← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، يقول: "وللشيخ -رحمه الله تعالى- كلام مقنع على هذه المسألة (المشاركة في الأموال) في سورة الزخرف على قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]، نسوق نصه لأهميته، قال ﵀: مسألة ... " (١). وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، يقول: "قال الشيخ -رحمه الله تعالى- في المقدمة: إن السنّة كلها مندرجة تحت هذه الآية الكريمة، أي أنها ملزمةٌ للمسلمين العملَ بالسنّة النبوية ... " (٢). وعند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]. يقول الشيخ عطية ﵀: "بيّن الشيخ -رحمةُ الله تعالى علينا وعليه- معنى الأميين في مذكرة الدراسة بقوله: الأميين: أي العرب. والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان كثير من العرب" (٣). وعند قوله: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، يقول: "قال الشيخ -رحمه الله تعالى علينا وعليه-: أي: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أولياء لله، وأبناء الله وأحباؤه دون غيركم من الناس، فتمنوا الموت؛ لأن وليَّ الله حقًّا يتمنى لقاءه، والإسراع إلى ما أعدّ له من النعيم المقيم" (٤). وقد تأثر أيضًا برأي شيخه -رحمهما الله- بالقول في تناوب حروف الجر في القرآن، فعند قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ [المرسلات: ٦]، يقول: "و (أو) في قوله:

стр. 1612

﴿أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ بمعنى الواو، أي: لأجل الإعذار والإنذار، ومجيء (أو) بمعنى الواو، كمجيء ذلك في قول عمرو بن معدي كرب: قومٌ إذا سمعوا الصريخَ رأيتَهُم ... ما بين مُلْجِيمٍ مُهْرَهُ أو سافِعِ أي: وسافع" (١). ومع ذلك نجد الشيخ ﵀ يخالف شيخه ﵀ في بعض القضايا: فمثلًا في قضية (المشاقة) في سور الحشر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] يخالف شيخه في بعض القضايا المنطقية مثل: تخلف الحكم عن العلة لسبب من الأسباب، مثل هذه الآية، فالعلة هي مشاقة الله ورسوله، وقد توجد في قوم يشاقون الله ورسوله مع تخلف حُكْمِها عنها، وهو التخريب، ويرى الشيخ عطية أن تخلف الحكم عن العلة في غير اليهود، وإنما هو لتخلفِ جزء منها، وأن العلة ومُرَكَّبَةٌ، أي: هي في اليهود مُشَاقَّةٌ وزيادة، تلك الزيادة لم توجد في غير اليهود، فوقع الفرق (٢). كما خالفه في (لا) في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١] حيث ذكر توجيهات شيخه لهذه الـ (لا) حيث رجح شيخه أنها لام الابتداء، أشبعت فتحتها، ومثّل لهذا الرأي بأدلته، ثم رجَّح الشيخ عطية أنها لتوكيد القسم، وبذلك خالف شيخه في توجيهه لها (٣). ويخالف شيخه أيضًا في التوجيهات البلاغية، فقد رأينا أن الشيخ الإمام الشنقيطي قد أنكر المجاز في القرآن الكريم، وربما سمّاه بغير اسمه، كأن يقول: من أساليب العربية، إلا أننا نجد الشيخ عطية يأخذ بها ويذكرها في مواضعها، فمثلًا

стр. 1613

عند قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١]. يقول: "وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي وهي تشبيه صورة بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان" (١). وعند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥]. يقول: "والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه من قبيل التشبيه التمثيلي، لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتبًا نافعة، والحاملِ حمارًا لا علاقة له بها" (٢). وهو يوافق برأيه رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني -رحمهما الله-. وتحدث عن رأي البلاغيين في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، ويذكر رأي السعد في التلخيص (٣). فالشيخ لا ينكر الاستعارة والمجاز، وقد سمعت له درسًا عبر (المذياع) من مسجد رسول الله ﷺ وهو يتحدث عن (ضالة الإبل) وما جاء من خبرها في حديث رسول الله ﷺ الذي يرويه زيد بن خالد الجهني، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عما يلتقطه، فقال: "عَرِّفها سنةً، ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها"، قال: يا رسول الله! فضالّةُ الغنم؟ قال: "لك أو لأخيك أو للذئب"، قال: ضالَّةُ الإبل؟ فتمعَّر وجه النبي ﷺ فقال: "ما لَكَ ولها معها حذاؤها وسقاؤها، تَرِدُ الماء وتأكل الشجر" (٤). فقال الشيخ ﵀ عند قوله: "وحذاؤها" ذكرُ الحذاء وهو للإنسان من باب الاستعارة. ويمكن أنْ تضاف بعض الميزات لمنهج الشيخ عطية عن منهج شيخه -رحمهما الله- بالإضافة لما سبق ذكره، ومن هذه الميزات:

стр. 1614

ميزات تفسير الشيخ عطية: ١ - يعد تفسيره أقرب إلى روح الموضوعية من شيخه، ويظهر ذلك من خلال الحس التفسيري الجيد للشيخ ﵀ من خلال مراعاة: التناسب بين السور مثلا، فنجده مثلًا يربط بين سورتي الطلاق والتغابن فيقول: "لو أخذنا بعين الاعتبار النسق الكريم بين السورتين، حيث كان آخرَ ما قَبْلَها موضوعُ الأولادِ والزوجاتِ من فتنةٍ وعداءِ، والإشارةُ إلى علاج ما بين الزوجين من إنفاق وتسامح على ما أشرنا إليه سابقًا هناك، فإنْ صَلُح ما بينهما بذاك فبها ونعمت، وإن تعذَّر ما بينهما وكانت الفُرقة مُحَتَّمَةً، فجاءت هذه السورة على إثرها تبين طريقةَ الفُرقة السليمة في الطلاق وتشريعه وما يتبعه مِن عِدَدٍ وإنفاق ونحو لك" (١). وكذلك فعل بين سورتي البروج والانشقاق، يقول: "وبمناسبة ارتباط السور بعضها ببعض، فإن بعض المفسرين يقول: لمّا ذَكَرَ مآل الفريقين، وتطايُرَ الصحف في السورة الأولى، ذَكَرَ هنا عملًا من أشد أعمال الكفار مع المؤمنين في قصة الأخدود. والذي يظهرُ أقوى من هذا، هو -والله تعالى أعلم- أنه لما ذكر سابقًا انفطار السماء، وتناثر النجوم، وانشقاق السماء، وإذنها لربها وحُقَّ لها ذلك، جاء هنا بيانُ كُنْهِ هذه السماء، أنها عظيمة البنية بأبراجها الضخمة، أو بروجها الكبيرة، فهي مع ذلك تأذن لربها وتطيع، وتنشق لهول ذلك اليوم وتنفطر، فأولى بك أيها الإنسان، والله تعالى أعلم" (٢). وكذلك فعل بين سورتي الضحى مع الليل، حيث قال: "والواقع أن مناسبات السور القصار، أظهرُ من مناسبات الآي في السورة الواحدة، كما بين هاتين السورتين ﴿وَاللَّيْلِ﴾ مع ﴿وَالضُّحَى﴾ ثم ما بين ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ إنها تتمة النعم التي يعدد الله بها على رسوله" (٣).

стр. 1615

وكذلك يوجه فواصل الآيات أحيانًا حسب السياق ولا يقول بمراعاة فواصل الآي. فعند قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ [البروج: ١٩]. نقل رأي الكرماني في المقارنة بين آية الانشقاق ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ [الانشقاق: ٢٢] بأن المغايرة بين الفاصلتين لمراعاة رؤوس الآي والفواصل ثم قال: "ولكن الظاهر من السياق في الموضعين مراعاة السياق لا فواصل الآي، لأن في سورة الانشقاق الحديث مع المشركين ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ [الانشقاق: ١٩ - ٢٢]، وفي سورة البروج هنا ذكر الأمم من فرعون، وثمود، وأصحاب الأخدود، والمشركين في مكة، ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ فناسب هذا هنا، وناسب ذاك هناك، والله أعلم" (١). وكذلك فهو يحاول أن يربط بين القسم والمقسم به وهو السورة، فيقول: "وبعد التأمل ظهر -والله تعالى أعلم- أنه سبحانه لا يقسم بشيء في موضع دون غيره، إلا لغرض يتعلق بهذا الموضع، يكون بين المقسم به، والمقسم عليه مناسبة وارتباطٌ، وقد يظهر ذلك جليًّا وقد يكون خفيًا، وهذا فعلًا ما تقتضيه الحكمة والإعجاز في القرآن، وإن كنت لم أقف على بحث فيه" (٢). وعند تفسير سورة العصر يقول مثلًا: "فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان الغاليةُ عليه مِن خُسْرٍ، إلا من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، والعصر المعاصرُ للإنسان طيلة حياته وهو محلُّ عمله، الذي به يخسر ويربح، وهو معاصرٌ له وأصدقُ شاهد عليه، فكان القسم في العصر على الربح والخسران أنسبُ ما يكون بينهما، إذ جُعِلَت حياة الإنسان كسوق قائمة، والسلعةُ فيه العمل، والعامل هو الإنسان. كما

стр. 1616

قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠، ١١] " (١) وهي محاولة قيمة تدل على دراية هذا الشيخ ﵀ بعلوم التفسير فضلًا على الحس التفسيري السليم لديه. ٢ - ومما امتاز به هذا التفسير من تفسير شيخه أنه يربط الآيات القرآنية بالواقع الذي نعيشه، وهذا ملحظ هام وميزة تسجل للشيخ ﵀ فعند قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] يقول: "وما أشبه الليلة بالبارحة فيما يعيشه العالم الإسلامي اليوم بين الاتجاهين المتناقضين الشيوعي والرأسمالي، وما أثبته الواقع من أن المعسكر الشيوعي الذي أنكر وجود الله، وكفر بالذي خلقه من تراب ... فإنه مفتقر لكافة الأمم الأخرى في استيراد القمح" (٢). وعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩] يتحدث عن الوأد الحديث المتمثل في منع الحمل وأن منشأ الدعوة من اليهود (٣). وعند الآيات الأولى من سورة المطففين يربط بين التطفيف وبين أكل أموال الناس بغير حق أيا كان هو وبأي وجه يكون ذلك (٤). وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥] يربط الآية في الرد على أولئك الذين يقولون بوحدة الأديان، وبأن في هذه الدعوة حقًّا وباطلًا (٥). وهكذا نجد الشيخ ﵀ يربط بين هذه الآيات وبين الواقع الذي تعيشه الأمة (٦).

стр. 1617

ويشارك الشيخ عطية شيخه الشنقيطي -رحمهما الله- في منهجه في التفسير حيث يترك تفسير بعض الآيات، ويستطرد في أحكام وتفصيلات عند بعض الآيات. فمثلًا في سورة الحشر لم يفسر الآيات (٩ - ١٧) من سورة الحشر، ولكنه يستطرد في مواقع أخرى منها. في الآية الأولى من سورة الحشر يستطرد في الحديث عن قضية التسبيح وإثبات أنها كانت بدلالة المقال فضلًا عن الحال (١). وكذلك في الحديث عن أقسام سنّة النبي ﷺ (٢). وكذلك في الحديث عن أحكام الزكاة والشهادة (٣). وكذلك في المساجد وأحكامها (٤). ومسألة الاحتفال بالمناسبات الدينية (٥). وكروية الأرض (٦). ومباحث تتعلق بالعلم (٧). وأحكام الرياء والعارية (٨) وأحكام السحر والحسد (٩).

стр. 1618

ومما يؤخذ على الشيخ ﵀ في تفسيره: - يقول إن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] نسخ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١). ولا نسخ على الإطلاق كما يقول جمهور العلماء فالآية محكمة، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو ما نستطيع. وعليه فلا تعارض (٢). - ويؤخذ على الشيخ أنه قد يذكر القراءات دون أن يميز بين المتواتر منها والشاذ: فعند قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، قال: "وقُرِئ بكسر (همزة أيمانهم) من الإيمان ضد الكفر، أي: ما أظهروه من أمور الإسلام" (٣). وهذه القراءة غير متواترة. وكذلك فعل عند قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال: "قرئ يهدأ بالهمز من الهدوء، وقلبُه بالرفع وهي بمعنى يسكن قلبه" (٤). وهي ليست متواترة أيضًا. ويظهر أن الشيخ لم يكن كشيخه -رحمهما الله- ذا باعٍ عريض في القراءات. - لم يخرج حديث: إذا ذكر القضاء فأمسكوا (٥). - يتكلف أحيانًا في عرض بعض القضايا المنطقية كما فعل في الربط بين حديث: "الدين حسن الخلق" والآية الكريمة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾

стр. 1619

[البقرة: ١٧٧] , فيتحدث عن (الماصدق) و (القياس الاقتراني) ويربطهما بالاية والحديث (١). ثالثا: نماذج من تفسير الشيخ عطية محمد سالم ﵀: عند قوله تعالى في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] يقول: "لقد استوقفني طويلًا مجيء هذه الآيات في نهاية هذه السورة تذييلًا لها وختامًا، وبأسلوب الإجمال والتفصيل لقضايا التوحيد وإقامة الدليل، وإلزام أهل الإلحاد والتعطيل، فمكثتُ طويلًا أتطلب ربطها بما قبلها، فلم أجد في كل ما عثرت عليه من التفسير أكثرَ من شرح المفردات، وإيراد بعض التنبيهات، مما لا ينفذُ إلى أعماق الموضوع، ولا يشفي غليلًا في مجتمعاتنا الحديثة، أو يُذْهِبُ شُبَهَ المدنية المادية، فرجعت إلى السورة بكاملها أتأمل موضوعها، فإذا بها تبدأ أولًا بتسبيح العوالم كلها لله العزيز الحكيم، وهو أمرٌ فوق مستوى الإدراك الإنساني، ثم تسوق أعظم حدث تشهدُهُ المدينة بعد الهجرة من إخراج اليهود، ولم يكن مظنونًا إخراجهم، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فكانوا موضع العبرة والعظة، ثم تأتي لموقف فريقين متقابلين، فريق المؤمنين والكافرين، يتمثل الفريق الأول في المهاجرين والأنصار، وما كانوا عليه من أُخوَّة ومودة، ورحمة، وعطاء، وإيثار على النفس، ويتمثل الفريق الآخر في المنافقين واليهود، وما كان بينهم من مواعدةٍ وإغراءٍ وتحريض ثم تَخَلٍّ عنهم وخذلانٍ لهم. فكان في ذلك تصوير لحزبين متقابلين متناقضين، حزب الرحمن، وحزب الشيطان، ثم تأتي إلى مقارنة أخرى بين نتائج هذين الجزءين ومنتهاهما وعدم

стр. 1620

استوائهما وفي ذلك تقرير المصير ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ٢٠]. وهنا وقفة لتأمل اجتماع تلك الصفات معًا (عالم الغيب الشهادة، والملك القدوس، والسلام المهيمن) فنجدها مترابطة متلازمة، لأن العالم إذا لم يملك التصرف ولم يهيمن على شيء فلا فعالية لعلمه ... فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات: العلم والملك والتقديس والهيمنة، حصل الكمال والجلال، ولا يكون ذلك إلا لله وحده العزيز الجبار المتكبر، ولا يُشْرِكُه أحدٌ في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وهنا وفي نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله، فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد، والبارئ: الموجِد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، والمصور: المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، والمهيمن: يُسَيِّرُ ما يوجِدُه على مقتضى ما يقدره، والمتكبر: الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق. وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم، وانتزاع الاعتراف والتسليم ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ وهو أعظم دليل كما تقدم ... وهنا عودٌ على بدء يختم السورة بما بدأت به مع بيان موجباته واستحقاقه وآيات وحدانيته، سبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم" (١). وعند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] يقول: "قال الشيخ -رحمةُ الله تعالى علينا وعليه- في إملائه: (وهذا مثلٌ ضربه الله لليهود، وهو أنّه شبههم بحمار، وشبّه التوراة التي كلفوا العملَ بما فيها بأسفار، أي: كُتُبٍ جامعة للعلوم النافعة. وشبّه تكليفهم بالتوراة بحمل ذلك الحمار لتلك الأسفار، فكما أن الحمار لا ينتفع بتلك العلوم النافعة التي

стр. 1621

في تلك الكتب المحمولة على ظهره، كذلك اليهود لم ينتفعوا بما في التوراة من العلوم النافعة، لأنهم كلفوا باتباع محمد ﷺ وإظهار صفاته للناس فخانوا، وحرّفوا وبدّلوا فلم ينفعهم ما في كتابهم من العلوم) والذي ينبغي التنبيه عليه هو أن أكثر المفسرين يجعله من قبيل التشبيه المفرد، وأن وجه الشبه فيه مفرد، وهو عدم الانتفاع بالمحمول كالبيت الذي فيه: كالعيسِ في البيداء يقتلُها الظَّمَا ... والماءُ فوقَ ظهورِها محمولُ والذي يظهر -والله أعلم- أنه من قبل التشبيه التمثيلي، لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتبًا نافعة، والحاملِ حمارًا لا علاقة له بها بخلاف ما في البيت، لأن العيس يمكن أن تنتفع بالماء لو حصلت عليه، والحمار لا ينتفع بالأسفار ولو نشرت بين عينه، وفيه إشارة إلى أن من موجبات نقل النبوة عن بني إسرائيل كُلِّيَّةً أنهم وصلوا إلما حدّ الإلباس من انتفاعهم بأمانة التبليغ والعمل، فنقلها الله إلى قوم أحقَّ بها، وبالقيام بها" (١). ورحم الله الشيخ عطية رحمةً واسع فجلُّ المفسرين الذين لهم عناية بالقضايا البيانية عَدُّوا التشبيه في هذه الآية الكريمة تشبيه تمثيل، وكذلك البيت الذي ذكره الشيخ ﵀ وقال إنه من قبيل التشبيه المفرد وهو في الحقيقة تشبيه تمثيل كذلك. وعند قوله تعالى في سورة الشرح ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ يقول: "ذكر تعالى هنا ثلاث مسائل: شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر. وهي وإن كانت مُصَدَّرَةٌ بالاستفهام فهو استفهام تقريري لتقرير الإثبات، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بمعنى: شرحنا على المبدأ المعروف من أن نفي النفي إثبات، وذلك لأن همزة الاستفهام

стр. 1622

وهي في معنى النفي دخلت على (لم) وهي للنفي، فترافعا فبقي الفعل مثبتًا، قالوا: ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. وقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] وعليه قول الشاعر: ألستُم خيرَ مَن ركبَ المطايا ... وأَنْدَى العالمينَ بطونَ راحِ فتقرر بذلك أنه تعالى يُعَدِّد عليه نعمه العظمَى، وقد ذكرنا سابقًا ارتباط هذه السورة بالتي قبلها (الضحى) في تتمة نِعَم الله تعالى على رسوله" (١). ذلكم هو تتمة تفسير الشيخ عطية ﵀ وقد وجدنا أنه مع إجلاله لشيخه وبرّه به في زمن قد قل فيه الوفاء من التلميذ لشيخه، وهو أمرٌ يحمدُ الشيخ عليه، أقول: مع ذلك كله إلا أننا نجد للشيخ ميزات في تفسيره تختلف عما في تفسير شيخه، وهذه قضية تربوية تدل على أصالة التفكير عندنا. فإجلال التلميذ لشيخه لا يمنع من أن يخالفه في بعض القضايا، وأن يكون له اتجاه فيما كتب. فرحم الله الشيخين رحمةً واسعة وجعل عملهما المبارك في ميزان أعمالهما إنه سميع مجيب.

стр. 1623

منهج الأستاذ محمد عزة دروزة ﵀ (ت ١٩٨٤ م) في التفسير الحديث

стр. 1624

التفسير الحديث التعريف بالمؤلف: محمد عزة بن عبد الهادي دروزة (٢١ حزيران ١٨٨٧/ ٢٦ تموز ١٩٨٤). مفكر وكاتب ومناضل قومي عربي فلسطيني، وُلد في نابلس وتوفي في دمشق. إضافة إلى نضاله السياسي، كان أديبًا ومؤرخًا وصحفيًا ومترجمًا ومفسرًا للقرآن. هو أحد مؤسسي الفكر القومي العربي إلى جانب ساطع الحصري وزكي الأرسوزي. اتخذ نضاله شكلًا وحدويًا تجاوز ظروف التجزئة والحدود المصطنعة، فشارك في تأسيس ونشاط الجمعيات والأحزاب الاستقلالية العربية الوحدوية النضالية في سورية الكبرى (قبل تقسيمها من قِبَل الاستعمار عام ١٩٢٠)، مثل جمعية الفتاة العربية وحزب الاستقلال العربي. هو أحد أعضاء المؤتمر السوري العام (١٩١٩ م) وسكرتير الجمعية التأسيسية، وأحد واضعي الدستور السوري الأول. عارض سياسة التتريك وقاد العديد من النشاطات المناهضة للانتداب البريطاني على فلسطين وسياسة تقسيم الأراضي العربية، وتوقع توحيد سوريا ومصر في خمسينيات القرن العشرين. تعتبر سيرته الذاتية تأريخًا لمسيرة الحركة الوطنية النضالية والاستقلالية والوحدوية خلال القرن العشرين. ترك دروزة أكثر من خمسين كتابًا في علوم شتى تتعلق بالعروبة والإسلام والتاريخ العام، ومنها سلسلة كتب في تاريخ الحركة العربية وأصول القومية العربية والوحدة العربية. تعد مؤلفاته وبالذات كتاب "الوحدة العربية" من أهم ما كتب عن القومية العربية وعن طرق تحقيق الوحدة العربية. المولد والنشأة: في مدينة نابلس بفلسطين كان مولد محمد عزة دروزة في (١١ من شوال ١٣٠٥ هـ / ٢١ من يونيو ١٨٨٧ م) ونشأ في أسرة كريمة من قبيلة "الفريحات" التي

стр. 1625

كانت تسكن الأردن وانحدرت إلى فلسطين واستوطنت نابلس، وكان والده يعمل في تجارة الأقمشة في نابلس، وتلقى دروزة تعليمه في المدارس الابتدائية، وحصل على الشهادة الابتدائية في سنة ١٣١٨ هـ/ ١٩٠٠ م، ثم التحق بالمدرسة الرشيدية في نابلس، وهي مدرسة ثانوية متوسطة، وتخرج فيها بعد ثلاث سنوات، حاصلًا على شهادتها. في ميدان العمل: ولم تمكنه ظروف أسرته المادية من استكمال دراسته، فاكتفى بهذا القدر من الدراسة النظامية، والتحق بالعمل الحكومي موظفًا في دائرة البرق والبريد بنابلس (١٣٢٤ هـ/ ١٩٠٦ م)، ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مديرية البرق والبريد سنة (١٣٣٣ هـ / ١٩١٤ م) ثم أصبح مديرًا لها، ثم رُقِّي مفتشًا لمراكز البرق والبريد المدنية في صحراء سيناء وبئر السبع، وظل يترقى في وظائفه حتى أصبح في سنة (١٣٤١ هـ/ ١٩٢١ م) سكرتيرًا لديوان رئيس الأمير عبد الله أمير شرقي الأردن، لكنه تركه بعد شهر، واتجه إلى ميدان التعليم. وقد حفزه عدم إتمام الدراسة على إكمال ثقافته، وتغطية جوانب النقص بها بالقراءة والاطلاع الدؤوب، قرأ ما وقع تحت يديه من كتب مختلفة في مجالات الأدب والتاريخ والاجتماع والحقوق سواء ما كان فيها باللغة العربية أو بالتركية التي كان يجيدها، ويسّرت له وظيفته في مصلحة البريد أن يطلع على الدوريات المصرية المتداولة في ذلك الوقت كالأهرام والهلال والمؤيد والمقطم والمقتطف، وكان البريد يقوم بتوزيع هذه الصحف على المشتركين بها، وهذه الدوريات كانت تحمل زادًا ثقافيًا متنوعًا، ففتحت آفاق الفكر أمام عقل الشاب النابه، ووسعت مداركه، وصقلت مواهبه، وأوقفته على ما يجري في أنحاء الدولة العثمانية من أحداث. وفي أثناء هذه الفترة التي عملها بدائرة البرق والبريد اتصل بالصحافة، وبدأت محاولاته الأولى في الكتابة، فشارك في تحرير جريدة "الإخاء العثماني" التي كان يصدرها في بيروت أحمد شاكر الطيبي، وكان يترجم لها فصولًا مما ينشر في

стр. 1626

الصحف التركية عن أخبار الدولة العثمانية وأحوال الحركة العربية، وكان يخص جريدة "الحقيقة" البيروتية، التي كان يصدرها كمال بن الشيخ عباس بمقال أسبوعي يتناول موضوعًا اجتماعيًا أو وطنيًا، وشارك أيضًا بالكتابة في جريدة فلسطين التي كان يصدرها عيسى العيسى في يافا، وجريدة الكرمل التي كان يصدرها نجيب نصار في حيفا. في ميدان التربية والتعليم: انتقل دروزة مع فرض الانتداب البريطاني في فلسطين سنة ١٣٤٢ هـ / ١٩٢٢ م إلى ميدان التربية والتعليم، فتولى إدارة مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، وتحولت المدرسة على يديه إلى مركز من مراكز الوطنية إلى جانب رسالتها التعليمية والتربوية، فكانت تلقن طلابها حب العرب والعروبة، وتشعل في قلوبهم جذوة الوطنية، وتضع البرامج التي تغذي فيها الاعتزاز بالأمجاد العربية والإسلامية. وكانت لدروزة خلال إدارته المدرسة محاضرة أسبوعية في الأخلاق والاجتماع، يلقيها على طلاب الصفوف الثانوية، وظل ملتزمًا بهذا العمل خمس سنوات متصلة، ولم تشغله أعباء المدرسة عن كتابة المقالات الاجتماعية والتربوية، التي كان يمد بها مجلات "الكشاف" في بيروت، و"المرأة الجديدة" في القاهرة، ونشر مقالات سياسية في جريدتي "الجامعة العربية" و"القدس" في فلسطين. وأدت جهوده في السنوات الخمس التي تولى فيها إدارة المدرسة إلى تحسين نظمها وارتقاء مناهجها حتى أصبحت ذات مكانة كبيرة وتجلى أثره في توجيهها الوطني حيث تخرج في عهد رئاسته، وتتلمذ على يديه كثير من شباب فلسطين الذين كان لهم دور بارز في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية. الحفاظ على الأوقاف الفلسطينية: انتقل دروزة في سنة ١٣٤٧ هـ / ١٩٢٨ م إلى العمل في إدارة الأوقاف الإسلامية، حيث عُيِّن مأمورًا للأوقاف في نابلس، ثم رُقَي في سنة ١٣٥١ هـ/

стр. 1627

١٩٣٢ م مديرًا عامًا للأوقاف الإسلامية في فلسطين، وظل يشغل هذا المنصب حتى اندلاع المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية التي كانت قد شبّت في سنة ١٣٥٥ هـ/ ١٩٣٦ م، ولما كان دروزة من القائمين عليها أصدرت إدارة الانتداب البريطاني قرارًا بعزله عن منصبه في سنة ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧ م، وقرارًا آخر بمنعه من العودة إلى فلسطين حيث كان خارجها عند استئناف الثورة، ومن ذلك التاريخ ابتعد دروزة عن تولي الوظائف الحكومية والأهلية. مشاركته في الحركة القومية: بدأ نشاط محمد عزة دروزة في ميدان الحركة الوطنية مبكرًا في سنة ١٣٢٧ هـ / ١٩٠٩ م، وشارك في إنشاء الجمعيات الوطنية والأحزاب السياسية، وشارك بتأليف الروايات القومية والمسرحيات التي تمجد العروبة، وتعبّر عن المطامح القومية والرغبة في النهوض، وتبوأ المكانة اللائقة، مثل رواية "وفود النعمان على كسرى أنوشروان سنة ١٣٣٣ هـ/ ١٩١١ م، و"السمسار وصاحب الأرض" سنة ١٣٣٣ هـ / ١٩١٣ م. وأتاح له عمله المتجول الاتصال بكثير من الشخصيات الوطنية والقومية البارزة وتشكيل الجمعيات الوطنية، التي أصبحت قاعدة الحركة الوطنية في فلسطين مثل "الجمعية الإسلامية المسيحية" وتولى سكرتيريتها، حتى يشعر العالم بأن المعارضة للمطامع الصهيونية من المسلمين والمسيحيين على السواء، وأن دروزة من الداعين إلى توحيد الجمعيات الوطنية التي تعمل في أنحاء فلسطين والتنسيق بين جهودها؛ فعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس في ربيع الأول ١٣٣٧ هـ/ يناير ١٩١٩ م برئاسة عارف الدجاني، وكان أهم ما صدر عن المؤتمر التأكيد على المطالب القومية في الاستقلال والوحدة واعتبار فلسطين جزءًا من سورية، ورفض المطامع الفرنسية وتجديد العلاقات مع بريطانيا على أساس التعاون فقط، وعدم قبول أي وعد أو معاهدة جرت بحق البلاد ومستقبلها، وتولى دروزة

стр. 1628

مع زميل له إعداد مذكرة بخصوص هذا الشأن وتقديمها إلى الحاكم العسكري للبلاد لإرسالها إلى الحكومة في بريطانيا، وإلى مؤتمر السلم المنعقد في باريس، وانغمس دروزة في النشاط الوطني الفلسطيني منذ أن استقر في نابلس، فشارك بجهود مشكورة في انعقاد المؤتمرات السياسية التي كانت تخطط للحركة الوطنية وتتابع نشاطها، وكان على رأس المقاومين للسياسة البريطانية ومشروعاتها المختلفة، فقام مع رفاقه بحركة مقاطعة الدستور وانتخاب مجلس تشريعي مغلول اليد؛ الأمر الذي ترتب عليه وأد الفكرة وقتلها في مهدها، وقاد مظاهرات مختلفة ضد السياسة البريطانية، وأدى هذا إلى اعتقاله، وتقديمه للمحاكمة، والحكم عليه بالسجن، مثلما حدث له في سنة ١٣٥٣ هـ / ١٩٣٤ م، وكان دروزة أحد قادة ثورة فلسطين في سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٦ م حيث دعت إلى الإضراب العام، وتحول الإضراب إلى ثورة شعبية كاسحة. ومالَ دروزة إلى اتخاذ إجراءات متصاعدة ضد السلطة البريطانية ما لم تستجب لمطالب البلاد، ولم تجد بريطانيا لمواجهة هذه الثورة بُدًّا من اعتقاله هو وزملائه، ولما تجددت الثورة سنة ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧ م كان المسؤول عن التخطيط السياسي للثورة الفلسطينية، وكانت تتلقى أوامرها من دمشق حيث كان يقيم دروزة، وغيره من القيادات الفلسطينية اللاجئين بها، وظل هناك قائما على أمر الثورة الفلسطينية حتى اعتقله الفرنسيون بتحريض من الإنكليز في ١٣٥٨ هـ/ ١٩٣٩ م، وحوكم أمام محكمة عسكرية فأصدرت عليه حكمًا بالسجن، ثم أُفرج عنه سنة ١٣٦٠ هـ/ ١٩٤١ م فذهب إلى تركيا لاجئًا، وقضى هناك أربع سنوات عاد بعدها إلى فلسطين، واستمر دروزة يقوم بدوره السياسي في خدمة القضية الفلسطينية حتى اشتد عليه المرض في سنة ١٣٦٧ هـ / ١٩٤٨ م، فاستقال من عضوية الهيئة العربية العليا لفلسطين وتفرغ للكتابة والتأليف، وقد سجل مذكراته في ستة مجلدات ضخمة، حوت مسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمان.

стр. 1629

إنتاجه الفكري: لم يحل انشغال دروزة بالحركة الوطنية الفلسطينية والمشاركة في قيادتها عن الكتابة والتأليف، فبدأ يؤلف خدمةً للحركة الوطنية والنهوض بطلاب العلم في المدارس، فكتب رواياته الوطنية التي تشعل الحماس في نفوس الناشئة، وألّف مختصرًا في تاريخ العرب، بعنوان "دروس التاريخ العربي" من أقدم الأزمنة حتى الآن"، وهو كتاب مدرسي للصفوف الابتدائية، وظل معتمدًا في جميع المدارس العربية والوطنية الخاصة في فلسطين، ثم اتجه إلى التأليف العام، وهو يدور في ثلاث دوائر يكمل بعضها بعضًا ويكمل كلّ منها رسالة الآخر. أما الدائرة الأولى فهي الدائرة الفلسطينية، وقد أسهم فيها بعدد من المؤلفات يأتي على قمتها مذكراته الضخمة التي تُعد أضخم عمل في هذا الباب من كتابه "المذكرات الشخصية"، كشفت جوانب غامضة، وأعانت على تفسير بعض القضايا المبهمة في مسيرة العمل الوطني الفلسطيني، وإلى جانب هذا العمل الكبير ألَّف كتبًا كثيرة تخدم القضية الفلسطينية، مثل: "القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها" و"مأساة فلسطين"، و"فلسطين" و"جهاد الفلسطينيين عبرة من تاريخ فلسطين"، "قضية الغزو الصهيوني"، "في سبيل فلسطين"، "فلسطين والوحدة العربية" و"من وحي النكبة صحفات مغلوطة" و"مهملة من تاريخ القضية الفلسطينية". أما الدائرة الثانية فهي الدائرة العربية، وأسهم فيها بمؤلفات متعددة منها: * تاريخ الجنس العربي في مختلف الأطوار والأدوار والأقطار من أقدم الأزمنة، وصدر في ثمانية أجزاء نحو ثلاثة آلاف صفحة. * العرب والعروبة في حقبة التغلب التركي، وصدر في تسعة أجزاء. * الوحدة العربية، في مجلد كبير، وقد نال عنه جائزة من المجلس الأعلى والفنون والآداب بمصر في سنة ١٩٠١ م. * حول الحركة العربية الحديثة، في ستة أجزاء.

стр. 1630

* نشأة الحركة العربية الحديثة، في مجلد واحد، تناول فيه أحوال العرب وتاريخ الدولة العثمانية، والجمعيات العربية التي كانت تطالب بالانفصال عن الدولة العثمانية. أما الدائرة الثالثة: فهي الدائرة الإسلامية، وشارك فيها بمؤلفات متعددة، يتصدرها عمله الكبير "الدستور القرآني والسنّة النبوية في شؤون الحياة"، وطُبع في مجلدين كبيرين، أوضح فيه ما احتواه القرآن والسنّة النبوية من نظم لمختلف شؤون الحياة، ويمثل هذا المؤلف تحولًا كبيرًا في حياة مؤلفه بعد أن استوفى دراسات التاريخ القومي وقضايا المجتمع العربي، حيث اتسعت نظرته أنه لا نجاح للأمة العربية في تحقيق أهدافها دون التماس منهج القرآن والالتزام به. وله أيضًا "التفسير الحديث"، التزم فيه تفسير القرآن الكريم حسب ترتيب نزول السور، وبدأ في تأليفه عندما كان لاجئًا في تركيا، وصدر في ١٢ جزءًا، وشارك في كتابة السيرة النبوية بكتابه المعروف "سيرة الرسول ﷺ صورة مقتبسة من القرآن"، وصدر في مجلدين. وإلى جانب هذه الكتب الثلاثة الكبيرة له مؤلفات إسلامية متنوعة تواجه الاستشراق والتبشير مثل: "القرآن والمرأة"، "القرآن والضمان الاجتماعي"، "القرآن والمبشرون اليهود في القرآن الكريم". وفاته: وبعد هذه الحياة العريضة التي عاشها "محمد عزة دروزة" مناضلًا وكاتبًا، وافته المنية في دمشق بحي الروضة في يوم الخميس الموافق (٢٨ من شوال ١٤٠٤ هـ/ ٢٦ من يوليو ١٩٨٤ م). ومن هذه النبذة عن تاريخ حياته، ندرك أن الرجل كان ذا حيوية ونشاط هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يدخل معاهد علمية تتيح له الدراسة التخصصية، ولا

стр. 1631

ندري أيكون لهذا أثر على كتاباته العلمية، وذلك ما لا نريد أن نستعجل في الحكم عليه الآن. ونرى لزامًا علينا قبل أن نتحدث عن تفسيره، أن نتحدث عن كتابه القرآن المجيد ؛ لأنه في رأيي يلقي الضوء على كثير من آرائه في علوم القرآن وقضايا التفسير. القرآن المجيد: ولقد سافرت إلى دمشق لزيارة الرجل والتحدث معه، فكان حسن المقابلة كريم اللقاء. ودار الحديث حول التفسير والمفسرين، وعن طريقه وبعض آرائه، ولما كان هذا النقاش العملي لا تكفيه هذه الجلسة مع طولها، اقترح عليّ أن أقرأ كتابه، القرآن المجيد، قبل البدء بدراسة تفسيره؛ لأنه مقدمة لتفسيره - كما يقول - ضمنه آراءه وانتقاداته واعتراضاته. ولذلك لا بد من التحدث عن هذا الكتاب قبل البدء بالحديث عن التفسير. يشتمل هذا الكتاب الذي تربو صفحاته عن الثلاثمائة، على أربعة فصول: الأول: في أسلوب القرآن ووحيه وأثره. الثاني: في جمع القرآن وتدوينه وقراءاته ورسم المصحف وتنظيماته. الثالث: في الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره. الرابع: في نظرات وتعليقات على كتب المفسرين ومناهجهم. والذي يهمنا بالطبع الفصلان الأخيران، وقد شغلا أكثر من نصف صفحات الكتاب. ولا بأس قبل ذلك أن نشير إلى ما ذكره في الفصلين الأول والثاني. فقد تحدث في الفصل الأول عن أسلوب القرآن الكريم وأثره، وقد عرض في هذا الفصل لما ذكره المستشرقون والمبشرون من أن السيرة في العهد المدني قد تطورت، فقد انقلب النبي ﷺ من نبي إلى حاكم أو صار سلطانًا، وأن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها ودعا إليها في مكة وخالفها، وهو يقول إن السيرة قد

стр. 1632

تطورت بالفعل، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون قد انقلب إلى حاكم أكثر منه نبيًّا، والقول بأنه قد خالف المبادئ التي بشّر بها في مكة خطأ فاحش لا يستند إلى حق أو شبهة من حق. ويقول: "إن ما كان من تطور في السيرة النبوية المدنية في المرامي القرآنية المدنية، ليس هو تطورًا في معنى الانحراف عن الأصل المكي سيرةً وقرآنًا، وإنما هو في حدود هذا الأصل ونطاقه. فالقرآن، وإن كان دعا إلى ما دعا إليه ونهى عن ما نهى عنه بأسلوب الحث والتحريض والترغيب والترهيب ... فإنه انطوى على نواة الأمر والنهي والتشريع، ويأتي بأمثلة لذلك من القرآن الكريم" (١). وفي الفصل الثاني يذكر أن هناك روايات عديدة في تدوين القرآن: الأول: أنَّ النبي ﷺ توفي ولم يكن القرآن قد جُمع في شيء، وأن جمعه وترتيبه إنما كان بعد وفاة النبي ﷺ ، وأن ما دُوِّن في زمنه ﷺ إنما دُوِّن على وسائل بدائية كأكتاف العظام، ويذكر بعض الروايات في ذلك، منها ما يشير إلى أن ترتيب سور القرآن قد تم زمن الصحابة". الثاني: أن هناك روايات كثيرة عن وجود اختلاف في ترتيب مصاحف بعض الصحابة وعن كلمات زائدة كتبت في بعض المصاحف، وتُكتب في المصحف المتداول، وعن آيات كانت تُقرأ ولم تُكتب، وهذا يفيد أن القرآن الكريم لم يُجمع ويُرتَّب إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، وينقل روايات أوردها السيوطي، ومن هذه الروايات ما يدل على أن مصحف أبيّ بن كعب كان فيه سورتان هما سورة الخلع والحفد، وهناك روايات عديدة تفيد أن بعض الصحابة كانوا يقرؤون كلمات بدل كلمات، مثل (أيمانهما) بدل (أيدجهما) في آية السرقة.

стр. 1633

ويورد أحاديث نسخ المصاحف في عهد عثمان بن عفان؛ لأن فيها ما يفيد أن المسلمين كانوا يختلفون في قراءة القرآن، حتى أفزع اختلافهم عثمان وغيره من كبار الصحابة، وبالتالي هذا يفيد أن القرآن لم يكن في كتابته ومصاحفه وصحفه المتداولة وفي قراءته محررًا بحيث يؤمن معه ذلك الخلاف، ويورد بعض الروايات التي تتحدث عن النسخ زمن عثمان، منها ما رواه البخاري ومنها ما رواه غيره. الثالث: هناك روايات وأقوال يستفاد منها أن القرآن الكريم كان يُدوَّن ويُرتَّب آياته وسوره في حياة النبي ﷺ وبأمره، وأن ترتيب المصحف العثماني متصل بعهد النبي وتوقيفه. ويذكر روايات تدل لذلك. ثم يعلق على تلك الأقوال والروايات التي ذكرها، ويرجح أن تدوين وترتيب القرآن الكريم، إنما كان في عهد النبي ﷺ . ويذكر أن السورتين اللتين ورد ذكرهما في مصحف أبيّ (الحفد والخلع) هما دعاءا قنوت، وقد ورد أن عمر قنت بهما بعد قيامه من الركوع، وقد يكون أبيّ وَهَم - وهو يشك في ذلك - وظن أنهما من القرآن ثم رجع بعد ذلك لما ثبت له أنهما ليستا من القرآن الكريم. ويرد كذلك رواية مصحف علي ومخالفته لترتيب المصحف، ويقول لو ثبت هذا القول لعضّ عليه الشيعة بالنواجذ. وأورد بعد ذلك بعض المباحث الموجزة التي تتصل بالموضوع، منها ما يتعلق بأسماء السور، حيث يرى أنه كان للسور كلها أو كثير منها منذ عهد النبي أسماء تُذكر، وتُعرف بها (١) وتحدث عن الأسلوب المكي، والأسلوب المدني، وشكل المصاحف ونقطها وعلامات الوقف والوصل، ورسم المصحف العثماني والقراءات المشهورة (٢).

стр. 1634

أولا: الخطة المثلى لفهم القرآن: في الفصل الثالث يرسم المؤلف خطة مثلى في نظره لفهم القرآن وتفسيره، وكأنما جعلها شروطًا للتفسير، كما يعبر عنها العلماء، وهي تتضمن الأمور التالية مجتمعة: ١ - السيرة النبوية. ٢ - البيئة النبوية. ٣ - اللغة القرآنية. ٤ - الأسس والوسائل في القرآن. ٥ - القصص القرآني. ٦ - الملائكة والجن في القرآن. ٧ - مشاهد الكون ونواميسه في القرآن. ٨ - الحياة الأخروية في القرآن. ٩ - ذات الله في القرآن. ١٠ - تسلسل الفصول القرآنية وسياقها. ١١ - فهم القرآن من القرآن. وقد أطال المؤلف الكلام عن هذه النقاط الإحدى عشرة، ولا بد من قراءة هذا الكتاب قراءة متأنية ومناقشة فيه، ومن الله العون، ونسأل الله ﵎ أن يلهمنا السداد، وأن يجنبنا الحيف والزلل. ١ - القرآن والسيرة النبوية: يقول: "إن القرآن سلسلة تامة للسيرة النبوية وتطورها منذ البدء إلى النهاية متصل بعضها ببعض ومفسر بعضها لبعض" وهذا كلام لا غبار عليه. ولكنه تشعب في الحديث في ما لا علاقة له بهذا الموضوع أصلًا، بل في ما يشكك القارئ في فهم ما قرره القرآن، ولا يجعله يخرج بأية نتيجة. فهو يقول: "وفيه

стр. 1635

- أي القرآن - تقريرات شديدة ومؤيسة بالنسبة للكفار والمنافقين، كما جاء فيه آيات ... فيها جزم بمصيرهم المحتوم الرهيب من عدم الإيمان، واستحقاق الخلود في النار، مع أن كثيرًا منهم بل أكثرهم، قد آمنوا وحَسُنَ إيمانهم، وتبدل مصيرهم إلى الثواب والنعيم، واستحقوا التوبة والثناء، وقد كانت هذه الأمور وما تزال، مثار جدل وحيرة حول ما إذا كان يصح على الله المحيط بما كان ويكون، والأزلي العلم والإرادة البداء ... " (١). وهذا كلام من الأستاذ دروزة ﵀ حري أن نقف عنده وقفة متأملة لنرى ما له وما عليه، فإذا قررت آية البقرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦]، وآية يس ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [يس: ١٠] وآية الكافرون ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ [الكافرون: ١ - ٥]، كان معنى هذا أن هؤلاء أناس بأعينهم، ثبتوا على كفرهم وعلم الله ذلك منهم، فلا يمكن أن يؤمنوا ويستحقوا الثواب، ولا نعلم أن هذه المسألة كانت مثار جدل بين العلماء، وأن من نتائجها أن يصح البداء على الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ولا ندري لِمَ أقحم المؤلف هذه المسألة في حديثه عن خطة التفسير، كما لا ندري كيف فهم المؤلف هذا الفهم من مثل هذه الآيات، مع أن أبسط كتب التفسير لم يفتها التعرض لمثل هذه الأمور! ! وواقع الأمر أن هذه القضية التي أثارها الأستاذ لم تثر جدلًا ولا حيرة، فالبداء محال على الله تعالى عقلًا وشرعًا، وجَلَّ الله عن ذلك. ولقد تحدث العلماء عن تلكم الآيات الكريمات التي تبين عدم إيمان بعض الكافرين، وعن الآيات التي تفتح لهم باب الرجاء.

стр. 1636

٢ - البيئة النبوية: وعندما يتحدث المؤلف ﵀ عن البند الثاني من خطته، البيئة النبوية، يقرر أن في القرآن آيات تظهر ما كان في تلك البيئة من عبادة للأوثان، واعتقاد بشفاعتها مع إبطالها، وهذا أمر مسلَّم به. ولكنه ينتقل بعد ذلك ليقرر أن طقوس الحج - كما يقول - جاء القرآن ليبين صراحة أو ضمنًا بأنها كلها أو جُلّها، كانت معروفة عند العرب فأقرها القرآن بعد تنقيتها من شوائب الشرك، مع أنَّها غير واضحة الحكمة، وإنما أقرها القرآن محافظة على وحدة العرب، وتأنيسًا لهم بالدعوة الإسلامية. وهذه عبارته: "إن آيات القرآن الواردة في طقوس الحج (١)، تفيد صراحةً حينًا وضمنًا حينًا آخر، أنَّها كلها أو جُلّها كانت ممارَسة قبل البعثة النبوية، فأُقِرَّت في الإسلام بعد تنقيتها من شوائب الشرك والوثنية، مع أن فيها ما لا يمكن فهم حكمة إقراره الآن مثل الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار واستلام الحجر الأسود وتقبيله ... إلخ. وفيها مظهر ما لوحدة العرب على اختلاف منازلهم ونِحَلهم، حيث كانوا جميعهم يشتركون في الحج ومواسمه وتقاليده، وحرماته وأشهره الحرم، وحكمة إقرارها في الإسلام منطوية على ذلك الرسوخ من جهة، وما كان له من فائدة وأثر في الوحدة المذكورة، التي كان القرآن يدعو إليها من جهة ثانية، ولعل قصد تأنيس العرب بالدعوة الإسلامية مما ينطوي في تلك الحكمة أيضًا" (٢). وليت شعري ما هي تلك الآيات التي تفيد صراحة بأن أعمال الحج كانت كلها أو جُلّها، ممارَسة قبل البعثة النبوية؟ ألم يكن الحج شريعة الله لإبراهيم ﵇؟

стр. 1637

ألم يتحرّج المسلمون من السعي بين الصفا والمروة لأنه كان من أعمال الجاهلية، فينزل القرآن الكريم مبينًا أن ذلك من شعائر الله؟ وهل كانت كذلك لأن العرب قد تعوَّدوها؟ وإذا أردنا أن نسلِّم أن أعمال الحج أمور لا تعقل حكمتها، أفليس هناك أمور كثيرة غير أعمال الحج، مما لم يعرفها العرب، كذلك وهي التي يسميها العلماء أمورًا تعبدية؟ وليت شعري هل كان إقرار الإسلام لأعمال الحج محافظةً على الوحدة العربية، وذلك لرسوخ هذه الأعمال فيهم؟ وهل كان يقصد من ذلك تأنيسهم بالدعوة الإسلامية؟ الحق أن الحج شريعة الله التي شوّهها العرب وحرّفوها قبل الإسلام، وجاء الإسلام ليرجع لها قدسيتها وحقيقتها، وما كان ليقرها لو لم تكن كذلك، نعم إن القرآن أراد وحدة هذه الأمة، ولكن لا يمكن أن تكون على حساب تشريعاته ومبادئه، ولهذا نراه يقوض أركانًا ويهدم بنيانًا، ليثبت تشريعاته ومبادئه وأحكامه، ألم ينكر القرآن الكريم على قريش حينما كانوا يخالفون قبائل العرب جميعها، فلا يفيضون من عرفات، ويسمون أنفسهم (الحُمس) فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] فجعل إفاضتهم من غير عرفات ذنبًا يستحق الغفران. ولو أن القرآن أراد تأنيسهم من هذا الباب الذي ذكره المؤلف - أعني كما كان راسخًا فيهم من أمور تعوَّدوها - ما كان لينعى عليهم تقليد الآباء، ووأد البنات، وقتل الأولاد، وظلم النساء، ونخوة الجاهلية، والاستسقام بالأزلام، إلى ما هنالك من أمور كثيرة لا محل لذكرها الآن. الحق أن القرآن شرع ما شرع، دون نظر إلى ما تعوَّده القوم وألفوه أو أبغضوه وكرهوه، فلقد كرهوا مثلًا أن تُعطى المرأة نصيبًا من التركة، وإنما شرع ما شرع لتكون العدالة والأمن والعبودية لله وحده. ولقد كانت تشريعاته للناس جميعًا وليست للعرب خاصة، فإذا كان العرب قد تعودوا أعمال الحج، في بالنا نلزم غيرهم من المسلمين بها، ثم لا أدري ما صلة هذا كله بفهم القرآن وتفسيره؟

стр. 1638

٣ - اللغة القرآنية: عندما يتحدث عن اللغة القرآنية كبند من خطة التفسير يقول: "إن لغة القرآن في مفرداتها وتراكيبها واصطلاحاتها ... هي لغة البيئة النبوية، وإنها مألوفة ومفهومة من أهلها". ويتدارك المؤلف بأن هذا قد يبدو بديهيًا، ولكن الذي يريد أن يشير إليه أن يلاحظ المفسر هذه الناحية، ثم يقول: "إن العرب وصلوا إلى النفوذ إلى المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والعلمية والأدبية، إلى درجة غير يسيرة من الرقي متناسبة مع ما عبرت عنه، وأشارت إليه وتضمنته لغة القرآن، مما هو نتيجة لازمة لكون القرآن إنما أُنزل بلسانهم" (١). ولا أدري ما هذه المفاهيم التي يعنيها المؤلف؟ ثم إن كانوا كذلك فلِمَ أنكروا كثيرًا من أحكامه التي قررها، الم يكن مثار عجبهم واستغرابهم أن جعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ ؟ إن هذا أساس خطير لدعاة القومية، ليظهروا أن هذا القرآن لم يكن ذا فضل كبير على هذه الأمة. ولكن القرآن يقول: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١]. ويتحدث المؤلف عن اللغة القرآنية أداة لفهم القرآن، بأن القرآن ما قصد به، أن يكون أبعد من متناول مفاهيم العرب، ولا أن تكون مفرداته غير مألوفة "- وهذا مكرر بالطبع - ولا أن يكون قد قصد به أن يكون معجزًا في بلاغته اللغوية والنظمية والفنية"؟ ثم يقول: "إن التحدي وتقرير عدم إمكان الإتيان بمثله إنما هو للقرآن". ونلاحظ أن التكرار وعدم وضوح العبارة أمران جليان عند المؤلف الفاضل، هذه واحدة، أما الثانية فلقد جانب الصواب كلّ الصواب، وهو يقرر أنه لم يقصد بالقرآن أن يكون معجزًا، مع أن العرب، حتى الذين لم يؤمنوا منهم، بهرهم إعجازه في الآية والسورة قصيرة أو طويلة.

стр. 1639

٤ - القرآن أسس ووسائل: تسيطر على المؤلف هذه الفكرة، حتى لا يخلو موضع في كتابه من ذكرها، وهي كون القرآن قسمين متمايزين، أسسًا ووسائل، فالأسس كما يقول، هي الأمور الجوهرية في القرآن، كوحدانية الله والعبادات والأوامر والنواهي والتشريعات والأحكام وما عدا ذلك فهي وسائل تدعيمية، كأنها ليست أمورًا جوهرية، كما يقول. وهذه عبارته: "محتويات القرآن نوعان متميزان وهما الأسس والوسائل، وإن الجوهري فيه هو الأسس .. مثل وحدة الله ... ومثل المبادئ والأوامر والنواهي ... أما عدا ذلك مما احتواه القرآن من مواضيع، مثل القصص والأمثال والوعد والوعيد، والترهيب والترغيب والتنديد، والجدال والحجاج، والأخذ والرد، والتذكير والبرهنة، والإلزام، ولفت النظر إلى نواميس الكون، ومشاهد عظمة الله وقدرته ومخلوقاته الخفية والعلنية، فهي وسائل تدعيمية وتأيدية إلى تلك الأسس والأهداف" (١). وهذا التقسيم لا نراه مسلَّمًا للأستاذ ﵀. تقسيم ليس فيه دقة ولا موضوعية: ففضلًا على أنه لا يمت إلى خطة التفسير من جهة، فإنه تبرز فيه الخطورة من جهة أخرى. فالوعد والوعيد والترهيب والترغيب وإنعام الله ومثوباته وعقابه وعذابه ليست من الأسس الجوهرية - بزعمه - مع أنَّها من الغايات التي جاء يقررها القرآن، والمخلوقات الخفية كالملائكة ليست من الأسس، مع أنَّها ركن من أركان الإيمان بصريح الكتاب والسنّة. ونواميس الكون التي ذكرها المؤلف إنما جاءت أدلة وبراهين على عظمة الخالق ووحدانيته، بالإضافة إلى ما تقرر من حقائق كونية ثابتة.

стр. 1640

والأغرب من ذلك كله أن المؤلف ﵀ يرجع في بيان هذه الأقسام إلى الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فالمحكمات عنده هي الأسس، والمتشابهات هي الوسائل، ومعنى هذا أن القصص القرآني والأمثال وآيات الثواب والعقاب كلها من المتشابه. ومع كثرة الأقوال في المتشابه، فإن أحدًا من العلماء لم يدع ذلك أبدًا، مع أن المؤلف يزعم بأن غيره قرر هذا مع اختلاف في التسمية (١). ٥ - القصص القرآني: يهدف المؤلف في هذا الفصل، الذي هو خطة مثلى لفهم القرآن وتفسيره - في رأيه - إلى أمرين اثنين: الأول: أنَّ القصص القرآني لم يكن مجهولًا لدى العرب، بل كان معروفًا لهم قبل أن ينزل به القرآن. الثاني: أنَّ الرسول ﷺ ، كان يعرف هذه القصص والأخبار والوقائع قبل نزول الوحي عليه، ويطيل الكلام في ذلك لإثبات ما يقول. وقبل أن نستعرض أقواله لا يفوتنا أن نشير إلى أن القصص عنده من قسم الوسائل التدعيمية، وليست من الأسس التي هي أمور جوهرية، ولهذا لم ترد القصة لذاتها بل جاءت للعبرة فحسب. ادعاؤه معرفة العرب للقصص القرآني ومناقشة أدلته: ويستدل المؤلف على ما ذهب إليه بأدلة متعددة:

стр. 1641

١ - يقول إن آيتين إحداهما في (الأنبياء) وأخرى في (القصص)، تدلان على ما ادعاه، من أن العرب كانوا على علم بالقصص قبل نزولها. والآية الأولى قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥]. والآية الثانية قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: ٤٨]. والعجيب من المؤلف، كيف جعل من هاتين الآيتين حجة له ودليلًا. الآية الأولى يظهر فيها اضطراب القوم، وسرعة تحولهم وتشتت أفكارهم، والذي أشارت إليه الآية، أنهم طلبوا آية كما أرسل الأولون، وليس في هذا دليل على معرفة القصص والوقائع. وأما الآية الثانية فإنهم طلبوا فيها مثلما أوتي موسى، ولقد كان أمر موسى ﵇ من الشهرة بحيث لا يجهله أحد من العرب أو من غيرهم، على أن هذه الآية ليست أول آية تحدثت عن سيدنا موسى ﵇ في القرآن. هذا مع أن كثيرًا من المفسرين ذهب إلى أنَّها نزلت في شأن اليهود، بدليل قوله تعالى بعد طلبهم هذا ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. وأيأ ما كان الأمر فليس في الآية من قريب أو بعيد ما يشير إلى ما ذهب إليه المؤلف الفاضل ﵀. ٢ - وما يستدل به المؤلف لرأيه أن هذا القصص، لو لم تكن معروفة عند العرب، ما كان لها هذا التأثير في نفوسهم، وما كان لها الموقع الذي وقعته في قلوبهم، لأن الأمر إذا كان معلومًا لدى المرء، وقع موقع الرضا والاستحسان، أما إذا كان مجهولًا فليس له هذا الأثر. أفلا يكون الأمر على العكس من ذلك تمامًا؟ ! ٢ - ومما يؤيد به المؤلف رأيه، أن أعلامًا ذكرت في القرآن كإبراهيم وطالوت وجالوت وهاروت وماروت وقارون، وهي معربة، مما يعني أنهم كانوا يعرفون هذه

стр. 1642

الأعلام وقد عرّبوها قبل نزول القرآن، ولا يمكن أن يكون القرآن قد نزل بها معربة دون معرفتهم بها. ولا نعتقد أن في هذا حجة للمؤلف، فلقد استعمل القرآن كلمات لم تكن معروفة عند العرب من قبل، كجهنم وإبليس وغيرهما من الكلمات، ومن المعلوم أن الأعلام لا تختلف باختلاف اللغات، وعلى التسليم بمعرفة العرب لبعض هذه الأعلام، فإن ذلك لا يدل على معرفة تفصيلية بقصصهم ووقائعهم. ويدعي المؤلف أن العرب قد عرفوا بعض هذه القصص عن طرق اليهود وبعضها عن طريق غيرهم، "مع احتمال أن اسمي إبراهيم وإسماعيل، قد اقتبسا من اليهود، لأن التوراة هي أول ما جاء يحمل هذين الاسمين مدونين" (١) وهذا يدعو إلى الغرابة بحق لأن صلة العرب بإبراهيم وإسماعيل أقوى من أن تقتبس من التوراة. ٤ - يقول المؤلف إن العرب جادلوا في الحياة الأخروبة، ولم يجادلوا في القصص لجهلهم بالأولى ومعرفتهم بالثانية. والذي نراه أن جدال العرب في الحياة الأخروية، إنما كان ذلك يصطدم ويتعارض مع معتقدهم، والقرآن يبين أن منهم المنكر والشاك، وليس كذلك القصص فإنه لا يصطدم مع عقيدة. ويرد المؤلف على ما يمكن أن يوجه إليه، بأن العرب جادلت في القصص وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿قَالوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ [النحل: ٢٤]، يرد بأن الأساطير إنما هي المدونات من المسطور، وليست الخرافات والأكاذيب! ! وما نظن أحدًا تبنى هذا الرأي قبل اللهم إلا من جاء بعده مثل محمد أحمد خلف الله.

стр. 1643

زعم معرفة الرسول الكريم بهذا القصص قبل الوحي: أما معرفة الرسول ﷺ بالقصص القرآني، قبل نزول الوحي فيستدل لها المؤلف بما يلي: أ - مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. ب - من سورة الفرقان: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]. وقد رَدَّ القرآن الكريم عليهم فيما زعموه فقال ردًّا على الشبهة الأولى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣] وردًا على الثانية بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ [الفرقان: ٤]. وفي هذه الردود دليل واضح على افتراء هؤلاء إنكارهم للقضية من أساسها، فليس هناك تعليم أو تعلّم ولا إعانة ولا افتراء، وليس الأمر كما ذكر الأستاذ ﵀ بل إن هاتين الآيتين الكريمتين دلالة على اضطرابهم وعنادهم. ومن الغريب أن الأستاذ ﵀ فَهِم من هذه الشهبات اتصال النبي بأهل الكتاب، مع أن أصحاب الشبهة أنفسهم يعلمون بطلانها، ثم ألم يقولوا: إنه شاعر وساحر، ووصفوه بأوصاف غير هذه؟ في يقول أستاذنا في هذه الأوصاف إذا كانت الشبهة لها صلة بالواقع في رأيه؟ ألم يقولوا: ساحر كذاب؟ مع أنهم كانوا يسمونه الصادق؟ ! ! ومع دحض القرآن لهذه الشبهة فإنها ليس مقصودًا بها القصص القرآني. ٢ - ومما يستدل به المؤلف أن النبي ﷺ كان دائم الاتصال بأهل الكتاب، وبخاصة هؤلاء الذين كانوا في مكة من أصحاب الصناعات، ولا نعرف سندًا صحيحًا لذلك، اللهم إلا ما استند إليه المشركون في شبهاتهم، وهم يعلمون كذبها. ثم لم يسمع عن الرسول ﷺ ، أنه حدّث قومه بشيء من هذه القصص قبل البعثة

стр. 1644

ونراه يلزمهم الحجة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦]. ومن الطريف ما ذهب إليه المؤلف ليدلل على رأيه، وهو أن الرسول ﷺ كما جاء في صحيح البخاري - ذهب إلى ورقة بن نوفل الذي كان قد تنصّر في الجاهلية، حينما أخذته إليه السيدة خديجة ﵂، بعد نزول الوحي، ونستغرب هذا الاستنتاج من المؤلف! ! فذهاب الرسول ﷺ كان أول البعثة، والسيدة خديجة ﵂ هي التي أشارت عليه من أجل طمأنينتها على الرسول ﷺ . ٣ - ومما يستدل به المؤلف أن البيئة الاجتماعية بما فيها من أحداث ومعلومات، كان لها أثر ظاهر في معرفة الرسول الكريم، بما كان منتشرًا ومعروفًا بين هؤلاء الناس؟ يقول: "هذا هو المعقول الذي لا يصح في العقل غيره" (١)، ونحن ننكر أصلًا أن هذه البيئة الاجتماعية، كان لها معرفة بالقصص كما ذكرها القرآن. النصوص الصريحة تشكُل على المؤلف وتحيِّره: ولقد شعر المؤلف، بأن هناك آيات في القرآن تناقض ما ذهب إليه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ [يوسف: ١٠٢]. ومع صراحة هذه الآيات، نجد الأستاذ ﵀ يقول حرفيًا: "إن في الآيات الثلاث المذكورة إشكالًا يدعو إلى الحيرة، ولا يستطاع النفوذ إلى الحكمة الربانية فيه نفوذًا تامًّا، وليس من مناص إزاء الواقع ومداه من أن قصص نوح ويوسف ومريم من

стр. 1645

القصص المشهورة، إلا بتأويل هذه الآيات وتخريجها بما يزيل الإشكال ويتسق مع الواقع" (١). والحق أنه لا إشكال ولا حيرة، ولا داعي لتأويل الآيات، وصرفها عن حقيقتها، فإن نظرة واحدة في الآيات، وأدنى تأمل لما قررته يدلان على ذلك. فآية آل عمران، وآية يوسف وضحتا الدلالة على أن هذا من أنباء الغيب أولًا، وعلى أن الرسول الكريم ﷺ ، لم يكن له علم بهذا الغيب، لا اطلاع عليه، وآية هود تنفي بصراحة ووضوح صفة العلم عن النبي ﷺ وعن قومه لتلك القصه. ولعل هذا هو السر في تقديم جملة ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ (٢). صحة القصص القرآني وعدم تناقضه: بقي في القصص القرآني مسألتان يتساءل عنهما المؤلف: أولاهما: هل ما احتواه القرآن من قصص، كانت صحيحة في جزئياتها؟ وثانيهما: ما في بعض القصص والأخبار من خلاف، كوصف عصا موسى بالثعبان تارة والحية تارة أخرى، وكتقتيل فرعون لبني إسرائيل قَبْلَ بعثة موسى في آية وبَعْدَها في آية أخرى. ويجيب على الأولى بقوله: "نحن كمسلمين نقول إن كلّ ما احتواه القرآن حقٌّ وواجب الإيمان به، كما أن القرآن استهدف العظة والتذكير في قصصه فحسب، وهما لا يتحققان إلا فيما هو معروف ومسلَّم به من السامع" (٣). ونحن لا نسلِّم للمؤلف بهذا، حيث لا داعي لكون العظة ينبغي أن تكون معروفة ومعلومة لدى السامع، وهذا ما أجاب به أيضًا عن المسألة الثانية. علمًا بأنه

стр. 1646

لا خلاف أبدًا بين وصف العصا بالحية أو الثعبان، وبين تقتيل فرعون لقوم موسى قبل بعثته أو بعدها، فوصف العصا بالحية كان في بدء رسالته الكليم ﵇ ووصفها بالثعبان كانت آية لفرعون ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ [الأعراف: ١٠٧] وتقتيل فرعون لبني سرائيل كان قبل ميلاد سيدنا موسى، حينما تواطَأَ بنو إسرائيل مع أعداء الأسرة الحاكمة في مصر حينذاك، وهذا ما نطق به القرآن. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]. هذه هي القصص القرآنية التي استغرقت من المؤلف قرابة عشرين صفحة من الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره، وهنا نتساءل ما علاقة هذا كله بمفسر القرآن ومقدار فهمه وتدبره؟ وهل يتغير التفسير والفهم لآية من الآيات أو قصة من القصص، إذا كان العرب يعرفونها أو لا يعرفونها؟ أو إذا كان لدى الرسول ﷺ قبل نزول الوحي معرفة بها أو لا؟ على أن من المؤكد أن القرآن الكريم، تحدث عن بعض قصص الأنبياء، التي لم يعرفها أهل الكتاب أنفسهم وذلك كقصة البقرة وقصة المائدة، بالنسبة لسيدنا موسى وعيسى ﵉. ٦ - الملائكة والجن في القرآن: هذا بند آخر من الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره عند الأستاذ دروزة، فها هو يقول: "إن ما ورد من أخبار الملائكة والجن، لم يكن هو الآخر غريبًا عن السامعين جزئيًا أو كليًا، وأنه من وسائل التدعيم للدعوة وأهدافها وليس مقصودًا بذاته" (١). ومعنى هذا أنه ليس في ذكرها جديد على العرب أولًا، وليست من الأمور الجوهرية ثانيًا. على أن المتمعن يجد أن هذه المسألة مقصودة بذاتها؛ لأنه أمر من أمور

стр. 1647

العقيدة الهامة، التي جاء القرآن يصحح تصورات الناس عنها. لما لها من ارتباط وثيق بعقيدة التوحيد، ويقرر أن الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن فيها معلومات لم تكن معروفة عند العرب من قبل فلقد كانت الصورة في أذهانهم صورة مشوهة ناقصة. ٧ - مشاهد الكون ونواميسه: وهذا أيضًا من الخطة المثلى لتفسير القرآن كما يحددها الأستاذ دروزة، ولكنه في هذه كسابقتها أيضًا، كلّ همه أن يبين أن هذه النواميس وتلك المشاهد، لم تكن مجهولة لدى العرب قبل نزول القرآن، بل كانت صورها في أذهانهم كاملة كما أخبر عنها القرآن. يقول المؤلف: "وإنه ليصح أن يقال بالإضافة إلى ما تقدم - وبناءً عليه: إن المضامين القرآنية في هذه المواضيع متسقة مع ما في أذهان سامعي القرآن عن مظاهر الكون ومشاهده ونواميسه، وتجلّي عظمة الله وقدرته فيها. وهذه النقطة متصلة بالمبدأ العام الذي ما فتئنا نقرره، من أن القرآن خاطب الناس بما يتسق مع ما في أذهانهم إجمالًا من صور ومعارف، لما يكون من قوة أثر في الخطاب فيهم بمثل هذا الأسلوب" (١). وهذا قد يكون صحيحًا في بعض الجزئيات، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] إلا أن هناك آيات تذكر بعض المشاهد والنواميس الكونية، التي ما كان يعرفها العرب ولا غيرهم، وذلك مثل ما ورد في القرآن من أن السموات والأرض كانتا رتقًا، ومثل خلق الأرض في يومين، والسموات في يومين، وتزيين السماء الدنيا بمصابيح، وجعلها رجومًا للشياطين، وأطوار خلق الانسان.

стр. 1648

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. بقي أن يقال بأنه ليس من الدقة في التعبير، بأن الإنسان إنما يتأثر عندما يخاطَب بما يعرفه من الصور. فلا علاقة بين التأثير على المخاطَب وبين المعلومات المختزنة لديه عن هذا الخطاب. ٨ - الحياة الأخروية في القرآن: " إن ما ورد في القرآن عن الحياة الأخروية، وأعلامها ومشاهدها وصورها وأهوالها، وعذابها ونعيمها، قد ورد بأسلوب منسجم مع مفهومات السامعين ومألوفاتهم، ومتناول إدراكهم وحسهم، وخاصة العرب الذين كانوا أول المخاطبين به، وأنه ورد بالأسلوب الذي ورد به على سبيل التقريب" (١). بهذا يبتدئ المؤلف حديثه عن الآخرة، ونحن نرى أنه لم ياتِ بجديد مما تعوّدنا أن نستمعه منه، وهذا

стр. 1649

منسجم مع ما قرره من قبل من أن العرب كانوا يعرفون كلّ شيء. فالحديث عن الآخرة كغيرها من القصص والمشاهدات والجن، أمور معلومة عند العرب ومعروفة لديهم. ويزيد هنا بأنها جاءت على سبيل التقريب والتشبيه، والأغرب من هذا أنه يعدّها من الوسائل التدعيمية، وذلك لأنه يقسم القرآن كما علمنا إلى أسس ووسائل، مع أن الحياة الآخرة من أهم الأسس التي جاء القرآن، ليثبت في القلوب الإيمان بها، وأن الدنيا بكل ما فيها ليست شيئًا يذكر بالنسبة للَاخرة، بقي أن يقال إن أخبار القرآن عن الآخرة، إنما هي حقائق، لا على سبيل التقريب والتشبيه كما توهّم. ٩ - ذات الله في القرآن: يرى المؤلف أن ما ورد في القرآن من حديث عن الله وصفاته، منه ما جاء على سبيل التقريب، كاليد والنفخ والاستواء والقبض والطي، ومنه ما جاء ضوابط لمنع إرادة المماثلة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وملاحظة هذا بالنسبة للمفسر، وبالنسبة لكون هذه من خطة التفسير، مهمة كما يقول: "وتجعله يقف - أي المفسر - من هذه التعابير والأسماء والصفات، عند الحد الذي وقف عنده القرآن، ويفهم منها الأهداف التي استهدف تقريرها بها دون تزيد ولا تكلف ولا تمحّل" (١) وسنعلق على هذا حينما نتعرض للتفسير. ١٠ - تسلسل الفصول القرآنية وسياقها: يقول: "إن أكثر الفصول والمجموعات في السور القرآنية، متصلة بالسياق ترتيبًا أو موضوعًا، أو سبكًا أو نزولًا وأن فهم مداها ومعانيها وظروفها الزمنية والموضوعية وخصوصيتها وعموميتها وتلقينها وتوجيهها وأحكامها، فهمًا صحيحًا

стр. 1650

لا يتيسر إلا بملاحظة تسلسل السياق والتناسب ... " (١). ويحاول المؤلف هنا أن يطبق هذا تطبيقًا عمليًا من نواحٍ ثلاث: تفسير الآيات القرآنية - روايات أسباب النزول - ومسائل الهداية والإضلال. أ - تفسير الآيات القرآنية: إن بتر الآية في رأيه لا يجوز، ويمثل ذلك بآيات كثيرة نورد منها ثلاثًا: ١ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. ٢ - ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. ٣ - ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]. "أما الآية الأولى، فقد استدل بها مذهب كلامي معين على خلق الأفعال، (٢) ولو أن الآية أخذت كمفصل متصل بالسياق، ما كانت لتحصل تلك المشادة الكلامية في تفسير تلك الآية، فالآية واضحة في النهي عن عبادة الأصنام التي ينحتونها ويعملونها كما يبينه السياق، ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٤ - ٩٦]. وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فإنه يقول فيها: "إن أكثر المفسرين قالوا إنها آية السيف، ونسخوا بها آيات محكمات، وبتروها عما بعدها، فنظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، دون النظر إلى قوله: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾. ولا أعلم أن أكثر المفسرين - كما
следующие страницы →