← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

هذا مثال ما جاء عن الصحابي، أما ما جاء عن التابعي، فمثاله ما أورده عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قال: قال أبو العالية في تفسير الإيمان بالغيب: "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث" (١). وهو حين يورد هذه الأحاديث والآثار نجده أحيانًا يعقب عليها ويذكر درجتها من الصحة، وأحيانًا يغفل ذلك، ومن الأول قوله: روى الإمام أحمد ... عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه ﷺ أنه قال: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه"، ثم عقب على ذلك بقوله: إسناده صحيح (٢). ومن الثاني: ما روي عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" (٣)، ولقد ذكر هذا الحديث عند تفسيره للآية (٣٨) من سورة الأنعام، ولم يعقب عليه بتصحيح أو تضعيف، في حين نجده يردّ بعض الروايات الضعيفة والموضوعة، من ذلك ردّه رواية الغرانيق، قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]: "يذكر المفسرون قصة الغرانيق، ثم يحاولون تعليلها أو توجيهها، مع أن المحدثين يردونها من أساسها، حتى ألّف بعضهم رسائل مستقلة في إبطالها ومن ثم فإننا لن نذكرها، ولن نتكلف للرد عليها ما دام أصلها غير ثابت، ولعلنا نتعرض لها في كتاب "الأساس في السنّة"، ولعل من

стр. 1542

جملة ما جعل للقصة رواجًا هو عجز بعض المفسرين عن فهم الآيات، فرأوا في القصة توجيهًا سهلًا للآيات فساروا عليه" (١). وعلى كل حال فإن العناية بالتفسير المأثور واضحة في تفسير الأساس، حتى إن الشيخ أحيانًا يفرد عنوانًا خاصًّا لها، فيقول: "أحاديث وآثار"، وهذا يدل على حرصه على ذكره ولفت النظر إليها. موقفه من أسباب النزول: وهذه المسألة مرتبطة بما قبلها ارتباطًا وثيقًا، لكنّا أحببنا أن نُفردها لإظهار اهتمامه بهذا لأمر، فهو غالبًا ما يفرده بعنوان مستقل، فيقول: "سبب نزول الآية"، وقد لا يفرده بعنوان مستقل فيذكره ضمن الفوائد التي تعقب تفسير الآيات، وأحيانًا نجده يذكر أكثر من سبب نزول للآية الواحدة - إنْ وُجد -، وجدير بالذكر هنا أنه كثيرًا ما يستعين بتفسير ابن كثير في روايات أسباب النزول؛ إذ كان تفسير ابن كثير من مصادره الرئيسة التي استعان بها. من ذلك ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]، قال: "في سبب نزول هذه الآية قال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [رواه أبو داود] (٢).

стр. 1543

موقفه من الإسرائيليات: جرى جمهور العلماء على أن الأخبار الإسرائيلية تنقسم أقسامًا ثلاثة: ما يُعلم صحته، ما يُعلم كذبه، ما هو مسكوت عنه. ومنهج الشيخ سعيد في هذه المسألة أنه يرفض الإسرائيليات بشكل عام، فنراه عند تفسير قصة داود من سورة (ص) ينقل رواية عن اليهود، ويرفضها ويصفها بأنها من رجاسات اليهود: "في الإصحاح الحادي عشر والثاني عشر من سفر صموئيل الثاني تذكر قصة فيها بعض كلمات القصة القرآنية، وفيها رجاسات اليهود، إذ يذكر الإصحاح الحادي عشر أن داود زنى بامرأة "أوريا" قائده، ودفع بـ "أوريا" ليُقتل، ثم يذكر الإصحاح الثاني عشر ضم داود زوجة "أوريا" إليه، وعتاب "ناثان" النبي له على ذلك. ويذكر الإصحاح هنا فكرة النعجة الواحدة والنعاج الكثيرة، وكثير مما ذكر في كتب العهد القديم أو الجديد كلام لا قيمة له من الناحية العلمية، إذ يخالف الحق الذي أنزله الله في القرآن، ويكفي لرفضه ومعرفة قيمته الخسيسة ذكر أن داود ﵇ زنى بامرأة "أوريا" في حياة زوجها، وزوجها يقاتل في سبيل الله، مما لا يفعله أخس الناس- فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين - بما يفترون على رسل الله" (١). ففي هذا المثال وجدنا الشيخ يرفض ما جاء عن اليهود، لأنه يخالف الحق الذي نعلمه، ولكنه يرى جواز الاستئناس بشيء منها إذا وافق الحق الذي نعلمه، ويقول في هذا: "لا نجد في أسفار العهد القديم شيئًا يشير إلى موضوع استعراض الخيل من قِبَل سليمان ﵇ حتى نستأنس بشيء إذا وافق الحق الذي نعلمه، وهيهات أن تجد فيها الكثير، بل إنك لتجد فيها الكذب الكثير ... وأما سكوت أسفار العهد القديم فليس أمامنا إلا الفهم من ألفاظ النص القرآني ضمن القواعد العامة" (٢).

стр. 1544

وفي تفسيره آية الكرسي بيّن الشيخ منهجه في التعامل مع الإسرائيليات، قال: "إن الروايات عن بني إسرائيل فيها من سوء الأدب مع الله ورسله الكثير، وفيها من الجهل بالله ورسله الكثير، فإذا ما أردنا أن ننقل، فلننقل مع البيان الناصع والرد القاطع، أو فلننقل ما يتفق مع الحق، مع عزو إلى مصادره ، دون أن نحمّل أنفسنا مسؤوليته" (١). فيُحمل رفضه الإسرائيليات على أنه رفضٌ لما عُلم كذبه منها، وناقَضَ ما عرفناه من شرعنا، ويُحمل تجويزه الاستئناسَ بشيء منها على أنه تجويز لرواية ما وافق ديننا، ولكن يؤخذ عليه ﵀ اعتماده على ما جاء في التوراة في الاستشهاد على بعض القضايا، وكان حريًا به أن يقتدي بابن عباس ﵁ حين قال: "يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزله الله على نبيه ﷺ أحدثُ الأخبار بالله؟ تقرؤونه لم يُشَبْ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدّلوا ما كتب الله، وغيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلًا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل إليكم" (٢). وسننقل بعض ما ورد في هذا التفسير مما أُخذ من التوراة عند حديثنا عن استطرادات الشيخ. مصادره: لا بد للمفسر - أي مفسر - أن يستأنس بأقوال من قبله من المفسرين المشهورين، فلا يصح إهمال ما وصلوا إليه، وإنما ينبغي أن تذكر أقوالهم، وتُناقش،

стр. 1545

ويُعتمد على ما يصح منها، ويُزاد عليه، إنْ كان هناك زيادة فاتتهم، أو حاجة يقتضيها العصر. والشيخ سعيد ﵀ لم يُغفل هذا الجانب، بل نراه يعتمد كثيرًا على من سبقه، وينقل عنهم بكل أمانة، فغالبًا ما يسند الأقوال إلى أصحابها، إلا أن طول النصوص المنقولة مما يؤخذ عليه، ويُضعف من ظهور شخصيته في التفسير. ومن أكثر التفاسير التي استعان بها، تفسيرا: ابن كثير، والنسفي، والسبب في ذلك - كما قال في المقدمة - أنه لم يتوافر له في فترة سجنه في المرحلة التي ابتدأ فيها تأليف تفسيره إلا هذا التفسيران، فأقبل عليهما محاولًا من خلالهما أن يغطي المعاني الحرفية لكتاب الله تعالى، وأحيانًا المعاني الإجمالية، ويقول: إنه حاول أن يُضَمِّن هذا التفسير خلاصة التفسيرين ومجمل الفوائد الموجودة فيهما تاركًا ما لا يتفق وأهداف تفسيره، وهذا واضح في تفسيره بشكل بارز، حيث إنه كثيرُ النقل عنهما. وفي تفسيره آيات الأحكام يكثر النقل عن القرطبي، ومن مصادره تفسير الظلال لسيد قطب، ذلك أن "الظلال" تفسير عصري اجتماعي يتماشى مع أهداف الشيخ التي يريد أن يحققها من تفسيره، وهي تلبية حاجات العصر والمجتمع. وتفسير الطبري والزمخشري والرازي والآلوسي من مصادره كذلك، وغيرها، ولكن هذه أهمها. وقد قال في خاتمة تفسيره عن مصادره الرئيسة: "وقد اعتمدتُ أربعة تفاسير كأساس: تفسير ابن كثير، وتفسير النسفي، وتفسير الآلوسي، وتفسير الظلال، واعتقدت أن فوائد هذه التفاسير هي أقصى ما يحتاجه القارئ العادي، فابن كثير يفسر القرآن بالقرآن وبالمأثور في الغالب، والنسفي يعطي للمعنى الحرفيّ أهمية، وقد كاد هذان التفسيران أن يستوعبا فوائد التفاسير التي سبقتهما، وتفسير الآلوسي وسيد قطب تفسيران متأخران، الأول منهما استوعب التفسير التقليدي، والثاني

стр. 1546

منهما فسر القرآن بلغة العصر، وقد رأيت أنه باعتمادي هذه التفاسير الأربعة أكون قد استوعبت - إلى حد ما - الفائدة من كتب التفاسير على مر العصور" (١). والذي يظهر بالقراءة المتأنية لتفسير الأساس أن هذه التفاسير التي ذكرها الشيخ كانت فعلًا معتمده، ويظهر كذلك أن رجوعه إلى تفسير الظلال كان أكثر من رجوعه إلى تفسير الآلوسي، ﵏ جميعًا. ويلاحظ أن الشيخ أحيانًا ينقل الأقوال دون أن يناقشها، أو يعقب عليها، من ذلك ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] , قال: "في تفسير الحشر هنا اتجاهان للمفسرين: الاتجاه الأول: اتجاه من يفسر حشر البهائم بأنه موتها، والاتجاه الثاني يفسر حشرها ببعثها وإقامة العدل فيما بينها، ثم إفنائها" (٢). ولعل الشيخ في عدم تعليقه على بعض الأقوال، يرى أنه متساوية في قوة أدلتها، وأن النص يحتملها جميعًا، ولكن كان الأولى به ﵀ أن يُظهر رأيه بشكل واضح، مناقشًا، أو رادًّا، أو مؤيدًا، ... إلخ، لا ناقلًا فقط. وأحيانًا نجده يوجّه الأقوال، ويناقش أصحابها، من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ [ص: ٣٣]، حيث نقل رأي ابن جرير الطبري في تفسيرها وأنه أخذ بقول ابن عباس ﵄، وهو: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًا لها، ثم ذكر سبب ترجيح الطبري لهذا، وهو أن سليمان ﵇ لم يكن ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالًا من ماله بلا سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها". ثم قال الشيخ سعيد: وهذا الذي رجّحه الطبري فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعه جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان

стр. 1547

غضبًا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة، ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوّضه الله ما هو خير منها، وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوّها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل (١). وعندي أن ما ذهب إليه الشيخ سعيد بعيد، وقد استبعده الإمام الرازي مستدلًا بوجوهٍ: "الأول: أنه لو كان معنى مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، قطعها، وهذا مما لا يقوله عاقل، بل لو قيل: "مسح رأسه بالسيف"، فربما فُهم منه ضرب العنق، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم البتة من المسح العقر والذبح. الثاني القائلون لهذا القول جمعوا على سليمان ﵇ أنواعًا من الأفعال المذمومة، فأولها: ترك الصلاة، وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقال ﷺ : "حب الدنيا رأس كل خطيئة"، وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة، ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس، خامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وروي عن النبي ﷺ "نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة"، فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان ﵇، مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها ... " (٢) إلى آخر ما قاله ﵀. عنايته بالقضايا الفقهية: من يقرأ تفسير الشيخ سعيد لآيات الأحكام يلمس أنه حنفي المذهب، فنراه كثيرًا ما يقدمه في الذكر على المذاهب الأخرى، وإنْ رجَّح بين المذاهب فغالبًا ما يرجحه، وأحيانًا لا يذكر غيره.

стр. 1548

وهو حين يمرّ بآيات تضم أحكامًا فقهية، نجده يقف عندها ذاكرًا آراء الأئمة الأربعة وأدلتهم باختصار، وقد يزيد على ذلك بآراء غيرهم، وتارة نجده يعقّب على الآراء، وتارة أخرى لا يفعل. ومن الأمثلة على إفراده مذهب الحنفية بالذكر قوله في تفسير الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]: "قال الحنفية: يرخص شرب الخمر للعطشان، وأكل الميتة في المجاعة إذا تحقق الهلاك، وقال الحنفية: ويحرم الذبح لمخلوق ولو ذكر اسم الله تعالى، لأنه أُهِّل به لغير الله تعالى، أما لو نوى إكرامه فإنه يحل، ويظهر ذلك فيما لو ضافه أمير مثلًا فذُبح عند قدومه شاة، فإن قُصد التعظيم فلا تحل، وإنْ أضافه بها، وإنْ قصد الإكرام فتحل" (١). كما أن الشيخ سعيدًا يتلمس الحِكَم التي وراء الأحكام، فمثلًا نجده يقول في حكمة الصوم: "إن الحكمة من فرض الصوم علينا هي الوصول إلى التقوى، فمن صام رمضان ثم لم يحصّل التقوى فقد فرّط، إن الإيمان بالغيب وإن التوحيد هما البذرة التي تتفرع عنهما شجرة الإسلام لتؤتي ثمارها، والصلاة هي الغذاء اليومي لهذه الثمرة، والإنفاق هو الذي يجتث الحشائش الضارة من أرض القلب، كالشح والبخل والحرص. ويأتي الصوم ليضبط الانفعالات النفسية الخاطئة في أخطر مظاهرها، شهوة الفرج، وشهوة البطن، إذ يعوِّد المسلم على ضبط ذلك ... " (٢).

стр. 1549

قضايا العقيدة في التفسير: التزم الشيخ ﵀ مذهب أهل السنّة والجماعة، فكان يفسر الآيات على ضوئه، ونجده أحيانًا يفنّد آراء المعتزلة والمرجئة، وغيرهم من المذاهب المخالفة لمذاهب أهل السنّة، وقد قال في هذا الشأن: "يقول ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ... "، إن كل مناقشات أئمة أهل السنّة والجماعة مع بعضهم إنما تدور حول أمور مشتبهات، وكل منهم على بصيرة حاول أن يعطي حكم الله في هذه الأمور، ومن ثم فالأمر واسع، فمهما كان الواحد منا على مذهب إمام في مثل هذه الشؤون فإنه لا حرج عليه، ولكن الخلاف بين أهل السنّة والجماعة، وبين الفِرَق المنشقّة عن جسم الأمة الإسلامية، كالمعتزلة وأنواع المرجئة وطوائف من الشيعة والخوارج ليس فيما ذكرنا، وإنما هو خلاف حيث لا ينبغي أن يكون خلاف لكثرة النصوص ووضوحها، ولذلك في قسم التفسير قد لا نعتني بعرض أدلة الأئمة في اختلافاتهم، ولكننا نعتني بعرض الأدلة في أي خلاف بين أهل السنّة والجماعة ومن خالفهم" (١). ونرى أنه كان الأوْلَى بالشيخ أن يعتني بالمخالفين الذين ظهروا في هذا العصر، كالحداثيين، والوجوديين، والبابيين، والبهائيين، والقاديانيين، فهؤلاء خطرهم أشدّ في هذه الأيام. ومن المواضع التي يظهر فيها أن الشيخ على مذهب أهل السنّة ما قاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى آخر الآية، يقول: "دلّت هذه الآيات على أن مرتكب الكبيرة

стр. 1550

- حتى ولو كانت القتل العمد - مؤمن، للوصف بالإيمان بعد وجود القتل، ولبقاء الأخوة الثابتة بالإيمان، ولاستحقاق التخفيف والرحمة" (١). ووضّح هذا في موضع آخر، حيث قال: "وفي موضوع القتل العمد، وتفسير الخلود في النار- الذي هُدِّد به صاحبه - قضايا كثيرة، ضل بها من ضلّ، وخلاصة الحق في هذا الموضوع، أن من قتل مؤمنًا قاصدًا لأنه مؤمن، أو قتل مؤمنًا مستحلًا قتله بلا شبهة معتبرة شرعًا، فهو كافر، وجزاؤه الخلود الأبدي في النار، أما من قتل مؤمنًا عمدًا غير مستحل، فهو مؤمن، ويستحق المقام الطويل في جهنم إلا أن يعفوَ الله، وقد قال العلماء: إن في القتل ثلاثة حقوق: حق الله، وحق القتيل، وحق أوليائه، فحق أوليائه الدية أو القصاص، وحق الله يسقط بالتوبة إن قبلها الله، ويبقى حق القتيل يوم القيامة، فإن شاء الله أن يرضي القتيل أرضاه عن قاتله، وإن شاء عذّب القاتل بحق القتيل، وإذا أدخله الله في النار فذلك إليه - سبحانه - ولكن لا يخلّد فيها أبدًا، كالكافرين لقوله ﷺ : "يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان"، والخلود في اللغة يطلق على المكث الطويل، وفي آية القتل العمد يدور كلام كثير، وما قلناه مدار كلام أهل الحق" (٢). كلامه هذا كما هو معلوم موافق لما جاء في كتب أهل السنّة والجماعة. وبتتبع تفسير الشيخ آيات الصفات نجد أنه كثيرًا ما ينقل عن ابن كثير في هذا المجال، وغالبًا لا يعقب، فيُعلم أنه يقبل ما ينقل، قال: "وقد ألزمت نفسي في آيات الصفات أن أبقى ضمن الحدود التي ذكرها ابن كثير، لإيماني بأن هذا الموضوع لا يستطيع أحد أن يعرف أبعاد ما يقال فيه إلا إذا كان من الراسخين في العلم، فالكلام

стр. 1551

بتوسع فيه في مثل هذا التفسير قد يُساء فهمه عند أنواع من القراء، فاقتصرت فيه على ما قاله ابن كثير، وكلامه يسع الجميع ويكفي الجميع" (١). ومن الأمثلة التي وردت في تفسيره، والتي تظهر مذهبه العقدي، قوله في تفسير الاستواء في الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "قال ابن كثير: وأما قوله تعالى: ﴿أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس فيه هذا مقالات كثيرة جدًّا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة، منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، قال: من شبّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى" (٢). وبعد أن نقل هذا الكلام عن ابن كثير لم يعقب عليه، وهذا دليل قبوله. وفي تفسير اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، أيضًا نقل ما قاله ابن كثير دون تعقيب، حيث قال: "قال ابن كثير: أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله ﷺ (٣).

стр. 1552

ونجده يفسر الآية الكريمة: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، قال: "أي بلا واسطة، أي ما منعك عن السجود امتثالًا لأمري، وإعظامًا لخطابي لمن خلقته بلا واسطة، وفي ذلك دليل على بطلان نظرية التطور في شأن خلق آدم - علية السلام -" (١). وهو ينكر على المذاهب المخالفة لذهب أهل السنّة والجماعة، فهو يردّ على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، فيقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]: "مما استدل به المعتزلة على حدوث القرآن هذه الآية، ولا يصح لهم هذا الاستدلال، لأن المراد بالمحدث أنه محدث إتيانه، قريب عهده باستماعهم، مبتدأة تلاوته" (٢). وكذلك يثبت رؤية الله يوم القيامة، فعند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، يحشد الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ التي تثبت رؤية الله يوم القيامة، منها ما رواه البخاري ﵀ في صحيحه: "إنكم سترون ربكم عيانًا"، وغيرها كثير من الأحاديث، كذلك استدل بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وأن الزيادة التي وردت في الآية هي النظر إلى وجه الله تعالى كما جاء في الحديث الشريف. ثم قال: وهذا بحمد الله مُجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة المسلمين، وهداة الأنام. ثم ردّ على من أوّل الآية تأويلًا يجعل الرؤية غير مرادة، فقال: ومن تأوّل ذلك المراد بـ (إلى) - مفرد الآلاء - وهي النعم كما قال الثوري عن منصور عن

стр. 1553

مجاهد ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها - فقد أبعد هذا الناظر النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، قال الشافعي: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه .... (١). هذه نماذج من تفسير الشيخ ﵀ لآيات الصفات، وآيات أخرى، تدل على نهجه ومذهبه، نرجو أن يكون فيها كفاية وبيان. وقد بيّن الشيخ ﵀ في مقدمة تفسيره السبب الذي حمله على الاهتمام بالخلافات المذهبية سواء منها العقدية أم الفقهية، وهو أن في عصرنا قضايا إسلامية ومناقشات تدور بين المسلمين أنفسهم، وبعض هذه القضايا استمرار لمناقشات قديمة، سببها الاختلاف المذهبي والخلاف الاعتقادي، وبعضها وليد عصرنا، وهو يرى أن هذا الموضوع لا بد من الاستقرار فيه على شيء، وقد حاول هو أن يغطي هذا الموضوع في كل مناسبة ذات صلة بشيء من ذلك (٢). موقفه من القضايا اللغوية: لم يولِ الشيخ هذه القضايا عناية كبيرة، فلا نجده يهتم بالمسائل النحوية، ولا يعتني بها، أما القضايا البلاغية فاهتمامه بها أكثر قليلًا من الأمر السابق، وإذا ما قسناه مع غيره من التفاسير نصنفه في فئة المقلّين في عرض هذا الجانب. وقد يكون السبب وراء هذا هو ما أراده الشيخ من تفسيره، وما هدف إليه من جعل هذا التفسير يخدم قضية الإصلاح، إصلاح الاعتقاد والعمل.

стр. 1554

ويقول ﵀ في هذا الشأن: "إن كثيرًا من التفاسير يفترض سلامة الإيمان وكماله، ومن ثم ركّز على النكت والشروح والفوائد ومناقشة الخصوم، وكل ذلك له فوائده، ولكن هذا التفسير يريد صاحبه أن يكون أداة لرفع درجات اليقين، بحيث لا يخلص القارئ من صفحة إلى صفحة إلا وقد ارتقى يقينه، هذا مع تصحيح التصورات وزيادة العلم، إن من أهداف هذه السلسلة خدمة قضية زيادة الإيمان، وإصلاح الاعتقاد والعمل" (١). موقفه من القراءت: لم يهتم الشيخ كثيرًا بعرض القراءات المختلفة، بل اكتفى برواية حفص عن عاصم، وبنى تفسيره عليها، وحجته في ذلك أنه لا يريد تشتيت القارئ (٢)، لكنه لم يهملها تمامًا، فقد ذكرها أحيانًا دون أن يبين صاحب القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]، قال: "فيه ثلاث قراءات متواترة: دَرَسْتَ، ودارَسْتَ، ودَرَسَتْ، وكل واحدة تعطي معنى يقوله الكافرون، أما الأولى: فواضحة، وأما الثانية: فهي من المدارسة وهي واضحة، وأما الثالثة فمعناها: أي مضت هذه الآيات، وانتهت وانمحت وتقادمت، وهي من باب الأساطير، وكل من الأقوال الثلاثة تسمعه من الكافرين في عصرنا، الأول والثاني يقوله أهل الكتاب، والثالث يقوله الملاحدة: إن الدين كله مرحلة من مراحل الحياة البشرية انتهت وانقضت، وفي هذا مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن، إن في عرضه لاتجاهات الناس بأخصر الأقوال، أو لاختياره الكلمة التي لا يحل غيرها محلها، ومما ذكرناه نفهم الحكمة في تعدد القراءات المتواترة عن رسول ﷺ ؛ إذ في ذلك توسعة على الأمة بما يسع لهجات العرب، وفي ذلك معانٍ جديدة، وإنما اقتصرنا في هذا

стр. 1555

التفسير على رواية حفص ذكرًا، وشرحًا، لأنها القراءة الأكثر انتشارًا في العالم الإسلامي" (١). استطراداته: يقول الشيخ سعيد في مقدمة تفسيره: "ومن مميزات التفسير أنه ليس فيه حشو، وليس فيه إلا ما له علاقة بصلب التفسير، وقد استبعدتُ منه كل قضية لم أعتبرها علمية" (٢). وعند استعراض تفسيره يمكن القول بعدم دقة هذا الكلام، حيث نجد أنه كثيرًا ما يستطرد ويذكر ما ليس له علاقة مباشرة بصلب التفسير، وإنْ كان أحيانًا مما له علاقة من طرف بعيد، كاستطراداته في بعض مباحث الآيات، فمثلًا عند آيات الصيام في سورة البقرة يعقد فصلًا في (الصوم عند الأمم)، ثم يفصل: الصوم عند اليهود [بعنوان منفصل]، و (الصوم في الديانات السابقة) وهكذا ...... (٣). صحيح أن هذا كلام علمي، إلا أنه لا علاقة مباشرة له بصلب التفسير. ومن استطراداته بحثه في بعض مسائل العلوم الحديثة، فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [المؤمنون: ١٨]، يستطرد بعد تفسيره الآية، فيتحدث عن دورة الماء في الكون من الناحية العلمية، وأنها دليل على أن هذا القرآن من عند الله (٤). ومن استطراداته غير العلمية ما كان ينقله عن التوراة، مما لا داعي له البتة، من ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ

стр. 1556

عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ [إبراهيم: ٦ - ٨]. قال الشيخ: قول موسى ﵇ لقومه في هذه الآيات الأربع نجدها في الإصحاحات التاسع والعشرين، والثلاثين من سفر التثنية، مع سطر من نهاية الإصحاح الثامن والعشرين، ننقلها هنا لنرى كيف أن هذا القرآن إعجازاته لا تنتهي، فما تحويه آيات ثلاث منه تحتاج إلى الصفحات من غيره، كما ننقله استئناسًا لنرى كيف خاطب موسى ﵇ قومه، فنرى تفصيل ما أجمله القرآن (١). وبعد هذا نقل ما جاء في الإصحاحات التي ذكرها بالنص، واستغرق هذا منه ثلاث صفحات مع أنه كان بإمكانه أن يكتفي بما جاء في القرآن الكريم، دون الرجوع إلى التفاصيل الواردة عند أهل الكتاب، ذلك لو أن في هذه التفاصيل خيرًا لذكرها القرآن، والأوْلى بنا أن نُعرض عما أعرض عنه القرآن. أثر ثقافته وتجاربه على تفسيره: علمنا من خلال الاطلاع على حياة الشيخ ﵀ أنه قد مرّ بمراحل مختلفة في حياته، وأنه قد تعرض لتجارب عديدة، واطّلع على ثقافات متنوعة مما كان له أثر كبير في بلوغه أوج نضجه العقلي، وذروة استعداده الفكري. ونلمس في تفسير الأساس آثارًا واضحة للثقافات المتنوعة والتجارب العديدة التي مرّ بها الشيخ سعيد. ومن أهم الأمور التي كان له أثر في تفكيره تتلمذه على أيدي بعض مشايخ الصوفية، فقد أفاد الشيخ من هذا، واستعان ببعض أقوال الصوفية من ذلك ما قاله

стр. 1557

عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠]، قال: "ذكر الشيخ أحمد زروق في كتابه "قواعد التصوف" أن مما يذهب بالشك أن يكرر الإنسان هذه الآية، وكنت أتساءل عن دليل هذا القول حتى اشتغلت بتفسير سورة إبراهيم، فلاحظت أن مجيء هاتين الآيتين آتٍ في سياق دعوة الرسل، وشك أقوامهم فيما يدعونهم إليه، ومن ثم فالآيتان دواء للشك، ودواء من الوسوسة، ثم هما آيتان في الوسط بين مشهدين من مشاهد يوم القيامة، يصفان مآل الكافرين الشاكين المستجيبين للشيطان" (١). وهذا القول اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، فلا دليل عليه من الأدلة المعتبرة، وإنما هو مجرد قول لا يستند إلى دليل. ولم يقع الشيخ في شطحات الصوفية خلال تفسيره، فلم يفسر الآيات بالتفسير الإشاري مثلًا، وإنما كان تفسيره مما يحتمله ظاهر النص، فظهر أن تصوفه معتدل مقبول. ومن الأمور كذلك التي كان لها أثر في فكر الشيخ اطلاعه على الثقافات المختلفة، وقراءته الواسعة، وقد أفاد من هذا أنه كان يورد شبهًا تدور في الفكر العالمي، ثم يردها، ومن أمثلة ذلك ما قاله عند تفسيره لفاتحة سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، إلى آخر الآية، قال: "رأينا أن السورة بعد مقدمتها عرضت لشبهة وردّتها، ولنتساءل الآن عن مظنة وجود هذه الشبهة في الفكر العالمي؟ نقول - الكلام للشيخ سعيد -: إن من درس تاريخ الفلسفة يجد أن هذه الشبهة تكاد تكون أحد أركان الفكر الفلسفي في العالم، فمنذ أرسطو - بل من قبله حتى الآن - تجد الفكر الفلسفي - بما في ذلك الفكر الذي يثبت وجود الله -

стр. 1558

يعتقد أن الله لا يتدخل في شؤون خلقه، بل كان أرسطو يتصور أن الله منصرف عن خلقه أصلًا، ولا يعنيه من أمورهم شيئًا، فهو مشغول بكونه سعيدًا - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا - ومن درس وضع العالم المعاصر يجد أن أكثر الخلق هذا شأنهم، فأكثر المجتمعات، وأكثر المفكرين لا ينكرون وجود الله، ولكن إيمانهم بوجوده يرافقه عدم استعداد للتلقي عنه، أو على الأصح استغراب أن ينزل وحيه، وأن يكون وحيه ملزِمًا وموجّهًا" (١). ومن هنا نرى ضرورة اطلاع المسلم على الثقافات المختلفة، حتى يستطيع أن يردّ ما يجده معارضًا لدينه وعقيدته. ولعل من أبرز الثمرات في فكر الشيخ، التي ظهرت بصماتها بوضوح في تفسيره انتماءه لحركة "الإخوان المسلمين" التي تشبع فكره من تعاليمها، فيرى أن الأصل في المسلم أن يكون جزءًا في جماعة، ويقول في هذا الشأن عند تفسير سورة الفاتحة: "رأينا من خلال سورة الفاتحة أن الأصل في المسلم أن يكون جزءًا من كل هو الجماعة، وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية" (٢). والشيخ سعيد يحاول أن يعالج القضايا المعاصرة التي يمرّ بها المسلمون من خلال منهج الحركة الإسلامية، قال: "وإني لأرجو أن أكون بهذه السلاسل قد أجبت على كل شبهة، وأعطيت جواب الحركة الإسلامية على كل المسائل المعاصرة، ومن ثم فإني أرجو أن تكون نقاط أعلام مضيئة على طريق طويل، وضع النقاط الأولى فيه حسن البنا، ووضع النقاط التالية فيه حسن الهضيبي، ووضع نقاطًا مضيئة كثيرة فيه سيد قطب، وغيره من أبناء الحركة في الشرق الإسلامي، وعلى امتداد هذا العالم، فإن الكثيرين قد وضعوا من هذه النقاط على هذا الطريق" (٣).

стр. 1559

وقال في موضع آخر: "من مميزات هذا التفسير أنه كتاب علم ودعوة وتربية وجهاد في آنٍ واحد، فهو كتاب تبصير للمسلم في هذه الدوائر كلها، وكيف ينبغي أن يتصرف في كل دائرة منها على بصيرة، بما لا يطغى فيه حق العلم على حق المعركة، أو حق المعركة على حق العلم، أو حق العلم والمعركة على حقوق الدعوة وطرائق التربية" (١). ونراه التزم بما ألزم به نفسَه إلى حدّ بعيد، من ذلك ما قاله عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]: "وههنا أسئلة: إذ كان الراهب، أو المرأة، أو الشيخ يشارك في المعركة برأيه، أو بفعله، فما حكم قتله؟ الفتوى على جواز القتل. بعض العمليات الفدائية المعاصرة قد يقتل فيها النساء والشيوخ والأطفال تبعًا بسبب أنها تكون عن طريق التسلل والخفاء، لعدم التكافؤ بين المسلمين وعدوّهم، فما حكم ذلك؟ الفتوى على الجواز إذا تعيّن ذلك طريقًا للصراع مع الكفر وأهله. في الحرب الحديثة نرمي العدو من بُعد، فنرمي مدنه، ومستعمراته وقراه، فما حكم ذلك؟ الفتوى على الجواز إنْ كان هو يفعل بنا ذلك أو يستحلّه ويعمل له" (٢). هذه أهم المعالم التي تحدد منهج الشيخ سعيد حوى في تفسير "الأساس في التفسير" وطريقته في تناوله الآيات، نرجو أن نكون قد وفقنا في بيانها ودراستها، والله الموفق.

стр. 1560

منهج الإمام الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م) تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

стр. 1561

القسم الأول أولا: ترجمة الإمام الشنقيطي (١): هو "محمد الأمين" بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد ينتهي نسبه إلى جاكن الأبر جد القبيلة المشهورة المعروفة بالجكنيين، ويرجع نسب قبيلته إلى قبيلة حمير القبيلة المعروفة بأصالة العروبة ومميزاتها. وُلد ﵀ في عام ١٣٢٥ هـ الموافق ١٩٠٧ م في مدينة "كيفا" من القطر المسمى بشنقيط وهي دولة موريتانيا الإسلامية الآن، وقد نشأ ﵀ في بيئة ضمن قبيلةٍ قد جمعت بين طلب العلم وفروسية القتال، مع عفة عن أموال الناس، فحفظ القرآن الكريم وعمره عشر سنين، وأخذ سندًا ينتهي إلى النبي ﷺ بقراءة نافع برواية ورش من طريق أبي يعقوب الأزرق وقالون من رواية أبي نشيط. درس في صغره رسم المصحف العثماني وبعض المختصرات في فقه الإمام مالك، ومبادئ النحو وأنساب العرب وأيامهم والسيرة النبوية، أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلها بالمطالعة ومن أهم أساتذته من علماء "الجكنيين": الشيخ محمد بن صالح المشهور بابن أحمد الأقرم، والشيخ أحمد الأقرم بن محمد المختار، والشيخ العلّامة أحمد بن عمر وغيرهم. وكان ذا شاعرية رقراقة وقريحة شفافة فيما نقل عنه من أشعاره، ومع هذا فقد كان يتباعد عن قول الشعر مع وفرة حفظه إياه تورعًا منه ﵀. وقد عمل في الدرس والفتيا، واشتهر عنه الفراسة في القضاء في الخصومات. وقد كان في لجنة القضاء بالدماء في بلده. ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج،

стр. 1562

وهناك طابَ له البقاء بعد أن وجد ترحيبًا، فدرس بقية المذاهب إلا المالكي، وبدأ يدرِّس في المسجد النبوي دروسًا في التفسير يعرض فيها للمفردات والإعراب والتصريف والبلاغة، والأحكام الفقهية وأدلتها وما يتعلق بها، والعلوم الأخرى اللازمة وهكذا، ثم درَّس في معهد الرياض وكليتي الشريعة واللغة مدة عشر سنوات قبل إنشاء الجامعة الإسلامية التي عمل مدرِّسًا فيها وعضوًا في مجلسها، وكان ﵀ أحد أعضاء هيئة كبار العلماء في السعودية، وعضوًا في رابطة العالم الإسلامي، كان له مواقف طيبة في أثناء عمله. مؤلفاته: للشيخ ﵀ تآليف عديدة مخطوطة ومطبوعة، فمن المخطوطة: ١ - في أنساب العرب نظمًا. ٢ - رجز في فروع مذهب مالك يختص بالعقود في البيوع والرهون. ٣ - ألفية في المنطق. ٤ - نظم في الفرائض. وأما المطبوعة: ١ - منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، يبطل فيه إجراء المجاز في القرآن. ٢ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. والكتابان موجودان في نهاية الأضواء في الجزء التاسع. ٣ - مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر. ٤ - آداب البحث والمناظرة ٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.

стр. 1563

عقيدته: إنّ المتأمل في كلام الشيخ ﵀ وهو يفسر بعض الآيات التي عرضت لبعض الأمور العقدية يدرك إدراكًا تامًّا، بحيث تتكون لديه قناعة تامة، بأن الشيخ ﵀ كان ملمًا إلمامًا تامًّا بمذهب الأشاعرة لا في القضايا الكلية فحسب، بل في القضايا الجزئية والفرعية، وعلى سبيل المثال تدرك هذا وأنت تقرأ تفسير الشيخ ﵀ في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١). ومعنى هذا أن الشيخ ﵀ إما أن يكون قد درس مذهب الأشاعرة دراسة جيدة، وإما أن يكون أشعريًا قبل مجيئه إلى بلاد الحجاز، هذه قضية يسميها علماء المنطق "مانعة الخلو" وليست "مانعة الجمع" بمعنى أن حال الشيخ ﵀ لا يخلو عن واحدة منهما، ولكن يمكن أن يكون جامعًا بينهما. ولقد حدثني أحد الطلاب الذين أثق بهم أنه سمع أحد ابني الشيخ - حفظهما الله - في إحدى المحطات الفضائية وأظنها (الشارقة) يقول: إن والده ﵀ لم يتّلمذ لأحد في بلاد الحرمين، ولم يغيّر عقيدته. ونحن إذ نسلم القضية الأولى: وهي أن الشيخ لم يجلس على كرسي التلمذة، لكننا يجب أن نناقش القضية الثانية. ونعتمد في هذا النقاش على ما ذكره تلميذه البار الوفي الذي كان وهو يتحدث عن شيخه الذى لا يذكره إلا بعنوان (الوالد)، وأعني به الشيخ عطية محمد سالم ﵀ ففي حديثه عن حياة شيخه يقول: "كان خروجه من بلاده لأداء فريضة الحج وعلى نية العودة، وكان سفره برًا، ... وبعد وصوله إلى هذه البلاد تجددت نية بقائه، ولعل من الخير ذكر سبب بقائه؛ لقد كان في الصدف أن ينزل ﵀ في بعض منازل الحج بجوار خيمة الأمير، خالد السديري، دون أن يعرف أحدهما الآخر، وكان الأمير خالد يبحث مع جلسائه بيتًا في الأدب - وهو ذوّاقة أديب - وامتد الحديث إلى أن سألوا الشيخ لعله يشاركهم فوجدوا بحرًا لا

стр. 1564

ساحل له، ومن تلك الجلسة وذاك المنزل، تعدلت الفكرة، بل كانت تلك الخيمة بداية منطلق لفكرة جديدة، وأوصاه الأمير إن هو قِدَم المدينة أن يلتقي الشيخين: الشيخ عبد الله الزاحم ﵀ والشيخ عبد العزيز بن صالح - حفظه الله - وفي المدينة التقى بهما وكان صريحًا معهما فيما يسمع عن البلاد، وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة، وكان أكثرهما مباحثة معه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح، وأخيرًا قدم للشيخ كتاب "المغني" كأصل للمذهب، وبعض كتب الشيخ ابن تيمية كمنهج للعقيدة، فقرأها الشيخ وتعددت اللقاءات وطالت الجلسات، فوجد الشيخ مذهبًا معلومًا لإمام جليل من أئمة أهل السنّة وسلف الأمة، أحمد بن حنبل ﵀ كما وجد مذهبًا سليمًا لعقيدة السلف، تعتمد الكتاب والسنّة، وما كان عليه سلف الأمة، فذهب زيف الدعايات الباطلة، وظهر معدن الحقيقة الصحيحة، وتوطدت العلاقة بين الطرفين، وتجددت رغبة متبادلة في بقائه لإفادة المسلمين" (١). عُرِف ﵀ بقوته وصلابته في الحق، يزين ذلك لين ودماثة خلق مع تواضع وإنصاف مع زهد وتعفف عما في أيدي الناس، وقد كان جلُّ وقته للدرس والبحث والتعليم وقد كان بيته ملاذًا لطلاب العلم والباحثين عن الحقيقة، وقد عرف بطيبه وكرمه وقناعته فيما بين يديه. توفي ﵀ بعد أدائه لفريضة الحج يوم الخمس ١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ الموافق ١٩٧٣ م بمكة المكرمة وصلى عليه آنذاك الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمهما الله - بالمسجد الحرام، ودُفن بمقبرة المعلاة بمكة، ثم بعد ذلك أقيمت عليه صلاة الغائب في المسجد النبوي الشريف.

стр. 1565

ثانيا: التعريف بالتفسير: المطلع على هذا التفسير يجد لزامًا عليه قبل أن يتحدث في الأمور التفصيلية، أن يعطي القارئ صورةً عن هيكلة هذا التفسير. طبع هذا التفسير أكثر من مرة، وجلُّ الطبعات خرجت في تسعة أجزاء، فسَّر الشيخ ﵀ منها سبعة أجزاء ابتداءً من سورة الفاتحة إلى آخر سورة المجادلة، وأتمّ تلميذه الوفي الشيخ: عطية محمد سالم ﵀ تفسير القرآن الكريم ابتداءً من سورة الحشر إلى سورة الناس في الجزءين الثامن والتاسع. وسيكون حديثنا أولًا - إن شاء الله - عن تفسير أضواء البيان، ثم نتحدث بعد ذلك عن التتمة. ويحسن بنا كي تكون الصورة واضحةً أن نبين للقارئ هيكلية هذه الأجزاء السبعة، لأنّ هذه الهيكلية قد تكون مما انفرد بها هذا التفسير. فالجزء الأول وعدد صفحاته خمسمائة وخمسين صفحة اشتمل على تفسير الربع الأول من القرآن الكريم ابتداءً من سورة الفاتحة حتى سورة الأنعام: الجزء الثاني وعدد صفحاته أربعمائة وثمانون صفحة فقد اشتمل على تفسير ما يزيد عن ستة أجزاء من القرآن الكريم حيث ابتدأ بسورة الأعراف وانتهى بسورة النحل. الجزء الثالث: وعدد صفحاته خمسمائة وثلاثون صفحة، وفيه تفسير ثلاث سور هي: الإسراء والكهف ومريم، وهذه السور أقل من جزءين من أجزاء القرآن الكريم الثلاثين. الجزء الرابع: وعدد صفحاته حوالي خمسمائة صفحة وفيه تفسير لسورتي طه والأنبياء ﵈ وسبع وعشرين آية من سورة الحج، حيث أخذت آيات سورة الحج نصف هذا الجزء، فتكون سورتا طه والأنبياء قد أخذتا النصف الأول من

стр. 1566

الجزء الرابع. والآيات السبع والعشرين من سورة الحج قد أخذت النصف الثاني من هذا الجزء. الجزء الخامس: وعدد صفحاته خمسمائة وسبعون صفحة تقريبًا. أكمل فيه سورة الحج وفسر سورتي (المؤمنون) و (النور)، حيث أخذت تتمة سورة الحج ثلاثمائة صفحة، وبهذا تكون سورة الحج قد أخذت من التفسير خمسمائة وخمسين صفحة، وهي المساحة نفسها التي فسَّر بها الشيخ ﵀ ربع القرآن الكريم من الفاتحة إلى آخر الأنعام. الجزء السادس وعدد صفحاته أربعمائة صفحة تقريبًا، ابتدأ بسورة (الفرقان) حتى نهاية سورة (غافر). الجزء السابع وعدد صفحاته خمسمائة وسبعون صفحة تقريبًا، وقد ابتدأ بسورة (فصلت) وختم بتفسير سورة (المجادلة) وهذه ثلاثة أجزاء من القرآن. هذه الهيكلية لتفسير الشيخ ﵀ ولعلك أيها القارئ تدرك أن هذه الهيكلية غير منسجمة مع مساحة السور الكريمة، كما نرى في جلِّ التفاسير، فلقد اعتاد جلُّ المفسرين أن يطيلوا النفس في الأجزاء الأولى من القرآن الكريم كما نعلم. ولعل القارئ بعد هذا الوصف لهيكلية التفسير يتساءل عن السبب في ذلك ويظهر - والله أعلم - وقد منَّ الله علينا بقراءة هذا التفسير من أوله إلى آخره أن هناك ملحوظات ثلاث جدير بنا أن نتحدث عنها، ليكون القارئ على بيِّنة، ويكون تصوره تامًّا لما في هذا التفسير الكثير الفوائد: الملحوظة الأولى: أن الشيخ ﵀ لم يفسر القرآن الكريم كله، فإن هناك في كثير من السور القرآنية آيات كثيرة لم يفسرها الشيخ كما ستعرفه إن شاء الله. والملحوظة الثانية: الاستطرادات الكثيرة التي كان يذكرها الشيخ في أثناء التفسير، وقد تكون فقهية أو عقدية أو لغوية، وقد تكون استطرادات تتصل بقضايا أخرى.

стр. 1567

وأما الملحوظة الثالثة: فلقد كان الشيخ ﵀ عند تفسير آية من الآيات الكريمات يذكر آيات كثيرة، يرى أنها جاءت متفقة من حيث المعنى مع الآية التي يفسرها. وهذه الملحوظات الثلاث أرى أنها كان لها أثر كبير ذو شأن في مجيء التفسير على ما هو عليه الآن، وإليك أخي القارئ بيانًا مفصلًا عن كل ملحوظة من هذه الملحوظات الثلاث: الملحوظة الأولى: وهي أن الشيخ ترك كثيرًا من الآيات فلم يعرض لتفسير كثير منها. ففي سورة البقرة مثلًا، لم يعرض ﵀ لتفسير الآيات (١٤٥ - ١٦٣) والآيات (٢٠٠ - ٢١١) كما أنه لم يفسر آية الكرسي والآيات (٢٦٥ - ٢٧٤) المتعلقة بالإنفاق. وفي سورة آل عمران لم يعرض للحديث عن الآيات (١٥ - ٣٠) وما يتعلق فيها عن النهي عن موالاة الكافرين وقضية التَّقِيَّة. ولم يعرض للحديث عن الآيات (٣٩ - ٣٢) من آل عمران. ولا للآيات (٦٦ - ٨٩) وما فيها من خطاب لأهل الكتاب. ولم يتحدث عن الآيات (١٢٠ - ١٣٢) وما يتعلق بمعركة أُحد إلا في بعض الجزئيات. وفي سورة النساء لم يفسر قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وما فيها من آراء للعلماء وإلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] وما فيها من قضايا، وإلى قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النساء: ٧٥] لم يتحدث عن المستضعفين وما يتعلق بهم. وإلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] وما فيها، وإلى قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وما يتعلق بها. وفي المائدة، لم يعرض للولاية بين المسلمين وبين اليهود والنصارى وما فيها من قضايا في الآيات (٥١ -

стр. 1568

٥٧) إلا في جزئيات قليلة. وإلى قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وما فيها. وإلى قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. الأعراف لم يعرض للحديث عن أصحاب الأعراف. وفي الأنفال لم يتحدث عن الآيات (١١ - ١٩) و (٣٥ - ٤١) و (٤٢ - ٤٥) و (٤٨ - ٥٣) و (٦٥ - ٧٤). وفي الرعد لم يعرض لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣ - ٤]، وإلى صفات المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٠ - ٢٢]، ولقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] وما فيها من قضايا. وفي الحجر لم يعرض لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ [الحجر: ٢٤] وما فيها. وفي الكهف لم يعرض لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] وما فيها من آراء، وإلى قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] ولم يتعرض لتفصيلات عن ذي القرنين. وفي مريم لم يعرض لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم: ١٨]. وفي النخل لم يعرض لقصة ملكة سبأ. وفي الدخان ترك قضية الدخان ولم يتحدث عنها. وفي النجم لم يتحدث عن قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨]. وفي القمر لم يتحدث عن انشقاق القمر. هذا بعض ما استطعت أن أحصيه لك من الآيات التي لم يفسرها الشيخ في هذا التفسير القيم.

стр. 1569

أما الملحوظة الثانية فهي كثرة الاستطرادات. أما الاستطرادات فهي من الأمور التي يطول فيها الحديث، حيث زادت هذه الاستطرادات الفقهية والعقدية واللغوية وقضايا المنطق والاستدلال عن ألف وثلاثمائة صفحة، وهذا يعني أن ثلاثة مجلدات من أصل سبعة كتبها المؤلف ﵀ كان في هذه الاستطرادات. والجدول التالي يبين هذه الاستطرادات: اسم السورة - رقم الآية - الاستطراد - الجزء - الصفحات البقرة ... ٣٠ ... الإمامة والخلافة وما يتعلق بها ... ١ ... ٢١ - ٣٢ البقرة ... ١٧٣ ... في أحكام الميتة ... ١ ... ٤٩ - ٧٢ البقرة ... ١٩٦ ... في أحكام الإحصار ... ١ ... ٧٥ - ٨٩ البقرة ... ٢٢٩ ... في أحكام الطلاق والخلعر ١ ... ١٠٥ - ١٤٩ البقرة ... ٢٧٦ ... مبحث في الربار ١ ... ١٦٠ - ١٨٣ النساء ... ١٠١ ... في صلاة القصر والخوف ... ١ ... ٢٤٨ - ٢٧٩ النساء ... ١٠٣ ... في أوقات الصلاة وبيان الجمع ... ١ ... ٢٧٩ - ٣٠٥ المائدة ... ٦ ... مسائل تتعلق بالمسح على الخفين والتيمم ... ١ ... ٣٣٨ - ٣٧٠ المائدة ... ٣٢ ... أحكام القصاص بالقتل وأحكام المرتدين ... ١ ... ٣٧٢ - ٤٠٢ المائدة ... ٨٩ ... مسائل في أحكام الإيمان ... ١ ... ٤٢١ - ٤٢٦ المائدة ... ٩٥ ... مسائل تتعلق بالاصطياد في الإحرام أو في الحرم ... ١ ... ٤٢٩ - ٤٥٩ المائدة ... ١٠٥ ... مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ١ ... ٤٦٢ - ٤٦٧ الأنعام ... ١٤١ ... أحكام تتعلق بالصدقة والزكاة ... ١ ... ٤٩٥ - ٥١٩ الأنعام ... ١٤١ ... أحكام تتعلق بالأطعمة ... ١ ... ٥٢٠ - ٥٤٣ الأعراف ... ٥٤ ... آيات الصفات ... ٢ ... ١٧ - ٣١ الأنفال ... ٤١ ... حكم الغنائم ... ٢ ... ٥٦ - ٨٧ الأنفال ... ٤١ ... حكم سلب القاتل ... ٢ ... ٨٧ - ١٠١ الأنفال ... ٧٥ ... العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ... ٢ ... ١٠٥

стр. 1570

التوبة ... ٣٤ ... في أحكام نصاب الزكاة ... ٢ ... ١١٨ - ١٤٤ الرعد ... ٨ ... في الدم الذي تراه الحامل ... ٢ ... ٢٢٦ - ٢٣٦ الحجر ... ١٨ ... ذكر أصحاب الأقمار الصناعية ... ٢ ... ٢٥٩ - ٢٦٥ الحجر ... ٥٤ ... حالات نون الرفع ... ٢ ... ٢٨٢ - ٢٨٣ الحجر ... ٨٠ ... حكم الحجر والصلاة في معاطن البقر والإبل ... ٢ ... ٢٩٠ - ٣١٠ النحل ... ٥ ... اختلاف العلماء في (إذا) الفجائية ... ٢ ... ٣٣٢ النحل ... ١٤ ... مسائل تتعلق بالآية القرآنية الكريمة ... ٢ ... ٢٤٤ - ٣٥٩ النحل ... ٦٦ ... مسائل تعلق بالآية القرآنية الكريمة ... ٢ ... ٣٩٧ - ٤٠٣ النحل ... ٧٩ ... صيغة (الفَعْل) وكونها من جموع التكسير ... ٢ ... ٤١٩ - ٤٢٠ الإسراء ... ٩ ... أحكام المساواة بين الرجل والمرأة ... ٣ ... ٤١ - ٥٤ الإسراء ... ٣٣ ... في مسائل في الآية ... ٣ ... ٨٨ - ١٤٥ الكهف ... ٢ ... اختلاف العلماء في إعراب (قيما) ... ٣ ... ١٩٣ - ١٩٤ الكهف ... ١٢ ... اختلاف العلماء في (أحصى) هل هي فعل ماضٍ أم صيغة تفضيل ... ٣ ... ٢١٠ - ٢١٢ الكهف ... ١٩ ... في مسائل الشركة والوكالة ... ٣ ... ٢٢٩ - ٢٥٠ الكهف ... ٢٧ ... أصل (الملتحد) مكان الالتحاد لأنه تقرر في علة الصرف ... ٢ ... ٢٦٢ الكهف ... ٢٩ ... الظلم في لغة العرب ... ٣ ... ٢٦٧ الكهف ... ٤٦ ... اختلاف العلماء في الحرف المحذوف من (فئة) ... ٣ ... ٢٧٠ الكهف ... ٥٧ ... الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية والارتباط بين طرفي الشرطية ... ٣ ... ٣١٤ - ٣١٦ الكهف ... ٥٨ ... (موئلًا) أصلها في فن الصرف ... ٣ ... ٣١٧ الكهف ... ٥٩ ... جمع التكسير على (فُعَل) (القُرى) ... ٣ ... ٣١٨ الكهف ... ٥٩ ... (لمهلكهم) وما يتعلق بصرفها ... ٣ ... ٣١٩ الكهف ... ٥٩ ... أنواع (لما) في القرآن وفي كلام العرب ... ٣ ... ٣١٩ - ٣٢١ الكهف ... ٦٥ ... الحديث عن الخضر ﵇ ... ٣ ... ٣٢٦ - ٣٣٨ الكهف ... ٩٨ ... القياس الاستثنائي الشرطي ... ٣ ... ٣٤٤ - ٣٤٥ مريم ... ١١ ... مشروعية ارتفاع الإمام عن المأمومين ... ٣ ... ٣٧٣ - ٣٧٧

стр. 1571

مريم ... ١٤ ... أصل (عصيًا) في الصرف ... ٣ ... ٣٨١ مريم ... ١٥ ... أحوال بناء وإعراب ما قبل الفعل الماضي ... ٣ ... ٣٨٢ - ٣٨٣ مريم ... ٢٠ ... أصل (البغي) في الصرف ... ٣ ... ٣٨٨ مريم ... ٢٣ ... أصل (مُتَّ) و (مِتّ) من حيث علم الصرف ... ٣ ... ٣٩٢ مريم ... ٢٦ ... الإشارة نوع من الكلام ... ٣ ... ٤٠١ - ٤١٢ مريم ... ٦٠ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٣ ... ٤٤٥ - ٤٦٤ مريم ... ٦١ ... الاختلاف في نوع البدل في قوله: (جنات عدن) ... ٣ ... ٤٦٥ - ٤٦٦ مريم ... ٦٢ ... تحقيق الفرق يبن الاستثناء المتصل والمنقطع ... ٣ ... ٤٦٧ - ٤٧٠ مريم ... ٧٩ ... مسائل تتعلق بالسبر والتقسيم ... ٣ ... ٤٩٣ - ٥٠٦ طه ... ٦٩ ... مسائل تتعلق بالسحر ... ٤ ... ٤١ - ٦٢ طه ... ١٢٣ ... مسائل في الحيات ... ٤ ... ١٢٠ - ١٢٤ الأنبياء ... ٧٩ ... مسائل تعلق بالآية الكريمة (أصول فقه) ... ٤ ... ١٧٠ - ٢٣١ الحج ... ٢٧ ... مسائل تتعلق بالحج ... ٤ ... ٣٠٢ - ٥/ ١١٠ الحج ... ٢٨ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ١١٥ - ٢٥٣ النور ... ٢ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٣٦٨ - ٤١٨ النور ... ٥ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٤٣١ - ٤٦٣ النور ... ٨ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٤٦٦ - ٤٨٤ النور ... ٢٧ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٤٩٣ - ٥٠٦ النور ... ٣٧ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٥٣٩ - ٥٤٨ الفرقان ... ٣ ... الخلاف في (الكف) هل هو فعل أو لا؟ ... ٦ ... ٤٨ - ٥٠ النمل ... ٨٠ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٦ ... ١٢٨ - ١٤٢ الأحزاب ... ٤ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٦ ... ١٨٩ - ٢٣٢ ص ... ٢٧ ... أنواع الفعل الحقيقي والصناعي وما يتعلق بذلك ... ٦ ... ٣٤٢ - ٣٤٣ الزخرف ... ٨١ ... الصدق والكذب في الجمل الشرطية والربط بين الشرطية وجوابها ... ٧ ... ١٥١ - ١٦٦ محمد ... ٢٤ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٧ ... ٢٥٨ - ٣٧٨

стр. 1572

وهذه الاستطرادات نجد أنها عامة في الفقه وأصوله في النحو والصرف، في التوحيد، والعقيدة، في المنطق، وفي الجدل، في اللغة وفي علوم كثيرة، وهذا دليل على ما للشيخ من فضل وتبحر في هذه العلوم جميعها. أما الملحوظة الثالثة، وهي أن الشيخ عند تفسيره لآية من الآيات الكريمة، يذكر آيات كثيرة، يرى أنها جاءت متفقة من حيث المعنى مع الآية التي يفسرها. وهذه تكاد تكون ظاهرة في التفسير كله، وسنكتفي بمثال واحد. قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت، وبينها مفصلة في آيات أُخر. الأول: خلق الإنسان، وذكر عشر آيات. البرهان الثاني: خلق السموات والأرض وذكر خمس آيات. البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها وذكر أربع آيات (١). ويا ليت الشيخ ﵀ اختصر من استطراداته، مع ما لها من فوائد كثيرة، واختصر كذلك من ذكر الآيات الكثيرة التي يريدها عند تفسير آية معينة، وفسر الآيات التي لم تُذْكَر في هذا التفسير، وهي كثيرة كما عرفت من قبل. وهناك أمر آخر كنا نودّ أن لا يكون في هذا التفسير، وهو أن الشيخ ﵀ قد يذكر بعض الأمور في غير موضعها الذي يجب أن تكون فيه.

стр. 1573

ومن أمثلة ذلك أنه: ١ - تحدث في سورة المائدة عن أحكام القصاص بالقتل عند الآية (٣٢) في ١/ ٣٩٤ - ٣٧٣ وكان الأوْلى به أن يتحدث عن ذلك عند موضع وروده الأول في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ٢ - ولم يتحدث عن الحروف المقطعة عند ورودها الأول في سورة البقرة وإنما تحدث عنها في بداية سورة هود وقدم عذرًا ضعيفًا هناك وهو أن "الحروف المقطعة في القرآن المكي غالبًا، والبقرة وآل عمران مدنيتان، والغالب له الحكم، واخترنا لبيان ذلك سورة هود لأن دلالتها على المعنى المقصود في غاية الظهور والإيضاح" (١). ٣ - وعرض للفرق بين ﴿ضَيِّقًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وَضَائِقٌ﴾ [هود: ١٢] عرض لذلك في الفرقان (٢)، ولم يعرض لها عند ورودها الأول في سورة الأنعام. ٤ - وعرض لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في سورة الرحمن (٣)، عند قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ [الرحمن: ١٢]. ولم يعرض لتفسيرها عند أول ورود لها في سورة النساء في آيتي سورة النساء (٢٢ و ٢٣). وهذا وصفٌ دقيق التزمنا فيه الوضوعية لهذا التفسير وأرجو أن يعطيَ القارئَ فكرة جيدة عن هذا التفسير الكبير. ثالثا: ملاحظات على القضايا المنهجية في التفسير: ١ - موقفه من الأحاديث النبوية الشريفة: يفسر الآيات أحيانًا أو يرجح رأيًا على رأي من خلال الاستشهاد بالأحاديث النبوية الشريفة، ومنهجه في ذلك ليس

стр. 1574

واحدًا، فأحيانًا يطيل في التخريج والحكم على الأحاديث بما ليس له ضرورة، وأحيانًا لا يخرج هذه الأحاديث، وقد يستدل بها أحيانًا مع عدم صحتها. فمثلًا: عند قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، قال: "إن الشاهد هو صبي - مستدلًا بحديث ابن عباس الذي يرفعه للنبي ﷺ تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" (١) لكن الرواية الصحيحة في الصحيحين لم يُذكر فيها شاهد يوسف (٢)، والحديث الذي ذكره رواه أحمد (٣) في مسنده والحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الدلائل والبزار في كشف الأستار من قول ابن عباس وليس مرفوعًا للنبي ﷺ . والشاهد في الآية الكريمة ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ هو هو رجل عاقل تدل شهادته على رجاحة عقله، ولو كان طفلًا ما احتاج إلى هذا التفضيل في شهادته، على أن الحديث في صحيح الإمام مسلم الذي ذكر فيه من تكلموا في المهد (٤)، لم يعرض للشاهد ببراءة يوسف ﵇، وحديث مسلم مقدم على الحديث الذي ذكره الشيخ. وعند قوله تعالى في السورة نفسها ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٨]، قال: "إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان - مستدلًا بحديث نقله عن القرطبي - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ كيد النساء أعظم من كيد الشيطان" (٥)، والحديث لم يروه أحد إلا القرطبي، ويحيى بن أبي كثير لم يسمع من أبي هريرة كما قال أبو حاتم وغيره (٦). ومقاتل لم أتبين من هو هل هو ابن سليمان أو ابن حيان وأظنه

стр. 1575

ابن سليمان المفسر الذي رمي بالتجسيم، كذبوه وهجروه كما في التقريب (١)، ثم إن يحيى بن أبي كثير لا يروي عن الصحابة. وعند قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، استدل على أن ﴿صَفًّا﴾ هي بمعنى (صفوفًا) بحديث نقله عن القرطبي: "إن الله تعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع ... " (٢). والحديث عند التحقيق إن لم يكن موضوعًا فهو ضعيف لا يصح (٣). وعند قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢]، يستدل بحديث أنه ليس في الجنة ليل، يرويه عن الترمذي الحكيم، وليس هو الترمذي صاحب السنن في نوادر الأصول، والحديث: "ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور، يَرُدُّ الغدوَّ على الرواح، والرواحَ على الغدوِّ" (٤). والحديث عزاه صاحب كنز العمال للحكيم الترمذي مرسلًا (٥). ٢ - استشهاده بالشعر: ومن منهجه في التفسير أيضًا أن يستعين بالشواهد الشعرية في تفسيره للمفردات القرآنية (٦)، حتى زادت الأبيات التي اسشهد بها في الأجزاء التي نشرها على ألفي بيت شعر. وأحيانًا يستدل ببعض الأبيات التي فيها ما يخدش الحياء، ويكون الأوْلى للكاتب أن يتجنبها ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 1576

استدلاله على أن من أساليب اللغة العربية: خطاب إنسان والمراد بالخطاب غيره، كقول سهل به مالك الفزاري حين زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبًا، وأنزلته أخته وأكرمته وكانت جميلة فأعجبه جمالها، فقال مخاطبًا لأخرى غيرها ليُسمِعها هي: يا أختَ خيرِ البدْوِ والحضارهْ ... كيف تَرَيْنَ في فتَى فزارهْ أصبح يهوَى حُرَّةً معطارهْ ... إياك أعني واسمعي يا جارهْ ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها: إني أقول يا فتَى فزارهْ ... لا أبتغي الزوجَ ولا الدَّعارهْ ولا فراقَ أهلِ هذي الحارهْ ... فارحل إلى أهلك باستِحارَهْ (١) والظاهر أن قولها: "باستحاره" أن أصله استفعال من المحاورة، أي: ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك. ومن الأمثلة على ذلك أيضًا، استدلاله على أن معنى (تقعد) في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩] بأن معناها: تصير (٢). واستدلاله على معنى (والجلود) في قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ٢٠]، أي: وتصهر به الجلود. واستدلاله على ذلك بشعر لا ينبغي أن يذكر في مثل هذا السياق (٣). ويستدل أحيانًا بمنظومات كثيرة على تفسيره للآيات وبيانه للقضايا اللغوية والإعرابية والأصولية والفقهية والعقدية وهكذا، مثل: مراقي السعود وهو من تآليف الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عطاء العلوي، وهو نَظْم لمتن "جمع الجوامع"

стр. 1577

للسبكي. والخلاصة وهي المشهورة بالألفية والكافية واللامية وثلاثتها للعلّامة أبي عبد الله بن مالك (٦٧٢ هـ). ويستدل بمنظومة الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في قصيدة نظمها لمغازي النبي ﷺ (١). وبعد هذه الملحوظات على هيكلية التفسير نعرض إن شاء الله لقضايا جوهرية حول منهج الشيخ: منهح الشيخ في تفسيره: أولا: القراءات القرآنية: عند حديث الشيخ ﵀ عن القراءات القرآنية، نجده ﵀ كثيرًا ما يوجه هذه القراءات، وقد يكون هذا التفسير لغويًا يتصل بمعنى الكلمة، وقد يكون نحويًا يتصل بالإعراب، وقد يكون توجيهًا صرفيًا، يتصل بأصل الكلمة وبنيتها. فمثال التوجيه اللغوي والنحوي حديثه عند قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] فقد قال: "قرأ السبعة ما عدا حمزة والكسائي (الوَلاية) بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الواو. وقوله (الحق) قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتًا (لله)، وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتًا لـ (الولاية) فعلى قراءة من قرأ (الوَلاية) بفتح الواو، فإن معناها: الموالاة والصلة، وعلى هذه القراءة ففي معنى هذه الآية وجهان: الأول: أن معنى ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أي في ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد لله، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله. الثاني: أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال لله وحده فيوالي فيه المسلمين ولاية رحمة كما في قوله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].

стр. 1578

وعلى قراءة حمزة والكسائي فالوِلاية بالكسر بمعنى الملك والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٦]. وعلى قراءة (الحقِّ) بالجر نعتًا (لله) فالآية كقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠]. وعلى قراءة (الحقُّ) بالرفع نعتًا لـ (الولاية) على أن الولاية بمعنى الملك، فهو كقوله تعالى ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] " (١). وعند قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، يقول: "قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حفص (قُلْ) بصيغة الأمر. وقرأه حفص وحده (قال) بصيغة الماضي، وقراءة الجمهور تدل على أنه ﷺ أُمِر أن يقولَ ذلك، وقراءة حفص تدل على أنه امتثل الأمر بالفعل" (٢). ومثال التوجيه الصرفي للقراءات: عند قوله تعالى على لسان مريم: ﴿يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٣]، حيث جاءت فيها قراءتان صحيحتان (مُتُّ) و (مِتُّ) بضم الميم وكسرها، يذكر الشيخ ﵀ تنبيهًا بعد تفسير الآية يقول فيه: "قراءة (مِتُّ) بكسر الميم كثيرًا ما يخفى على طلبة العلم وجهها، لأن لغة: ماتَ يموتُ لا يصح منها (مِتُّ) بكسر الميم. ووجه القراءة بكسر الميم أنه من ماتَ يماتُ كخافَ يخافُ لا من: ماتَ يموتُ، فلفظ (مات) فيها لغتان عربيتان فصحيتان، الأولى منهما: مَوَتَ بفتح الواو، فأبدلت الواو ألفًا على القاعدة التصريفية المعروف، ومضارع هذه المفتوحة: يموتُ بالضم، وفي هذه ونحوها إن أُسند الفعل إلى تاء الفاعل أو نونه سقطت العين بالاعتلال، وحركت الفاء بحركة تناسب العين، والحركة المناسبة للواو هي الضمة

стр. 1579

فنقول: (مُتُّ) بضم الميم. واللغة الثانية: أنها (مَوِتَ) بكسر الواو، أبدلت الواو ألفًا للقاعدة المعروفة السابقة ومضارعها: يماتُ (بالفتح) والمقرر في فن الصرف أن كل فعل ثلاثي أجوف إذا كان على وزن (فَعِلَ) بكسر العين، فإنه إذا أسند إلى تاء الفاعل أو نونه تسقط عينه بالاعتلال، وتنقل حركة عينه الساقطة بالاعتلال إلى الفاء فتكسر فاؤه فتقول: (مِتُّ) بكسر الميم" (١). ثانيا: موقفه من المبهمات: وهي التي سكت عنها القرآن الكريم: يتعرض لتفسير المبهمات أيضًا، مثل تعرضه لتفسير (الأيمن) و (الشجرة) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] (٢). ثالثا: الإسرائيليات: يذكر الإسرائيليات أحيانًا ويتعقبها ويذكرها أحيانًا ولا يتعقبها. فمثلًا: عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] ذكر بعض قصص زواج الجن من الإنس، وتعقبها بأنه لا يصح منها شيء، إلا أنه أطال النفس في ذكرها، وفرّع عليها مسألة في اختلاف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن، وذهب إلى عدم جواز ذلك (٣)، وهو محق فيما ذهب إليه. وعند قوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩]، ذكر قصة أم موسى ﵇، وكيف وضعت وليدها في التابوت، ولم يعلق عليها (٤).

стр. 1580

رابعا: ذكره أقوال العلماء: ومن منهجه أن يذكر الآراء التفسيرية في الآية ويناقشها ويستدل لها، ويرجح أحيانًا كثيرة رأيًا لدليل يستدل به أو لقرينة من القرائن المعتمدة في الترجيح، كإعمال دلالة السياق، أو مراعاة المكي والمدني وغير ذلك، فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، قال: "واختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية فقال قوم: لا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهذه الحياة الطيبة في الجنة ... -ويذكر الأدلة على ذلك- وقال بعض العلماء: الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة الدنيا وذلك ... - ويذكر أدلتهم في ذلك- ثم يقول: قال مُقَيِّدُه عفا الله عنه: وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية حياته في الدنيا حياة طيبة ... - ويذكر القرينة ويستدل على ذلك بالأحاديث وبما تقرر في الأصول" (١). وقد أحسن فيما رجحه. وعند قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]. قال: "وفي معنى إتيان الله الأرضَ ينقصها من أطرافها أقوال معروفة للعلماء، وبعضها تدل له قرينة قرآنية، قال بعض العلماء: ننقصها من أطرافها: موت العلماء، وجاء ذلك في حديث مرفوع عن أبي هريرة، وبُعْدُ هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق ظاهر كما ترى" (٢). فهو يَرُدُّ القولَ هنا بدلالة السياق للآية. وعند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤]، يقول: "في المراد بالزكاة هنا وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم:
следующие страницы →