← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

يقوم على ركائز الحق والصدق والواقعية ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ [الإسراء: ١٠٥]. وكونه كتاب موعظة، مبينًا فيه عظمة الله وقدرته، وأنه تعالى مستحق للعبادة، كل هذا لا يعني أنه ليس بصدد تقرير الحقائق الثابتة بل إنه يستلزم أن تكون مقرراته حقائق ثابتة، ذلك أنه كتاب الله للإنسان ما دامت الحياة، وليس كتابًا يناسب أفهام الذين نزل في عصرهم فحسب، كما ادعى مفسرنا، وهذا من أبواب إعجازه. ثم لا أدري كيف طاوعته يده، أن يكتب تلك الكلمات، واصفًا ما جاءت به الآيات، بأنه على سبيل التقريب والتمثيل والتذكير بقدرته تعالى وعظمته، أكثر من قصد تقرير المدة والكيفيات لذاتها. لأن ما قاله لا يشترط لسرد هذه الأعداد، وتلك الكيفيات، وهذه الاحتمالات، كان السيد دروزة في غنى عنها، ما دام يقدم عليها أو يتبعها بوجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن مما فهمنا كنهه أو لم نفهم، وهذا هو صميم منهجه كما يدعي. إذن فما معنى هذه التقريرات والاحتمالات، إلا أنها ضرب من التزيد، الذي كان صاحبنا في غنى عنه! ! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن في هذه الكلمات، فقدانًا للحكمة فيما جاء به النص القرآني، من صور وأعداد وحقائق، مثل ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] و ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] وغيرها كثير. ٣ - رأيه في السحر: أما رأيه في السحر، فهو يذكر أن سورة الفلق، قد قررت شرًّا للنفاثات أو الحاسد، فيقول (١): "وننبه على أن السورة، ليست بسبيل تقرير قدرة النفاثات في العقد، على إرادة النفع والضرر، ولا تأثير الحاسد في المال والنفس والولد". ويحاول أن يدفع القول بمدنية هذه السورة، ويقول في الأحاديث الواردة في صدد سحر

стр. 1682

صنعه يهودي في المدينة، للنبي ﷺ ، وما كان من أثره فيه "أثارت هذه الأحاديث جدلًا، فيما إذا كان للسحر تأثير حقيقي في النبي ﷺ ، وفيما إذا كان هذا يتفق مع العصمة النبوية، حيث يكون إمكان لصدور شيء من النبي ﷺ ، لا يكون وحيًا ولا صوابًا". ٤ - المفسر والمتشابه: عرفنا مما سبق أن السيد دروزة، يرى في كلمة ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾، أنها تعني الآيات التي فيها أهداف الدعوة وأسسها ومبادؤها المحكمة التي لا مجال فيها للتأويل والتمحل والاشتباه والأخذ والرد، كالآيات التي تقرر وحدانية الله وشمول ربوبيته وكمال صفاته وتنزهه عن آية شائبة، وتسفه الشرك وما لا يليق بالله من ولد ومعين ومساعد، وكالآيات التي تبين الحلال والحرام، وما يجب التخلق به من فاضل الأخلاق الاجتماعية والشخصية، وما يجب اجتنابه من رذيل الأخلاق وسيئها، وتشرع ما يقتضي تشريعه من أمور الدين والدنيا (١). ويرى أن كلمة ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ تعني "ما يمكن أن يشتبه في لفظه أو مدلوله على الأفهام ويكون فيه مجال للتحمل والجدل" (٢). ويقيس على هذا كثيرًا مما جاء في القرآن، "من تشبيهات وتمثيلات وتعبيرات أسلوبية في صدد صفات الله وحركاته وأعضائه ولوحه وكرسيه وعرشه وكونه، وفي صدد صفات الجنة والنار ومشاهد الآخرة والملائكة والقصص والمعجزات والجان والشياطين ... إلخ". ويرى في هذا وسائل لتدعيم المحكم في القرآن على مختلف أنواعه وحدوده.

стр. 1683

فالذي نلاحظه من تحديد مفهوم كلمتي ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾ و ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ عند السيد دروزة، أنه يحاول أن لا يقف فيهما عندما ورد من أقوال العلماء، بل تجده جمع بين أكثر هذه الأقوال، وأضاف إليها من عنده، ورد بعضها الآخر الذي لا يجد فيه وجاهة رأي، كما يزعم ويعرف القرآن بعد ذلك بأنه "محتوٍ نوعين من المجموعات والفصول، واحد محكم أساسًا وجوهرًا، وآخر بمثابة الوسائل والتدعيم، يحتمل أن يكون بأساليب تشبيهية وتمثيلية وترغيبية وقصصية وتذكيرية وحجاجية وتنويهية وتأنيبية وما في نطاق الغيبيات، ويحتمل أن تتعدد وجوه تأويله" (١). والذي يلفت الانتباه أن الأستاذ دروزة ﵀ الذي يعتمد في تفسيره على ما وجده في خزانة الآستانة من كتب التفسير، لم يحط علمًا بجميع أقوال العلماء، ويزعم أنه لم يجد من أقوالهم موافقًا لهذا التقسيم للمحتوى القرآني، فنجده يقول: "وفي هذا فيما نعتقد قول حاسم يجب الوقوف عنده، وفيه بسبيل التعريف بالقرآن ما فيه، من قوة وروعة وحكمة وتلقين، ونسأل الله أن يكون فيما نقرره الصواب والسداد ونستغفره إن كنا مخطئين" (٢). هذا وعند تناوله لآيات المتشابه، نجده ينوه بجدارة الأخذ برأي السلف من أهل السنّة "وهو عدم البحث والجدل في الماهية والكيفية، مع تنزيه الله سبحانه عن الجسمانية والجهة والحدود، والحاجة إلى أي شيء، والمماثلة لخلقه في أي شيء، عملًا بالضابط القرآني المحكم، هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " (٣). ويذكر أن الألفاظ والصفات التي تنسب إلى الله سبحانه: الأعضاء الجارحة والحواس ووظائفها، من المواضيع الجدلية بين علماء الكلام. ويرى في إثبات بعضهم الجارحة لله سبحانه، تزيدًا في التأويل لا يحتمله سياق الآيات القرآنية وروح التعبير فيها،

стр. 1684

ويرى أنه أريد بكل هذه الألفاظ "اتصاف الله بكل الصفات الكاملة، التي تفيد القدرة والإحاطة" (١). ويقول بأنها استعملت "في معرض الدلالة على ذلك، لأنها تخاطب الناس حسب مألوفاتهم، مما اعتادوه أو تصوروه من صور وأشكال، بقصد التقريب للأذهان" (٢). نماذج من التفسير: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] يقول: "كناية عن وقت اشتداد الخطب، حيث كان من عادة العرب، إذا اشتدت معركة الحرب، أن يكشفوا عن سيقانهم. وهنا يعني يوم القيمة واشتداد الخطب فيه" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢ - ٢٣]. يقول: "يقف الله لمحاسبة الناس والملائكة من حوله صفوفًا، وتهيأ جهنم لمستحقيها"ـ. ويقول كذلك: "الله منزه عن مفهوم المجيء والرواح والوقوف والجلوس، وغير ذلك من أفعال الخلق وصفاتهم" (٤). ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ولقد كان تعبير ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ موضوع أقوال، تتصل بعلم الكلام وصفات الله، من حيث نسبة الجوارح إلى الله تعالى، ولسنا نرى التعبير والسياق يتحملان ذلك، فقد قصد به كما هو المتبادر، شدة التوكيد على خطورة العهد والبيعة، وكون الله تعالى شاهدًا عليهما، استهدافًا لقوة التلقين، الذي أريد بثه في نفوس المسلمين (٥).

стр. 1685

ويجدر بنا أن نقف عند تفسيره لتعبير -وجه الله- في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. يقول في تفسير سورة القصص "روح التعبير هنا يفيد أن المقصود به ذات الله تعالى، ولا يتحمل جدلًا فيما نعتقد" (١)، وفي سورة الرحمن يقول "وتعبير، وجه ربك بمعنى ذات الله ، وهو تعبير أسلوبي مألوف في المخاطبات البشرية التي نزل القرآن بأسلوبها" (٢). ومما يقوله في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥]: "ولقد تعددت الأقوال في صدد الكرسي، كما هو الأمر في صدد العرش واللوح والقلم، ومنها ما جاء فيه أوصاف مادية، لا تخلو من غرابة، ولا تنسجم مع صفات الله وتنزهه، وليست متصلة بحديث نبوي وثيق السند. وأظهر الأقوال وأكثرها انسجامًا مع صفات الله، أن الكلمة مستعملة على سبيل المجاز، وأن المقصود منها بيان عظمة ملك الله وسلطانه والله أعلم" (٣). وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ]، يقول في صدد الاستواء: "إن أصل معناه تساوي الشيء واستقامته واعتداله، وقد تطلق الجملة من قبيل المجاز، فتكون بمعنى التملك بالنسبة للملك، أكثر منها بمعنى الجلوس على العرش أو الكرسي" (٤). ويورد قول ابن كثير في وجوب السير في طريق السلف الصالح، بالمرور بالجملة من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، وملاحظة كون الله لا يشبهه شيء من خلقه،

стр. 1686

وقول البغوي بأن المعتزلة أولت الاستواء بالاستيلاء، وأهل السنّة فسروه بأنه صفة وصف الله بها نفسه، فتؤخذ بالإيمان بلا كيف ولا تشبيه، كما يورد قول السيد رشيد رضا بعدم اشتباه معنى -استواء الرب تعالى على العرش- على أذهان الصحابة، مع علمهم تنزيهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق، وأنهم كانوا يفهمون استواء الله تعالى على عرشه، عبارة عن استقامة أمر ملك السموات والأرض له وانفراده هو بتدبيره، ثم تجد بعد كل هذا الأستاذ دروزة يعود إلى القول بأن "هذا من الأمور المغيبة التي أخبر الله تعالى عنها بالعبارة التي اقتضتها حكمة التنزيل، ومن الواجب الإيمان بما جاء في القرآن، مع تنزيه الله ، عن الحدود والجسمانية والمشابهة، التي يقتضيها تأويل العرش بالمادية والجلوس الجسماني عليه" (١). رأينا في هذا المنهج: من خلال العرض، يظهر لنا أن المفسر، لم يستطع إقناع القارئ، أو إطلاعه على الفرق بين مذهب السلف والخلف، فهو سلفي تارة، مؤول تارة فأحيانًا نجده يدعي مجازية الكلمات، وأحيانًا يقول بوجوب الوقوف عند ظاهر النص. وإن ما يدعو للدهشة والاستغراب أكثر من هذا كله، ذلك التفسير المعوج للمحكم والمتشابه بالأسس والوسائل، وهو التفسير الذي يرتضيه، ولم يجد أحدًا قال به بينما ادعاه فيما تقدم لصاحب المنار. ونرى في تحديده لمعنى الوجه بأنه الذات، خروجًا على مذهب السلف الذين يقولون "الوجه صفة نثبتها لله تعالى، ولا نسأل عن كيفيتها ولا تأويلها بعد تنزيهه عن الجارحة". فهو يبني هنا على مذهب الخلف القائلين بالتأويل وتعيين المراد في مثل ذلك، ونحن نستغرب من الأستاذ دروزة الذي يصرح بتبني قول السلف أن يقول: "بأنه لا يصح أن يكون في كتاب الله ما لا يعرف تأويله وما لا يفهمه أحد"،

стр. 1687

وهو رأي الإمام ابن تيمية، كما يقول الأستاذ دروزة، ولذلك نجده يفسر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] بأن "الواو واو عطف وأن التعبير يفيد أن الراسخين في العلم هم الذين يعرفون تأويله أيضًا" (١). وإن كان لنا مأخذ على الشيخ ﵀، فهو عدم التزامه بمذهب معين فتارة يؤول وتارة يعدها من قبيل المجاز، وتارة يقول بمذهب السلف، وقد يرجع هذا إلى عدم تضلع الشيخ ﵀ في القضايا الكلامية. ٥ - آيات الأحكام: يتناول الأستاذ محمد عزة دروزة آيات الأحكام بالتفسير، فيبسط معناها أحيانًا، وأحيانًا لا يرى ذلك، إذا ما وجدها لا تحتاج إلى أداء آخر حسب تعبيره، وهو في تناوله للآيات نراه -كغيره من المفسرين- يراعي التدرج الزمني في التشريع، ومكان آية كذا من تشريع كذا، وهل هي سابقة لآية كذا، أم لاحقة لها في بيان الأحكام. فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] يقول: "ولقد ورد في سورة النساء خطوة أولى في صدد الزناة على ما مر شرحه. والمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت أن تكون الخطوة الأولى ما ورد في تلك السورة، وأن الوقت قد حان للخطوة الثانية التي احتوتها الآية الثانية، ولعل أحداثًا وقعت فكان ذلك المناسبة ولقد كان النساء اللاتي يأتين الفاحشة يُحبَسن في بيوتهن وفقًا للخطوة الأولى إلى أن يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلًا بناءً على ما جاء في آيتي النساء (١٥ و ١٦)، ومن المحتمل أنه صار شيء من الحرج في صدد ذلك، وقد روى حديث نبوي سنورد نصه جاء فيه

стр. 1688

"خذوها عني خذوها عني قد جعل الله لهن سبيلًا ... " (١) مما قد يكون فيه تفسير أو تأييد لما نقول" (٢). ونراه أحيانًا يورد الأحاديث والآثار التي تشرح النص القرآني، وتوضح متضمناته من الأحكام. فمثلًا عند تفسيره لآيات الزنا في أول سورة النور، يورد أكثر من عشرة أحاديث وردت عن رسول الله ﷺ ليعود بعد ذلك إلى التوفيق بين هذه الأحاديث ومتضمن النص القرآني. وهنا نرى العجب والغرابة من الأستاذ المفسر، حيث يقرر أن قوله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم "قد صدر قبل نزول آية النور، بإلهام رباني، للإجابة على سؤال، أو رفع الحرج وإنهائه عن إمساك النساء اللاتي يأتين الفاحشة في البيوت، حتى يتوفاهن الموت، إذ لا حكمة -كما يقول الأستاذ دروزة- في صدور هذا الحديث، في الوقت نفسه الذي نزلت فيه الآية، لأنها احتوت الحكم الموعود، فلا تفهم حكمة الزيادة على ما احتوته، ولا تفهم حكمة صدوره بعبارته المروية بعد نزول الآية، لأن ما أريد التنبيه عليه قد نزل قرآنًا. لسنا مع الأستاذ ﵀، فهذا مخالف للفظ الحديث "خذوا عني" فمعنى هذا أن هذا الحديث قد ورد بعد نزول سورة النور وهذا ما أجمع عليه المفسرون. ويقول بعد ذلك "فإذا صح ما نقول، تكون الآية قد نسخت من التشريع النبوي السابق عليها، ما زاد على ما احتوته من تشريع عام للزناة إطلاقًا، بدون تفريق بين محصنين وأبكار وهو جلد مائة" ولكنه يستدرك مقررًا أن حكم الرجم للمُحصنين، قد سنّه رسول الله ﷺ ، وأمر بتنفيذه، بعد نزول سورة النور، ومات دون أن ينسخ ذلك الحكم، وهذا الذي جعل صحابته ﵃ يرجمون من بعده، كما

стр. 1689

جاء في حديث عمر الذي رواه الخمسة "رجم رسول الله ورجمنا بعده". وأجمع بذلك أئمة الفقه على أن الرجم حكم الزناة المحصنين. وعند تفسيره لآيات السرقة (١)، كذلك يورد أحاديث تدلل على تشدد النبي ﷺ في موضوع السرقة وإقامة حدّها. ذكره تفريعات في تفسير آيات الأحكام وادعاؤه أن العلماء لم يتطرقوا إليها: وتجد الأستاذ دروزة يذكر الخلافات الفقهية في كثير من المسائل، التي تعرض أصولها في آيات الأحكام، ويذكر حالات محتملة الوقوع، وتفريعات أخرى لكثير من المسائل، كما هو الحال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ يقول الأستاذ دروزة (٢): "وهناك حالات محتملة الوقوع لم نقع على قول فيها فيما اطلعنا عليه، منها زنا المتزوج بالبكر أوالثيب غير المتزوجة، كأن تكون أرملة أو مطلقة، ومنها زنا المتزوج بامرأة متزوجة" (٣). ويذكر كذلك لواط المتزوج وغير المتزوج بالذكر، وحالة الإكراه وإتيان البهيمة. وكذلك الحال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ... ﴾ [المجادلة: ١] نجده (٤) يذكر بعض التعليقات والتفريعات حول مسألة الظهار، مما ينسب إلى ابن عباس وإلى بعض التابعين وإلى الأئمة أبي حنيفة

стр. 1690

والشافعي والحنبلي (١) والمالكي وأبي يوسف، فيوجز تسع تعليقات وتفريعات، مما يتصل بفحوى الآيات. وكذلك الحال عند تفسيره لآيات السرقة (٢)، يوجز بعض البيانات المتنوعة، التي وردت في كتب التفسير، كالطبري والبغوي والخازن وابن كثير وغيرهم، ثم هو لا يترك هذه البيانات والتفريعات، من غير تعليق عليها، بما يعن له على البال، أو توجيه لما يراه مناسبًا، من غير أن يلتزم مذهبًا معينًا (حسب عبارته). ضعفه في أدوات التفسير: إلا أننا نقول: إن الأستاذ دروزة في تفريعاته واختصاراته، ونقله عن المفسرين والفقهاء، يزيد في مساحة نقله للعنصر الأثري دون تمييزه، الأمر الذي يدلل على أنه يفقد عنصرين أساسيين وهما: معرفته بفنون الحديث، والملكة الفقهية الذاتية، وهما من مستلزمات المفسر للقرآن الكريم. فها هو يذكر لنا حديثين متناقضين في صدد إتيان البهيمة، وهي من الحالات المحتملة الوقوع، التي يقول: إنه لم يقع على قول فيها فيما اطلع عليه، يقول الأستاذ دروزة (٣): "ومن قبيل الاستطراد نذكر أن هناك حديثين متناقضين في صدد إتيان البهيمة رواهما أبو داود والترمذي عن ابن عباس. جاء في أحدهما: (أن النبي ﷺ قال: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" وسأل الراوي ابن عباس ما شأن البهيمة؟ فقال له: "ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها هذا العمل". وفي ثانيهما: أن ابن عباس قال: "ليس على الذي يأتي البهيمة حد".

стр. 1691

ويقف الأستاذ دروزة عند هذا الحد، الذي يدع فيه القارئ في دوامة النصوص والآثار، دون أن يرجح القوي ويكشف عن الضعيف، فهو لم يكلف نفسه عناء البحث عنها كغيرها في مظان الحديث الشريف، لينقل للقارئ ما يقوله أبو داود والترمذي عن هذين الحديثين، ولو نقل للقارئ ذلك، لكان أدى أمانة البحث العلمي. وقد قال أبو داود عن الحديث الأول "ليس هذا بالقوي" (١)، وقال عنه أبو عيسى الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ " (٢). ويقول أبو عيسى عن الحديث الثاني: "وهذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق" (٣). وقال أبو داود في صدد الحديث الثاني، الذي يرويه عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس: "حديثُ عاصم يُضَعِّفُ حديثَ عَمرو بن أبي عمرو" (٤). هذا ومن الانزلاقات الفقهية التي يجدر بنا أن ننبه عليها، هو ما وقع فيه الأستاذ دروزة عند بيانه لآيات ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... ﴾ [النساء: ١١] والآيات الثلاث التالية لها (٥)، حيث يقول: "الفقرة الخامسة: إذا كان للميت والدان، وليس له أولاد وله إخوة، فلوالده الثلثان ولأمه السدس ولإخوته السدس". ولا ندري كيف بدأ الأستاذ دروزة يستنتج ذلك، والنص القرآني واضح العبارة، إذ يقول ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. فمفهوم هذه المسألة التي عدَّد الأستاذ دروزة أفرادها، أن الإخوة محجوبون بالأب، والسدس يعود على أبيهم. وهذا هو رأي

стр. 1692

الجمهور، إلا أن ما ذكره هو خلاف لابن عباس ﵂، مع أن المؤلف لم يشر إلى ذلك مطلقًا. وأحيانًا نراه يورد الأحاديث والآثار، ويعقب عليها بألفاظ احتمالية كقوله: "ومما ذكره الخازن أن لا قطع على سرقة مال للسارق فيه شبهة حق، كالولد يسرق مال أبيه، أو الوالد من مال ابنه، أو العبد من مال سيده أوالشريك من مال شريكه". ولم يذكر المفسر سندًا لقوله، ولم نرَ مفسرًا آخر ذكر ذلك، ويجوز أن يكون هذا عملًا بالقاعدة الشرعية المشهورة (ادرؤوا الحدود بالشبهات)، أو كون العمل لا يتصف بوصف السرقة المشهورة، وقد لا يخلو القول من وجاهة ذلك ... وقوله (١) في الفقرة الثانية عشرة "واختلف في ما إذا كان القطع يسقط الغرامة عن السارق، فقال بعضهم: إنه يسقطها، آخذًا بظاهر الآية وإطلاقها، وقال بعضهم: إنه لا يسقطها. وفي الفقرة السابعة حديث نبوي، يقرر الغرامة على من أخذ من ثمر البستان، في إزار أو وعاء فوق ما أكله، ويقررها على من سرق دون ثمن المجن، وقد يكون في هذا الحديث ما يدعم القول الثاني، حيث يبدو أن قائليه عدّوا القطع عقوبة على الجناية، وعدوا المسروق حقًّا لصاحبه يجب رده إليه، عينًا إذا وجده أو قيمة، وهناك من توسط بين القولين فقال: إذا وجد عين المسروق أو شيء منه، وجب أخذه ورده إلى صاحبه. ونرى القول الثاني هو الأوجه، إذا كان هناك إمكان لتنفيذه". اضطراب يشوش على القراء: ومثل ذلك نراه يترك القارئ في تيه وحيرة واضطراب، دون أن يعرف أي الأقوال أوجه من غيرها، ففي الفقرة الحادية عشرة نجده يورد اختلاف العلماء في تكرر القطع، بتكرر الجرم، على ثلاثة أقوال:

стр. 1693

القول الأول: من قال بقطع اليد اليمنى في المرة الأولى، والرجل اليسرى في الثانية، واليد اليسرى في الثالثة، والرجل اليمنى في الرابعة، ثم يعزر ويحبس. مستدلين بحديث رواه البغوي جاء فيه "إن سرق فاقطعوا يده، ثم سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". القول الثاني: هو قطع اليد اليمنى في المرة الأولى، والرجل اليسرى في المرة الثانية، فإذا تكرر حبس وعزر، ولم يورد قائلو هذا القول سندًا. القول الثالث: الاكتفاء بقطع اليد اليمنى في المرة الأولى، فإذا تكرر حبس وعزر. فيقول بعد أن يورد هذه الأقوال ما نصه: "ويبدو من هذا أن أصحاب القولين الأولين، لم يثبت عندهم الذي رواه البغوي، وأن أصحاب القول الثالث أخذوا بالآية التي تأمر بقطع يد السارق. ويلحظ أن قطع الأيدي والأرجل من خلاف، إنما جعل عقوبة للمحاربين المفسدين، وأن تعيين عقوبة خاصة للسارق، هو بسبيل إبراز الفرق بين عقوبته وعقوبة المحارب المفسد، بحيث يمكن أن يقال: إنه لا يصح أن يقاس السارق العادي بالحارب المفسد، وإن القول الثالث هو الأوجه، إلا أن يقال: إن تكرار إقدام السارق على السرقة يجعله في حكم المحارب المفسد، ثم يؤخذ بحديث البغوي، والله أعلم". فهو كما نراه قد ترك القارئ دون أن يبين له عن وجه الصواب. هذا إلى جانب أن الأستاذ دروزة يفقد عنصر الدقة في التعبير أحيانًا، وهذا قد يصل معه إلى حد يجعله، يتلبس بانزلاقات فقهية، ما كانت لتصدر عن عالم مفسر جليل، فنراه عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية (١)، يدعي اتفاق العلماء إجماعًا بأن وجه المرأة ويديها ليس عورة، ثم ينفيه عند تفسيره لقول الله تعالى:

стр. 1694

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] حيث يقول: "وقد اختلف القول في الجلباب، ومفهوم إدنائه، وأوجه الأقوال في الجلباب هو الملاءة أو العباءة، التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، أما الإدناء فمن المفسرين من قال: إنه تغطية الرأس والوجه، ومنهم من قال: إنه ليس تغطية تامة للوجه ... " فهو يدعي الإجماع أولًا، ثم ينقضه بتفصيل الخلاف ثانيًا. استطراد: وما دام البحث قد ساقنا إلى الحديث عن الجلباب، والنقاب، وآيات الحجاب، فيحسن بنا أن نشير إلى ما يراه الأستاذ دروزة، بخصوص حقوق المرأة وأهليتها للمشاركة في الحقوق العامة والنيابية خاصة. ومعروف عن الأستاذ دروزة أنه قصد بتفسيره، عرض القرآن الكريم بكامله بعد أن عرض فصولًا حسب موضوعاته في كتبه الثلاثة عصر النبي ﷺ ، وسيرة الرسول ﷺ ، والدستور القرآني في شؤون الحياة. وقصد إظهار حكمة التنزيل ومبادئ القرآن ومتناولاته عامة، متجاوبًا مع الرغبة الشديدة الملموسة عند كثير من الشباب، الذين يتذمرون من الأسلوب التقليدي ويعرضون عنه، الأمر الذي بت الصلة بينهم وبين كتاب دينهم المقدس، وهذا ما يقرر الأستاذ دروة في مقدمة الجزء الأول من التفسير. وكأني به يعاني ضغوط الشباب الذي انبهر بكل ما جاءت به الحضارات المستوردة من أفكار ومبادئ ومفاهيم، فهو وبوازع الحرص على سلامة عقيدة هؤلاء الشباب، نجده يتنازل عن أشياء كثيرة، ويتخذ سبيلًا معينًا للاستطراد، الذي يعيبه هو نفسه على غيره من المفسرين، فنجده يقرر "بأن قوامة الرجل على المرأة إنما هو في الحياة الزوجية" ويقول (١): "ونستطرد إلى ما يقال ويثار حول اشتر اك المرأة في الانتخابات والمجالس النيابية، وما يدخل في بابها. إن هذا مما يختص مع ما ذكرناه من أهليتها

стр. 1695

وحقوقها السياسية والاجتماعية التي قررها لها القرآن" ... ويقول (١) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية ما نصه "وواضح مما تقدم أنه ليس في هذه الآية، كما أنه ليس في القرآن ولا في السنّة الثابتة، مما يمنع خروج المرأة من بيتها سافرة الوجه واليدين، لقضاء حاجاتها وممارسة شؤونها على اختلاف أنواعها، مما يدخل فيه تلقي العلم وغشيان المدارس والمساجد وشهود الاجتماعات العامة، والاتجار والتكسب والعمل، والمشاركة في الأعمال والواجبات الرسمية، والاستمتاع بنِعَم الطبيعة. وهو ما قرره لها القرآن حين قرر لها الأهلية السياسية والشخصية والحقوقية الاقتصادية والاجتماعية، والمشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير والتكافل والتضامن، وخاطبها بكل ما خاطب به الرجل من تفكر وتعقل، وتدبر في كتاب الله وآياته وكونه، وكلفها بكل ما كلف به الرجل، من واجبات وتكاليف إيمانية وتعبدية واقتصادية وسياسية واجتماعية وشخصية، ورتب لها وعليها كما رتب للرجل وعليه من النتائج الدنيوية والأخروية، على قدم المساواة، مما مرت مؤيداته وشروطه في مناسبات كثيرة سابقة". هذا وفي الوقت الذي نجد فيه السيد دروزة، يقول بسكوت القرآن عن حرية المرأة في النشاط الاجتماعي والسياسي. يقول بعد ذلك: "فلا يعني -أي سكوت القرآن- ذلك أنها محرومة من حقها في ذلك، بدون قوامة الرجل أيضًا، بدليل أن القرآن خاطبها بكل ما خاطب به الرجل، ورتب عليها كل ما رتب على الرجل" (٢). وبعد كل هذا يعود الأستاذ دروزة، ليستدرك قوله فيشترط شروطًا، يعود فيها إلى رأي الجمهور، وكأنه ينفض عنه كل ما بثه ونشره في المساحات المختلفة من التفسير، من مثل تلك الآراء الشخصية. ويحسن بنا أن نسجل للأستاذ دروزة هذه الاستدراكات:

стр. 1696

١ - أن تكون مباشرة المرأة المسلمة وممارستها وشهودها لكل تلك الأعمال والاجتماعات في نطاق الاحتشام الذي أمرت به، وأن لا يطغى ذلك على طبيعة المرأة الأسرية والاجتماعية، ولا على طبيعة المجتمع المسلم. ٢ - يقرر القرآن كما تقرر السنّة الشريفة صراحة وضمنًا، أن مكان المرأة وعملها الطبيعيين والرئيسيين هما البيت والزوجية والأمومة ومشاغلها، فكل عمل يمكن أن يخل إخلالًا جوهريًا بذلك يخرج عن صفة المشروع، ولو كان في حد ذاته مشروعًا. ٣ - المرأة التي يصح لها أن تمارس العمل (المشروع)، الذي لا تمنع الشريعة الإسلامية ممارسته، هي المرأة التي تسمح لها مشاغل البيت والزوجية والأمومة، أو المرأة التي لم يتيسر لها أن تشتغل بهذه المشاغل. ٤ - أن لا تندفع المرأة نحو الأعمال التكسبية من وظائف ومهن اندفاعًا واسعًا، فيه احتمال مزاحمة الرجل وتضييق مجال وفرص تكسبه، مكانًا أو مقدارًا أو قيمة، وإلا أصبح ذلك غير مشروع، لأن في ذلك تعطيلًا لواجب الرجل، الذي أناطت به الشريعة الإسلامية الإنفاق، على جانب كون ذلك قلبًا للأوضاع الطبيعية والجنسية والشرعية، وأن الحق والحالة هذه، هو أن يكون اضطلاع المرأة بالأعمال التكسبية في نطاق ضيق من جهة، ومنوطًا بالدرجة الأولى بالحاجة والضرورة من جهة أخرى. ٥ - مراعاة وجوب انطباق الأعمال التكسبية، التي تضطلع بها المرأة في النطاق المذكور، على طبيعتها الجنسية، وأن لا تكون مما يرهقها ويذهب بأنوثتها، سواء أكان ذلك مما تؤهلها له ثقافتها ودراستها، أم بنيتها وخبرتها ومرانها. بيانه لحكمة التشريع: ولا يفوتنا قبل ختام حديثنا عن منهج الأستاذ دروزة في تفسير آيات الأحكام، أن ننوه تعقيبه على كثير من تلك الآيات، ببيان حكمة التشريع الرباني فيها.

стр. 1697

فعند تفسيره لآيات السرقة، نجده يعقب عليها فيقول (١): "هذا، ومن الناس من ينتقد عقوبة قطع يد السارق، غير أن من المشاهَد المجرَّب، أن كثيرًا من اللصوص يقدمون على السرقة، كأسهل وسيلة إلى حيازة المال. والاستمتاع، أكثر من أن تدفعهم الحاجة الشديدة. وقد أصبحوا بسبب ما يلقونه من خفة العقوبات الحديثة محترفين، لا يمتنعون عن معاوية مهنتهم المرة بعد المرة، مستهترين بأمن الناس وأموالهم، وغير مفكرين في البحث عن الكسب الحلال، وكثير منهم قادرون على ذلك، فقطع أيدي أمثال هؤلاء قد يكون أقوى رادع لهم، وفيه عبرة قوية لغيرهم من دون ريب". وكذلك ينوه عند تفسيره لآيات الزنا يقول (٢): "هذا ومن الجدير بالتنويه أن التشريع القرآني والنبوي معًا، قد سوّى بين الرجل والمرأة، وفي هذا ما فيه من عدل وحق من جهة، ومن تقرير مساواة الرجل والمرأة، في تبعة العمل الواحد والتكاليف المتشابهة من جهة ثانية. ومما لا ريب فيه أن التشديد على المرأة دون الرجل، في جريمة الزنا واعتباراتها، مما هو جارٍ في الأوساط الإسلامية اليوم، غير متمشٍ مع قاعدة القرآن الكريم القائمة على الحق والعدل والمساواة. واستثناء (٣) الأَمَةِ ليس من شأنه أن يخل بهذه المساواة، فالأحرار هم الأكثرية العظمى في المجتمع الإسلامي، وعليهم يقوم بنيان هذا المجتمع، وهذا استثناء هو بسبب اعتبارات وجيهة، ولم يشمل المماليك الذكور، ومع ذلك فإنه استثناء تخفيفي وليس تشديديًا".

стр. 1698

وفي كل هذه التعقيبات والتنويهات، يدلل السيد دروزة على أن التشريع القرآني، تشريع عملي عادل متمشٍ مع فطرة الإنسان وطبائع الأمور والأشياء. رأينا في هذا المنهج: بعد هذا العرض الذي أَتْهَمَ فيه المؤلف وأَنْجَدَ، وأوجز وأسهب، أجد لزامًا علي أن أقرر ما يلي: كنا نود أن يكون الأستاذ دروزة ﵀ أكثر دقة في عرضه لتفسير آيات الأحكام، سواء أكان ذلك من حيث الأسلوب والدقة في التعبير، أم من حيث عرض الأفكار وتسلسلها في فصول كما يقول، أم من حيث تقرير الحقائق العلمية، كما بينها الأئمة. هذا كله فضلًا على ما فيه من اضطراب وتناقض، وعدم دراية تامة في هذه المسائل. ولقد مر معنا طرف من هذا كادعائه الإجماع تارة، ونقضه أخرى، وكتعبيره عن الحديث الصحيح بعبارة توهم التمريض والتضعيف، مثل قوله: "رُوِي حديثٌ نبوي"، وكتقريره لمسائل يزعم أنه لم يرَ فيه رأيًا لأحد -وقد تكون من البدهيات- كما رأينا في حديث أنس السابق. ومثل هذه نسبته أحاديث لمتأخرين، مع أنها وردت في كتب المتقدمين، كحديث السرقة الذي نسبه للبغوي، مع أنه في كتب السنن وغيرها. وأخطر من هذا كله عدم تمييزه بين الأحاديث، وعدم دقته في مسائل الإرث. ٦ - الأستاذ دروزة وآيات الجهاد: كنت أود أن أجعل هذا الفصل مندرجًا في آيات الأحكام، إلا أن أهميته وخطورة البحث فيه، والتركيز الشديد الذي يلفت النظر من المفسر، كل ذلك جعلني أفرد هذا الموضوع عن موضوع آيات الأحكام الأخر. فالمفسر الفاضل لا يدع مناسبة من المناسبات، إلا ويطنب فيها، مبينًا رأيه في الجهاد، مخطئًا أعلام المفسرين، وقد لا تكون المناسبة صالحة للحديث عن الجهاد، قد تكون الآية مكية

стр. 1699

مثلًا. كما رأينا ذلك عند قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] حيث أسهب في الحديث عن حرية التدين، وانتقل بعد ذلك فبيّن أن الجهاد في الإسلام ضرورة دفاعية فحسب. ولعل من الإنصاف أن نقتطف أولًا عبارات من تفسيره لتوضيح ما ذهب إليه: ١ - يدعي أن هناك آيات مكية كثيرة، غير سورة (الكافرون) قررت مبدأ حرية التدين. فهو يقول: "ومن الجدير بالذكر، أن هذا المبدأ لم يقرر في هذه السورة فحسب، أو في العهد المكي الذي كان فيه النبي ﷺ ضعيفًا" (١) والمسلمون قلة مستضعفة، بل قررته آيات القرآن المكي في مختلف أدوار التنزيل مرات كثيرة وبأساليب متنوعة. ويستشهد بآيات كثيرة منها ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]. ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ [سبأ: ٢٤ - ٢٥] ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ [النمل: ٩٢] مع أن المتدبر لهذه الآيات والمتتبع لسياقها، يدرك لأول وهلة أنها لا تمت بصلة لما قرره الأستاذ، بل إن كثيرًا منها جاء بأسلوب التهديد على العكس مما ذهب إليه المؤلف. كما استشهد كذلك بآيات مدنية، كآيات آل عمران والمائدة في مخاطبة أهل الكتاب ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ

стр. 1700

بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠]، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]. كما يستدل بالاستثناءات في آيات القتال، في سورتي، النساء وبراءة، وبآيات الممتحنة وغيرها، مع أن لكل منها سياقها الخاص ومناسبتها الخاصة وظرفها الذي نزلت فيه. ٢ - وبعد أن انتهى من تقريره هذا، أخذ يتكلم عن الجهاد ويدفع ما يرد من اعتراضات، على ما قرره من هذا المبدأ. فهو يقول: "ونحن نعرف أنه يورد على هذا أقوال من جانب المسلمين وغير المسلمين على السواء. فإن كثيرًا من علماء المسلمين ومفسري القرآن، قالوا إن التحفظ الوارد في آية سورة البقرة ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠] قد نسخ بآيات سورة التوبة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ١ - ٥]، التي تأمر بقتال المشركين بدون هوادة، إلى أن يسلموا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم بآيات سورة التوبة التي جاء فيها ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] والتي يصفها بعض العلماء والمفسرين بآية السيف، وقد فسر كثير من مفسري القرآن وعلمائهم، كلمة الفتنة في آية سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... ﴾ [البقرة: ١٩٣] بمعنى الشرك، وقالوا إنها توجب قتال المشركين حتى لا يبقى شرك ومشركون ويسود دين الإسلام". ثم أورد شبهات المستشرقين، التي تتلخص في أن الرسول ﷺ ، لم يقف عند مبدأ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ حسب اصطلاح المؤلف. وانتهى إلى الرد على هؤلاء وأولئك بقوله: "إن القتال في الإسلام إنما شرع للدفاع عن حرية الدعوة والمسلمين، ومقابلة الأذى والعدوان والصد، إلى أن

стр. 1701

تضمن الحرية والسلامة للمسلمين، والحرية والانطلاق للدعوة، ويمتنع الأذى والعدوان على المسلمين والإسلام، وظل هذا المبدأ محكمًا إلى النهاية". ٣ - ويخلص إلى القول بعد إيراده لآيات القتال في سورتي الحج والبقرة، بأن المسلمين لا يحق لهم أن يقاتلوا إلا من اعتدى عليهم وظلمهم، وأن الفتنة في آيات البقرة، يقصد منها إرغام المسلمين على الارتداد عن الإسلام. أما آيات سورة براءة فإن الاستثناءات الواردة فيها، حصر القتال في المشركين المعتدين والناكثين فقط، وليس كما ادعى المفسرون بأنها عامة في جميع المشركين. أما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ... ﴾ [التوبة: ٥] فليس هو المخرج الوحيد لعدم قتالهم كما يتوهم، بل هناك مخارج أخرى، كعدم اعتدائهم علينا أوانتهائهم عن العدوان بعد قتالهم. ويذكر المفسر مسألتين عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: ١ - إن الاستثناء الوارد في الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] محدود بانقضاء مدة العهد. فهل يكون المعاهدون من المشركين، حين انقضاء هذه المدة، موضع براءة الله ورسوله ويجب قتالهم؟ ويقول بأن المفسرين أجابوا على هذا السؤال بالإيجاب، أما هو فلم يطلع على أثر نبوي وثيق في هذا الصدد، مما يجعله يتوقف فيما قاله المفسرون، بل ربما يرجح غير ما ذهبوا إليه. فهو يقسم هؤلاء المعاهدين إلى أعداء قبل المعاهدة، وغير أعداء، وأنه ليس في آيات القتال ما يمنع تجديد العهد مع كلا الفريقين إذا رغبوا، ولم يكن ظهر منهم نقض ولا غدر، وليس للمسلمين أن يرفضوا ذلك، لأنهم أمروا بقتال من يقتلهم ويعتدي عليهم. ب- ويذكر في المسألة الثانية، أنه ليس هناك ما يمنع من تجديد العهد مع الناكثين بعد الحرب ثانية، إذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي ذلك. ثم يذكر أن آيتي سورة النساء والممتحنة، نص صريح حاسم على أن الله لم يجعل للمسلمين سبيلًا على من يسالمهم، فالله يقول: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ

стр. 1702

عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠]، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. ويؤيد ما ذهب إليه بما حدث مع أسامة بن زيد ﵂، حينما قتل رجلًا بعد أن نطق بالشهادة، ظنًّا منه بأنه قالها خوفًا من القتل، وبآية الأنفال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وبآيات سورة محمد ﷺ ، وبأن الرسول ﷺ لم يرفض يومًا، طلب صلح أو عهد أمان من أعداء محاربين. وينتهي المطاف بمفسرنا الفاضل إلى قول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] فيقرر أنها حصرت أمر القتال، في الفئات التي لا تدين دين الحق، ولا تحرم ما حرم الله ورسوله من الكتابيين دون سائرهم. فهو إذن يقسم أهل الكتاب إلى قسمين: من يدينون دين الحق، ومن ليسوا كذلك، ومن هنا فهو يرد ويأبى ما قاله المفسرون، من أن المقصود بكلمة (ورسوله): الرسول ﷺ ، وأن المقصود بقوله: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي الإسلام، يرد هذا التفسير بحجة أنه لا ينسجم مع المبدأ المحكم الذي قرره. والأغرب من هذا أن مفسرنا يستدل على مذهبه، بكلمة (مِنْ) في الآية بأنها للتبعيض، وبقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مع أن أناسًا منهم لا ينطبق عليه هذا الوصف كما يدعي، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة.٣٢] معللًا ذلك، بأنهم ليسوا جميعًا قاصدين هذا الإطفاء. مناقشة تلك الآراء: هذه خلاصة لآراء الأستاذ دروزة، بثها في أثناء تفسيره، جمعها من هنا وهناك، وهي آراء يستدعي الكثير منهما التوقف ويقتضي المناقشة والرد، ولعله من المستحسن أن أورد -قبل تفنيذ هذه الآراء- مقتطفات من كلام الأئمة.

стр. 1703

فهذا ابن قيم الجوزية يعقد فصلًا عن ترتيب سياق هديه هو مع الكفار والمنافقين. يقول فيه: "ثم أذن الله له بالهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلحٍ وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة. فأُمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده، ولما نزلت سورة براءة ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمر فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب، حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم. وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسمًا أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم، وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم، وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأُمِر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم" (١). وقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يوم نزلت براءة، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل براءة، انسلاخ الأشهر الحرم (٢).

стр. 1704

وكم كنا نود أن يلتزم الأستاذ دروزة، بالمنهج الذي أراد أن يسير عليه والذي خالف طرائق المفسرين جميعًا من أجله، وهو السير مع سياق الآيات وظروفها التي نزلت فيها. وهو الذي فسر السور حسب ترتيب نزولها لتمشي مع هذا المنهج ولكنه لسبب أو لآخر لم يلزم نفسه بشيء من هذا. ومنشأ اللبس عنده ناتج من مزج الآيات جميعها، مع قطع النظر إلى متقدمها ومتأخرها، والظرف الذي نزلت فيه الآية أو المجموعة من الآيات، فهو يأتي بآية البقرة ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] فيجعلها الأصل المحكم، الذي ينبغي أن ترد إليه آيات الجهاد جميعها مع أنه يعترف بأنها أول آية نزلت في القتال ومن تلك الآيات آيات سورة براءة، مع أنها آخر آيات أنزلت. ويحاول الأستاذ أن ينتصر لرأيه هذا، بحجج كثيرة يخالف بها المفسرين تارة، والفقهاء واللغويين تارة أخرى. فهو مثلًا ينكر أن يكون معنى (الفتنة) (الشرك) في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] مع أن كثيرًا من المفسرين، قال به، واستدل له، كما فعل العلّامة الآلوسي. والغريب أنه قد تكلف كل التكلف في تفسير آيات براءة، وفي تأويل قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... ". والمتدبر لآيات الجهاد في القرآن، يدرك لأول وهلة أنها نزلت في ظروف مرحلية خاصة، ومناسبات متعددة الأسباب. والمستعرض لأقوال العلماء يجد أنهم أدركوا هذا المعنى إدراكًا تامًّا. فإن جمهورهم لم يقل بدخول النسخ في آيات القتال، فلم يقل أحد ممن يعول عليه ويشار إليه، بأن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ منسوخ، أو بأن آية الممتحنة وآية النساء، اللتين مر ذكرهما. منسوختان ومع أن كثيرًا من الآيات التي ذكرها محل نظر، إلا أنه لم يورد هذه الآيات أبدًا. وهذا مذهب المحققين من العلماء كما ذكرت، وكما دل عليه الكلام الذي نقلناه آنفًا.

стр. 1705

فكل نص من هذه النصوص القرآنية إذن، محكم غير منسوخ، حتمته ظروف خاصة، أما الأحكام النهائية، فهي الواردة في سورة البراءة، ومعنى هذا أن نصًّا ما، يمكن أن يصلح في حالة من حالات المسلمين شبيهة بالحالة التي نزل فيها، وهذا بالطبع لا يفقد سورة براءة أحكامها النهائية. هذا ما فهمه المسلمون الأول، حينما انطلقوا في الآفاق مجاهدين في سبيل الله لكن واقع المسلمين الآن، والحملات التي تركز عليهم وعلى دينهم، جعلت الكثيرين من المحدثين، يتراجعون أمام هذه الضغوط، متلمسين الأسباب للدفاع عن مبدأ الجهاد، راكبين متن كل تأويل بعيد، لا لشيء إلا ليثبتوا أن الإسلام دين الإسلام، همه أن يرد عنه سهام الاعتداء فحسب. العجيب أن المنادين بهذا الرأي المتحمسين له، لم يقولوه في زمن سارت فيه جحافل المسلمين في آفاق الأرض، وداسوا بسنابك خيلهم عروش الطواغيت وحطموا أسوار الباطل، وإنما جاء رأيهم هذا في زمن انتهكت فيه حرماتهم، وديست المقدسات، ولم يستح عدوهم والعالم من ورائه أن يطردهم مغتصبًا، دون حجة أو حكمة أو مداراة. إن الجهاد الإسلامي لم يشرع من أجل الإكراه في الدين، ولا من أجل استعباد الآخرين وامتصاص دمائهم، وإنما شرعه الله لتحرير الإنسان الذي كرمه من كل ما يحول بينه وبين تلك الحرية والكرامة، وذلك بإخراجه من عبودية العباد حتى لا يكون لأحد سلطان عليه، وبعد هذا الإخراج، لا يرغمه على اعتناق عقيدته حيث لا إكراه في الدين، ولقد كان هذا المعنى واضحًا لدى الفاتحين الأولين. فهم حينما يخرجون، يدركون أنهم ما خرجوا من أجل غارة يغيرونها، بل من أجل نفوس يغيرونها. يقول أحدهم حينما مسألة رستم "ما الذي جاء بكم؟ " فيجيب "الله ابتعثنا لنخرج من شاء كان عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

стр. 1706

ولقد تفرع عن رأي الأستاذ دروزة في الجهاد، جزئيات ومسائل كان تكلفه ظاهرًا فيها. ومن هذه المسائل تقريره بأن المشركين إذا انتهى عهدهم، لا يكونون محل براءة من الله ورسوله. وهذا ما يخالف فيه المفسرين كما يقول، ومنها أن التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليست المخرج الوحيد لعدم قتال المشركين، بل هناك مخارج أخرى، مع أن النص القرآني واضح في الرد على هذا، ومنها أن الرسول ﷺ لم يرفض يومًا ما طلب صلح أو عهد أمان من أعداء محتربين، ولا أدري كيف يفسر الأستاذ دروزة رفض الرسول ﷺ تجديد عهد قريش حينما ذهب أبو سفيان لذلك. ومما أغرب فيه تقسيمه أهل الكتاب إلى قسمين: قسم يدين دين الحق، وقسم ليس كذلك، مستدلًا لهذا بأن حرف الجر (مِنْ) هنا للتبعيض مع أنه لا سياق الآية، ولا أحد المفسرين -حسب ما اطلعت عليه- يؤيد هذا القول، بل صرح بعض المفسرين بأن (من للبيان وليست للتبعيض)، كما فعل النيسابوري. والذين لم يصرحوا منهم اعتمدوا على بدهية هذه المسألة. ومستدلًا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وذلك أنهم ليسوا سواء هكذا، بل منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر، مع أنه وهو يفسر سورة (الكافرون)، قرر هناك أن العرب وإن اعترفوا بأن الله خلق السموات والأرض وخلقهم، لأنهم أشركوا به لا يسمون مؤمنين، بينما رأيناه هنا يتناقض مع قوله هناك. ومن أجل ذلك كله، ومن أجل تدعيم رأيه في الجهاد، يرفض أن تكون كلمة (ورسوله) في الآية مقصودًا بها الرسول ﷺ ، وأن يكون (دين الحق) فيها هو دين الإسلام، بحجة أن هذا يتنافى مع المبدأ المحكم الذي قررته آية ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، ولا أدري من أين أتت تلك المنافاة؟ اللهم يا حكيم نسألك أن تؤتينا الحكمة في فهم كتابك ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٩٦].

стр. 1707

ملاحظات على التفسير: نلاحظ أن المفسر يتجنب ذكر الاصطلاحات، بل لا يتعرض لبعض الصور البيانية التي لا بد منها في فهم القرآن، مما يجعل تفسيره لبعض الآيات غير واضح وضوحًا تامًّا. فهذه سورة (الكافرون)، التي تحدث العلماء في تفسيرها عن ذكر بعض آياتها أكثر من مرة، مما يجعل القارئ لهذه السورة، يسأل عن سبب ذلك، إلا أن المؤلف لم يتعرض لشيء من هذا أبدًا. فهو يقول في تقديمه لهذه السورة: "في السورة أمر للنبي ﷺ ، بإعلام الكفار أنه لا يعبد ما يعبدون، ولهم إذا شاؤوا أن يظلوا على ما هم عليه، فلا يعبدون ما يعبد، ولكل من الفريقين دينه، وقد تضنمت مبدأ حرية التدين الذي ظلت الآيات القرآنية، تقرره في المكي والمدني منها" (١). وهو في تفسيره السورة لا يزيد عما ذكره في هذه المقدمة. أما من هم هؤلاء الكافرون الذين خوطبوا: هل هم جميع الكافرين أم أناس مخصوصون؟ وأما ذكر الجمل القرآنية أكثر من مرة، فإن المفسر لم يتعرض لشيء من ذلك أبدًا مع أنه يذكر صفحات عديدة عن مبدأ حرية التدين، ناسيًا أن الزمن الذي نزلت فيه السورة وظرفها، والروايات التي وردت في نزولها، لا تتفق مع شيء مما ذكره. فالمفهوم أنها تدل على المفاصلة، واستحالة الاجتماع بين الإسلام وبين الشرك. ولكن مفسرنا أراد أن يثبت في هذه السورة نظريته في الجهاد، وهو أنه دفاعي، مع أن السورة مكية قطعًا، بل كانت مما نزل مبكرًا كذلك، فكان هذا استطرادًا منه في غير محله، وما ذكره غير مسلم به، وليس هنا محل لبيانه، وهو الذي يعيب على المفسرين استطرادهم، ويعد هذا من الثغرات.

стр. 1708

وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦] يقول: "في الآية تنديد بالذين يجادلون في آيات الله ويكابرون فيها، بغير برهان وعلم وتقرير لواقع امرهم من حيث إنهم يكونون مندفعين في ذلك بمسائق الغرور، وتطمين وتثبيت للنبي حيث تأمره بالاعتصام بالله والاستعاذة به، فهو السميع الذي يسمع كل شيء والبصير الذي يرى كل شيء، وليكون على ثقة أنهم لن يصلوا إلى ما يرمون إليه، من تعطيل آيات الله ودحضها" (١). إن القارئ العادي لا يمكن أن يفهم التحليل اللفظي لهذه الآية، وبخاصة قول الله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. ومع أن المفسر لم يبين هذا، إلا أنه بدأ ينقل روايات تفهم مدنية الآية، وأنها نزلت في الدجال ويحيل القارئ إلى تفسير الخازن والبغوي، ويعجب من عدم إيراد الطبري لها -مع أن ذلك منه هو العجب- ويصل إلى القول بأن ظهور الدجال، ونزول المسيح ﵇، ربما كان منتشرًا عند النصارى في زمنه ﷺ ، لما كان بينهم وبين اليهود من مشادة. ويستدل على هذا الاحتمال كما يقول، بالحديث الذي ورد عن تميم الداري، وبالإصحاح الثاني من رسالة القديس يوحنا الأول من أسفار العهد القديم. مع أن الآية مكية بلا نزاع من حيث أسلوبها وسياقها. ويقول في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥]: " ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ أي: لا تقلبوا ظهوركم للعدو وتفروا أمامه ... وفي هذه الآية والتي بعدها خطاب موجه للمسلمين، شدد فيه التنبيه والإنذار بعدم الفرار من أمام العدو، حينما يتزاحفون على بعضهم للقتال، ومن يفعل ذلك بدون قصد حربي مشروع، كاستهداف

стр. 1709

أسلوب من أساليب القتال أو الانحياز إلى فئة مقاتلة أخرى من جماعته، فقد جاء بغضب من الله، واستحق النار وبئس ذلك من مصير له ولأمثاله" (١). إن المفسر هنا، هو الذي يكثر من الكلمات المترادفة في كثير من الأحيان، نراه لا يعرض للصور البيانية في هذه الآية، مع أن فيها من التشنيع على هؤلاء الفارين ما فيها، والتي تدل بحق على الروعة القرآنية في الأوامر والنواهي، بل ليس في تفسيره الحرارة المناسبة للمواقف، التي عدّ خلو بعض التفاسير منها من المثالب. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ... ﴾ [النور: ٤٣] فضلًا على أنه لم يوضح معنى الآية كما ينبغي فإنه يقول: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] أوجه تأويلات الجملة هو "ينزل من السماء بردًا قدر الجبال"، مع أن هذا القول لا يقنع به قارئ، ولا يتفق مع نظم الآية الكريمة. وفي سورة النمل، لم يتعرض لكثير من وقائع قصة سليمان وملكة سبأ من قريب أو بعيد، معللًا ذلك بوضوحها وتداولها بين العرب، منحيًا باللائمة على المفسرين الذين تعرضوا لتفسيرها (٢). استنتاج ليس له دليل: يرى المفسر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥] أن هذه الآية لا تدل على تسمية أتباع الرسول ﷺ بالمسلمين، ولا أن الإسلام كان علمًا لهذا الدين. وإنما الذي يدل على ذلك آية الحج ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] ويرجح أنها ربما كانت مكية. فيكون الإسلام عُرف لهذه الأمة في أواخر العهد المكي.

стр. 1710

والآية مدنية قطعًا وليست مكية؛ لأن الآية التي قبلها مدنية قطعًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧] وهذه عطفت عليها بالواو ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] فلا يعقل أن تكون الآية مدنية والآية التي عطفت بحرف الواو مكية؛ لأن هذه الأوامر كلها نزلت مجتمعة "اركعوا، اسجدوا، افعلوا الخير، جاهدوا في الله" وهل يعقل أن المسلمين لم يعرفوا بهذه التسمية إلا آخر العهد المكي، والأحداث كلها دالة على غير ما قال الشيخ هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن بعض الآيات ترده، مثل آية الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وآية النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. و ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ [النحل: ٨١]. حتى آية سورة القلم نفسها، إذا نظرنا إلى بعض الروايات التي نزلت فيها، فإنها تدل على هذه التسمية. ونورد هنا ما ذكره المؤلف: "أما علمية كلمة (المسلمين) عليهم، فقد تقررت فيما نعتقد، بعد نزول آية الحج هذه ... وهذه السور، مختلف في مكيتها ومدينتها، ولكن مضامينها تلهم بقوة أنها مكية، أضيف إليها آيات مدنية، اقتضت إضافتها المناسبات على ما سوف نشرحه عند تفسيرها. وهذه الآية من الآيات المكية على ما يلهم سياقها. وهذا يعني إذا صح أن العلمية تقررت في العهد المكي" (١). ٧ - المفسر يعتمد على الإسرائيليات في مواضع متعددة: أ - القصص: ينعى المفسر كثيرًا كما رأينا في مقدمة تفسيره -أعني (القرآن المجيد) والذي تحدثنا عنه من قبل، على المفسرين الذين يطلقون لأقلامهم العنان في ذكر القصص

стр. 1711

والروايات، وبخاصة تلك التي لا تعتمد على دليل، أوالتي تتعارض مع المنطق والواقع والسياق كما يقول. وكنت أظن أن مفسرنا سوف لا يسمح لنفسه بذكر شيء مما يعيب به غيره، ومما يعده من الثغرات التي ينبغي تجنبها. ويا ليته ذكر من القصص والروايات الكثير الكثير، دون تعرض وتعارض مع أصل من أصول العقيدة، ودون أن يمس عصمة الأنبياء ﵈، إلا أن التمني شيء والواقع شيء آخر. فعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١] يذكر المؤلف ما ورد في سفر صموئيل الثاني، من أن داود ﵇ رأى زوجة أحد رجال جيشه عارية، على سطح بيتها المجاور لبيته فأعجبته فأحضرها واضطجع معها، وكان زوجها في جبهة حربية. فلما عاد وشعر بذلك امتنع عنها، فأرسله إلى الجبهة ثانية، فلما قُتل تزوج داود بامرأته ... ، إلى آخر ما ورد في هذه القصة. ولو أنه سكت عن هذه الرواية فحسب لهانَ الأمر -مع أنه ليس بهين لأن عصمة الأنبياء ﵈ أمر لا يجهله أحد من عوام المسلمين- ولكن المستغرب والمستنكر أنه جاء يقرر بعد هذه القصة، أن ما ذكر في هذا السفر، يتسق مع ما جاء في الآيات (١). وأحب أن أورد عبارته لتكون خير شاهد على ما أقول "والأيات وإن كانت خلت من هذه التفاصيل، فإن فيها إشارات خاطفة متسقة معها، حيث ذكرت أن داود قد أدرك أن الله امتحنه بسبب خطيئة له، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب، فغفر الله له. حيث جرى القرآن بصورة عامة، على ذكر الأنبياء السابقين بأسلوب تكريمي وتنويهي أو عتابي، ولم يحتوِ ما احتوته بعض الأسفار عن بعض الأنبياء من تهم وقصص فاحشة" (٢).

стр. 1712

والحق أنه لمن المحير والمستهجن، أن يذكر مثل هذه القصص والأخبار، وكنت أود أن يطلع على بعض التفاسير، التي يقول إنها لم تخل من الثغرات. ولم يغرب في هذه القصة فحسب، بل نرى ذلك منه كذلك في قصص كثير من الأنبياء ﵈، فها هو ينقل في قصة سليمان في سورة (ص)، ما جاء في بعض الأسفار، من أن سليمان تزوج نساء كثيرات كابنة فرعون ومن نساء صيدونيات وعمونيات وأدوميات وحثيات فأَمَلْنَ قلبه إلى آلهتهن، وبنى لهذه الآلهة مذابح وقرّب لها قرابين، وعمل الشر في عين الرب، فكان ذلك سببًا لنقمة الله عليه (١). ويكثر مفسرنا من النقل عن هذه الكتب، دون أن يشير بكلمة واحدة، إلى ما ينبغي أن يكون للأنبياء ﵈ من العصمة، ولكن همه كله أن يثبت أن العرب كانوا يعرفون هذه القصص قبل نزولها، مستدلًا على ذلك بأن ما ورد في بعض كتب المفسرين جاء مطابقًا لهذه الأسفار. ولعمر الحق لا أدري ما وجه الاستدلال؟ ذلك لأن الذي ذكر في هذه الكتب من الإسرائيليات دون ريب، ولم يكن منتشرًا في زمن الصحابة أنفسهم، فضلًا على أن يكون معروفًا قبل نزول القرآن عند هؤلاء العرب (٢). وإذا تركنا الحديث عن قصص الأنبياء، وجدنا المفسر يحدثنا عن بعض مبهمات القصص التي أبهمها القرآن، مع أنه يعيب على المفسرين التزيد والتمحل، فها هو مثلًا في قصة أهل الكهف، يذكر لنا قصتهم وأسماءهم وبلدهم، مع أن ذلك لم يرد منه شيء في القرآن.

стр. 1713

وكنا نود أن يلتزم بمبدئه، الذي رسمه في خطته المثلى, وهي الوقوف عند حدود ما وقف عنده القرآن، ولكن هذا يهون حقًّا، أمام اتهام الأنبياء ﵈، وعدم رد ما ينافي عصمتهم، عفا الله عنه، وأرجو أن يكون له من حُسْن نيته ما يوجب مغفرة الله له. ب- مشاهد الكون ونواميسه: من خطة التفسير عند الأستاذ الوقوف عند مشاهد الكون ونواميسه كما بينها القرآن، لذلك نجده ينحى باللائمة على المفسرين الذين خرجوا عن هذه الخطة، وتعدوا هذه الحدود، حتى على هؤلاء المحدثين الذين يريدون أن يبينوا عظمة القرآن وإعجازه في الحديث عن تلك النواميس. وإذن، فينبغي ألا يكون في "التفسير الحديث" شيء من هذا أو ذاك. لكن القارئ يفاجأ حينما يجد أنه لم يفعل كما فعل المحدثون، بل كانت تعليقاته منقولة عن تلك الكتب القديمة فيما يتعلق بمشاهد الكون ونواميسه. فها هو في سورة (ق) عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨] يأتي بحديث عن أبي ريرة، وهو أن الله خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد إلى آخر الأيام (١). ثم يأتي ببعض الإصحاحات التي تذكر أن الله استراح يوم السبت ليثبت موافقته للحديث. والغريب أنه يذكر أن الإمام المفسر ابن كثير شك في الحديث (٢)، لكنه كما تفهم عبارته نصًّا وروحًا، يريد أن يثبت الحديث بأنه روي في أكثر من كتاب، ولكن لِمَ؟ لا لشيء إلا ليوافق ما جاء في الإصحاحات، ثم يقول: "ولقد ورد في بعض الإصحاحات أن روح الله ترف فوق الماء، وهذا مطابق لآية سورة هود

стр. 1714

﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. الروح والعرش إذن شيء واحد في رأي الأستاذ دروزة. سبحان الله لا بد من تصحيح الروايات التي شك فيها بعض الحفاظ ولا بد من قلب مفاهيم اللغة، لا لشيء ولكن من أجل موافقة الإصحاحات فحسب! ! والحديث الذي ذكره أخرجه الإمام مسلم، ولكن الإمام البخاري وكثيرًا من المحدثين أنكروا هذا الحديث، لأنه يتعارض مع أي القرآن الكريم (١). لم يتعرض المفسر لكثير من مبهمات القرآن، ولعل سبب ذلك يرجع إلى اعتماده على أسفار أهل الكتاب، فإذا وجد في هذه الأسفار ما يفسر تلك المبهمات ذكر ذلك، وإن لم يجد، فإنه يترك هذه المبهمات دون التعرض لها. يظهر هذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: . ٤٠]، فمع أنه لم يذكر شيئًا عن تفسير الآيات إلا أنه بيَّن أن هذه لم ترد في الكتب السابقة. لكن الذي يلفت الانتباه، ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢] فمع أنه يذكر أولًا بأن هذا سيكون بين يدي الساعة، إلا أنه يخلص إلى القول بأن ذكر الدابة يحتمل أن يكون مما عرف في بيئة النبي ﷺ ، أي مما كان متداولًا بين العرب قبل القرآن، ولعل هذا إنما عُرف من اليهود الذين نقله العرب عنهم. وليت الأستاذ دروزة وقف عند هذا الحد، لكنه ناقض ما قاله أولًا، من أن هذا سيكون بين يدي الساعة، فيقرر أن الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هو في الآية يرجع إلى كفار العرب في عهده ﷺ ، وأن كثيرين منهم قد أسلموا، وأن الذين لم يسلموا قد ماتوا، فإذا لا يمكن أن يحييهم الله لتكلمهم هذه الدابة.

стр. 1715

ما أعجب هذا الرأي الذي لا يعوزه إلا إلمام بمبادئ الصنعة اللفظية، وأحب هنا أن أقتطف أجزاء من عبارته: "ومع أننا نرى الوقوف عندما وقف عنده القرآن من أمر الدابة، ونقول: آمنا به كل من عند ربنا، فإن الذي يتبادر من روح الآيات، أنها بسبيل إثارة الرعب في نفوس الكفار وجاحدي الساعة، السامعين من الهوان والخزي الذي سوف يلقونه، حينما يأزف موعد قيامها ثم حين يتحقق قيامها ... وإن من المحتمل أن يكون ظهور هذه الدابة بين يدي الساعة، مما كان يتحدث عنه في بيئة النبي ﷺ ، ومما كان يرويه اليهود .. ومن الجدير بالتنبيه إليه أن الضمير في جملة ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ في الآية الأولى. عائد كما هوالمتبادر، إلى الكفار العرب السامعين للقرآن الذين وصفوا في الآيات التي قبل هذه الآية، بالموتى والصم والعمي، وهذا يقتضي أن يكون الضمير في ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ راجعًا إليهم أيضًا، وأن يكون التقريع والإنذار والترهيب موجهًا إليهم في الدرجة الأولى، وكثير من هؤلاء قد أسلموا، والذين ظلوا على كفرهم هلكوا، وسيمضي على هلاكهم إلى قيام الساعة آلاف لا تُحصى من السنين، ولم تذكر الروايات والأحاديث المسندة إلى النبي ﷺ وأصحابه أن الله يحيي الكفار الجاحدين لتكلمهم الدابة ... ". الأستاذ دروزة يرد على حملات المستشرقين: الناظر في تفسير الأستاذ دروزة، يجد نفسه أمام مواقف، بعضها يستدعي الدهشة والاستغراب، وبعضها الثناء والإعجاب، ومن هذه الأخيرة ما عقب به المفسر الفاضل على المستشرقين في كثير من أباطيلهم ومكائدهم فمن ذلك: ١ - تفسيره لسورة القلم يقول: "ولقد حاول الأغيار أن يجدوا في جنات القرآن مغمزًا بالدين الإسلامي، بزعم أن ذلك يثير الأنانية والطمع في المسلمين، ويجعلهم لا يفعلون الصالحات إلا رغبةً في الأجر الشخصي. ويخرج صفة الحياة الأخروية من نطاقها الروحاني التجريدي، أما إثارة الطمع والأنانية. فالبداهة تقضي بأن تكون الحياة الأخروية وجناتها قاضية عليها، لأن الإنسان الذي يؤمن بأنه إذا

стр. 1716

آمن واتقى وعمل الصالحات، وصل إلى أعلى ما تصبو إليه نفسه من لذة ونعيم في الحياة الأخرى، يستطيع أن يوطن النفس على التضحيات المتنوعة في المال والنفس، وعلى القناعة والخيرية وأعمال البر ... " (١). ومن ذلك ما جاء في السورة نفسها من تعليقه، على نعت المستشرقين والمبشرين، للرسول الأعظم ﷺ نعوتًا تنبع من حقدهم. ٢ - وفي تفسير سورة (ص) يعلق على أباطيل بعض المستشرقين، من أن الرسول ﷺ لم يعلم ببنوة إسماعيل لإبراهيم إلا في العهد المدني، حيث خلت الآيات المكية من ذلك، فيرد عليهم بإثبات هذا في الآيات المكية، وبأنه أمر ما كان يجهله أحد من العرب. ٣ - وفي تفسيره لسورة البقرة، يرد على زعم بعض المستشرقين بمكية الآيات التي تبدأ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٩] بحجة أن مضمونها يشابه مضمون الآيات المكية. ٤ - وفي تفسير سورة مريم، يقول: "ونذكر أن بعض المستشرقين والمبشرين، قد سخفوا في الغمز حين أشاروا إلى بُعد المسافة بين مريم وهارون، بمناسبة نعت مريم بأخت هارون. وقد استغربنا هذا منهم، لأننا نحسب أنهم أكثر إدراكًا لكون النبي ﷺ -ونقول هذا مساجلة- لا يجهل هذه المسافة. وهكذا فإننا نجد المفسر الفاضل يتعقب المستشرقين في بعض دسائسهم وترهاتهم، ولا يدع فرصة يمكنه أن ينوه فيها دفاعًا عن القرآن، ودفعًا لتقولات المبطلين وأهل الأهواء -كالفرق التي تفسر القرآن لتأييد عقائدهم- إلا وينتهزها".

стр. 1717

تقييم التفسير: إن كل من يقرأ ما كتبه المفسر في مقدمة تفسيره -القرآن المجيد- وهو يلوم على المفسرين، ويبحث عن الثغرات في تفاسيرهم، حتى إنه لم يبرئ تفسيرًا قديمًا أو حديثًا من هذه الثغرات. أقول كل من يقرأ ذلك، ترتسم في ذهنه ومخيلته صورة حياة مشرقة عن التفسير الحديث. ولكن الحقيقة أن هذا التفسير -الذي أراد له صاحبه أن يكون جامعًا لمحاسن التفسير، بريئًا في ثغراتها، حسبما رسم في خطته المثلى للتفسير- كان بدعًا من التفاسير، لا من حيث ترتيبه فحسب، ولا من حيث منهجه كذلك، ولا من حيث ما ورد فيه من أفكار وآراء وإنما من هذه الحيثيات جميعها. لقد تكلم الأستاذ عن القصص القرآني، فكان التطبيق العملي الذي جاءنا به، كثرة الاستشهاد بالإسرائيليات دون تمييز، بين ما يخالف العقيدة الإسلامية وإجماع الأمة على عصمة الأنبياء ﵈، وهو الذي كان يعيب على المفسرين أقلّ مما ذكره. وحينما تكلم عن الآيات الكونية جردها من حقائقها، وحصرها في نطاق وعظي فحسب، وكان حريًا به أن يفعل بالقصص مثل هذا. أما في آيات الأحكام، فلقد رأينا الرجل ينزلق انزلاقات خطيرة، لا من حيث التناقض والخطأ في بعض المسائل، وإنما من حيث الاضطراب والتشويش اللذان ينعكسان على القاري. ولقد خلا التفسير بعد ذلك كله، من الاصطلاحات العلمية الضرورية، ومن مواطن الإشارة لبيان أسرار الإعجاز، من عرض الهدايات القرآنية عرضًا شيقًا سليمًا، اللهم إلا بعض لفتات سجلناها له. وبهذا يكون التفسير على ما فيه من فوائد وعلى ما له من مزايا خلا من كثير من خصائص التفسير قديمها وحديثها.

стр. 1718

إن التفسير الحديث في رأيي حسناته وإيجابياته، ولكنه لا يخلو من سلبيات، ولقد كان الرجل، ذا حس مشكور في دفاعه عن الإسلام، وكان ذا ثقافة عامة، وتظهر في أثناء تفسيره غيرته على دينه، والعمل الإنساني معرَّض دائمًا للخطأ، فرحم الله صاحب التفسير الحديث، وأجزل له المثوبة وجزاه خيرًا عما قدم.

стр. 1719

منهج الشيخ عبد القادر ملا حويش العاني (ت ١٣٩٨ هـ/١٩٧٨ م) في بيان المعاني

стр. 1720

بيان المعاني كاتب هذا التفسير هو الشيخ عبد القادر ملا حويش العاني، نسبةً إلى "عانة" مدينة في العراق. وقبل أن نتعرض لهذا التفسير، لا بد أن نلم بنبذة عن حياة كاتبه. ١. نبذة عن حياة المؤلف: اسمه ونسبه: السيد عبد القادر بن السيد محمد حويش، بن السيد محمود بن السيد حديد بن السيد فهد بن السيد جاسم بن السيد محمد بن السيد عبيد بن السيد حسين بن السيد جلال الدين بن السيد عيسى المغربي آل غازي، المنتهي نسبه إلى السيد موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن أمير المؤمنين الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (١)، وذكر لي ولده أنه ينتهي نسبه من جهة الأم إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، سبط النبي ﷺ . مولده ونشأته: وُلد الشيخ عبد القادر في مدينة "عانة" سنة خمسة وثمانين وثمانمائة وألف (٢)، وكان والده قاضيًا شرعيًا، وكان يدرس الأولاد في حوش بيته (٣)، فلقب لأجل
следующие страницы →