والمنكرة التي يتورع عن ذكر مثلها الخازن وغيره. وإذا كان الثعالبي حاطب ليل كما يقول ابن تيمية، فإن مفسرنا حطاب في ليل دامس، وأخيرًا فإن مثل هذا التفسير يستدعي من العلماء الرقابة والعناية لكل ما يكتب حول كتاب الله، هذا ونسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول، والخطل في الرأي، والخطأ في العمل، وأن يجعلنا من اليقظين لهذا وأمثاله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1752
تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة (١٣٢٧ - ١٤٠٣ هـ/١٩٠٩ - ١٩٨٢ م)
стр. 1753
تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة
١. منهجه في التفسير:
الأجزاء (١) التي فسرها الأستاذ العظمة، جاءت في مراحل زمنية مختلفة، ومن هنا، رأينا منهجه لم يتخذ طابعًا واحدًا، وإنما يختلف باختلاف الأجزاء التي فسرها، وأول ما فسره مما هو بين أيدينا، جزء تبارك المطبوع سنة ١٣٧٤ هـ ويقول في مقدمة تفسيره هذا:
"وبعد، فقد بنى القرآن عقائد المؤمنين بناءً قويًّا لا يتزعزع، وصرف الأقوال الكريمة تصريفًا لا يتضعضع، ونوع الحجج الدامغة -كما في سور جزءي تبارك وعم- التي تستقر في أفكار الخاصة منهم والعامة، وهذا تفسير سورة جزء تبارك وأقدمه من وحي القرآن ونوره إلى الشباب المثقف تفسيرًا لغويًا دينيًا وعلميًا وأدبيًا يجدون فيه قبسات تكشف عن جوانب من تاريخ دعوة القرآن، وجهاد نبينا الصابر الظافر، وومضات من برهانها القوي الباهر، ولفتات من أدبها المعجز. ولقد أوجزت ما استطعت، وأرجو ألّا أكون قد أخللت، إذ لم أستجر الحديث من أباعد أطرافه، ولم أحمله غير صادق أوصافه، والقرآن يبرق عن وجهه الباسم الناضر. وكلما زدته نظرًا زادك عبرًا، وبه تستبصر أفئدة المستهدين، وفيه تستبق ألسن المادحين. فتقبله اللهم خالصًا في سبيلك ونورك، وانفع به عبادك المؤمنين، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه".
وحينما نستعرض [*] التفسير نجد أن المفسر قد وفى بما ألزم نفسه به من ناحية الإيجاز أولًا، ومن ناحية ما تعرض له من لفتة علمية، أو قضية لغوية، أو صورة أدبية. إلا أنه في بعض الأجزاء قسم السورة إلى مقاطع، وفي بعضها تناولها جملة
стр. 1754
واحدة. وقد يأتي أحيانًا بمقدمة للسورة، يذكر فيها تاريخها ومقاصدها، ويأتي بالمفردات، وقد يعقب ذلك بإجمال لمعاني الآيات أو السورة، يفصله فيما بعد. وكثيرًا ما يأتي بالصورة الأدبية والنسق الفني، والإشارات البيانية التي تتضمنها السورة.
وها هو بين منهجه عند تفسيره لسورة لقمان:
"شرح معاني الألفاظ اللغوية حسب مواضعها في التنزيل. بيان المعاني المجملة ثم المعاني المفصلة للآية أو الآيتين فأكثر. إيثار تفسير القرآن بالقرآن كلما أمكن ذلك، فما أجمل منه في موضع، فكثيرًا ما يكون قد فُسِّر في آخر. ثم بالسنّة ثم بما يعتد به من الأقوال، ثم بروح التشريع. وذلك في ظل أسباب النزول إن وجدت، والروابط العامة والخاصة بين الآيات الكريمة، دون التعويل على الرأي المجرد. بيان الأحكام والقيم التي تؤخذ من الآية، دينية كانت أو اجتماعية أو خلقية أو تاريخية أو أدبية أو فنية، دون استطراد مخل".
٢. نماذج من التفسير:
أ- من سورة الملك:
يقول بعد تفسير المفردات: "بدأ الله هذه السورة بتمجيده سبحانه وتنزيهه فقد تنزه الله تعالى عن كل ما لا يليق به، كمشابهته خلقه، جلت عظمته، فهو مالك الملك المطلق التصرف الذي لا يعجزه شيء، وأي ملك كملكه؟ وأي عظمة كعظمته؟
ثم أورد جملة من أدلة تصرفه الشامل، وسلطانه المطلق، وقدرته العظيمة، إذا تدبرها مشركو مكة وغيرهم أفردوه -جل وعلا- بالعبادة، وهجروا ما اعتادوه من عبادة الأصنام، وتلك الأدلة يدركها العالم والجاهل، لأنها من الأدلة المحسة غالبًا، الناطقة بقدرة الله تعالى، ومع تلك الأدلة من التوجيه والعِبَر ما فيه مزدجر.
فهو الذي خلق الموت والحياة. خلق العدم (الموت)، وإن شئت قلت أنشأ عناصر الوجود الحيوي، ثم خلق الحياة العجيبة البشرية وغيرها، لتكون مدارًا
стр. 1755
لاختيار البشر، أو لإعذارهم في طاعة الله تعالى، بإحسان أعمالهم التي دعا إليها، وذلك هنا مثل قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فوصف ما سبق الحياة بالموت، وما أشبهه به! وما أحسن هنا صفتي (العزيز) و (الغفور)، فالله سبحانه العزيز الغالب، الذي لا يعجزه أمر من عصاه، فأساء عملًا، وهو العلي العظيم الغفران، لمن تاب وأناب.
وهو ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، يعلو بعضها بعضًا، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، أثرًا للاختلاف والخلل، فالانسجام في الخلقة، والتصرف التام يشمل خلقه الظاهر لنا والخفي، كذلك السموات الطباق بالاستدلال القياسي إذ الإتقان في الظاهر، دليل الإتقان في الباطن، الصادر عن الحكيم القادر. وهذه السماء ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣]، هل ترى من شقوق أو صدوع تدل فيما نراه على اختلاف وتفاوت؟ كلا إذ لا ترى إلا الإحسان والإتقان ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] بل كرات، فالمراد كثرة النظر والتأمل والتدبر ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، يرجع النظر إليه -سواء كان نظرك مجردًا أو مستعينًا بمنظار- ذليلًا، ومن لا يذل لعظمة الله تعبًا كليلًا؟
أما حقيقة هذه السموات السبع هنا، فقد قصر علمنا الضعيف الآن عنها، فقد تكون كواكب معينة من السيارات أو غيرها، تساوت في شروطها الحيوية، أو تشابهت وقد تكون أفلاكًا، وقد تكون أجواء لها. وفي لسان العرب "السموات السبع أطباق الأرضين". وقد روى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أنه قال: "لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها"، وما عسى أن يحدثهم مما علمه رسول الله ﷺ ، فقد يبين لهم أنها كالأرض خلقًا، وأنها تبعد كذا وكذا، وأن فيها كيت وكيت، فيفسد عليهم دينهم، بتعريضهم للغيب والظنون، وإنما يخاطب الناس بما يعقلون، وإنما القصد من
стр. 1756
الإعلام بخلق السموات، الإعلام بخلق إلهي عظيم، خفى بعضه كما ظهر غيره. ويحدثنا علم الفلك اليوم بعجائب عن الكواكب السيارة، فهي باردة مظلمة كالأرض، وإذا كانت الأرض تبعد عن الشمس (٩٣ مليون ميل)، فإن الكوكب السيار أفلوطون الذي كشف سنة ١٩٣٠، يبعد ٣٩٠٨ مرة، فلنتأمل".
ب- النسق الفني في سورة المرسلات:
يتكلم في ختام تفسيره للسورة تحت عنوان، النسق الفني "لا شك أنه استهواك وصف الملائكة في مطلع السورة الرائع، ووروده قسمًا، وأدهشك هذا الأسلوب الخطابي الحق، وما فيه من قصر الآيات، وتساؤل فيها، وتكرار يثبت الحجة، وسخرية حينًا، كالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب ... وأعجبتك هذه التشبيهات والاستعارات، كتشبيه الشرر الجهنمي بقلوس السفن (في الغلظة والطول والصفرة)، والاستعارة في (يغني) و (ترمي) ... وأدهشتك هذه المشاهد المتحركة بأخبارها، والمناظر المتجسمة بأسرارها، والازدواج البارع بين عالمي الدنيا والآخرة".
ج- آيات من سورة لقمان:
وعند تفسيره لسورة لقمان، يرى أن فواتح السور إنما جيء بها للتحدي، كما يرى أنه ليس عبثًا ابتدئت كل سورة بحروف معينة (١).
يقول الأستاذ العظمة: "إن بدايات ثمان وعشرين سورة من السور المكية (٢) كانت بحرف أو حرفين أو أكثر، لتكون طريقة من طرق التحدي الإلهي للعرب، الذين أبت عليه عصبيتهم العمياء وجاهليتهم الجهلاء حينئذ، إلا البقاء على الشرك والوثنية وما إليهما، تلقاء معجزة القرآن الذي كانوا يشعرون بإعجازه البياني والمعنوي، وهم أتم الألسن بيانًا، وتمييزًا للمعاني جمعًا وفرقًا ... فكانت بدايات هذه السور ضربًا من
стр. 1757
التحدي، فكأنه قال لهم بإيجاز بارع فهموه، بل بإشارة مانعة أدركوها: أيها العرب إنه القرآن الإلهي لا غير ... أرأيت كيف أغنت هذه الأحرف، التي بدأ المولى سبحانه بها سورة لقمان، عن خطبة كاملة في معنى التحدي وما إليه" (١).
ويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ٢ - ٣] (٢): "والقرآن نبع فياض من حكمة الله، خالق الحكماء، ومعلم العلماء لذلك كان غاية الكمال بفضيلته، وغاية الحق بفلسفته، وغاية التوفيق بعاقبته، ولذلك كان ولا يزال كتاب الإنقاذ الأعظم والتوجيه الأقوم. ومن حكمته مراعاته في تشريعه، اليُسْرَ وقلة التكاليف والتدريج، ومن أسراره أدبه الذي لا يبارى ولا يجارى ... ثم جاءت الآية الرابعة تصور حال هذا الكتاب ومتبعيه المحسنين بكلمتين، أي: كلمتي (هدى ورحمة)، ووراء كل منهما بينات مشرقات، وما لا يحصى من مآثر ومكرمات.
أ- حسبنا الآن أن نذكر عملية ما في القرآن العظيم، من أحكام اعتقادية راسخة الأسس وتعبدية واضحة الآثار: من إيمان قوي موجه، وعبادات خاشعة متلألئة. وأحكام خلقية في الأدب النفسي، والسلوك الفردي والاجتماعي. وأحكام دستورية من أمر بالشورى والعدل والمساواة ... وأحكام تعاملية ... وأحكام اقتصادية واجتماعية وأحكام جزائية .. وأحكام حربية .. وقد أثبت التاريخ أن تطبيق هذه الأحكام، كفيل بتحقيق ثمراتها الطيبة الوافرة.
ب- ولا جرم أن في القرآن، وفيه ما أجملناه، رحمة لذويه تظلهم بأجنحتها وتحنو عليهم برعايتها، وما كان الرسول ﷺ ، الذي نزل عليه هذا القرآن إلا رحمةً للعالمين، فمن اهتدى بهديه كان محسنًا، ونال نصيبه جزيلًا في دنياه وآخرته، ومن
стр. 1758
أعرض ونأى بجانبه ناله في دنياه نفع ما من هداية القرآن ورحمته تعليمًا وحضارة ومعاملة ... شَعَرَ وأقر بذلك أو كان من الجاهلين العاقلين، ولكنه في الآخرة من الخاسرين لكفرانه وإشراكه ... وتبدو الرحمة في طبيعة أحكام القرآن وفي تطبيقها وفي عواقبها ... ولنستطرد قليلًا فنتساءل، لماذا لم يهتد الغربيون بالإسلام، فيحسنوا لأنفسهم وللإنسانية جمعاء، ويستحقوا مزيدًا من الرحمة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة. . . (١) إن المصباح المنير الذي يحول الجاهلون بالحجب الكثيفة، دون إشعاع أنواره، يبقى مصباحًا منيرًا بنفسه، ولكن ظهور آثاره رهين بكشف ما بينه وبين أبصار الناس"، ثم يستشهد بآيات وأحاديث كثيرة على هذا الوضوع.
ولا ينسى مفسرنا الفاضل، أن ينبِّه على أن الزكاة المذكورة في الآيات، ليست هي الزكاة المفروضة بتفاصيلها المعروفة، لأن ذلك كان في المدينة المنورة.
الصور البيانية:
وبعد أن ينتهي من تفسير هذه الآيات، يعرج على ما فيها من صور بيانية مشرقة، ليلفت إليها القارئ، فها هو يلفت إلى ضمير الفصل في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ وَهُم [لقمان: ٤]، ويبين السر في ترك العطف بين هذه الجمل القرآنية منوهًا بهذا الإيجاز، "لنعد النظر في الآية الكريمة ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ نجد فيها هذا الائتلاف القوي والضمير المكرر المؤكد ... تلك آيات خمس استقلت كل منها بمعانيها، واشتركت الأربع الأول منها في أداء معاني زمرة الآيات لمناسبة بينها، فكانت متناسقة من غير عطف، لاستغنائها عنه بتآخيها وتعانقها. ثم جاءت الآية الخامسة موضحة متممة، فأشرقت بها المعاني إشراقًا، تأمل في مثل هذا الإيجاز الذي رأيت، وفي فصاحة كلماته وبلاغة جمله، وما تضمنته من دقة التعبير والتصوير
стр. 1759
واستيفاء الغرض، مع سهولة مترقرقة، تر من ذلك شرفًا صاعدًا لا يبلغه بيان البلغاء" (١).
وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، يطيل الكلام محذرًا أبناء المسلمين، ما يغزوهم به عدوهم، مبينًا أن هذا اللهو يمكن أن يكون شفهيًا أو كتابيًا، وبعد انتهائه من تفسير هاتين الآيتين يعرج على ما فيهما من صور بيانية (٢). "ويلاحظ أن الآيتين طالتا قليلًا بالنسبة إلى الآيات الخمس سابقًا، تبعًا لموضوعهما مع فصاحة الكلمات وبلاغة الكلام، وانسجام بعضه مع بعض، والتصوير الفني في الصورة الشاملة وأجزائها. ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ بدلًا من يلهى. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بدلًا من، ليصرف بعض الناس عن القرآن والرسول ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ بدلًا من يستهزئ بها ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ بدلًا من، الذين هم كذلك سيعذبون ويهانون ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧]، بدلًا من هو متغافل.
هذا فضلًا عن دقائق انتشرت في الكلام، كإطلاق الوصف والحكم، بدلًا من تقييده بذكر شخص معين، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾، وكمعترضة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فقد جهلت المضلين وفضحتهم ... واستعمال مصدر بدلًا من اسم مفعول ﴿هُزُوًا﴾ مبالغة في الهزء، واستعمال اسم الفاعل ﴿مُهِينٌ﴾ بدلًا من المبني للمجهول يهانون به، فقويت صورة التعذيب بأن تولى أمر العذاب بنفسه، والتزيين المعنوي بالطباق بين ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وبالإيغال بذكر
стр. 1760
عذاب مهين بعد عذاب أليم. انظر إلى التزيين اللفظي وموسيقاه، انظر إلى السجع وتنوعه وزنًا وحرفًا .. انظر إلى الجناس بين ﴿تُتْلَى﴾ و ﴿وَلَّى﴾ (١).
وكما أن المفسر يذكر ما في الآيات من صور بيانية، تجذب النفوس والوجدانات إليها، وتمس القلوب بروعتها، فإنه يلتفت كثيرًا إلى المسائل العلمية والظواهر الكونية، التي تخاطب بها العقول آيات القرآن، فيكون بذلك قد جمع للتأثر بهذا القرآن، بين العقل والعاطفة، وبين الفكر والوجدان.
٣. الإشارات العلمية في الآيات:
١ - الشمس والقمر بحسبان:
ولنستمع إليه عند تفسيره قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥]:
"وانتقل البيان الإلهي من الإنسان، إلى بعض ما في الكون، سمائه وأرضه ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾، إنه حسبان لا ميل له في عظمة خلقهما، ودقة الحكمة في سير كل منهما في بروجهما ومنازلهما، وفي بُعدهما عن الأرض وعن الكواكب الأخرى ومنافعهما .. وإليك يسيرًا من الملاحظات المتعلقة بذلك:
أ- بدأ المولى سبحانه -بعد ما تقدم من آلاء خلقه- بالشمس، وهي أهم نجم بالنسبة للحياة الأرضية، التي لا غنى لأهلها عن حرارتها وضوئها وجاذبيتها. إن الشمس تبعد عن الأرض (١٤٩٠٠٠٠٠٠) كيلومترًا أو اثنين وتسعين ونصف مليون من الأميال، قدروا ذلك اعتمادًا على سرعة النور. وتقدر حرارة شمسنا المركزية بأربعين مليون درجة مئوية، فلو اختلف البُعد أو اختلفت الحرارة اختلافًا بيِّنًا، لتعطلت الحياة على وجه الأرض.
стр. 1761
يضرب الأستاذ العابري مثلًا فيقول: الشعرى اليمانية تفوق القدرة الشمعية لشمسنا ٢٦ مرة، وكذلك قدرته على إشعاع الحرارة، فلو حلت الشعرى اليمانية محل شمسنا فجأة، فسرعان ما تحمي بالغليان أنهارنا ومحيطاتنا وقاراتنا الجليدية حول القطبين، وإذن تنتهي الحياة على سطح الأرض، وهذه الظاهرية الفلكية من قدرة النجوم الإشعاعية، ودرجة حرارتها لم تعرف علميًّا و ﴿رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ إلا عن طريق مواقع النجوم ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الوا قعة: ٧٥ - ٧٦].
ب- واتبع المولى سبحانه القمر للشمس، وللقمر ما للشمس حسبان دقيق. قال الأستاذ العابري "إن الجاذبية تتناسب مع الكتلة طرديًا .. فلو كانت كتلة القمر أكثر مما هي عليه الآن، لازدادت جاذبيته وهو على بُعده الحالي، ولطغت الموجة المدية، ولغمرت حتى المرتفعات في كل يوم مرتين. ولو قَلَّتْ كتلة القمر عما هي عليه الآن، لما حصل المد والجزر، اللذان لهما الأثر البليغ في حياة الإنسان ... ".
على هذا الحسبان الإلهي الهين عليه سبحانه، تتوقف حياتنا وفصولنا وكثير من مصالحنا. فسبحان الخلاق العليم الحكيم، الذي خلق كل شيء بمقدار، حكمة منه ورحمة بعباده".
٢ - والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون:
وكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾، [الذاريات: ٤٧] يقول: "والسماء بنيناها بقدرة، وأي قدرة، تدل على ذلك عظمتها عظمة ما فيها من الأجرام والآيات والسنن ... يالله ما أعظم السماء، فكر مثلًا في عناقيدها أو قنوانها (تشبيهًا بقنوان النخل) النجمية التي تتكاثر فيها النجوم، واذكر أن من نجومها الكثيرة، ما تراه بالعين المجردة كالثريا والدبران، ومنها ما يحلله المنظار إلى نجوم مفردة ... أجملها العنقود الكروي، في صورة (الجاثي). وقد سبق أن عد
стр. 1762
مرصد ولسون فيه خمسين ألف نجم، كل نجم في كثير منها يفوق شمسنا ألوفًا من المرات لمعانًا وإشراقًا. وسبق أن قاس الفلكي شبلي، أبعاد تسعة وستين عنقودًا من هذه العناقيد الكروية، فوجد أن أبعادها يتفاوت بين ٢٣ ألف سنة من سني النور، وعشرين ومائتي ألف سنة. وإذا كان النور يقطع في الثانية ١٨٦٠٠٠ ميل، فكم تبلغ هذه الأبعاد؟ !
ثم قال سبحانه ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾: وإنا لقادرون على هذا البناء السماوي العظيم، لا نجد فيه شيئًا من عناء، فسبحان من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء".
٤. بيانه للقيم الدينية والاجتماعية والخلقية:
ولا يفوت المفسر بعد بيان الروعة الأدبية والنسق الفني والإشارات العلمية، أن يذكر ما يؤخذ من هذه الآيات من الأحكام والقيم الدينية والاجتماعية والخلقية. فمثلًا بعد أن فسر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، إلى آخر وصية لقمان يذكر عنوانًا خاصًّا: (الأحكام والقيم)، يبين فيه ما يؤخذ من الآيات بيانًا مجملًا غير تارك شاردة ولا واردة - " ... تتبع موعظة لقمان ابنه، ألا يشرك بالله، تبيانها علم الله اللطيف الخبير، مع مثل دقيق شامل، وذلك يكون بناء عقيدة ابنه قويًّا راسخًا عميقًا لا ظاهريًا فحسب. وتتبع ذلك أيضًا، الأمر بإقامة الصلاة إذ ينبغي أن تثمر العقيدة العبادة. والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، فهما ملاك سلامة الأفراد والمجتمعات مما يتهددهما من آفات .. والتواضع دون إعراض عن الناس ولايته عليهم، فإن ذلك من الأدب الاجتماعي الواجب، فالله سبحانه لا يحب كل من ساء أدبه، فتبختر في مشيه فخورًا على الناس ... تعلم الآيات المؤمنين العقيدة والعبادة والدعوة، وبعض الآداب الضرورية بأسلوب قوي حكيم".
٣ - المفسر وآيات التشريع:
يتناول المفسر آيات التشريع تناولًا سهلًا، لا أثر فيه للتعقيد والغموض، ولا الخلاف المذهبي، في أكثر الأحيان، مبينًا مقاصد التشريع، محاولًا عقد مقارنات بين
стр. 1763
ما يهدف إليه الإسلام في تشريعاته، وبين ما تتخبط فيه أمتنا اليوم من واقع سيئ، جرها إليه انحرافها عن مبدئها، أو استبدالها الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهو يجلي في آيات التشريع كغيرها من الآيات، هداية القرآن واضحة تامة يظهر هذا وهو يتكلم عن أحكام الظهار والمناجاة، في سورة المجادلة وعن أحكام الفيء وموالاة غير المسلمين في سورتي الحشر والممتحنة. كما يتكلم عن أحكام الجمعة وحكمتها في سورتها.
ونقتبس هنا جزءًا من تفسيره لسورة الطلاق. فبعد أن أتى بتاريخ نزول السورة وعدد آياتها، والقصد منها، والروايات الواردة في الطلاق بعبارة واضحة وتفسير مقبول، قال: "والمتأمل في أدب القرآن في هذا الموضوع يلمس حرصه على بقاء الحياة الزوجية ما أمكن، لأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، فهو كالعقاقير السمية التي لا ينبغي أن تُستعمل إلا بتحفظ شديد وبمقدار جد يسير. ثم أمر تعالى بإحصاء العدة بمعرفة ابتدائها وانتهائها، لتكون الزوجة على بيِّنة من أمرها، إذا طلبها من طلبها، ومعلوم أن المرأة المدخول بها إذا طلقت طلاقًا واحدًا أو اثنين كان لزوجها أن يراجعها في العدة، فإن فاءت كانت خطبته من جديد إذا أراد، أما إذا طلقها ثلاثًا، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ويطلقها هنا دون اللجوء إلى التواطؤ المعيب، الذي يلجأ إليها الجاهلون وينسبونه إلى الإسلام، والإسلام منه بريء، وهو طلاق المحلل أو التيس المستعار، كما نعته رسول الله ﷺ ".
٤ - رأينا في التفسير:
بعد هذا الاستعراض لنهج المفسر، والاستشهاد ببعض النماذج، فإنني لا أعْدُو الحقيقة، ولا أشتط في الحكم، إذا قلت: إن هذا التفسير من خير التفاسير، وأنفعها وأكثرها ملاءمة لهذا العصر، لما فيه من اتجاهات مفيدة متعددة ... وإن المسلمين وبخاصة الشباب الناشئ، بحاجة إلى فهم القرآن فهمًا صحيحًا، وإدراك مقاصده إدراكًا يلبي ما في أنفسهم من رغبات، ويزيل ما فيها من شبهات، فتتبختر حجة القرآن في عقولهم وقلوبهم اتضاحًا، وتتلاشى شبهات الباطل في نفوسهم افتضاحًا، كل ذلك في تفسير غير موجز مخل، ولا مطول ممل.
стр. 1764
وإن تفسيرنا الذي نحن بصدده، اجتمع له من المميزات الكثير، الذي قل أن يجتمع لغيره.
١ - سهولة عرض التفسير ويسر تناوله، بأسلوب بديع أخّاذ، بحيث لا يمله القارئ، ولا يكل منه المستمع، خالٍ من التعقيد، مع وضوح في الفكرة، وعمق في المعنى، وليس فيه عقم ولا تكلف.
٢ - جمعه بين اتجاهين قلّ أن يجمع بينهما في تفسير واحد، وهما العلمي والأدبي، فهو يرضي العقل ويغذي العاطفة، وبعبارة أخرى، أراد الأستاذ أن يجلي القرآن للشباب المثقف معجزة لغوية علمية. وهذا لا يحول بين مفسرنا الفاضل وبين إبراز الهداية القرآنية، واضحة جلية، بل إبراز هذه الهداية، هو المقصود الأول من التفسير، والذي جند له المفسر المعلومات الكثيرة المتفرقة.
٣ - من أهم ميزات هذا التفسير أنه يخرج الأحاديث التي يستشهد بها، وهو مكثر من ذكر هذه الأحاديث، لتكون معينة على فهم القرآن، فلا تكاد تجد حديثًا، إلا وذكر مصدره، كما أنه ينقل عن المفسرين وبخاصة ابن كثير.
٤ - لا يجد فرصة تمر إلا ويرد فيها مطعنًا ومغمزًا لأعداء الله، كرده على الشيوعيين، عند قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] ومناقشته لنظرية دارون، عند قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤].
٥ - لا يخرج بالقارئ عن رأي الجمهور، وعقيدة أهل السنّة، وصحيح المأثور مع أنه لم يلتزم بمذهب فقهي معين، ولم يكب كبوات كتلك التي رأيتها عند كثير من المفسرين. نلمس هذا عند تفسير سورة النجم حيث يقرر أن الرؤية هي رؤية جبريل، وأن هذه الرؤية كانت حسية لا روحانية فحسب، وكانت في الأرض وعند سدرة المنتهى. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ حيث يقرر أن انشقاق القمر كان حدثًا واقعيًا، مستدلًا لذلك بالأحاديث الصحيحة، وأخبار
стр. 1765
من التاريخ كما يعتقد عقيدة أهل السنّة في رؤية الله في الآخرة، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
مما تقدم يتبين لنا أن هذا التفسير من أجلّ التفاسير، إن كان لنا من مأخذ على المفسر، فهو ذكره لعلماء الأرواح والمندل عند استحضار الجن، مع أن هذه الأمور أدت الشعبذة فيها دورًا كبيرًا، وهو متأثر في هذا بالشيخ طنطاوي الذي ينقل عنه كثيرًا.
والذي نصبو إليه، أن يوفق الله المؤلف لإتمام هذا التفسير كي تعم الفائدة (١).
стр. 1766
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
منهج العلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م) في تفسير التحرير والتنوير
стр. 1767
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
تفسير التحرير والتنوير (١) للشيخ محمد الطاهر بن عاشور
حياته:
هو الشيخ الإمام العَلَم العلّامة محمد الطاهر بن محمد بن عاشور من بيت آل عاشور الأشراف الأندلسيين.
فمحمد بن عاشور الجد، وُلد بالمغرب الأقصى بعد خروج والده من الأندلس فارًا بدينه من القهر والتنصير، وقد وصل إلى تونس سنة ١٠٦٠ هـ/ ١٦٥٠ م، وُلد مترجمنا بتونس لسنة ١٢٩٦ هـ / ١٨٧٩ م بضاحية المرسي من أحواز تونس الشمالية في جمادى الأولى/ سبتمبر، للأب الشيخ محمد بن عاشور (١٢٣٥/ ١٨١٥ - ١٢٨٤ هـ / ١٨٦٨ م) قاضي الحضرة التونسية وصاحب المؤلفات القيِّمة، وجده للأم العلّامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور.
ومنذ ولادته كفله جده للأم الشيخ العزيز بوعتور وبدأ بتعلّم القراءة وحفظ القرآن في السادسة من عمره في المنزل (٢) وفي الكُتّاب (٣) وشبّ على تعلُّم القرآن حتى أتقنه حفظًا، ونشأ في وسط علمي، وتعلم الفرنسية ما تيسر له ذلك، والتحق بجامع الزيتونة عام ١٣١٠ هـ / ١٨٩٢ م.
وقد ظهرت عليه علامات الذكاء وزادت هذه العلامات والمواهب إبان التحاقه بالزيتونة، وبقي مثابرًا في الدراسة، حتى نال شهادة التطويع سنة ١٣١٧ هـ/ ١٨٩٩ م.
стр. 1768
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
قراءاته وأهم شيوخه حتى عام ١٨٩٩ م:
ذكر الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة الكتب التي قرأها ابن عاشور في حياته الدراسية، قبل أن يصير إلى التدريس، وهي كما ذكرها:
في النحو: سيدي خالد (١) والقطر (٢) والمقدمة (٣) والمكودي (٤) ولامية الأفعال (٥) والأشموني (٦) والمغني بشرح الدماميني.
وفي البلاغة: قرأ الدمنهوري على السمرقندية (٧) والسعد على التلخيص والمطول (٨).
стр. 1769
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وفي المنطق: قرأ السُّلَم (١) والتهذيب (٢).
وفي الكلام: قرأ الوسطي (٣) والعقائد النسفية (٤) والمواقف (٥).
وفي الفقه: درس الدردير (٦) ومياره على المرشد (٧) والكفاية على الرسالة (٨) والتاودي على التحفة (٩).
стр. 1770
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وفي الفرائض: قرأ كتاب الدرة (١).
وفي الأصول: قرأ الحطاب على الورقات (٢) والتنقيح للقرافي (٣) والمحلي على السبكي (٤).
وفي الحديث: شرح غرامي صحيح (٥).
وفي السيرة: الشفاء بشرح الشهاب الخفاجي (٦).
وقد درس هذه الكتب على نخبة من العلماء الزيتونيين، كان آخرهم الشيخ سالم بو حاجب الذي درس عليه في المرحلة العالية كتب الحديث والسنّة مثل القسطلاني على البخاري، والزرقاني على الموطأ.
стр. 1771
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقد أجازه هذا الإجازة التامة المطلقة، كتبها له في دفتر دروسه في الخامس والعشرين من رمضان عام ١٣٢٣ هـ (١).
تلقى العلم عن كثير من الشيوخ منهم الشيخ محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب ابن الوزير محمد بن محمد بوعتور (ت ١٣٢٥ هـ/١٩٠٧ م). والشيخ عمر بن أحمد بن عليّ بن حسن بن علي بن قاسم المعروف بابن الشيخ (ت ١٣٢٩ هـ). درس عليه الشرح المطول على التلخيص وشرح الأشموني ومغني اللبيب، وشرح السعد على العقائد النسفية وشرح الزرقاني على مختصر خليل وتفسير البيضاوي، ومنهم أبو عبد الله محمد بن عثمان بن النجار (ت ١٣٣١ هـ) وهو من كبار علماء الزيتونة وغيرهم.
ولقد كان لهؤلاء الشيوخ أبرز الأثر في موسوعية ابن عاشور، وسعة ثقافته وعلمه. ومع سعة العلم وموسوعيته، كان الشيخ جم النشاط، غزير الإنتاج، تزينه أخلاق رصينة فلم يكن على سعة اطلاعه وغزارة معارفه مغرورًا كشأن بعض الأدعياء ممن لم يبلغ مستواه (٢).
يقول الشيخ محمد الخضر حسين عنه: وللأستاذ فصاحة منطق وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارة العلم وقوة النظر، صفاء الذوق وسعة الاطلاع في آداب اللغة ... انعقدت بيني وبينه سنة ١٣١٧ هـ صداقة بلغت في صفائها ومتانتها الغاية التي ليس بعدها غاية، وصداقة بهذه المنزلة تقتضي أن نلتقي كثيرًا، وأن يكون كل منا يعرف من سريرة صاحبه ما يعرفه من سريرته، فكنت أرى لسانًا لهجته الصدق، وسريرة نقية من كل خاطر سيِّئ، وهمّة طماعة إلى المعالي، وجِدًّا في العمل لا يمسه كلل،
стр. 1772
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
ومحافظة على واجبات الدين وآدابه، وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم (١).
ويقول الشيخ محمد محفوظ عنه: اشتهر بالصبر وقوة الاحتمال، وعلو الهمة، واعتزاز بالنفس، والصمود أمام الكوارث، والترفع عن الدنايا (٢).
ويقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: لقيته بمصر وهو يعد في جملة شيوخي ... ، أحد أئمة القرن الرابع عشر، غير مدافع: علمًا وحلمًا ومكانة وفصاحة وزكانة، وسيادة وقيادة، فهو يذكرنا بالإمام القاضي ابن خلدون في إمامته في العلم والقلم والفكر وسعة النظر، والتفنن في جملة من العلوم بمتانة وضلاعة، وحُسْن عرض ورفد، فهو جدير بأن تكتب عنه دراسة خاصة بذاته وصفاته، وعلومه ومكانته، وسمو شأن بيته العلمي الرفيع، وقد عمَّر طويلًا، فعمَّر من العلم أكثر، وأعطَى من آثاره أوفر, فرحمات الله عليه، وجعل الجنة مأواه في مستقر الأئمة الأبرار آمين (٣).
توفي عليه الرحمة يوم الأحد ٢٦ رجب ١٣٩٣ هـ / ١٢ آب ١٩٧٣ عن ٩٤ سنة.
وأما في حياته العامة: فقد تبوأ ابن عاشور مناصب عديدة، وتقلب في وظائف متنوعة، ولا شك أن الرجل كان أهلًا لمثل ذلك، ولكننا لا يمكن أن نقبل مثل هذا التقلب المتنوع دون أن نضع إشارات استفهامية حوله، ولا سيما إذا علمنا أن هناك كثيرًا من العلماء على شاكلة ابن عاشور علمًا ولكنهم لم ينالوا ما نال، بل لم يصلوا إلى شيء، وإليك هذه الوظائف التي تقلب فيها على ضوء ما أفاده تلميذه محمد بن الخوجة في مقال شيخ الإسلام وشيخ الجامع الأعظم (٤):
стр. 1773
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
١ - شرع في الإقراء في جامع الزيتونة الأعظم بوصفه متطوعًا في جمادى الثانية ١٣١٧ هـ أكتوبر ١٨٩٩ م.
٢ - ولي خطة التدريس من الطبقة الثانية على إثر مناظرة فاز بها في ذي القعدة ١٣٢٠ هـ شباط ١٩٠٣ م.
٣ - وفي سنة ١٩٠٤ م بدأ التدريس بالمدرسة الصادقية.
٤ - وفي سنة ١٩٠٥ م نجح في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى.
٥ - وفي هذه السنة نفسها سُمي عضوًا باللجنة التي تشكلت لتحرير فهرس الكتب الموقوفة على المكتبة الصادقية.
٦ - وفي شباط من عام ١٩٠٧ م سمي نائبًا عن الدولة لدى النظارة العلمية بالجامع الأعظم.
٧ - وفي سنة ١٩٠٩ م عُيِّن عضوًا بمجلس إدارة المدرسة الصادقية.
٨ - وفي السنة السابقة نفسها عُيِّن عضوًا بمجلس المدارس بعموم.
٩ - وفي سنة ١٩١٠ م عُيِّن عضوًا بلجنة إصلاح التعليم الأولى.
١٠ - وفيها عُيِّن عضوًا بلجنة ترتيب الكتب الموجودة بالجامع الأعظم مكلفًا بتدوين الفهارس.
١١ - وفي سنة ١٩١١ م عُيِّن عضوًا بمجلس الأوقاف الأعلى.
١٢ - وفي السنة نفسها عُيِّن حاكمًا بالمحكمة العقارية.
١٣ - وفي سنة ١٩١٣ م سُمي قاضيًا مالكيًا للجماعة وبقي كذلك ١٠ سنوات.
١٤ - وفي سنة ١٩٢٣ م عُيِّن مفتيًا مالكيًا (وفيها عاد للتدريس بالزيتونة والصادقية) (١).
стр. 1774
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
١٥ - وفي سنة ١٩٢٤ م عُيِّن مفتيًا ثانيًا مكلفًا بخطة باش مفتي، وفيها عُيِّن بلجنة الإصلاح الثانية.
١٦ - وفي سنة ١٩٢٧ م أصبح كبير أهل الشورى المالكية، وهو أعلى منصب يتولاه السادة المالكية قبل إحداث مشيخة الإسلام المالكية.
١٧ - وفي ٢٣ محرم ١٣٥١ هـ/ ٢٨ أيار ١٩٣٢ م سمي شيخ الإسلام المالكي، وهو أول من تولى هذا المنصب من المالكية.
١٨ - وفي هذه السنة أيضًا سُلِّمت إليه مقاليد إدارة جامع الزيتونة، وبقي سنة على ذلك ثم استقال منها، وقيل: إنه أُقيل بسبب إضراب الطلبة لما نُسب إليه من فتوى التجنيس (١).
١٩ - وفي سنة ١٩٤٥ م أُعيد إلى مشيخة جامع الزيتونة، وبقي فيها إلى أن اعتزل ذلك خلال سنة ١٩٥١ م ويقال: إن اعتزاله بسبب عودة قضية التجنيس والحديث عنها (٢).
٢٠ - ولما جاء الاستقلال سمي عميدًا للجامعة الزيتونية في سنة ١٩٥٦ م.
٢١ - وكان الشيخ من عام ١٩٥٥ م عضوًا مراسلًا بمجمعي اللغة العربية في القاهرة ودمشق (٣).
٢٢ - بقي الشيخ كذلك إلى سنة ١٩٦٢ م حين ألغيت الجامعة الزيتونية، وأصبحت كلية ضمن الجامعة التونسية، وتسمى الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، وعُيِّن ابنه الفاضل عميدًا لها، ثم تفرغ إلى الكتابة والتأليف (٤).
стр. 1775
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
٢٣ - أحرز الجائزة التقديرية للرئيس بورقيبة سنة ١٩٦٨ م (١).
هذه هي المناصب التي تولاها الشيخ. آثرت أن أذكرها من هذه المصادر تبعًا بالتسلسل الزمني، فإنه فيما يبدو لي أعون على مواكبة حياة الشيخ.
مؤلفاته وكتاباته:
أولًا: مؤلفاته المطبوعة (٢):
١ - أصول الإنشاء والخطابة، طُبع سنة ١٩٢٨ م (٣).
٢ - أليس الصبح بقريب، طُبع في تونس عن الشركة التونسية للتوزيع، سنة ١٩٦٧ م ثم أصدرته ثانيًا عام ١٩٨٨ م (٤).
٣ - التحرير والتنوير، وسماه ابن عاشور في مقدمته بـ (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد) واختصره بالاسم الأول، وهذا الكتاب أشهر كتب ابن عاشور وأكبرها، وهو يعد من الموسوعات الضخمة في تفسير القرآن الكريم، صدر عن الدار التونسية للنشر، سنة ١٩٨٤ م.
٤ - حاشية على التنقيح للقرافي في أصول الفقه سماها التوضيح والتصحيح، طُبع الكتاب بمطبعة النهضة بتونس سنة ١٣٤١ هـ (٥).
стр. 1776
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
٥ - شرح وتعليق على قصيدة الأعشى الأكبر في مدح المحلق، طبع بدار العرب بتونس سنة ١٩٢٩ م (١).
٦ - قصة المولد النبوي الشريف، طبع بتونس سنة ١٩٧٢ م (٢).
٧ - كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ. طُبع الكتاب في تونس.
٨ - مقاصد الشريعة الإسلامية، طُبع عدة طبعات أولاها في سنة ١٩٤٦ م عن دار الاستقامة بتونس وآخرها عن دار القلم بدمشق بتحقيق الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة (٣).
٩ - موجز البلاغة. طُبع سنة ١٩٣٢ م (٤).
١٠ - النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح. صدر عن الدار العربية للكتاب بتونس سنة ١٩٧٩ م.
١١ - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. طُبع عدة طبعات أولاها عن الشركة التونسية سنة ١٩٨٥ م (٥)، وآخرها عن دار النفائس بعمان- الأردن بعناية محمد الطاهر الميساوي.
١٢ - الوقف وأثره في الإسلام. نشر في مجلة الهداية الإسلامية بالقاهرة في المجلد التاسع، الجزء الرابع، ص ٢٤١ - ٢٥٦، وطُبعت بتونس مجموعة بعناية علي الرضا الحسيني (٦).
стр. 1777
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
١٣ - ديوان بشار، جمع وتحقيق وشرح. نشر الشركة التونسية، سنة ١٩٧٦ م في أربعة أجزاء (١).
١٤ - الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم الأصفهاني، تحقيق وتعليق. طبع الدار التونسية للنشر (٢).
١٥ - سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن السراج. تحقيق، طبع الدار التونسية للنشر سنة ١٩٧٠ م (٣).
١٦ - ديوان النابغة، جمع وشرح وتعليق. طبع الشركة التونسية للتوزيع، سنة ١٩٧٦ م (٤).
١٧ - نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم. صدر عن المطبعة السلفية بمصر سنة ١٣٤٤ هـ (٥).
١٨ - شرح وتعليق على قلائد العقيان لفتح بن خاقان وعلى شرح ابن زكور له. طبع الدار التونسية سنة ١٩٨٩ م (٦).
١٩ - اللفظ المشترك، نُشر بمجلة الهداية بالقاهرة المجلد السادس (٧).
стр. 1778
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
٢٠ - أخطاء الكُتّاب في العربية. وهي رد على مقال بعنوان: إصلاح اللسان لأبي يعلى الزواوي، نشرته جريدة البصائر في العدد ٨٤، ص ٦. ومقال ابن عاشور هذا نُشر في المجلة الزيتونية، المجلد ٣، عدد ٢، ص ١٣٤ - ١٣٦ (١).
٢١ - طريقة من شعر العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة. نُشرت في المجلة الزيتونية، المجلد ٤، العدد ٩، ص ٢٠٧ - ٢١٣ (٢).
٢٢ - الجزالة. نشرت في المجلة الزيتونية، المجلد ٦، العدد ٩، ص ٣٤٤ - ٣٤٥ (٣).
٢٣ - تحقيقات وأنظار في القرآن والسنّة، جمع ونشر ابنه عبد الملك. طبع الكتاب في تونس.
٢٤ - شرح المقدمة الأدبية من شرح المرزوقي على الحماسة، طُبع في تونس سنة ١٩٥٨ م، وفي تونس/ ليبيا سنة ١٩٧٨ م (٤).
٢٥ - صوغ (مفعلة) من أسماء الأعيان الثلاثية مما وسطه حرف علة، نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٦١ م، مجلد ٣٦، ص ٣٦ - ٤٢ وما بعدها.
٢٦ - تحفة المجد الصريح في شرح كتب الفصيح تأليف أحمد بن يوسف اللبلي نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٦٢ م، مجلد ٣٧، ص ١٩٩ وما بعدها.
٢٧ - نظرة في كتاب الجامع الكبير لابن الأثير، نشر بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٦١ م، مجلد ٣٦، ص ٦٧٢ وما بعدها.
стр. 1779
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
٢٨ - تكملة وتقفية للتعريف بكتاب تحفة المجد الصريح، نشر بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلد ٣٧، ص ٦٩٢ وما بعدها.
٢٩ - المترادف في اللغة، نشر في الجزء الرابع من المجلد ٣٧، سنة ١٩٦٢ م، ص ٢٤١ وما بعدها.
٣٠ - نظرة في الكتاب المعنون بعنوان: "مقدمة في النحو المنسوب للإمام خلف الأحمر" نُشر في عددين من مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلد ٣٨، ص ٥٧٦ وما بعدها. وفي المجلد ٣٩، ص ١٥٣ وما بعدها.
٣١ - كلمة (كل) حقيقة في الكثرة أيضًا مثل الشمول، نشر بمجمع اللغة بالقاهرة ج ٨، سنة ١٩٥٥ م، ص ١٩٣ وما بعدها.
٣٢ - الصوت المجسد نشر في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، ٨/ ١٩٥٥، ص ١٩٦ وما بعدها.
٣٣ - قولهم: "كان يفعل كذا" نشر في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، مجلد ٩، ص ١١٦.
٣٤ - فرق لغوي مغفول عنه (الضُّر والضَّر) نُشر في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، مجلد ٨، سنة ١٩٥٥ م، ص ٤٨٤ وما بعدها.
٣٥ - تصحيح أخطاء وتحاريف في طبعة جمهرة الأنساب لابن حزم نشر في المجلة الزيتونية، الأعداد: ٣٧، ٥٧، ٦٠ على التوالي (١).
٣٦ - تحقيق مسمى الحديث القدسي، نشر بالمجلة العلمية للكلية الزيتونية في ثوبها الجديد العدد الأول من السنة الأولى عام ١٩٧١ م، ص ٤٣ وما بعدها.
стр. 1780
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
ثانيًا: ومن كتبه المخطوطة:
١ - أصول التقدم في الإسلام.
٢ - أمالي على دلائل الإعجاز (١).
٣ - أمالي على مختصر خليل.
٤ - آراء اجتهادية (٢).
٥ - تراجم بعض الأعلام.
٦ - تحقيق وتصحيح وتعليق على كتاب الاقتضاب لابن السيد البطليوسي مع شرح أدب الكتاب.
٧ - تحقيق وتعليق على كتاب خلف الأحمر المعروف بالمقدمة في النحو.
٨ - تعليقات وتحقيق على حديث أم زرع.
٩ - تعاليق على المطول، وحاشية السيالكوتي.
١٠ - شرح معلقة امرئ القيس.
١١ - تحقيق لشرح القرشي على ديوان المتنبي (٣).
١٢ - شرح ديوان الحماسة (٤).
стр. 1781
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
١٣ - تصحيح وتعليق على كتاب الانتصار لجالينوس للطبيب ابن زُهر.
١٤ - كتاب تاريخ العرب.
١٥ - جمع وشرح ديوان سحيم.
١٦ - الفتاوى. ولعلها هي التي صدرت عن مركز جمعة الماجد وقد أشرت إليها سابقًا.
١٧ - قضايا وأحكام شرعية.
١٨ - غرائب الاستعمال.
١٩ - مراجعات تتعلق بكتابي معجز أحمد واللامع للعزيزي.
٢٠ - مسائل فقهية وعلمية تكثر الحاجة إليها ويعول في الأحكام عليها.
٢١ - رسالة القدرة والتقدير أو (رسالة القضاء والقدر) ذكرها ابن عاشور في تفسيره، ولم أجد من أشار إليها، ولا أدري هل طبعت أم لا تزال نحطوطة أم أنها لم تؤلف أصلًا (١).
٢٢ - كتاب المعجزات. ذكره ابن عاشور في تفسيره (٢) ولم يذكره أحد ولا أعلم عنه شيئًا.
٢٣ - الحكمة الإلهية من رياضة الرسول ﷺ نفسه بتقليل الطعام، ذكره ابن عاشور في التفسير (٣) ولم يذكره أحد، ولا أعلم عنه شيئًا.
стр. 1782
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
٢٤ - رسالة في النسب النبوي. وذكرها ابن عاشور في التفسير (١) ولم يذكرها أحد ولا أعلم عنها شيئًا.
هذا ما يتعلق بالمكتوبات التي وصلني خبرها، أو اطلعت عليها، وقد كان الشيخ يكتب في عدة مجلات، سواء أكان ذلك في القطر التونسي أم خارجه، ذكر عدة منها السيد عبد الله الريس وهي: مجلة السعادة العظمى في تونس، ومصباح الشرق، والمنار، والهداية الإسلامية، وهدي الإسلام، ونور الإسلام، في مصر والهداية الإسلامية في بغداد، ومجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلة الراديو والسينما، والثريا، والزيتونة، ونشرة الجمعية الخلدونية، وجريدة الزهور وجريدة حبيب الأمة، ولسان الشعب، والنهضة، والزمان، والأسبوعية، وكلها تونسية. وجريدة النجاح الجزائرية (٢).
وذكر السويسي جريدة الوزير، وجريدة العمل، وجريدة الصباح (٣).
هذا وقد توفي الشيخ ﵀ يوم الأحد ١٣ رجب سنة ١٣٩٣ هـ الموافق ١٩٧٣ م.
المنهج العام لابن عاشور في تفسيره
القسم الأول: مقدمات التفسير:
عمد كثير من المفسرين إلى وضع مقدمات بين يدي تفاسيرهم، ومن هؤلاء شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره، والقرطبي في تفسيره، وأبو حيان في البحر، وابن جزي في تفسيره، والآلوسي والقاسمي وغيرهم كثير.
стр. 1783
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقد نحا ابن عاشور نحوهم في وضع مقدمة لتفسيره، فصّل فيه تفصيلًا جيدًا بعض الأبحاث الخاصة، وقد قسم ابن عاشور هذه المقدمة إلى عشرة أقسام، جعل كل قسم منها مقدمة، فكان تفسيره يشتمل على مقدمات عشر، اهتم فيها بإبراز مسائل من علوم القرآن الكريم. ولأهمية هذه المقدمات، لا بد من ذكر أهم ما اشتملت عليه:
المقدمة الأولى: جعلها في التفسير والتأويل، وكون التفسير علمًا، وبيَّن فيها معنى التفسير والتأويل في اللغة والاصطلاح، وموضوع التفسير، وعدّ التفسير علمًا مستقلًا.
المقدمة الثانية: جعلها في استمداد علم التفسير، وبيَّن فيها العلوم التي تكون مددًا لعلم التفسير ومصادر له، وهي مجملة: علوم العربية، وعلم الآثار (١) والقراءات، وعلم أصول الفقه، وعلم الكلام.
المقدمة الثالثة: جعلها في صحة التفسير بغير المأثور وبالرأي ونحوه، حيث ذكر ما قيل من آثار تنهى عن التفسير بالرأي وأجاب عنها.
وبيَّن معنى التفسير بالرأي، وتحدث عن المقبول منه والمذموم، وعرض للتفسير الإشاري، ذكر في خاتمتها أنه لا ينبغي لأحد أن يقدم على التفسير دون مستند من نقل صحيح عن المفسرين، أو دون أن يكون صاحب التفسير ضليعًا في العلوم التي يحتاجها الفسر.
المقدمة الرابعة: جعلها فيما يحق أن يكون غرض المفسر، حيث بين فيها أغراض القرآن الكريم من إصلاح الاعتقاد، والتشريع وسياسة الأمة بصلاحها
стр. 1784
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وحفظ نظامها. وذكر قصص السابقين للتأسي بصالح أحوالهم، والتعليم بما يناسب عصر المخاطبين، والمواعظ والإنذار والتحذير والتبشير، والإعجاز ليكون آية دالة على صدق الرسول، وبيَّن أن غرض المفسر بيان ما يصل إليه، أو ما يقصد من مراد الله تعالى في كتابه بأتم بيان يحتمله المعنى، ولا يأباه اللفظ، وبيَّن أن طرائق المفسرين للقرآن على ثلاثة أنحاء، إما وقوف عند ظاهر اللفظ، وإما استنباط معانٍ من وراء هذا الظاهر، وإما جلب المسائل وبسطها لمناسبة بينها وبين المعنى، وعرض لآراء المفسرين في التفسير العلمي.
المقدمة الخامسة: جعلها في أسباب النزول، حيث بيَّن فيها ولع كثير من المفسرين بتطلب أسباب لنزول الآيات القرآنية، وتكلفوا في ذلك، وبيَّن أهمية أسباب النزول للتفسير، وأقسام أسباب النزول وفوائدها.
المقدمة السادسة: جعلها في القراءات، حيث بيَّن اعتلاق علم القراءات بالتفسير، وذكر شروط القراءة الصحيحة، وذكر حديث الأحرف السبعة، والاختلاف في معناه، وتحدث عن مراتب القراءات الصحيحة، والترجيح بينها، وذكر أن ابتناء تفسيره على قراءة قالون عن نافع.
المقدمة السابعة: جعلها في قصص القرآن الكريم، حيث بيَّن فيها معنى القصة وميزاتها وفوائدها في القرآن الكريم، وذكر فوائد التكرار في القصص القرآني (١).
المقدمة الثامنة: جعلها في أسماء القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسمائها، حيث عرض لأسماء القرآن، وبيَّن معانيها، وعرَّف الآية ومقدارها، وعرض للفواصل القرآنية، وذكر أن ترتيب الآيات توقيفي، وذكر الخلاف في عدد الآيات، وعرض
стр. 1785
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
للوقوف في القرآن الكريم، وعرض للسورة القرآنية معناها، وأن التسوير سنّة من النبي ﷺ ، وعرض للخلاف في ترتيب السور، وأسمائها.
المقدمة التاسعة: في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة، حيث ذكر أن مختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته من اشتراك وحقيقة ومجاز، وصريح وكناية، وبديع، ووصل، ووقف، إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق، يجب حمل الكلام على جميعها، وعرض للخلاف في مسألة استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه دفعة.
المقدمة العاشرة: جعلها في إعجاز القرآن الكريم، حيث بيَّن فيها كيف كان القرآن معجزًا، وذكر الخلاف في ذلك، وذكر جهات الإعجاز، وهي عنده ثلاث: بلوغ الغاية القصوى في مراتب الكلام البليغ، وما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في الكلام (١)، ما أودع فيه من المعاني الحكيمة، والإشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية مما لا تصل إليه عقول البشر، وأشار إلى بلاغة القرآن ولطائف تعبيره، وعرض لعادات القرآن الكريم.
بهذه المقدمات العشر بدأ ابن عاشور تفسيره، وهي مقدمات اشتملت على لطائف ونتف من الفوائد العلمية التي بثت في أثنائها. وقد دارت محاور هذه المقدمات على أمور في غاية الأهمية، وَفّى ابن عاشور بعضها حق الإيفاء، وبعضها يحتاج إلى مزيد، وقد أظهرت هذه المقدمات ضلوع ابن عاشور في مسائل علم التفسير.
стр. 1786
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
القسم الثاني: مدخل إلى تفسير السورة الكريمة:
يدخل ابن عاشور إلى تفسير السورة الكريمة ببعض المعلومات المتعلقة بها، وهذه المعلومات المقدمة هي من الأهمية بمكان، بل لا غرابة إذا قلت إن هذه المعلومات هي من أدق وأمتع ما كتب في هذا التفسير من التحقيق العلمي.
وهذه المعلومات في غالبها من مباحث علوم القرآن، أفردتها هنا لأنها جزء من المنهج الذي سلكه في تفسير السورة، وليس ثمة تداخل بين هذا المبحث والفصل المتعلق بعلوم القرآن؛ لأن الأبحاث هناك لن تذكر هنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الأبحاث هي ما كان يسوقه الشيخ في أوائل تفسيره للسور الكريمة مدخلًا لذلك.
فأول ما يذكره ابن عاشور ما يتصل باسم السورة أو أسمائها إن تعددت، ووجه تسمية السورة بذلك، مستندًا في ذلك إلى الآثار المروية، إن وجدت، وإلى أمهات كتب التفسير والمصاحف العتيقة، وإلى ما اشتهر بين القراء في ذلك.
ومن أمثلة ما ذكره في هذا الشأن ما كان منه عند تفسيره سورة التوبة، حيث قال: سميت هذه السورة في أكثر المصاحف، وفي كلام السلف: سورة براءة. ففي الصحيح عن أبي هريرة، في قصة حج أبي بكر بالناس قال أبو هريرة: "فأذّن معنا علي بن أبي طالب في أهل منى ببراءة" (١).
وفي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت، قال: آخر سورة نزلت سورة براءة (٢).
стр. 1787
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وبذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه (١)، وهي تسمية لها بأول كلمة منها، وتسمى سورة التوبة في كلام بعض السلف في مصاحف كثيرة، فعن ابن عباس: سورة التوبة هي الفاضحة (٢)، وترجم لها الترمذي في جامعه باسم التوبة (٣)، ووقع هذان الاسمان معًا في حديث زيد بن ثابت، في صحيح البخاري في باب جمع القرآن، قال زيد: فتتبعت القرآن، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، حتى خاتمة سورة براءة (٤)، وهذا الاسمان هما الموجودان في المصاحف التي رأيناها. ولهذه السورة أسماء أُخر، وقعت في كلام السلف، من الصحابة والتابعين، فروي عن ابن عمر، عن ابن عباس (٥): كنا ندعوها المقشقشة (بصيغة اسم الفاعل، وتاء التأنيث من قشقشه، إذا أبرأه من المرض) (٦). كان هذا لقبًا لها ولسورة (الكافرون) لأنهما تخلصان من آمن بما فيهما من النفاق والشرك، لما فيهما من الدعاء إلى الإخلاص، ولما فيهما (٧) من وصف أحوال المنافقين.
وكان ابن عباس يدعوها الفاضحة (٨)، وعن حذيفة أنه سماها سورة العذاب (٩)، لأنها نزلت بعذاب الكفار، وعن عبيد الله بن عمير أنه سماها المنقرة
стр. 1788
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
(بكسر القاف مشددة) لأنها نقرت عما في قلوب المشركين (١)، وعن المقداد بن الأسود وأبي أيوب الأنصاري تسميتها البحوث بباء موحدة مفتوحة في أوله، وبمثلثة في آخره بوزن فعول، بمعنى الباحثة (٢).
وعن الحسن البصري أنه دعاها الحافرة (٣)، كأنها حفرت عما في قلوب المنافقين من النفاق، وعن قتادة أنه سماها المثيرة، لأنها أثارت عورات المنافقين وأظهرتها (٤).
وعن ابن عباس أنه سماها المبعثرة؛ لأنها بعثرت عن أسرار المنافقين، أي: أخرجتها من مكامنها (٥)، وفي الإتقان أنها تسمى المخزية بالخاء والزاي المعجمة وتحتية بعد الزاي (٦)، وأحسب أن ذلك لقوله تعالى فيها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]، وفي الإتقان أنها تسمى المنكّلة، أي: بتشديد الكاف، وفيه أنها تسمى المشددة (٧).
стр. 1789
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وعن سفيان أنها تسمى المدمدمة، بصيغة اسم الفاعل من دمدم، إذا أهلك؛ لأنها كانت سبب هلاك المشركين (١)، فهذه أربعة عشر اسمًا (٢).
فأنت تراه وقد ذكر هذه الأسماء معتمدًا على ما ذكر في المرويات والآثار، وعما عند أساطين المفسرين وأهل القرآن.
رأي الشيخ في ترتيب سور القرآن الكريم:
يقول: وأما ترتيب السور بعضها إثر بعض، فقال أبو بكر الباقلاني: يحتمل أن النبي ﷺ هو الذي أمر بترتيبها كذلك، ويحتمل أن يكون ذلك من اجتهاد الصحابة ... ونقل ابن عطية عن الباقلاني الجزم بأن ترتيب السور بعضها إثر بعض هو من وضع زيد بن ثابت بمشاركة عثمان، قال ابن عطية: وظاهر الأثر أن السبع الطوال، والحواميم، والمفصل، كانت مرتبة في زمن النبي ﷺ وكان من السور ما لم يرتب، فذلك هو الذي رتب وقت كتابة المصحف. أقول (٣): لا شك أن طوائف من سور القرآن (٤) كانت مرتبة في زمن النبي ﷺ على ترتيبها في المصحف الذي بأيدينا اليوم ... وأن طائفة السور الطولى الأوأئل في المصحف كانت مرتبة في زمن النبي ﷺ أول القرآن، والاحتمال فيما عدا ذلك (٥).
قلت: ومما يؤيد هذا الاحتمال عند ابن عاشور أنه لا يرى أن البحث عن المناسبة بين السور القرآنية، هو من غرض المفسر، وليس هو حقًّا عليه (٦)، ومما يؤيد
стр. 1790
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
رأيه وأنه هو المختار عنده ما ذكره في تفسيره سورة الكهف (١٥/ ٢٤٤)، والقصص (٢٠/ ٦١)، حيث ذكر عبارات تفضي إلى أن الترتيب كان اجتهادًا.
والذي ذهب إليه الشيخ من أمر المناسبة بين السور، وجعله أمرًا ثانويًا وليس من غرض المفسر هو قول غير مقبول منه، ولا يليق صدوره من مفسر مثله.
بهذا يتبين لك أن الشيخ قد سار مع القائلين بأن بعض سور القرآن كان مرتبًا على عهد النبي ﷺ ، وبعضها الآخر كان اجتهادًا ومن فعل الصحابة ﵃، ولهذا لم يتعرض ابن عاشور لذكر المناسبة بين السور إلا مرتين، وذلك في فاتحة تفسيره لسورة المائدة (١)، وكذلك في أثناء تفسيره لسورة القدر (٢).
وقد عرض الدكتور فضل حسن عباس لهذه القضية في كتابه: "إتقان البرهان في علوم القرآن" وبيَّن أن ما يرجحه العلماء أن ترتيب السور ترتيب توقيفي.
الثاني: ترتيب السور حسب النزول:
وقد أفاض الشيخ في ذلك وتحدث عن كل سورة من القرآن الكريم في مقدمة تفسيره لها، وقد اعتمد ابن عاشور في حديثه عن ذلك على رواية جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهي معتمد الجعبري في منظومته (تقريب المأمول في ترتيب النزول) (٣).
واعلم أن السيوطي بعد أن ذكر رواية جابر بن زيد هذه في كتابه الإتقان، قال: هذا سياق غريب، وفي هذا الترتيب نظر (٤).