من القصة. فليس من السهل أن يقال: في قصة موسى وفرعون، بل الواجب أن ندرس القصة في كل سورة، ليتبين السياق الذي جاءت من أجله، والعبرة التي هدفت لها والحكمة التي قصدت منها. ويمثل الشيخ بقصة آدم، ويقول إنها وردت في ست سور في البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه (١). ففي سورة البقرة وردت القصة في سياق تذكير الناس بنعمة الله، والعجب من أنهم يكفرون به، فكانت القصة تدور على هذا التذكير من جعل آدم خليفة، وتعليمه الأسماء كلها. وفي سورة الأعراف، وردت هذه القصة في سياق أن الناس قليلًا ما يشكرون الله الذي مكنهم في الأرض، وجعل لهم فيها معايش، ولذلك أسهبت القصة في موقف إبليس من الإنسان. وفي سورة الحجر وردت القصة في سياق خلق الإنسان من طين والجن من نار، فليست مادة أفضل من مادة، وهذا ما ركزت عليه القصة (٢).

стр. 1474

أما سورة الإسراء، فقد وردت قصة آدم في سياق فتنة الناس، ولذلك كان الإسهاب فيها، وفي واقعة حسد إبليس وعدائه لآدم ولذريته. وهكذا يستمر الشيخ في إلقاء تلك الدرر. والحق أن الحاجة ماسة لغواص يخرج هذه الدرر من الآيات الكريمة، لنتبين مواطن العبرة ورفعة الأسلوب وعظمة المنهج القرآني في تربية النفوس. ٢ - وها هو يرد على أولئك الذين يفسرون القصة بعيدًا عن أسلوب القرآن وبلاغته، يقول عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ... كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾. وقد تعاطى تفسير الآية شيخان معاصران، أحدهما كتب في التفسير، والآخر كتب في قصص الأنبياء، وقد ذهبا مذهب التعسف في التأويل. أما الكاتب في التفسير: فقد جعل آيات (وإذا قتلتم نفسا) من تتمة القصة المبتدأة بالأمر بذبح البقرة كما يقول أهل العلم من السلف، ولكنه يرى أن ذبح البقرة وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في أمر القتل، لتعرّف الجاني، وقال: "فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة -أي شريعتهم- برى من الدم، ومن لم يفعل تثبت عليه الجناية، ومعنى إحياء الموتى على تفسيره حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس التي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حدّ قوله ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين (١). والمؤلف في قصص الأنبياء قد جعل آيات ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قصة مستقلة عن قصة ذبح البقرة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وزعم أن قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ بمعنى اضربوا المتهم ببعض

стр. 1475

النفس وهي القتيل، فإن كان قاتلًا ظهر عليه انفعال نفسي ورعدة يعلم بسببها أنه القاتل دون سواه، أو هو على اتصال به. وجرى في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ على ما جرى عليه سلفه في التفسير. وكل من هذين الرأيين مخالف لما ورد عن السلف وبعيد عن أسلوب القرآن وبلاغته، ولو كان المراد من قوله: ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ معنى الآيتين، لقال مثلًا: كذلك يحيي الله الناس، أو قال: ولكن في هذا الحكم حياة (١). د - الشيخ وآيات الأحكام: رأينا من المفسرين المحدثين أناسًا يريدون أن يلزموا الناس بما يرتؤون ويعتقدون، وإلا وصفوهم بأوصاف لا تليق. ولكن مفسرنا ﵀ لم يقف هذا الموقف، فهو لم يجرح أحدًا ولم يصفه بالتقليد، لمجرد التزامه بمذهب معين، بل رأيناه على العكس من ذلك، يجل الأئمة ويثني على العلماء ما دام اجتهادهم في الحد الذي يرضي الله، ولا يخرج عن قواعد الدين. يقول عند تفسيره هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]: "وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكامًا من طريق الاستنباط، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون افتاؤه في مثل هذه الوقائع من قبيل القول على الله بغير علم. ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظني، أصل انعقد عليه الإجماع وأصبح مقطوعًا به، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع في حقه أو حق من يتابعه، وهو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به، لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلًا على الله ما لا يعلم" (٢).
следующие страницы →