← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

لا خلاف أبدًا بين وصف العصا بالحية أو الثعبان، وبين تقتيل فرعون لقوم موسى قبل بعثته أو بعدها، فوصف العصا بالحية كان في بدء رسالته الكليم ﵇ ووصفها بالثعبان كانت آية لفرعون ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ [الأعراف: ١٠٧] وتقتيل فرعون لبني سرائيل كان قبل ميلاد سيدنا موسى، حينما تواطَأَ بنو إسرائيل مع أعداء الأسرة الحاكمة في مصر حينذاك، وهذا ما نطق به القرآن. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]. هذه هي القصص القرآنية التي استغرقت من المؤلف قرابة عشرين صفحة من الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره، وهنا نتساءل ما علاقة هذا كله بمفسر القرآن ومقدار فهمه وتدبره؟ وهل يتغير التفسير والفهم لآية من الآيات أو قصة من القصص، إذا كان العرب يعرفونها أو لا يعرفونها؟ أو إذا كان لدى الرسول ﷺ قبل نزول الوحي معرفة بها أو لا؟ على أن من المؤكد أن القرآن الكريم، تحدث عن بعض قصص الأنبياء، التي لم يعرفها أهل الكتاب أنفسهم وذلك كقصة البقرة وقصة المائدة، بالنسبة لسيدنا موسى وعيسى ﵉. ٦ - الملائكة والجن في القرآن: هذا بند آخر من الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره عند الأستاذ دروزة، فها هو يقول: "إن ما ورد من أخبار الملائكة والجن، لم يكن هو الآخر غريبًا عن السامعين جزئيًا أو كليًا، وأنه من وسائل التدعيم للدعوة وأهدافها وليس مقصودًا بذاته" (١). ومعنى هذا أنه ليس في ذكرها جديد على العرب أولًا، وليست من الأمور الجوهرية ثانيًا. على أن المتمعن يجد أن هذه المسألة مقصودة بذاتها؛ لأنه أمر من أمور

стр. 1647

العقيدة الهامة، التي جاء القرآن يصحح تصورات الناس عنها. لما لها من ارتباط وثيق بعقيدة التوحيد، ويقرر أن الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن فيها معلومات لم تكن معروفة عند العرب من قبل فلقد كانت الصورة في أذهانهم صورة مشوهة ناقصة. ٧ - مشاهد الكون ونواميسه: وهذا أيضًا من الخطة المثلى لتفسير القرآن كما يحددها الأستاذ دروزة، ولكنه في هذه كسابقتها أيضًا، كلّ همه أن يبين أن هذه النواميس وتلك المشاهد، لم تكن مجهولة لدى العرب قبل نزول القرآن، بل كانت صورها في أذهانهم كاملة كما أخبر عنها القرآن. يقول المؤلف: "وإنه ليصح أن يقال بالإضافة إلى ما تقدم - وبناءً عليه: إن المضامين القرآنية في هذه المواضيع متسقة مع ما في أذهان سامعي القرآن عن مظاهر الكون ومشاهده ونواميسه، وتجلّي عظمة الله وقدرته فيها. وهذه النقطة متصلة بالمبدأ العام الذي ما فتئنا نقرره، من أن القرآن خاطب الناس بما يتسق مع ما في أذهانهم إجمالًا من صور ومعارف، لما يكون من قوة أثر في الخطاب فيهم بمثل هذا الأسلوب" (١). وهذا قد يكون صحيحًا في بعض الجزئيات، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] إلا أن هناك آيات تذكر بعض المشاهد والنواميس الكونية، التي ما كان يعرفها العرب ولا غيرهم، وذلك مثل ما ورد في القرآن من أن السموات والأرض كانتا رتقًا، ومثل خلق الأرض في يومين، والسموات في يومين، وتزيين السماء الدنيا بمصابيح، وجعلها رجومًا للشياطين، وأطوار خلق الانسان.

стр. 1648

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. بقي أن يقال بأنه ليس من الدقة في التعبير، بأن الإنسان إنما يتأثر عندما يخاطَب بما يعرفه من الصور. فلا علاقة بين التأثير على المخاطَب وبين المعلومات المختزنة لديه عن هذا الخطاب. ٨ - الحياة الأخروية في القرآن: " إن ما ورد في القرآن عن الحياة الأخروية، وأعلامها ومشاهدها وصورها وأهوالها، وعذابها ونعيمها، قد ورد بأسلوب منسجم مع مفهومات السامعين ومألوفاتهم، ومتناول إدراكهم وحسهم، وخاصة العرب الذين كانوا أول المخاطبين به، وأنه ورد بالأسلوب الذي ورد به على سبيل التقريب" (١). بهذا يبتدئ المؤلف حديثه عن الآخرة، ونحن نرى أنه لم ياتِ بجديد مما تعوّدنا أن نستمعه منه، وهذا

стр. 1649

منسجم مع ما قرره من قبل من أن العرب كانوا يعرفون كلّ شيء. فالحديث عن الآخرة كغيرها من القصص والمشاهدات والجن، أمور معلومة عند العرب ومعروفة لديهم. ويزيد هنا بأنها جاءت على سبيل التقريب والتشبيه، والأغرب من هذا أنه يعدّها من الوسائل التدعيمية، وذلك لأنه يقسم القرآن كما علمنا إلى أسس ووسائل، مع أن الحياة الآخرة من أهم الأسس التي جاء القرآن، ليثبت في القلوب الإيمان بها، وأن الدنيا بكل ما فيها ليست شيئًا يذكر بالنسبة للَاخرة، بقي أن يقال إن أخبار القرآن عن الآخرة، إنما هي حقائق، لا على سبيل التقريب والتشبيه كما توهّم. ٩ - ذات الله في القرآن: يرى المؤلف أن ما ورد في القرآن من حديث عن الله وصفاته، منه ما جاء على سبيل التقريب، كاليد والنفخ والاستواء والقبض والطي، ومنه ما جاء ضوابط لمنع إرادة المماثلة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وملاحظة هذا بالنسبة للمفسر، وبالنسبة لكون هذه من خطة التفسير، مهمة كما يقول: "وتجعله يقف - أي المفسر - من هذه التعابير والأسماء والصفات، عند الحد الذي وقف عنده القرآن، ويفهم منها الأهداف التي استهدف تقريرها بها دون تزيد ولا تكلف ولا تمحّل" (١) وسنعلق على هذا حينما نتعرض للتفسير. ١٠ - تسلسل الفصول القرآنية وسياقها: يقول: "إن أكثر الفصول والمجموعات في السور القرآنية، متصلة بالسياق ترتيبًا أو موضوعًا، أو سبكًا أو نزولًا وأن فهم مداها ومعانيها وظروفها الزمنية والموضوعية وخصوصيتها وعموميتها وتلقينها وتوجيهها وأحكامها، فهمًا صحيحًا

стр. 1650

لا يتيسر إلا بملاحظة تسلسل السياق والتناسب ... " (١). ويحاول المؤلف هنا أن يطبق هذا تطبيقًا عمليًا من نواحٍ ثلاث: تفسير الآيات القرآنية - روايات أسباب النزول - ومسائل الهداية والإضلال. أ - تفسير الآيات القرآنية: إن بتر الآية في رأيه لا يجوز، ويمثل ذلك بآيات كثيرة نورد منها ثلاثًا: ١ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. ٢ - ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. ٣ - ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]. "أما الآية الأولى، فقد استدل بها مذهب كلامي معين على خلق الأفعال، (٢) ولو أن الآية أخذت كمفصل متصل بالسياق، ما كانت لتحصل تلك المشادة الكلامية في تفسير تلك الآية، فالآية واضحة في النهي عن عبادة الأصنام التي ينحتونها ويعملونها كما يبينه السياق، ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٤ - ٩٦]. وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فإنه يقول فيها: "إن أكثر المفسرين قالوا إنها آية السيف، ونسخوا بها آيات محكمات، وبتروها عما بعدها، فنظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، دون النظر إلى قوله: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾. ولا أعلم أن أكثر المفسرين - كما

стр. 1651

ذكر المؤلف - قالوا: إنها آية السيف، أو نسخوا بها محكمًا، كما لا أعرف مفسرًا واحدًا بتر هذه الجملة القرآنية وحدها، دون النظر إلى ما بعدها، والعجيب من المؤلف كيف ينقل هذا القول متهمًا المفسرين بعدم الدقة والموضوعية وفهم السياق القرآني. وفي الآية الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، يقول المؤلف: "فكثير من المفسرين ينظرون إلى هذه الآية مستقلة عن سابقتها، ويحارون في تأويل جملة ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالوا﴾ حتى قال غير واحد منهم: إن الجملة من مشكلات القرآن، واضطروا إلى اعتبار (لما) بمعنى (عن ما)، وقالوا إن الجملة تعني: ثم يرجعون عما قالوا عنه ويرغبون في معاشرة أزواجهم، أو إلى تأويلات أخرى، هذا مع أن الآية متصلة كلّ الاتصال بسابقتها، فلو لوحظ ذلك لما كان هناك محل لهذه الحيرة والإشكال والتأويل. فالآية الأولى نددت بالمظاهرين والظهار، عَدَّته عملًا منكرًا، ثم انتهت بمقطع ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢]. فكأنما تقدمت باستنكار الظهار من حيث المبدأ، وتقرير أن الله يعفو ويغفر للمظاهرين، قبل نزول هذا الاستنكار، وبالتالي قبل نزول الآيتين على اعتبار أنه لم يكن مستنكرًا ومنهيًا عنه. ثم أعقبتها الثانية لتقرر الحكم الإسلامي، فالذين يعودون إلى ما نهوا عنه واستنكروا، أي: الظهار، بعد ذلك الاستنكار والوصف، تجب عليهم الكفارة قبل معاشرة أزواجهم؛ لأنهم يكونون قد أتوا بعمل عده القرآن منكرًا وزورًا" (١). وهذا القول لا يحل الإشكال الذي نقله المؤلف عن كثير من المفسرين، بل لقد زاد المسألة تعقيدًا، فإن هذا القول لا يتفق مع السياق ولا مع المأثور، أما أنه لا

стр. 1652

يتفق مع السياق فذلك أمر ظاهر، وأما أنه لا يتفق مع المأثور فلأن السنّة الصحيحة طلبت من زوج خولة الكفّارة مع أنه ظاهَرَ قبل نزول الآيات (١). ب - روايات أسباب النزول: ومما يتعلق بهذا الموضوع، ومن المآخذ التي يأخذها المؤلف على المفسرين، رواياتهم لأسباب النزول، وتعدد هذه الروايات حينًا، ومخالفتها للسياق حينًا آخر، ونكتفي بذكر مثالين مما ذكر المؤلف: الأول: ما روي عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩]. الثاني: روى البخاري عن ابن مسعود ﵁، أن رجلين من قريش وختنًا لهما من ثقيف، كانوا في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه، لقد يسمع كله. فنزلت الآية: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ٢٢] (٢).

стр. 1653

ومنشأ الخطأ كما يصوره المؤلف أن الآية الأولى نزلت في سياق غزوة تبوك، فكيف تأتي تلك الرواية التي تمزق السياق، وتقطع الصلة بين الآيات، وتوهم أن الآية نزلت منفردة. والحق الذي يجب تقريره أن سورة براءة نزل جلّ آياتها في غزوة تبوك، وقد جاءت هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ .... ﴾ في أثناء الحديث عن غزوة تبوك، فليس هناك تمزيق للسياق، وقطع للصلة، ولا إبهام أنَّها نزلت منفردة، والمتأمل لسورة براءة يجد حديثها عن أقسام المنافقين في مواضع متعددة ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ [التوبة: ٧٩]، إلى آخر السورة تقريبًا. ومنشأ الخطأ في الرواية الثانية أن الآيات جاءت في مشهد من مشاهد يوم القيامة، لكن الرواية أفهمت غير ذلك. وقد أوافق الأستاذ ﵀ فيما ذهب إليه، وقد تكون الآية استُشهد بها على ما ذهب إليه هؤلاء، وليست سببًا للنزول (١). ٣ - مسائل الهداية والضلال: وملاحظة السياق وتسلسل الفصول القرآنية كما يقول المؤلف، يزيل وهم التعارض والتناقض بين الآيات، وبخاصة تلك التي تتعلق بمجمل الهداية والإضلال والكفر والإيمان. ويأتي بأمثلة كثيرة لذلك، ليبين هذا الإشكال، مع أنه لا إشكال ولا لبس.

стр. 1654

يقول المؤلف: "فأنت إذا أخذت قول الله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف: ٥٧]، لحدتها (١)، وجدت نفسك أمام مشكلة محيرة؛ لأنَّها توهِم أن الله قد صرف الكفار عن فهم القرآن والتأثر به، وحتّم عليهم عدم الإجابة والاهتداء. ولكنك إذا قرأت أول الآية التي وردت فيها، ظهر لك قصد وصف مكابرة الكفار وعنادهم، والتسرية عن النبي إزاء هذه المكابرة والعناد". ١١ - فهم القرآن من القرآن: وهذه آخر البنود التي يذكرها المؤلف في خطته. يقول المؤلف: "إن الأوثق والأوكد والوسيلة الفُضلى، لفهم مدى القرآن ودلالاته وتلقيناته ... تفسير بعض القرآن ببعض" (٢) ويطيل الكلام في ذلك، ويأتي في طيات هذا البحث بأمثلة كثيرة، اقتصر منها على ثلاث: ١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] يقول: "إن بعض المفسرين اعتبروها أخبارًا غيبية، عن ما حدث من الفتن بعد الرسول ﷺ ". ولكن المؤلف لا يرضى هذا ويقول: "ينبغي إذا أردنا أن نفهمها فهمًا صحيحًا، أن نضمها إلى آية الروم وهي قول الله : ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١، ٣٢] وبذلك نتبين أن المقصود بآية الأنعام هم المشركون".

стр. 1655

٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] فإذا قال بعض المفسرين: إن إبليس من الملائكة، وإن الجن في الآية فريق من الملائكة، رددنا عليهم من القرآن نفسه، بأن إبليس خُلق من نار وأن الجان خُلقوا من نار. ٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] يقول: "فإذا فسر بعض الشيعة أو غيرهم الآية، بأن الرسول يطلب أجرًا وهو أن نَوَدَّ قرابته، رددنا عليه بآيات القرآن الأخرى التي تنفي طلب الرسول ﷺ أجرًا على دعوته". ويختتم هذه الخطة بقوله: "ولا أدعي بأن هذه الملاحظات جديدة وغير مسبوقة، ففي "الإتقان" للسيوطي، لنفسه ولغيره من العلماء والمؤلفين، نبذ عديدة في شروط التفسير وأصوله، احتوت غير واحدة من هذه الملاحظات" إلى أن يقول: "غير أني لم أر في ما تيسر لي من الاطلاع عليه من كتب التفسير العديدة القديمة والحديثة، أن هذه الملاحظات قد لوحظت جميعها معًا في تفسير واحد، وإن صح أنَّها لوحظت متفرقة وبسعة أو بإيجاز" (١). جزى الله الأستاذ دروزة خيرًا. ثانيًا: تعليقاته ومآخذه على المفسرين ومناهجهم: وبعد أن رسم لنا الخطة في التفسير، بدأ يبين لنا تعليقاته على كتب المفسرين ومناهجهم، وذلك ما تكفل به الفصل الرابع من كتابه القرآن المجيد. يقول المؤلف: "ومع ما ذكرناه في صدد كتب المفسرين، فإن الناظر في كثير منها، يلحظ ثغرات عديدة، تنقص من قيمة تلك الفوائد التي احتوتها، والجهود التي بذلت فيها قليلًا أو

стр. 1656

كثيرًا، وتجعلها غير شافية للنفس شفاء تامًّا" فيذكر من هذه الثغرات إحدى عشرة ثغرة: روايات أسباب النزول، روايات التفسير، تعليقات المفسرين على القصص، تعليقات المفسرين على مشاهد الكون والملائكة والجن، التشاد المذهبي في سياق التفسير، الولع بأسرار القرآن ورموزه ومنطوياته، الولع بالتفريع والاستطراد، روايات نزول القرآن جملة واحدة وأثرها، روايات نزول القرآن بالمعنى وأثرها، الخلاف على خلق القرآن وأثره، والنهي عن التفسير بالرأي وأثره. وهذا الذي ذكره يستدعي التعليق عليه، لأن كثيرًا منه لا نعتقد أنه حالفه فيه التوفيق". تعليقه على روايات أسباب النزول: ففي روايات أسباب النزول مثلًا، يذكر عند آية الحجاب أربع روايات، ويخلص إلى القول بأنها روايات متناقضة ليقول: "فهذه أربعة أحاديث بخارية حول الحجاب، وثلاثة منها في مناسبة نزول آية الحجاب في سورة الأحزاب، وفيها مما فيها من التغاير في هذه المناسبة. وكل هذا في حين أن الحجاب المذكور في الآية، يعني الستر على باب البيت" (١). وإن مَنْ له أدنى معرفة في علم الحديث وعلم أسباب النزول، يدرك لأول وهلة أن لا تناقض ولا اختلاف (٢)، ونذكر هنا ما أورده العلماء فيما يتعلق بأسباب النزول.

стр. 1657

قال ابن تيمية: "قولهم أنزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما نقول عنى بهذه الآية كذا" (١). وقال الزركشي: "قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنَّها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها ... ، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل إذا وقع" (٢). وهذا يصدق أيضًا على ما أورده المؤلف، بخصوص قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، حيث جزم بأن الروايات متناقضة غير معقولة. ثغرات حذر منها العلماء: وأما في روايات التفسير، وهي الثغرة الثانية عنده، فإنه يأتينا بحشد من الروايات التي نبه العلماء إلى زيفها وكذب روايتها، والتي نقل أكثرها الخازن في تفسيره عن الكلبي ومن شابهه (٣). ولا أود أن أستطرد في الأمثلة التي ذكرها لأن ذلك عمل لا طائل تحته (٤).

стр. 1658

ثغرات مزعومة: وفي تعليقه على القصص يأتي بحشد هائل من الإسرائيليات، وبخاصة تلك التي ذكرها الخازن، والتي ما فتئ العلماء قديمًا وحديثًا يحذرون الناس منها، وألفت في ذلك كتب ووضعت أبحاث (١). ثم يذكر المؤلف ثغرة أخرى من الثغرات في رأيه، وهي تعليقات المفسرين على مشاهد الكون ونواميسه، والجن والملائكة، وهو كعادته يورد الكثير من الإسرائيليات التي وردت في بعض الكتب، مما هو مشهود له بالزيف. والغريب أنه حينما يذكر من ضمن هذه الثغرات الولع بالأسرار والرموز، يمثل لذلك بما ذكره الزمخشري في كشافه، عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الم﴾ وغيرها من الحروف التي وردت من فواتح السور، أن هذه الحروف تحتوي نصف الحروف المهموسة، ونصف الحروف المجهورة والمستعلية مع أن الزمخشري كان بعيدًا عن مسألة الرمز، وإنما ذكر ذلك ليبين الناحية البلاغية والفنية في القرآن الكريم، وهذه عبارته بعد أن ذكر ما ذكر "ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كلّ شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجُلّه ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته فكأن الله عز اسمه عَدَّد على العرب الألفاظ، التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم" (٢). ومن الغريب كذلك أن يعد المؤلف من هذا القبيل، أو مما له صلة به. روايات نزول القرآن على سبعة أحرف، مع أنه لا علاقة لذلك مطلقًا بقضية الأسرار والرموز.

стр. 1659

أما عدُّ المفسرِ من هذه الثغرات، الروايات التي تشير إلى نزول القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، فإنني أرى أن هذا لا صلة له بموضوع التفسير، لأن الذين يقولون هذا، مجمعون على أن القرآن نزل منجمًا على قلبه ﷺ . وإنه لمن المستهجن أن يذكر المؤلف روايات نزول القرآن بالمعنى، كثغرة من ثغرات المفسرين، مع أن هذا أمر مجمع على بطلانه. وأما الخلاف على خلق القرآن فيرجع في رأينا إلى التشاد المذهبي. بقيت مسألة النهي عن التفسير بالرأي. وهذا النهي لا يشكل ثغرة كما ذكر المؤلف، ذلك أن أكثر كتب التفسير الموجودة بين أيدينا هي من قبيل التفسير بالرأي. التفسير المثالي كما يراه المؤلف: وبعد، فهذا ما ذكره المؤلف من خطة مثلى للتفسير، ونقد للثغرات التي وردت في كتب التفسير، فالتفسير المثالي إذن، هو ما روعي فيه هذا الذي ذكره، وأكثر التفاسير قديمها وحديثها، لم تلتزم بهذه الخطة كاملة، ولم تخل من تلك الثغرات كما يذكر المؤلف، وكما أوردناه من قبل. ويختم المؤلف بقوله: "ذلك اليقين بالخطة المثلى لفهم القرآن وخدمته، التي شرحناها في الفصل الثالث، وهذه الثغرات العديدة التي نبهنا عليها في الفصل الرابع، جعلنا نعتقد أن الحاجة ما تزال ماسة إلى تفسير وافٍ بالغرض، غير مطول ممل ولا موجز مخل، تجتمع فيه الملاحظات، وتتحاشى فيه الثغرات، ويسار فيه وفق هذا المنهج" (١). ولكن أسَارَ المؤلف في تفسيره، الذي سنتحدث عنه إن شاء الله، وفق هذه الخطة التي رسمها، وتجنب تلك الثغرات التي بيَّنها، وتحدث عنها، أم خرج عن

стр. 1660

ذلك المخطط، ووقع في ما هو أشد وأكثر بُعدًا مما حذر منه؛ ولا أود أن أذكر هنا الكثير مما وقع فيه المؤلف، وإنما أدع ذلك لموضعه في التفسير. منهجه في التفسير: طبع هذا التفسير في القاهرة، في مطبعة عيسى البابي الحلبي، ويقع في اثني عشر جزءًا في أربعة مجلدات يحدثنا المؤلف عن نهجه في تفسيره بالبيان التالي: ١ - تجزئة المجموعات والفصول إلى جمل تامة، يصح الوقوف عندها من حيث المعنى والنظم والسياق، وقد تكون الجملة آية واحدة أو آيات قليلة، أو سلسلة طويلة من الآيات. ٢ - شرح الكلمات والتعابير الغريبة، وغير الدارجة كثيرًا، بإيجاز ودون تعمق لغوي ونحوي وبلاغي، إذا لم تكن هناك ضرورة ماسة. ٣ - شرح مدلول الجملة شرحًا إجماليًا، حسب المقتضى المتبادر، بأداء بياني واضح، ودون تعمق كذلك في الشروح اللغوية والنظمية، مع الاستغناء عن هذا الشرح والاكتفاء بعرض الهدف والمدلول، إذا كانت عبارة الجملة واضحة نظمًا ولغة. ٤ - إشارة موجزة إلى ما روي من مناسبة نزول الآيات أو في صددها، وما قيل في مدلولها وأحكامها، وإيراد ما تقتضي إيراده من الروايات والأقوال والتعليق على ما يقتضي التعليق عليه منه بإيجاز. ٥ - تجلية ما تحتويه الجملة، من أحكام ومبادئ وأهداف وتلقينات وتوجيهات تشريعية وأخلاقية واجتماعية وروحية، والاعتماد في ذلك على النظر في الدرجة الأولى، وملاحظة مقتضيات تطور مفاهيم الحياة والمفاهيم البشرية وهذه نقطة أساسية وجوهرية في تفسيرنا. وهي كذلك في تفسير القرآن والدعوية القرآنية كما هو المتبادر.

стр. 1661

٦ - تجلية ما تحتويه الجملة من صور ومشاهد عن السيرة النبوية، والبيئة النبوية، لأن هذا يساعد على تفهم ظروف الدعوة وسيرها وأطوارها، وجلاء جو نزول القرآن، الذي ينجلي به كثير من المقاصد القرآنية. ٧ - التنبيه على الجمل والفصول الوسائيلية والتدعيمية (١)، وما يكون فيها من مقاصد أسلوبية، كالتعقيب والتعليل والتطمين والتثبيت والتدعيم والترغيب والترهيب والتقريب والتمثيل والتنديد والتذكير والتنويه، مع إبقاء ذلك ضمن النطاق الذي جاء من أجله، وعدم التطويل فيه، والتنبيه بإيجاز إلى ما ورد بصدده، إذا اقتضى السياق بما لا يخرج به عن ذلك النطاق. ٨ - الاهتمام ببيان ما بين آيات وفصول السور من رابط، وعطف الجمل القرآنية على بعضها سياقًا أو موضوعًا، كلما كان ذلك مفهوم الدلالة، لتجلية النظم القرآني، والترابط الموضوعي فيه، لأن هناك من يتوهم أن آيات السور وفصولها مجموعة إلى بعضها بدون ارتباط وانسجام، في حين أن إمعاننا فيها جعلنا على يقين تام بأن أكثرها مترابط ومنسجم (٢). ٩ - الاستعانة بالألفاظ والتراكيب والجمل القرآنية، في صدد التفسير والشرح والسياق، والتأويل والدلالات والهدف والتدعيم والصور والمشاهد، كلما كان ذلك ممكنًا. وهذا ممكن في الأعم الأغلب، حيث يوجد كثير من الآيات مطلقة في مكان، مقيدة في مكان آخر، وعامة في مكان مخصصة في مكان آخر، كما يوجد كثير من الجمل المختلفة في الألفاظ المتفقة في المعاني والمقاصد (٣). ثم بعد ذلك

стр. 1662

بالروايات إذا ما كانت متسقة مع المفهوم والسياق، ثم بأقوال المفسرين إذا كانت كذلك. ١٠ - العطف على ما جاء في كتاب "القرآن المجيد" من بحوث، حيث تفسير الجملة ومقاصدها تفاديًا من التكرار والتطويل. ١١ - عرض المعاني بأسلوب قريب المأخذ، سهل التناول والاستساغة، واجتناب الألفاظ الحوشية والخشنة والغريبة والعويصة. ١٢ - شرح الكلمات والمدلولات والموضوعات المهمة المتكررة شرحًا وافيًا، وخاليًا من الحشو عند أول مرّة ترد فيها، والعطف على الشرح الأول في المرات التالية، دون تكرار شرحها في مواطن تكرارها. وقد رأينا بالإضافة إلى هذا من الفيد وضع مقدمة، أو تعريف موجز للسور قبل البدء بتفسيرها، يتضمن وصفها ومحتوياتها، وأهم ما امتازت به، وما يتبادر من فحواها، من صحة ترتيبها في النزول وفي المصحف (١)، وما في السور المكية من آيات مدنية، وفي السور المدنية من آيات مكية (٢)، حسب الروايات والتعليق على ذلك حسب المقتضى. وكذلك وضع عناوين للموضوعات والتعليقات الهامة، التي تناولناها بالبحث والشرح والبيان، ليسهل على من ينظر في التفسير مراجعة ما يريد منها (٣). ترتيب يشذ به عن المفسرين: هذا هو المنهج الذي رسمه المؤلف. وهو كما نرى تعوزه الدقة في اللفظ والموضوعية في التقسيم. ولكن ربما يكون هذا هو أسلوب المؤلف الذي تعود،

стр. 1663

ولكل امرئ من دهره ما تعودا، إلا أن الذي ينبغي أن نقف عنده وقفة غير قصيرة، هو الترتيب الذي سلكه المؤلف في تفسيره، فلقد كان بدعًا من المفسرين، ولا نعلم أن أحدأ قبله سلك هذا المسلك. وهذا هو المؤلف يبين سبب هذا المسلك بقوله: "ولقد رأينا أنْ نجعلَ ترتيب التفسير، وفق ترتيب نزول السورة، بحيث تكون أولى السور المفسرة العلق ... لأننا رأينا هذا يتسق مع المنهج الذي اعتقدنا أنه الأفضل لفهم القرآن وخدمته، إذ بذلك يمكن متابعة أطوار التنزيل ومراحله بشكل أدق وأوضح، وبهذا وذاك يندمج القارئ في جو نزول القرآن، وجو ظروفه ومناسباته ومداه ومفهوماته، وتتجلى له حكمة التنزيل" (١). وهذا على فرض التسليم به، يصح لو أن كلّ سورة نزلت دفعة واحدة، غير مفصول بين آياتها بآيات أخرى من سور أُخر أو بسور كاملة، مع أننا نعرف أن الأمر ليس كذلك، والمؤلف الفاضل يعرف هذا ويقرره. فسورة البقرة مثلًا نزلت في قرابة عشر سنين، ففيها آيات تحويل القبلة، وهي في السنة الثانية للهجرة، وفيها آيات الربا وهي من أواخر الآيات نزولًا، بل فيها آية نزلت قبل انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، بثمان ليال، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]، ومعنى هذا أن سورة البقرة استوعبت العهد المدني كله، فتكون السور المدنية جميعها قد نزلت في أثناء نزول سورة البقرة. الأدلة التي اعتمدها ومناقشتها: ولقد حاول المؤلف أنْ يستند في ما ذهب إليه إلى أدلة وفتاوى من بعض العلماء، فترتيب السور ليس توقيفيًا كما يقول، ولقد كان لعلي مصحف حسب ترتيب النزول كذلك، ولبعض العلماء تفسيرات لم يراعوا فيها ترتيب المصحف،

стр. 1664

كهشام الكلبي الذي ألّف تفسيرًا في آيات أنزلت في أقوام بأعيانهم، وشيخ الإسلام ابن تيمية الذي ألف تفسيرًا لسورة الإخلاص ولبعض السور، وكذلك الفتاوى التي استند إليها المؤلف، ومنها فتوى لمفتي سورية السابق، الدكتور الطبيب الشيخ أبو اليسر عابدين، ومنها فتوى للشيخ عبد الفتاح أبي غدة من علماء حلب. ويقول هذا الأخير في فتواه إنه لا مانع من ذلك، ويستدل بما فعله ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن - وبكتاب المؤلف "القرآن دستور الحياة". هذا باختصار ما استند إليه المؤلف، وهو لا ينهض دليلًا على ما اتبعه في تفسيره، أما كون ترتيب المصحف ليس توقيفيًا، فهو مع أنه مسلَّم له، إلا أنه حجة عليه، لا حجة له. وأما مصحف علي كرم الله وجهه، فمع أنَّها رواية، إلا أن مصحف عثمان ﵁ قد أجمع عليه الصحابة، ولو كان لعلي رأي في مخالفته لظهر في وقته. وأما استناد المؤلف لعمل بعض العلماء، فإن من الواضح أنه لا حجية فيه أبدًا، وذلك لأن هؤلاء العلماء الفوا في موضوعات خاصة، أو تفسيرًا لسورة بعينها وأما ما ذهب إليه عالم الشهباء، واستدلاله بابن قتيبة فإنه استدلال بعيد لأن ابن قتيبة لم يؤلف تفسيرًا، وخير دليل على ذلك كتاب ابن قتيبة نفسه، وهذه موضوعات هذا الكتاب نذكرها، لندرك منهج ابن قتيبة في كتابه. • باب العرب وما خصهم الله به. • باب ما ادعي على القرآن. • باب اللفظ الواحد للمعاني. • باب تفسير حروف المعاني وما شاكلها من الأفعال التي لا تنصرف. • باب دخول بعض حروف الصفات مكان بعض. هذا هو كتاب ابن قتيبة، فهل يصلح أن يستشهد به على تفسير القرآن؛ لكل سوره وآياته حسب ترتيب النزول؛ وهذا الإمام البخاري ﵁، يذكر في باب تفسير السور كما يعرفها المسلمون جميعًا، وهو الترتيب الذي سار عليه المفسرون من بعده، ومن قبله كذلك.

стр. 1665

محاذير هذه الطريقة: والحق أن صنيع مفسرنا الفاضل انفرد به هو، دون أن يجد أحدًا من قبله يستأنس به على ما فعله. وليس معنى هذا أنني أحكم بحرمة هذا العمل وعدم جوازه، فأنا الآن لست في مجال الفتيا، لكن الذي أود أن أشير إليه وأقرره، أن هذا الصنيع لم يسبق إليه أولًا من جهة، وهو باب ذو خطر عظيم على القرآن من جهة ثانية، ولن يؤدي للنتائج التي توخاها المؤلف من جهة ثالثة. أما أنه لم يسبق إليه، فذلك ظاهر كما تقدم، وأما أنه يفتح باب الخطر على القرآن، فلأننا رأينا في السنين الأخيرة مقالات كتبت بأقلام مسمومة، وسمعنا أصواتًا منكرة تنادي بإعادة ترتيب المصحف على غير ما هو عليه الآن. ويتظاهر المنادون بالغيرة الشديدة على الإسلام (١). عدم تأديتها للنتائج التي قصدها المؤلف وأمثلة ذلك: وأما أنه لن يؤدي النتائج التي أرادها المؤلف، فلأن سور القرآن كما قلت من قبل، لم تنزل كلّ سورة منها دفعة واحدة. فهناك الآيات المدنية في السور المكية وليس العكس (٢)، وهناك السور التي نزلت متداخلة، أو التي نزلت في أثناء نزول سورة واحدة، فضلًا على أن ترتيب النزول غير مقطوع به، باعتراف المؤلف نفسه ولقد تضاربت فيه الأقوال وتباينت الآراء، وكل هذا في اعتقادي لأن الترتيب الأخير للمصحف، هو الترتيب الذي اهتم به المسلمون فلم يبالوا بغيره، نعم قد نتبع هذا الترتيب، أعني ترتيب النزول حسب أشهر الروايات في موضوعات خاصة، كتدرج الأحكام، أو دراسة القصص القرآني، ولقد سرت على هذا في كتابي

стр. 1666

القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته، وقصص القرآن الكريم: صدق حدث، وسمو هدف، تهذيب نفس وإرهاف حس. وأحب هنا أن آتي بمثال لتوضيح ما قلته، من أن هذه الطريقة لم تؤدِّ النتيجة التي قصدها المؤلف: ١ - آيات التحدي: حينما صدع الرسول ﷺ بالحق، آذاه المشركون واتهموه، فتحداهم بالقرآن، والذي يهمني من هذا آيتان من آيات التحدي. إحداهما في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨] والثانية في سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]. وسورة يونس في تفسير الأستاذ دروزة قبل سورة هود، فهل يتنبه لهذه المسألة ليبين لنا - وهو الذي يفسر حسب ترتيب النزول - كيف تحداهم القرآن بسورة واحدة أولًا، ثم عاد ليتحداهم بعشر سور منه؟ هل جاؤوا بهذه السورة فلما رآهم جاؤوا بها، قال أريد عشر سور؟ يقينًا أن ذلك لم يكن، ولم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا، لكن كيف تحداهم بعشر إذن؟ وهل يجوز أن يطلب من أحد من الناس قصيدة من ثلاثين بيتًا من الشعر، فإذا عجز عن ذلك قيل له: ائتنا بستين بيتًا إذن؟ أو أن يقال لأحد الناس: ارفع بيديك خمسين رطلًا، فإذا عجز نقول له: ارفع مئة رطل؟ إن الذي يفسر حسب ترتيب النزول - لأنه في رأيه التفسير الذي يفهم به القرآن فهما صحيحًا - لا بد أن يبين مثل هذه الأمور، فهل بين هذا الأستاذ عزت دروزة في تفسيره؟ يقول في تعليقه على آية يونس عند الحديث عن كلمة "سورة": "ومهما يكن من أصل اشتقاقها اللغوي وأصل معناها، فإن السياق الذي وردت فيه هذه الكلمة في القرآن، يدل دلالة لا ريب فيها، على أنَّها تعني مجموعة مستقل وكاملة من

стр. 1667

الآيات والفصول القرآنية. وأن هذا المعنى كان مفهومًا ومألوفًا في الوسط العربي، الذي خوطب بالقرآن لأول مرّة، وأن تقسيم القرآن إلى المجموعات التي سميت سورًا، كانت نتيجة لذلك أيضًا. ولما كانت هذه الكلمة قد وردت بعد نزول طائفة كبيرة من القرآن المكي، فمن الممكن أن يقال إن كثيرًا من السور القرآنية، كان في هذا العهد قائم الشخصية، وفي سورة هود التي يجيء ترتيبها في روايات النزول، بعد سورة يونس تحدٍّ للكفار بعشر سور مما فيه تأييد لما نقول" (١). ويقول في تفسير آية هود: "تضمنت الآية الثانية ترديدًا لما كانوا ينسبونه إلى النبي ﷺ من افتراء القرآن، وأمرًا يتجسد جهم بالمقابلة فليأتوا بعشر سور مثله إذا كانوا صادقين في زعمهم بأنه مفترى، وليستعينوا بمن يستطيعون على ذلك" (٢). ويعلق على دلالة تكرار تحدي الكفار بالقرآن بقوله: "هذا، ويلحظ أن تحدي القرآن للكفار بالإتيان بشيء مثل القرآن، وتقريره الصريح والضمني بعجزهم عن ذلك. فقد توالى في السور الثلاث المتتابعة في النزول، أي الإسراء ويونس وهود، وهذا يعني أن موضوع الوحي القرآني، كان من أهم مواضيع الجدل والمكابرة من قبل الكفار. وهذا مؤيد بكثرة ما حكاه القرآن من مواقف جدلهم ومكابرتهم إزاء القرآن مما مرت منه أمثلة عديدة" (٣). فنحن نرى من هذين النصين أن المفسر الفاضل، لم يتعرض من قريب أو بعيد لهذه النقطة الهامة، مع أن لها صلة تاريخية بأمر هام من الأمور التي قصدها القرآن وهو التحدي.

стр. 1668

٢ - آيات الإسراء والمعراج: يجمع المفسرون على أن آيات سورة النجم ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٣ - ١٨] تحدثت عما كان للرسول ﷺ من كرامة عند ربه ليلة المعراج لكن مفسرنا الكريم يأبى هذا، معللًا ذلك بأن هذه السورة كانت من أوائل سور القرآن نزولًا، وأن المعراج كان متأخرًا، ولهذا فهو ينكر أن تكون هذه الآيات تعني تلك الحادثة، ويرى أن المعراج كان رؤيا منامية. ولعل من الخير أن ننقل ما قاله في هذا الموضوع. يقول معلقًا على هذه الآيات التي ذكرناها؟ "في الآيات إشارة إلى مشهد روحاني آخر، شاهده النبي ﷺ ، فشاهد فيه ما شاء الله أن يشاهده من آيات الله الكبرى" (١). ويعلق على حادثة الإسراء والمعراج، بقوله: "ولقد ذكر معظم المفسرين أن هذه الآيات تشير إلى حادث العروج النبوي إلى السماء، وأوردوا في ذلك أحاديث وروايات كثيرة، فيها شيء غير يسير من التقارب، فهل كان ذلك يقظة أو منامًا وإذا كان يقظة كان مشهدًا روحيًا أو وحيًا؛ هذا أولًا. وثانيًا: إن معظم الروايات تقرن الإسراء والمعراج معًا، مع أن حادث الإسراء ذكر في القرآن في سورة الإسراء غير مقترن بشيء آخر. ومن الروايات ما يذكر الإسراء وحده دون المعراج، ومنها ما يجعل الإسراء والمعراج أكثر من مرّة. وثالثًا: إن في الروايات تضاربًا من حيث وصف الإسراء والمعراج، فمنها ما يذكر أن هذه الحادثة كانت بعد البعثة بخمسة عشر شهرًا، وهذا ما يطابق نزول سورة النجم، ولا يطابق نزول سورة الإسراء التي نزلت متأخرة. ومنها ما يذكر أنهما وقعا بعد البعثة بخمس سنين، وهذا يطابق سورة الإسراء دون النجم، وهناك روايات تذكر أنهما قبل الهجرة بخمس سنين أو بسنة واحدة وهذا لا يطابق نزول

стр. 1669

أي من السورتين، وهناك رواية غريبة جدًّا تَذكر أنهما وقعا قبل البعث بسنة واحدة. وفي الروايات والأحاديث التي ذكرت الحادثين، روايات فيها أشياء عجيبة غريبة، مثل رواية العجوز التي دعت النبي إليها في طريقه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومثل جمع الله جميع الأنبياء في المسجد الأقصى، وصلاة النبي بهم إمامًا، ومثل المعراج الذي صعد درجاته إلى السماء، وفتح أبواب السماء مما فيه تقرير عادية السماء ولقائه بالأنبياء أحياءً عَلى أشكالهم الدنيوية في السموات. ومثل وصف العرش واللوح المحفوظ والأقلام والجنة والنار، ومثل طريقة فرض الصلاة ومثل شق بطن النبي ﷺ . هذا يوحي بالتحفظ في ربط آيات النجم التي نحن بصددها، والتي هي بسبيل وصف مشهد روحاني رباني لحادثي الإسراء والمعراج، أو قرن الحادثين في سياق واحد، ويجعلنا نرجح ما قلناه في سياق الآيات السابقة، وهو أن تلك الآيات هي في صدد المشهد الذي ذكرناه في سورة التكوير، وأن هذه الآيات هي في صدد مشهد روحاني مماثل وقع بعد ذلك، ولا نستطيع أن ندرك كنهه، وليس عندنا دليل قطعي يساعد على توضيح مداه، وبخاصة المقصود من سدرة المنتهى وجنة المأوى" (١). ولقد اضطررت أن أنقل هذا الكلام مع طوله، لما فيه من عجب واستغراب ومع أنني لست الآن بصدد مناقشة المفسر حول آرائه في التفسير إلا أن ذلك كان أمرًا لا بد منه لتعلقه بما نحن بصدده. لقد خلط المفسر الفاضل بين غث الروايات وسمينها وصحيحها وضعيفها، هذه من ناحية، وحاول من ناحية ثانية تحديد نزول الآيات وسنيها. وذلك إنما هو منه تخمين، لا يستند على أمر قطعي، فهل من الضروري أن تنزل سورة كسورة النجم دفعة وحدة؟ ألم ينزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠] في سورة الأنفال وهي مدنية، تحدثت عن غزوة بدر، مع أن الآية تشير إلى ما كان من المشركين في مكة قبل الهجرة، وعلى فرض التسليم بنزول آية النجم مبكرة، فلم

стр. 1670

تكون هذه الآيات قد نزلت بعد حادثة المعراج، مع أنه ليس هناك ما يثبت المسافة الزمنية، بين نزول هذه الآيات وبين حادثة المعراج، ومن ناحية ثالثة يعد المفسر المعراج مشهدًا روحانيًا فقط، مع صراحة قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]. من ناحية رابعة يستغرب ويعجب مما ورد في الأحاديث الصحيحة، التي أجمعت الأمة على صحتها، ولا أظن أن المؤلف يخرج عن هذا الإجماع. وخلاصة القول أن الترتيب الذي سار عليه المؤلف، ظنًّا منه بأنه يؤدي إلى الفهم الصحيح للقرآن، أكثر من غيره، رأيناه لا يحل كثيرًا من الأمور التي تشتبه على الناس، بل ربما يدخل في متاهات، تبعد بالمرء عما أجمع عليه الأئمة في مختلف العصور. وبعد، فأكتفي بما ذكرته من تعليق على طريقة المفسر ومنهجه، لننتقل لدراسة تفسيره، والوقوف على ما بثه من أقوال وآراء، راجيًا الله ﵎ أن يجنبني الزلل، وأن يجعلني من الذين لا يبخسون الناس أشياءهم، وأن يوفقني لجلاء الحقيقة دون تأثر أو تهيب، والله من وراء القصد والله ولي التوفيق. نماذج من تفسير المؤلف: وقبل أن نتعرض لبعض جزئيات التفسير، لا بد من إعطاء صورة واضحة مقتبسة من تفسيره لبعض الآيات، فهو يقسم السورة إلى مقاطع وفصول حسب ما تحتويه من موضوعات، في رأيه، بعد أن يقدم لها. وبعد أن يذكر مقطعًا من المقاطع يتبعه بتفسير معاني المفردات، ثم يذكر معنىً إجماليًا لهذا المقطع، ثم يعلق على بعض الآيات التي يجد أنَّها بحاجة إلى هذا التعليق. تعبير غير دقيق: وهو في كثير من المواضع يترك هذا المعنى الإجمالي، معللًا ذلك بقوله: "الآيات لا تحتاج إلى أداء آخر، مع أن هذا التعبير لا نعتقد أنه يناسب آيات القرآن، فإن كلمة (أداء) إنما تفهم إيراد الجمل بصيغة غير الصيغة التي وردت فيها".

стр. 1671

وهذا غير صحيح بالنسبة للقرآن الكريم، لأن ذلك غير ممكن بالطبع فهناك فرق كبير بين أداء وتفسير، وهذا يصدق حتى بالنسبة لكلام الناس. فإن نثر أبيات من الشعر لا يعني شرحها، وتجلية صورها المختلفة. فها هو عند تفسيره لسورة نوح ﵇ مثلًا، بعد أن يأتي بجميع آياتها ويفسر مفرداتها، يقول: "عبارة آيات السورة واضحة، لا تحتاح إلى أداء آخر". ومثل ذلك في سورة طه، عندما يفسر المقطع من قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٨]. فإنه يقول: "وعباراتها واضحة لا تحتاج أيضًا إلى أداء آخر" وهذا كثير جدًّا في تفسيره. وهو كثيرًا ما يحيل القارئ في أكثر الآيات على كتب التفسير، وبخاصة الطبري والطبرسي والخازن والبغوي، وربما يرجح رأيًا مع أن الكتب التي أحال إليها ترجح رأيًا آخر. يظهر هذا مثلًا في تفسيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، فإنه يرجح أن (من) معطوف على لفظ الجلالة، مستدلًا بالآية التي قبلها، وهي قول الله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال: ٦٢] مع أن المفسرين الذين أحال عليهم رجحوا غير هذا، وكذلك الآية الكريمة، تدل على أن الحسبية لله وحده، وهذا نص الآية: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ (١). وهذا ما جاء في الآيات الكثيرة مثل ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٨]، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩]. وهذا أنموذج من تفسيره.

стр. 1672

سورة التكوير: يقول: "السورة فصلان: الأول في صدد يوم القيامة، وهول أعلامه وحساب الناس فيه ومصائرهم، والثاني في صدد توكيد صدق ما أخبر به النبي ﷺ من صلته بوحي الله وملكه، ونفي الجنون عنه وصلة الشيطان به. والفصلان على اختلاف موضوعيهما غير منفصلين عن بعضهما، والمرجح أنَّها نزلا متتابعين فوضع الواحد بعد الآخر" (١). وبعد بيان معاني مفردات الفصل الأول، يقول: "تشير الآيات إلى قيام القيامة أو اليوم الآخر، وما يكون حينذاك من انقلاب وتبدل في نواميس الكون كانمحاق ضوء الشمس وانطفاء النجوم وتسيير الجبال ... إلخ"، ثم يقول تحت عنوان (تعليق على جملة "إذا الصحف نُشِرَتْ"): وبمناسبة آية ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير: ١٠] نقول: إن هذا المعنى قد تكرر بأساليب متنوعة في القرآن، وقد ذكر في بعض الآيات أن لله على الناس مراقبين يكتبون ما يفعلونه، وأن ما يكتبونه هو صحف أعمال الناس، التي تنشر يوم القيامة وتوزع على أصحابها، وتعطى للناجين بأيمانهم وللخاسرين بشمالهم ... ولما كان الله غنيًّا عن كلّ ذلك، لا يعزب عنه شيء، فالذي يتبادر منه - مع ما ينطوي فيه من حقيقة إيمانية، ومع دخول ذلك في نطاق قدرة الله - أنه بسبيل الإنذار والترهيب والوعيد بأسلوب من الأساليب، التي اعتادها الناس في الدنيا، من تسجيل الأحداث وإبراز التسجيلات في مقام الإثبات والإفحام ... وأن هذه الآيات وأمثالها من الوسائل التدعيمية التي يجب أن لا تتجاوز غايتها (٢).

стр. 1673

رأيه في بعض مسائل التفسير: ١ - فواتح السور: يرجح السيد دروزة في تفسيره لفواتح السور - الحروف المقطعة - أنَّها جاءت للتنبيه واستدعاء السماع والأذهان لما يأتي بعدها، ويرى أن هذا القول أوجه ما قيل فيها، ومما يؤيد ذلك الترجيح والتوجيه عنده، هو اتباع بعض تلك الحروف بجمل قسمية. ولا يرى وجاهة في القول بأن تلك الحروف تنطوي على أسرار، أو أنَّها رمز إلى عدد آيات السور، بحجة أن ذلك ليس مما تحمله طبيعة مهمة النبي ﷺ ، فضلًا على أن أمرًا بهذه الخطورة، لا يثبت إلا بدليل نقلي متواتر عن رسول الله ﷺ ، حتى يفيدنا في ذلك العلم واليقين. رده القول برمزية الحروف: ويرد السيد دروزة على السيد نصوح الطاهر حول موضع "أوائل السور في القرآن"، من أنَّها تحمل سرًّا يرمز إلى عدد آيات السور. فيقول: "ومن ينعم النظر فيها يرى تجوزًا وتلفيقًا بارزين في الحساب، وتسليمًا بروايات مدنية الآيات في السور المكية، ومكية الآيات في السور المدنية بدون سند وثيق، وعدم التسليم ببعضها بدون سند وثيق كذلك، لأجل الحساب والتطبيق. وهذا فضلًا عما يثيره هذا المذهب من إشكالات متنوعة، بعضها ذو خطورة شديدة. ومما يقوله السيد الطاهر أن الحروف في بعض السور، بل في معظمها، كانت ترمز إلى عدد آيات السور في مرحلة من المراحل، وقبل ترتيب آياتها نهائيًا، ثم أُضيف بعد هذه المرحلة إليها آيات أخرى، ومن السور المكية أضيف له آيات مدنية، ومن السور المدنية ما أضيف له آيات مكية، وأن من السور ما كان متداخلًا بعضه في بعض، فلما رتبت آيات السور اختل العدد الذي ترمز إليه الحروف في الحساب الأبجدي" (١).

стр. 1674

ويرى السيد دروزة أن لا معنى للرمزية وقتئذٍ، بمجرد إضافة آيات أو فصول إلى سورة ما، وأن هذا الأمر لا يخلو من أحد أمرين خطيرين: أولهما: نسبة المخالفة إلى الرسول ﷺ ، لكونه قد أخلّ بحكمة الرمزية الربانية، وحاشاه أن يفعل، أو لأنه لم يبين بعض ما أنزله الله عليه، وحاشاه أن يفعل. والثاني: نسبة المخالفة إلى صحابته، والإخلال بالحكمة الرمزية الربانية وحاشاهم أن يفعلوا. يقول السيد دروزة: "وهذا يعني أن إضافة آيات أو فصول إلى سورة ما مرموز فيها إلى عدد آياتها، في مرحلة من المراحل، قد أخلت بالرمزية وبالتالي قد أفقدتها حكمتها التي علمها الله، فإذا فرضنا أن ترتيب السور في صورتها النهائية، قد تم في حياة النبي ﷺ وأمره، وهو ما رجحناه في كتابنا "القرآن المجيد" استنادًا إلى دلائل وقرائن عديدة، فيكون النبي قد أخلّ بحكمة الرمزية الربانية، وحاشاه أن يفعل ... وإذا كان الترتيب قد تم بعد وفاته، على ما يقول به بعض العلماء، فيرد حينئذٍ سؤال عما إذا كان النبي، قد أخبر أصحابه بمفهوم الرمز؟ فإذا لم يكن قد أخبرهم به، فيكون قد خالف أمر الله، فلم يبين بعض ما أنزله الله عليه، وحاشاه أن يفعل. وإذا كان قد أخبرهم به فيكونون قد خالفوه، وأخلوا بحكمة الرمزية الربانية معًا، وحاشاهم أن يفعلوا. بقي هنا أمر وهو أن النبي لم يعرف مفهوم ورمزية الحروف، وظل هذا خفيًا على جميع الناس، إلى أن كشف عنه السيد الطاهر، ولا نظن أن هذا السيد يدعي ذلك" اهـ (١). رحم الله الأستاذ دروزة وجزاه خيرًا فهو عن فيما ذهب إليه، وللأستاذ نصوح الطاهر ﵀ كبوات كثيرة في تفسيره الذي نحمد الله على أنه لم ينتشر بين القراء وقد أهدى منه نسخة إلى مجمع اللغة العربية الأردني.

стр. 1675

إيراده أقوالًا غير معتبرة في تفسير هذه الحروف: ويورد السيد دروزة أحيانًا أقوالًا لبعض المفسرين، حول تفسير بعض تلك الحروف، إلا أنه ينوه إلى الرأي الذي رجحه بخصوصها، ومثال ذلك قوله عند تفسير (ق): "قال بعض المفسرين، إن (ق) اسم جبل. ومنهم من قال: إنه جبل أخضر محدق في الدنيا، ومنهم من قال: إنه اسم السورة، أو من أسماء الله، ومنهم من قال: إنه حرف مثل الحروف المفردة، التي بدئ بها كثير من السور للتنبيه والاسترعاء. ونحن نرجِّح هذا لأن القسم بالقرآن، أعقب حرف (ق) وهذا الأسلوب قد تكرر كثيرًا في هذه السور، بل هو الأغلب" اهـ (١). ويقول عند تفسيره لـ (ص): "قال بعض المفسرين في حرف (ص): إنه بسبيل وصف صدق النبي. وقال بعضهم: إنه من أسماء الله الحسنى، وقال بعضهم: إنه حرف من أنواع الحروف المنفردة، التي بدئت بها السور الأخرى للاسترعاء، وهو ما نراه الأوجه. فقد أعقبه قسم بالقرآن، وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني في معظم مطالع السور المماثلة" اهـ (٢). ويقول عند تفسير (طس) النمل (٣): "بدأت السورة بحرفي الطاء والسين، استرعاء للسمع، لما يأتي بعدهما على ما ذكرناه في أمثالها" ويقول عند تفسير (الم) البقرة (٤): "بدأت السورة بحروف الألف واللام والميم للاسترعاء والتنبيه. وقد أعقبت الحروف إشارة تنبيه وتنويه إلى القرآن، جريًا على الأسلوب القرآني في معظم السور المبدوءة بالحروف المقطعة".

стр. 1676

تعليله لكثرة الحروف أو قلتها: ويلاحظ في تفسير السيد دروزة لفواتح السور، أن تعدد هذه الحروف لا يقتضي تأويلًا جديدًا. ويعلل هذا التعدد أحيانًا تعليلًا طريفًا، كاتصاله بطول السور أو بقصد التنبيه إلى خطورة موضوعها. وهذا ما نراه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿المص﴾ (١) الأعراف. حيث يقول: " (المص) هذه السورة أولى السور التي تعددت حروف مطلعها المنفردة، حيث كانت السور التي قبلها من ذوات الحروف المنفردة، تبدأ بحرف واحد وهي: (ن) و (ق) و (ص) وتعدد الحروف لا يقتضي تأويلًا حديثًا لمثل هذا المطلع، الذي رجحناه أنه لاسترعاء الأسماع والأذهان في سياق سورة القلم. ولعل حكمة هذا التعدد متصلة بطول السورة، حيث هي أول السور الطويلة المكية نزولًا بل أطولها" اهـ. وعند تفسيره لقوله تعالى: (كهيعص) يقول: "بدأت السورة بأحرف خمسة مقطعة، وتعددت الأقوال فيها، ونختار منها قصد الاسترعاء والتنبيه. وقد يكون تعدد الحروف بقصد التنبيه إلى خطورة الموضوع" اهـ. رد هذا التأويل: وهكذا لا يخرج الأستاذ دروزة عن أقوال المفسرين في هذه الحروف. ونحن معه في رده على السيد نصوح الطاهر حول دعوى الرمزية الربانية، ولكنا نخالفه فيما ذهب إليه من أن حكمة تعدد الحروف المقطعة، يعود إلى طول السورة أو خطورة موضوعها. فهناك سورة البقرة التي هي أطول سور القرآن، بدأت بثلاثة أحرف (الم)، وهي ليست أقل خطورة في موضوعها من سورة مريم، التي بدأت بخمسة أحرف (كهيعص) وكذلك سورة الرعد بدأت بأربعة أحرف (المر)، وهي أقصر من غيرها من السور التي بدأت بثلاثة أحرف فحسب، فمثلها يونس وهود ويوسف التي بدأت بـ (الر). وهناك سورة غافر التي بدأت بحرفين (حم)، بينما بدأت سورة الشورى التي هي أقصر منها، وموضوعهما يكاد يكون واحدًا، بخمسة أحرف (حم عسق).

стр. 1677

٢ - المفسر والآيات الكونية: يشرح لنا السيد دروزة نهجه في تفسير الآيات الكونية، مبينًا أن الإسهاب فيما أوجز فيه القرآن، لا يدخل في غرض التفسير، فواجبنا أن نقف عند ما وقف عنده القرآن، أو الآثار النبوية الثابتة، بدون توسع وتزيد، لا طائل من ورائهما ويرى أن موضوعات بعض هذه الآيات، من المغيبات التي لا تصح إلا بأحاديث قطعية، متواترة تفيد العلم واليقين، ويعيب على الذين يميلون إلى استنباط الأسرار والفنون من القرآن، والتوفيق بينه وبين النظريات العلمية والفنية، ويرى في مذهبهم إغراقًا في التكلف والتزيد، بل والغلو، أكثر منه في نطاق الحقيقة، ويرى في مثل هذه المحاولات إخراجًا للقرآن الكريم، عن هدفه الوعظي والتذكيري، وتعريضًا له للتعديل والجرح، اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية، على غير طائل ولا ضرورة، ويبين أن كتب التفسير احتوت بيانات وأقوالًا، حول ماهية بعض المغيبات وأن هذه البيانات والأقوال ترجع إلى أسفار غير وثيقة، أو أخبار مقطوعة، لم تصل في سندها إلى رسول الله- ﷺ ، فيستأنس بها. نماذج من هذا التفسير: والشاهد على تفصيل هذا المنهج من تفسيره، يبدو جليًّا عند تناوله لسورة اللَّيل حيث يقول: "أما ماهية الطير والحجارة، فقد ذكر المفسرون القدماء في صددها أقوالًا، تجعل الحادث في نطاق الخوارق والمعجزات، ورووا فيما رووه أن مرضي الحصبة والجدري، ظهرا لأول مرة في الحجاز عقب الحادث، كأنما يريدون أن يقولوا بأن الطير رماهم بحجارة أصيبوا منها بأحد المرضين ... وقد أوَّل الإمام محمد عبده، بأن الحجارة كانت ملقحة بجرثومة الجدري، ولسنا نرى كبير طائل في تحقيق ماهية الحادث لذاته، لأنه خارج عن نطاق الهدف القرآني، ولكنا نقول: إن حرفية آيات السورة وظاهرها على كل حال، في جانب كون الحادث بلاءً ربانيًا خارقًا". وعند تناوله لآيات سورة النور، يعلق على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ

стр. 1678

(٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤١ - ٤٣]، فيقول (١): "والمتبادر كذلك، أن ما احتوته الآيات من نواميس كونية وتكوينية، هو ما يقع تحت مشاهدات الناس ومداركهم، وأن القصد من ذلك هو إثارة الاعتبار فيهم وجعلهم يعترفون بعظمة الله وقدرته ويخضعون له، وليس بسبيل شرح تلك النواميس شرحًا فنيًا إن صح التعبير. ومن الواجب أن يبقى هدف الآيات في هذا النطاق، على ما نبهنا عليه في المناسبات المماثلة الكثيرة" اهـ. ويعيب ما اعتاده بعضهم، من محاولة استنباط النظريات العلمية من آيات القرآن، في معرض حديثه عن آية (٢) ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ [يس: ٣٣] والآيات التالية لها، فيقول: "ولقد جرى بعض المفسرين والباحثين قديمًا وحديثًا، على الوقوف عند هذه الآيات وأمثالها، لاستنباط قواعد فنية كونية منها، أو تطبيق نظريات علمية عليها، وبخاصة في صدد حركات الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار، والإدلاء بآراء متنوعة، هي أدخل في نطاق التكلف والتزيد بل والغلو أكثر منها في نطاق الحقيقة، في حين أن الآيات في مجموعها وأسلوبها وروحها، تحمل الدليل على أن القصد منها هو لفت نظر الناس جميعًا، بأسلوب يفهمونه، على ما يشاهدونه من مظاهر قدرة الله، وكونه كما هو الشأن في جميع الآيات المماثلة، بقطع النظر عما أقام الله سبحانه الكون عليه من نواميس ونسب، وقواعد دقيقة محكمة النظام مطردة السير والجريان، ونحن نرى في مثل هذه الحاولات إخراجًا للقرآن الكريم عن هدفه الوعظي والتذكيري،

стр. 1679

وتعريضًا له للتعديل والجرح، اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية على غير طائل ولا ضرورة". وفي معرض تعليقه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢]، وما بعده من سورة المؤمنون (١)، على ما أورده المفسرون من بيانات، نسبوها إلى بعض الصحابة والتابعين، عن كيفية استلال قطعة الطين، وإرسال جبريل ثم ميكائيل ثم عزرائيل إلى الأرض لهذه المهمة يقول: "فيها الغريب والعجيب وليس لما أوردوه سند وثيق، الموضوع من المغيبات التي لا تصح إلا بمثل ذلك". ويعود بعدها للتعليق على الذين يميلون إلى استنباط الأسرار والفنون من القرآن، والتوفيق بينه وبين النظريات العلمية والفنية والذين يحاولون أن يستدلوا من هذه الآيات، على كون الإنسان إنما صار إنسانًا، بعد سلسلة طويلة جدًّا من التحولات، بدأت من نشوء الحياة من الماء والطين فيقول: "ونرى في هذا تكلفًا وتحميلًا للعبارة غير ما تحتمل" (٢) ثم يؤكد أولوية الوقوف عند ما وقف عنده القرآن، فيقول: "وإن الأولى الوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن مع ملاحظة هذا الهدف البارز فيها، وأنه لا طائل من التزيد والتخمين وتحميل العبارة غير ما تحتمل، ونرى ذلك إخراجًا للقرآن من نطاق قدسيته وأهدافه كما رأينا في كل الشؤون المماثلة". وفي معرض تعليقه على موضوع خلق السموات والأرض يقول (٣): "هذا ولقد احتوت كتب التفسير بيانات، في سياق تفسير هذه السورة والسور الأخرى التي ورد فيها موضوع خلق السموات والأرض، في صدد ماهية الأرض والسموات، وصلة بعضهن ببعض، والمسافات التي تفصل بين كل سماء وأخرى،

стр. 1680

فيها كثير من التزيد، ومعظمها غير مستند إلى أسفار وثيقة، ويفيد ما لا ينطبق على ما هو معروف علميًّا". وكذلك قوله عند تعليقه على آية ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٥] (١): "يمكن أن يتبادر منها، أنها قد جاءت للتقريب إلى الأذهان، التي اعتادت أن تقيس الأمور بالحركات والأبعاد والأيام". ويعلق على موضوع خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في آية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨] فيقول (٢): "إن الإشارات القرآنية، تلهم أن من مقاصدها، التذكير بقدرة الله وعظمته، أكثر من قصد تقرير المدة والكيفيات لذاتها. وفي الآية التي نحن بصددها، وفي آيات سورة فصلت التي أوردناها دليل قوي على ذلك". وهو يرى من كل ما تقدم، أن ما ورد في آيات كان بسبيل التقريب والتمثيل (٣). تعليقنا على هذا المنهج: من استعراض تلك النماذج، ندرك أن المفسر قد وقع في أخطاء ومنزلقات لا تقل عن تلك التي عاب بها، فإنه يكتب وهناك فكرة تسيطر عليه وهي: أن القرآن، لم يأتِ بفهم جديد على أفهام العرب ومدركاتها. وإذن فكل ما قرره القرآن إنما هو على سبيل الوعظ أولًا، وليس لتقرير الحقائق الكونية وبيان نواميسها، ثانيًا. وأنه جاء على سبيل التقريب والتمثيل ثالثًا. وتلك أمور تحمل في طياتها أخطارًا جسيمة وأغلاطًا منهجية. ذلك لأن المنهج القرآني في تقرير الحقائق إنما هو منهج سماوي،

стр. 1681

يقوم على ركائز الحق والصدق والواقعية ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ [الإسراء: ١٠٥]. وكونه كتاب موعظة، مبينًا فيه عظمة الله وقدرته، وأنه تعالى مستحق للعبادة، كل هذا لا يعني أنه ليس بصدد تقرير الحقائق الثابتة بل إنه يستلزم أن تكون مقرراته حقائق ثابتة، ذلك أنه كتاب الله للإنسان ما دامت الحياة، وليس كتابًا يناسب أفهام الذين نزل في عصرهم فحسب، كما ادعى مفسرنا، وهذا من أبواب إعجازه. ثم لا أدري كيف طاوعته يده، أن يكتب تلك الكلمات، واصفًا ما جاءت به الآيات، بأنه على سبيل التقريب والتمثيل والتذكير بقدرته تعالى وعظمته، أكثر من قصد تقرير المدة والكيفيات لذاتها. لأن ما قاله لا يشترط لسرد هذه الأعداد، وتلك الكيفيات، وهذه الاحتمالات، كان السيد دروزة في غنى عنها، ما دام يقدم عليها أو يتبعها بوجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن مما فهمنا كنهه أو لم نفهم، وهذا هو صميم منهجه كما يدعي. إذن فما معنى هذه التقريرات والاحتمالات، إلا أنها ضرب من التزيد، الذي كان صاحبنا في غنى عنه! ! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن في هذه الكلمات، فقدانًا للحكمة فيما جاء به النص القرآني، من صور وأعداد وحقائق، مثل ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] و ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] وغيرها كثير. ٣ - رأيه في السحر: أما رأيه في السحر، فهو يذكر أن سورة الفلق، قد قررت شرًّا للنفاثات أو الحاسد، فيقول (١): "وننبه على أن السورة، ليست بسبيل تقرير قدرة النفاثات في العقد، على إرادة النفع والضرر، ولا تأثير الحاسد في المال والنفس والولد". ويحاول أن يدفع القول بمدنية هذه السورة، ويقول في الأحاديث الواردة في صدد سحر

стр. 1682

صنعه يهودي في المدينة، للنبي ﷺ ، وما كان من أثره فيه "أثارت هذه الأحاديث جدلًا، فيما إذا كان للسحر تأثير حقيقي في النبي ﷺ ، وفيما إذا كان هذا يتفق مع العصمة النبوية، حيث يكون إمكان لصدور شيء من النبي ﷺ ، لا يكون وحيًا ولا صوابًا". ٤ - المفسر والمتشابه: عرفنا مما سبق أن السيد دروزة، يرى في كلمة ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾، أنها تعني الآيات التي فيها أهداف الدعوة وأسسها ومبادؤها المحكمة التي لا مجال فيها للتأويل والتمحل والاشتباه والأخذ والرد، كالآيات التي تقرر وحدانية الله وشمول ربوبيته وكمال صفاته وتنزهه عن آية شائبة، وتسفه الشرك وما لا يليق بالله من ولد ومعين ومساعد، وكالآيات التي تبين الحلال والحرام، وما يجب التخلق به من فاضل الأخلاق الاجتماعية والشخصية، وما يجب اجتنابه من رذيل الأخلاق وسيئها، وتشرع ما يقتضي تشريعه من أمور الدين والدنيا (١). ويرى أن كلمة ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ تعني "ما يمكن أن يشتبه في لفظه أو مدلوله على الأفهام ويكون فيه مجال للتحمل والجدل" (٢). ويقيس على هذا كثيرًا مما جاء في القرآن، "من تشبيهات وتمثيلات وتعبيرات أسلوبية في صدد صفات الله وحركاته وأعضائه ولوحه وكرسيه وعرشه وكونه، وفي صدد صفات الجنة والنار ومشاهد الآخرة والملائكة والقصص والمعجزات والجان والشياطين ... إلخ". ويرى في هذا وسائل لتدعيم المحكم في القرآن على مختلف أنواعه وحدوده.

стр. 1683

فالذي نلاحظه من تحديد مفهوم كلمتي ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾ و ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ عند السيد دروزة، أنه يحاول أن لا يقف فيهما عندما ورد من أقوال العلماء، بل تجده جمع بين أكثر هذه الأقوال، وأضاف إليها من عنده، ورد بعضها الآخر الذي لا يجد فيه وجاهة رأي، كما يزعم ويعرف القرآن بعد ذلك بأنه "محتوٍ نوعين من المجموعات والفصول، واحد محكم أساسًا وجوهرًا، وآخر بمثابة الوسائل والتدعيم، يحتمل أن يكون بأساليب تشبيهية وتمثيلية وترغيبية وقصصية وتذكيرية وحجاجية وتنويهية وتأنيبية وما في نطاق الغيبيات، ويحتمل أن تتعدد وجوه تأويله" (١). والذي يلفت الانتباه أن الأستاذ دروزة ﵀ الذي يعتمد في تفسيره على ما وجده في خزانة الآستانة من كتب التفسير، لم يحط علمًا بجميع أقوال العلماء، ويزعم أنه لم يجد من أقوالهم موافقًا لهذا التقسيم للمحتوى القرآني، فنجده يقول: "وفي هذا فيما نعتقد قول حاسم يجب الوقوف عنده، وفيه بسبيل التعريف بالقرآن ما فيه، من قوة وروعة وحكمة وتلقين، ونسأل الله أن يكون فيما نقرره الصواب والسداد ونستغفره إن كنا مخطئين" (٢). هذا وعند تناوله لآيات المتشابه، نجده ينوه بجدارة الأخذ برأي السلف من أهل السنّة "وهو عدم البحث والجدل في الماهية والكيفية، مع تنزيه الله سبحانه عن الجسمانية والجهة والحدود، والحاجة إلى أي شيء، والمماثلة لخلقه في أي شيء، عملًا بالضابط القرآني المحكم، هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " (٣). ويذكر أن الألفاظ والصفات التي تنسب إلى الله سبحانه: الأعضاء الجارحة والحواس ووظائفها، من المواضيع الجدلية بين علماء الكلام. ويرى في إثبات بعضهم الجارحة لله سبحانه، تزيدًا في التأويل لا يحتمله سياق الآيات القرآنية وروح التعبير فيها،

стр. 1684

ويرى أنه أريد بكل هذه الألفاظ "اتصاف الله بكل الصفات الكاملة، التي تفيد القدرة والإحاطة" (١). ويقول بأنها استعملت "في معرض الدلالة على ذلك، لأنها تخاطب الناس حسب مألوفاتهم، مما اعتادوه أو تصوروه من صور وأشكال، بقصد التقريب للأذهان" (٢). نماذج من التفسير: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] يقول: "كناية عن وقت اشتداد الخطب، حيث كان من عادة العرب، إذا اشتدت معركة الحرب، أن يكشفوا عن سيقانهم. وهنا يعني يوم القيمة واشتداد الخطب فيه" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢ - ٢٣]. يقول: "يقف الله لمحاسبة الناس والملائكة من حوله صفوفًا، وتهيأ جهنم لمستحقيها"ـ. ويقول كذلك: "الله منزه عن مفهوم المجيء والرواح والوقوف والجلوس، وغير ذلك من أفعال الخلق وصفاتهم" (٤). ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ولقد كان تعبير ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ موضوع أقوال، تتصل بعلم الكلام وصفات الله، من حيث نسبة الجوارح إلى الله تعالى، ولسنا نرى التعبير والسياق يتحملان ذلك، فقد قصد به كما هو المتبادر، شدة التوكيد على خطورة العهد والبيعة، وكون الله تعالى شاهدًا عليهما، استهدافًا لقوة التلقين، الذي أريد بثه في نفوس المسلمين (٥).

стр. 1685

ويجدر بنا أن نقف عند تفسيره لتعبير -وجه الله- في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. يقول في تفسير سورة القصص "روح التعبير هنا يفيد أن المقصود به ذات الله تعالى، ولا يتحمل جدلًا فيما نعتقد" (١)، وفي سورة الرحمن يقول "وتعبير، وجه ربك بمعنى ذات الله ، وهو تعبير أسلوبي مألوف في المخاطبات البشرية التي نزل القرآن بأسلوبها" (٢). ومما يقوله في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥]: "ولقد تعددت الأقوال في صدد الكرسي، كما هو الأمر في صدد العرش واللوح والقلم، ومنها ما جاء فيه أوصاف مادية، لا تخلو من غرابة، ولا تنسجم مع صفات الله وتنزهه، وليست متصلة بحديث نبوي وثيق السند. وأظهر الأقوال وأكثرها انسجامًا مع صفات الله، أن الكلمة مستعملة على سبيل المجاز، وأن المقصود منها بيان عظمة ملك الله وسلطانه والله أعلم" (٣). وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ]، يقول في صدد الاستواء: "إن أصل معناه تساوي الشيء واستقامته واعتداله، وقد تطلق الجملة من قبيل المجاز، فتكون بمعنى التملك بالنسبة للملك، أكثر منها بمعنى الجلوس على العرش أو الكرسي" (٤). ويورد قول ابن كثير في وجوب السير في طريق السلف الصالح، بالمرور بالجملة من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، وملاحظة كون الله لا يشبهه شيء من خلقه،
следующие страницы →