← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

استدلاله على أن من أساليب اللغة العربية: خطاب إنسان والمراد بالخطاب غيره، كقول سهل به مالك الفزاري حين زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبًا، وأنزلته أخته وأكرمته وكانت جميلة فأعجبه جمالها، فقال مخاطبًا لأخرى غيرها ليُسمِعها هي: يا أختَ خيرِ البدْوِ والحضارهْ ... كيف تَرَيْنَ في فتَى فزارهْ أصبح يهوَى حُرَّةً معطارهْ ... إياك أعني واسمعي يا جارهْ ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها: إني أقول يا فتَى فزارهْ ... لا أبتغي الزوجَ ولا الدَّعارهْ ولا فراقَ أهلِ هذي الحارهْ ... فارحل إلى أهلك باستِحارَهْ (١) والظاهر أن قولها: "باستحاره" أن أصله استفعال من المحاورة، أي: ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك. ومن الأمثلة على ذلك أيضًا، استدلاله على أن معنى (تقعد) في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩] بأن معناها: تصير (٢). واستدلاله على معنى (والجلود) في قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ٢٠]، أي: وتصهر به الجلود. واستدلاله على ذلك بشعر لا ينبغي أن يذكر في مثل هذا السياق (٣). ويستدل أحيانًا بمنظومات كثيرة على تفسيره للآيات وبيانه للقضايا اللغوية والإعرابية والأصولية والفقهية والعقدية وهكذا، مثل: مراقي السعود وهو من تآليف الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عطاء العلوي، وهو نَظْم لمتن "جمع الجوامع"

стр. 1577

للسبكي. والخلاصة وهي المشهورة بالألفية والكافية واللامية وثلاثتها للعلّامة أبي عبد الله بن مالك (٦٧٢ هـ). ويستدل بمنظومة الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في قصيدة نظمها لمغازي النبي ﷺ (١). وبعد هذه الملحوظات على هيكلية التفسير نعرض إن شاء الله لقضايا جوهرية حول منهج الشيخ: منهح الشيخ في تفسيره: أولا: القراءات القرآنية: عند حديث الشيخ ﵀ عن القراءات القرآنية، نجده ﵀ كثيرًا ما يوجه هذه القراءات، وقد يكون هذا التفسير لغويًا يتصل بمعنى الكلمة، وقد يكون نحويًا يتصل بالإعراب، وقد يكون توجيهًا صرفيًا، يتصل بأصل الكلمة وبنيتها. فمثال التوجيه اللغوي والنحوي حديثه عند قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] فقد قال: "قرأ السبعة ما عدا حمزة والكسائي (الوَلاية) بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الواو. وقوله (الحق) قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتًا (لله)، وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتًا لـ (الولاية) فعلى قراءة من قرأ (الوَلاية) بفتح الواو، فإن معناها: الموالاة والصلة، وعلى هذه القراءة ففي معنى هذه الآية وجهان: الأول: أن معنى ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أي في ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد لله، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله. الثاني: أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال لله وحده فيوالي فيه المسلمين ولاية رحمة كما في قوله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].

стр. 1578

وعلى قراءة حمزة والكسائي فالوِلاية بالكسر بمعنى الملك والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٦]. وعلى قراءة (الحقِّ) بالجر نعتًا (لله) فالآية كقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠]. وعلى قراءة (الحقُّ) بالرفع نعتًا لـ (الولاية) على أن الولاية بمعنى الملك، فهو كقوله تعالى ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] " (١). وعند قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، يقول: "قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حفص (قُلْ) بصيغة الأمر. وقرأه حفص وحده (قال) بصيغة الماضي، وقراءة الجمهور تدل على أنه ﷺ أُمِر أن يقولَ ذلك، وقراءة حفص تدل على أنه امتثل الأمر بالفعل" (٢). ومثال التوجيه الصرفي للقراءات: عند قوله تعالى على لسان مريم: ﴿يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٣]، حيث جاءت فيها قراءتان صحيحتان (مُتُّ) و (مِتُّ) بضم الميم وكسرها، يذكر الشيخ ﵀ تنبيهًا بعد تفسير الآية يقول فيه: "قراءة (مِتُّ) بكسر الميم كثيرًا ما يخفى على طلبة العلم وجهها، لأن لغة: ماتَ يموتُ لا يصح منها (مِتُّ) بكسر الميم. ووجه القراءة بكسر الميم أنه من ماتَ يماتُ كخافَ يخافُ لا من: ماتَ يموتُ، فلفظ (مات) فيها لغتان عربيتان فصحيتان، الأولى منهما: مَوَتَ بفتح الواو، فأبدلت الواو ألفًا على القاعدة التصريفية المعروف، ومضارع هذه المفتوحة: يموتُ بالضم، وفي هذه ونحوها إن أُسند الفعل إلى تاء الفاعل أو نونه سقطت العين بالاعتلال، وحركت الفاء بحركة تناسب العين، والحركة المناسبة للواو هي الضمة

стр. 1579

فنقول: (مُتُّ) بضم الميم. واللغة الثانية: أنها (مَوِتَ) بكسر الواو، أبدلت الواو ألفًا للقاعدة المعروفة السابقة ومضارعها: يماتُ (بالفتح) والمقرر في فن الصرف أن كل فعل ثلاثي أجوف إذا كان على وزن (فَعِلَ) بكسر العين، فإنه إذا أسند إلى تاء الفاعل أو نونه تسقط عينه بالاعتلال، وتنقل حركة عينه الساقطة بالاعتلال إلى الفاء فتكسر فاؤه فتقول: (مِتُّ) بكسر الميم" (١). ثانيا: موقفه من المبهمات: وهي التي سكت عنها القرآن الكريم: يتعرض لتفسير المبهمات أيضًا، مثل تعرضه لتفسير (الأيمن) و (الشجرة) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] (٢). ثالثا: الإسرائيليات: يذكر الإسرائيليات أحيانًا ويتعقبها ويذكرها أحيانًا ولا يتعقبها. فمثلًا: عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] ذكر بعض قصص زواج الجن من الإنس، وتعقبها بأنه لا يصح منها شيء، إلا أنه أطال النفس في ذكرها، وفرّع عليها مسألة في اختلاف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن، وذهب إلى عدم جواز ذلك (٣)، وهو محق فيما ذهب إليه. وعند قوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩]، ذكر قصة أم موسى ﵇، وكيف وضعت وليدها في التابوت، ولم يعلق عليها (٤).

стр. 1580

رابعا: ذكره أقوال العلماء: ومن منهجه أن يذكر الآراء التفسيرية في الآية ويناقشها ويستدل لها، ويرجح أحيانًا كثيرة رأيًا لدليل يستدل به أو لقرينة من القرائن المعتمدة في الترجيح، كإعمال دلالة السياق، أو مراعاة المكي والمدني وغير ذلك، فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، قال: "واختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية فقال قوم: لا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهذه الحياة الطيبة في الجنة ... -ويذكر الأدلة على ذلك- وقال بعض العلماء: الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة الدنيا وذلك ... - ويذكر أدلتهم في ذلك- ثم يقول: قال مُقَيِّدُه عفا الله عنه: وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية حياته في الدنيا حياة طيبة ... - ويذكر القرينة ويستدل على ذلك بالأحاديث وبما تقرر في الأصول" (١). وقد أحسن فيما رجحه. وعند قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]. قال: "وفي معنى إتيان الله الأرضَ ينقصها من أطرافها أقوال معروفة للعلماء، وبعضها تدل له قرينة قرآنية، قال بعض العلماء: ننقصها من أطرافها: موت العلماء، وجاء ذلك في حديث مرفوع عن أبي هريرة، وبُعْدُ هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق ظاهر كما ترى" (٢). فهو يَرُدُّ القولَ هنا بدلالة السياق للآية. وعند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤]، يقول: "في المراد بالزكاة هنا وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم:

стр. 1581

أحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، الثاني: أن المراد بالزكاة هنا زكاة النفس، أي: تطهيرها من الشرك والمعاصي بالإيمان بالله تعالى وطاعته وطاعة رسله ﵈، وقد يستدل لهذا القول الأخير بثلاث قرائن: الأولى: أن هذه السورة مكية بلا خلاف، والزكاة إنما فرضت بالمدينة كما هو معلوم. الثانية: أن المعروف في زكاة الأموال أن يعبر عن أدائها بالإيتاء، وهنا لم يعبر عنها بالإيتاء فدل على أن هذه الزكاة أفعال المؤمنين المفلحين. الثالثة: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادةً مقرونةً بالصلاة من غير فصلٍ بينهما" (١). وعلى هذا فهو يراعي قرائن: السياق والمكي والمدني، واللغة، والموضوع في ترجيحاته. وقد يذكر الشيخ ﵀ الآراء المختلفة في الآية ولا يرجح بينها، كما فعل عند قوله تعالى ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢]. في الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معًا عن ذلك المعبود من دون الله مع إثباتهما في قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣]، حيث يذكر الآراء في ذلك ولا يرجح (٢). خامسا: منهجه في التوثيق: يؤخذ عليه أحيانًا أنه قد ينقل بعض المعلومات عن مصادر ثانوية دون أخذها من مصدرها الأصلي. وهذا أسلوب قد يوقعه في الخطأ، كما حصل معه حين

стр. 1582

نقل رأيًا نسبه للإمام الطبري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]. بأن الوقف تام على قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وأن قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق بما بعده، أي: يعلم سركم وجهركم في الأرض ... وهذا الوقف ذكره في الآية نقلًا عن الإمام القرطبي منسوبًا لابن جرير الطبري (١). وعند الرجوع إلى "جامع البيان" لشيخ المفسرين الطبري لم نقف على هذا الوجه، ولذلك ما كان للشيخ أن ينسب هذا القول إلى الطبري نقلًا عن تفسير القرطبي، وتفسير الطبري مطبوع متداول، ولكن يظهر أن الشيخ أعجبه هذا الرأي لاعتبارات عقدية، مع أن هذا المنهج غير مقبول من العلماء أمثاله. سادسا: تفسيره للآيات العلمية من خلال مشاهداته: يلاحظ عليه أحيانًا أنه قد يفسر الآيات العلمية بناءً على مشاهداته في رحلاته، كما فعل عند قوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] حيث فسّر ذلك بما شاهده في مدينة سان لويس عام ١٣٦٦ هـ (٢). سابعا: قلة عنايته بالقضايا البيانية: مع عناية الشيخ ﵀ بالقضايا اللغوية والنحوية والصرفية إلا أنه لا يُعنى بالقضايا البيانية، ويلاحظ عليه أنه وإن أنكر المجاز في كتاب الله وخصّه بكتاب لذلك، إلا أنه يعلل القضايا البلاغية بقضايا نحوية أحيانًا في تفسيره. فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، و ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦)﴾ [الشعراء: ١٦] يعلل التثنية في (طه) والإفراد في (الشعراء) نظرًا لأن أصل

стр. 1583

(الرسول) مصدر، والتثنية في (طه) باعتبار الوصفية العارضة ... ويستدل على ذلك بالشعر (١). ومع هذا المنهج إلا أنه أشار إلى بعض القضايا البيانية في مواضع متفرقة، فعند قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، يقول: "وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في هذه الآيات كلها في إنبات النبات يدل على تعظيم شأن إنبات النبات؛ لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئًا لهلك الناس جوعًا وعطشًا" (٢). وعند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] يتحدث عن الأغراض البيانية لتنكير (ليلًا) ويذكر آراء العلماء في ذلك (٣). ويتحدث عن الإظهار في موضع الإضمار عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١] (٤). ثامنا: موقفه من المخالفين: يلاحظ عليه أنه يرد على أصحاب الآراء والمذاهب والمعتقدات التي يخالفها ويستدل لذلك ويتوسع في الرد: فمثلًا: يرد على المعتزلة بتسمية اللاشيء شيء عند قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٩] (٥).

стр. 1584

ويخالف ابن تيمية في قوله: ليس على تارك الصلاة عمدًا قضاء، ويذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] (١). ويخالف الإمام أحمد الذي يقول بعدم صحة وقوع الاستثناء المنقطع. ويقول الشيخ بصحة وقوعه وذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] (٢). ويخالف الظاهرية وابن حزم ويناقشهم في منعهم الاجتهاد في الشرع ومنع التقليد عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] (٣). ويرد على أصحاب المذهب الاشتراكي (٤). تاسعا: ملاحظات على القضايا العلمية: أ- قضايا اللغة: مع أنّ الشيخ ﵀ يعد موسوعيًا في قضايا اللغة متنًا ونحوًا وصرفًا ولكن يظهر أنّ طريقة دراسته لهذه العلوم، هي الطريقة القديمة التي كانت تدرَّس عند المشايخ ﵏ قبل أن تكون هناك معاهد وكليات، لذا نجده ينفرد فيقرر ما يخالف به جمهور المحققين من العلماء، وهذا أمر كنا نستمع إليه من بعض الشيوخ، ولا زلت أذكر ما حدثنيه بعضهم ﵏ من أن شيخه وهو يدرِّس له المبتدأ والخبر من ألفية ابن مالك يقول: وقد قال ابن مالك: مبتدأٌ زيدٌ وعاذرٌ خَبَرْ ... إنْ قلتَ: زيدٌ عاذرٌ مَنِ اعْتَذَرْ

стр. 1585

يقول الشيخ في تدريسه: كان الأولى أن يقول ابن مالك: إن قلتَ: زيدٌ عاذرٌ من اعتذر ... فالمبتدأ زيدٌ وعاذرٌ خبر وحينما سمعتُ هذا القول من محدثي ﵀ كدتُ أقبَلُهُ، وبعدَ أيام وجدتُ أن ابن مالك لم يَعْدُ الصوابَ فيما قال، فلو كان ابن مالك يريدُ إعراب هذه الجملة، أعني: زيدٌ عاذرٌ من اعتذر، لكان قول الشيخ مقبولًا، لكن ابن مالك أراد أن يبين المبتدأ والخبر في هذه الجملة. وذكرتُ هذه الحادثة لأخلُصَ إلى أن هناك بعضَ الناس قد تكون لهم آراء خاصة يخالفون فيها المحققين من ذلك ما ذهب إليه صاحب (الأضواء) ﵀ عند بعض الآيات. منها: - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]. يذكر أن للعلماء قولين في هذه الواو، وهو خلافٌ معروف، فالذين يرون أنّ الراسخين يعلمون يقولون: إنّ الواو عاطفة، والذين يرون أن الراسخين لا يعلمون المتشابه يقولون: إنها استئنافية. وهذا هو رأي الشيخ ﵀ ولا أود أن أعرض لهذه القضية فهي معروفة لدى العلماء، لكن الذي يعنينا هنا أن الشيخ يذهب مذهبًا في إعراب قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾. فالمحققون من العلماء يرون أنّ الجملة حالية، أي في محل نصب على الحال، أو مستأنفة استئنافًا بيانيًا. يقول الزمخشري ﵀: "قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعبادُه الراسخون في العلم، أي: ثبتوا فيه وتمكنوا، وعضوا فيه بضرسٍ قاطع ... و ﴿يَقُولُونَ﴾ كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ... " (١).

стр. 1586

ويقول صاحب "الدر المصون" السمين الحلبي ﵀: "وقوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، والوقف على الجلالة المعظمة، وعلى هذا فالجملة من قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر المبتدأ. الثاني: أنهم منسوقون (معطوفون) على الجلالة المعظمة، فيكونون داخلين في علم التأويل. وعلى هذا فيجوز في الجملة القولية ﴿يَقُولُونَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها حال. أي: يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك. والثاني: أن تكون خبر مبتدأ مضمر، أي هم يقولون" (١). لكن الشيخ ﵀ لم يرتضِ ما قاله هؤلاء، ويرجح أنّ جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ معطوفة بحرف محذوف، ويستدل لذلك بأن: "حذف الحرف المعطوف أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية، والتحقيق على جوازه، وأنه ليس مختصًا بضرورة الشعر -كما زعمه بعض علماء العربية- والدليل على جواز وقوعه في القرآن قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ [الغاشية: ٨]، فإنه معطوف بلا شك على قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ [الغاشية: ٢] بالحرف المحذوف الذي هو الواو، ويدلُّ له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٠]. وجعل بعضَ العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ﴾ [التوبة: ٩٢]. يعني: وقلت، بالعطف بواو محذوفة، وهو

стр. 1587

أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني" (١). وما قاله الشيخ ﵀ حري به أن يناقش من جهتين: من جهة المعنى ومن جهة الصناعة: أما من حيثُ المعنى: فلا فائدة لقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي أن تعطف على ما قبلها، فإذا كان الراسخون في العلم يعلمون تأويله، أفليس من البدهي أن يكونوا ممن آمن به؟ ونحن نعلم أن العطف يقتضي التغاير، ولا تغاير هنا. وأما من حيث الصناعة: فإن المحققين من العلماء لا يجيزون حذف حروف المعاني، لأن الحذف إنما يذكر اختصارًا، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، فإن الحرف هنا يغني عن جملة هي: قام عمرو. وإذا قلت: تقدمت الأمم إلا المسلمين، فإن حرف الاستثناء يغني عن جملة وهي قولنا: أستثني المسلمين، وهذا ما ذهب إليه ابن جني وغيره من المحققين (٢). أما ما استشهد به الشيخ من الآيات القرآنية، من حذف حرف العطف في سورة (الغاشية) قياسًا على ما جاء في سورتي (القيامة) و (عبس) فليس الأمر كما ذكر ﵀ وإلا فما المانع من ذكر حرف العطف في سورة (الغاشية) كما ذكر في السورتين الكريمتين (٣). وقضية الحذف هذه لها أثر سلبي في فهم معاني القرآن الكريم، فقد ذهب بعضهم إلى أن قوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... ﴾ [البقرة: ١٨٠] معطوفة على قوله سبحانه في الآية التي قبلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وهو غير مقبول، فللقرآن الكريم أسراره البيانية فيما

стр. 1588

يتصل بالمعنى فيما يذكر وفيما يحذف، وإذا سرنا على هذا المنهج فسنلغي موضوعًا من أهم الموضوعات في كتاب الله والسنّة النبوية واللغة العربية، وهو موضوع (الفصل والوصل) الذي هو أنف البلاغة الذي تعطس منه، جاء في سورة (ق) قوله: ﴿وَقَال قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ [ق: ٢٣] ثم بعدها: ﴿قَال قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢٧]. أفيمكن أن يُقال: إن في الآية الثانية حرفًا محذوفًا، هذا ما لم يجزه أحد (١). وهناك مواضع كثيرة من الآيات القرآنية المتشابهة ذكرت فيها الواو تارةً وحذفت أخرى مثل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وقوله: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٥]. وقوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾ [الشعراء: ١٨٠ - ١٨٦]. وهكذا في هذه الآيات وغيرها أغراض تتصل بالمعنى والبيان والتاريخ وغير ذلك. وليت الشيخ اكتفى بما ذكره المحققون العلماء وارتضاه كما ارتضوه. - وعند قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ يغلظ الشيخ غلظةً ما كنا نريدها، ويقسو الشيخُ قسوة كنا نربأ به عنها على إمام من أئمة البيان شَهِدَ له حتى خصومُه، يقول صاحب "أضواء البيان" بعد أن نقل كلام صاحب "الكشاف" الزمخشري في أن العطف بالفاء يفيد ترتيبًا لها في

стр. 1589

الفضل، إما أن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة وإما على العكس (١)، أي: إما ان يكون الترتيب تصاعديًا أو تنازليًا، وكلٌّ له سره وغرضه، يعقب الشيخ ﵀ على ذلك فيقول " ... وكلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو حيان والقرطبي وغيرهما ولم يتعقبوه، والظاهر أنه كلامٌ لا تحقيق فيه، ويوضح ذلك اعتراف الزمخشري نفسه بأنه لا يدري ما ذكره، هل هو كذا أو على العكس، وذلك صريح في أنه ليس على علم مما يقوله، لأن من جزم بشيء ثم جوّز فيه النقيضين دلَّ ذلك على أنه ليس على علم مما جزم به" (٢). وإذا كان كلام الزمخشري لا تحقيق فيه، وليس على علمٍ بما قال، فهذا ينسحب كذلك على من نقل عن الزمخشري دون تحقيق وهم كثرٌ. وسامح الله صاحب أضواء البيان ورحمه رحمة واسعة، فما كنا نريد منه مثل هذه الغلظة التي لا تليق بأئمتنا، والحق أن ما ذكره الزمخشري ليس فيه تناقض، فهناك آيات كثيرة في كتاب الله يمكن أن يكون الترتيب فيها تصاعديًا أو تنازليًا، لأن هناك أكثر من جهة في فهم الآية القرآنية، وذلك لا يعد تناقضًا، فإن هنالك اعتبارات واجتهادات تختلف فيها وجهات نظر العلماء. وإذا كان مثل أولئك الأئمة لا يفهمون ما يقولون، وهم النجوم في الظلماء فلمن نُهرع يا ترى؟ ! وما قاله الزمخشري لا غبار عليه من حيث الصناعة ومن حيث المعنى وقد يكون له في القرآن الكريم أمثلة كثيرة. ومن هذه الأمثلة: ففي سورة النحل يقول تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].

стр. 1590

ثم يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]. ففي هذه الآيات الكريمات ذكر الله لخليله ﵇ أوصافًا كثيرة وفضائل متعددة كان آخرها قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ فهذا ترتيب تصاعدي. فإن الصفات الطيبة التي ذكرت لأبي الأنبياء وشيخ الحنفاء ﵇ من كونه أمة قانتًا كان أفضلها وخيرها وأشرفها وأدلها على الفضل قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ فالوحي إلى سيدنا محمد ﷺ أن يتبع ملة إبراهيم أعظم شرفًا من كل ما تقدم، فيكفي الخليل فخرًا بعدما ذكره الله من صفاته الشخصية أن يوحي إلى نبيه محمدًا ﷺ أن يتبع ملة إبراهيم. وقد يكون الترتيب صالحًا للأمرين معًا، وأمثل لذلك بما جاء في سورة الفجر في قوله سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٧ - ٢٠]، فهذه صفاتهم التي روعوا من أجلها في قوله بعد ذلك ﴿كَلَّا﴾ يمكن أن يكون الترتيب فيها تنازليًا أو تصاعديًا ولا تناقض في هذا. إذا اعتبرنا القلة والكثرة كان تصاعديًا، فإن عدم الحض على طعام المسكين لا شك أعم وأكثر من عدم إكرام اليتيم، فإن المساكين أكثر من اليتامى ثم إن أكل التراث أكثر شيوعًا، ثم إن حب المال لا يكاد يخلو منه أحد. ويمكن أن يكون الترتيب غير هذا من حيث بشاعة الفعل، فإن أسوأ هذه الصفات إيذاء اليتامى وهكذا حتى تنتهي هذه الصفات. ونرجو الله أن يغفر لصاحب أضواء البيان وأن يجمعه مع الزمخشري في جنات الرضوان، وأن يجمعنا وأحبابنا وقراء هذا الكتاب معهم إن شاء الله. - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا﴾ [فصلت: ٥] ينقل صاحب "الأضواء" ﵀ كلام الزمخشري وهو: "فإن قلت: هل لزيادة (من)

стр. 1591

في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فائدة؟ قلت: نعم، لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى: أن حجابًا حاصلٌ وسط الجهتين، وأما بزيادة (من) فالمعنى: أن حجابًا ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها" (١). يقول الشيخ بعد أن نقل كلام الزمخشري: "واستحسنَ كلامَه هذا الفخرُ الرازي وتعقبه ابن المنير فأوضح سقوطه، والحق معه في تعقبه عليه" (٢). وإتمامًا للفائدة هنا، أنقل ما قاله ابن المنير تعقيبًا على كلام الزمخشري: "ولا ينفك المعنى بدخول (من) عما كان عليه قبل، ولو كان الأمر كما ذكر لكانت (من) مقدرة مع (بين) الثانية، لأنه جعلها مفيدة للابتداء في الثانية كما هي مفيدة للابتداء في الأولى، فيكون التقدير إذًا ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ وهذا يخل بمعنى (بين) إخلالًا بينًا، فإنها تأبى تكرار العامل معها، حتى لو قال قائل: جلستُ بين زيد وجلست بين عمرو لم يكن مستقيمًا، لأن تكرار العامل يصيرها داخلة على مفرد فقط، ويقطعه من قرينة المتقدم، ومن شأنها الدخول على متعدد، لأنها في ضمن معناها التوسط، وزاد الزمخشري على هذا فجعل (بين) الثانية غير الأولى، لأنه جعل الأولى بجهتهم والثانية بجهته، وليس الأمر كما ظنه، بل (بين) الأولى هي الثانية بعينها، وهي عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين، وتكرارها إنما كان لأن المعطوف مضمر محفوظ، فوجب تكرار حافظه، وهو (بين) والدليل على هذا: أنه لا تفاوت باتفاق بين أن تقول: جلست بين زيد وعمرو وبين أن تقول: جلستُ بين زيد وبين عمرو، وإنما كان ذكرها مع الظاهر جوازًا ومع المضمر وجوبًا لما بيناه. فالظاهر والله أعلم أن موقع (من) ههنا كموقعها في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ

стр. 1592

﴿سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩]، وذلك للإشعار بأن الجهة المتوسطة بينهم وبين النبي ﷺ مبدأ الحجاب لا غير، ووجود (من) قريب من عدمها" (١). يعلق د. عبدالفتاح لاشين على كلام ابن المنير فيقول: "الزمخشري قال بأن الحرف (من) في الآية يفيد بأن المسافة المتوسطة بين الجهتين حجاب، فالحجاب مبدؤه من الكفار كما كان مبدؤه من النبي ﷺ ، وفي ذلك مبالغة في تكثيف الحجاب الذي يمنع السماع ويحجب الهداية، لكن ابن المنير وجد في كلام الزمخشري مخالفة لغوية، ولما كان أي حرف في القرآن الكريم لا بد أن يكون لمعنى، جعل ابن المنير حرف (من) في الآية يدل على أن الجهة المتوسطة بينهم وبين النبي ﷺ مبدأ الحجاب ثم يتردد في هذا المعنى ويقول: وجود (من) قريب من عدمها، وابن المنير في هذا خطأ الزمخشري دون أن يجد لحرف (من) معنى في الآية إلا زيادتها، ونحن نستبعد أن يوجد هذا الحرف بدون معنى وننزه القرآن عنه، ووقوف العلماء عن إيجاد معنى لحرف (من) هو من إعجاز القرآن الكريم وسر بلاغته، فالذهن قد قصُر، والعقل نضُب دون الوصول إلى سر هذا، ونحن وهذا الحرف كقول القائل: نعيبُ زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيبٌ سوانا" (٢) وبعد هذا التطواف على ما ذكره هؤلاء العلماء أقدمين ومحدثين ومع أنني لست ممن يحسنون الدلاء، لكن العون من الله وحده، أقول ومن الله وحده التوفيق: إني لا أرتاب في أن ما قاله الزمخشري ﵀ كلام لا يسقط عليه إلا خبير، ذلكم أن أي حرف ذُكر في كتاب الله لا بد له من سر كما يقول د. لاشين، وما استدل به ابن المنير من أن هناك آية في كتاب الله ليس فيها (من) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾

стр. 1593

[الإسراء: ٤٥]. لا يصلح دليلًا لأن كل آية من كتاب الله جاءت مقدّرًا فيها المعنى المراد بكل دقة وموضوعية، فخلو آية الإسراء من حرف (من) لا يسمح لنا أن نقيس آية (فصلت) على آية (الإسراء) وإليكم بيان هذا: وقبل أن تستمعوا مني أرجو أن نتدبر الآيتين مرة أخرى. ففي آية الإسراء الله ﵎ هو الذي جعل بين رسوله ﷺ وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا، وذكر بعد هذا قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الإسراء: ٤٦] أما آية فصلت فإن القوم لشدة جحودهم وفظاعة كفرهم وإنكارهم، هم الذين اعترفوا بأن هذه الأمور التي تحول بينهم وبين الإيمان هي منهم، وهم مجبولون عليها، ولذلك قدمت الأكنة والوقر على الحجاب، ثم إن هذا الحجاب الذي قالوا فيه: ﴿مِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ يريدون منه أنه يستحيل اللقاء بيننا وبينك، والقرآن الكريم الذي قدّر الله فيه الألفاظ والمعاني كما قدّر أمر هذا الكون سماءه وأرضه شمسه وقمره، جاءت فيه كلمة (من) على لسان أولئك الجاحدين المعاندين، ولا يمكن أن يكون هذا الحرف في آية الإسراء، لأن الله ﵎ إنما بعث نبيه ﷺ ليؤمن به الناس، وصدق الله ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. وخلاصة القول: أن (من) في آية (فصلت) تكشفُ عن الروعة البيانية ومظهر الإعجاز في كتاب الله تعالى الخالد، حيث جاءت كلمة (من) على لسان أولئك الخصوم، أما ما كان حديثًا من الله تعالى في آية الإسراء فلم تذكر فيه كلمة (من) فتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا. -لقد أكد الشيخ ﵀ في أكثر من موضع قضية الحروف الزوائد في كتاب الله فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]. يقول: "الباء مزيدة للتوكيد، ويستدل على صحة الزيادة من الآيات ومن الشعر" (١). والأمر ليس

стр. 1594

كذلك، وكذلك عند قوله: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢، ٩٣]. قال: "وزيادة لفظة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مُطَّرِدَةٌ ... ويستدل ذلك بالآيات والشعر" (١). والحقيقة أن لكل حرف في كتاب الله رسالته وغايته، وقد جاء كل حرف في الآيتين في مكانه الأليق به الذي لو نزع من مكانه لذهب الرونق وفسد المعنى (٢). وفضلًا على القول بالزيادة فإنه يقول بصحة تناوب حروف الجر، فعند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] يقول: "اللام بمعنى (على) أي فعليها، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦، الجاثية ١٥] , ومن إتيان اللام بمعنى (على) قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ... ويستدل على ذلك بالشعر" (٣). وكذلك فعل عند قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ [الكهف: ١٠٠]، يقول: "اللام في قوله ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى (على) ويستشهد على ذلك (٤). والحق أن كل حرف قد جيء به قصدًا ولا يسدُّ غيره مسنده" (٥). ونكتفي بهذا الطرف من ذكر القضايا اللغوية. ب - قضايا أخرى: هنالك قضايا لا تتصل باللغة لا بد من مناقشتها ومنها: - عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]. قال: "وقد ضرب الله في هذه الآية مثلًا لما جاء به محمد ﷺ من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى

стр. 1595

حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام، أشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جلّ وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]. وقد أوضح ﷺ هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ... " الحديث (١). مع أن هذا المثل ضرب في المنافقين كما أجمع المفسرون المحققون وليس في الحديث ما يتفق معه، ففي مطلع سورة البقرة نجد هذين المثلين ثلهم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠]، يتحدثان عن أحوال المنافقين بدليل قوله تعالى بعد الآية الأولى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ وقوله بعد الآية الثانية: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ولا أعلم خلافًا بين من يُعتدّ بقوله في هذا الأمر. - عند قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، يربط بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء: ٤]. فيقول: "ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين تتخللهما توبة من الله عليهم، وبيّن تفصيل ذلك في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]. فبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الأولى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٥] وبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الآخرة بقوله: ﴿إن

стр. 1596

أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء: ٧] وبيَّن التوبة التي بينهما بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٦]. ثم بيّن أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء: ٨]، فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه ﷺ وكتم صفاته التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم فسلّط عليهم نبيه ﷺ " (١). ومع أن هذا القول ذكره كثيرٌ من المفسرين منهم صاحب "روح المعاني" وصاحب "المنار" وهذا القول قد نقله الفخر الرازي عن القفال، وهو أحد أقوال أربعة ذكرها الرازي. ويبدو لي -والله تعالى أعلم- أن الأمر يحتاج إلى تدبر، حيث لا يظهر صلة هذه الآية المدنية بآية سورة الإسراء المكية، مع أن المفسرين اختلفوا كثيرًا في سورة الإسراء، وليس هناك قول يُعول عليه كما ذكر الجبائي ونقله عنه صاحب "صفوة البيان" الشيخ حسنين محمد مخلوف ﵀ مفتي الديار المصرية الأسبق، والذي أرجحه -والله أعلم- في تفسير المرتين أن المرة الأولى كانت في عهد رسول الله ﷺ أما الثانية فهي ما نعيشه الآن راجين أن يتحقق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي المرة الأخيرة ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء: ٧]. فالضمائر الثلاثة عائدة إلى العباد الذين ذكرهم الله تعالى، وهذا يرشد إليه قول الرسول الأكرم ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا

стр. 1597

يهودي ورائي فاقتله" (١). فنسأله تعالى أن يكون هذا قريبًا (٢)، وعلى كل حال فقول الشيخ -كما قلت- سبقه إليه كثيرون والذين ذكروه جميعًا نقلوه عن القفال. - عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، قال: بأن التطيب بالكولونيا نجس لا تصح الصلاة به (٣). وهذا رأي أكثر علماء المملكة العربية السعودية. والراجح عند العلماء يختلف عما ذكره الشيخ، لأن الكحول التي في الكولونيا ليست هي التي في الخمر، وعلى كل فهي قضية خلافية بين العلماء. - في أول سورة التوبة يقول: "إن سبب سقوط البسملة في السورة هو ما ورد في قصة عثمان مع ابن عباس ﵄، قال: قلت لعثمان: ما حملكم إلى أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم. ووضعتموها في السبع الطُّوَل ... " الحديث (٤). وسامح الله الشيخ فالحديث هذا يمكن أن يناقش من جهة إسناده ومتنه مناقشة علمية جادة (٥)، وبذلك لا ينهض ولا يصلح الحديث للاستدلال به لما ذهب إليه الشيخ. - عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ ... ﴾ [النحل: ٦٧]، يقول: فإن هذه الآية منسوخة بآية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ ... ﴾ [المائدة: ٩٠]. ويخالف رأي صاحب (مراقي السعود) من أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها الأولى (٦)،

стр. 1598

والحقيقة أنه بهذا يخالف رأي جمهور العلماء المحققين من أنه ليس نسخًا، وأن ما كان من باب التدرج في الأحكام لا يسمى نسخًا (١). - يقول عن إبراهيم ﵇: "وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق" (٢)، والصواب إلى فلسطين أو بلاد الشام. - يقول بمراعاة الفواصل، فعند قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ [طه: ٧٠]، يقول: "والظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة الفواصل في الآيات" (٣). وهو بذلك يخالف المحققين من العلماء في أن الفاصلة تابعة للمعنى وليس المعنى هو التابع للفاصلة (٤). - يقول بنسخ التلاوة مع بقاء الحكم وذلك عند قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] (٥). وهذا رأي قد خالفه كثير من المحققين (٦). ويستدل على ثبوت الرجم في الآية السابقة بآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ... ﴾ [آل عمران: ٢٣] على اعتبار أنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان كما في سبب نزولها (٧). وهذا استدلال بعيد جدًّا لأنّ الآية ليست نصًّا في هذا، وإنما استدل العلماء بفعل النبي ﷺ ، أما ما استدل به بعضهم بأن حد الرجم قد ثبت بالآية المنسوخة:

стр. 1599

(الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) على اعتبار أنها آية من القرآن فهذه قضية للعلماء فيها كلام ليس محله هنا (١). - يتكلف أحيانًا في تفسير القرآن بالقرآن: فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٦]، يقول: "وما ذكره تعالى في آية الجاثية هذه ذكره في آيات أُخر بلفظه كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٥١، ٢٥٢]، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨)﴾ [آل عمران: ١٠٧، ١٠٨] " (٢). ويظهر أن ذلك كان من الشيخ سهوًا، وأنه أراد من البقرة ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٥٢]، ولا يظهر معنى لذكره آية آل عمران. - عند قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦] قال: "والذي يظهر لي صوابه أن المراد بالنجم هو نجوم السماء، والدليل على ذلك أن الله في سورة الحج صرح بسجود نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من النبات بخصوصه، وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَال وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. ثم أخذ يضرب الأدلة على ذلك" (٣).

стр. 1600

وهو بذلك يخالف جمهور المفسرين في هذا المعنى الذي ذهب إليه، حيث ذكر في آية الرحمن النجم والشجر معًا، لذلك فسّر العلماء النجم بما ليس له ساق، وهو معنىً معروف في اللغة، أما آية الحج فمع أنه ذكر فيها النجم والشجر إلا أنهما غير مقترنين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ ... ﴾ [الحج: ١٨]. وقد ذكر في الآية أشياء ستة منها ثلاثة سماوية وهي: الشمس والقمر والنجوم، ومنها ثلاثة أرضية وهي: الجبال والشجر والدواب، والله أعلم. - يلاحظ عليه أنه ينكر النزول على القمر، ويصف أصحاب الأقمار الصناعية بأنهم شياطين، وأنهم سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر والوصول إلى السماء. فعند تفسير قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] يذكر حوالي عشر صفحات في إنكار النزول على القمر، وأن الشياطين المذكورين في قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ [الحجر: ١٧]، هم شياطين الإنس والجن، فيقول: "ويؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أن كل ما يتشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لا شك فيه أنهم سيقفون عند حدهم، ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ... ولا شك أن مِن أشدِّ الكفار تمردًا وعتوًا الذين يحاولون بلوغ السماء، فدخولهم في اسم الشيطان لغةً لا شك فيه، وإذا كان لفظ الشيطان يعم كل متمرد عاتٍ فقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ [الحجر: ١٧] صريحٌ في حفظ السماء من كل متمردٍ عاتٍ كائنًا من كان" (١).

стр. 1601

وقد وقفت على بعض التقارير العلمية لبعض العلماء الغربيين المحدثين (١) ينكرون فيه وصول الأمريكان إلى القمر عام ١٩٦٩ م من خلال استخدام براهين الرياضيات والفيزياء والحسابات الفلكية، وأن ما أعلنته (ناسا) هو محض خيال ومشاهد مزيفة ومجرد تسجيل انتصار للغربيين على الاتحاد السوفييتي آنذاك، حيث كانت الحرب الباردة بينهما على أشدها، والذي يبدو لي أن القمر ليس في السموات السبع، وأن كنه السموات السبع لم يستطع الناس حتى في هذا العصر أن يصلوا إليه، وما روي في بعض كتب التفسير أن السموات السبع هي منازل الكواكب قول غير مقبول، والله أعلم بما ينزل. عاشرا: نماذج من تفسير الشيخ ﵀ من أضواء البيان: عند قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] يقول الشيخ ﵀: "اختلف العلماء في معنى هذه الآية الكريمة: فقال بعض العلماء: معناها أن أولئك الكفار جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم؛ ليعضوا عليها غيظًا وحَنقًا لما جاءت به الرسل، إذ كان فيه تسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم، وممن قال بهذا القول: عبدالله بن مسعود وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم واختاره ابن جرير، واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. وهذا المعنى معروف في كلام العرب ومنه قول الشاعر: تَرُدُّونَ في فيهِ غِشَّ الحسودِ ... حتَّى يَعَضَّ عَلَيَّ الأكُفَّا يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه، قال القرطبي: ومنه قول الآخر أيضًا:

стр. 1602

قد أفنَى أناملَهُ أَزْمُهُ ... فأضحَى يَعَضُّ عَليَّ الوَظِيفا أي أفنَى أنامله عضًا، وقال الراجز: لو أنّ سَلْمَى أبصرَتْ تَخَدُّدِي ... ودِقَّةً بِعَظْمِ ساقي ويَدِي وَبُعْدَ أهلي وجَفَاءَ عُودِي ... عَضَّتْ مِن الوَجْدِ بأطرافِ اليدِ وفي الآية الكريمة أقوال غير هذا، منها: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم من العجب، ويروى عن ابن عباس. ومنها: أنهم كانوا إذا قال لهم نبيُّهم: أنا رسول الله إليكم، أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم، أن اسكت تكذيبًا له وردًا لقوله، ويروى هذا عن أبي صالح. ومنها: أن معنى الآية أنهم ردّوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل والثاني للكفار، وعلى هذا القول فإن (في) بمعنى الباء، ويروى هذا القول عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب. قال ابن جرير: وتوجيهه أن (في) بمعنى (الباء). قال: وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة، وقال الشاعر: وأرغبُ فيها عن لقيطٍ وَرَهْطِهِ ... ولكِنَّنِي عن سُنْبُسٍ لَسْتُ أَرْغَبُ يريد: وأرغب بها، قال ابن كثير: ويؤيد هذا القول تفسير ذلك بتمام الكلام وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ [إبراهيم: ٩]. قال مُقَيِّدُهُ عفا الله عنه: الظاهر عندي خلاف ما استظهره ابن كثير ﵀ لأن العطف بالواو يقتضي مغايرة ما بعده لما قبله، فيدل على أن المراد بقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية غيرُ التصريحِ بالتكذيب بالأفواه، والعلم عند الله. وقيل: المعنى أن الكفار جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًّا لقولهم، وعليه فالضمير الأول للكفار، والثاني للرسل، ويروى هذا عن الحسن.

стр. 1603

وقيل: جعل الكفارُ أيدي الرسلِ على أفواه الرسُلِ لِيُسْكِتُوهم ويقطَعوا كلامهم ويروى هذا عن مقاتل. وقيل: رَدَّ الرسلُ أيديَ الكفارِ في أفواههم، وقيل غير ذلك. وقد رأيت الأقوال وما يشهد له القرآنُ منها، والعلم عند الله" (١). عند قوله تعالى في السورة نفسها السابقة: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢] قال: "بيَّن في هذه الآية الكريمة أن مِن حِكَمِ إنزال القرآن العظيم العِلْمَ بأنه تعالى إله واحد، وأنّ مِن حِكَمِهِ أن يتعظَ أصحابُ العقول، وبيّن هذا في مواضع أُخر فذكر الحكمة الأولى في أول سورة هود في قوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، كما تقدم إيضاحه. وذكر الحكمة الثانية في قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وهم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، واحِدُ الألبابِ: لبٌّ بالضم، والعلم عند الله" (٢). وعند قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ [مريم: ٩٨] يقول: ﴿وَكَمْ﴾ في هذه الآية الكريم هي الخبرية، وهي في محل نصب، لأنها مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و (من) هي المبيّنة لـ (كم) كما تقدم إيضاحه. وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: هل ترى أحدًا منهم، أو تشعر به، أو تحدُه ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ أي: صوتًا. وأصل الركز: الصوت الخفي. ومنه رَكَّزَ الرمح: إذا غَيَّبَ طرفَه وأخفاه في الأرض. ومنه: الركاز: وهو دَفْنٌ جاهلي مُغَيَّبٌ بالدفن في الأرض، ومن إطلاق الرِّكز على الصوت، قول لبيد في معلقته:

стр. 1604

وتَوَجَّسَت رِزَّ الأنيس فراعَها ... عن ظَهْرِ غيبٍ والأنيسُ سَقامُها وقول طرفه في معلقته: وصادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرَى ... لهجي خَفِيٍّ أو لصَوْتٍ مُنَدِّدِ وقول ذي الرمة: إذا تَوَجَّسَ رِكْزًا مُقْفِرٌ نَدَسٌ ... بِنَبأَةِ الصَّوْتِ ما في سَمْعِهِ كَذِبُ والاستفهام في قوله (هل) يزاد به النفي، والمعنى: أهلكنا كثيرًا من الأمم الماضية فما ترَى منهم أحدًا، ولا تسمع لهم صوتًا، وما ذكره في هذه الآية من عدم رؤية أشخاصهم، وعدم سماع أصواتهم، ذَكَرَ بعضه في غير هذا الموضع، كقوله في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، وقوله فيهم: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات" (١). هذا هو تفسير الشيخ الشنقيطي ﵀ أرجو أن أكون قد أعطيتُ فكرةً تامة للقارئ عنه، وأعتذر أن كتابي لا يتسع لأكثر من هذا، راجيًا أن يكون فيما ذكرت الغنية والكفاية، وتتحدث الآن عن تتمة تلميذه الشيخ عطية محمد سالم ﵀.

стр. 1605

القسم الثاني تتمة الشيخ عطية محمد سالم ﵀ أولا: ترجمة الشيخ عطية محمد سالم (١): الشيخ عطية محمد سالم هو أحد علماء المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ولد عام ١٣٤٦ هـ بقرية المهدية إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر، وكانت بدايته كأبناء الريف في كتاتيب القرية. انتقل بعدها إلى المدرسة الأوليّة، وكانت مدة الدراسة بها خمسة سنوات، ثم واصل دراسته الدينية بعد مجيئه إلى المدينة المنورة عام ١٣٦٤ هـ في حلقات المسجد النبوي الشريف، فدرس فيها موطأ الإمام مالك، نيل الأوطار، سبل السلام، رياض الصالحين، البيقونية في مصطلح الحديث. وكلها على فضيلة الشيخ عبد الرحمن الإفريقي ﵀ حتى عام ١٣٧٠ هـ. ودرس الرحبية في علم الفرائض، الآجرومية في النحو، وهذه على فضيلة الشيخ حماد الأنصاري. وشرح منتهى الإرادات، صحيح البخاري، على فضيلة الشيخ محمد بن تركي ﵀.

стр. 1606

ومن مشايخه الشيخ محمد الحركان في صحيح البخاري، والشيخ عمار في سنن أبي داود، والشيخ العرنوس والشيخ أحمد ياسين الخياري، والشيخ محمد أمين. وفي عام ١٣٧٠ هـ، افتتحت المعاهد العلمية والكليات، وانتقل الشيخ إلى الرياض حيث التحق بالمعهد العلمي الثانوي، ثم كلية الشريعة، وكلية اللغة العربية حيث حصل على الشهادتين من كلتا الكليتين وتخرج منهما معًا. وفي هذه الفترة توطدت علاقة الشيخ بعلماء هذا العصر، ومنهم فضيلة الشيخ عبد الرازق عفيفي، والشيخ يوسف عمر رئيس البعثة الأزهرية، والشيخ الظواهري وكيل الأزهر، والأستاذ محمد سرحان وإخوانه عبد اللطيف وعبدالسلام، والشيخ يوسف الضبع، والشيخ النمر الذي تولى وزارة الأوقاف في مصر، والشيخ الهراس، وكان هؤلاء من علماء البعثة الأزهرية. أما من علماء المملكة السعودية، فالشيخ عبد العزيز بن عبد الله، والشيخ عبد العزيز بن رشيد ﵀، والشيخ عبد الرازق حمزة وغيرهم. وفي هذه الفترة كذلك توطدت العلاقة بفضيلة الوالد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ حيث صحبه طالبًا وتلميذًا في حلقاته، وفي رحلاته، علاقة الولد والتلميذ مع شيخه، حيث منّ الله عليه بعد ذلك أن أكمل تفسير "أضواء البيان" بعد أن توفي الشيخ ﵀. أما في المجال الوظيفي، فقد تدرج الشيخ في الحياة الوظيفية؛ حيث كلف بالتدريس في المعهد العلمي بالإحساء لمدة أربع سنوات، وذلك في أثناء دراسته في كلية الشريعة وكلية اللغة، وكذلك كلف بعد التخرج بالتدريس في معهد الرياض، ثم في الكليتين معًا حيث كان يدرس "بلوغ المرام" للطلبة في كلية الشريعة، و"الأدب في صدر الإسلام" للطلبة في كلية اللغة. وفي عام ١٣٨١ تم تشكيل مجلس خاص بقرار من فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة لوضع الترتيبات اللازمة لافتتاح الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من برامج ومناهج وإدارات. وكان هذا المجلس برئاسة فضيلة الشيخ

стр. 1607

عبد العزيز بن باز وعضوية كل من الشيخ عبد الرازق عفيفي، والشيخ مناع القطان، والأستاذ محمد العبودي، والشيخ عطية محمد سالم، ثم أسندت إلى فضيلة الشيخ عمادة شؤون التعليم في الجامعة الإسلامية، بالإضافة إلى تدريس "بداية المجتهد لابن رشد"، و"أصول الفقه" عن الشيخ الأمين ﵀ في حال غيابه. انتقل الشيخ بعد ذلك إلى العمل بالقضاء بتكليف من سماحة المفتي، وكان رئيسًا للقضاء والمحاكم، وتدرج في مراتب القضاء حتى وصل إلى مرتبة "قاضي تمييز" حيث أحيل للتقاعد في ١/ ٧/ ١٤١٤ هـ. ولما افتتحت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة تم وضع كرسي باسم الجامعة في المسجد النبوي، وكان يتناوب عليه كل من فضيلة الشيخ الأمين والشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة آنذاك. ولظروف صحية ألمت بالشيخ محمد الأمين حل محله الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، ولكثرة أعمال وارتباطات الشيخ عبد العزيز بن باز حل محله الشيخ عطية محمد سالم، ثم انتقل الشيخ عبد القادر شيبة الحمد إلى الرياض، وانفرد الشيخ عطية بالتدريس في كرسي الجامعة في المسجد النبوي الشريف إلى الآن، ثم شاركه في الفترة الأخيرة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي. ومما درسه الشيخ عطية لتلاميذه في حلقته في المسجد النبوي الآتي: • "موطأ الإمام مالك بن أنس" مرتين، وسجلت الأخيرة على أشرطة كاسيت تعدت ٧٠٠ شريط موجودة في المكتبة الصوتية في المسجد النبوي الشريف. • "الأربعين النووية"، وسجلت في أكثر من سبعين شريط كاسيت. • "شرح البيقونية" في المصطلح. • "شرح الرحبية في الفرائض". • "شرح الورقات في الأصول". • دروس في التفسير "سورة الحجرات، أوائل سورة البقرة - آيات من سورة آل عمران" وغيره.

стр. 1608

• دروس متفرقة في السيرة النبوية والغزوات. • كتاب "بلوغ المرام". • كتاب "البلاغة الواضحة". وجميع هذه الدروس مسجلة على أشرطة كاست بالمكتبة الصوتية في المسجد النبوي، كما أن للشيخ عطية مشاركات في الإذاعة والتلفزيون والدورات والندوات والأمسيات في النادي الأدبي في المدينة المنورة. وقد شارك الشيخ عطية في عدد من المؤتمرات منها: • مؤتمر إعداد الدعاة بالجامعة الإسلامية. • مؤتمر مكافحة الجريمة في وزارة الداخلية بالرياض. • مؤتمر مكافحة المخدرات في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. • مؤتمر أهل الحديث في إسلام أباد باكستان. • المؤتمر الفقهي الإسلامي في ماليزيا. • مؤتمر الدعوة في بغداد أثناء القتال مع إيران للمصالحة بينهما. • أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ولا يوجد زائر للمدينة المنورة إلا واستوقفته حلقة الشيخ الكبير في المسجد النبوي الشريف، ذلك العلم الذي يتدفق من الداعية الفقيه آية في البناء الأدبي والبلاغي والحكمة، لا تملك إلا أن تلقي ببالك وجميع مداركك إلى هذا العلم وهذا العالم الذي يعيد إليك صورة الرعيل الأول من علماء هذه الأمة ممزوجة بعصرنا الحاضر بوعي وإدراك لعلم السلف ومعايشة روح العصر. مؤلفات الشيخ عطية: • تتمة تفسير "أضواء البيان" لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي من أول سورة الحشر إلى آخر سورة الناس طبع عدة مرات مع الكتاب.

стр. 1609

• "تسهيل الوصول إلى علم الأصول" بالاشتراك مع آخرين. • "الأدب في صدر الإسلام" بالاشتراك مع آخرين، وكان مقررًا في جامعة الإمام الإسلامية. • "تعريف عام بعمومات الإسلام"، وكان مقررًا في الجامعة الإسلامية ترجم إلى اللغة الإنكليزية. • "أصل الخطابة وأصولها" وكان أيضًا مقررًا في الجامعة. • "السؤال والجواب في كتاب الله"، وأصله حلقات بالإذاعة ثم جمعت وطبعت وقررت على طلاب التربية وجامعة الملك عبد العزيز. • "وصايا الرسول ﷺ "، وكان أيضًا حلقات بالإذاعة وجمعت وطبعت وقررت على طلاب كلية التربية في جامعة الملك عبد العزيز. • "في ظل عرش الرحمن"، وموضوعه حديث سبعة يظلهم الله. • "عمل أهل المدينة"، تأصيل لحجية عمل أهل المدينة عند الإمام مالك ردًّا على كتاب محمد بن الحسن في نقده لعمل أهل المدينة (الحجة على أهل المدينة). • "موقف الأمة من اختلاف الأئمة". • "آيات الهداية والاستقامة في كتاب الله تعالى" (في مجلدين). • "مجموعة الرسائل المدنية" وتشتمل على ستة عشر رسالة مستقلة هي: - صلاة التراويح أكثر من ألف عام في مسجد النبي ﷺ . - مع الرسول في رمضان. - نكاح المتعة في الإسلام. - زكاة الحلي. - تعريف عام بعموميات الإسلام. - منهج الإسلام في كيفية المؤاخاة والتحكيم بين المسلمين. - أصول الخطابة والإنشاء. - معالم على طريق الهجرة.

стр. 1610

- حكمة التشريع في تعداد الزوجات وتحديد النسل. - رمضانيات. - آداب زيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله. - مع الرسول في حجة الوداع. - الإسراء والمعراج من الكتاب والسنّة. - سجود التلاوة. - مع المرضى. - العين والرقية والاستشفاء من القرآن والسنّة. • "هداية المستفيد من كتابة التمهيد" (١٢ مجلد)، وهو إعادة لترتيب كتاب التمهيد لابن عبد البر على أبواب الفقه بدلًا من الأسانيد. • "الرق في الإسلام"، كتيب بالمشاركة مع الشيخ الأمين. • كتاب "الدماء في الإسلام". وللشيخ عطية رسائل وأبحاث بعضها تحت الطبع وبعضها الآخر أوراق بحث في الندوات والمشاركات، وبالإضافة إلى الإشراف على العديد من الرسائل العلمية في الجامعة وعضو لجان المناقشة لبعضها الآخر، رحم الله الشيخ عطية، ونفعنا بعلمه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. ثانيًا: ملاحظات على تفسير الشيخ عطية محمد سالم إن القسم الثاني من تفسير الأضواء هو تفسير الشيخ الوفي عطية محمد سالم ﵀ حيث أتم هذا التفسير ابتداءً من سورة الحشر حتى سورة الناس، في نحو مجلد ونصف من مجلدات الكتاب، وقد حاول الشيخ أن يسير على نهج شيخه -رحمهما الله- في التفسير للسور الباقية، فوافقه في كثير من الآراء وخالفه في بعضها، حيث كان يعتمد كثيرًا كلام شيخه في محاضراته وإملاءاته على تلاميذه، ويتأثر بها.

стр. 1611

فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، يقول: "وللشيخ -رحمه الله تعالى- كلام مقنع على هذه المسألة (المشاركة في الأموال) في سورة الزخرف على قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]، نسوق نصه لأهميته، قال ﵀: مسألة ... " (١). وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، يقول: "قال الشيخ -رحمه الله تعالى- في المقدمة: إن السنّة كلها مندرجة تحت هذه الآية الكريمة، أي أنها ملزمةٌ للمسلمين العملَ بالسنّة النبوية ... " (٢). وعند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]. يقول الشيخ عطية ﵀: "بيّن الشيخ -رحمةُ الله تعالى علينا وعليه- معنى الأميين في مذكرة الدراسة بقوله: الأميين: أي العرب. والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان كثير من العرب" (٣). وعند قوله: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، يقول: "قال الشيخ -رحمه الله تعالى علينا وعليه-: أي: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أولياء لله، وأبناء الله وأحباؤه دون غيركم من الناس، فتمنوا الموت؛ لأن وليَّ الله حقًّا يتمنى لقاءه، والإسراع إلى ما أعدّ له من النعيم المقيم" (٤). وقد تأثر أيضًا برأي شيخه -رحمهما الله- بالقول في تناوب حروف الجر في القرآن، فعند قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ [المرسلات: ٦]، يقول: "و (أو) في قوله:

стр. 1612

﴿أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ بمعنى الواو، أي: لأجل الإعذار والإنذار، ومجيء (أو) بمعنى الواو، كمجيء ذلك في قول عمرو بن معدي كرب: قومٌ إذا سمعوا الصريخَ رأيتَهُم ... ما بين مُلْجِيمٍ مُهْرَهُ أو سافِعِ أي: وسافع" (١). ومع ذلك نجد الشيخ ﵀ يخالف شيخه ﵀ في بعض القضايا: فمثلًا في قضية (المشاقة) في سور الحشر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] يخالف شيخه في بعض القضايا المنطقية مثل: تخلف الحكم عن العلة لسبب من الأسباب، مثل هذه الآية، فالعلة هي مشاقة الله ورسوله، وقد توجد في قوم يشاقون الله ورسوله مع تخلف حُكْمِها عنها، وهو التخريب، ويرى الشيخ عطية أن تخلف الحكم عن العلة في غير اليهود، وإنما هو لتخلفِ جزء منها، وأن العلة ومُرَكَّبَةٌ، أي: هي في اليهود مُشَاقَّةٌ وزيادة، تلك الزيادة لم توجد في غير اليهود، فوقع الفرق (٢). كما خالفه في (لا) في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١] حيث ذكر توجيهات شيخه لهذه الـ (لا) حيث رجح شيخه أنها لام الابتداء، أشبعت فتحتها، ومثّل لهذا الرأي بأدلته، ثم رجَّح الشيخ عطية أنها لتوكيد القسم، وبذلك خالف شيخه في توجيهه لها (٣). ويخالف شيخه أيضًا في التوجيهات البلاغية، فقد رأينا أن الشيخ الإمام الشنقيطي قد أنكر المجاز في القرآن الكريم، وربما سمّاه بغير اسمه، كأن يقول: من أساليب العربية، إلا أننا نجد الشيخ عطية يأخذ بها ويذكرها في مواضعها، فمثلًا

стр. 1613

عند قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١]. يقول: "وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي وهي تشبيه صورة بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان" (١). وعند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥]. يقول: "والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه من قبيل التشبيه التمثيلي، لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتبًا نافعة، والحاملِ حمارًا لا علاقة له بها" (٢). وهو يوافق برأيه رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني -رحمهما الله-. وتحدث عن رأي البلاغيين في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، ويذكر رأي السعد في التلخيص (٣). فالشيخ لا ينكر الاستعارة والمجاز، وقد سمعت له درسًا عبر (المذياع) من مسجد رسول الله ﷺ وهو يتحدث عن (ضالة الإبل) وما جاء من خبرها في حديث رسول الله ﷺ الذي يرويه زيد بن خالد الجهني، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عما يلتقطه، فقال: "عَرِّفها سنةً، ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها"، قال: يا رسول الله! فضالّةُ الغنم؟ قال: "لك أو لأخيك أو للذئب"، قال: ضالَّةُ الإبل؟ فتمعَّر وجه النبي ﷺ فقال: "ما لَكَ ولها معها حذاؤها وسقاؤها، تَرِدُ الماء وتأكل الشجر" (٤). فقال الشيخ ﵀ عند قوله: "وحذاؤها" ذكرُ الحذاء وهو للإنسان من باب الاستعارة. ويمكن أنْ تضاف بعض الميزات لمنهج الشيخ عطية عن منهج شيخه -رحمهما الله- بالإضافة لما سبق ذكره، ومن هذه الميزات:

стр. 1614

ميزات تفسير الشيخ عطية: ١ - يعد تفسيره أقرب إلى روح الموضوعية من شيخه، ويظهر ذلك من خلال الحس التفسيري الجيد للشيخ ﵀ من خلال مراعاة: التناسب بين السور مثلا، فنجده مثلًا يربط بين سورتي الطلاق والتغابن فيقول: "لو أخذنا بعين الاعتبار النسق الكريم بين السورتين، حيث كان آخرَ ما قَبْلَها موضوعُ الأولادِ والزوجاتِ من فتنةٍ وعداءِ، والإشارةُ إلى علاج ما بين الزوجين من إنفاق وتسامح على ما أشرنا إليه سابقًا هناك، فإنْ صَلُح ما بينهما بذاك فبها ونعمت، وإن تعذَّر ما بينهما وكانت الفُرقة مُحَتَّمَةً، فجاءت هذه السورة على إثرها تبين طريقةَ الفُرقة السليمة في الطلاق وتشريعه وما يتبعه مِن عِدَدٍ وإنفاق ونحو لك" (١). وكذلك فعل بين سورتي البروج والانشقاق، يقول: "وبمناسبة ارتباط السور بعضها ببعض، فإن بعض المفسرين يقول: لمّا ذَكَرَ مآل الفريقين، وتطايُرَ الصحف في السورة الأولى، ذَكَرَ هنا عملًا من أشد أعمال الكفار مع المؤمنين في قصة الأخدود. والذي يظهرُ أقوى من هذا، هو -والله تعالى أعلم- أنه لما ذكر سابقًا انفطار السماء، وتناثر النجوم، وانشقاق السماء، وإذنها لربها وحُقَّ لها ذلك، جاء هنا بيانُ كُنْهِ هذه السماء، أنها عظيمة البنية بأبراجها الضخمة، أو بروجها الكبيرة، فهي مع ذلك تأذن لربها وتطيع، وتنشق لهول ذلك اليوم وتنفطر، فأولى بك أيها الإنسان، والله تعالى أعلم" (٢). وكذلك فعل بين سورتي الضحى مع الليل، حيث قال: "والواقع أن مناسبات السور القصار، أظهرُ من مناسبات الآي في السورة الواحدة، كما بين هاتين السورتين ﴿وَاللَّيْلِ﴾ مع ﴿وَالضُّحَى﴾ ثم ما بين ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ إنها تتمة النعم التي يعدد الله بها على رسوله" (٣).

стр. 1615

وكذلك يوجه فواصل الآيات أحيانًا حسب السياق ولا يقول بمراعاة فواصل الآي. فعند قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ [البروج: ١٩]. نقل رأي الكرماني في المقارنة بين آية الانشقاق ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ [الانشقاق: ٢٢] بأن المغايرة بين الفاصلتين لمراعاة رؤوس الآي والفواصل ثم قال: "ولكن الظاهر من السياق في الموضعين مراعاة السياق لا فواصل الآي، لأن في سورة الانشقاق الحديث مع المشركين ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ [الانشقاق: ١٩ - ٢٢]، وفي سورة البروج هنا ذكر الأمم من فرعون، وثمود، وأصحاب الأخدود، والمشركين في مكة، ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ فناسب هذا هنا، وناسب ذاك هناك، والله أعلم" (١). وكذلك فهو يحاول أن يربط بين القسم والمقسم به وهو السورة، فيقول: "وبعد التأمل ظهر -والله تعالى أعلم- أنه سبحانه لا يقسم بشيء في موضع دون غيره، إلا لغرض يتعلق بهذا الموضع، يكون بين المقسم به، والمقسم عليه مناسبة وارتباطٌ، وقد يظهر ذلك جليًّا وقد يكون خفيًا، وهذا فعلًا ما تقتضيه الحكمة والإعجاز في القرآن، وإن كنت لم أقف على بحث فيه" (٢). وعند تفسير سورة العصر يقول مثلًا: "فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان الغاليةُ عليه مِن خُسْرٍ، إلا من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، والعصر المعاصرُ للإنسان طيلة حياته وهو محلُّ عمله، الذي به يخسر ويربح، وهو معاصرٌ له وأصدقُ شاهد عليه، فكان القسم في العصر على الربح والخسران أنسبُ ما يكون بينهما، إذ جُعِلَت حياة الإنسان كسوق قائمة، والسلعةُ فيه العمل، والعامل هو الإنسان. كما
следующие страницы →