← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

٥ - أما مسألة الأرواح التي كثر الحديث عنها، ومع كل أسف في كتب التفسير، كما رأينا في الجواهر وتفسير المراغي، وتفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة - الذي سنتحدث عنه فيما بعد إن شاء الله، فإن الشيخ الخضر ﵀ يكتب عنها، من أجل تثبيت عقيدة المسلم، مفندًا رادًّا كل دعوى من هذا القبيل. يقول (١): "فلا نتوقف في الإيمان بالأرواح والجن على أن يثبتهما العلم البحت، ويكفينا أنه لا يستطيع نفيهما بدليل منطقي يسلمه العقل إذا خلا ونفسه. فدعوى أن روح فلان أو فلان الميت بعينها، يقتادها فلان من مستقرها، ويضعها بين أيدي المتجمعين حوله للتسلية، وتحدثهم عن حالها أو حال غيرها في الدنيا أو بعد الموت، لم تجئنا مصحوبة بدليل سوى أن فلانًا الأوروبي قال أو جرب أو ألف. وهذا النوع من الاستدلال لا يغني في مسألة كمسألة الأرواح فتيلًا. ولماذا لا تكون هذه الأرواح التي تستحضر من قبيل الأرواح الخفية التي هي الجن؟ وهذه الأرواح ليست مبرأة من أن تضلل أو تقول باطلًا. وكيف يكون حال المسلم إذا قال له "محضر الأرواح": هذه روح فلان الذي مات على عقيدة الوثنية أو غيرها من الأديان الباطلة، ويسمع من هذه الروح أن صاحبها في نعيم وسعادة؟ ! أيرتاب في دينه، أم يكذب أن هذه روح فلان الكافر بحكم دينه! ! والحق أن الله لم يجعل للعلم بأحوال الموتى من سبيل، غير ما دل عليه كتابه العزيز، أو أخبر عنه النبي المعصوم". والشيخ بعد ذلك كله سلفي في عقيدته، ولكنه ليس من أولئك المتزمتين، الذين لا هم لهم إلا غمز الأئمة والنيل من الصالحين. وها هو في كل ما فسر يتبع هذا النهج. يظهر هذا في تفسيره للرحمة والغضب في سورة الفاتحة والاستواء في سورة البقرة.

стр. 1472

يقول عند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله تعالى، ففسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان، وفسرها آخرون بالإحسان نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته تعالى لا نعرف حقيقتهما، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان. وليست الصفتان، أعني الرحمن الرحيم بمعنى واحد بل روعي في كل منهما معنى، ولم يراع في الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فَعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، ولا يلزم منه الدوام كغضبان وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة؛ لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف، فكأنه قيل العظيم الرحمة الدائمها. وذهب ابن قيم الجوزية في الفرق بين الصفتين إلى أن الرحمن دالة على الصفة القائمة به تعالى، والرحيم دالٌّ على تعلقها بالمرحوم، فيكون الرحمن من صفات الذات، والرحيم من صفات الأفعال" (١). ويقول في صفة الغضب: "والغضب ضد الرضا، وهو في أصل اللغة حركة في النفس تنزع بها إلى طلب الانتقام، وإذا أسند إلى الله فسروه بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له تعالى لائقة بجلاله، لا نعلم حقيقتها وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم) (٢). ويقول في صفة الاستواء: "استوى أقبل وعمد إليها بإرادته، وتسويتها تعديل خلقها وتقويمه" (٣).

стр. 1473

جـ - الشيخ والقصة القرآنية: يقف الشيخ على قاعدة صلبة، وهو يقرر أننا يجب أن نفهم القصص القرآني على حقيقته. وقد مر معنا رده على القائلين بالتمثيل كالشيخ محمد عبده. أما القائلون بالتخيل كصاحب الفن القصصي، فلقد رد عليهم الشيخ ردًّا مشبعًا مقنعًا. والذي يهمنا الآن، وما ينبغي أن نقدره للشيخ ونسجل إعجابنا به، ليس حمله القصة على حقيقتها فحسب، وإنما فهمه الدقيق للقصة كذلك. فهو يرى أنه لا تكرار في القصص القرآني، وإنما كل قصة في سورة، فيها من المعاني والحكم ما لا يوجد في سورة أخرى، وسياق السورة وظرفها يحددان موضع العبرة من القصة. فليس من السهل أن يقال: في قصة موسى وفرعون، بل الواجب أن ندرس القصة في كل سورة، ليتبين السياق الذي جاءت من أجله، والعبرة التي هدفت لها والحكمة التي قصدت منها. ويمثل الشيخ بقصة آدم، ويقول إنها وردت في ست سور في البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه (١). ففي سورة البقرة وردت القصة في سياق تذكير الناس بنعمة الله، والعجب من أنهم يكفرون به، فكانت القصة تدور على هذا التذكير من جعل آدم خليفة، وتعليمه الأسماء كلها. وفي سورة الأعراف، وردت هذه القصة في سياق أن الناس قليلًا ما يشكرون الله الذي مكنهم في الأرض، وجعل لهم فيها معايش، ولذلك أسهبت القصة في موقف إبليس من الإنسان. وفي سورة الحجر وردت القصة في سياق خلق الإنسان من طين والجن من نار، فليست مادة أفضل من مادة، وهذا ما ركزت عليه القصة (٢).

стр. 1474

أما سورة الإسراء، فقد وردت قصة آدم في سياق فتنة الناس، ولذلك كان الإسهاب فيها، وفي واقعة حسد إبليس وعدائه لآدم ولذريته. وهكذا يستمر الشيخ في إلقاء تلك الدرر. والحق أن الحاجة ماسة لغواص يخرج هذه الدرر من الآيات الكريمة، لنتبين مواطن العبرة ورفعة الأسلوب وعظمة المنهج القرآني في تربية النفوس. ٢ - وها هو يرد على أولئك الذين يفسرون القصة بعيدًا عن أسلوب القرآن وبلاغته، يقول عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ... كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾. وقد تعاطى تفسير الآية شيخان معاصران، أحدهما كتب في التفسير، والآخر كتب في قصص الأنبياء، وقد ذهبا مذهب التعسف في التأويل. أما الكاتب في التفسير: فقد جعل آيات (وإذا قتلتم نفسا) من تتمة القصة المبتدأة بالأمر بذبح البقرة كما يقول أهل العلم من السلف، ولكنه يرى أن ذبح البقرة وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في أمر القتل، لتعرّف الجاني، وقال: "فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة -أي شريعتهم- برى من الدم، ومن لم يفعل تثبت عليه الجناية، ومعنى إحياء الموتى على تفسيره حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس التي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حدّ قوله ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين (١). والمؤلف في قصص الأنبياء قد جعل آيات ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قصة مستقلة عن قصة ذبح البقرة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وزعم أن قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ بمعنى اضربوا المتهم ببعض

стр. 1475

النفس وهي القتيل، فإن كان قاتلًا ظهر عليه انفعال نفسي ورعدة يعلم بسببها أنه القاتل دون سواه، أو هو على اتصال به. وجرى في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ على ما جرى عليه سلفه في التفسير. وكل من هذين الرأيين مخالف لما ورد عن السلف وبعيد عن أسلوب القرآن وبلاغته، ولو كان المراد من قوله: ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ معنى الآيتين، لقال مثلًا: كذلك يحيي الله الناس، أو قال: ولكن في هذا الحكم حياة (١). د - الشيخ وآيات الأحكام: رأينا من المفسرين المحدثين أناسًا يريدون أن يلزموا الناس بما يرتؤون ويعتقدون، وإلا وصفوهم بأوصاف لا تليق. ولكن مفسرنا ﵀ لم يقف هذا الموقف، فهو لم يجرح أحدًا ولم يصفه بالتقليد، لمجرد التزامه بمذهب معين، بل رأيناه على العكس من ذلك، يجل الأئمة ويثني على العلماء ما دام اجتهادهم في الحد الذي يرضي الله، ولا يخرج عن قواعد الدين. يقول عند تفسيره هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]: "وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكامًا من طريق الاستنباط، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون افتاؤه في مثل هذه الوقائع من قبيل القول على الله بغير علم. ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظني، أصل انعقد عليه الإجماع وأصبح مقطوعًا به، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع في حقه أو حق من يتابعه، وهو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به، لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلًا على الله ما لا يعلم" (٢).

стр. 1476

والشيخ مع ذلك يعز عليه أن يخرج عن إجماع الأمة وجمهور السلف، وهذا يظهر عند تفسيره لآيتي النسخ والوصية. فعند تفسيره لآية الوصية يذكر مذاهب العلماء، غير مشنع على أحد كما شنع غيره، مرجحًا ما ذهب إليه الجمهور (١). أما عند آية النسخ فإنه يرفض صراحة أن يكون المراد من كلمة (آية) في آية النسخ المعجزة، كما ذهب إليه بعض المفسرين، ويقول إن السلف أجمعوا على غير هذا (٢). أما منهجه في تفسير تلك الآيات، فهو منهج متناسب مع الخطة التي سار عليها في تفسيره كله، إذ يعني ببيان حكمة التشريع ومواطن الهداية، أكثر من عنايته بالتفريعات المذهبية، التي قد لا يعرض لها في كثير من الآيات. وهذا يتمشى مع الأهداف التي كتب من أجلها هذا التفسير. يظهر هذا من تناوله لآيات القصاص والصيام وغيرهما. هذه بعض الجوانب من تفسير الشيخ ﵀. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة في تقويم هذا التفسير، فإنه والحق يقال، كان من خير ما قرأت اعتدالًا وعمقًا، وسلامة عقيدة وصفاء فكر. رحم الله الأستاذ الأكبر وهيأ للأمة من يسد فراغه.

стр. 1477

المراجع ١ - الأعمال الكاملة للإمام، الطبعة الثانية، سنة ١٩٨٠. ٢ - تاريخ الأستاذ الإمام. ٣ - زعماء الإصلاح، د. أحمد أمين. ٤ - موقف العقل والعلم والدين، الأستاذ مصطفى صبري، دار إحياء الكتب العربية. ٥ - رسالة الواردات وحاشيته على الجلال الدواني. ٦ - دروس من القرآن الكريم، الشيخ محمد عبده، تقديم طاهر الطناحي، مطبعة دار الهلال، القاهرة. ٧ - تفسير القرآن الحكيم الشهير بالمنار، الشيخ محمد رشاد رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط ٢. ٨ - محمد عبده رائد الفكر المصري، الأستاذ عثمان أمين، ط ٢، سنة ١٩٦٥ م. ٩ - تفسير جزء عم، الشيخ محمد عبده، مطبعة دار الشعب. ١٠ - تفسير سورة الفاتحة وست سور أخرى، السيد محمد رشيد رضا، الطبعة الثانية، مصر، ١٣٦٧ هـ. ١١ - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، د. محمد محمد حسين، ط ٢. ١٢ - ما أنا عليه وأصحابي، أحمد سلام. ١٣ - الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، مطابع دار الصفوة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م. ١٤ - صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، ضبط: د. مصطفى ديب البغا، الطبعة الأولى، دار القلم. ١٥ - سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، مطبعة البابي الحلبي، مصر.

стр. 1478

١٦ - مسند أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت. ١٧ - دلائل النبوة، البيهقي. ١٨ - قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، نقد مطاعن ورد شبهات، الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، دار الفتح، عمان - الأردن، ط ١، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م. ١٩ - تفسير جزء تبارك، الشيخ عبد القادر المغربي، المطبعة الأميرية، القاهرة، ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م. ٢٠ - صحيح ابن حبان. ٢١ - مسند الطيالسي. ٢٢ - جامع البيان في تفسير القرآن، محمد بن جرير الطبري، القاهرة، مطبعة بولاق، سنة ١٣٢٥ هـ. ٢٣ - مفاتيح الغيب، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، القاهرة. ٢٤ - صحيح مسلم بشرح النووي، مطبعة محمد عبد اللطيف. ٢٥ - الإسلام والعقل، د. عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة. ٢٦ - إلى أين يتجه الإسلام، المستشرق جب. ٢٧ - الاتجاهات الحديثة في التفسير. ٢٨ - منهج المدرسة العقلية، فهد الرومي. ٢٩ - الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين. ٣٠ - النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، محمد رجب البيومي، دار القلم. ٣١ - السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة، أمير البيان شكيب أرسلان. ٣٢ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي. ٣٣ - سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة البابي الحلبي. ٣٤ - الأم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، طبعة دار الشعب. ٣٥ - الرسالة، الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط ١٣٠٩ هـ.

стр. 1479

٣٦ - حاشية ابن عابدين، شركة مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط ٢، ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م. ٣٧ - المدخل الفقيه، الأستاذ مصطفى الزرقا. ٣٨ - سير أعلام النبلاء. ٣٩ - المحلي، ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة. ٤٠ - المغني لابن قدامة المقدسي، مطبعة الإمام. ٤١ - نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار في حديث سيد الأبرار محمد بن علي الشوكاني، المطبعة المنيرية. ٤٢ - أعلام الأدب والفن، أدهم الجندي. ٤٣ - على هامش التفسير، عبد القادر المغربي، دار المعارف، القاهرة. ٤٤ - تفسير جزء تبارك، عبد القادر المغربي، مطبعة المعارف. ٤٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، أبو الفضل شهاب الدين محمد الآلوسي، إدارة الطباعة المنيرية مصر. ٤٦ - القرآن العظيم، الأستاذ الشيخ محمد مصطفى المراغي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي. ٤٧ - الإمام المرغي، أنور الجندي. ٤٨ - ترجمة القرآن الكريم، الشيخ أحمد المراغي، مطبعة الرغائب. ٤٩ - تفسير المراغي، الشيخ أحمد المراغي، مطبعة البابي الحلبي. ٥٠ - التفسير الحديث، محمد عزة دروزة، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي. ٥١ - تفسير القرآن الكريم، الشيخ محمود شلتوت، دار القلم. ٥٢ - تيسير القرآن الكريم للقراءة والفهم المستقيم، الشيخ عبد الجليل عيسى. ٥٣ - الجواهر في تفسير القرآن، الشيخ طنطاوي جوهري. ٥٤ - محمد عبد الجواد، تقويم دار العلوم، طبعة دار المعارف، ١٩٤٧. ٥٥ - حصوننا مهددة من داخلها، د. محمد محمد حسين. ٥٦ - مجلة الفتح، مجلد ٨، العدد ٣٦٨. ٥٧ - في ظلال القرآن، سيد قطب، الطبعة الخامسة، دار الشروق، ١٣٨٦ هـ / ١٩٦٧ م.

стр. 1480

٥٨ - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، ط ١، ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٦ م. ٥٩ - أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، أ. د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م. ٦٠ - الاجتهاد في الإسلام، د. يوسف القرضاوي. ٦١ - مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، مقالة (المعتدون على الفقه الإسلامي)، د. وهبة الزحيلي. ٦٢ - الإسلام ومشكلات الحضارة، سيد قطب. ٦٣ - معالم في الطريق، سيد قطب. ٦٤ - مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله ﷺ ، الأستاذ ربيع المدخلي. ٦٥ - أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره، الأستاذ ربيع المدخلي. ٦٦ - في ظلال القرآن، رؤية استشراقية فرنسية، أوليفييه كاريه، ترجمة: محمد رضا عجاج، الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م. ٦٧ - منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، د. زياد الدغامين، دار البشير، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ / ١٩٩٥ م. ٦٨ - محاسن التأويل، الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط ١، ١٣٧٩ هـ / ١٩٦٠ م. ٦٩ - السيرة النبوية، الشيخ أبو الحسن الندوي. ٧٠ - التفسير الوسيط للقرآن الكريم، الدكتور محمد سيد طنطاوي، دار السعادة، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م. ٧١ - تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، عيسى الحلبي، القاهرة. ٧٢ - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، القاهرة، دار الكتب. ٧٣ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل، جار الله محمود بن عمر الزمخشري، مطبع الاستقامة سنة ١٩٤٦. ٧٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم في تفسير القرآن العظيم، أبو السعود بن محمد العمادي، مطبعة محمد عبد اللطيف.

стр. 1481

٧٥ - الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، سليمان بن عمر العجيلي الحلبي الشافعي، طبعة عيسى البابي الحلبي. ٧٦ - تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس. ٧٧ - صفوة البيان، الشيخ حسنين مخلوف، دار الكتب. ٧٨ - التحرير والتنوير، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية، ١٩٨٤ م. ٧٩ - صفوة العرفان في تفسير القرآن، محمد فريد وجدي، مطبعة الشعب، مصر، ١٣٢١ هـ. ٨٠ - المصحف المفسر، محمد فريد وجدي، مطابع الشعب. ٨١ - النهضة الإسلامية في سير أعلام المعاصرين، د. محمد رجب البيومي، الطبعة الأولى سنة ١٩٩٩. ٨٢ - إتمام الأعلام للدكتور نزار أباظة ومحمد رياض المالح، دار صادر، الطبعة الأولى، سنة ١٩٩٩ م. ٨٣ - ذيل الأعلام، أحمد العلاونة، دار المنارة، جدة، الطبعة الأولى، سنة ١٩٩٨ م. ٨٤ - تتمة الأعلام، محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، الطبعة الأولى سنة ١٩٩٨ م. ٨٥ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، حققه محمد زهري النجار، المؤسسة السعيدية في الرياض. ٨٦ - حسن البنا ومنهجه في تفسير القرآن الكريم. ٨٧ - ابن باديس حياته وآثاره، د. عمار الطالبي، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ٨٨ - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير، عبد الحميد بن باديس، دار الفكر، بيروت. ٨٩ - قصتي مع الحياة، خالد محمد خالد. ٩٠ - جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، السنة الرابعة، العدد ٨/ ٩ ربيع أول سنة ١٣٥٣ هـ / ١٩٣٤ م. ٩١ - مجلة المنار، المجلد ٣٥، جزء ٩، جمادى الآخرة سنة ١٣٥٩ هـ/ ١٩٤٠ م. ٩٢ - مجلة الشهاب، السنة الأولى، العدد الأول، محرم سنة ١٣٦٧ هـ / ١٩٤٧ م. ٩٣ - مقاصد القرآن الكريم، حسن البنا، دار الوثيقة، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ /٢٠٠٤ م.

стр. 1482

٩٤ - علل وأدوية، الشيخ الغزالي. ٩٥ - مجلة الشهاب، السنة الأولى العدد ٤، ربيع الآخرة سنة ١٣٦٧ هـ/ ١٩٤٨ م. ٩٦ - بلاغة القرآن، محمد الخضر حسين، جمع وتحقيق: علي الرضا التونسي، ١٣٩١ هـ / ١٩١٨ م. ٩٧ - أسرار التنزيل، محمد الخضر حسين، جمع وتحقيق: علي رضا التونسي، ١٣٩٦ هـ/ ١٩٧٦ م. ٩٨ - من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، عبد الله عقيل سليمان العقيل. ٩٩ - مجلة لواء الإسلام، العدد الأول، السنة الرابعة. ١٠٠ - مجلة لواء الإسلام، العدد السابع، السنة الرابعة. ١٠١ - مجلة لواء الإسلام، العدد السادس، السنة الرابعة. ١٠٢ - تفسير القرآن الكريم، الشيخ محمود شلتوت، دار القلم. ١٠٣ - الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي، د. محمد البهي. ١٠٤ - القرآن العظيم، هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين، محمد الصادق عرجون، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٨٦ هـ / ١٩٦٦ م.

стр. 1483

التَّفْسِير والمُفَسِّرُونَ أَسَاسيَّاتُه واتجاهاتُه ومَنَاهِجُهُ في العَصْرِ الحَدِيث المفسّرون مَدَارِسُهُم ومَنَاهِجُهم الجُزءُ الثَّالِثُ الأستَاذ الدكتور فَضْل حَسَن عَبَّاس دار النفائس للنشر والتوزيع

стр. 1484

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1485

التَّفسِير والمُفَسِّرون أساسيَّاتُه واتجاهاته وَمَنَاهجُهُ في العصْرِ الحَدِيث (٣)

стр. 1486

حقوق الطبع محفوظة ١٤٣٧ هـ -٢٠١٦ م الطبعة الأولى رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية ١٤٨٨/ ٤ / ٢٠١٥ ٢٢٢ عباس، فضل حسن التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث/ فضل حسن عباس. طـ ١ - عمان- دار النفائس للنشر والتوزيع-٢٠١٥ () ص. الواصفات: التفسير// المفسرون// القرآن الكريم/ تنويه مهم تحت طائلة المسائلة القانونية يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بأنواع النشر كافة. دار النفائس للنشر والتوزيع -الأردن العبدلي -مقابل مركز جوهرة القدس ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠ فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١ Email: alnafaes@hotmail.com www.al-nafaes.com

стр. 1487

مقدمة الحمد لله رب العالمين، حمدًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد: في الجزء الثالث والأخير من هذا الكتاب الذي بين أيدينا يتحدث المؤلف ﵀ عن مناهج المفسرين على أمل أن يكتب في مناهج مفسرين آخرين والمفسرون الذين كتب عنهم في هذا الجزء هم: ١ - الشيخ أبو الأعلى المودودي. ٢ - الأستاذ سعيد حوى وتفسيره الأساس. ٣ - الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان. ٤ - الأستاذ محمد عزت دروزة والتفسير الحديث. ٥ - الشيخ عبد القادر ملا حويش وبيان المعاني. وكان قد طلب مني الكتابة في منهج الشيخ محمد أبو زهرة إضافة لما كان قد كتبه في رسالة الدكتوراه، وكذلك طلب الرجوع إلى رسالة الدكتور جمال أبو حسان -حفظه الله- التي كتبها في منهج الشيخ محمد الطاهر بن عاشور للأخذ منها وضمه إلى كتابه. وكذلك كان قد طلب من الدكتور جهاد النصيرات -حفظه الله- أن يكتب في منهج الشيخ عبد الكريم الخطيب. ومن هنا فقد أضفت إلى هذه السلسلة منهج الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ وما اقتطعته من كتاب الدكتور جمال أبي حسان في منهج الشيخ محمد الطاهر

стр. 1488

ابن عاشور وما كتبه الدكتور جهاد في منهج الشيخ عبد الكريم الخطيب، وأبين هنا أنه ﵀ لم يقرأ ما كُتب في هذه الفصول الثلاثة. ومن هنا رأينا أن نطبع ما كان كتبه ونضم إليه ما كان طلبه كذلك. رحم الله والدي الدكتور فضل حسن عباس وجزاه خيرًا على جهوده العظيمة التي بذلها في خدمة هذا الكتاب، ورحم الله علماء هذه الأمة، ورحم الله المسلمين أحياءً وأمواتًا. د. سناء فضل عباس

стр. 1489

منهج الأستاذ أبي الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩) في التفسير

стр. 1490

تفهيم القرآن الجزء الأول: من الفاتحة إلى آل عمران حياته: أبو الأعلى المودودي: (١٣٢١ - ١٣٩٩ هـ / ١٩٠٣ - ١٩٧٩ م)، وُلد بمدينة أورنك أباد في ولاية حيدر أباد بالهند، من أسرة فاضلة اشتهرت بالدين والفضل والعلم، تُعرف بالأسرة الودودية، نسبةً إلى الشيخ قطب الدين مودودي جشتي ﵀، مؤسسة الطريقة الجشتية في الهند المتوفى سنة ٥٢٧ هـ. لم يعلّمه أبوه في المدارس الإنكليزية، واكتفى بتعليمه في البيت، وكان أبوه هو معلمه الأول، وقد حرص على تنشئته تنشئة دينية، فتعلم اللغة العربية والقرآن والحديث والفقه واللغة الفارسية، ويقول المودودي عن أبيه: "إن والدي شملني بالتربية السليمة والتوجيه الشديد، وكان يلقي عليّ في الليالي حكايات الأنبياء، وأحداث تاريخ الإسلام، والوقائع الشهيرة في تاريخ الهند، ما أزال أشعر بفائدة تلك التربية حتى اليوم"، وكان يصحبه إلى مجالس أصحابه من العلماء، فتفتَّحت ملكاته، وظهر نبوغه وذكاؤه منذ حداثة سنِّه. عمل بالصحافة، بعد وفاة والده، وتولى منصب رئاسة تحرير جريدة "تاج" الصادرة في جبل بور، وجريدة "مسلم"، وجريدة "الجمعية" الصادرة في دلهي، ومجلته الخاصة "ترجمان القرآن" التي بدأ صدورها سنة ١٩٢٣ م، وهي تعدّ من أكبر المجلات الإسلامية في العالم.

стр. 1491

بدأ المودودي حركته الإسلامية التي تهدف إلى تعميق الإسلام لدى طبقة المفكرين المسلمين والدعوة إلى الإسلام، حتى أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، وتم انتخابه أميرًا لها في (٣ من شعبان ١٣٦٠ هـ/ ٢٦ أغسطس ١٩٤١ م). ومع إعلان قيام دولة باكستان في (١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م)، انتقل المودودي مع زملائه إلى لاهور؛ حيث أسس مقرّ الجماعة الإسلامية بهها، وبعد قيام باكستان بنحو خمسة أشهر، ألقى المودودي أول خطاب له في كلية الحقوق، وطالب بجعل القانون الأساسي لباكستان قائمًا على الشريعة الإسلامية، وأن تقوم الحكومة الباكستانية بتحديد سلطتها طبقًا لحدود الشريعة، وظلّ المودودي يلح على الحكومة بهذه المطالب، التي كانت سببًا في اعتقاله هو وبقية أعضاء الجماعة الإسلامية مرات عديدة، إلا أن ذلك لم يصرف المودودي وبقية أعضاء الحركة عن الاستمرار في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية. إلى أن حُكم عليه بالإعدام، وهو ما أدى إلى حدوث ثورة من الغضب الشديد في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وتوالت البرقيات من كل مكان تشجب هذا الحكم، حتى اضطرت الحكومة إلى تخفيف حكم الإعدام إلى السجن مدى الحياة، ولكن ردود الفعل الرافضة لهذا الحكم أدت إلى إصدار حكم بالعفو عن المودودي في (١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٥ م). وقد كان المودودي ﵀ يقضي فترات سجنه ومرضه بالتأليف، فكان له من المؤلفات ما يقرب المئة، بين رسائل وكتب في السياسة والقانون والدستور والتربية والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والتاريخ وما إلى ذلك من مشكلات اليوم والقضايا العصرية المعقدة. ومن أشهر كتبه كتاب "تفهيم القرآن"، وهو تفسير للقرآن الكريم صدرت منه أربعة مجلدات من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الفتح، ومنها كتاب "الجهاد في الإسلام"، وقد فصّل فيه موضوع الجهاد، بحيث لا يبقى لقارئه أي شبهة حول

стр. 1492

قضية الجهاد في الإسلام، وهذا الكتاب يقع في أكثر من ٥٠٠ صفحة، ومما يذكر عن أسباب تأليفه المباشرة، أنه ألّفه للردّ على قول الزعيم الهندي المعروف "المهاتما غاندي" في تصريحاته العديدة بأن الإسلام لم ينتشر إلا بقوة السيف، ولا شك أن هذا الكتاب قد جعل له مكانة عظمى في صفوف العلماء، وكان موقع تقدير نبيل من أقطاب العلماء والمثقفين والمفكرين. ومن الجدير بالذكر أن بعض مؤلفاته الشهيرة نقلت إلى اللغات العالمية العربية والإنكليزية والفرنسية والتركية والألمانية وغيرها من اللغات المحلية، مثل البنغالية والتاملية والمراتية والكندية والمليالمية والهندية والتلنكية، وأعجب من هذا أن بعض مؤلفاته نقلت إلى سبع عشرة لغة، وقد نقلت من كتبه إلى اللغة العربية أكثر من ٤٥ كتابًا، ومن أشهر مؤلفاته التي ظهرت في اللغة العربية: ١ - المصطلحات الأربعة في القرآن. ٢ - الحجاب. ٣ - تفسير سورة النور. ٤ - الإسلام والجاهلية. ٥ - نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون. ٦ - القانون الإسلامي. ٧ - نحن والحضارة الغربية. ٨ - المسألة القاديانية. ٩ - مبادئ أساسية لفهم القرآن. ١٠ - حركة تحديد النسل في ميزان النقد. ١١ - مسألة ملكية الأرض في الإسلام. ١٢ - أسس الاقتصاد بين الإسلام والنُّظُم المعاصرة. ١٣ - الربا.

стр. 1493

١٤ - شهادة الحق. ١٥ - نظرية الإسلام السياسية. ١٦ - منهاج الانقلاب الإسلامي. ١٧ - معضلات الاقتصاد الإسلامي وحلها في الإسلام. رحم الله العالِم المجاهد أبا الأعلى المودودي، وأسكنه فسيح جناته. مقدمة: لم يضع المؤلف في حسابه وهو يكتب هذا الكتاب: "تفهيم القرآن" أنه يكتبه للعلماء والباحثين، ولا من درسوا العلوم العربية والدينية ويريدون دراسة القرآن دراسة عميقة، إنما أراد أن يقدّمه للمثقفين غير المتخصصين الذين لا يستطيعون الإفادة من كنوز العلوم القرآنية الضخمة، كذلك أراد للقارئ العادي أن يفهم معاني الآيات الكريمة فهما جيدًا. هذا ما أشار إليه المؤلف في تعريفه للكتاب. وقد استمرت محاولاته في التأليف بتفسير القرآن على هذا النحو مدة خمس سنوات، وصل فيها إلى نهاية سورة يوسف، ثم سُجن بعدها، فكانت فترة سجنه فرصة استطاع فيها إعداد هذا الكتاب. افتتح المؤلف كتابه هذا بمقدمة من ثلاثين صفحة، بيّن فيها أن هذا الكتاب ليس تفسيرًا تقليديًا، وإنما هو تعريف للقارئ ببعض الأشياء التي تعينه على فهم الآيات الكريمة، وهذا ما يفهم من عنوان الكتاب، كما أنه أجاب على بعض الأسئلة التي تثور في ذهن الدارس لكتاب الله. وتحدث عن طبيعة القرآن الكريم، وأنه كتاب مغاير لترتيب الكتب الأخرى، فهو كتاب فريد، وهذه الحقيقة يجب على القارئ أن يضعها في ذهنه حين يبدأ دراسة القرآن، حتى لا يصاب بالحيرة من أسلوب القرآن الذي يختلف عن التقسيم

стр. 1494

المألوف، فليس مقسمًا إلى أبواب وفصول، بل يمزج بين الموضوعات على اختلافها دون عنوان لباب أو علامة لفصل، وهذا يثير خصوم القرآن فيثيرون شكوكًا حوله، لذلك فإن القارئ للقرآن الكريم عليه أن يقرأ بعد أن يحرر عقله من التصورات السابقة، ويعرف أنه يقرأ كتابًا فريدًا وحيدًا من نوعه. ثم بيّن أن القرآن يحوي دعوة الناس إلى اتباع الصراط المستقيم، وأن موضوعه هو الإنسان، حيث يناقش أنماط حياته التي تقوده إلى النجاح أو إلى دار البوار، وبين أن بحث القرآن الرئيس هو توضيح الحقيقة، وهي بعينها التي أوحاها الله إلى آدم عند تنصيبه خليفة، وأن كل النظريات التي تخالف هذه الحقيقة إنما هي نظريات فاسدة، ومعرفة هذه الأشياء -كما يقول أبو الأعلى- واستحضارها في ذهن القارئ للقرآن تبعده عن نظرة التنافر والانفصام في الأسلوب، أو النقص في ارتباط موضوعات القرآن العديدة، فأي موضوع فيه سيجده مرتبطًا ببحثه الأساس وهدفه. ثم تحدث عن نزول القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة، وأن لكل مرحلة ما يناسبها من الموضوعات، وأسلوب القرآن فيها يختلف عن أسلوبه في مراحل أخرى، فكان من المُحال أن يحوي تشاكلًا واتساقًا على نحو يناظر ما هو متبوع في كتب الديانات المماثلة له، ومرور الحركة الإسلامية بمراحل مختلفة يفسر لنا تكرار الأشياء مرارًا في القرآن، فأيّ مهمة وحركة يلزم لها بسط ما تتطلبه في مرحلة من مراحلها مع ضرورة التزام الصمت إزاء ما تحتاجه في المرحلة المقبلة، لهذا فإن احتياجات الحركة ما تفتأ تتكرر ما دامت الحركة لم تدخل في مرحلة أخرى سواء استمرت شهورًا أم أعوامًا، وطبيعي أن تكرار هذه الأمور يتخذ ألفاظًا وأساليب متنوعة لتجنب الرتابة، كما أنها تصاغ في لغة جميلة جليلة لتكون ذات تأثير فعال، كما أن القرآن يكرر عقيدته ومبادئه الأساسية في مواضع مناسبة ليحفظ الحركة قوية في كل مرحلة ودور.

стр. 1495

ثم أجاب على من يسأل: لماذا لم تُرتَّب سور القرآن حسب ترتيب نزولها؟ وأن هذا الأمر قد يستغله أعداء الإسلام للطعن في القرآن، فهم يرون أن أتباع سيدنا محمد ﷺ رتبوا القرآن دون أي ترتيب يسهل إدراكه وأنهم راعوا حجم السور، فقدموا السور الكبيرة على الصغيرة. قال: هذه الشكوك مبنية على جهل الحكمة الكامنة في ترتيب القرآن الحالي، فبالرغم من حتمية أن يكون القرآن كتابًا لكل عصر وأوان كان تنزيله لا بد وأن يكون تدرَّج على فترة ظلت ثلاثًا وعشرين سنة، ووفق مستلزمات الأدوار المختلفة التي كانت تمر بها الجماعة المسلمة، ومن الواضح أن تسلسل الوحي الذي كان يناسب التطور التدريجي للحركة الإسلامية لم يعد له وجه مناسب بعد اكتمال القرآن، وهذا استلزام الأمر ترتيبًا آخر يتفق مع الظروف التي تبدلت ويناسبها، فلقد كان القرآن في دور المرحلة الأولى للحركة يخاطب من كانوا على جهل تام بالإسلام، فكان عليه بالطبع أن يعلمهم أسس الإيمان، أما بعد نضوجها واكتمالها اهتم القرآن في المقام الأول بمن أقبلوا على الإسلام، وكونوا جماعة لتنفيذ المهمة التي كلّفهم بها الرسول ﷺ ، وواضح من هذا أن ترتيب الكتاب الكامل كان لا بد من اختلافه عن ترتيب نزول آياته الزمني حتى يناسب مستلزمات الأمة الإسلامية في كل العصور والدهور، فكان على القرآن أولًا أن يقف المسلمين على واجباتهم بشأن تنظيم حياتهم، وعلى هذا كان لزامًا أن تكون سورة البقرة ونظيراتها الدنية وليست سورة العلق ومثيلاتها في مستهل القرآن وبدايته. وثَمَّة أمر آخر ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، وهو أن ليس مما يناسب هدف القرآن وغرضه أن تجمع كافة السور التي تعالج موضوعات متجانسة، ويُصنف بعضها مع بعضها الآخر، ولتفادي النزعة الواحدية في دراسته، كان لا بد -كأمر أساس وجوهري- أن تتخلل السور المكية أخواتها المدنيات، وأن تتبع السورة المدنية قريناتها المكيات، وحتى تظل صورة الإسلام كاملة منشورة أمام القارئ عبر

стр. 1496

صفحات الكتاب، كان لا بد وأن تتناثر الدرر التي نزلت في المراحل المتأخرة، وهذه هي حكمة الترتيب الحالي. وجدير بالإشارة أن ترتيب السور القرآنية الحالي لم يقم به الصحابة كما يزعم البعض، ولكن الرسول ﷺ هو الذي رتبه جهدي من الله وتحت إشرافه ومباشرته (١). جمع القرآن: تحدث عن مراحل جمع القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ إلى عهد سيدنا عثمان ﵁، وأن زيدًا ﵁ نهج في ترتيب السور عين الترتيب الذي أقرّه الرسول ﷺ بنفسه، واستدلّ على ذلك بحرص زيد ﵁ على اتباع النبي ﷺ في كل أمر، وأنه حضر التلاوة الثانية مع النبي ﷺ على جبريل ﵇، وبحفظ الصحابة الذين حفظوه مرتبًا على النحو الذي علَّمه لهم النبي ﷺ (٢). اختلاف اللهجات: استشار الخليفة عثمان بن عفان الصحابة باستخدام النُّسخ المعتمدة التي جمعت بأمر سيدنا أبي بكر ﵁ في العالم الإسلامي دون غيرها، وحظر كافة النسخ الأخرى المكتوبة بلهجات مغايرة، وأحرق كافة النسخ الأخرى، من ضمنها نسخ الصحابة الشخصية التي كتبوا عليها بعض الكلمات التفسيرية والتعليقات. وكان هذا عملًا سديدًا صادرًا عن ذي نظر بعيد ثاقب، ولا يرتاب أحد بأن القرآن الذي معنا الآن هو بعينه الذي أتى به محمد ﷺ إلى العالم.

стр. 1497

ثم شرع الأستاذ أبو الأعلى في دراسة موضوع القراءات واختلافها، لما وُجد بسببها كثير من الظن والالتباس والزعم بأن القرآن لم يبقَ سليمًا، وسرد حقائق تساعد على فهم طبيعة القراءات ومداها: ١ - لم يكن الخط العربي الذي كتب به كُتّاب الرسول ﷺ أثناء حياته منقطًا أو مشتملًا على حركات صوتية، وكذا الحال في النسخة التي جمعها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر، وكذلك النسخ التي وزعها عثمان بن عفان ﵃. ٢ - مع أن صحة النص القرآني قد تأكدت في الرسم المكتوب، إلا أن انتشاره كان مشافهة، وذلك لانتشار الأمية بين الناس وندرة الورق. ٣ - عثمان ﵁ حين أرسل إلى كل مراكز الإسلام نسخًا صحيحة من القرآن لم يكتفِ بذلك، بل أرسل مع كل نسخة قارئًا. ٤ - على كر الأيام رؤي ضرورة وجود حركات صوتية للمحافظة على قراءة القرآن الصحيحة. يتضح من الحقائق التاريخية السالفة أن قراءة القرآن (باختلافات طفيفة جدًّا) هي القراءة نفسها التي قرأها الرسول ﷺ . ويجمع العلماء على تأكيد القراءة الصحيحة بأنها: ١ - تطابق نصّ النسخة التي وزعها عثمان ﵁. ٢ - تخضع لمعجم اللغة العربية واستخدامات ألفاظها وقواعدها. ٣ - القراءة المأثورة عن النبي ﷺ نفسه والواردة بحلقات متصلة وأسانيد مربوطة في روايتها. هذا هو سبب وجود اختلافات طفيفة في قراءة القرآن، وهي اختلافات لا تتعارض مع معانيه، بل تُوسِّعها وتجعلها أكثر فهمًا، وبهذا لا يوجد أدنى شكّ في أن الرسول ﷺ نفسه قد مارس هذه القراءات على اختلافها ورسمها الموجود الآن، ثم

стр. 1498

أتى بمثالين، قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] وقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (١). الشمولية: يعرف كل إنسان أن القرآن يقول بتقديمه الهداية للإنسانية كلها، لكن ما إنْ يقرأه يجده موجّهًا في أساسه إلى العرب الذين كانوا يعاصرون نزوله، فهو يناقش الأشياء التي يألفها ذوق العرب، وهذا يجعل المرء يتساءل: إذا كان القرآن الكريم موجّهًا للبشرية فلماذا يضم بين سوره عديدًا من العناصر المحلية والقومية المرتبطة بوقت نزوله؟ علينا أن نتفحص المسألة عن كثب، وببصيرة متقدة، ثم نقرر ما إذا كانت دعوة القرآن مقصورة على كفار الجزيرة وحدهم أم لا؟ وما إذا كانت دعوته تشكل حقيقة تنطبق وكل زمان ومكان أم لا؟ فإن جاءت الإجابة بالقبول والإيجاب فليس هناك ما يدعو لضرورة وصف هذا الوحي العام والتنزيل الشامل بأنه محلي مؤقت بحجة واهية هي أنه يخاطب مجتمعًا خاصًّا في فترة خاصة. ونحن لا نعرف فلسفة ولا منهج حياة قط في العالم تفسر وتشرح كل شيء من مبدئه إلى منتهاه بالنظر والتجريد دون أن تشير إلى حالات خاصة أو تستدل بأمثلة وشواهد، إذ من المستحيل -بداهة- أن يتأسس نموذج للحياة على أساس النظر وحده. وفوق هذا، فإن من المجدي لبدء أي حركة فكرية -جعلت لتكون عالية- أن تحقق مبادئ حركتها وتبرهن على صلاحيتها وكفاءتها، وهذا بالطبع سوف يجذب أممًا أخرى فتدرس مبادئ هذه الحركة ليشرعوا من بعد في تطبيقها بينهم (٢).

стр. 1499

دستور كامل: وثَمَّة شبهة أخرى يثير بعض الناس فيها لغطًا، وهي الادعاء بأن القرآن دستور كامل للحياة، ولكنه يخلو من قواعد ولوائح تفصيلية عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية ... حتى الصلاة والزكاة وهما من الفروض الهامة التي يؤكدها القرآن الكريم، لذا فالقارئ العادي لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن تسمية هذا الكتاب دستورًا كاملًا. ومردّ هذا الخلط أن صاحب الاعتراض يُغفل جانبًا هامًّا من الحقيقة، وهو أن الله تعالى لم ينزل الكتاب فحسب، بل أرسل معه رسوله ﷺ ليشرح للناس مبادئه بممارساتها في الواقع العملي، فوظيفة القرآن الكريم أن يخط الحدود الرئيسة لكل شعبة في الحياة، دون إعطاء لوائح وقواعد، وقد أسند البناء العملي للطريق الإسلامي للحياة حسب التعاليم التي يوحيها الكتاب إلى الرسول ﷺ . وهكذا فالقرآن دستور كامل بمعنى أنه يُؤْخَذ جنبًا إلى جنب مع السنّة النبوية العطرة. ثم عرض مسألة أخرى تحير الألباب وترهق العقول -كما يقول- وهي اختلافات تفسير القرآن، فالقرآن الكريم نهى الناس أن يختلفوا فيه، وتوعد من يختلفون فيه سوء العذاب، ومع ذلك فإننا نجد أقوالًا مختلفة في تفسير القرآن الكريم؟ وأجاب عن هذه المسألة بأن تفسير القرآن الكريم لا بد له من ضوابط، بيّنها العلماء، فإذا تحققت هذه الضوابط فقد يكون الاختلاف اجتهادًا تحتمله آيات القرآن الكريم، ومن هنا اختلف المفسرون، وقد تكون أقوالهم كلها محتملة في فهم الآية الكريمة (١).

стр. 1500

ولذلك فقد أنكر العلماء الاختلافات التي ترجع إلى هوى في النفس أو رأي شاذ يتعارض مع اللغة أو ما صحّ عن الرسول ﷺ (١). مقترحات حول الدراسة: أورد الأستاذ أبو الأعلى في ختام المقدمة بعض الاقتراحات بشأن دراسة القرآن لمن أراد أن يبحث في القرآن عن هدي لحل مشكلات الإنسانية: • الشرط الأساس لفهم القرآن أن يتناوله الدارس بعقل متفتح مستقل غير متحيز إليه أو عليه. • ينبغي التنويه إلى أن من أراد دراسة القرآن بإمعان لا بد له من قراءته مرارًا ومن وجهات نظر متعددة، فالمرة الواحدة قد تكفي للإلمام السريع بمحتويات القرآن. • إذا عَنَّتْ للمرء أسئلة، عليه أن يدوّنها ويواصل دراسته، فقد يَجِد لأسئلته إجابات في موضع آخر. • كما ينبغي على المرء أن يدوّن ملاحظات حول تصورات تعاليم القرآن المختلفة، ولا يمكن للإنسان أن يدرك بسهولة الحقائق المتضمنة في القرآن بمجرد تلاوة ألفاظه، بل يجب عليه أن يطبق ما فيه تطبيقًا عمليًا، وينزل إلى ميدان معركة الحياة (٢).

стр. 1501

منهجه في التفسير تقديمه بين يدي السورة: في هذا الكتاب فسر الأستاذ أبو الأعلى السور الثلاث الأُوَل من القرآن الكريم، وقبل البدء بالتفسير يعطي فكرة مجملة عن السورة: اسمها، فترة نزولها، موضوعاتها، حيث يقسم آيات السورة الكريمة إلى مجموعات، ويذكر المعنى الإجمالي بإيجاز لكل مجموعة، ولا ينسى أن يبين البحث الرئيس للسورة، فالبحث الرئيس لسورة البقرة كما يرى، هو الهداية، فهذه السورة دعوة لقبول الهداية الإلهية، وكل القصص والحوادث التي وردت فيها تدور حول هذه الفكرة المركزية. وفي سورتي البقرة، وآل عمران ربط بين فهم معاني السورة بالخلفية التاريخية التي أحاطت بنزول الآيات الكريمة، فمثلًا قال في الخلفية التاريخية لسورة آل عمران: "اتّقدت نار الانتقام في قلوب قريش بعد هزيمتهم في بدر، وأجّج اليهود هذه النيران وزكّوها، فكانت النتيجة أن وقعت حرب أُحُد، وهزيمة المسلمين في أُحُد كشفت عن نقاط ضعف المسلمين وأخطائهم، وهو أمر طبيعي أن تظهر بعض نقاط الضعف في جماعة تكونت منذ وقت وشيك، ولما تكتمل تربية أفرادها بعد، فباتَ ضروريًا أن يصدر تعليق كامل على الحرب بعد انتهائها بُيِّنَت فيه نقاط الضعف، وأعطيت الإرشادات والتعليمات اللازمة لإصلاحها وتقويمها" (١). إبرازه هداية القرآن: وبعد هذه المقدمات الموجزة يبدأ بتفسير الآيات، وتفسيره سهل ميسر واضح التراكيب، لغته عصرية، وألفاظه مستمدة من الواقع، يمكن وصف كتابه بأنه وقوف في ظلال الآيات، وليس تفسيرًا حرفيًا، فهو قد يمرّ بكثير من الآيات دون بيان معناها، بل إن ما يبرز في كتابه هو محاولة إظهار الغرض الأساسي للقرآن

стр. 1502

الكريم وهو هداية القرآن، فكان دائمًا يربط بين هذا الغرض وبين تفسير الآيات، ولهذا نجده لا يُعنى كثيرًا ببيان معنى الآيات بشكل تفصيلي، أو بيان المفردات الغريبة إلا قليلًا، ولا يقف كثيرًا على أوجه البلاغة والنحو، بل همّه الأكبر هو إنزال الآيات على الواقع، وبث المواعظ واستنباط ما يمكن استنباطه منها مما يَفيد الناسُ منه في حياتهم. مثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]، قال: "هنا تحذير للناس من عصيان الله؛ لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السموات أو في الأرض، أو في الألباب أو في القلوب، وليس في مكنة أحد من خلقه أن يحجب عنه شيئًا، أو يداري عن علمه أمرًا. كذلك تحوي هذه الآية حثًا للناس على اتباع هدى الله والخضوع له، لأنه تعالى أعلم با يناسب خلقه، ومن يحول وجهه عن هدايته، ويعرض عن طريقه، فسوف يضل إلى الجهل لا محالة، لأنه نبع المعرفة الحقيقية ومصدر العلم الأصيل، ولا خير يرجى إذا نأى الإنسان عنه، إذ ليس للإنسان نبع آخر غير الله يستقي منه معرفة الحقيقة، ونوره سبحانه وحده هو الذي يأخذ بيد الإنسان وجهديه في الدياجير الحالكة التي تكتنفه من كل جانب" (١). وعند قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]، قال -بعد أن فسرها تفسيرًا إجماليًا-: "إن أعمالنا وأفعالنا ليست في عين القرآن إلا كسب أيدينا؛ لأن كل فعل وعمل سواء أسفر عن نتيجة خير أم عاقبة سوء، إن خيرًا فسيجزينا ربنا عنه خيرًا، وإن شرًّا فسيعاقبنا به الله

стр. 1503

شرًّا، والقرآن إنما يشير إلى الأعمال والأفعال كمكتسبات لكي ينبهنا على النتائج الخطيرة التي تسوق إليها" (١). موقفه من القضايا اللغوية: ومع إقلاله في بيان المسائل البلاغية إلا أنه لم يهملها تمامًا، وحين ينبه على بعضها فبأسلوب جميل غير جاف، فعند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢]، قال: "من خواصّ الإنسان أنه إذا عَظُم في نظره شيء بيّنه في صيغ المبالغة، ثم إذا به يشعر أنه لم يوفِه حقه وقدره، فيورد لفظ مبالغة آخر ليكتمل النقص الذي يراه فيما أورده من مبالغة، وعلى هذا مع أن الكلمة العربية ﴿الرَّحْمَنِ﴾ صيغة مبالغة، وأنها تعبر عن صفات الإحسان والرحمة، وتظهرها في أرقى وأعلى مراتبها، فإنها تعجز عن التعبير عن كمال صفات الله غير المحدود، ولذا أضيفت كلمة أخرى من الأصل نفسه ﴿الرَّحِيمِ﴾ لسدّ هذا النقص" (٢). وعند قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] بيّن الفائدة من تنكير كلمة ﴿حَيَاةٍ﴾، حيث قال: "كلمة ﴿حَيَاةٍ﴾ المستخدمة هنا تنكيرًا تعني أنهم يعشقون الحياة دون اكتراث بنوعها، فلا يعنيهم إن كانت تقوم على الفضل والشرف أم على الخزي والعار" (٣). وفي تخصيص ذكر كلمة معينة في النظم القرآني بيّن سبب اختيار ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]: "لم يقل لا تتعدوها، بل قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ومعنى هذا أنه خطر على المرء أن

стр. 1504

يحوم عند المقام الذي يبدأ عنده حد المعصية، والسلامة في أن يبقى المرء بعيدًا عن الحدود كي لا تنزلق قدمه وتتخطاها سهوًا ونسيانًا" (١). ولم يغفل كذلك بيان الأصل اللغوي لبعض المفردات قبل بيان معناها في الاستخدام القرآني، مثلًا عند قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قال: "كلمة ﴿رَبِّ﴾ في اللغة العربية تطلق على السيد والمالك والرئيس والكفيل والمربي والحارس والرقيب والحاكم والعاهل والمدير والمنشئ والمؤسس، والله وحده رب العالمين بكل هذه المعاني جملةً وتفصيلًا" (٢). وقال في تفسير لفظة "الصبر" الواردة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]: "الصبر في اللغة يعني الحبس والضبط، لكنه في الاستخدام يعني الحِلْم والأناة والثبات والجلَد، والقرآن يستخدم هذا اللفظ ليعبر به عن ضبط الإرادة وقوة العزم، وحبس رغبات النفس، والمثابرة والاحتمال والتصميم، والالتزام الخلقي الذي يمكن المرء من مواجهة الآلام والمصاعب والحرمان والعوز والفاقة والمغريات التي يتعرض لها في اجتيازه للطريق الذي يختاره بما يمليه عليه ضميره في شجاعة وإقدام وثبات" (٣). وحين يمرّ بمَثَل قرآني يشرحه بطريقة سهلة ميسرة، ويبيّن العلاقة بين الألفاظ المشبَّه بها الواردة في المَثَل والعنى المشبَّه، مثلًا: قال عند تفسيره للآية الكريمة: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٧]: "المراد بالحرث في هذا المثال زرع الحياة الذي يجني الإنسان ثمره ومحاصيله في الآخرة، والريح يقصد به عاطفة الخير

стр. 1505

الظاهرية التي ينفق الكفار على أساسها المال في سبيل الخيرات، والنفع والضر في هذا المثال يقصد به فقدان الإيمان الصحيح وعدم اتباع قانون الله وشرعته، وهو ما جعل حياتهم كلها تتجه وجهة خاطئة. فالله يريد أن يقول بهذا المثل مع أن الهواء مفيد للزرع، إلا أنه لو حمل معه صقيعًا وبردًا قارصًا فإنه يفسده بدلًا من أن يفيده وينميه، وكذلك الخيرات أيضًا فمع أنها تنمي مزرعة الإنسان في آخرته إلا أن هذه الخيرات إذا صادفت في داخله سموم الكفر صارت مهلكة له لا منعشة لزرعه مكثرة لحصاده ... " (١). موقفه من المسائل العقدية: وانسجامًا مع تركيزه على مقاصد القرآن وهداية الناس، لم يكن له كبير عناية ببيان الخلافات العقدية، ولكن ظهرت سمات اعتقاده من بعض المواضع على ندرتها، فهو ضد عقيدة الجبر، وقد ظهر هذا من تعقيبه على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، حيث قال: "هذا لا يعني أن رفضهم للحقّ سببه صدور قرارات تعسفية ضدهم من الله -تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا- دون ذنب اقترفوه، فأعرضوا عن الحق؛ لأن الله ختم على قلوبهم، ولم يسمعوا للحق، لأن الله أصمَّ آذانهم، ولم يروا الحق لأن الله طمس على أعينهم، وإنما الحقيقة أن طمس الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم كان حصاد رفضهم وإعراضهم عن الحق في إصرار وعناد، وليس سببه وعلته" (٢). ونفى الجهة والحد عن الله تعالى وكل صفات النقص، فقد قال في تفسيره آيةَ الكرسي: "هذا يدمغ تصورًا عن الله أساسه أنه تعالى -جلَّت ذاته وتقدّست صفاته- تعتريه النقوص وتحده الحدود، مثله مثل المخلوقات البشرية الناقصة المتناهية، خذ

стр. 1506

لذلك مثلًا ما تقوله التوراة: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل) [التكوين: ٤٢: ٢] ... حاشا لله أن تناله هذه النقائص والعيوب" (١). موقفه من الخلافات الفقهية: وكذلك نجده لا يتوسع في سرد خلافات الفقهاء -على خلاف فعله في تفسيره لسورة النور، على ما سيأتي بيانه-، وإن لم يخلُ كتابه منها في بعض الأحيان، كبيانه خلاف الفقهاء في الفترة التي يحقّ فيها للزوج إعادة زوجته بعد الطلاق الرجعي (٢)، وكحديثه عن بعض أحكام الخلع (٣)، لكنه يعدّ مقلًا في هذا الجانب بشكل عام. مقدمات تاريخية للآية: ومما يُمدح به المؤلف أنه كان يتطرق لبيان ظروف وأحوال العرب، وشرح مقدمات تاريخية تُسهم في توضيح معنى الآية، عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]، قال: "لكي نفهم هذه الآي علينا أن نأخذ في الاعتبار أن العرب وقتذاك كانوا أميين غير متعلمين في معظمهم، على حين كان التعليم منتشرًا بين اليهود الذين كان منهم علماء كبار يعيشون بين العرب ووصلت شهرتهم إلى ما وراء الجزيرة العربية، فكان ذلك سببًا في انبهار مشركي العرب بثقافة اليهود، لأن علماءهم وأحبارهم كانوا يستعرضون عليهم عضلاتهم في ميدان التعليم والثقافة والتقوى والتدين، مدعّمين ذلك باستخدامهم السحر والتعاويذ والتمائم، وكان أهل المدينة خاصة مبهورين بثقافة اليهود وتعليمهم نظرًا

стр. 1507

لتوشيج العلاقات بينهم ليل نهار، فنتج عن هذا أن تأثروا بهم كثيرًا كما يتأثر الشعب الجاهل المتخلف عادة بجيرانه الذين يفوقونه ثقافةً وتحضرًا وتدينًا" (١). ثم بيّن أبو الأعلى أن العرب حين أُخبِرت بنبوة سيدنا محمد ﷺ توجهوا لسؤال اليهود، غير أن علماء اليهود لم يجيبوهم إجابة شافية صحيحة، بل جنحوا إلى اختلاق الشبهة تلو الشبهة حول الرسول وصحابته، وراحوا يلفقون الأكاذيب والأقاويل، ولهذا السبب صدر الأمر إليهم من الله ألا يكتموا الحق بإخفائه في ثوب الباطل، ونشر الشكوك والريب حوله، وإثارة الاعتراضات السخيفة ضده، وخلطه بالضلال والبهتان. وهذه السمة بارزة في كتابه ﵀، وهو في بعض المواضع يتوسع كثيرًا في الحديث عما يحيط الآيات من ظروف تعين على الوقوف على معناها بشكل أفضل مما لو أن القارئ لم يطلع عليها، انظر مثلًا ما قاله عند قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢] (٢). عنايته بأسباب النزول: ولم يُغفل بالطبع أسباب النزول، لما لمعرفتها من إسهام في فهم الآية، فقد كان يذكر بعضها، لكن دون التصريح بأن ما ذكره سبب نزول للآية، ودون الاستعانة بروايات السنّة، فعند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ... ﴾ [البقرة: ١٤٢]، قال: "حين تحولت القبلة إلى المسجد الحرام راح السفهاء الذين لم تكن لديهم البصيرة التي يفهمون بها المعنى الحقيقي لهذا التحويل، يثيرون اعتراضات ومزاعم يبلبلون بها فكر المؤمنين، وظنّوا -لحُمقهم وغبائهم- أن الله قد تحدد مكانه في اتجاه معين (هو بيت المقدس)، وأن

стр. 1508

تغيير القبلة إلى الكعبة لا يعني سوى التحويل عن ذات الله، فأبطل الله زعمهم هذا بإعلانه للناس أن المشارق والمغارب والجهات جميعًا لله رب العالمين" (١). وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال: "كان السعي بين الصفا والمروة من بين شعائر الحج التي علمها الله لإبراهيم ﵇، لكن الناس حين بدؤوا يشركون بالله آلهة باطلة بنوا على الصفا والمروة معابد، ووقفوها على اثنين من أصنامهم هما (آساف) و (نائلة)، وكانوا يطوفون بهما تقديسًا وإجلالًا، فلما اعتنق العرب الإسلام تساءلوا هل كان السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج أصلًا أم أنه من بدع الوثنيين؟ وهل هذا السعي شرك بالله أم لا؟ ويظهر من رواية للسيدة عائشة ﵂ أن أهل المدينة كانوا يكرهون السعي بين الصفا والمروة قبل إسلامهم، أما وقد جعلت الكعبة قبلة المسلمين فقد أذهب الله عن أذهانهم ما أساؤوا فهمه حول السعي بين الصفا والمروة، وأنبأهم أن هذه الشعيرة هي من شعائر الحج منذ عهد إبراهيم ﵇، وليست من ابتداع الجاهلية من بعده" (٢). إقلاله من الاستشهاد بالأحاديث: بشكل عام يُلحظ أن استشهاده بالأحاديث النبوية الشريفة أمر نادر، وإنْ ذكر حديثًا فلا يذكر سنده وأحيانًا قليلة يشير إلى المصدر، ولا يبين درجة الحديث من حيث الصحة والضعف. وأحيانًا يروي الحديث بالمعنى، من ذلك أنه قال عند تفسيره للآية الكريمة: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، "هناك حديث عن النبي ﷺ مروي

стр. 1509

في مسند الإمام أحمد معناه أن من ذهب من هذه الدنيا، وقد عمل صالحًا آتاه الله نعيمًا لا يتمنى بعده أن يعود إلى الدنيا، إلا الشهيد فهو يتمنى أن يرسل إلى الدنيا لينعم بنعيم وحلاوة ما يراه حين تفيض روحه في سبيل الله" (١). وفي الحاشية أشار المترجم إلى أصل الحديث، حيث قال: "لعله الحديث الذي قال فيه: (والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من نهار، وأن له من الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى) " (٢). رده على بني إسرائيل: ويبدو أن الأستاذ أبا الأعلى كان على اهتمام كبير بأحوال بني إسرائيل وتاريخهم، فكان كثيرًا ما يُسهب في بيان نفسياتهم، وكشف حقيقتهم، وكان هذا خيطًا بارزًا في كتابه، يظهر كلما ورد ذكرهم في الآيات الكريمة، ها هو ذا يحدثنا عن ألاعيب اليهود وتحريفهم لكتابهم، فيقول معلّقًا على الآية الكريمة: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]: "هذه الآية تشير إلى ما كان يفعله علماء اليهود، فهم لم يكتفوا بتحريف كتابهم المقدس ليلائم أمزجتهم وأهواءهم، بل خلطوا متنه الأصلي بتفاسيرهم الخاصة، وتاريخهم القومي وخرافاتهم وفلسفاتهم وقوانينهم ونظرياتهم التي صاغوها بأنفسهم، ثم قدموا هذا المزيج كله في الشكل الحالي للكتاب المقدس، على أنه من عند الله، بحيث إن كل قصة تاريخية، وكل أسطورة، وكل تفسير، وكل عقيدة مبتدعة، وكل قانون محلي دوّن في الكتاب

стр. 1510

المقدس وحشر فيه حشرًا، أصبح عندهم من صلب كلام الله، فرض على كل يهودي أن يؤمن به كذلك، وإلا رموه بالردة أو الهرطقة والخروج" (١). رده الشبهات: ونجده يردّ كثيرًا من شبهات اليهود والنصارى، من ذلك ما أورده في رد قولهم: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]، قال: "لكي يتضح المعنى الحقيقي لرد الله على قولهم ينبغي أن نضع في أذهاننا أمرين: ١ - أن اليهودية والنصرانية قد ولدتا بعد موت إبراهيم ﵇ بردح طويل، فظهرت اليهودية بطقوسها وشعائرها ولوائحها وقوانينها وتعاليمها الخاصة، وتسمَّتْ بهذا الاسم قبل الميلاد بقرابة أربعة قرون، أما المسيحية فتسمت بهذا الاسم، وتبنت عقيدتها الخاصة وشكلها المميز بعد المسيح ﵇. وبذا يتضح أن ادعاءهم ضرورة أن يكون المرء يهوديًّا أو نصرانيًّا لينال هداية الله ادعاء يتعذر الدفاع عنه تاريخيًا؛ لأنه يعني أن إبراهيم وعيسى وموسى وسائر الأنبياء الآخرين الذين مضوا منذ أزمان سحيقة قبل ابتداع اليهودية والنصرانية لا يمكن عدّهم من زمرة المهتدين، لسبب يسير هو أن هذه الأديان المزعومة (اليهودية والنصرانية) لم يكن لها وجود حين كان هؤلاء الأنبياء يعيشون في بقاع العالم، ولهذا اتضح أن اهتداء الإنسان لا يعتمد في أساسه على الخصائص الدينية التي بسببها انقسم اليهود والنصارى وغيرهم على فِرَق نحتلفة، وإنما يعتمد على اختياره ذلك الصراط المستقيم الشامل الذي يستمد الإنسان منه الهداية في كل حين. ٢ - أن هذا الرد يعني كذلك تعريف اليهود والنصارى بأن كليهما مشرك بالله، وبذا فقد حادوا عن سبيل إبراهيم ﵇ الذي لم يشرك مع الله أحدًا في العبادة
следующие страницы →