← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

لذلك مثلًا ما تقوله التوراة: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل) [التكوين: ٤٢: ٢] ... حاشا لله أن تناله هذه النقائص والعيوب" (١). موقفه من الخلافات الفقهية: وكذلك نجده لا يتوسع في سرد خلافات الفقهاء -على خلاف فعله في تفسيره لسورة النور، على ما سيأتي بيانه-، وإن لم يخلُ كتابه منها في بعض الأحيان، كبيانه خلاف الفقهاء في الفترة التي يحقّ فيها للزوج إعادة زوجته بعد الطلاق الرجعي (٢)، وكحديثه عن بعض أحكام الخلع (٣)، لكنه يعدّ مقلًا في هذا الجانب بشكل عام. مقدمات تاريخية للآية: ومما يُمدح به المؤلف أنه كان يتطرق لبيان ظروف وأحوال العرب، وشرح مقدمات تاريخية تُسهم في توضيح معنى الآية، عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]، قال: "لكي نفهم هذه الآي علينا أن نأخذ في الاعتبار أن العرب وقتذاك كانوا أميين غير متعلمين في معظمهم، على حين كان التعليم منتشرًا بين اليهود الذين كان منهم علماء كبار يعيشون بين العرب ووصلت شهرتهم إلى ما وراء الجزيرة العربية، فكان ذلك سببًا في انبهار مشركي العرب بثقافة اليهود، لأن علماءهم وأحبارهم كانوا يستعرضون عليهم عضلاتهم في ميدان التعليم والثقافة والتقوى والتدين، مدعّمين ذلك باستخدامهم السحر والتعاويذ والتمائم، وكان أهل المدينة خاصة مبهورين بثقافة اليهود وتعليمهم نظرًا

стр. 1507

لتوشيج العلاقات بينهم ليل نهار، فنتج عن هذا أن تأثروا بهم كثيرًا كما يتأثر الشعب الجاهل المتخلف عادة بجيرانه الذين يفوقونه ثقافةً وتحضرًا وتدينًا" (١). ثم بيّن أبو الأعلى أن العرب حين أُخبِرت بنبوة سيدنا محمد ﷺ توجهوا لسؤال اليهود، غير أن علماء اليهود لم يجيبوهم إجابة شافية صحيحة، بل جنحوا إلى اختلاق الشبهة تلو الشبهة حول الرسول وصحابته، وراحوا يلفقون الأكاذيب والأقاويل، ولهذا السبب صدر الأمر إليهم من الله ألا يكتموا الحق بإخفائه في ثوب الباطل، ونشر الشكوك والريب حوله، وإثارة الاعتراضات السخيفة ضده، وخلطه بالضلال والبهتان. وهذه السمة بارزة في كتابه ﵀، وهو في بعض المواضع يتوسع كثيرًا في الحديث عما يحيط الآيات من ظروف تعين على الوقوف على معناها بشكل أفضل مما لو أن القارئ لم يطلع عليها، انظر مثلًا ما قاله عند قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢] (٢). عنايته بأسباب النزول: ولم يُغفل بالطبع أسباب النزول، لما لمعرفتها من إسهام في فهم الآية، فقد كان يذكر بعضها، لكن دون التصريح بأن ما ذكره سبب نزول للآية، ودون الاستعانة بروايات السنّة، فعند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ... ﴾ [البقرة: ١٤٢]، قال: "حين تحولت القبلة إلى المسجد الحرام راح السفهاء الذين لم تكن لديهم البصيرة التي يفهمون بها المعنى الحقيقي لهذا التحويل، يثيرون اعتراضات ومزاعم يبلبلون بها فكر المؤمنين، وظنّوا -لحُمقهم وغبائهم- أن الله قد تحدد مكانه في اتجاه معين (هو بيت المقدس)، وأن

стр. 1508

تغيير القبلة إلى الكعبة لا يعني سوى التحويل عن ذات الله، فأبطل الله زعمهم هذا بإعلانه للناس أن المشارق والمغارب والجهات جميعًا لله رب العالمين" (١). وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال: "كان السعي بين الصفا والمروة من بين شعائر الحج التي علمها الله لإبراهيم ﵇، لكن الناس حين بدؤوا يشركون بالله آلهة باطلة بنوا على الصفا والمروة معابد، ووقفوها على اثنين من أصنامهم هما (آساف) و (نائلة)، وكانوا يطوفون بهما تقديسًا وإجلالًا، فلما اعتنق العرب الإسلام تساءلوا هل كان السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج أصلًا أم أنه من بدع الوثنيين؟ وهل هذا السعي شرك بالله أم لا؟ ويظهر من رواية للسيدة عائشة ﵂ أن أهل المدينة كانوا يكرهون السعي بين الصفا والمروة قبل إسلامهم، أما وقد جعلت الكعبة قبلة المسلمين فقد أذهب الله عن أذهانهم ما أساؤوا فهمه حول السعي بين الصفا والمروة، وأنبأهم أن هذه الشعيرة هي من شعائر الحج منذ عهد إبراهيم ﵇، وليست من ابتداع الجاهلية من بعده" (٢). إقلاله من الاستشهاد بالأحاديث: بشكل عام يُلحظ أن استشهاده بالأحاديث النبوية الشريفة أمر نادر، وإنْ ذكر حديثًا فلا يذكر سنده وأحيانًا قليلة يشير إلى المصدر، ولا يبين درجة الحديث من حيث الصحة والضعف. وأحيانًا يروي الحديث بالمعنى، من ذلك أنه قال عند تفسيره للآية الكريمة: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، "هناك حديث عن النبي ﷺ مروي

стр. 1509

في مسند الإمام أحمد معناه أن من ذهب من هذه الدنيا، وقد عمل صالحًا آتاه الله نعيمًا لا يتمنى بعده أن يعود إلى الدنيا، إلا الشهيد فهو يتمنى أن يرسل إلى الدنيا لينعم بنعيم وحلاوة ما يراه حين تفيض روحه في سبيل الله" (١). وفي الحاشية أشار المترجم إلى أصل الحديث، حيث قال: "لعله الحديث الذي قال فيه: (والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من نهار، وأن له من الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى) " (٢). رده على بني إسرائيل: ويبدو أن الأستاذ أبا الأعلى كان على اهتمام كبير بأحوال بني إسرائيل وتاريخهم، فكان كثيرًا ما يُسهب في بيان نفسياتهم، وكشف حقيقتهم، وكان هذا خيطًا بارزًا في كتابه، يظهر كلما ورد ذكرهم في الآيات الكريمة، ها هو ذا يحدثنا عن ألاعيب اليهود وتحريفهم لكتابهم، فيقول معلّقًا على الآية الكريمة: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]: "هذه الآية تشير إلى ما كان يفعله علماء اليهود، فهم لم يكتفوا بتحريف كتابهم المقدس ليلائم أمزجتهم وأهواءهم، بل خلطوا متنه الأصلي بتفاسيرهم الخاصة، وتاريخهم القومي وخرافاتهم وفلسفاتهم وقوانينهم ونظرياتهم التي صاغوها بأنفسهم، ثم قدموا هذا المزيج كله في الشكل الحالي للكتاب المقدس، على أنه من عند الله، بحيث إن كل قصة تاريخية، وكل أسطورة، وكل تفسير، وكل عقيدة مبتدعة، وكل قانون محلي دوّن في الكتاب

стр. 1510

المقدس وحشر فيه حشرًا، أصبح عندهم من صلب كلام الله، فرض على كل يهودي أن يؤمن به كذلك، وإلا رموه بالردة أو الهرطقة والخروج" (١). رده الشبهات: ونجده يردّ كثيرًا من شبهات اليهود والنصارى، من ذلك ما أورده في رد قولهم: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]، قال: "لكي يتضح المعنى الحقيقي لرد الله على قولهم ينبغي أن نضع في أذهاننا أمرين: ١ - أن اليهودية والنصرانية قد ولدتا بعد موت إبراهيم ﵇ بردح طويل، فظهرت اليهودية بطقوسها وشعائرها ولوائحها وقوانينها وتعاليمها الخاصة، وتسمَّتْ بهذا الاسم قبل الميلاد بقرابة أربعة قرون، أما المسيحية فتسمت بهذا الاسم، وتبنت عقيدتها الخاصة وشكلها المميز بعد المسيح ﵇. وبذا يتضح أن ادعاءهم ضرورة أن يكون المرء يهوديًّا أو نصرانيًّا لينال هداية الله ادعاء يتعذر الدفاع عنه تاريخيًا؛ لأنه يعني أن إبراهيم وعيسى وموسى وسائر الأنبياء الآخرين الذين مضوا منذ أزمان سحيقة قبل ابتداع اليهودية والنصرانية لا يمكن عدّهم من زمرة المهتدين، لسبب يسير هو أن هذه الأديان المزعومة (اليهودية والنصرانية) لم يكن لها وجود حين كان هؤلاء الأنبياء يعيشون في بقاع العالم، ولهذا اتضح أن اهتداء الإنسان لا يعتمد في أساسه على الخصائص الدينية التي بسببها انقسم اليهود والنصارى وغيرهم على فِرَق نحتلفة، وإنما يعتمد على اختياره ذلك الصراط المستقيم الشامل الذي يستمد الإنسان منه الهداية في كل حين. ٢ - أن هذا الرد يعني كذلك تعريف اليهود والنصارى بأن كليهما مشرك بالله، وبذا فقد حادوا عن سبيل إبراهيم ﵇ الذي لم يشرك مع الله أحدًا في العبادة

стр. 1511

أو التبجيل والتقديس أو التسليم والخضوع والطاعة، ولم يستطع أحد منهم إنكار هذا لأن كتابهم نفسه يشهد به" (١). وتصدى الأستاذ أبو الأعلى لشبهات وردت من غير بني إسرائيل كذلك، كردّه على من وجّه اعتراضًا على قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال بعد أن بيّن أن ما جاء في الآية هو معيار زمني يناسب الناس في كل عصر ومصر: "أما الذين لا يفهمون فلسفته فيثيرون اعتراضات خرقاء وأسئلة حمقاء يقولون -مثلًا-: إن العمل بهذا الميقات الإلهي محال عند قطبي الكرة الأرضية، حيث يدوم الليل أو النهار إلى شهور، وينسون أنه حتى في الأقاليم القطبية تظهر علامات الصباح والمساء والظهر وغيره بانتظام كما في المناطق الأخرى، وأن القاطنين هناك ينظمون أوقات عملهم ولعبهم وراحتهم ونومهم ونحوه، وفق ظهور هذه العلامات، وحين لم تكن ثم آلات لضبط الوقت كان سكان المنطقة الشمالية يحددون أوقاتهم بهذه العلامات" (٢). وردَّ على من ادعى أن البشرية مرّت بمراحل تطور تدريجي في الدين مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، قال: "في هذه الآية تنهار عمد نظرية التطور التدريجي في الدين والتي يزعم فيها مَنْ سُمّوا بالعلماء أن الإنسان بدأ حياته الدينية في ظلام وجهالة، فبدأ يعبد الطبيعة والآلهة المتعددة، ثم ما لبث تدرُّجًا أن عَبَدَ اللهَ، لكنه أشرك معه آلهة آخرين، واستمر على هذه الحال قرونًا طويلة إلى أن اكتشف أخيرًا وحدانية الله.

стр. 1512

والقرآن يقول -مناقضًا هذا- إن الحياة الإنسانية بدأت في نور من الله كامل، وأنه تعالى حين خلق الإنسان الأول -آدم- أنزل إليه الحقيقة وأراه الصراط السوي، فاتبعت ذرية آدم طريقه ردحًا طويلًا، وكانوا جميعًا أمة واحدة، ثم شرعوا بعد ذلك في اتباع طرق أخرى، وابتداع أديان جديدة مع أن الحقيقة كانت قد بينت لهم تمامًا، إلا أنهم أرادوا أن يخولوا أنفسهم قدرًا أكبر من الحقوق والقدرات التي قررتها لهم الحقيقة، فأرسل رسله لمنع الضالين الباغين من سلوكهم هذا، ودعوتهم إلى دين الله الحقيقي وطريقه الأصلي ... " (١). وقوعه في الإسرائيليات: مع أن الأستاذ أبا الأعلى ردّ الشبهات التي أثارها بنو إسرائيل، إلا أنه وقع في الإسرائيليات، وانزلق بإيراده نصوصًا من التوراة والإنجيل، مستشهدًا بها لا منكرًا، فحين فسر قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]، قال: "تقول التوراة: وكان رجل من بنيامين اسمه قيس، وكان له ابن اسمه شاول شاب وحسن، ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه من كتفه فما فوق، كان أطول من كل الشعب، فضلت أتن قيس أبي شاول فقال قيس لشاول ابنه: خذ معك واحدًا من الغلمان وقم اذهب فتش عن الأتن، وفيما هما آتيان في وسط المدينة إذا بصموئيل خارج للقائهما ... فلما رأى صموئيل شاول أجابه الرب هو ذا الرجل الذي كلمتك عنه، هذا يضبط شعبي، ... فأخذ صموئيل شاول وغلامه وأدخلهما إلى المنسك وأعطاهما مكانًا في رأس المدعويين، وهم نحو ثلاثين رجلًا ... فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصب على رأسه ... وقال أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسًا ... فقال صموئيل لجميع الشعب: أرأيتم الذي اختاره الرب ... [صموئيل الأول: ٩ - ١٠].

стр. 1513

ثم عقب قائلًا: لقد مسح شاؤول على بني إسرائيل زعيمًا بأمر الله، مثل هارون وداود وعيسى ﵈، لكن القرآن لم يذكر صراحة هل جعل شاؤول نبيًّا كذلك أم لا، لأن تنصيبه ملكًا بإذن الله لا يعني بالضرورة أنه قد جعل نبيًّا أيضًا" (١). كما أنه استعان بما جاء في التوراة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، قال: "مع أن ذكر التابوت في التوراة يختلف عن ذكره في القرآن اختلافًا يسيرًا، إلا أننا نستطيع أن نقف منه على كثير من التفاصيل. فقد كان بنو إسرائيل يقدسون التابوت أيّما تقديس، فهو (تابوت العهد)، وكانوا يؤمنون أن (بواسطته يدخل الله في وسطنا ويخلصنا من أعدائنا) من أجل هذا كانت لهم في عودته (سكينة). وكان التابوت يحوي بقية من آثار آل موسى وهارون المقدسة، هي شظايا من الألواح التي أعطيت لموسى فوق جبل سيناء إلى جانب النسخة الأصلية من التوراة والتي دونت تحت إمرة موسى وإشرافه، وأُودِعت عند اللاويين (سبط لاوي)، كما كان يضم قارورة من المن كي تقدس الأجيال القادمة اللهَ وتحمده، وتثني عليه على ما أنعم به على أجدادهم حين كانوا في الصحراء، ويجوز أن كانت فيه عصا موسى ﵇ التي كانت آية من الله كبرى. ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وقد تكون هذه إشارة من القرآن إلى الحوادث المسطورة في الإصحاحات الرابع والخامس والسادس من سفر صموئيل الثاني، والتي تروي أن تابوت الرب قد استولى عليه الفلسطينيون في معركة لقي بنو إسرائيل فيها هزيمة نكراء، فحزنوا عليه كثيرًا وبكوا أن (قد زال المجد من إسرائيل لأن تابوت الله قد أُخِذَ)، وبقي التابوت في أرض فلسطين أشهرًا سبعة، لكن ذعرًا وهلعًا وفرقًا شديدًا

стр. 1514

كان يحل في كل مدينة دخلها (لأن يد الرب كانت ثقيلة جدًّا هناك) حتى إن أهل فلسطين بدؤوا يصيحون (لا يمكث تابوت إله إسرائيل عندنا لأن يده قد قست علينا)، وقرروا إرساله إلى إسرائيل، فأخذوا بقرتين مرضعتين وربطوهما في عجلة فاستقامت البقرتان في الطريق إلى طريق (بيتشمس). وحيث إن العربة كانت تتوجه بدون سائق إذن فكانت تجرها الملائكة إلى بني إسرائيل بتوجيه من الله" (١). وقام بالإحالة إلى أسفار بني إسرائيل في غير موضع، وهذه الإحالات تتعارض مع سلامة بناء العقلية المسلمة، فما ورد في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة يكفي ولا حاجة للخوض فيما لم يرد في مصادرنا. منهجية مضطربة: على أننا نجده يحارب ما جاء في العهد القديم في مواضع أخرى من كتابه، فبعد أن مرّ على قصة خلق آدم ﵇ في سورة البقرة قال: "والأفضل مطالعة قصة الخلق كما وردت في العهد القديم في سفر التكوين، الإصحاح ١ - ٣ ومقارنتها بما يرويه القرآن، ومما لا شك فيه أن المقارنة بين الروايتين تسفر عن القطع بأن القرآن بقي سليمًا في نقائه وشكله الأصلي، وبالصورة نفسها التي أوحاه عليها رب العالمين، وأن الكتاب المقدس قد امتدت إليه الأيدي، وتلاعبت بنصوصه الأقلام. كما أنه من الطريف أيضًا أن نقابل بين حوار الله مع الملائكة كما جاء في كل من القرآن والتلمود لنرى أن حدثحما التلمود يخلو تمامًا من القيم الروحية، ليس هذا فحسب، بل إنه مثير للضحك والسخرية. فحين سأل الملائكة ربَّ العالم -هكذا يقول التلمود- عن السبب الذي من أجله سيخلق الإنسان، أجابهم بأن الصالحين لا بد وأن يخلقوا على الأرض، ولم

стр. 1515

يذكر شيئًا أمام الملائكة عن خلق الأشرار على الأرض كيلا يمتنع الملائكة عن التصريح له بخلق الإنسان" (١). وهذا ينبئ عن اضطراب في منهجية الأستاذ ﵀ فيما يتعلق بالإسرائيليات. ملاحظة السياق: وتفسير أبي الأعلى فيه العديد من المزايا، من ذلك أنه التفت إلى استحضار السياق الذي وردت فيه الآية للوصول إلى مزيد من البيان والوضوح، كما جاء في بيان مناسبة قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]: "بعد القول بأن الله رحمن رحيم أضيف إليها على الفور أنه مالك يوم الدين، كي لا يغتر أحد من الناس في رحمته وشفقته، وينسى أنه تعالى سوف يأتي ببني آدم زمرًا من أولهم إلى آخرهم، ويحاسب كلًّا منهم على ما اقترفت يداه، فعلى المسلم إذن أن يضع في ذهنه أن الله ليس رحيمًا فحسب، لكنه عادل أيضًا وذو سلطان مطلق في أن يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، لأن قوته اللامحدودة تعلو كل شيء، ومن هنا ينبغي أن نؤمن تمام الإيمان بأنه تعالى قادر بإطلاق على أن يجعل نهايتنا سعيدة أو تعيسة، وأن يحسن ختامنا أو يسيئه" (٢). وعند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، بيّن الأستاذ أبو الأعلى مناسبة هذه الآية لما قبلها وما بعدها: "بعد أن أعلن القرآن فيما سبق أن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، وها هو يسرد في الآيات التالية ثلاث واقعات لإثبات ذلك، الأولى: قصة امرئ بينت له الحقيقة بأدلة دامغة،

стр. 1516

حتى إنه ما استطاع لها ردًّا، ومع هذا رفضها؛ لأن الطاغوت كان يضله، فظل سادرًا في الغواية تائهًا في لجج الظلمات، أما الثانية والثالثة فهي قصص من يؤمنون بالله إيمانا عميقًا، فلم يخرجوا من الظلمات إلى النور فحسب، بل أراهم الحقيقة المستترة، وجعلهم يشاهدونها عيانًا، ليمكنهم من الشهادة بها" (١).

стр. 1517

تفسير سورة النور وعلى كثرة الفوائد المتناثرة في كتاب "تفهيم القرآن"، وعلى قيمته العلمية الكبيرة إلا أن (تفسير سورة النور للأستاذ المودودي لا يقل عن سابقه من حيث القيمة والأهمية، غير أن اختلافًا واضحًا في المنهج يظهر عند المقارنة بين الكتابين، فتفسير سورة النور أكثر تحليلًا للآيات من (تفهيم القرآن)، لذلك فنحن نلاحظ أن تفسير سورة النور وحدَها قد شغل حيزًا يقارب ذلك الذي شغله تفسير السور الثلاث مجتمعة (١). توسعه في المسائل الفقهية: اعتنى المؤلف بشكل واضح في المسائل الفقهية في هذا الكتاب، فهو يتوسع فيها ويستطرد، فيعرض جميع المسائل والفروع التي لها علاقة بموضوع الآية ويفصِّل في الخلافات الفقهية، حتى إنه بالإمكان تصنيف هذا التفسير ضمن التفاسير الفقهية، فقد عالج كل ما يتعلق بزينة المرأة ومخالطتها للرجال، وأحكام الأسرة، وكان يرجح -في الغالب- ويبدي رأيه، وكما يتوسع تأصيل بعض المسائل تشريعيًا، كذلك يؤصلها تاريخيًا وفكريًا، للإعانة على فهم الآيات، ففي الآية الثانية من السورة، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ... ﴾ [النور: ٢] قبل أن يشرع بتفسيرها شرع بتفصيل بعض المسائل التي لا بد من معرفتها لفهم الآية الكريمة، وجعلها في خمس وعشرين مسألة في ما يقارب الخمسين صفحة (٢)، بدأ ببيان إجماع الشرائع القديمة والحديثة على حرمة الزنا، واختلافها في اعتبار الزنا جريمة مستلزمة للعقوبة، وختم ببيان عقوبة الزاني بمحرماته، وما ورد فيه من خلاف بين

стр. 1518

الفقهاء، فمنهم من يقول إن عقوبته القتل ومصادرة الأموال، ومنهم من قال: يقام عليه حد الزنا، وبين هاتين المسألتين تحدث عن التدابير الإصلاحية والوقائية في الإسلام لحفظ المجتمع من مفاسد الزنا، وبيّن عقوبة الفاحشة فيما كان دون الزنا، ووضح الشروط اللازمة لاعتبار الزنا جريمة مستلزمة للحد، وحكم الشهادة في قضية الزنا، وحكم سؤال الزاني عن المرأة التي زنى بها، وغيرها من المسائل كثير، حتى إنه تطرق إلى نوعية السوط وكيفية الضرب في حد الزنا، وفي كل مسألة كان يأتي بأقوال الفقهاء ويستشهد بقصص من السيرة النبوية الشريفة. ومن استطراداته في المسائل الفقهية تفصيله في أحكام القذف واللعان، فمثلًا: هل يُقتل الرجل إنْ قتل رجلًا آخر وجده مع امرأته؟ وما هي الشروط التي تجيز اللعان بين الرجل وزوجته؟ وهل يمكن الاجتماع بينهما بعد الفرقة باللعان؟ كما فصل ﵀ في الاستئذان في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور: ٢٧]، وذكر أن حكم السمع كحكم النظر، فكلاهما تدخُّل غير مشروع، وأن الاستئذان ليس مقتصرًا على دخول المرء في دار غيره، بل في الدار التي فيها أمه وأخواته كذلك، وأن الاستئذان لا يجب في حال عروض أمر مفاجئ، وذكر أن الاستئذان لم يكن معروفًا في بدء الأمر، فعلَّمه الرسولُ ﷺ الصحابةَ، وأنه يكون ثلاثًا يفصل بينهما زمن، وإن لم يجد الإذن يرجع، وأن العبرة بإذن صاحب البيت لا غيره، واستشهد بأحاديث شريفة تدل على هذا (١). رأيه في حجاب المرأة: كان قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] هو أول موضع تعرّض فيه الأستاذ أبو الأعلى لمسألة حجاب المرأة حيث نبّه على أن هذه الآية لا يجوز الاستدلال بها على أن النساء كان لهن الإذن في المشي في الطريق

стр. 1519

سافرات الوجوه، وأنه لذلك أمر الرجال بالغض من أبصارهم، فإنه لو كان حجاب الوجه مأمورًا به وجاريًا معروفًا في عهد النبي ﷺ فما معنى الأمر بالغضّ من الأبصار؟ قال: "إن هذا الاستدلال خاطئ من حيث العقل ومن حيث الواقع، فهو خاطئ من حيث العقل؛ لأنه من الممكن مع رواج حجاب الوجه في المجتمع أن تَعْرِض مواقع يتواجه فيه رجل وامرأة فجأة بدون قصد منهما، كما قد تعرض لامرأة محتجبة من الضرورات ما يدعوها إلى الكشف عن وجهها، وبعد، فإنه لا بد أن تبقى النساء غير المسلمات في المجتمع غير محتجبات على رواج الحجاب بين النساء المسلمات، فليس مجرد الأمر بغض البصر دليلًا على أنه يستلزم عدم حجاب النساء. وأما من حيث الواقع، فهذا الاستدلال خاطئ؛ لأن الحجاب الذي كان رائجًا معروفًا في المجتمع الإسلامي بعد نزول أحكام الحجاب في سورة الأحزاب كان شاملًا للوجه، وإن رواجه في عهد النبي ﷺ ثابت بروايات متعددة" (١)، ثم ذكر هذه الروايات. فهو يرى أن حجاب المرأة على الرجال الأجانب غير المحارم يشمل الوجه، فلا يجوز لها أن تخرج سافرة الوجه. ثم فرق الأستاذ أبو الأعلى بين الحجاب والعورة، فذهب إلى أن الحجاب شيء، والعورة شيء آخر، فعورة المرأة على الرجال جميعًا بما فيهم محارمها -حاشا زوجها- هي جميع جسدها ما عدا وجهها وكفيها، والنتيجة أن المرأة لا تكشف شيئًا من جسدها أمام محارمها غير وجهها وكفيها، وما تشتد الحاجة إلى كشفه عند الاشتغال بأعمال البيت، وذلك مثل أن تكشف عن ذراعيها عند عجن الدقيق أو عن بعض ساقيها عند كنس فرش البيت وغسله.

стр. 1520

وتزيد على هذا بتغطية وجهها وكفيّها، وهو ما يسمى بالحجاب أمام الرجال الأجانب، يقول: "الفرق كبير جدًّا بين الحجاب وستر العورة، فالعورة ما لا يجوز كشفه حتى للمحارم من الرجال، وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة، وهو ما حيل به بين النساء والأجانب من الرجال" (١). ويجعل للرجال الأقارب الذين لا يحرم عليهم نكاح المرأة تحريمًا مؤبدًا حكمًا آخر، بين حكم المحارم وحكم الأجانب، وأن حدوده تختلف باختلاف أحوال المرأة وأحوال ذلك الرجل من حيث السنّ ودرجة القرابة. والذي نراه أن هذه المسائل قد كثُر فيها الخلاف بين العلماء، وكل مسألة فيها تفصيلات ودقائق، لا مجال لبسط الكلام فيها هنا. موقفه من الاستشهاد بالأحاديث: بشكل عام، نجد أن استشهاده بالأحاديث في هذا الكتاب أكثر من الكتاب الأول، لكنه لم يحكم عليها بصحة أو ضعف، إلا ما ورد في الصحيحين، وأحيانًا لا يردّ الأحاديث إلى مصادرها الأصلية، فقد استشهد بقول النبي ﷺ : "يؤتى بوالٍ نقص من الحد سوطًا فيقال له: لِمَ فعلتَ ذاك؟ فيقول: رحمة لعبادك. فيقال له: أنت أرحم بهم مني؟ فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطًا ... " [إلى آخر الحديث]، ثم ردّ القارئ إلى تفسير الرازي (٢)، والصحيح أن يردّ الأحاديث إلى مظانها الأصلية. وفي الغالب كان يذكر الصحابي راوي الحديث، على خلافِ فِعْلِه في الكتاب الأول (تفهيم القرآن)، حيث لم يكن يذكر أي جزء من السند.

стр. 1521

تحليل الألفاظ: وكما أنه استعان بالأحاديث النبوية الشريفة لإظهار الآراء الفقهية، فقد قام بتحليل الألفاظ والتراكيب، وبيان معاني المفردات لغةً واصطلاحًا، ولا سيما تلك التي ترتبت عليها أحكام فقهية، فيستخرج الأحكام بتحليل النص القرآني، يقول ﵀ حين فسّر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾: "إن معنى الغضّ (لغةً) النقص والخفض والوضع، فيقال: غضّ الشيء، أي: خفضه واحتمل المكروه، ومنه نقص ووضع من قدره، وغضّ الغصن، أي: كسره، فمعنى غض البصر بهذا الاعتبار أن لا ينظر إلى شيء بملء العين، وأن يكفّ النظر عما لا يحلّ إليه بخفضه إلى الأرض، أو بصرفه إلى جهة أخرى، وكلمة (من) في ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض، أي أن الله تعالى لا يأمركم بصرف كل نظر من أنظاركم، وإنما يأمركم بصرف بعضها، أو بكلمات أخرى: إن الله تعالى لا يريد أن لا تنظروا بملء عيونكم إلى أي شيء، وإنما يريد أن يقيد نظركم في دائرة مخصوصة، وها نحن أولاء نعرف من سياق العبارة ما هو الشيء الذي يأمر الله تعالى بكفّ العين عن النظر إليه، وهو نظر الرجال إلى النساء أو إلى عورات غيرهم، ولو من الرجال أو إلى المناظر الفاحشة" (١). الوعظ والإرشاد: وتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن يسرد الأحكام الفقهية بشكل جاف، بل كان يخللها بشيء من التذكير والحثّ على التزام هذه الأحكام، من هذا ما قاله معقّبًا على الآية التي تبين حدود زينة المرأة، قال: "ولعمر الحق إن الإنسان المؤمن لا يبقى أمامه بعد علمه بهذه الأحكام والتعاليم الواضحة من الله ورسوله إلا أن يختار إحدى الصورتين: إما أن يتبعها ويطهر حياته الشخصية وحياة أهل بيته وحياة المجتمع

стр. 1522

الذي يعيش فيه من المفاسد الأخلاقية، التي لاستئصالها وإغلاق بابها أنزل الله تعالى هذه الأحكام التفصيلية المحكمة في كتابه، وأكدها الرسول ﷺ في السنّة بمثل ما بيناه آنفًا، أو يخالفها -إن كان لا يستطيع الارتداع عن مخالفة كلها أو بعضها لضعف في نفسه- معترفًا بذنبه على الأقل، وبدون أن يأتي بالتأويلات الفاسدة لإثبات الذنب ثوابًا. أما الذين يعدلون عن هاتين الصورتين، ولا يكتفون باختيار طرق الحياة الاجتماعية الغربية مخالفين في ذلك أحكام الكتاب والسنّة الواضحة الصريحة، بل يبذلون جهودهم المستطاعة لإثباتها من صميم الإسلام، ويدّعون علنًا أن الإسلام ليس فيه حكم لحجاب المرأة أصلًا، فإنهم يضيفون الجهل والتمادي في الضلال إلى مخالفتهم الشريعة ومعصيتهم أحكامها، مما لا يكاد ينظر إليه أحد بنظر التقدير والاستحسان في الدنيا، ولا يرجى ذلك من الله تعالى الآخرة ... " (١) إلخ كلامه. موقفه من المسائل البيانية: وكان للأستاذ أبي الأعلى بعضُ اهتمامٍ بالإشارة إلى النكت البيانية، وقد بدأ تفسيره بها، ببيان حسن الاستهلال في السورة الكريمة، حيث قال عند أول آية: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ... ﴾: "إن من الجدير بالملاحظة بصفة خاصة في جملة ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ من هذه الآية توكيد الله تعالى لكلمة (نا)، وهو مما يشير إلى أن ليس مُنزل هذه السورة بناصح ضعيف لا حيلة له، ولا قوة، بل هو الذي بيده نفوسكم ومقاديركم، وليس لكم أن تعجؤوه وتفلتوا من مؤاخذته في الحياة ولا بعد الممات، فلا تحسبوا هذه السورة كلامًا هينًا ككلام أحد منكم" (٢).

стр. 1523

عنايته بالمناسبة: ولم يغفل ﵀ التنبيه على مناسبة الآيات بعضها لبعض حين تخفى، فقد بيّن مناسبة الآيات العشر الأولى من سورة النور لما جاء بعد ذلك من حديث عن الإفك، وأن تلك الآيات كان فيها تنبيه للمسلمين بأن الرمي بالزنا ليس أمرًا هينًا، يتلاعب به الناس. ووضّح وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ... ﴾ وما قبلها، قال: "لقد كان الغرض من الأحكام المذكورة في بدء السورة، أن يُتدارك ما يظهر في المجتمع من المفاسد، وههنا الله تعالى يبدأ من هذه الآيات سرد الأحكام التي يُقصد من ورائها الحيلولة دون نشوء المفاسد في المجتمع أصلًا، واستئصال الأسباب التي تظهر لأجلها مثل هذه المفاسد، وذلك بإصلاح طرق المدنية والحياة الاجتماعية" (١). عقيدة التنزيه: من الجميل أن نقف مع الأستاذ أبي الأعلى عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥]؛ لنتعرف على جانبٍ من عقيدة التنزيه التي يعتقدها، وقد ظهرت في كلامه هذا بعضُ ملامح منهجه، كربطه الآية بالسياق، وعنايته بالألفاظ. بدأ الأستاذ أبو الأعلى الكلام في هذه الآية ببيان مناسبتها للسياق بأن جعل مضمونها متوجهًا إلى المنافقين الذين كانوا يثيرون الفتن في المجتمع الإسلامي، والسبب الحقيقي في عدم إفادتهم من النور الذي كان قد بزغ في العالم بالقرآن والرسول ﷺ هو ولوعهم بالدنيا وتكالبهم على حطامها، ثم شرع بتفسير الآية الكريمة، فبيّن أن القرآن يستعمل كلمة ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عامة بمعنى الكون،

стр. 1524

فمعنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أنه نور هذا الكون كله. ووضح أن كلمة ﴿نُورُ﴾ حين تستعمل في حق الله ﵎ تستعمل باعتبار مفهومها الأساس، وهو ما تظهر به الأشياء، أي ما كان ظاهرًا بنفسه ومُظهرًا لغيره، ولا يجوز استعمال هذه الكلمة بالمعنى الذي أوجده الذهن الإنساني، وهو الشعاع الذي ينعكس على شبكية العين ويؤثر في مركز البصر في الدماغ، وفسّر صفات الله تعالى بما يتفق مع مذهب أهل السنّة والجماعة، وهي أن كل كلمة من كلمات اللسان الإنساني تستعمل لله ﵎ إنما تستعمل باعتبار مفهومها الأساس، لا باعتبار مدلولها المادي، وجاء بأمثلة توضح هذه القاعدة، قال: "فنحن نستعمل لله تعالى كلمة (البصر) مثلًا، فليس معناها أن له عضوًا يسمى العين، ويرى به كالإنسان والحيوان، وكذلك نستعمل له كلمة (السمع)، فليس معناها أنه يسمع بأذنيه كما يسمع الإنسان، وكذلك نستعمل له كلمة (البطش والأخذ)، فليس معناها أن له آلة تُعرف باليد، فيأخذ بها كما يأخذ الإنسان بيده، فأكل هذه الكلمات إنما تُستعمل لله ﵎ على وجه الإطلاق لا بمعنى من المعاني المحدودة، ولا نكاد نظن بالنسبة لرجل له مسكة من العقل أن يقول باستحالة أن يوجد للسمع والبصر والبطش شكل غير الشكل المحدود المخصوص الذي نعرفه لها في هذه الدنيا، وعلى هذا إذا قيل عن (النور) إنه لا يوجد المصداق لمعناه إلا في صورة ذلك الشعاع الذي يخرج من جرم لامع، وينعكس على غطاء العين، فإن هذا القول لا يكون إلا من خطأ الفهم وضيقه" (١). كما أضاف استعمالًا آخر لكلمة (النور)، وهو العلم، فمعنى الآية أن الله نور الكون، بمعنى أنه لا يمكن أن تُعرف الحقائق معرف مباشرة في هذا الكون إلا به .

стр. 1525

ثم بدأ بشرح التمثيل الذي ورد في الآية الكريمة: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ... ﴾، حيث بيّن معنى المفردات الواردة في المثل وفصّل في أركان التشبيه، قال: "فالله قد شبه نفسه في هذا المثال بالمصباح، وشبه الكون بالمشكاة، وأراد بالزجاجة ذلك الستر الذي قد وارى فيه الحق تعالى نفسه عن نظر الخلائق، كأن ليس هذا الستر في حقيقة الأمر بستر الخفاء، بل هو ستر شدة الظهور، فإن كانت أبصار الخلائق لا تدركه، فما السبب في ذلك أن الظلمة حائلة بينه وبينها، بل السبب الحقيقي في ذلك أن الستر الذي بينهما شفاف رائق قد عجزت الأبصار ذات القوى المحدودة عن إدراك النور الذي يصل إليها بعد عبوره، وذلك لشدة لمعان هذا النور وسعته، شموله وإحاطته" (١). وكانت له وقفة عند قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾، حيث أشار إلى أن شجرة الزيتون التي لا يواريها شيء من الشمس منذ طلوعها في الشرق صباحًا إلى غروبها في الغرب مساء، يكون زيتها أصفى الزيوت وألطفها، على خلاف الشجرة التي لا تصيبها الشمس إلا في طرفي النهار، فإن زيتها يكون أغلظ وأضعف نورًا. ونبّه على أن الهدف من هذا الوصف هو جعل الناس يتصورون كمال نور المصباح وشدته، وليس المقصود أن الله الذي قد شبه نفسه بالمصباح يستمد قوته من شيء آخر، بل المقصود تنبيه الناس أن يتصوروا في المثال مصباحًا حقيرًا، ودعوتهم إلى تصور أقوى المصابيح التي يشاهدونها (٢). ووقفة أخرى عند قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، حيث يرى أن هذه العبارة تزيل ما قد ينشأ في الذهن من سوء الفهم بألفاظ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، "فالذي يستفاد من ذلك أن ليس معنى كون الله نور السموات

стр. 1526

والأرض، أنه ليس في حقيقته -ومعاذ الله- إلا (النور)، بل الله كامل لا كمال بعد كماله، وهو صاحب النور مع كونه صاحب العلم وصاحب القدرة وصاحب الحكمة، ولكن قيل له: (النور) لكمال نورانيته، كما يقال لكاملٍ في الكرم: الكَرَم، ولكاملٍ في الحُسْن: الحُسْن" (١). هذا موضع من مواضع كثيرة في الكتاب تظهر فيه سلامة عقيدة الأستاذ أبي الأعلى، وهي عقيدة التنزيه، التي يعتقدها أهل السنّة والجماعة. كان جهد الأستاذ المودودي ﵀ واضحًا في تفسيره، ولم يألُ جهدًا في إنزال النص القرآني على الواقع، وأستنباط الدروس والعِبَر، والعمل على تقريب كلام الله للأذهان، لا سيما باستخدامه لغة العصر، ومحاولاته حل المشكلات بالوقوف على الأغراض والمقاصد من وراء التشريعات لا الوقوف على ظواهرها.

стр. 1527

منهج الشيخ سعيد حوى (ت ١٩٨٩) في تفسيره

стр. 1528

الأساس في التفسير حياته (١): وُلد الشيخ في حماة عام ١٩٣٥ م، وتتضافر الروايات التي يرويها كبار الأسرة على أنهم من آل بيت الرسول ﷺ . عاش في صغره ظروفًا معيشية صعبة، حتى إنه اضطر للخروج من المدرسة، والعمل مع والده، ثم عاد ليتابع دراسته في مدرسة ليلية بعد ثلاث سنين، وكان مولعًا بالمطالعة بشكل كبير، ومن أهم القراءات التي أثرت في حياة الشيخ قراءته كتاب "إحياء علوم الدين"، وكانت قراءته فيه تدعوه إلى نوع من التقشف الشديد، لكن كان أهم المؤثرات في تدينه أن الشيخ محمد الحامد - أحد مشايخ الطريقة النقشبندية - كان مدرِّسًا في المدرسة الثانوية التي درس فيها سعيد حوى، وهذا ما أوصله إلى حلقته العلمية في جامع السلطان، وكانت ابتداءً حلقة صغيرة يحضرها كبار السن وبعض الشباب، وكان واحدًا منهم، وكان لهذه التلمذة أكبر الأثر في حياته. كما كان انضمامه إلى جماعة "الإخوان المسلمين" وهو في المرحلة الثانوية أضخم مَعْلَم في حياته، حيث كان انقلابًا هائلًا في بناء شخصيته، فهو - كما وصفه - نوع من العثور على "الأنا الجماعي" لنفسه.

стр. 1529

في عام ١٩٥٦ انتسب الشيخ لكلية الشريعة، وأتمّ حفظ القرآن في السنة الجامعية الأولى، وبعد تخرّجه عمل بالتدريس، حيث درّس في دار المعلمين، وفي ثانوية الحسكة، ثم نُقل إلى القامشلي على أثر بعض الخطب التي ألقاها في المسجد الجامع. في عام ١٩٦٤ شارك في ثورة حماة مشاركة فعالة، بعدها بعامين سافر إلى المملكة السعودية على أثر مضايقات من الحكومة، ودرّس خمس سنوات هناك، ثم عاد إلى سوريا عام ١٩٧٢، وفي العام التالي اعتُقل بسبب موقفه من الدستور العلماني، ولقى في السجن أنواعًا من العذاب، وبعد خمس سنوات خرج من السجن، وكان قد أنجز في السجن مؤلفات عدة، وأتيحت له في السجن فرصة التأمل الواسع في القرآن، فتيقن من نظرية الوحدة القرآنية التي بنى عليها تفسيره فيما بعد، وعكف على كتابة التفسير "الأساس في التفسير" فأنجزه في أقل من سنتين. بعد خروجه من السجن غادر إلى عمان، وبدأ بتبييض تفسيره، واستغرق هذا سنتين، إلى أن أخرجه عام ١٩٨٥، وله مؤلفات عدة، منها: كتابه: الله ﷻ ، الرسول ﷺ ، الإسلام، تربيتنا الروحية، المستخلص في تزكية الأنفس، جند الله ثقافة وأخلاقًا، وغيرها. وفي سنة ١٩٨٧ اضطر إلى اعتزال التأليف، والابتعاد عن العمل العام بسبب ما ألمّ به من الأمراض، إلى أن توفي سنة ١٩٨٩ في عمان، ﵀ وأسكنه فسيح جنانه. تفسيره: " الأساس في التفسير" جزء من سلسلة "الأساس في المنهج"، وهو الجزء الأول، والجزء الثاني: "الأساس في السنّة وفقهها"، أما الجزء الثالث: "الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص"، ويقع تفسير الأساس في أحد عشر مجلدًا، وبلغت صفحاته ٦٧٩٩ صفحة.

стр. 1530

لتفسير الأساس -كغيره من التفاسير- ملامح بارزة، وطابع معين يميّزه عن التفاسير الأخرى، فقد اعتنى الشيخ سعيد ﵀ ببعض الجوانب التي غدت سمة غالبة على تفسيره، والمطّلع على التفسير يلمح ذلك بوضوح. امتاز هذا التفسير بطريقة دراسته للقرآن الكريم وتقسيمه للسور والآيات، كما نرى أن صاحب هذا التفسير قد أفرغ وسعه في إظهار القرآن وحدة واحدة، وأخذ هذا الأمر جُلَّ اهتمامه، سنبدأ بتوضيح هاتين المسألتين، ثم نُتبع ذلك بيان مسائل أخرى في منهجه مع بعض الأمثلة للتوضيح. تقسيمه القرآن والسور: جرى الشيخ سعيد في تفسيره على ما جرى عليه أكثر المفسرين، حيث فسر الآيات القرآنية في سورها مرتبة حسب ترتيب المصحف لا ترتيب النزول. وهو يقسم القرآن أربعة أقسام: قسم الطوال، وينتهي بانتهاء سورة (براءة) وقسم المئين، وينتهي بانتهاء سورة (القصص)، وقسم المثاني، وينتهي بانتهاء سورة (ق)، وأخيرًا قسم المفصّل، ينتهي بانتهاء القرآن الكريم، وقد اعتمد لهذا التقسيم حديث النبي ﷺ : "أُعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأُعطيت المئين مكان الإنجيل، وأُعطيت المثاني مكان الزبور، وفُضِّلتُ بالمفصل" (١)، ونقل عن الشيخ الغماري قوله بأن هذا الحديث حسن، وذكر بعد ذلك آثارًا أخرى تقوي هذا التقسيم. ونقول: إن تقسيم السور إلى هذه الأقسام مستند إلى آثار لا تخلو من مقال، وقد بينّا رأينا فيه بالتفصيل في كتابنا "إتقان البرهان في علوم القرآن"، فليراجع (٢).

стр. 1531

وبعد هذا التقسيم، يجعل في كل قسم مجموعات، كل مجموعة تشكل وحدة في قسمها، أي إنّ كل مجموعة تضم عدة سور، هذه السور يجمع بينها شيء وأحد، فقد تتشابه في مواضيعها، أو في فواتحها، أو في أمر آخر. إذن هناك أربعة أقسام، كل قسم يضم مجموعات، وكل مجموعة تضم سورًا، وهو يقدّم لكل قسم من الأقسام بمقدمة، يجمعها تحت عنوان: "كلمة في قسم كذا"، يتحدث في هذه المقدمة عن القسم بشكل عام، وعن مجموعاته وما بينها من معان مشتركة. كما يبدأ كل مجموعة بكلمة، تحت عنوان: "كلمة في المجموعة - كذا - من قسم - كذا -"، ويعطي فيها فكرة عن المعاني التي جمعت السور في هذه المجموعة، وعن وجه الربط بينها وبين سورة البقرة، كما سيأتي. ثم يبدأ بتفسير السور، سورة سورة، ويفتتح كل سورة بمقدمة يجعلها بعنوان: "بين يدي السورة"، ويذكر فيها مكية السورة أو مدنيتها، ويتحدث عن علاقة السورة بسورة البقرة، وأحيانًا يذكر فضلها مستشهدًا على ذلك بالأحاديث. ويتبع هذه المقدمة بـ "كلمة في السورة ومحورها"، ويعرف فيها موضوع السورة بشكل عام، ومحورها الرئيس، وما تناولته من موضوعات، ويتحدث هنا كذلك عن علاقة السورة بسورة البقرة. وأحيانًا يثير في هذه (الكلمة) تساؤلات عن سرّ التشابه بين السورة التي يتناولها وسورة أخرى مشابهة لها، ثم يجيب عن هذه التساؤلات. وكما أنه يقسم القرآن أقسامًا، والأقسام مجموعات، والمجموعات سورًا، فهو كذلك يقسم السورة أقسامًا فمقاطع ففقرات، فمجموعات. وكل كلمة من هذه الكلمات الأربع (القسم، المقطع، الفقرة، المجموعة)، أوسع من التي تليها، فالقسم يشتمل على مقاطع، والمقطع يشتمل على فقرات، والفقرة على مجموعات.

стр. 1532

وهذه التقسيمات تعتمد على حجم السورة، فالسور الطوال تكون فيها التقسيمات الأربعة كلها، وكلما قصرت السورة كان التقسيمات أقلّ، فقد يقسم بعض السور (مقاطع) متجاوزًا مَرحلة (الأقسام)، وقد يجعل بعض السور في (فقرات)، وهكذا ... ومردّ الأمر في هذا إلى حجم السورة كما مر، والمعوّل عليه في هذا كله هو المعاني. وقد وصف منهجه في مقدمة تفسيره، قائلًا: "فكلمة (قسم) أوسع مما بعدها، ولا نستعملها إلا في السور الطويلة، حيث يكون عندنا عدة مقاطع يجمعها جامع، كلمة (مقطع) أوسع من كلمة (فقرة)، ونستعملها حيث تكون الآيات ذات الموضوع الواحد كثيرة، وكلمة (فقرة) أوسع من كلمة (مجموعة)، ونستعملها عندما يكون عندنا مقطع ذو موضوع واحد، ولكنه يتألف من مجموعة معانٍ رئيسة، فنستعمل لكل معنى رئيسي في المقطع كلمة (فقرة)، وكلمة (مجموعة) أضيق من كلمة (فقرة)، ونستعملها إذا كان في الفقرة داخل المقطع أكثر من معنى يحسن أن نشرحه مفصلًا عما قبله وعما بعده" (١). ولا ينسى الشيخ أن يحدد القسم والمقطع والفقرة والمجموعة، فيقول - مثلًا -: يبدأ هذا القسم بآية (كذا)، وينتهي بآية (كذا). وبعد أن يقسم السورة إلى (أقسام) - وإن كانت من السور الطوال - يبدأ بمقدمة كذلك، بعنوان: "كلمة بين يدي القسم"، يبين موقع القسم من السورة، ويُثنِّي "بالمعنى العام" للقسم، يتحدث فيه عن المعنى الذي تضمّنه القسم، ويُظهر الصلة بين آيات القسم ومقاطعه، ثم يتبع ذلك بـ "كلمة في السياق"، يتحدث عن سياق الآيات، ومناسبته لآيات من سورة البقرة.

стр. 1533

ثم يبدأ بالمقطع الأول من القسم، وطريقة دراسته للمقطع شبيهة بطريقته في القسم، حيث يبدأ بـ "كلمة بين يدي المقطع" يصف فيها الآيات التي ضمّها المقطع، وعن ماذا تتحدث، وموقع المقطع من السورة، وقد يربطه بسورة البقرة. ثم يتناول "المعنى العام" للمقطع، وهو بمثابة المعنى الإجمالي لآيات المقطع، وما تناولته، من موضوعات، وبعد ذلك يبحث في "المعنى الحرفي"، وهو بيان وشرح لمفردات الآيات. ويتبع ذلك بـ "فوائد" اشتملت عليها الآيات، ويذكر في "الفوائد" تفصيل بعض القضايا التي رأى أن المقام في "المعنى الحرفي" لا يتسع لها، فقد يذكر خلافًا للعلماء في أمر اشتملت عليه الآيات، وقد يذكر أحاديث وآثارًا وردت في معنى الآيات، وقد يذكر سبب النزول، وقد يورد شبهة ويرد عليها، أو يفترض سؤالًا ويجيب عليه. فتعدّ هذه "الفوائد" توسّعًا في توضيح الآيات. هذه العنوانات (كلمة في السياق، المعنى العام، المعنى الحرفي، فوائد) هي أبرز العنوانات الواردة في التفسير، قد يزيد عليها، وقد يحذف شيئًا منها، حسبما يقتضيه المقام. ويختم السورة بخاتمة يجعله بعنوان "كلمة أخيرة في السورة"، يذكر فيها بإيجاز القضايا التي عالجتها السورة، أو يذكر الصلة مع سورة البقرة مرة أخرى (١)، أو الصلة بين فاتحة السورة وخاتمتها، وقد يذكر أبرز الفوائد من السورة بإيجاز شديد. القرآن وحدة واحدة: تحدث العلماء - مفسرون وغيرهم - قديمًا وحديثًا عن ترابط الآيات في السورة الواحدة، وترابط السور في القرآن الكريم، وكونه وحدة واحدة، ومع كثرة

стр. 1534

موضوعاته نجد نسقًا واحدًا في غاية الإحكام، وفي منتهى السبك والرصف، وهذا من مظاهر إعجازه. وفي هذا المعنى يقول الإمام الباقلاني: "إن القرآن على اختلاف ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب ... وهذا أمر عجيب تتبين فيه الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج به الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العُرف" (١). وقد اهتم الشيخ سعيد بهذا الجانب اهتمامًا بالغًا، بحيث إننا نستطيع أن نقول: إن هذا التفسير جاء تطبيقًا عمليًا لما تحدث عنه العلماء، فقد التزم ببيان نظرية الوحدة القرآنية التي أَلَّفَ تفسيره لأجل إبرازها، وقد كان دائم التفكير منذ الصغر بأسرار الصلة بين الآيات والسور كما يقول. ولعل السبب في اهتمامه هذا هو ما قاله في مقدمة تفسيره بأن أحدًا لم يستوعب هذه القضية بما يغطيها تغطية كاملة، وبأن الكثير من الناس في عصرنا يتساءلون عن الصلة بين آيات القرآن الكريم وسوره، وعن السرّ في تسلسل سور القرآن على هذه الشاكلة المعروفة. وفي هذا يقول: "لئن عرّج بعض المفسرين على هذا الموضوع، فإن أحدًا منهم لم يستوعب القرآن كله بذكر الربط والمناسبة بين الآيات في السورة الواحدة، وبين سور القرآن بعضها مع بعض على ضوء نظرية شاملة، وقد بُذل حتى الآن الجهد الأكبر في الربط بين الآيات في السورة الوحدة، ولكن النقطة الثانية - يقصد الربط بين الآيات - لم يُبذل فيها جهد إلا ضمن حدود ضيقة، وكلا الجهدين فاتته إلى حد

стр. 1535

كبير بعض أسرار الوحدة الشاملة، ولقد حاولت في هذا التفسير أن أسدّ هذه الثغرة لاعتقادي أن أسرار الوحدة القرآنية لا يُحاط بها" (١). وجدير بالذكر أن تفسير البقاعي "نَظْم الدرر في تناسب الآيات والسور" كان في طور الطباعة حين كتب الشيخ تفسيره، ولم يكن قد اطلع عليه بعد. كما كثرت الشبهات حول القرآن، ومن آخرها وأعجبها ما تثيره الآن أكثر دوائر الكفر بشكل مهذب أو وقح حول الوحدة القرآنية، وأن القرآن بشريّ الصدر كونه نزل منجمًا، حيث لا ترابط بين أجزائه، فرأى ﵀ أن هذا الأمر، وإنْ كان من أعظم مظاهر الإعجاز إلا أنه يحتاج إلى بيان، ويرى أن الله منَّ عليه فسدّ هذه الثغرة مصحِّحًا الكثير من الغلط في هذا الشأن ومضيفًا أشياء كثيرة لم يسبق إليها، فلم يطرقها أحد قبله (٢). وبناءً على اعتقاد الشيخ بقصور المحاولات السابقة قدّم نظرية شاملة تربط أجزاء القرآن بعضها مع بعض، فربط بين آيات السورة الواحدة، وبين سور القرآن على ضوء هذه النظرية الشاملة، فلم يكتفِ ببيان مناسبة كل سورة للتي قبلها، وإنما حاول الربط بين السور غير المتتالية كذلك، فكان يبين علاقة السورة بمجموعتها وعلاقة السورة بقسمها وبمحورها من سورة البقرة، ويشير إلى التناسب بين الفقرة والفقرة، وبين المجموعات، وبين الفقرة ومجموعتها. ويرى الشيخ أن تغطيته لهذا الموضوع لها فوائد عدة، ذكرها متفرقة في مقدمة التفسير، نجملها بما يلي: • تلبي مطلبًا من مطالب عصرنا. • تروي ظمأ طلاب العلم والباحثين عن دقائق أسرار هذا القرآن.

стр. 1536

• كما أنها تضع لبنة في صرح الحديث عن إعجاز القرآن ومعجزاته. • ومن خلالها يزداد ترجيح بعض الجوانب التي وقع فيها خلاف كقضية: إن ترتيب سور القرآن توقيفي وليس اجتهاديًا، فمع أن جماهير الأمة ذهبت إلى هذا، فإن هذا التفسير سيبرهن على هذا الموضوع بشكل علمي. • كما أنه بإبراز الوحدة القرآنية ببيان الصلة بين سور القرآن، والصلة بين الآيات في السورة الواحدة، سيتم الجواب على السؤال: لماذا لم تكن المعاني ذات المضمون الواحد موجودًا بعضها بجانب بعضها الآخر. • كما أن القارئ لهذا التفسير سيرى أن هذا الترتيب يبن سور القرآن على هذه الشاكلة التي رتبها الله في كتابه، شيء به وحده تقوم الحجة على كل من يتصور أن هذا القرآن يمكن أن يكون بشري المصدر. • وتردّ هذه النظرية على شبهة أن هناك افتراقًا بين القرآن المكي والمدني (١). • وتخدم هذه النظرية في معرفة بعض أسرار القرآن. • وتخدم قضية الفهم للكثير من المعاني التي يدل عليها السياق (٢). هذه أهم القضايا التي يرى الشيخ سعيد أن نظريته ستجلّيها وتوضّحها، وعلى ضوء هذه النظرية نجده يربط جميع سور البقرة، بسورة البقرة، فيرى أن هناك معانيَ مشتركة بين كل سورة وسورة البقرة، فقد قسم القرآن بعد سورة البقرة إلى أربع وعشرين مجموعة، كل مجموعة تفصل معاني سورة البقرة بالترتيب الوارد فيها، قال في نهاية تفسيره: "رأينا أن سورة الفاتحة ذكرت كل المعاني القرآنية بإجمال، وجاءت سورة البقرة لتفصّل في الطريقين: طريق المنعَم عليهم، وطريق المغضوب عليهم والضالين، وجاءت الآيات التسعة والثلاثون من سورة البقرة للتحدث عن المعاني الرئيسة في الهدى والضلال.

стр. 1537

ثم جاءت بقية السورة لتخدم معنى من المعاني الآتية في هذه التسعة والثلاثين آية، ثم جاءت بعد ذلك أربع وعشرون مجموعة قرآنية، كل مجموعة فصلت في معاني سورة البقرة على ترتيب ورود هذه المعاني في سورة البقرة بشكل رأينا حكمه وتفصيلاته فيما مرّ معنا، ورأينا أن في كل تفصيل جديدًا، وفي كل سورة جديدًا" (١). ومن الأمثلة على ذلك ربطه سورة يونس بأول آية من سورة البقرة، حيث قال: "محور هذه السورة - يونس - أول آية من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢] فهي تفصيل لهذه الآية" (٢). ومن ذلك ربطه سورة المعارج بمقدمة سورة البقرة، حيث قال: "قلنا من قبل إن سورة المعارج تفصّل في مقدمة سورة البقرة، وبالتحديد فإنها تفصّل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧]، فبداية السورة: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾ [المعارج: ١ - ٢]، ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٧]، ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ [المعارج ٣٦] , ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾ [المعارج ٤٢]، فأنت ترى مما نقلناه أن الكلام في السورة ينصبّ انصبابًا رئيسيًا على الكافرين وعذابهم وأحوالهم" (٣). ويشترك مع سورة المعارج في المحور نفسه من سورة البقرة السور التالية: الأنبياء، ص، غافر، القمر، نوح، الجن، النبأ، عبس، الهمزة، الفيل، وقريش، وأجاب عن سبب ارتباط أكثر من سورة بالآيات

стр. 1538

الأولى من سورة البقرة، فقال: "إن هذه المعاني التي ذكرتها الآيات الأولى من سورة البقرة عليها مدار الإسلام كله، فبقدر ما تتعمق معانيها في النفس البشرية وتتضح، يكون الإسلام قائمًا والأمر مستقيمًا" (١). والسبب الذي من أجله جعل الشيخ سورة البقرة هي الأساس والمرجع مجموعُ الأحاديث النبوية التي وردت في بيان فضل السورة، منها قول النبي ﷺ : "اقرؤوا القرآن؛ فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرؤوا الزهراوين، البقرة، وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرقان من طير صوافّ يحاجان، عن أهلهما، ثم قال: اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة"، ومنها: "إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلًا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام"، وغيرها من الأحاديث الشريفة. ولكن ... ومع فضل سورة البقرة إلا أن رجعَ كلِّ سورة قرآنية إلى محور منها فيه تكلف ظاهر، إذ إن آيات القرآن الكريم كلها مترابطة ومتشابهة من حيث المضمون والمعنى، فالوعد والوعيد، وقصص السابقين، والتذكير بنِعَم الله، والعبادات والعقائد كلها معانٍ مشتركة بين سور القرآن الكريم، فلا وجه لجعل سورة البقرة بالذات هي الأساس التي ترجع إليها بقية السور، وإن كان لا بد من جعل سورة هي الأم والمرجع، فسورة الفاتحة هي أم الكتاب، وقد تحدث العلماء عنها قديمًا، وبيّنوا اشتمال آياتها للمقاصد الأساسية في القرآن الكريم. وهو يربط كذلك بين السور، من ذلك ما قاله حين ربط بين سورتي الحاقة والواقعة: " ... يبقى أن نتساءل عن سر التشابه بين سورة الحاقة وسورة الواقعة؟ أقول: إن اليوم الآخر يدفع للعمل كما يدفع للإيمان، وقد جاءت سورة الواقعة تفصّل في ما بعد مقدمة سورة البقرة، وجاءت سورة الحاقة تفصّل في مقدمة سورة

стр. 1539

البقرة وبين المقامين تداخل، فالكلام عن اليوم الآخر داع للتحلي، كما هو دافع للتخلي ودافع للإيمان، كما أنه دافع للعمل، ومن ثم تقدم الحديث عن اليوم الآخر في السورتين للوصول إلى ما ينبغي أن يبنى عليه، على أن كلًّا من السورتين تخدم محورها بشكل رئيسي" (١). ومن الأمثلة على ربطه بين الآيات في السورة الواحدة قولُه محاولًا الربط بين فقرات سورة الطلاق: "بانتهاء الفقرة الثالثة (الآيتين ٦، ٧) ينتهي الكلام عن أحكام العدة، وتأتي الآن الفقرة الرابعة (الآيات: ٨ - ١١) تعطي وعظًا عامًّا، مهددة ومنذرة أن تخالف أوامر الله ورسوله، ومبشرة الذين يلتزمون بأحكام الله، ويلاحظ أن الوعظ في ابتداء الفقرة انصبّ مخاطبًا القرى دون الأفراد، وكأن في ذلك إنذارًا للأمم التي تعتمد قوانين تخالف شرع الله" (٢). هذه بعض الأمثلة التي تعطينا فكرة عن اهتمام الشيخ بإظهار ترابط أجزاء القرآن الكريم. ومعلوم أن إيجاد علائق وروابط بين أجزاء القرآن الكريم أمر اجتهادي قابل للصواب والخطأ، وقد يؤدي أحيانًا إلى التعسف، لذلك نرى بعض العلماء رفضوا القول بالوحدة القرآنية، كالإمام عز الدين بن عبد السلام قديمًا (٣). والدكتور محمد رجب البيومي حديثًا (٤)، والأفضل أن يتخذ المفسر طريقًا وسطًا بين هذين المذهبين. موقفه من التفسير المأثور: أجمع العلماء على أن من أراد تفسير الكتاب العزيز فليرجع أولًا إلى القرآن، فما أُجمل منه في مكان فقد فُسِّر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان فقد بُسط في موضع

стр. 1540

آخر، فإنْ أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنها شارحة للقرآن موضحة له، فإن لم يجده من السنة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، وكذلك الآثار الواردة عن التابعين، وإن كان العلماء قد اختلفوا في وجوب الأخذ بها. اهتم الشيخ سعيد ﵀ بهذا الجانب، فالأحاديث والآثار تشغل مساحة كبيرة في تفسيره الأساس، فهو دائم الاستشهاد بها، ودائم الاستعانة بها للتوضيح والبيان. ومن الملاحظ أنه غالبًا ما يحذف السند، فنراه عندما يستشهد بحديث مرفوع إلى النبي ﷺ لا يذكر إلا الصحابي راوي الحديث، كما يذكر من أخرجه من أصْحاب كتب السنّة، فمثلًا يقول في تفسير آية القصاص: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]: "روى الإمام أحمد عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال: "من أصيب بقتل أخيه، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها"، وعن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ "الا أُعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية"" (١). وكذلك عندما يستشهد بأقوال الصحابة والتابعين، نجده ينسب القول إليهم مباشرة، وغالبًا يذكر من أخرجه، من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] حيث ذكر قولين لمعنى الحشر، القول الأول: ما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير عن ابن عباس قال: "موت البهائم حشرها" (٢).

стр. 1541

هذا مثال ما جاء عن الصحابي، أما ما جاء عن التابعي، فمثاله ما أورده عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قال: قال أبو العالية في تفسير الإيمان بالغيب: "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث" (١). وهو حين يورد هذه الأحاديث والآثار نجده أحيانًا يعقب عليها ويذكر درجتها من الصحة، وأحيانًا يغفل ذلك، ومن الأول قوله: روى الإمام أحمد ... عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه ﷺ أنه قال: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه"، ثم عقب على ذلك بقوله: إسناده صحيح (٢). ومن الثاني: ما روي عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" (٣)، ولقد ذكر هذا الحديث عند تفسيره للآية (٣٨) من سورة الأنعام، ولم يعقب عليه بتصحيح أو تضعيف، في حين نجده يردّ بعض الروايات الضعيفة والموضوعة، من ذلك ردّه رواية الغرانيق، قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]: "يذكر المفسرون قصة الغرانيق، ثم يحاولون تعليلها أو توجيهها، مع أن المحدثين يردونها من أساسها، حتى ألّف بعضهم رسائل مستقلة في إبطالها ومن ثم فإننا لن نذكرها، ولن نتكلف للرد عليها ما دام أصلها غير ثابت، ولعلنا نتعرض لها في كتاب "الأساس في السنّة"، ولعل من

стр. 1542

جملة ما جعل للقصة رواجًا هو عجز بعض المفسرين عن فهم الآيات، فرأوا في القصة توجيهًا سهلًا للآيات فساروا عليه" (١). وعلى كل حال فإن العناية بالتفسير المأثور واضحة في تفسير الأساس، حتى إن الشيخ أحيانًا يفرد عنوانًا خاصًّا لها، فيقول: "أحاديث وآثار"، وهذا يدل على حرصه على ذكره ولفت النظر إليها. موقفه من أسباب النزول: وهذه المسألة مرتبطة بما قبلها ارتباطًا وثيقًا، لكنّا أحببنا أن نُفردها لإظهار اهتمامه بهذا لأمر، فهو غالبًا ما يفرده بعنوان مستقل، فيقول: "سبب نزول الآية"، وقد لا يفرده بعنوان مستقل فيذكره ضمن الفوائد التي تعقب تفسير الآيات، وأحيانًا نجده يذكر أكثر من سبب نزول للآية الواحدة - إنْ وُجد -، وجدير بالذكر هنا أنه كثيرًا ما يستعين بتفسير ابن كثير في روايات أسباب النزول؛ إذ كان تفسير ابن كثير من مصادره الرئيسة التي استعان بها. من ذلك ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]، قال: "في سبب نزول هذه الآية قال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [رواه أبو داود] (٢).

стр. 1543

موقفه من الإسرائيليات: جرى جمهور العلماء على أن الأخبار الإسرائيلية تنقسم أقسامًا ثلاثة: ما يُعلم صحته، ما يُعلم كذبه، ما هو مسكوت عنه. ومنهج الشيخ سعيد في هذه المسألة أنه يرفض الإسرائيليات بشكل عام، فنراه عند تفسير قصة داود من سورة (ص) ينقل رواية عن اليهود، ويرفضها ويصفها بأنها من رجاسات اليهود: "في الإصحاح الحادي عشر والثاني عشر من سفر صموئيل الثاني تذكر قصة فيها بعض كلمات القصة القرآنية، وفيها رجاسات اليهود، إذ يذكر الإصحاح الحادي عشر أن داود زنى بامرأة "أوريا" قائده، ودفع بـ "أوريا" ليُقتل، ثم يذكر الإصحاح الثاني عشر ضم داود زوجة "أوريا" إليه، وعتاب "ناثان" النبي له على ذلك. ويذكر الإصحاح هنا فكرة النعجة الواحدة والنعاج الكثيرة، وكثير مما ذكر في كتب العهد القديم أو الجديد كلام لا قيمة له من الناحية العلمية، إذ يخالف الحق الذي أنزله الله في القرآن، ويكفي لرفضه ومعرفة قيمته الخسيسة ذكر أن داود ﵇ زنى بامرأة "أوريا" في حياة زوجها، وزوجها يقاتل في سبيل الله، مما لا يفعله أخس الناس- فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين - بما يفترون على رسل الله" (١). ففي هذا المثال وجدنا الشيخ يرفض ما جاء عن اليهود، لأنه يخالف الحق الذي نعلمه، ولكنه يرى جواز الاستئناس بشيء منها إذا وافق الحق الذي نعلمه، ويقول في هذا: "لا نجد في أسفار العهد القديم شيئًا يشير إلى موضوع استعراض الخيل من قِبَل سليمان ﵇ حتى نستأنس بشيء إذا وافق الحق الذي نعلمه، وهيهات أن تجد فيها الكثير، بل إنك لتجد فيها الكذب الكثير ... وأما سكوت أسفار العهد القديم فليس أمامنا إلا الفهم من ألفاظ النص القرآني ضمن القواعد العامة" (٢).

стр. 1544

وفي تفسيره آية الكرسي بيّن الشيخ منهجه في التعامل مع الإسرائيليات، قال: "إن الروايات عن بني إسرائيل فيها من سوء الأدب مع الله ورسله الكثير، وفيها من الجهل بالله ورسله الكثير، فإذا ما أردنا أن ننقل، فلننقل مع البيان الناصع والرد القاطع، أو فلننقل ما يتفق مع الحق، مع عزو إلى مصادره ، دون أن نحمّل أنفسنا مسؤوليته" (١). فيُحمل رفضه الإسرائيليات على أنه رفضٌ لما عُلم كذبه منها، وناقَضَ ما عرفناه من شرعنا، ويُحمل تجويزه الاستئناسَ بشيء منها على أنه تجويز لرواية ما وافق ديننا، ولكن يؤخذ عليه ﵀ اعتماده على ما جاء في التوراة في الاستشهاد على بعض القضايا، وكان حريًا به أن يقتدي بابن عباس ﵁ حين قال: "يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزله الله على نبيه ﷺ أحدثُ الأخبار بالله؟ تقرؤونه لم يُشَبْ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدّلوا ما كتب الله، وغيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلًا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل إليكم" (٢). وسننقل بعض ما ورد في هذا التفسير مما أُخذ من التوراة عند حديثنا عن استطرادات الشيخ. مصادره: لا بد للمفسر - أي مفسر - أن يستأنس بأقوال من قبله من المفسرين المشهورين، فلا يصح إهمال ما وصلوا إليه، وإنما ينبغي أن تذكر أقوالهم، وتُناقش،

стр. 1545

ويُعتمد على ما يصح منها، ويُزاد عليه، إنْ كان هناك زيادة فاتتهم، أو حاجة يقتضيها العصر. والشيخ سعيد ﵀ لم يُغفل هذا الجانب، بل نراه يعتمد كثيرًا على من سبقه، وينقل عنهم بكل أمانة، فغالبًا ما يسند الأقوال إلى أصحابها، إلا أن طول النصوص المنقولة مما يؤخذ عليه، ويُضعف من ظهور شخصيته في التفسير. ومن أكثر التفاسير التي استعان بها، تفسيرا: ابن كثير، والنسفي، والسبب في ذلك - كما قال في المقدمة - أنه لم يتوافر له في فترة سجنه في المرحلة التي ابتدأ فيها تأليف تفسيره إلا هذا التفسيران، فأقبل عليهما محاولًا من خلالهما أن يغطي المعاني الحرفية لكتاب الله تعالى، وأحيانًا المعاني الإجمالية، ويقول: إنه حاول أن يُضَمِّن هذا التفسير خلاصة التفسيرين ومجمل الفوائد الموجودة فيهما تاركًا ما لا يتفق وأهداف تفسيره، وهذا واضح في تفسيره بشكل بارز، حيث إنه كثيرُ النقل عنهما. وفي تفسيره آيات الأحكام يكثر النقل عن القرطبي، ومن مصادره تفسير الظلال لسيد قطب، ذلك أن "الظلال" تفسير عصري اجتماعي يتماشى مع أهداف الشيخ التي يريد أن يحققها من تفسيره، وهي تلبية حاجات العصر والمجتمع. وتفسير الطبري والزمخشري والرازي والآلوسي من مصادره كذلك، وغيرها، ولكن هذه أهمها. وقد قال في خاتمة تفسيره عن مصادره الرئيسة: "وقد اعتمدتُ أربعة تفاسير كأساس: تفسير ابن كثير، وتفسير النسفي، وتفسير الآلوسي، وتفسير الظلال، واعتقدت أن فوائد هذه التفاسير هي أقصى ما يحتاجه القارئ العادي، فابن كثير يفسر القرآن بالقرآن وبالمأثور في الغالب، والنسفي يعطي للمعنى الحرفيّ أهمية، وقد كاد هذان التفسيران أن يستوعبا فوائد التفاسير التي سبقتهما، وتفسير الآلوسي وسيد قطب تفسيران متأخران، الأول منهما استوعب التفسير التقليدي، والثاني
следующие страницы →