← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

آمن واتقى وعمل الصالحات، وصل إلى أعلى ما تصبو إليه نفسه من لذة ونعيم في الحياة الأخرى، يستطيع أن يوطن النفس على التضحيات المتنوعة في المال والنفس، وعلى القناعة والخيرية وأعمال البر ... " (١). ومن ذلك ما جاء في السورة نفسها من تعليقه، على نعت المستشرقين والمبشرين، للرسول الأعظم ﷺ نعوتًا تنبع من حقدهم. ٢ - وفي تفسير سورة (ص) يعلق على أباطيل بعض المستشرقين، من أن الرسول ﷺ لم يعلم ببنوة إسماعيل لإبراهيم إلا في العهد المدني، حيث خلت الآيات المكية من ذلك، فيرد عليهم بإثبات هذا في الآيات المكية، وبأنه أمر ما كان يجهله أحد من العرب. ٣ - وفي تفسيره لسورة البقرة، يرد على زعم بعض المستشرقين بمكية الآيات التي تبدأ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٩] بحجة أن مضمونها يشابه مضمون الآيات المكية. ٤ - وفي تفسير سورة مريم، يقول: "ونذكر أن بعض المستشرقين والمبشرين، قد سخفوا في الغمز حين أشاروا إلى بُعد المسافة بين مريم وهارون، بمناسبة نعت مريم بأخت هارون. وقد استغربنا هذا منهم، لأننا نحسب أنهم أكثر إدراكًا لكون النبي ﷺ -ونقول هذا مساجلة- لا يجهل هذه المسافة. وهكذا فإننا نجد المفسر الفاضل يتعقب المستشرقين في بعض دسائسهم وترهاتهم، ولا يدع فرصة يمكنه أن ينوه فيها دفاعًا عن القرآن، ودفعًا لتقولات المبطلين وأهل الأهواء -كالفرق التي تفسر القرآن لتأييد عقائدهم- إلا وينتهزها".

стр. 1717

تقييم التفسير: إن كل من يقرأ ما كتبه المفسر في مقدمة تفسيره -القرآن المجيد- وهو يلوم على المفسرين، ويبحث عن الثغرات في تفاسيرهم، حتى إنه لم يبرئ تفسيرًا قديمًا أو حديثًا من هذه الثغرات. أقول كل من يقرأ ذلك، ترتسم في ذهنه ومخيلته صورة حياة مشرقة عن التفسير الحديث. ولكن الحقيقة أن هذا التفسير -الذي أراد له صاحبه أن يكون جامعًا لمحاسن التفسير، بريئًا في ثغراتها، حسبما رسم في خطته المثلى للتفسير- كان بدعًا من التفاسير، لا من حيث ترتيبه فحسب، ولا من حيث منهجه كذلك، ولا من حيث ما ورد فيه من أفكار وآراء وإنما من هذه الحيثيات جميعها. لقد تكلم الأستاذ عن القصص القرآني، فكان التطبيق العملي الذي جاءنا به، كثرة الاستشهاد بالإسرائيليات دون تمييز، بين ما يخالف العقيدة الإسلامية وإجماع الأمة على عصمة الأنبياء ﵈، وهو الذي كان يعيب على المفسرين أقلّ مما ذكره. وحينما تكلم عن الآيات الكونية جردها من حقائقها، وحصرها في نطاق وعظي فحسب، وكان حريًا به أن يفعل بالقصص مثل هذا. أما في آيات الأحكام، فلقد رأينا الرجل ينزلق انزلاقات خطيرة، لا من حيث التناقض والخطأ في بعض المسائل، وإنما من حيث الاضطراب والتشويش اللذان ينعكسان على القاري. ولقد خلا التفسير بعد ذلك كله، من الاصطلاحات العلمية الضرورية، ومن مواطن الإشارة لبيان أسرار الإعجاز، من عرض الهدايات القرآنية عرضًا شيقًا سليمًا، اللهم إلا بعض لفتات سجلناها له. وبهذا يكون التفسير على ما فيه من فوائد وعلى ما له من مزايا خلا من كثير من خصائص التفسير قديمها وحديثها.

стр. 1718

إن التفسير الحديث في رأيي حسناته وإيجابياته، ولكنه لا يخلو من سلبيات، ولقد كان الرجل، ذا حس مشكور في دفاعه عن الإسلام، وكان ذا ثقافة عامة، وتظهر في أثناء تفسيره غيرته على دينه، والعمل الإنساني معرَّض دائمًا للخطأ، فرحم الله صاحب التفسير الحديث، وأجزل له المثوبة وجزاه خيرًا عما قدم.

стр. 1719

منهج الشيخ عبد القادر ملا حويش العاني (ت ١٣٩٨ هـ/١٩٧٨ م) في بيان المعاني

стр. 1720

بيان المعاني كاتب هذا التفسير هو الشيخ عبد القادر ملا حويش العاني، نسبةً إلى "عانة" مدينة في العراق. وقبل أن نتعرض لهذا التفسير، لا بد أن نلم بنبذة عن حياة كاتبه. ١. نبذة عن حياة المؤلف: اسمه ونسبه: السيد عبد القادر بن السيد محمد حويش، بن السيد محمود بن السيد حديد بن السيد فهد بن السيد جاسم بن السيد محمد بن السيد عبيد بن السيد حسين بن السيد جلال الدين بن السيد عيسى المغربي آل غازي، المنتهي نسبه إلى السيد موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن أمير المؤمنين الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (١)، وذكر لي ولده أنه ينتهي نسبه من جهة الأم إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، سبط النبي ﷺ . مولده ونشأته: وُلد الشيخ عبد القادر في مدينة "عانة" سنة خمسة وثمانين وثمانمائة وألف (٢)، وكان والده قاضيًا شرعيًا، وكان يدرس الأولاد في حوش بيته (٣)، فلقب لأجل

стр. 1721

ذلك بالحويش، أما لقب "ملا" فهو يعني: الأستاذ أو المعلم، وجاء لفظ "السيد" في النسب، لأجل العُرف تلك الديار، فيمن ينسب إلى النبي ﷺ ، وما يزال هذا النسب يطلق عليهم -كما ذكر ولده لي- حتى يومنا هذا، من دير الزور حتى بغداد، موطن أكثر آل حويش. تعلم بدايات العلوم في مدينة عانة، ثم انتقل إلى بغدد، ودرس هناك العلوم الشرعية في مسجد أبي حنيفة ﵀، وقد لبس العمامة وهو في من الحادية عشرة من عمره، وبعد أن أتقن العلوم الشرعية والفقهية، وأخذ شهادة "الرشدية" التي كانت تخول حاملها -زمن الخلافة العثمانية- العمل في المحاكم الشرعية، انتقل إلى العمل في محكمة دير الزور الشرعية، لقربها من موطنه الأصلي "عانة"، وحاجة تلك البلاد إلى الذين يحملون المؤهل الشرعي، من أمثال الشيخ عبد القادر، ولم يقف عند هذا الحد، بل تدرج في المحاكم الشرعية، حتى أخذ شهادة "عالي العُلا"، وهي شهادة إدارية تخول صاحبها أن يكون قاضيًا، آنذاك. ولم يقف عند هذا الحد، بل "درس العلوم الشرعية والآلية في المدرسة الشرعية بدير الزور، وعلى أساتذة خصوصيين، ونال شهادة في العلوم العقلية والنقلية، ومصدقة من المجلس العلمي، كانال شهادة أخرى في علم المدنية من المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسيني بدمشق، وشهادة محاماة" (١)، وفي هذه الأثناء كان قد التقى بدير الزور بالشيخ حسين الغزاوي الأزهري، والذي كان عائدًا من مصر -بعد أن نال الشهادة الأزهرية- إلى بغداد، فلما رأى ما في دير الزور من البُعد عن الدين مكث فيها، ولازمه الشيخ عبد القادر وتتلمذ على يديه. هكذا كان الشيخ، كالنحلة، لا يقع إلا على طيب، ويعطي العسل المصفى.

стр. 1722

المناصب الإدارية التي تقلدها: • شغل من عام ١٩١٠ إلى عام ١٩١٩ وظيفة كاتب محكمة وقاضي شرعي ومدرس وواعظ وخطيب، وعضو بداية في قضائي البوكمال والميادين. • ومن عام ١٩٢٠ إلى عام ١٩٢٧ شغل وظيفة رئيس كُتّاب محكمة شرعية ومحكمة استئناف (١). • ومن عام ١٩٢٧ إلى عام ١٩٣٥ كان حاكم صلح وقاضي شرعي وعضو محكمة جناية في الميادين ومحافظة الجزيرة. • ومن عام ١٩٣٥ إلى ١٩٤٠ قاضي شرعي وحاكم صلح في الجولان والزوية. • ومن عام ١٩٤٠ إلى -قال المؤلف: حتى الآن، وهذا التاريخ قطعًا قبل عام ١٩٥٢ م الذي تقاعد فيه الشيخ- قاضي محافظة الفرات، وخلال هذه المدة قام بوظيفة مدير ناحية وقائمقام ومحافظ وكالة (٢). • وعمل معاونًا لمحافظ دير الزور حتى تقاعد منه سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة ألف، وهي السنة التي وُلد فيه أصغر أبنائه: عبد المعين، الذي التقيته في حمص، وأفادني بمجمل سيرة والده (٣).

стр. 1723

• عمل بعدها بالمحاماة عدة أشهر، لكنه شعر بحرمتها فابتعد عنها وانشغل بالتدريس، فقد كان يجلس للدرس بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب، بين المغرب والعشاء، فيدرس الفقه والتفسير وغيرها، هكذا نذر نفسه، وكان يخطب الجمعة في مسجد السرايا، حتى عام ١٩٧٠، وهذه الخطب كانت مكتوبة، ويقوم ابن أخيه بطباعتها على شكل ديوان خطب في مدينة بغداد. قال عنه نظمي الخمراوي: "الأستاذ الشيخ عبد القادر ملا حويش قاضي القنيطرة، الفضل والعلم والأخلاق الرفيعة ممثلة في شخصه الكريم؛ وهو من الأساتذة الغيارى على الشريعة الطاهرة؛ يعمل بما أوتيه من قوة القضاء العادل بتطبيق الدين والعلم في أحكامه الصادرة عن بصيرة واقتناع" (١). من خلال تفسيره، تبين للباحث كم كان هذا الشيح يعيش هموم أمته، وكم كان يقلقه حالها الذي آلت إليه جراء الحملات الهدامة التي كانت تحاول غرس الفتن والضلال والفرقة في جسم الأمة الواحدة، ولقد كان همه الأكبر كيف يقاوم محاولات البريطان غرس اليهود في فلسطين، وكان يكثر الابتهال إلى الله تعالى أن يرد كيدهم إلى نحورهم، وكان يحذر المسلمين من شر وجودهم، وشر من أوجدهم، وكان يحاول بما أوتيه من قوة بيان أن يعيد المسلمين إلى مجدهم المسلوب، وعزهم الغائب، وما محاولته تفسير كتاب الله تعالى على طريقة ترتيب النزول إلا وجهًا من وجوه الدعوة إلى الله، ومحاولة للنهوض بالأمة من سباتها من خلالها تفهيمها كلام ربها، وبالطريقة نفسها التي نهض بها النبي ﷺ بأمة العرب يوم لم تكن شيئًا مذكورًا، ولكل مجتهد نصيب.

стр. 1724

أوصافه: كان ﵀ متوسط القامة، حنطي اللون، أبيض الوجنتين، كث اللحية، مستدير الوجه، فيه طول قليلًا، أزج الحاجبين مفرق ما بينهما، أقنى الأنف، طويل الصمت، جميل السمت، قليل الكلام، ولا يتحدث إلا بما يعنيه، وكان مرتبًا في حياته كلها. كان منتظم الأكل والشرب، حيث كان يباعد بين الوجبتين، وبين الوجبة وشرب الماء، فكان يجعل بين الوجبة والأخرى ست ساعات، ولا يشرب الماء إلا بعد مرور ساعتين، لا يجمع على المائدة أكثر من صنف من الطعام، وإن كان، لا يأكل إلا من صنف واحد، وإذا كان الأكل من ذوات العدد كالتمر والزيتون وما شابه ذلك، كان أكله وترًا، وهو في ذلك يحاول اقتفاء أثر الرسول ﷺ . قال لي ولده: لم يمرض في حياته قط. أما اللباس، فكان يلبس لكل فصل لونًا من اللباس؛ فللصيف اللون الأبيض، وللخريف اللون البني، وللشتاء اللون الأسود، وللربيع اللون الرمادي. لقد ورث الشيخ العلم والتقوى خلفه، ولم يمنعه ذلك من أن يورث لأولاده ما يكفيهم، حيث ورَّث لكل ولد وبنت (١) بيتًا يسكنه، وبيتًا يؤجره، فكان رمز الإنصاف والوسطية في حياته كلها. حوار مع ولده: سئل ولده: هل صحيح ما ادعاه بعضهم: أن الوالد كان صوفيًا؟ قال: لقد لازمته حياتي كلها، فلم أره يعمل شيئًا مما يعمله المتصوفة يومها، لكنه كان يذهب إلى شيخ الطريقة النقشبندية، وكان يستضيفه في بيتنا، فلأجل هذه العلاقة قيل

стр. 1725

ذلك، ولكنه لم يفتأ ينكر على الصوفية ما يقومون به من شعوذة وبدع؛ كضرب الشيش وغيرها. ولما سئل عن سلفية والده في التفسير، قال: لا تستطيع أن تصفه بأنه سلفي مطلقًا، ولا أشعري مطلقًا، لقد كان صاحب فكر حر، إلا أنه كان يغلب عليه الطبع السلفي. كان ﵀ حنفي المذهب. أما عن سبب تأثره بالآلوسي، وكثرة نقله عنه، فقال: إن الآلوسي من بلدة آلوس، وهي محاذية لبلدة عانة مسقط رأس الشيخ، وهي تبعد عن بكمان -موطن الشيخ- ما يقرب من مائة وخمسين كيلومترًا. وحول أقاربه في دير الزور، وعلاقتهم بآل حويش في العراق، قال: بحكم الوظيفة بقي الشيخ عبد القادر وأخوه سعيد في دير الزور، في حين انتقل إخوته الثلاث: عبد المجيد (١)، وأحمد (٢)، ومحمد رشيد (٣)، إلى بغداد، وآل حويش هناك يعرفهم القاصي والداني. أما شأنه، فكان لا يفتر عن القراءة في التفاسير والقرآن الكريم، ولما سألت ولده: هل كان يحفظ القرآن؟ قال: لم أجرؤ على سؤاله عن هذا، إلا أنه كان يؤم الناس، ولم يستعجم عليه القرآن مرة، وبقي يقرأ القرآن من المصحف حتى بعد أن ضعف بصره ولبس النظارة في آخر حياته، وقد شارف على الثامنة والتسعين.

стр. 1726

الشيخ ﵀ كان لا يحب الظهور، وكان يحب خدمة دين الله تعالى بكل ما أوتي من قوة، لكن لم يكن في باله أن يؤلف شيئًا، فالوريقات التي كانت تحوي علم الفرائض، كان يستعين بها أيام القضاء على استحضار المسائل المتعلقة بالمواريث، إلا أن صديقه أحمد مظهر بيك العظم (١) حين لمس من الشيخ صدقه وورعه وخشي على علمه من الضياع بعد موته نصحه بالتأليف ووعده بالمساعدة، فوقع الكلام من الشيخ عبد القادر موقعه وبدأ بتأليف التفسير، وكان أحمد مظهر يشرف على طباعته في دمشق، كون مقر المجلة التي كان يديرها قريب من مكتبة الترقي التي طبع فيها تفسير بيان المعاني. وحول تلاميذ الشيخ وأصدقائه، قال: لم يبقَ من أصدقاء الشيخ أحد على قيد الحياة إلا تلميذه "مهيد الشرمان أبو الهادي"، وهو طاعن في السن، إذ يزيد عمره على الثمانين سنة. توفي ﵀ في شباط، سنة ١٩٧٨ م، وقد بلغ الثامنة والتسعين. مؤلفاته: ١ - " بيان المعاني. ٢ - علم الفرائض. ٣ - حسن القول. ٤ - التشريع الإسلامي. ٥ - قواعد اللغة العربية.

стр. 1727

٦ - القول في علم التوحيد" (١). ٧ - "ديوان خطب ومواعظ. ٨ - أحسن البيان في القرآن. ٩ - أحسن السنن في الأذكار والسنن" (٢). قصة كتابة التفسير: لقد قرأ الشيخ عبد القادر ﵀ جميع الكتب التي أشار إليها في مقدمة التفسير، والتي بلغت سبعة وعشرين مؤلفًا من أمهات كتب التفسير وغيرها، وطالع فيما يقاربها من الكتب، كل هذا الجهد قد صب في هذا التفسير، الذي انقطع لتأليفه ست سنوات متتالية، فكان بيته من طابقين، الطابق الأول فيه غرفة الضيافة والمكتبة، وفيه كان تأليف التفسير، حيث كان يجلس بين الكتب، بحيث لا يراه الداخل من خلفها؛ لكثرة ما كان يضع أمامه منها لحظة التأليف، وكان ينقطع في مكتبته، فلا يدخل عليه أحد إلا بإذنه وفي أوقات محدودة، فإذا احتاج شيئًا صفق بيده فيأتيه من في البيت ليلبي له حاجته، وإلى الآن يحتفظ أولاده، في بيته، في دير الزور بأدوات الكتابه: القلم والمبراة والمحبرة. كان ولده الكبير، ﵀، يجيد الطباعة على الآلة الكاتبة، فكان الشيخ، كلما أنهى شيئًا من التأليف دفعه له، فيطبعه، ثم يرسل المطبوع على الآلة الكاتبة إلى مطبعة الترقي في دمشق لتقوم بطباعة التفسير آليًا، ولبُعد المسافة بين دير الزور ودمشق -ما يقارب ٥٠٠ كم- كان أحمد بيك مظهر، صاحب مجلة التمدن الإسلامي يتولى العناية والمتابعة لهذا التفسير، فخرج المجلد الأول سنة ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٢ م، والمجلد الثاني سنة ١٣٨٢ هـ / ١٩٦٢ م، والثالث سنة ١٣٨٢ هـ/

стр. 1728

١٩٦٣ م، والرابع سنة ١٣٨٣ هـ / ١٩٦٤ م، والخامس سنة ١٣٨٤ هـ / ١٩٦٥ م، والسادس سنة ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٥ م. أما مخطوطة التفسير بخط المفسر الجميل، فهي محفوظة الآن لدى "دار البلخي"، عند صاحب الدار: أسامة البلخي -دمشق الحلبوني-، حيث تقوم هذه الدار على طباعته طباعة محققة، من قبل عدد من الشباب، حيث قاموا بالتعليق على الإسرائيليات والقصص والأحاديث الضعيفة، وبينوا درجتها من القبول، وأخذوا بإشارة ولده عبدالمعين، الذي رغب إليهم أن يفردوا ترجيحات والده في التفسير، فأفردوها بمجلد تزيد صفحاته على الخمسمائة صفحة، وأطلقوا عليه اسم "الموجز في بيان المعاني"، وسيلحق بالتفسير الذي سيرى النور بطبعته الجديدة في غضون أربعة أشهر، إن شاء الله تعالى، كما أخبرني بذلك ولده، الذي يشرف على هذه الطبعة، التي ستوزع مجانًا كسابقتها، حيث طُبعت ووُزِّعت لوجه الله تعالى من قِبَل والده ﵀. بدأ تأليف كتابه كما يقول سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٦ م. وكان ذا نزعة صوفية، تظهر دائمًا في أثناء كتابه، كما يظهر مغالاة في حبه لآل البيت، حتى إن المتصفح لكتابه لأول وهلة يحسبه شيعيًا. ٢. التعريف بكتابه: يقع هذا الكتاب في سبعة مجلدات كبيرة، وقد طبع في مطبعة الترقي سنة ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٢ م، ولصاحبه اصطلاح خاص في تقسيمه، حيث جعله أجزاء ثلاثة: اثنين للقسم المكي، وواحد للقسم المدني، وقسم الجزء إلى مجلدات: فالقسم المكي يقع في أربعة مجلدات، أي لكل جزء مجلدان، أما الجزء الثالث وهو المدني فيقع في مجلدات ثلاثة، وهو تقسيم غريب. وقد رتبه وفق نزول السور لا كما هو في المصحف، وهذه هي الطريقة نفسها التي سلكها الأستاذ دروزة، على اختلاف بينهما في ترتيب بعض السور.

стр. 1729

وهنا يحق لنا أن نتساءل، أي التفسيرين كان أسبق إلى الوجود؟ وهل تأثر اللاحق بالسابق؟ وهذه مسألة معقدة لأنهما طبعا في أوقات متقاربة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن كلًّا منهما يدعي أنه لم يسبق إلى طريقته هذه. إلا أننا من مطالعتنا لمقدمتي الكتابين، ندرك أن "بيان المعاني" كان أسبق، لأن مؤلفه بدأه كما يقول سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٦ م. ولعله تأخر كثيرًا في إتمامه، لأنه في تفسير سورة الطارق -وهي من أوائل السور عنده حيث جاءت في الجزء الأول- يحيل القارئ إلى مقال نشرته مجلة التمدن الإسلامي سنة ١٣٧٤ هـ. وهذا معناه أن تفسير سورة الطارق قد كتب بعد عشرين سنة من بدئه بالتفسير ومع هذه التعقيدات كلها فإنني أرى أنه كان سابقًا في فكرته لصاحب التفسير الحديث، كما لا أظن أن الأستاذ دروزة قد تأثر به أو نقل عنه فكرته، وأغلب الظن أن هذه الفكرة كانت تسيطر على كلا الرجلين، دون اتصال أحدهما بالآخر. ومع أن الأستاذ دروزة حاول أن يسوغ عمله مستشهدًا بغيره، فإنه لم يشر إلى صاحب بيان المعاني. وحينما اتصلت به أخبرني بأنه كان مرتاحًا لهذه الطريقة، وأنه لم يسبق إليها، ولم يشر من قريب ولا من بعيد إلى بيان المعاني مع سؤالي له عنه. ومع مخالفتي للرجلين في طريقهما، إلا أنني لا أود هنا أن أناقش صاحب بيان المعاني في طريقته التي اتبعها، مكتفيًا بما ذكرته عند كتابتي عن الأستاذ دروزة فالرد على أحدهما، رد على الآخر ولا داعي للتكرار. ٣. منهجه في التفسير: الحاجة إلى تفسير جامع مانع: يشرح الشيخ عبد القادر منهجه في مقدمته " ... أما بعد فإن القرآن العظيم، جمع ورتبت سوره وآياته في المصاحف التي بأيدينا، طبق مراد الله تعالى، بأمر من رسوله الأعظم، ودلالة من الأمين جبريل المكرم، وحينما تشاور الأصحاب ﵃ على نسخه على الوجه المذكور، أراد الإمام علي كرم الله وجهه، ترتيب آيه وسوره

стр. 1730

بحسب النزول، لا لأنه لم ير صحة ما أجمعوا عليه، ولا لأنه حاشاه لم يعلم أن ذلك توقيفي لا محل للاجتهاد فيه، بل أراد أن تعلم العامة تاريخ نزوله، ومكانه وزمانه وكيفية إنزاله، وأسباب تنزيله، ووقائعه وحوادثه، ومقدمه ومؤخره، وعامه وخاصه، ومطلقه ... بادئ الرأي دون تكلف لمراجعة، أو سؤال، ولمقاصد أخرى ستظهر للقارئ إن شاء الله ... واعلم أن الخليفة عثمان ﵁ ومن معه من الأصحاب، إنما لم يأخذ برأيه؛ لأن السور والآيات كانت مرتبة ومجموعة على ما هو في المصاحف الآن. وهو أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه، وليعلم أن تفسيره على رأي الإمام علي كرم الله وجهه، لا يشك أحد بأنه كثير الفائدة عام النفع، لأن ترتيب النزول غير التلاوة، ولأن العلماء ﵏ لما فسروه على نمط المصاحف، اضطروا لأن يشيروا لتلك الأسباب بعبارات مكررة، إذ بيَّن ترتيبه في المصاحف وترتيبه بحسب نزوله بعد، يرمي للزوم التكرار مما أدى لضخامة تفاسيرهم، ومن هذا نشأ الاختلاف بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، والأخذ والرد فيما يتعلق فيهما، وقد علمت بالاستقراء، أن أحدًا لم يقدم تفسيره بمقتضى ما أشار إليه الإمام ﵁. ويكفي القارئ مؤنة تلك الاختلافات وتدوينها، ويُعرِّفه كيفية نزوله، ويوقفه على أسباب تنزيله، ويذيقه لذة معانيه، وطعم اختصار مبانيه بلغة سهلة يسرة موجزة خالية عن الرد والبدل، سالمة من الطعن والعلل، مصونة من الخطأ والزلل فعنَّ لي القيام بذلك، إذ لا مانع شرعي يحول دون ما هنالك، وأراني بهذا متبعًا لا مبتدعًا، مؤملًا أن يكون عملي هذا سنّة حسنة ... مبينًا أوَّل ما نزل إلى الفترة والفترة، وسببها ومدتها وأول ما نزل بعدها، وسبب وتاريخ كل منها، ومكانه وزمانه وقصصه وأخباره وأمثاله وأحكامه، والآيات المكررة وسبب التكرار، ونظائرها مما يناسبها باللفظ والمعنى، والكلمات التي لم تكرر فيه، (عدا ما كان بين سورة (ق) إلى (الحديد) وجزْءَي (تبارك) و (عم) لأن كثيرًا من كلماتها، لم تكرر لما هي عليه من السجع العجيب واللفظ الغريب). وما هو موافق لشرع من قبلنا منه ... وخلاصة القصص المعقولة والغزوات المرموقة.

стр. 1731

وتتميمًا للفائدة أوردت فيها ما يناسب الآيات من الأحاديث والأخبار والأمثال بما يكفي الواعظ عن كتب كثيرة، وجعلته في ثلاثة أجزاء: اثنين لما نزل في مكة المكرمة، وواحد لما نزل في المدينة المنورة وبدأته بمقدمة تحتوي على اثني عشر مطلبًا، تشير إلى ما أودعته فيه من المآخذ والأصول والرموز، وختمته بخاتمة ترمي إلى ما كان فيه من الوقائع والحوادث. وحقًّا إن أهل هذا العصر بحاجة ماسة إلى تفسير كهذا، جامع مانع على أسلوب حسن بسيط محتصر. غزير كافٍ، يطلعهم على حقائق كتاب الله، بصورة قد يستوي فيها الخاص والعام، وهذا غاية ما أقصده من المجيب السميع ومنه المعونة والتوفيق إلى سواء الطريق. وسميته "بيان المعاني" وأنا الفقير إليه عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني ... ". ركاكة وتناقض: هذا مقتطف مما قدَّم به الشيخ عبد القادر، وهو كما ترى (١) تبدو عليه الركاكة والضعف أسلوبًا، كما أنه لم يسلم من المغالطات والشطحات موضوعًا. وإلا فكيف يفسر لنا الشيخ عبد القادر -ما دام ترتيب القرآن مراد الله، ومأمورًا به من رسول الله ﷺ وبدلالة من جبريل الأمين- مخالفةَ الإمام علي كرم الله وجهه، وكيف يريد ترتيب الآيات الذي لا يشك أحد من المسلمين بأنه توقيفى لا تجوز مخالفته؟ ! حقًّا إن الشيخ قد تأثر بآراء بعض الشيعة. وإذا كان المفسرون قد جاءت تفاسيرهم ضخمة كما يقول، لأنهم فسروا القرآن حسب ترتيبه في المصحف، ولأنهم ذكروا أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، فما يقول لنا هو عن تفسيره الجامع المانع، الذي جاء في هذه المجلدات الضخام؟ وهل استغنى بطريقته هذه عن ذكر ما أورده المفسرون؟ إنه لم يكن شيء من هذا ولكن ليت شعري! ! .

стр. 1732

اثنا عشر مطلبا يذكرها المؤلف: أما المطالب الاثنا عشر التي ذكرها، فقد تضمنت مبادئ التفسير، وما يحتاج إليه المفسر والحاجة إلى التفسير وأحوال المفسرين، ومأخذ تفسيره، وأصوله التي اتبعها في تفسيره، والتفسير والتأويل، والنهي عن القول بالرأي، وتشريع القرآن ومقاصده، والنزول وكيفيته، وترتيب سوره وآياته، وجمع القرآن، والناسخ والمنسوخ، والقراءات ونزول القرآن على سبعة أحرف، وخلق القرآن والوحي. وفي خلال هذه المطالب يرى القارئ العجيب والمستظرف والمستطرد والمستغرب. فهو ينقل مثلًا أنه ما من كتاب من كتب الله، إلا ونزل بالعربية، كما يتبنى القول بعدم النسخ. والذي يهمنا من هذه المطالب ما جاء في المطلب الرابع، حيث يقسم المفسرين إلى من اكتفى بالمنقول، أو جرى على المعقول، أو جمع بينهما، وهو من هذا الصنف الأخير كما يقول. أما مراجعه فهي كتب التفسير التي قرأها كالخازن والنسفي وغيرهما، والتي لم يقرأها كابن جرير والمنار وغيرهما، وكتب الحديث كالصحاح الست، كما يقول، وموطأ مالك وبعض الأحاديث الشائعة المتداولة، التي لم يُطعَن فيها، وكتب التصوف كعوارف المعارف والرسالة القشيرية والإحياء والإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلاني، والبهجة السنية للشيخ الخاني، ونور الهداية والعرفان للصاحب، وكتب الفقه (كالمبسوط، وحاشية الباجوري) وغير ذلك من كتب المنطق والتوحيد كالجوهرة. الأصول التي اتبعها: أما أصوله المتبعة في التفسير كما يسميها فيشير إليها بقوله: "واعلم حفظك الله أني إذا أردفت كلمة بغير أي التفسيرية أو الواو، كالعطوف البيانية، فهي معنى الكلمة التي قبلها، وقد أقدم بعض الكلمات المفسرة،

стр. 1733

وأترك ما لا يحتاج للتفسير مما هو معلوم بداهة ... وكل جملة ختمتها بالأصح أو الصحيح أو المعتمد أو الأوْلى، فهي في مقابلة أقوال لم تثبت لدي صحتها وأرجحيتها، وما قرنته بقيل، أو قالوا، أو ذكروا، أو رأوا، فهو دليل على ضعفها وعدم الاعتماد عليها. وما بدأته بلا بأس فهو خلاف الأوْلى، وما تركه أحسن من فعله، وما بدر مني في لفظ أقول أو نقول أو شبهه، في كل ما يدل على التعظيم، فهو لتعظيم العالمِ المنقول عنه، أو لتعظيم العلم نفسه لا لنفسي، وقد يكون من قبيل التحدث بالنعمة والامتنان. قال ﷺ : "ليس منا من لم يتعظم بالعلم" (١) وما ذكرت من (أرى هذا) أو (هو الأصوب) أو (الأحوط أن يؤخذ به)، فهو عبارة عن قول استحسنته من أقوال كثيرة". ثم يذكر أن ما قدمه هو الأصح، إلا إذا صرح بخلافه. ويستمر في ذكر بقية مصطلحاته. وهكذا أخرج سفره العجيب كما يسميه. وحقًّا إنه لعجيب! بل وأي عجيب! ولهذا العجيب سوف يكون حديثي عن هذا التفسير، مباينًا لما تناولت به التفاسير السابقة، من تحليلات لما ورد فيها من موضوعات، وبيان آراء أصحابها حول بعض المسائل، وذكر المميزات التي يمتاز بها كل تفسير. بل سأكتفي بنقل نماذج من هذا التفسير ففي كل نموذج منها العجب العجاب. وقد لا أعلق على كثير منها، لأن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تعليق. وسنرى الاستطراد والإغراب والقصص العجيبة والآثار الواهية بل والموضوعة والحكايات الغريبة، وسنرى ما هو أعظم من ذلك وأشد خطرًا على الدين وأهله. كل هذا سنطالعه في هذا التفسير الجامع المانع وهذا السفر العجيب!

стр. 1734

نماذج من التفسير: ١ - تفسيره للحروف المقطعة: يقول في تفسيره لفاتحة سورة الشعراء (١): "طسم: القول في معناه، كالقول في معنى ﴿الم﴾ وبقية الحروف المقطعة. وعلى القول بأن هذه اللفظة قَسَم من الله تعالى، فقال إنه أقسم بطَوْله وسنائه وملكه. وعلى القول بأنها مفاتيح بعض أسمائه تعالى، فهي مفتاح اسمه السلام والمالك والمحيي وشبهها، والصحيح أنه رمز بين الله ورسوله ... ". ٢ - مخالفته لصريح القرآن وصحيح الحديث: ويقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]: "هذا وقد وردت أخبار وأحاديث بإسلام أبي طالب عند الموت عن ابن عباس وغيره. وأخبار أخرى بأن الله تعالى، أحيا لحضرة الرسول ﷺ أبويه وعمه أبا طالب وآمنوا به، وأن أقوال أبي طالب تدل صراحة على تصديقه لحضرة الرسول ﷺ وإيمانه به، أما أبواه فهما من أهل الفترة ... ولهذا فالأحسن أن يميل العاقل إلى إسلامه -يعني أبا طالب- وإسلام أبوي النبي ﷺ لأن القول بخلافه يؤذي حضرة الرسول ﷺ في قبره الشريف. وما على الله بعزيز أن يحييهم حتى يؤمنوا به، وصدق من قال: ولأجل عين ألف عين تكرم ... واعلم أن وفاته محققة بالتاريخ المذكور أعلاه (نصف شوال من السنة العاشرة للبعثة) وإذا كان كذلك وهو كذلك، فإن هذه الآية لم تنزل بحقه ... على أن جمهور المفسرين قالوا بنزولها في أبي طالب وهذا لا يتجه إلا أن تكون هذه الآية مؤخرة في النزول عن سورتها ... ". وهذا القول فضلًا على ما فيه من مغالطات تاريخية، فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة التي لا يجوز

стр. 1735

لمسلم أن يماري فيها. لكن الشيخ لا يماري فحسب بل وينكر والعياذ بالله. والرأي الذي جاء به، إنما هو رأي الشيعة. ٣ - إخراج النصوص عن دلالاتها: ويقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (١): " ... وفي هذه الآية إعلام بأن الأصل في الأشياء الحل، وعليه فإن جميع ما في هذه الأرض هو حلال للبشر، لأن الله تعالى قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾، وإذا كان ما خلق فيها هو للبشر، فلا يحرم عليهم منها شيء، إلا ما ورد النص بتحريمه فيكون تناوله حرامًا، وإلا فحلال كله. وعليه فإن التبغ والتنباك وما شابههما مما لم يرد نص بتحريمه حلال ... ". ٤ - يستشهد بافتراءات بني إسرائيل على أنبيائهم: وهو يرى في قصة داود ﵇ الواردة في سورة (ص)، رأيًا يصفه بأن لا غبار عليه، وهو خير ما قيل في هذه القصة. في أن داود ﵇ رأى زوجة أوريا فأعجبته، فطلب من زوجها أن يتنازل عنها فتنازل له، وهذا شيء مألوف كما يقول في ذلك الزمان! ! . ٥ - حديث خرافة: أما في سورة النجم فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]، تحت هذا العنوان في مطلب الكرامة ومصدرها: " ... والقاعدة أن كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي ... " ثم يأتي بقصة: "وقد أخبر عمرَ رجلٌ بأن رأى رجلًا يعلم الغيب، فقال له: لا يعلم الغيب إلا الله. وقال له:

стр. 1736

اقبض قبضةً من شيء لا تعلم عدده، واسأله عنها ليظهر لك كذِبُه، فذهب إليه وفعل ما أمره به عمر. وسأله فلم يعرف عدده ولا نوعه، فرجع إلى عمر وأخبره الخبر. فقال له: إذا كنت تعرف شيئًا هو راسخ في قلبك، فيمكن أن يعرفه أمثال هؤلاء. إذ يوشك أن ينقله وسواسك إلى وسواسه في قلبه فيحزرُه ... " سبحان الله! هذا هو التفسر الجامع المانع! ! ٦ - اعتقاده بصحة قصة الغرانيق: وفي السورة نفسها يعقد مطلبًا بعنوان "مطلب في السجود وقصة الغرانيق" وبعد كلام طويل يقول: "والسبب في سجود المشركين، أن النبي ﷺ كان إذا قرأ يرتل القرآن ويفصل الآي: أي يسكت سكتة خفيفة بين الآيتين. ولما قرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩] بمحضر المسلمين وقريش، ترصد الشيطان تلك السكتة، فدس فيها ما اختلقه، وهو جملة (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى)، محاكيًا بها صوت النبي ﷺ . فسمعه ممن دنا من الكفار فظنوها من الرسول ﷺ ، ورأوه قد سجد هو ومن معه من المؤمنين فسجدوا معه سرورًا بذكر آلهتهم، وشاع الخبر في الآفاق، حتى إن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة أوائل سنة خمس من البعثة، سنة نزول هذه السورة، عادوا فرأوا الأمر على خلاف ما سمعوا ... ولما عرف رسول الله ﷺ ذلك حزن وضاق، فأنزل الله عليه مساء ذلك اليوم تسلية له، وتعزية عما لحقه من الأسف قوله جل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ولما تحقق عند حضرة الرسول ﷺ ذلك، أخبر المسلمين وقريشًا بأن تلك الكلمات من الشيطان ... ". وهنا نتساءل إذا كانت هذه القصة لم تثبت من طريق صحيح فلِمَ يشغل الشيخ نفسه بها بتسويغ الأسباب لها، ليت شعري كيف يتسنى للشيطان أن يحاكي صوت الرسول ﷺ أثناء قراءته؟ ؟ وإذا كان شيخنا يؤمن بأن الشيطان لا يتمثل بالرسول، ويؤمن كذلك بأن للرسول الكريم نورًا قويًّا لا يستطيع الشيطان أن يقرب منها، كيف يقول ما قال؟

стр. 1737

ثم كيف لم يسمع الرسول ﷺ والمسلمون ذلك؟ كنا نود من الشيخ المفسر أن يمحص هذه الروايات، وكنا نريد منه أن يكون متصوفًا تسري فيه روحانية القرآن، التي تأثر بها المشركون فسجدوا. وكنا نريد من الشيخ محبًا للرسول ﷺ ، أن يدرك قدسية الرسول ﷺ التي لا يمكن للشيطان أن يحوم حولها حتى في الرؤيا. ٧ - إيراده للخرافات وجهله بالسنّة: وعند كلامه عن قصة خلق آدم ﵇، في سورة البقرة يأتي بالعجيب العجاب. يقول: "فقال : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، بدلًا منكم، ورافعكم إليّ. وذلك لما ظهر الفساد والإفساد من الجن، بعضهم على بعض حينما كانوا يسكنونها وعاثوا فيها فسادًا، يقتل بعضهم بعضًا، بعث الله فريقًا من الملائكة وعلى رأسهم إبليس، الذي لجأ إلى الله بذلك متبرئًا من بغيهم وطغيان بعضهم على بعض وقد ظاهر بالصلاح والإصلاح فطرد الجن إلى الجزائر والبحار والجبال والشعاب، وأهلكوا. ثم حل محلهم ذرية إبليس لأنه أبو الجن الثاني ... ثم إن الله تعالى أعطى إبليس ملك الأرض وسماء الدنيا وخزانة الجنة ... وبعث الله جبريل ﵇ إلى الأرض، ليقبض قبضة من أنواعها ويأتيه بها ليكون الخلق منها كلها، فلما أراد أن يأخذ منها، قالت: أعوذ بعزة الله منك، فترك ورجع ... ثم أرسل عزرائيل فاستعاذت منه فقال لها: إني أعوذ بعزته أن أعصي له أمرًا فقبض من عذبها ومالحها .... ثم قال الله له وعزتي وجلالي لأخلقن خلقًا أسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك" ثم بعد أن سوى آدم من طين وأمر الروح بالدخول فيه يقول المؤلف: "فقالت الروح يا رب كيف أدخل؟ فقال: كرهًا تدخلين وستخرجين منه كرهًا، فدخلت يافوخه، فلما وصلت منخريه عطس، فعندما وصلت لسانه قال الحمد لله رب العالمين. فقال الله: رحمك الله ربك، لهذا خلقتك. وقد صارت سنّة في الخلق على كل من يعطس، وعلى كل من يسمعه التشميت بقوله: يرحمك الله ويرد عليه: يرحمنا ويرحمكم الله". ثم يستمر في سرد القصة أثناء تفسيره للآيات، فيحدثنا

стр. 1738

كيف خلق حواء، ولِمَ سميت كذلك، وعن قصة إغواء آدم، وكيف أن إبليس أتى صديقته الحية، لمساعدته في ذلك، ثم يستمر هكذا في تفسيره، الذي قال إن أهل هذا العصر بأمس الحاجة إليه. ٨ - قصة بلقيس: وفي تفسيره لسورة النمل، عقد مطلبًا بعنوان: "مطلب ملك بلقيس وسلاطين آل عثمان" يذكر فيها أن أبا بلقيس كان لا يرى أحدًا كفؤًا له، وأنه رأى حيتين تقتتلان، فقتل السوداء ورش الماء على البيضاء، فانقلبت هذه شابًا وكان ملك الجن، فكافأ أبا بلقيس بتزويجه ابنته ريحانه بنت السكن، فولدت له بلقيس. ويذكر أن هناك روايات أخرى لم يعتمد صحتها، وأنه شاك في هذه أيضًا، ولكنه أوردها لورود أخبار عن النبي ﷺ ، بأن أحد أبوي بلقيس جني (١). وبعد أن ينتهي من قصة بلقيس وكيف وصلت إلى الملك، يذكر لنا عن مناسبة قول الهدهد لسليمان، إن السلطان عبد الحميد ﵀، كان إذا خرج إلى المسجد، يوقف ثلة على طريقه، وعند وصوله إليهم يقولون له بصوت عال بلغتهم التركية، يسمعه من معه من الملأ "بادشاهم مغرور له سندن بيوك الله وار" يعني "يا سلطاننا لا تغتر الله أكبر منك" ... إلخ! وهكذا لا نكاد نجد قصة من قصص القرآن إلا ويبتدع الشيخ فيها. ٩ - غرائبه في الإسراء والمعراج: وإذا تركنا القصص جانبًا لنأتي إلى غيره -لعل الشيخ يتجنب إغرابه واستطراده، فربما يكون له في القصص عذره -من مسائل العقيدة ولنبدأ بسورة الإسراء نجده عند تفسيره للآية الأولى منها، يعقد فصلًا للمعجزات التي وقعت في حادثة الإسراء والمعراج، يذكر فيه سبعين معجزة ويقول إنه بالإمكان أن تصل إلى تسعين. ونحن سوف لا نذكرها جميعها، بل نكتفي بذكر بعضها مكرهين مرغمين،

стр. 1739

منزهين ساحة الرسول ﷺ ، من كل ما لم يقله ولم يفعله، معتذرين إليه من أن يسند إليه ما هو منه بريء ولا حول ولا قوة إلا بالله. أ- المعجزات بين يدي الإسراء: وقبل هذه المعجزات يذكر الشيخ، أن أم هانئ فقدت الرسول الكريم من بيتها، فأخبرت بني المطلب، فتفرقوا للبحث عنه، ووصل العباس إلى ذي طوى وهو يقول: يا محمد يا محمد. وأول المعجزات التي يذكرها بأن أرسل الله من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل، نزلوا على الرسول ﷺ ، فأيقظه جبريل وقال له: قم إن ربك بعثني إليك وأمرني أن آتيه بك ... فتكلم ربك وتنظر إليه. ثم شق صدره، وهذه هي المرة الثالثة لشق الصدر، فالأولى في صغره، والثانية عند بعثته، أما المعجزة الرابعة فهي خاتم النور الذي ختم به جبريل على قلبه وبين كتفيه. ب- المعجزات في أثناء الإسراء: وأما الخامسة فهي صفة البراق فخده خد إنسان، وقوائمه قوائم بعير، وعُرفه عُرف فرس، لا ذكر ولا أنثى، فهو حقيقة أخرى كالملائكة فإنهم خارجون عن فحوى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] أما المعجزة السابعة، فإنه رأى عفريتًا في طريقه يطلبه بشعلة من نار فعلّمه جبريل كلمات يدعو بها، فخرّ العفريت صريعًا وانطفأت شعلته، وفي المعجزات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشر يرى داعيًا يدعوه عن يمينه، وآخر عن يساره وامرأة حاسرة عن ذراعيها وعجوزًا كل يدعو الرسول ليلتفت إليه، ويعرض عنهم ﷺ ، ويبين له جبريل أن هؤلاء هم داعي اليهود وداعي النصارى وداعي الدنيا ... إلخ، ولو أجبتهم لتهودت أمتك أو تنصرت أو مالت إلى الدنيا -وكأنها لم تمل بعد! ! - وعند كلامه عن المعجزة الثالثة عشرة يقول: "قالوا اتق حروف الشوك أي الكلمات المبدوءة بالواو، كالوكالة والوصاية والولاية والوزارة والوديعة والكلمات المبدوءة بالشين كالشر والشره والشبع والشركة، والكلمات المبدوءة بالكاف كالكيد والكفر

стр. 1740

والكفالة وكلام الفضول والكذب" (١)، ونستمر مع الشيخ فيما يذكره من معجزات وأحاديث موضوعة، لنأتي إلى المعجزة الخامسة والعشرين حيث يقول: "ورأى محمد ﷺ موسى ﵇ يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ويقول: "أكرمته وفضلته" ويرفع صوته فقال من هذا يا جبريل؟ قال: "موسى بن عمران" قال: ومن يعاتب؟ قال يعاتب ربه فيك ... " وفي المعجزة الحادية والثلاثين يذكر أن الله أحيا له جميع الأنبياء من قصّ عليه ومن لم يقصص، إلا عيسى وإدريس والخضر وإلياس فإنه رآهم بأجسادهم الحقيقية، لأنهم أحياء، ومع أن الخضر لم يُجمَع على نبوته، إلا أنه جاء مع الأنبياء هنا لإجماع الكلمة على حياته -سبحانك هذا بهتان عظيم! وإذا كان الإمام البخاري ﵁ وغيره من أئمة التفسير والحديث، لا يرون لحياة الخضر أصلًا، فكيف يدعي صاحبنا الإجماع حتى الصوفية أنفسهم لا يرى الكثير منهم هذا- وفي المعجزة الثالثة والثلاثين يخلط كلامًا سقيمًا، مع قول صحيح في إنائي اللبن والخمر، فيذكر أن جبريل قال للرسول ﷺ : لو شربت اللبن كله، ما ضل أحد من أمتك بعدك، فطلبه الرسول ليتم شربه، فقال جبريل "قضي الأمر" ثم تلا ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] ونسي الشيخ أن الآية مدنية! . ج- المعجزات في أثناء المعراج: وفي العجزة الرابعة والثلاثين يذكر أن الرسول ﷺ ، وضع له سلم من ذهب، أسفل صخرة بيت المقدس، ورأسه في السماء وهو المعراج، الذي تعرج عليه أرواح الأنبياء وسائر بني آدم. ثم يقول: "وقد ذكرنا في الآية (٨٥) من سورة الواقعة أن المحتضر يشخص بصره إلى السماء، فتخرج روحه وهو على هذه الحالة، وذلك لأنه يرى هذا المعراج، الذي تصعد عليه روحه فيعجب من حُسْنه فيتبعه بصره حتى إن أكثر الأموات تبقى عيونهم مفتوحة وعليهم بسمة ... ". ثم يعقد مطلبًا عند المعجزة الخامسة والثلاثين بعنوان "مطلب الورد الأحمر والأصفر

стр. 1741

والمواليد الثلاثة والحركة القسرية" يقول: فيه: "قال ﷺ لما عرج بي إلى السماء، بكت الأرض من بعدي، فنبت الأصفر (أي الزهر الأصفر) فلما رجعت قطر عرقي على الأرض، فنبت الورد الأحمر، ألا من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر" [رواه أنس مرفوعًا]. قال أبو الفرج النهرواني: هذا قليل من كثير مما أكرم الله نبيه .. ولهذا جرت العادة أن من يشم وردًا له رائحة طيبة، يصلي على محمد ﷺ أخذًا من هذا. ونظيره على ما قيل: إن حواء ﵍ لما هبطت إلى الأرض بكت فما وقع من قطرها في البحر صار لؤلؤًا، وما وقع في الأرض صار زهرًا ... ومنه أن إبراهيم ﵇، ذرى كفًا من كافور الجنة، فما وقع منه ذرة في الأرض إلا صارت سبخة ... أَبَعْدَ هذا الذي أعطاه الله عباده مؤمنهم وكافرهم، يستغرب أن يمنح من خلق الكون لأجله ما قرأته وسمعته؟ ". ونحن نجلّ الرسول ﷺ عن مثل هذه الترهات، كما نرفض أن تكون رائحة الورد الأحمر والأصفر والأخضر، وأن تكون رائحة المسك والفل والعنبر -لا أقول شبيهة بل قريبة- من رائحته الزكية وشذاه الطيب ﷺ ، كما أستنكر أن يسكت العلماء عن هذه وأمثالها. فيسمح لكل واحد أن يخوض فيما يسميه "تفسير كتاب الله". والحق أقول: إن العلماء مقصرون، إن هم غضوا طرفًا عن مثل هذه الأمور، وأسأل الله العفو عنا. وفي المعجزة السابعة والثلاثين، يذكر "أن النبي ﷺ رأى في معراجه بحرًا أخضر، فسأل جبريل عنه فأجابه بأنه بحر في الهواء، لا شيء فوقه ولا شئ تحته، ولولاه لأحرقت الشمس الدنيا وما فيها. ويعلق بأنه إن ثبت عن الرسول ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى، ينبغي أن نصدق به، وإلا فإن تصديق ما لا مضرة له في الدين أحسن من تكذيبه"! ! وهذا كلام ساقط عند أهل العلم، وذلك لأننا في مسائل العقيدة والدين، ينبغي أن نقف عند حدود كتاب الله وصحيح سنّة رسوله ﷺ . وهنا أراني مضطرًا أن أكتفي بما ذكرت، لا لأنه أغرب مما سكت عنه، فهناك ما هو أكثر غرابة من هذا! ! ولكني لا أود أن أضيع الحبر سدًى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1742

١٠ - تناقضه في إثبات رؤية الله في الدنيا: وعند تفسيره لقوله الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] يقول: " ... ولرؤيته ﷺ لربه في الدنيا من خصوصياته أيضًا، وهي حق ثابت لا مرية فيه. ولم يره في الدنيا بعيني رأسه غيره، ولم يكلمه أحد مشافهة مع الرؤية غيره أيضًا. وقد ثبت لموسى ﵇ تكليم الله فقط من غير رؤية ... " (١)، بينما يثبت هذه الرؤية لموسى عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] (٢). وهذا أنموذج من التناقض وما أكثره عنده! . ١١ - تضعيفه للأحاديث الصحيحة واستشهاده بالموضوعات: وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص: ٣٢]، يثبت بحماس رد الشمس أكثر من مرة للرسول ﷺ ، ولسيدنا علي كرم الله وجهه مستدلًا بآثار يدعي صحتها، ويندد وينعى على ابن تيمية وابن الجوزي، لأنهما نبها على وضعها، ويقول هذا ديدنهما لأنهما يردان كل خارق للعادة، ونسى الشيخ أن خرق العادة شيء، وعدم ثبوت الخبر شيء آخر. فإذا كان الأثر صحيحًا قبلناه، خرقت العادة أم لم تخرق، فضلًا على أن ما جاء به يخالف الآثار الصحيحة. ورحم الله يحيى بن سعيد القطان حين قال: "لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث" قال الإمام النووي في شرحه لمقدمة صحيح الإمام مسلم في شرح هذه العبارة: "لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث، فيقع الخطأ في روايتهم ولا يعرفونه، ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب" (٣).

стр. 1743

ويا ليت شيخنا كان من هؤلاء! إذن لقبلنا منه وعذرناه، لكنه حشا كتابه الذي أسماه تفسيرًا بكثير من الآثار الواهية، التي ليست عليها مسحة الحديث، ولا نور النبوة، ولا تسري فيها روحانية الرسول ﷺ ، "وليس والله أخطر من أن يقول قائل، قال ﷺ كذا، دون أن يعرف الصلة بين القول وقائله. فهذا الشيخ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ [القمر: ١٩]، بعد أن يطوف ما يطوف: يقول: "فقد جاء عنه ﷺ : اقتلوا العنكبوت فإنه شيطان" (١). كما يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] (٢)، وما جاء في الخبر (ألا لا وحي بعدي) باطل لا أصل له، وكذلك ما اشتهر أن جبريل ﵇، لا ينزل إلى الأرض بعد وفاة النبي ﷺ ، باطل لا أصل له أيضًا. ويرده خبر الطبراني: ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ، فإني أخاف أن يتوفى وما يحضره جبريل ﵇". قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: "فيه عثمان بن عبد الرحمن هو الحراني قال ابن عدي: لا بأس به يروي عن مجهولين. وقال البخاري وأبو أحمد والحاكم: يروي عن قوم ضعاف، وقال أبو حاتم: يشبه بقية في روايته عن الضعفاء"، مع أن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أم سلمة، أن الرسول ﷺ كان يجنب، ثم ينام ثم ينتبه ثم ينام. ورجاله رجال الصحيح (٣). وإنما أحببت أن أخرج هذا الحديث الذي جاء به الشيخ لأنه ذكر مصدره وهو الطبراني. ويا ليته يفعل في كل حديث ذلك! . ١٢ - إمعانه في الخرافات: وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ الكهف: ١٩]، يقول: "وفي حملهم هذه النقود عند فرارهم، دليل على جواز حمل النفقة وما يصلح للمسافر لئلا يكون عالة على غيره ... وهذا رأي المتوكلين على الله. قال ﷺ :

стр. 1744

"اعقلها وتوكل". وقال بعض الأجلة: إن توكل الخواص ترك الأسباب بالكلية، مستدلًا بما روى عن خالد بن الوليد، أنه شرب السم فلم يصبه شيء، وأن سعد ابن أبي وقاص وأبا مسلم الخولاني، مشيا بالجيوش على متن البحر، وكذلك البراء الحضرمي خاض بقومه البحر" وأرى أنه لا داعي للتعليق على هذا، فإنه باطل في أكثر من وجهه من ناحية هذه الأخبار أولًا، ومن ناحية معارضة الحديث الصحيح بأقوال الناس من وجه آخر. ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا. . .﴾ [الكهف: ٦٥]: "مَنْ كَتَبَ: علي ﵇ ولد في ١٠ رجب سنة ٣٠ من عام الفيل دخل الجنة، والله يرزق من يشاء بغير حساب". اللهم أعمِ أعين المستشرقين وتلاميذهم والناشئة المسلمة، عن هذا الكتاب وبصِّر اللهم به العلماء. ١٣ - تخبطه في التفسير: وإذا تركنا الآثار الواهية والأقاويل، وجئنا إلى موضوع آخر وهو ما أتقنه الشيخ كما يقول في مقدمته، أعني "المكي والمدني" نرى ونسمع ما لا ينبغي أن يرى أو يسمع. يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. "والفرق بين هذه الآية وآية البقرة عدد ٢٣ في ج ٣ واضح، لأن المراد هنا بسورة مثل القرآن. والمراد بآية البقرة: فأتوا بسورة من رجل مثل محمد ﷺ ... كما أن الفرق بين هاتين الآيتين وآية هود الآتية بيِّن، لأن تلك تحداهم بها للإتيان بعشر سور منه، والإتيان من المخاطبين جميعهم أميهم وقارئهم ... فظهر من هذا أن كل آية مختصة بشيء لا تشمله الآية الأخرى. . ." (١). ومع أنه لم يظهر من كلامه شيء، إلا أن

стр. 1745

ما يزيد الطين بلة أنه يقول في سورة هود (١): "وأول الآيتين المدنيتين ١٢/ ١٣ في هذه السورة، هو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: اختلق محمد هذا القرآن ونسبه إلى الله "قل يا سيد الرسل لهؤلاء المفترين"، فائتوا بعشر سور مثله مفتريات: "أي تحداهم يا محمد بذلك، لأنهم عرب مثلك، والقرآن باللغة العربية فقل: إذا كنتم تزعمون أني افتريته، فافتروا عشر سور مثله". وكان نزل من القرآن عند هذه الحادثة جميع السور المكية، وهي ست وثمانون سورة وقسم من المدني، لأن هذه الحادثة وقعت في المدينة. وهاتان الآيتان نزلتا فيها متأخرتين عن سورتهما المكية، التي عددها بحسب النزول اثنتان وخمسون سورة، وقد ذكرنا في سورة يونس المارة عند قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أن معناها هناك مثل جميع ما نزل ... ولهذا لا دليل لمن قال بأن هود نزلت قبل يونس، لأنه تحداهم بعشر سور، فلما عجزوا تحداهم في يونس بسورة واحدة .. وإن آية هود نزلت بعد اية يونس بسنين وأشهر وأيام". هذا التناقض العجيب الغريب، الذي يدل أول ما يدل، على عدم التمحيص العلمي فقط، بل وعدم الروية في الأمور والتفكير المنطقي السوي. ويا ليته قال أن آية يونس مدنية لكان أمره أسهل وأهون، ولكنه التأليف الذي لا توجد عليه رقابة العلماء! ! . ١٤ - جهله ببدهيات اللغة والتاريخ: وأحب هنا أن آتي لموضوع آخر، لا يتعلق بالآثار، ولا بالقسم المكي والمدني وإنما يتعلق بمسائل أخرى كاللغة والتاريخ لندرك بضاعة الرجل وتذوقه اللغوي وتمييزه بين عصور التاريخ الإنساني. هذا الرجل الذي يقول إنه درس كتب المستشرقين، وأتقن العلوم اللغوية والعقلية! ! ! وسأقتصر على أنموذج واحد - فالنماذج كثيرة لمن أراد أن يطلع.

стр. 1746

يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢]: "مطلب في تفاوت حروف الجر ... وألقاب الملوك: وجيء بمن هنا للتأكيد والإحكام" ... وانظر لهذا الجناس التام المماثل، بين قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا﴾ وبين قوله: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ ... و (إن) في صدر هذه الآية مخففة من الثقيلة، وخبرها ضمير الشأن. واللام في ﴿لَفَاسِقِينَ﴾ اللام الفارقة بين (إن) النافية والمخففة حيث أوجبوا وجود اللام بعد (إن) المخففة، لئلا تلتبس بالنافية التي لا يأتي اللام بعدها، والمعنى أنه أي الحال والشأن وجدنا أكثرَهم فاسقين. راجع الآية ٤٥ والمارة (١). وقال بعض المفسرين: إنَّ (إنْ) بمعنى (ما)، واللام بمعنى (إلا) أي: ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، وهو وجيه، وفيه من البلاغة ما لا يوجد في التفسير الأول، وسياق صدر هذه الآية يوافق المعنى، إلا أنَّ مجيء اللام بمعنى إلا شاذ. لهذا قدمنا الاختيار الأول، مع اختيارنا للثاني لولا ذلك المانع".

стр. 1747

ولا مانع من أن أشير إلى تلك اللفتات العلمية في كلام الشيخ عند قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢]: "فمن للتأكيد والإحكام ... ، وانظر إلى الجناس التام المماثل في (ما وجدنا) و (إن وجدنا)، و (إن) مخففة من الثقيلة وخبرها ضمير الشأن، وكون اللام بمعنى (إلّا)، و (إنْ) بمعنى (ما) أبلغ من غيره، وهو المختار عنده، لولا أن ورود (اللام) بمعنى (إلا) فيه شذوذ! " رحم الله سيبويه وعبد القاهر وسامح الله الشيخ عبد القادر! ! . ثم يتابع الشيخ تفسيره -فيتفنن في التاريخ كما تفنن في اللغة: "ثم بعثنا من بعدهم موسى بن عمران، بآياتنا التسع الآتية بعد في هذه السورة ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ الوليد بن مصعب بن الريان ملك مصر المبالغ في الكبرياء والجبروت والإفراط، حتى ادعى الإلهية، وكلمة فرعون علم لكل من يملك القبط، كما أن النجاشي لمن يملك الحبشة ... والخليفة للمسلمين، والعزيز لمصر، وحمير لتبع، وحمى للهند، وجالوت للبربر، ونمرود للصابئة، ومقوقس للإسكندرية ... ". ١٥ - إغرابه في كل شيء: أما عن آيات الأحكام فإن صاحبنا لم يأت بجديد، ونحن لا نكلفه ذلك. بل نكتفي منه بألا يغرب في القول، ولكنه حتى في تفسير هذه الآيات، لم يترك ما تعوده. فهو يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: "أيها الصائمون بعد غياب الشمس، من المحل الذي أنتم فيه، لأنها تكون طالعة في غيره، بسبب ارتفاع حدبة الأرض، فهي دائمًا طالعة عند أناس، غائبة عند آخرين. وما جاء أن الأرض مفروشة أو مبسوطة أو ممهدة أو ممدودة مِن كل ما يدل على استوائها من الآيات، فهو بالنظر لما نراه، لا بالنسبة لما هي عليه في التكوين الإلهي، فالنملة ترى البيضة مستوية مبسوطة بالنسبة لصغرها وعظم البيضة، فنحن أصغر من النملة بالنسبة للأرض بملايين الكرات ... ".

стр. 1748

وهكذا ديدن الشيخ في كل تفسيره، لا فرق بين آيات الأحكام وغيرها. فهو حينما يتكلم عن آيات الصفات، يطلب أن يصار على مذهب السلف، ثم نجده يفسر الاستواء بالاستيلاء، وهذا ليس غريبًا عليه، كما نجده في تفسيره لسورة الهمزة يقول: "إن أشعة رونتجن يمكن أن يدل عليها قول الله: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ [الهمزة: ٧]، فهي تطلع على الأفئدة لتصورها وتقرأ الأفكار". هذا وأمثاله كثير عند الشيخ، إلا أن الذي يثير الدهشة أن الشيخ يحاول أن يرد على غيره، فهو مثلًا يقول في سورة الفيل: "وما قيل أن الله سلط عليهم الجدري، أو رماهم بما يشبه التسمم (الميكروب)، ينافي صراحة الآية وحقيقتها، اللهم إلا أن يقال إن ذلك نشأ عن رميهم والله أعلم! " وكأني بالشيخ لا يدري ماذا قال غيره، حتى يرد عليه ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: "هذا والعجب كل العجب من أن سماحة الأستاذ المراغي بمصر العظيمة، اعتبر هذا المسخ عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ البقرة: ٦٥] معنويًا، مستدلًا بما رواه ابن جرير عن مجاهد، بأنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم، وهو يعلم أن ابن جرير ينقل الأقوال ثم يعلق عليها ... ". ١٦ - رده للسنّة والإجماع: ويا ليت الشيخ يرد على أشخاص وأفراد فإن هذه حرية ممنوحة له، ولكننا رأيناه في أكثر من موضع يرد ما أجمعت عليه الأمة، فهو عند تفسيره لسورة المسد ينكر ما جاء في الحديث الصحيح، من أن سبب نزول السورة كان كما أورده البخاري ومسلم، يقول: "وقد جاء في التأويلات النجمية، أن أبا لهب كان في بداية أمر النبي ﷺ يحسن إليه ويكرمه ويقول إلى قريش: "إن كان الأمر إلى محمد فلي عنده يد، وإن كان لقريش فلي عندها يد أيضًا"، لأنه كان يحسن إليها. وبعد أن ظهر أمر الرسول ﷺ أظهر له العداوة وصار يهينه ويؤذيه، فأنزل الله فيه هذه السورة إعلامًا بخسران يده عنده لتكذيبه إياه، وخسران يده عند قريش أيضًا لعدم بقاء يد لهم عند

стр. 1749

الرسول، وإذلالهم لعدم الإيمان به، وهذا أحسن ما قيل في أسباب نزول هذه السورة. أما ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صعد النبي ﷺ على الصفا ونادى ... فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألِهذا جمعتنا! فنزلت السورة ونقله أكثر المفسرين، فلا يصح هذا أن يكون سببًا لنزولها، لأن هذه الآية لم تنزل بعد، ولا يصح أن يكون المؤخر سببًا للمقدم، ولا يبعد أن يكون قول أبي لهب لحضرة الرسول (تبًا لك سائر اليوم)، ردًّا على ما جاء في هذه السورة المتقدمة على هذه الحادثة. الأجدر أن يكون كذلك ... ". وإذا كان من السهل على الشيخ أن يرد إجماعًا ليس فيه ضير في العقيدة فإنه يصعب على كل مسلم أن يرد إجماعًا في رده هدم للعقيدة من أساسها، وتقويض لبنيانها من قواعده، ولقد كنا نأخذ ما قاله الشيخ على أنه غث وضعيف وقصص وحكايات، لكننا وجدنا أنفسنا أمام أمرٍ عظيم، يذهب بأكثر نصوص هذا الدين، وذلك نراه جليًّا عند تفسير الشيخ لسورة الناس: يقول: "إن بعض الأولياء سأل الله تعالى أن يريه كيف يأتي الشيطان ويوسوس، فأراه الله تعالى هيكل الإنسان، في صورة بلور وبين كتفيه شامة سوداء كالعشّ والوكر. فجاء الخناس يتجسس من جميع جوانبه، وهو في صورة الخنزير، له خرطوم كالفيل، فأدخل خرطومه من بين الكتفين من قبل قلبه فوسوس إليه، فذكر الله فخنس وراءه. لذلك سمى الخناس لأن نور الذكر ينكصه على عقبه، ولهذا السر الإلهي كان خاتم النبوية في هذا المحل، إشارة إلى عصمته ﷺ منه ... وكان ﷺ يحتجم من بين الكتفين ويأمر بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده .. وقال بعض العارفين أراد (برب الناس) الأطفال ... وبـ (ملك الناس) الشباب، و (إله الناس) من الشيوخ". ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الشيخ تجاوزه كثيرًا وتجرأ على قدسية الإسلام، وطعن الأمة في معتقداتها طعنة نجلاء، فها هو يقول عن الإمامين العظيمين وعن السفرين الخالدين، أعني الجامع الصحيح للإمام البخاري وصحيح

стр. 1750

الإمام مسلم، ونعوذ بالله مما يقول في أثناء تفسيره لهذه السورة: " ... ولعمري ليس كل شيء ما في الصحيحين صحيحًا قطعًا، فإن فيهما الضعيف والمنكر. وإن البخاري ومسلمًا رحمهما الله وإن كانا من أحسن الناس نقلًا، لكنهما نقلا عن أناس قد يطعن فيهم، أو أنه دس هذا فيما نقلاه ... ". إشفاقنا على المفسر وتحذيرنا من تفسيره: هذا ما قاله الشيخ في سفره العجيب، وأنا أشهد الله أني أنكر قوله هذا، ولا أدري أَعَرَفَ الشيخ معنى المنكر! لا أعتقد ذلك! وأتساءل كيف يدعي أنه تلميذ للشيخ بدر الدين العلّامة المحدث والصالح الورع. لقد نشر أحد الناس مقالًا في مجلة قبل سنتين يعرض فيها بصحيح الإمام البخاري، فثارت ثائرة العلماء والغيورين على هذا الدين. وما كنت أعلم أن الشيخ عبد القادر، قد سطر هذا قبل سنين في تفسيره. وظنّي بعد هذا، لست بحاجة لأستزيد نقلًا من هذا الكتاب -تلك المجلدات السبعة الضخمة ذات الورق الجيد الناصع، التي احتوت على الكثير الكثير، مما هو بعيد عن معنى الجودة. إن هذا التفسير الجامع المانع كما وصفه صاحبه! ! والذي كان أبناء عصرنا في أمس الحاجة إليه! من الحق أنه جامع فعلًا، ولكن لكل ما هو غريب وضار ومنكر وموضوع، وأنه لمانع كذلك، لكن من كل ما فيه لأهل هذا العصر من خير في دينهم ودنياهم. وأنه ينبغي أن يحال بين هذا الكتاب وأهل هذا العصر، الذي يطعن صاحبه في أصح الكتب بعد كتاب الله، ومع ذلك يملأ كتابه بما هو بعيد عن روح كتاب الله. وبعد فلا أرى داعيًا لتقييم هذا التفسير كما هي طريقتي فإن نصوصه خير مقيّم له. وإذا كان الخازن كما يسميه بعضهم خازنًا للإسرائيليات، فأنه والحق يقال من التفاسير التي لا يستغني عنها الواعظ، وإنه بحق كذلك لا يجمع بين الغث والسمين وبخاصة في أحاديث الرسول ﷺ ، أقول: إذا كان الخازن خازنًا للإسرائيليات كما قيل، فإن مفسرنا خزان لا للإسرائليات فحسب، بل وللأحاديث الموضوعة

стр. 1751

والمنكرة التي يتورع عن ذكر مثلها الخازن وغيره. وإذا كان الثعالبي حاطب ليل كما يقول ابن تيمية، فإن مفسرنا حطاب في ليل دامس، وأخيرًا فإن مثل هذا التفسير يستدعي من العلماء الرقابة والعناية لكل ما يكتب حول كتاب الله، هذا ونسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول، والخطل في الرأي، والخطأ في العمل، وأن يجعلنا من اليقظين لهذا وأمثاله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 1752

تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة (١٣٢٧ - ١٤٠٣ هـ/١٩٠٩ - ١٩٨٢ م)

стр. 1753

تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة ١. منهجه في التفسير: الأجزاء (١) التي فسرها الأستاذ العظمة، جاءت في مراحل زمنية مختلفة، ومن هنا، رأينا منهجه لم يتخذ طابعًا واحدًا، وإنما يختلف باختلاف الأجزاء التي فسرها، وأول ما فسره مما هو بين أيدينا، جزء تبارك المطبوع سنة ١٣٧٤ هـ ويقول في مقدمة تفسيره هذا: "وبعد، فقد بنى القرآن عقائد المؤمنين بناءً قويًّا لا يتزعزع، وصرف الأقوال الكريمة تصريفًا لا يتضعضع، ونوع الحجج الدامغة -كما في سور جزءي تبارك وعم- التي تستقر في أفكار الخاصة منهم والعامة، وهذا تفسير سورة جزء تبارك وأقدمه من وحي القرآن ونوره إلى الشباب المثقف تفسيرًا لغويًا دينيًا وعلميًا وأدبيًا يجدون فيه قبسات تكشف عن جوانب من تاريخ دعوة القرآن، وجهاد نبينا الصابر الظافر، وومضات من برهانها القوي الباهر، ولفتات من أدبها المعجز. ولقد أوجزت ما استطعت، وأرجو ألّا أكون قد أخللت، إذ لم أستجر الحديث من أباعد أطرافه، ولم أحمله غير صادق أوصافه، والقرآن يبرق عن وجهه الباسم الناضر. وكلما زدته نظرًا زادك عبرًا، وبه تستبصر أفئدة المستهدين، وفيه تستبق ألسن المادحين. فتقبله اللهم خالصًا في سبيلك ونورك، وانفع به عبادك المؤمنين، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه". وحينما نستعرض [*] التفسير نجد أن المفسر قد وفى بما ألزم نفسه به من ناحية الإيجاز أولًا، ومن ناحية ما تعرض له من لفتة علمية، أو قضية لغوية، أو صورة أدبية. إلا أنه في بعض الأجزاء قسم السورة إلى مقاطع، وفي بعضها تناولها جملة

стр. 1754

واحدة. وقد يأتي أحيانًا بمقدمة للسورة، يذكر فيها تاريخها ومقاصدها، ويأتي بالمفردات، وقد يعقب ذلك بإجمال لمعاني الآيات أو السورة، يفصله فيما بعد. وكثيرًا ما يأتي بالصورة الأدبية والنسق الفني، والإشارات البيانية التي تتضمنها السورة. وها هو بين منهجه عند تفسيره لسورة لقمان: "شرح معاني الألفاظ اللغوية حسب مواضعها في التنزيل. بيان المعاني المجملة ثم المعاني المفصلة للآية أو الآيتين فأكثر. إيثار تفسير القرآن بالقرآن كلما أمكن ذلك، فما أجمل منه في موضع، فكثيرًا ما يكون قد فُسِّر في آخر. ثم بالسنّة ثم بما يعتد به من الأقوال، ثم بروح التشريع. وذلك في ظل أسباب النزول إن وجدت، والروابط العامة والخاصة بين الآيات الكريمة، دون التعويل على الرأي المجرد. بيان الأحكام والقيم التي تؤخذ من الآية، دينية كانت أو اجتماعية أو خلقية أو تاريخية أو أدبية أو فنية، دون استطراد مخل". ٢. نماذج من التفسير: أ- من سورة الملك: يقول بعد تفسير المفردات: "بدأ الله هذه السورة بتمجيده سبحانه وتنزيهه فقد تنزه الله تعالى عن كل ما لا يليق به، كمشابهته خلقه، جلت عظمته، فهو مالك الملك المطلق التصرف الذي لا يعجزه شيء، وأي ملك كملكه؟ وأي عظمة كعظمته؟ ثم أورد جملة من أدلة تصرفه الشامل، وسلطانه المطلق، وقدرته العظيمة، إذا تدبرها مشركو مكة وغيرهم أفردوه -جل وعلا- بالعبادة، وهجروا ما اعتادوه من عبادة الأصنام، وتلك الأدلة يدركها العالم والجاهل، لأنها من الأدلة المحسة غالبًا، الناطقة بقدرة الله تعالى، ومع تلك الأدلة من التوجيه والعِبَر ما فيه مزدجر. فهو الذي خلق الموت والحياة. خلق العدم (الموت)، وإن شئت قلت أنشأ عناصر الوجود الحيوي، ثم خلق الحياة العجيبة البشرية وغيرها، لتكون مدارًا

стр. 1755

لاختيار البشر، أو لإعذارهم في طاعة الله تعالى، بإحسان أعمالهم التي دعا إليها، وذلك هنا مثل قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فوصف ما سبق الحياة بالموت، وما أشبهه به! وما أحسن هنا صفتي (العزيز) و (الغفور)، فالله سبحانه العزيز الغالب، الذي لا يعجزه أمر من عصاه، فأساء عملًا، وهو العلي العظيم الغفران، لمن تاب وأناب. وهو ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، يعلو بعضها بعضًا، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، أثرًا للاختلاف والخلل، فالانسجام في الخلقة، والتصرف التام يشمل خلقه الظاهر لنا والخفي، كذلك السموات الطباق بالاستدلال القياسي إذ الإتقان في الظاهر، دليل الإتقان في الباطن، الصادر عن الحكيم القادر. وهذه السماء ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣]، هل ترى من شقوق أو صدوع تدل فيما نراه على اختلاف وتفاوت؟ كلا إذ لا ترى إلا الإحسان والإتقان ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] بل كرات، فالمراد كثرة النظر والتأمل والتدبر ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، يرجع النظر إليه -سواء كان نظرك مجردًا أو مستعينًا بمنظار- ذليلًا، ومن لا يذل لعظمة الله تعبًا كليلًا؟ أما حقيقة هذه السموات السبع هنا، فقد قصر علمنا الضعيف الآن عنها، فقد تكون كواكب معينة من السيارات أو غيرها، تساوت في شروطها الحيوية، أو تشابهت وقد تكون أفلاكًا، وقد تكون أجواء لها. وفي لسان العرب "السموات السبع أطباق الأرضين". وقد روى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أنه قال: "لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها"، وما عسى أن يحدثهم مما علمه رسول الله ﷺ ، فقد يبين لهم أنها كالأرض خلقًا، وأنها تبعد كذا وكذا، وأن فيها كيت وكيت، فيفسد عليهم دينهم، بتعريضهم للغيب والظنون، وإنما يخاطب الناس بما يعقلون، وإنما القصد من
следующие страницы →