← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفصل الثالث أنواع التفسير وفيه مبحثان: الأول: التفسير الأثري. الثاني: التفسير بالرأي.

стр. 177

المبحث الأول التفسير الأثري نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، على قلب الرسول ﵌، لينذر أول ما ينذر قومًا كانوا في قمة المعرفة اللغوية، وكانت لغتهم نفسها قد بلغت من النمو والتكامل ما بلغت. ولكن هذا القرآن لم ينزل جملة واحدة. بل نزل منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث والمناسبات والوقائع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان فيه ما يحتاج إلى بيان أو تفصيل. والصحابة الذين شهدوا نزول الوحي ﵃، قد عرفوا هذه المناسبات التي نزلت في شأنها آيات من القرآن، وهي التي سماها العلماء فيما بعد أسباب النزول. وسمعوا من الرسول ﵌ تفسير ما كان يشكل عليهم فهمه من معنى مبهم، فكانوا هم أعلم الناس بذلك. ثم اتسعت دائرة التفسير، فكانت اللغة مصدرًا من مصادره تارة وأخبار أهل الكتاب تارة أخرى. ولكن التفسير بالمأثور يبقى محتفظا بميزاته وحدوده ليشمل فيما يشمل ما كان بيانا لمناسبة نزلت فيها آية، أو توضيحًا لمعنى بينه الرسول الكريم ﷺ ، أو قولًا أجمع عليه الصحابة، أو ما كان له حكم الرفع، مما لا يعرفه الصحابي إلا عن الرسول ﷺ . حدود التفسير الأثري: ذهب أكثر العلماء إلى أن التفسير بالمأثور، هو ما رفع إلى النبي ﷺ ، وما كان موقوفًا على الصحابة رضوان الله عليهم، وما جاء عن التابعين رضوان الله عليهم. وذهب بعضهم إلى أن ما جاء عن التابعين لا يعدّ من التفسير بالمأثور، وقد نقل هذا الزركشي في البرهان عن ابن عقيل من الحنابلة ﵀ (١).

стр. 178

ولكن الذي يظهر لي، ويتفق مع مكانة التفسير الأثري، أن التفسير المأثور ما صح عن النبي ﷺ أو كان له حكم المرفوع، ممّا روي عن الصحابة -رضوان الله عليهم- ويشمل هذا أسباب النزول: ١ - فمن المعلوم أن التفسير الأثري يقابل التفسير بالرأي، والتفسير بالرأي ما كان فيه مجال للاجتهاد، وعلى هذا فالتفسير الأثري ليس كذلك، أي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، وهذا يصدق على ما رفع إلى النبي ﷺ ، أو كان له حكم المرفوع أما ما روي عن الصحابة والتابعين مما هو اجتهاد منهم، فيدخل ضمن دائرة التفسير بالرأي، مثل بعض الروايات التي رويت عن ابن عباس. ٢ - إنهم عدّوا من التفسير بالمأثور، تفسير القرآن بالقرآن، وعلى هذا فإن الأقرب إلى تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، أما ما عدا هذين مما كان من اجتهادات الصحابة، فلا ينبغي أن نعدّه من التفسير بالمأثور. ومن باب أولى أن لا نعدّ من التفسير بالمأثور كذلك ما روي عن التابعين من اجتهادات، أو أخبار أهل الكتاب، والمعلوم أنه قد اتسعت دائرة الخلاف في التفسير في عهد التابعين، فلا نستطيع -إذن- أن نجعل تفسيرهم تفسيرًا أثريًا. وهنا لا بد أن أشير إلى قضية، وهي أننا يجب أن نفرق بين خيرية القرون التي تكلم عنها النبي ﷺ (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١) وبين قضية علمية تتصل بالقرآن الكريم، ثم إننا لا نملك دليلًا مقطوعًا به على ما ذهب إليه الأكثرون، من أن دائرة التفسير بالمأثور تشمل ذلك الكمّ الهائل من الروايات الكثيرة المتعددة، المتفقة حينًا والمختلفة أحيانًا، وقد عرفت ما قاله أبو حيان في البحر المحيط. ومثل هذا ما روي عن أبي حنيفة (ما جاءنا عن رسول الله ﷺ على الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا فيه، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال). وليس معنى هذا أننا نقلل من شأنهم ﵃ فهم

стр. 179

حملة علم النبي ﷺ وهم الذين لا يقادر قدرهم أمانة وذكاء وحرصا على سلامة الدين كتابًا وسنة. ملحوظات على هذا التقسيم: هذا هو الذي اشتهر عند القوم، فلا نكاد نجد كاتبًا من الذين عرضوا للتفسير وتاريخه وبخاصة في العصر الحديث، إلا وقسم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، حتى لقد أضحت هذه القضية من المسلمات، ولعل مما ساعدهم على ذلك تفسير الإمام السيوطي (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) حيث اشتمل كتابه على الروايات دون عرض اختلافات المفسرين، ولنا على هذا التقسيم ملاحظ عدة: أولًا: إن هذا المصطلح لم يكن معلومًا معروفًا في القرون الأولى وما بعدها حتى عند الذين كتبوا في علوم القرآن من المتقدمين، وعلى هذا هو مصطلح يخضع للبحث والتدقيق والنقد. ثانيًا: لم يتفقوا على ماهية هذا التفسير فبعضهم وسمع دائرته ليشمل تفسير النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وتفسير الصحابة ﵃، وتفسير التابعين ﵏ وآخرون لم يدخلوا فيه تفسير التابعين، كما بينته لك من قبل، وهذا ما أشارت إليه عبارة أبي حيان ﵀ في البحر المحيط، وفئة ثالثة -وأنا منهم- جعلته خاصًّا بما صح عن الرسول ﷺ . ثالثًا: إنهم جعلوا التفسير بالمأثور مقابلًا للتفسير بالرأي، مع أن ما روي عن الصحابة ﵃ كان كثير منه ناشئًا عن الرأي والاجتهاد، وكذلك بعض ما روي عن التابعين، فهذا ابن عباس ﵄ يختلف مع الصحابة في بعض أحكام آيات الميراث، ويختلف مع السيدة عائشة ﵂. في رؤية النبي ﷺ ربه، وفي تفسير قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ

стр. 180

كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وردت عن الحبر روايتان. إحداهما: أن السماوات والأرض كانتا كتلة واحدة وهذه إحدى النظريات في نشأة الكون. والأخرى: أن السماوات كانت رتقًا ففتقها الله بالمطر، وأن الأرض كذلك فتقها الله بالنبات. ولا يرتاب أحد في أن هذا اجتهاد من الحبر ﵄، فهو تفسير بالرأي، فكيف يمكن أن تعدّه تفسيرًا بالمأثور؟ ومثل هذا ما روي عن مجاهد ﵁ في مخالفة المفسرين في بعض الآيات، أن هذا التقسيم، اعني بالمأثور وبالرأي لا يخلو من إشكالات متعددة منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي. رابعًا: إننا لا نقدّر الصحابة -رضوان الله عليهم- قدرهم عندما نسلبهم القدرة على الاجتهاد في فهم القرآن الكريم، فنجعل كل ما روي عنهم روايات، فهموها من الرسول الكريم ﷺ ، أو نقلوها عن أهل الكتاب، وهذا هو سيدنا عليّ ﵇ وقد سئل: اترك الرسول ﷺ غير هذا الكتاب؟ يقول: لا، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن". أليس هذا الفهم للصحابة رضوان الله عليهم من قبيل التفسير بالرأي، فلماذا يكون هناك إصرار أن يعد من التفسير بالمأثور؟ خامسًا: لقد عدّوا من التفسير بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن، وتوسعوا في ذلك كثيرًا، وهناك تفسيران كبيران، أحدهما للأستاذ عبد الكريم الخطيب ﵀ وهو خمسة عشر جزءًا واسمه (التفسير القرآني للقرآن)، والثاني للشيخ الشنقيطي ﵀ وهو في تسعة أجزاء، واسمه (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن)، فهو عندما يذكر الآية الكريمة، يذكر عشرات الآيات في

стр. 181

تفسيرها وهذا أمر حريٌّ بالمناقشة، لأنه يترتب عليه مالا نقبله من دقة القرآن الكريم، وينتج عنه اتحاد المعنى في آيات متعددة في سور كثيرة. كنت قد أشرفت على رسالة لنيل شهادة الماجستير عام (١٤١١ هـ) - (١٩٩١ م) بعنوان (تفسير ابن عاشور: التحر والتنوير، دراسة منهجية ونقدية). وقد جاء في هذه الرسالة: "وقد درج المتقدمون قبلنا على تقسيم التفسير بالمأثور إلى أنحاء: الأول: تفسير القرآن بالقرآن، والثاني: تفسير القرآن بالسنة، والثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين. ولكن هذا التقسيم لا يمنعنا من الوقوف عنده قليلًا متأملين فيه، فأما تفسير القرآن بالقرآن فلا أعلم أحدًا من الكاتبين كتب في التفسير أو ما يتعلق بعلومه إلا وأقحمه ضمن الإطار العام المسمى بالتفسير بالمأثور وصاروا ينظّرون آيات القرآن بعضها ببعض لورود بعض الكلمات المتقاربة أو المتحدة في الآيتين المقارن بينهما، وهذا منحنى خطير وهو غير مقبول بهذه الطريقة. ونحن أولًا نقول: إن تفسير القرآن بالقرآن ينبغى أن لا يتجاوز تخصيص العام وتقييد المطلق، وبيان المجمل وتأويل الظاهر وغيرها مما درج على عدّه من بيان القرآن علماء الأصول، وكذلك حمل قصص الأنبياء والأمم السابقة بعضها على بعض، فما أوجز في مكان قد بسط في مكان آخر ونحو ذلك. وأما غير ذلك من تفسير بعض الآيات ببعضها الآخر لورود كلمات فيها متشابهة، . فهذا مالا نقبله من تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنه يؤدي إلى أمرين خطيرين: الأول: إغفال السياق القرآني الذي وردت فيه تلك الكلمة القرآنية واختيرت في مكانها، ومثل هذا الإغفال مدعاة للخلط والخبط في التفسير. الثاني: أنه يفضي إلى القول بتكرار معاني القرآن الكريم، ولا شك أن هذا غير

стр. 182

مقبول، فكما أنه لا تكرار في ألفاظ القرآن وآياته، فمعانيه لا تكرار فيها كذلك فكل آية، بل كل حرف جاء في آية في سياق خاص ومعانٍ متجددة. ثم إن تفسير القرآن وتنظير آياته بعضها ببعض لم يكن متفقًا على كل الآيات في مواضعها التي جعلوه فيها، من أجل ذلك فإني بعد لا أدري ما السبب الذي حمل الأجلة على عدّه من قبيل المأثور مع أنه مبني على التدبر والتفحص الشديد في آيات القرآن الكريم، بل لا يقدر عليه إلا الفحول المفكرون، ولهذا فإنني أرى أن يعدّ هذا القسم قائمًا برأسه دون إلحاقه بالمأثور. ولا يفوت أن نذكر أن ابن عاشور جعل تفسير القرآن بالقرآن من التفسير نفسه لا من مدده فقال: ولا يعد أيضًا من استمداد التفسير ما في بعض آي القرآن من معنى يفسر بعضا آخر منها، لأن ذلك من قبيل حمل بعض الكلام على بعض كتخصيص العموم، وتقييد المطلق، وبيان المجمل ... وغير ذلك (١). هذه بعض الإشكالات على تقسيمهم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، وقد يقال إذا كان هذا التقسيم كذلك، فما البديل الذي يمكن أن يحل محل هذا التقسيم؟ التقسيم البديل المختار: نرى أن من الخير والدقة العلمية أن نقسم التفسير إلى تفسير بالنقل وتفسير بالرأي وإن شئت قلت إلى منقول ومعقول، أما التفسير المنقول، فيشمل ما يلي: ١ - ما صح عن سيدنا رسول الله ﷺ ، وهذا لا معدل عنه، وهو قليل نسبيًا. ٢ - ما كان ناتجا عن اختلاف القراءات القرآنية الصحيحة، وأؤكد هذة القضية هنا؛ لأن بعض الكاتبين لم يفرق بين القراءة الصحيحة وغيرها.

стр. 183

٣ - ما كان تفسييرا لغويا للفظ، وذلك أن يحتمل اللفظ معنيين أو أكثر، وهو المشترك سواء كان من الأضداد أم لم يكن، وسيأتيك نبأ هذا كله إن شاء الله مفصلًا في الباب الثاني من هذا الكتاب. * شبهات أثيرت حول الصحابة رضوان الله عليهم وحول التفسير: الأولى: اتهام الصحابة بعدم النضوج العقلي: عرفنا مما سبق أن نشأة التفسير قد بدأت وتكاملت في عهد الرسول الكريم ﷺ ، وأن نشأته لم تكن ناتجة عن عدم نضوج العقلية عند المسلمين، كما يرى الأستاذ أمين الخولي ﵀ في منهج التجديد، وتابعه على ذلك صاحب نشأة التفسير (١). ونحن إذ نستنكر هذا القول نتساءل: ألا يكون ناضجًا عقل هؤلاء وقد أصبح من بعدهم عالة عليهم فهمًا وحفظًا واستنباطًا واجتهادًا؟ ! أما إذا كان النضوج العقلي يقصد منه عدم معرفة ما حدث من تطورات الحياة فيما بعد، فإن أرسطو طاليس مثلًا لم يكن يعرف عود الثقاب، فهل يعدّه هؤلاء غير ناضج العقل؟ الحق أنه لا بد من الشعور بالإجلال والتقدير، ولا بد من اختيار الكلمات التي يحتم علينا الأدب أن نستعملها مع هؤلاء الصفوة المختارة. ويتبين لنا مما سبق أن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد نزل القرآن بلغتهم قد فهموا القرآن وإن كانوا قد تفاوتوا في هذا الفهم. ولم يكن القرآن بالنسبة لهم لغزًا يصعب حله، حتى هؤلاء الذين كانوا في مكة يناصبون القرآن العداء كانوا يتأثرون به ومنه. الثانية: شبهة على التفسير الأثري وردها: يحلو لبعض الكتّاب أن يقارنوا بين القرآن وبين بعض الكتب الدينية. حتى ما

стр. 184

ليس منها سماويًا. ومن هذا القبيل ما يعلق به الدكتور سيّد أحمد خليل على عبارة المسعودي من أن زرادشت لما أتى (بالأفستا) لم يفهمها كثير من الناس، فاضطر إلى شرحها هو بكتاب سماه (زندا)، ثم شرح هذا الشرح بكتاب سماه (بازندا). يقول الدكتور سيّد أحمد خليل تعليقًا على هذا. وهذا العمل نفسه من جانب زرادشت صاحب الأفستا قوي الشبة بالعمل الذي قام به الرسول في تفسير بعض الآيات القرآنية (١). وهذا تشبيه غير مهذّب، إذْ ليس ثَمّ شبه بينهما، فالأفستا لم يفهمها كثير من الناس مما اضطر زرادشت إلى شرحها ثم شرح هذا الشرح، فأين هذا من القرآن الكريم الذي تأثر به حتى أولئك الذين أصروا على الكفر؟ فعلى الرغم من مطاعنهم، فإن التاريخ لم ينقل لنا عن أحد منهم أن هذا القرآن عمّي عليهم فهمه، وسدت دون قلوبهم مسالكه، ثم أين هذا الشبه كذلك بما قام به النبي ﷺ ، وهو يوجه أصحابه لفهم القرآن من القرآن نفسه، وبين ما قام به زرادشت من شرح وشرح لذلك الشرح؟ إن ما قاله المسعودي لدليل واضح وبرهان ساطع على البون الشاسع والفرق البعيد بين الأفستا وما قام به صاحبها وبين القرآن المنزل من عند الله كما قال عنه منزله ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]. إن القرآن الكريم كتاب عربي، يسره منزله للذكر ليدبروا آياته. وإذًا فهذه المقارنة باطلة ذاتًا وموضوعًا. وإن نشأة التفسير الأثري، وعدم اتساع دائرته، يرجع أول ما يرجع إلى وضوح المعنى القرآني، ويسر لفظه من جهة، والى كونه كتابًا سماويًا يحتاج فيه إلى بيان بعض ألفاظ مبهمة من جهة أخرى. منكرو التفسير الأثري ومناقشتهم: إذا كنا قد وجدنا من يوسع دائرة التفسير بالمأثور، فيدخل فيها الغث والسمين،

стр. 185

فلقد وجدنا على العكس من ذلك، من ينكر ثبوت شيء من التفسير بالمأثور. ويستند هؤلاء فيما يستندون، إلى كثرة الروايات الممزوجة بالإسرائيليات. كما يستندون إلى قول الإمام أحمد ﵁ (ثلاثة ليس لها أصل: المغازي والملاحم والتفسير) ومن الذين ذهبوا هذا المذهب الأستاذ المرحوم أحمد أمين (١)، وهو يتكلم عن وضع الحديث، ويضرب مثلًا لذلك أحاديث التفسير، كأنه يريد نفي ثبوت شيء منها، وهذه عبارته (وحسبك دليلًا على مقدار الوضع، أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يصح عنده منها شيء. قد جمع فيها آلاف الأحاديث). والحق الذي لا مرية فيه، أن ثبوت أحاديث تفسير لبعض آيات القرآن، أمر مجمع عليه من قبل الأمة وإلا فما معنى قول الله ﵎: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. بل لقد اشترط الأئمة لمن أراد أن يتصدى لتفسير القرآن أن يكون ملمًا بما ثبت عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. يقول صاحب البحر المحيط (٢) في مقدمته: (الوجه الرابع) أي مما يحتاج إليه المفسر: تعيين مبهم، وتبيين مجمل، وسبب نزول، ونسخ، ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن رسول الله ﷺ وذلك من علم الحديث) انتهى. عبارة الإمام أحمد (ثلاثة ليس لها أصل): وأما عبارة الإمام أحمد فإن صح نقلها عنه، فلقد فسرها العلماء تفسيرًا شافيًا يزيل كل شبهة يمكن أن تعلق بالنفس. فقال قوم إن الإمام إنما قصد غالب ما ذكر في هذه الموضوعات، ولم يرد الحكم عليها جميعها. وممن ذهب إلى هذا الرأي الزركشي في البرهان، وابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير. وقالت جماعة: إن

стр. 186

عبارة الإمام أحمد تنفي كتبًا خاصة عرفت بهذا الاسم، بدليل الرواية التي تقول (ثلاثة كتب) - وهما كتابان للكلبي وآخر لمقاتل بن سليمان. وذهبت فئة إلى أن هذا اصطلاح خاص بالإمام ﵁، فلا يلزم من نفي الصحة ثبوت الوضع، وقد عرف عن الإمام أحمد خاصة نفي الصحة عن أحاديث وهي مقبولة (١). قال اللكنوي، كثيرًا ما يقولون (لا يصح) أو (لا يثبت) هذا الحديث، ويظن من لا علم له أنه موضوع أو ضعيف، وهو مبني على جهله بمصطلحاتهم، وعدم وقوفه على مصرحاتهم (٢). وأقول وأنا أميل إلى هذا الرأي الأخير فقد روي عن الإمام أحمد ﵁ بعض العبارات التي تشبه هذه العبارة، وهي قوله (أربعة أحاديث ليس لها أصل) ومنها (للسائل حق وإن جاء على ظهر فرس) وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده) (٣). وإذًا فثبوت أحاديث التفسير من القضايا التي لا ينبغي أن يشكك فيها أحد، كيف وقد ذكر الأئمة الأعلام، الذين أجمعت الأمة على عدالتهم في كتبهم كثيرًا من هذه الروايات؟ مناقشة ما ذكره بعض الأفاضل في تقسيم التفسير الأثري: ذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين أقسامًا ثلاثة للتفسير المأثور كان معتمده فيها الصلة بين اللفظ والمعنى: الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، ومثاله: الاختلاف في معنى (قضى) من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] حيث ورد

стр. 187

عن ابن عباس ﵄ قضى: أمَرَ روعن مجاهد: أوحى، وعن الربيع بن أنس: أوجب. وهذه التفسيرات معناها متقارب ولا تأثير لهذا الاختلاف على معنى الآية. الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما فتحمل الآية عليهما وتفسّر بهما. مثاله: اختلاف المفسّرين في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فقد قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، وقال ابن عباس: هو رجل من أهل اليمن، وقيل: رجل من أهل البلقاء. ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن تكون ذكرت على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع. الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى والآية لا تحتمل المعنيين معًا للتضادّ بينهما فتحمل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره من المرجحات. ومثاله: الخلاف في المراد بمن في يده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وقال ابن عباس: هو الوَلِيُّ. والراجح عند العلماء هو الأول لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ (١).

стр. 188

ملحوظات على هذا التقسيم: ولنا على هذا التقسيم ملحوظات لا بدّ من إيرادها: أولًا: الأقسام التي ذكرها الشيخ ﵀ لا تندرج كلها تحت التفسير بالمأثور، فقد يُقبل القسم الأوّل منها عند أولئك الذين توسعوا في مفهوم التفسير بالمأثور وقد بسط القول في هذه القضية من قبل. ثانيًا: النوع الثاني الذي عدّه الشيخ من التفسير بالمأثور ليس منه يقينًا لأن الروايات التي ذُكرت فيه لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات. ثم إنّ مثل هذه القضية هي من مبهمات القرآن التي لم نُكلَّف معرفتها، بل أمرنا بالسكوت عن البحث عنها. ثالثًا: إن القسم الثالث الذي مثل له الشيخ ﵀ بالاختلاف فيمن بيده عقدة النكاح يرجع إلى اختلافهم في تفسير آيات الأحكام وهو يعتمد أكثر ما يعتمد الاجتهاد وإبداء الرأي. وعلى هذا فلا نرى أنّ التفسير بالمأثور يمكن أن يُقبل تقسيمه من هذه الحيثيات. نعم يمكن أن يقسم التفسير بالمأثور إلي ما صحّ سندًا أو لم يصحّ، أو أجمع عليه أو لم يُجْمع عليه. حتّى هذا التقسيم لن يكون ذا ثمرة مُجدية لأننا لن نقبل ما ما لم يصحّ سنده، ولسنا ملزمين فيما ليس فيه إجماع. نعم الثمرة الوحيدة هي تنقية الأقوال ما يقبل منها مما لا يقبل. أتفسير الصحابة كلّه لهُ حُكْم المرفوع ؟ أكلّ ما روي عن الصحابة في التفسير مما لا مجال فيه للرأي له حكم المرفوع؟ نقرأ في كتب التفسير روايات كثيرة أُسندت إلى الصحابة رضوان الله عنهم يُقال إنّ لها حكم المرفوع لأنها ممّا لا مجال فيه للرأي. وقد توقعنا هذه في إشكالات كبيرة، ولا بدّ أن نحتاط للأمر من جهات كثيرة: أولًا: هل ثبتت صحة هذه الرواية عن هذا الصحابي؟

стр. 189

ثانيًا: هل ثبت أنّ هذه الرواية ليس لها صلة بالإسرائيليات؟ ثالثًا: وهي قضية ذات أهميّة كبيرة: أهذه القضية المفسَّرة مما لا مجال فيه للرأي؟ فهذه أمر لا بدّ أن تُبحث بحثًا دقيقًا قبل أن نصدر حكمنا بأن هذا التفسير له حكم الموفوع. أضرب مثلًا لذلك: تذكر بعض الروايات أنّ القرآن الكريم له تنزّلات متعدّدة فقد أنزل إلى السماء الدنيا في ليلة واحدة، ثمّ نزل متفرقًا في ثلاثة وعشرين عامًا على قلب سيدنا رسول الله ﷺ . وهذه الروايات كلّها موقوفة على سيدنا عبد الله بن عبّاس رضى الله عنهما، وقالوا إن بعضها صحيح الإسناد. ولمْ ترْوَ عن غيره من الصحابة وليس فيها رواية مرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كثيرًا من الباحثين أعطاها حكم الموفوع، لأنها لا مجال فيها للاجتهاد. ولكنّنا نتساءل هنا: أولا: لِمَ لمْ تردْ روايةٌ مرفوعة في هذا الشأن؟ ثانيًا: لِمَ لمْ يَسْمع من الرسول ﵊ هذه القضية -على أهميتها- سوى ابن عباس؟ ثالثًا: لِمَ كانت هذه القضية ممّا لا مجال فيه للاجتهاد؟ لمَ لا يكون ابن عباس ﵄ -وهو ممّن أكرمه الله فعلّمه التأويل- فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ومن قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أنّ الضمير في هذه الآيات الكريمات يرجع إلى القرآن الكريم كلّه وأنه أُنزل إلى سماء الدنيا، ويكون هذا فهمَ ابن عبّاس ﵄؟ إنّ حُكْمنا على كلّ رواية أن لها حُكْم المرفوع قد تكون له نتائج خطيرة؛ لذا ينبغي التحرّي والدقة قبل إصدار مثل هذه الأحكام والله وليّ كلّ أمر، ومنه التوفيق والسداد.

стр. 190

المبحث الثاني التفسير بالرأي معنى التفسير بالرأي وأنواعه: المقصود بالرأي هنا الاجتهاد، ولا بد أن يكون الاجتهاد هنا اجتهادًا يستند إلى أسس صحيحة ثابتة، لذلك قسموا الرأي إلى رأي محمود ورأي مذموم، فالرأي المحمود هو الذي يستند إلى اللغة والسياق والمأثور. والرأي المذموم لا يستند إلى شيء من هذه الأسس بل يعتمد على الهوى الناشئ من جهلٍ أو نحلةٍ باطلة. رأي الراغب الأصفهاني: يقول الراغب الأصفهاني: "والتأويل نوعان: مستكره ومنقاد: فالمستكره: ما يستبشع إذا سُبر بالحجة، ويستقبح بالتدليسات المزخرفة، وذلك على أربعة أضرب: الأول: أن يكون لفظ عام فيخصص في بعض ما يدخل تحته، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] حمله بعض الناس على علي بن أبي طالب فقط. الثاني: أن يلفق بين اثنين، نحو قول من زعم أن الحيوانات كلها مكلفة، محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] فدلّ بقوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ أنهم مكلفون كما نحن مكلفون. الثالث: ما استعين فيه بخبر مزوّر أو كالمزوّر كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال بعضهم: عني به الجارحة مستدلًا بحديث موضوع (١).

стр. 191

الرابع. ما يستعان به باستعارات واشتقاقات بعيدة، كما قاله بعض الناس في البقر إنه إنسان يبقر عن أسرار العلوم. وفي الهدهد: إنه إنسان موصوف بجودة البحث والتنقير. فالأول: أكثر ما يروج على المتفقهة الذين لم يقووا في معرفة الخاصّ والعام. والثاني: على المتكلم الذي لم يقو في معرفة شرائط النظم. والثالث: على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قول الأخبار. والرابع: على الأديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات. والمنقاد من التأويل: ما لا يعرض فيه البشاعة المتقدمة، وقد يقع الخلاف فيه بين الراسخين في العلم لإحدى جهات ثلاث: إما لاشتراك في اللفظ نحو قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ل [الأنعام: ١٠٣] هل هو من بصر العين، أو من بصر القلب؟ أو لأمر راجع إلى النظم نحو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] هل هذا الاستثناء مقصور على المعطوف، أو مردود إليه وإلى المعطوف عليه معًا. وإما لغموض المعنى، ووجازة اللفظ، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] (١). ويقول ابن الأثير: (النهي عن تفسير القرآن بالرأي) لا يخلو، إما أن يكون المراد به: الاقتصار على النقل والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به: أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به: أن لا يتكلّم أحدٌ في القرآن إلّا بما سمعه، فإنّ الصحابة ﵃ قد فسروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي ﷺ ، وإنّ النبي دعا لابن عباس فقال: "اللهم فقهه في الدِّين

стр. 192

وعلِّمه التأويل" فإن كان التأويل مسموعًا كالتنزيل، مما فائدة تخصيصه بذلك؟ وإنما النهي يحمل على أحد وجهين. أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتجّ على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أنْ ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يُلبِّس على خصمه. وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملةً، فيميل فهمُه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويترجَّح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسَّر برأيه، أي رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلًا من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤]، ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون. وهذا الجنس قد استعمله بعض الوعَّاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينًا للكلام، وترغيبًا للمستمع، وهو ممنوع. وقد استعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس، ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل، فينزِّلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعًا: أنها غير مرادة به. فهذه الفنون: أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي. والوجه الثاني: أن يسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما

стр. 193

فيه من الاختصار، والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسّر القرآن بالرأي. فالنقل والسماع لا بدَّ منه في ظاهر التفسير أولًا، ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتَّسع التفهمُّ والاستنباط. رأي الشاطبي: يقول الشاطبي: إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه، وجاء أيضًا ما يقتضي إعماله. وحسبك من ذلك ما نقل عن الصديق، فإنه نقل عنه أنه قال -وقد سئل في شيء من القرآن "أيُّ سماء تظلُّني، وأيُّ أرض تقلني، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ " وربما روى فيه: إذا قلت في كتاب الله برأيي، ثم سئل عن الكلالة المذكورة في القرآن، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان. الكلالة كذا وكذا" فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأي وتركه في القرآن. وهما لا يجتمعان. والقول فيه أن الرأي ضربان: (أحدهما) جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة. فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما؟ لأمور. ١ - أن الكتاب لا بد من القول فيه، ببيان معنى، واستنباط حكم، وتفسير لفظ، وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم، فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها، وذلك غير ممكن فلا بد من القول فيه بما يليق. ٢ - أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول ﷺ مبينا ذلك كله بالتوقيف، فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول، والمعلوم أنه ﵊ لم يفعل ذلك، فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه، بل بين منه ما لا يوصل إلى علمه

стр. 194

إلا به، وترك كثيرًا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم، فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف. ٣ - أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي هذا بإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح. ٤ - أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأن النظر في القرآن من جهتين: من جهة الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلًا، ومن جهة المآخذ العربية، وهذا لا يمكن فيه التوقيف، وإلا لزم ذلك في السلف الأولين، وهو باطل، فاللازم عنه مثله. وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه. (وأما الرأي) غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على الأدلة الشرعية فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال، كما كان مذمومًا في القياس أيضًا، حسبما هو مذكور في كتاب (١) القياس؛ لأنه تقول على الله بغير برهان، فيرجع إلى الكذب على الله تعالى. وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء، كما روى عن ابن مسعود: (ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم. فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وعليكم بالعتيق). وعن عمر بن الخطاب (إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه) وإنما هذا كله توقٍ وتحرزٌ أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم، والقول فيه من غير تثبت، وقد نقل عن الأصمعي -وجلالته في معرفة كلام العرب معلومةٌ- أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله، وإذا سئل عن ذلك لم يجب: انظر الحكاية عنه في الكامل للمبرَّد (٢).

стр. 195

فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء. (منها) التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بينة، فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات: إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين، كالصحابة والتابعين ومن يليهم. وهؤلاء قالوا مع التقوي والتحفظ، والهيبة والخوف من الهجوم. فنحن أولى بذلك منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم. وهيهات. والثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه. والثالثة: من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض. فهذا أيضًا داخل تحت حكم المنع من القول فيه؛ لأن الأصل عدم العلم، فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال. وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل. (ومنها) أن من ترك النظر في القرآن، واعتمد في ذلك على من تقدمه، ووكل إليه النظر فيه، غيرُ ملوم، وله في ذلك سعة إلا فيما لا بد له منه وعلى حكم الضرورة، فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس كما هو مذكور في بابه، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن، فإن المحظور فيهما واحد، وهو خوف التقول على الله، بل القول في القرآن أشد؛ فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا، أو عنى كذا بكلامه المنزّل. وهذا عظيم الخطر. (ومنها) أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم عليه أن ما يقوله تقصيد

стр. 196

منه للمتكلم، والقرآن كلام الله، فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد. وإلا فمجرد الاحتمال يكفي بأن يقول يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا، بناء أيضًا على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم، وإلا فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة. فعلى كل تقدير لا بد في كل قول يجزم به أو يحمّل - من شاهد يشهد لأصله، وإلا كان باطلًا، ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم والله أعلم (١). ولقد بحث الكاتبون في التفسير هذه القضية، وأطالوا فيها النفس -سامحهم الله- فلقد أشار إليها الراغب الأصفهاني ومن بعده الزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان ﵏ جميعًا- ثم ذكرها من المحدثين الشيخ الزرقاني في مناهل العرفان، ثم الشيخ الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون ﵏ جميعا- ثم ذكرها من بعدهم، ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم خليفة في كتابه الدّخيل في التفسير حيث نقل أقوال أولئك السابقين والمعاصرين، وخلاصة ما قاله هؤلاء الكاتبون: إن العلماء اختلفوا فبعضهم منع التفسير بالرأي، ولم يقبل منه إلا ما ثبت عن الرسول ﷺ ، أو ما كان فيه إجماع من الصحابة. وآخرون ذهبوا مذهبًا آخر فأجازوا التفسير بالرأي، إذا كان ناشئًا عن أسس ثابتة ليس للجهل ولا للنحل الفاسدة دخل فيه. ولقد ذهب كثير من المحدثين منهم الشيخ الزرقاني، والشيخ الذهبي، إلى أن هذا الخلاف لفظي؛ لأن الذين أجازوا التفسير بالرأي، إنما كانوا يقصدون الرأي المحمود، الناشيء عن أسس صحيحة، والذين منعوه كانوا يقصدون الرأي المذموم الناشيء عن الهوى. وقد تعقبهم صاحب كتاب (الدخيل في التفسير)، وأطال القول ورد عليهم بأن الخلاف ليس لفظيًّا كما ادّعوا، بل هو خلاف حقيقي، والحق مع الشيخين

стр. 197

رحمهما الله. وكنت أودّ أن لا يَكثرُ الحديث حول هذه القضية؛ لأنها قضية المدّعى عليه فيها مجهول. ونحن نعلم بداهة عندما تناقش قضية من القضايا مما اختلفت فيها آراء العلماء أن لكل رأي قائلًا يدافع عنه، يقال ذهب فلان إلى كذا، وقال فلان آخر كذا، ففي الفقه مثلًا يقال قال الشافعية كذا وقال الحنفية كذا، وفي التفسير يقال: قال ابن جرير كذا، وقال الزمخشري كذا، وفي الحديث يقال: قال صاحب الفتح ابن حجر كذا، وقال العيني في عمدة القارئ كذا، وفي أصول الفقه يقال: قال الآمدي كذا وقال ابن الحاجب كذا، وفي النحو يقال: قال سيبويه كذا وقال المبرد كذا. أما قضيتنا هذه فيقولون: منع قوم التفسير بالرأي، أما من هم هؤلاء القوم ومن هذه الجماعة، فإنهم لم يذكروا شخصًا معينًا، يمكن أن يوجه إليه القول لمناقشته. وأنقل هنا كلمة للشيخ الذهبي من كتابه التفسير والمفسرون: يقول: "اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز تفسير القرآن بالرأي، ووقف المفسرون بإزاء هذا الموضوع موقفين متعارضين: فقوم تشددوا في ذلك فلم يجرءوا على تفسير شئ من القرآن، ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالمًا أديبًا، متسعًا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وإنما له أن ينتهي إلى ما روى عن النبي ﷺ وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة ﵃، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين، وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأسًا أن يفسروا القرآن باجتهادهم ورأوا أن من كان ذا أدب وسيع فموسع له أن يفسر القرآن برأيه واجتهاده" (١). رأينا في القضية: والذي أوقن به أن أئمتنا ﵏ كانوا يفترضون أن هناك مخالفًا

стр. 198

ويفترضون له حججًا وأدلة ويأتون بها ويردون عليها ليسلم لهم الرأي الذي يتبنونه، وهذا كثير في كتبهم، وإلا فكيف يمكن أن نتصور أن هناك عاقلًا، فضلًا على أن يكون عالمًا، فضلًا على أن يكون إمامًا لا يجيز التفسير إلا إذا كان مرويًا عن رسول الله ﷺ أو كان له حكم المرفوع، وهو قليل؟ ولو قدِّر لمثل هذا القول -لا سمح الله- أن يكون له رواج في البيئة العلميّة لما أفاد أحد من هذا القرآن العظيم ولما كانت هذه المكتبة القرآنية التي أنعم الله بها على المسلمين، بل على الناس جميعًا، لقد كتب صاحب كتاب، (الدخيل في التفسير) (١) ما يزيد على خمسين صفحة في هذا الموضوع وما نظن أن الأمر يحتاج إلى ذلك كله. والذي يقرأ أدلة هؤلاء الذين أدّعي أنهم يمنعون التفسير بالرأي، يدرك لأول وهلة أنها لا تعدو أن تكون عموميات يسهل نقضها والردّ عليها، فمنها مثلًا: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] قالوا فهذه الآية الكريمة تبين أن الرسول ﷺ هو الذي ينبغي أن يبين للناس. ويرد هذا القول بأن الآية الكريمة ليس فيها أن غير الرسول عليه وآله الصلاة والسلام لا يجوز له أن يبين للناس، كيف وهناك آيات كثيرة، تحتم على العلماء أن يبينوا للناس ما لا يعلمون؟ ٢ - ما رواه الترمذي وأبو داود عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ" (٢) ومع أن الترمذي قال عنه غريب، فقد تكلموا على أحد رواته، وهو سهيل بن أبي حزم، قال ابن حجر (سهل بن أبي حزم، ويقال إن اسمه مهران، أو عبد الله وبعد أن ذكر عمن روى، ومن روى عنه، قال. قال حرب عن أحمد. روى أحاديث منكرة وقال البخاري لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه، وقال أبو

стр. 199

حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به (١) وإذا كان هذا الحديث قد تكلم فيه العلماء، وقالوا لا يحتج به، فإن متنه لا يخلو من مناقشة كذلك. وقد تواترت الأدلة منذ عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم كانوا يفسرون القرآن الكريم بالقرآن نفسه، أو بالسنة، فإن لم يجدوا اجتهدوا آراءهم. قول الزركشي في القضيّة: يقول الزركشي: واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول إما أن يرد عن النبي ﷺ أو الصحابة أو رؤوس التابعين، فالأول يبحث فيه من صحة السند، والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه، وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدّم ابن عباس لأن النبي ﷺ بشره بذلك، حيث قال: اللهم علمه التأويل وأما ما ورد عن التابعين فحيث جاز الاعتماد فيما سبق فكذلك هنا، وإلا وجب الاجتهاد. وأما ما لم يرد فيه نقل، فهو قليل (٢) وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيرًا في كتابه المفردات فيذكر قيدًا زائدًا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتضاه السياق" (٣).

стр. 200

تقسيمات أخرى للتفسير: هناك أنواع للتفسير اقتضتها ظروف العصر فهناك التفسير الموضوعي، وسيأتيك إن شاء الله نبَؤُه بعد حين. ويقابله التفسير التحليلي وهو تفسير الآيات حسب ترتيبيها في سورها تفسيرًا للآية إفرادًا وتركيبًا والكشف عمّا فيها من قيم متعدّدة وأحكام عقديّة أو تشريعية واجتماعية. وهناك التفسير الإجمالي وهو يعطي القارئ معنى مجملًا للآية الكريمة المفسّرة، وكثيرًا ما يُطبع هذا التفسير في حواشي المصحف الشريف، وقد يطبع مع المصحف كذلك القراءات القرآنية. وهناك التفسير المقارن ونعني به دراسة أقوال المفسرين والموازنة بينها واستخلاص القول الراجح وبيان أسباب الترجيح. وهناك التفسير الإذاعي وهو ما يكون دروسًا في الإذاعة المسموعة أو المرئيّة. وأظنّ أن هذا النوع يحتاج أكثر من غيره إلى الحكمة والتأني والتروّي، ذلك لأنه يخاطب أصناف الناس على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم. وللدكتور محمد السعدي فرهود ﵀ تفسير في الإذاعة المصرية كنتُ قد سمعت بعض حلقاته من إذاعة القرآن الكريم في القاهرة فكان أحد القرّاء يقرأ بعض الآيات المراد تفسيرها ثم يفسّرها الدكتور ﵀. وقد وفقني الله ﵎ قبل ثلث قرن تحديدًا في سنة ١٩٧١ ففسّرت القرآن الكريم كاملًا للإذاعة الأردنية وكانت تجربة رائدة إذ كانت الأولى من نوعها، لأنني لم كن مفسّرا فحسب، بل كنتُ أتلو الآيات الكريمات وأفسّرها ثم أتلو غيرها. وكانت هذه الحلقة الواحدة خمس عشرة دقيقة. وقد استغرق هذا التفسير أربعمائة حلقة أي ما يقرب من مائة ساعة، وقد أُذيع عدّة سنين. وأظنّه لا يزال يذاع في الإذاعات الموجهة خارج الأردن ولله الحمد والمنّة.

стр. 201

دعائم التفسير بالرأي: التفسير بالرأي، أمر لا بد منه إذا استوفى شروطه، وخلاصتها: ١ - أن لا يصدر المفسر في تفسيره عن هوىً في نفسه فينزل التفسير على مذهبه وعقيدته. ٢ - أن لا يتعارض هذا التفسير مع اللغة، فإن اللغة هي الأساس قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢]. ٣ - أن لا يتعارض التفسير مع سياق الآيات الكريمة. ٤ - أن لا يخالف ما صح عن رسول الله ﷺ . هذه هي دعائم التفسير، وأعمدته: المأثور واللغة والسياق، ولا بد من أن نتحدث عن هذه الدعائم الثلاث. الدعامة الأولى: المأثور: أما المأثور، ونعني به ما صح عن سيدنا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يجوز أن نفسر القرآن بما يناقضه، وهذا النوع من التفسير، مع ما له من قدسية وعظيم شرف ومنزلة، فإنه قليل نادر، نعم إن كان التفسير بما لا يتعارض مع المأثور فإنه يمكن قبوله، ففي قول الله تعالى. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثبت عن الرسول ﷺ تفسير القوة بالرمي: "ألا إن القوة الرمي" فيمكن أن يتوسع في مفهوم الرمي ليشمل ما يتطلبه الجهاد والحرب. أما إذا كان التفسير يتناقض مع ما صح من المأثور، فإنه لا يمكن قبوله، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] فقد ورد في تفسيرها أن الدخان هو ما أصاب أهل مكة من الغمّ والجهد والضنك حينما دعا عليهم رسول الله ﷺ في قوله "اللهم سنين كسنين يوسف"، فعن مسروق قال: دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم، إن الله قال

стр. 202

لنبيه ﷺ ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] إن قريشًا لما غلبوا النبي ﷺ واستعصوا عليه قال. اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" فأخذتهم سنة فكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر فذلك قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٠ - ١٦] (١). وصحيح أن هذا التفسير روى عن عبد الله بن مسعود، لكنه يمكن أن نعطيه حكم الحديث المرفوع، لأنه إخبار عن واقعة عين. وقد جاء في تفسير الآية قول آخر، وهو أن الدخان من علامات الساعة التي تكون في آخر الزمان، وهذا التفسير لا يثبت أمام التفسير الأول، لمخالفته ما صح عن الرسول ﷺ ولمخالفته السياق كما سنعلم فيما بعد، حتى إن صح الحديث فلا يعد تفسيرًا للآية الكريمة. وخلاصة القول أن ما صح عن النبي ﷺ في تفسير كتاب الله تعالى ينبغي أن لا يُعدل عنه. الدعامة الثانية: اللغة القرآن الكريم كرم الله به هذه اللغة، فكانت قوالب لمعانيه الشريفة وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تبين هذه الحقيقة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]

стр. 203

﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر: ٢٨]. فأي تفسير لكتاب الله ﵎ لا بد أن تعتمد فيه اللغة العربية أساسًا، وأيّ تفسير يتعارض مع اللغة يحكم عليه بأنه تفسير معوج باطل، لذا حرص العلماء، وهم يتحدثون عن شروط المفسو أن يكون ملمًا باللغة إفرادًا وتراكيب وأساليب. إن اللغة ليس من شأنها أن ترجح رأيًا على رأي في التفسير فحسب، بل إنها في أكثر الأحيان تعين الرأي المقبول في تفسير الآيات الكريمة، وما أجمل كلمة الإمام مالك ﵁ لا أوتى برجل غير عالم بلغه العرب يفسر القرآن إلا جعلته نكالًا" (١). ويقول الشافعي ﵁ "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشُّبَه التي دخلت على من جهل لسانها، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه وادراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه وترك موضع حظه وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير (٢). مناقشة تخليطات محمد شحرور اللغوية: والذين خرجوا من اللغة في تفسيراتهم إنما هم قوم ركبوا متن الغواية، وامتطوا عقبة الجهل وكانوا يصدرون من هوى مقيت، ونحل فاسدة، فمن الأقدمين أصحاب الفرق الباطنية، وأما المحدثون فكثيرون، منهم على سبيل المثال

стр. 204

صاحب. (الكتاب والقرآن) محمد شحرور، حيث كانت له تخليطات بعيدة عما قررته اللغة، وما نقله اللغويون. إن من القضايا التي عرض لها الكاتب قضية الترادف، فهو ينكر أن يكون في القرآن ترادف، لأنها مجرد خدعة، وهي سبب أوهام المسلمين، ومع أن القضية -قضية الترادف- قضية خلافية بين علماء اللغة إلا أن الكاتب ينكر الترادف لا اعتمادًا على قاعدة علمية، إذ كثيرون ينكرون الترادف في القرآن الكريم وأنا أحدهم، ولكن ينكره ليبني على رأيه أوهام فكره الماركسي، حيث قسم القرآن الكريم إلى أقسام متفرقة ليثبت نظريته الجدلية. وإذا كان ينكر الترادف، إلا أنه يعتمد قضية الاشتراك أساسًا يستند إليه في تحديد مرادات الألفاظ، والاشتراك يعني أن الكلمة لها أكثر من معنى، والكاتب يخلط هنا كثيرًا، مما يظهر لنا ضحالة فهمه وعلمه ومن ذلك ما ذكره في معنى كلمة عرش "العرش في اللسان العربي جاء من عرش، ولها أصلان صحيحان: الأول عرش الرجل هو قوام أمره، والثاني العرش وهو ما يجلس عليه من يأمر وينهى) وإذا رجعنا إلى ما ذكره ابن فارس في معجم مقاييس اللغة الذي يعتمده الكاتب اعتمادًا كبيرًا نجده يقول: إن للمادة أصلًا واحدًا يدل على ارتفاع شيء مبني ثم يستعار في غير ذلك. ويقرر الكاتب أن كل ما في الكون خاضع لقانون الجدل الذي يقوم على صراع المتناقضات والأضداد، واللغة أيضًا تحوى ظاهرة الأضداد التي ظهرت في اللغة كحامل للفكر لا ينفصم عنه، ويرى أن اللغة بمفرداتها، وقوانين صرفها قد خضعت للتطور من خلال قانون الجدل الأول وتطورت بقوانين نحوها من خلال قانون الجدل الثاني، وبما أن التعبير عن ظواهر الطبيعة جاء في الأضداد، جاءت الأضداد في التعابير اللغوية، وهذه الأضداد واضحة في بنية اللغة في ظاهرتين: الأولى: وجود أفعال ذات تراكيب صوتية بحيث إذا انعكس التركيب الصوتي

стр. 205

انعكس المعنى ومن أمثلة ذلك (كتب وبتك). الثانية: وجود أفعال في اللغة كل فعل منها يحمل معنيين وكل معنى من هذه المعاني مضاد للآخر مثل (ظن، وعبد وتل، وولى). وما ذكره الكاتب يظهر لنا جهله، فالنحو والصرف قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر فالعلماء لم يفرقوا بينهما، فابن مالك ينظم ألفيته في النحو والصرف معا ويقول فيها: وأستعين الله في ألفية ... مقاصد النحو بها محوية ولم يشر إلى الصرف، لأن النحو والصرف كانا يعدان علمًا واحدًا، ولكن فيما بعد، بحث العلماء الصرف في موضع والنحو في موضع آخر، وهذا الانفصال اقضته مناهج الدراسة. ثم إن قول الكاتب بوجود أفعال ذات تراكيب صوتية إذا انعكست انعكس معناها لم يقل به أحد، ولم يرد فيه نقل ولا قياس، بل إنه مخالف لما قرره علماء النحو كابن جني وأبي علي الفارسي. ثم إن كلمة عبد ليست من الأضداد ولم يقل أحد ذلك، وكذلك كلمة (تل) وكلمة عدل. وجعل الكاتب مصادر اللغة الشعر الجاهلي والمعاجم، ولم يشر إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ويفسر الكاتب كثيرًا من الكلمات تفسيرًا مغلوطًا، من ذلك كلمة الإفك حيث يفسرها بالارتداد، ومن ذلك تفسيره المضغة بما نقله من الزمخشري في الأساس قال: ماضغت فلانًا مماضغة: جاددته القتال والخصومة، ويقول الكاتب معقبًا. أي بعد العلقة تبدأ المماضغة وهي تجدد مستمر للقتال (الصراع، الخصومة) وذلك ليفيد معنى الصراع، والتطور الذي أراده، والزمخشري ذكر هنا معنى الكلمة على

стр. 206

المجاز، والحقيقة عنده هي "مضغ الطعام وغيره ورمى بمضاغته وهي ما يبقى في الفم مما يمضغ" وعليه فالمضغة هي اللقمة الممضوغة ولا تفيد الكلمة معنى الصراع والتجدد كما يذكر الكاتب. ومن ذلك ما قرره الكاتب أن جميع كلمات اللغة مشتقة ويتناسى أن هناك كلمات جامدة غير مشتقة، ومن هنا ادعى مثلًا أن الصور مشتق من صيّر، وهذا لا يقوله أي تلميذ في الثالث الابتدائي. ويتحدث عن صيغة فعلان فيقول (ووزن فعلان يفهم في اللسان العربي على أنه وزن ثنائية المتناقضين وقد كان هذا المعنى جديدًا على العرب ويمثل لذلك بـ (الرحمن) ويذكر أن ما يقابله (الشيطان). وما ادعاه الكاتب من ثنائية المتناقضين لم تستعمله العرب أبدًا، فالرحمن ليست نقيض الشيطان، ولا التّعبان نقيض الريحان، وما هو إلا تخليط عجيب من الكاتب. وللكاتب تخليطات وخبط ما أحببنا أن نكثر منه في هذا الكتاب. ومن أراد أن يعرف ما للكاتب من خلط، فليراجع ما كتب ردًّا على كتابه. ما لا يجوز لغة لا يجوز تفسيرًا: وقبل أن أنتقل إلى الدعامة الثالثة، أشير هنا إلى أن بعض الكاتبين يذكرون أنه ليس كل ما صح لغة صح تفسيرًا، وهم يستندون إلى عبارة ابن الأثير ﵀ في جامع الأصول (١) عند حديثه عن مادة تفسير، ويمثل لذلك بكلمة مبصرة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] فكون الناقة مبصرة معناه أنها غير عمياء. والحق أن هذه العبارة موهمة، فقد جاءت كلمة مبصرة، ومبصر في القرآن الكريم في آيات كثيرة ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ [النمل: ١٣]

стр. 207

﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، ولا يجوز أن تفسر الكلمة في هذه الآيات الكريمات بعدم العمى. وعلى هذا أرى أن يستبدل بهذه العبارة عبارة أخرى، فبدل أن يقال: ليس كل ما صح لغة صح تفسيرًا، يقال: كل ما لا يجوز لغة لا يجوز تفسيرًا، فهذه العبارة أسلم وهي غير موهمة. الدعامة الثالثة: السياق إذا كان المأثور واللغة كلاهما تعتمد فيه صحة التفسير وقبوله أو رده فإن السياق يعيننا كثيرًا على ترجيح القول المقبول والرأى الأصح في تفسير آي الكتاب العزيز، ونعني بالسياق الموضوع الذي تتحدث عنه الآيات الكريمة، أو القضية الكلية التي يعرض لها المقطع القرآني، أو الآية القرآنية، وهذا السياق أمر لا بد منه في الحكم على سبب النزول، أو في تفسير الآية الكريمة، ومن حسن الحظ أن العلماء -رحمهم الله تعالى وجزاهم الله خير الجزاء عن كتابه الكريم- نبهوا على أهمية السياق في تفسير الآيات القرآنية الكريمة وفهمها. يقول ابن دقيق العيد ﵀ "أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجملات فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى" (١). ويقول ابن القيم: السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]

стр. 208

كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير (١). وأذكر هنا بعض الأمثلة التي تبين أهمية السياق في ترجيح المعنى. ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ [البقرة: ٧٦]. اختلف أهل التأويل في بيان المقصود من قول القائلين: ﴿قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ذكر القرطبي قولين فقيل: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ - من العذاب- لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ﴾، هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم، وهي رواية عن السدي. وقيل: إن عليًّا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله ﷺ فانصرف إليه وقال: يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرَّض له، فقال: "أظنك سمعت شتمي منهم، لو رأوني لكفوا عن ذلك" ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا، فقال لهم: "أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته" فقالوا: ما كنت جاهلًا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا، روي هذا المعنى عن مجاهد (٢). وهذان القولان لا ينهضان لمخالفتهما السياق، فالسياق حديث عن إيمان اليهود بمحمد ﷺ وبعثته التي أخبرت بها التوراة، فالإيمان إذا أطلق قصد به الإيمان ببعثة النبي ﷺ ، فيكون المقصود من التحديث بما فتح الله عليكم،

стр. 209

أي: بما أنزله في التوراة من ذكر نعته ﵇، فلم يرد للعذاب الذي تعرض له اليهود ذكر، -كما جاءت الرواية عن السدي أنه قال: المقصود من الفتح العذاب الذي ذاقه اليهود، وكما قال مجاهد-، وإنما الفتح: نعت النبي ﵇ في التوراة، فالآية التي قبل هذه الآية هي قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وهذا يكفي لرد ما قاله السدّي وغيره. يقول الألوسي: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تخبرون المؤمنين بما بينه الله تعالى لكم خاصة من نعت نبيه محمد ﷺ ، أو من أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه ﷺ ونصرته والتعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سرّ مكتوم وباب مغلق" (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] اختلف العلماء في تأويل هذه الآية الكريمة، فذهب بعضهم إلى أن المقصود المسجد الأقصى والمانعون النصارى وقال آخرون، بل هو المسجد الحرام، فأهل مكة هم الذين منعوا النبي ﷺ والمسلمين من أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وسعوا في خرابه بعبادة الأصنام، وفعل المنكر. ويذكر الطبري أن أولى التأويلات أن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وذلك أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا النبي ﷺ في بعض الأوقات، وأيضًا أن الآية التي قبل قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر ولا للمسجد الحرام قبلها ... فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه

стр. 210

هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلًا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت" (١). ٣ - قوله تعالى ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فقال بعضهم: ذلك نهي من الله لكاتب الكتاب بين أهل الحقوق والشهيد أن يضار أهله فيكتب هذا ما لم يملله المملي ويشهد هذا بما لم يستشهده الشهيد، وقال آخرون. معنى ذلك ولا يضار كاتب ولا شهيد بالامتناع عمن دعاهما إلى أداء ما عتدهما من العلم أو الشهادة. يقول الطبري بعد أن رجح القول الأول "وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من غيره، لأن الخطاب من الله في هذه الآية من مبتدئها إلى انقضائها على وجه افعلوا أو لا تفعلوا، إنما هو خطاب لأهل الحقوق، والمكتوب بينهم الكتاب، والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم، فإنما هو على وجه الأمر والنهي للغائب غير المخاطب .. فتوجيه الكلام إلى ما كان نظيرًا لما في سياق الآية أولى من توجيهه إلى ما كان منعدلًا عنه (٢). ٤ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ذكر المفسرون أن معنى ذلك: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله فإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه من ثواب نفقته في الدنيا ولا من أجرها يوم القيامة مثقال ذرة أي ما يزنها ويكون على قدر ثقلها في الوزن ولكنه يجازيه به ويثيبه عليه.

стр. 211

وذكر آخرون أن المعنى (أن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذرة قبل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه ولكنه يأخذه منه له ويأخذه من كل ظالم لكل مظلوم تبعته قبله ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ بمعنى يضاعف له ثوابها وأجرها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ والأجر العظيم الجنة، وبعد أن رجح القول الأول قال: وإنما اخترنا التأويل الأول لموافقته الأثر عن رسول الله ﷺ مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية قبلها التي حث الله فيها على النفقة في طاعته وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] (١). ٥ - قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] اختلف المفسرون في معنى ذلك: فقال بعضهم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به يعني بعيسى، قبل موته يعنى قبل موت عيسى، أي إن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الإسلام. وقال آخرون: المعنى إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي، وذلك أن كل من نزل به الموت لم تخرج به روحه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. ويرجح الطبري القول الأول وذلك لما يراه، ثم يقول: "فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل أو خبر عن الرسول ﷺ تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد" (٢).

стр. 212

٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، اختلف المفسرون في قائل ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه رجل من اليهود قال بأن الله تعالى لم ينزل على بشر من شيء يعني من بني إسرائيل، وذهب آخرون إلى أن هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركي قريش أنهم قالوا ما أنزل الله على بشر من شي، يقول الطبري وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال عنى بذلك وما قدروا الله حق قدره مشركي قريش؛ وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا، فإنّ كون ذلك أيضًا خبرًا عنهم أشبه من أن يكون خبرًا عن اليهود لم يجر لهم ذكر، يكون هذا به متصلًا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعووف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود (١). ٧ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠] اختلف المفسرون في قوله "إن ذلك على الله يسير" فقال بعضهم معناه "إن الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير" وقال آخرون بل معنى ذلك أن كتابة القلم الذي أمره الله أن يكتب في اللوح المحفوظ هو كائن على الله يسير يعني هين، وهذا القول الثاني أولى وذلك أن قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أقرب وهو له مجاور، ومن قوله (الله يحكم بينكم يوم القيامة) متباعد مع دخول قوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بينهما فإلحاقه بما هو أقرب أولى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج في التأويل صحيح" (٢).

стр. 213

٨ - قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]. اختلف المفسرون كثيرًا في تفسير الآية الكريمة، فهذا هو الإمام الألوسي ﵁ يكتب في تفسيرها ثلاث صفحات من القطع الكبير واالخط الصغير، ويعرض فيها لقضايا كثيرة من علم الكلام، ومن الأمور العينية التي لا يعلمها إلا الله وكثير مما ذكره يحتاج إلى شرح وتوضيح، وهذا هو الإمام الطبري ﵁ ينقل في تفسيرها أقوالًا كثيرة، سأذكرها لك أيها القارئ لتطلع عليها، ليسرها وسهولتها. قال الإمام الطبري ﵀: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران -ذكر ذلك عن ابن عباس وعن مجاهد- الشقاء والسعادة والموت والحياة لا تغيير فيها. وقال آخرون: معنى ذلك أن الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتاب سوى أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء ذكر ذلك عن ابن عباس بسنده ... في الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ .. ﴾ قال: كتابان، كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت. وعنده أم الكتاب. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد. ذكر من قال ذلك ... عن الأعمش عن شقيق أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الله ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. ذكر من قال ذلك عن ابن عباس "يمحو الله ما يشاء" قال: من القرآن يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء، فلا يبدله، وعنده أم الكتاب، يقول: جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ،

стр. 214

وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب. وقال آخرون: معنى ذلك أنه يمحو من قد حان أجله ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله ذكر من قال ذلك عن الحسن. وعن مجاهد قول الله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ... ﴾ قالت قريش حين أنزل ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفًا، ووعيدًا لهم، أنّا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما نعطيهم وما نقسم لهم. وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر. وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بتأويل الآية وأشبهها بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد. وذلك أن الله تعالى ذكره، توعد المشركين الذين سألوا رسول الله ﷺ الآيات بالعقوبة وتهددهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يعلمهم بذلك ان لقضائه فيهم أجلًا مثبتًا في كتاب هم مؤخرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بما يشاء ممن قد دنا أجله وانقطع رزقه أو حان هلاكه، أو اتضاعه من رفعة، أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك محوه، ويثبت ما يشاء ممن بقي أجله ورزقه وكله فيتركه على ما هو عليه فلا يمحو وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله ﷺ وذلك ما حدثني ... عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يفتح الذكر في ثلاث يبقين من الليل في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ذكر ما في الساعتين الآخرتين (١).

стр. 215

﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ اختلف أهل التأويل ... فقال بعضهم معناه: وعنده الحلال والحرام. وقال آخرون معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله. وقال آخرون: هو الذكر. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فكان بينًا أن معناه: وعنده أصل المثبت منه والممحو وجملته في كتاب لديه (١). وما كان أغناهم عن هذه الأقوال الكثيرة! ! فالمتأمل في سياق الآية الكريمة سباقًا ولحاقًا يدرك بكل يسر، ودون عناء أن الآية الكريمة تتحدث عن ثبوت رسالة سيدنا رسول الله ﷺ ، وأن الله يمحو ما يشاء من الرسالات السابقة ويثبت غيرها، ونتأمل الآيات الكريمة قبل هذه الآية ابتداء من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ... وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ... ﴾ [الرعد: ٣٠ - ٤٥] فإن المتدبر لهذه الآيات قبل هذه الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ وبعدها، لا يرتاب في أن الآية الكريمة المراد بها نسخ الرسالات بعضها بعضًا، وهذه الآية شبيهة بقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ فقد ذهب أبو مسلم بن بحر وتبعه الرازي
следующие страницы →