[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
القسم الثاني: مدخل إلى تفسير السورة الكريمة:
يدخل ابن عاشور إلى تفسير السورة الكريمة ببعض المعلومات المتعلقة بها، وهذه المعلومات المقدمة هي من الأهمية بمكان، بل لا غرابة إذا قلت إن هذه المعلومات هي من أدق وأمتع ما كتب في هذا التفسير من التحقيق العلمي.
وهذه المعلومات في غالبها من مباحث علوم القرآن، أفردتها هنا لأنها جزء من المنهج الذي سلكه في تفسير السورة، وليس ثمة تداخل بين هذا المبحث والفصل المتعلق بعلوم القرآن؛ لأن الأبحاث هناك لن تذكر هنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الأبحاث هي ما كان يسوقه الشيخ في أوائل تفسيره للسور الكريمة مدخلًا لذلك.
فأول ما يذكره ابن عاشور ما يتصل باسم السورة أو أسمائها إن تعددت، ووجه تسمية السورة بذلك، مستندًا في ذلك إلى الآثار المروية، إن وجدت، وإلى أمهات كتب التفسير والمصاحف العتيقة، وإلى ما اشتهر بين القراء في ذلك.
ومن أمثلة ما ذكره في هذا الشأن ما كان منه عند تفسيره سورة التوبة، حيث قال: سميت هذه السورة في أكثر المصاحف، وفي كلام السلف: سورة براءة. ففي الصحيح عن أبي هريرة، في قصة حج أبي بكر بالناس قال أبو هريرة: "فأذّن معنا علي بن أبي طالب في أهل منى ببراءة" (١).
وفي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت، قال: آخر سورة نزلت سورة براءة (٢).
стр. 1787
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وبذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه (١)، وهي تسمية لها بأول كلمة منها، وتسمى سورة التوبة في كلام بعض السلف في مصاحف كثيرة، فعن ابن عباس: سورة التوبة هي الفاضحة (٢)، وترجم لها الترمذي في جامعه باسم التوبة (٣)، ووقع هذان الاسمان معًا في حديث زيد بن ثابت، في صحيح البخاري في باب جمع القرآن، قال زيد: فتتبعت القرآن، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، حتى خاتمة سورة براءة (٤)، وهذا الاسمان هما الموجودان في المصاحف التي رأيناها. ولهذه السورة أسماء أُخر، وقعت في كلام السلف، من الصحابة والتابعين، فروي عن ابن عمر، عن ابن عباس (٥): كنا ندعوها المقشقشة (بصيغة اسم الفاعل، وتاء التأنيث من قشقشه، إذا أبرأه من المرض) (٦). كان هذا لقبًا لها ولسورة (الكافرون) لأنهما تخلصان من آمن بما فيهما من النفاق والشرك، لما فيهما من الدعاء إلى الإخلاص، ولما فيهما (٧) من وصف أحوال المنافقين.
وكان ابن عباس يدعوها الفاضحة (٨)، وعن حذيفة أنه سماها سورة العذاب (٩)، لأنها نزلت بعذاب الكفار، وعن عبيد الله بن عمير أنه سماها المنقرة
стр. 1788
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
(بكسر القاف مشددة) لأنها نقرت عما في قلوب المشركين (١)، وعن المقداد بن الأسود وأبي أيوب الأنصاري تسميتها البحوث بباء موحدة مفتوحة في أوله، وبمثلثة في آخره بوزن فعول، بمعنى الباحثة (٢).
وعن الحسن البصري أنه دعاها الحافرة (٣)، كأنها حفرت عما في قلوب المنافقين من النفاق، وعن قتادة أنه سماها المثيرة، لأنها أثارت عورات المنافقين وأظهرتها (٤).
وعن ابن عباس أنه سماها المبعثرة؛ لأنها بعثرت عن أسرار المنافقين، أي: أخرجتها من مكامنها (٥)، وفي الإتقان أنها تسمى المخزية بالخاء والزاي المعجمة وتحتية بعد الزاي (٦)، وأحسب أن ذلك لقوله تعالى فيها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]، وفي الإتقان أنها تسمى المنكّلة، أي: بتشديد الكاف، وفيه أنها تسمى المشددة (٧).
стр. 1789
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وعن سفيان أنها تسمى المدمدمة، بصيغة اسم الفاعل من دمدم، إذا أهلك؛ لأنها كانت سبب هلاك المشركين (١)، فهذه أربعة عشر اسمًا (٢).
فأنت تراه وقد ذكر هذه الأسماء معتمدًا على ما ذكر في المرويات والآثار، وعما عند أساطين المفسرين وأهل القرآن.
رأي الشيخ في ترتيب سور القرآن الكريم:
يقول: وأما ترتيب السور بعضها إثر بعض، فقال أبو بكر الباقلاني: يحتمل أن النبي ﷺ هو الذي أمر بترتيبها كذلك، ويحتمل أن يكون ذلك من اجتهاد الصحابة ... ونقل ابن عطية عن الباقلاني الجزم بأن ترتيب السور بعضها إثر بعض هو من وضع زيد بن ثابت بمشاركة عثمان، قال ابن عطية: وظاهر الأثر أن السبع الطوال، والحواميم، والمفصل، كانت مرتبة في زمن النبي ﷺ وكان من السور ما لم يرتب، فذلك هو الذي رتب وقت كتابة المصحف. أقول (٣): لا شك أن طوائف من سور القرآن (٤) كانت مرتبة في زمن النبي ﷺ على ترتيبها في المصحف الذي بأيدينا اليوم ... وأن طائفة السور الطولى الأوأئل في المصحف كانت مرتبة في زمن النبي ﷺ أول القرآن، والاحتمال فيما عدا ذلك (٥).
قلت: ومما يؤيد هذا الاحتمال عند ابن عاشور أنه لا يرى أن البحث عن المناسبة بين السور القرآنية، هو من غرض المفسر، وليس هو حقًّا عليه (٦)، ومما يؤيد
стр. 1790
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
رأيه وأنه هو المختار عنده ما ذكره في تفسيره سورة الكهف (١٥/ ٢٤٤)، والقصص (٢٠/ ٦١)، حيث ذكر عبارات تفضي إلى أن الترتيب كان اجتهادًا.
والذي ذهب إليه الشيخ من أمر المناسبة بين السور، وجعله أمرًا ثانويًا وليس من غرض المفسر هو قول غير مقبول منه، ولا يليق صدوره من مفسر مثله.
بهذا يتبين لك أن الشيخ قد سار مع القائلين بأن بعض سور القرآن كان مرتبًا على عهد النبي ﷺ ، وبعضها الآخر كان اجتهادًا ومن فعل الصحابة ﵃، ولهذا لم يتعرض ابن عاشور لذكر المناسبة بين السور إلا مرتين، وذلك في فاتحة تفسيره لسورة المائدة (١)، وكذلك في أثناء تفسيره لسورة القدر (٢).
وقد عرض الدكتور فضل حسن عباس لهذه القضية في كتابه: "إتقان البرهان في علوم القرآن" وبيَّن أن ما يرجحه العلماء أن ترتيب السور ترتيب توقيفي.
الثاني: ترتيب السور حسب النزول:
وقد أفاض الشيخ في ذلك وتحدث عن كل سورة من القرآن الكريم في مقدمة تفسيره لها، وقد اعتمد ابن عاشور في حديثه عن ذلك على رواية جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهي معتمد الجعبري في منظومته (تقريب المأمول في ترتيب النزول) (٣).
واعلم أن السيوطي بعد أن ذكر رواية جابر بن زيد هذه في كتابه الإتقان، قال: هذا سياق غريب، وفي هذا الترتيب نظر (٤).
стр. 1791
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وينبغي أن يعلم أن هذه الرواية قد أسقطت منها سورة إبراهيم من المكي، وسورة النساء، والزلزلة، والحديد، والقتال، والرعد، والرحمن، والإنسان، والطلاق، والبينة، والحشر من المدني (١).
ومع تصريح الشيخ ابن عاشور بالاعتماد على هذه الرواية إلا أنه قد خالفها في بعض المواضع، فجاء ترتيبه بعض السور مخالفًا لما في تلك الرواية.
من الأمثلة ما ذكره عند فاتحة تفسيره سورة سبأ، حيث قال: وهي السورة الثامنة والخمسون في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة لقمان، وقبل سورة الزمر، كما في المروي عن جابر بن زيد، واعتمد عليه الجعبري كما في الإتقان (٢)، وقد تقدم في سورة الإسراء أن قوله تعالى فيها: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء: ٩٠]، إلى قوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] (٣)، إنهم عنوا قوله تعالى في هذه السورة: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]، فاقتضى أن سورة سبأ نزلت قبل سورة الإسراء، وهو خلاف ترتيب جابر بن زيد الذي يعد الإسراء متممة الخمسين، وليس يتعين أن يكون قوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ معنيًا به هذه الآية؛ لجواز أن يكون النبي ﷺ هددهم بذلك في موعظة أخرى (٤).
стр. 1792
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
ومن ذلك ما ذكره عند فاتحة تفسيره سورة الحديد، حيث قال: وقد عدت السورة الخامسة والتسعين في ترتيب نزول السور. جريًا على قول الجمهور إنها مدنية، فقالوا: نزلت بعد سورة الزلزال، وقبل سورة القتال (١).
وإذا روعي قول ابن مسعود إنها نزلت بعد البعثة بأربع سنين (٢)، وما روي من أن سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه قرأ صحيفة لأخته فاطمة فيها صدر سورة الحديد (٣)، لم يستقم هذا العد لأن العبرة بمكان نزول صدر السورة، لا نزول آخرها فيشكل موضعها في عد نزول السورة، وعلى قول ابن مسعود: يكون ابتداء نزولها
стр. 1793
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
أواخر سنة أربع من البعثة، فتكون من أقدم السور نزولًا، فتكون قبل سورة الحجر وطه وبعد غافر، فالوجه أن معظم آياتها نزل بعد سورة الزلزال (١).
ويعرض الشيخ بعد ذلك لذكر عدد آيات السور والخلاف فيه يقول في طالعة تفسيره لسورة هود: وقد عدت آياتها مئة وإحدى وعشرين في العدد المدني الأخير، وكانت آياتها معدودة في المدني الأول مئة واثنتين وعشرين. وهي كذلك في عدد أهل الشام وفي عدد أهل البصرة، وأهل الكوفة مئة وثلاث وعشرون (٢).
ويعرض بعد ذلك لأغراض السورة الكريمة، ويقصد بذلك محتويات السورة أو مشتملاتها، ثم يذكر سبب نزول السورة الكريمة إن كان لها سبب. يقول عند تفسيره لسورة الطلاق:
"وسبب نزولها ما رواه مسلم عن طريق ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر: كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضًا، فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﷺ ، فقال له: ليراجعها، فردّها وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك. قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] " (٣).
فظاهر قوله: "وقرأ النبي ﷺ ... إلخ، أنها أنزلت عليه ساعتئذ، ويحتمل أن تكون نزلت قبل هذه الحادثة" (٤).
وقال ابن عاشور أيضًا: وقال الواحدي، عن السدي: إنها نزلت في قضية طلاق ابن عمر (٥)، وعن قتادة أنها نزلت بسبب أن النبي ﷺ ، طلق حفصة، ولم
стр. 1794
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
يصح (١)، وجزم أبو بكر بن العربي بأن شيئًا من ذلك لم يصح، وأن الأصح أن الآية نزلت بيانًا لشرع مبتدأ (٢).
قلت: ولعل رأي ابن العربي هو الأرجح لتعاور الاحتمالين لحديث مسلم.
ثم يذكر الشيخ أحاديث في فضائل السور ومن ذلك ما ذكره في طالعة سورة يس، قال: "وورد في فضلها ما رواه الترمذي عن أنس، قال: قال النبي ﷺ : إن لكل شيء قَلْبًا وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس، كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفيه هارون أبو محمد شيخ مجهول، قال أبو بكر بن العربي: حديثها ضعيف" (٣).
وبعد هذه المقدمات ينتقل الشيخ إلى تفسير السورة.
طريقة ابن عاشور في تفسير السورة:
من خلال قراءتي لتفسير ابن عاشور، رأيته يقوم على عشرة أسس:
أولًا: يسير ابن عاشور مع السورة القرآنية مقسمًا إياها إلى مقاطع، وتتفاوت هذه المقاطع كمًّا من سورة إلى أخرى، بل وفي السورة نفسها، والغالب أن تكون هذه المقاطع متحدة الفكرة الخاصة وذات إطار موضوعي واحد، غير أن هذا لا يكون دائمًا متيسرًا بسبب أن الموضوع قد تكون آياته كثيرة، أو قصيرة، لكنها طويلة (٤)، فيكون التقطيع بحسبه.
стр. 1795
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
ثانيًا: يبتدئ باللفظة القرآنية، أو الجملة القرآنية، فيعرض لمعانيها واشتقاقها وما يتعلق بها من أمور لغوية، من حيث ورودها في أساليب الفصحاء، والاستشهاد على ذلك بأشعار العرب وأمثالهم، إلى غير ذلك مما ستطلع على تفاصيله في القسم الخاص بذلك من المباحث اللغوية في التفسير.
ثالثًا: يذكر ابن عاشور نظائر الآية القرآنية أو الآيات، وهو ما يسمى بتفسير القرآن بالقرآن.
رابعًا: يستشهد على ما يقول بالأحاديث الشريفة، والآثار المروية عن السلف لتوضيح المعنى المقصود، وهو في ذلك مختار مناقش مرجح.
خامسًا: يعرض لبيان المناسبة بين المقطع المختار أو الآية لما قبلها.
سادسًا: يقوم بدفع الإشكالات التي يمكن أن تبدو من ظاهر النظم في الآيات الكريمة إن وجدت، وقد يبتدِئُها، وعلى أسلوب (فإن قلت) أحيانًا.
سابعًا: إذا تحدثت الآيات القرآنية ذات المقطع الواحد عن موضوع معين، أو كان ثمة موضوع كثر فيه الكلام من المتقدمين، فإن ابن عاشور يتابعهم فيعرض لتفاصيل تتعلق بذلك.
ثامنًا: عند مروره بآيات الأحكام، وآيات العقيدة، أو الآيات التي اتخذت لها مواضع خاصة في علوم القرآن وغيرها من المباحث، يعرض ابن عاشور لذكر خلاف العلماء في تلك الآيات، ويفصل في تلك القضايا بما هو مناسب عنده.
تاسعًا: عرض إلى إشارات علمية عند تفسيره لبعض الآيات القرآنية الكريمة.
عاشرًا: استخدم الحاشية لأغراض متعددة في تفسيره.
هذه هي طريقته التي سار عليها في تفسيره سور القرآن الكريم، غير أنه لا يلتزم ترتيبًا معينًا لهذه الأسس العشرة المتقدمة، فكثيرًا ما يكون هناك تقديم وتأخير فيها، وذلك بحسب المقطع المفسر.
стр. 1796
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
قضايا علوم القرآن في تفسيره:
اهتم ابن عاشور بإبراز بعض قضايا علوم القرآن الكريم في أثناء تفسيره، وقد نقرأ هذه القضايا عنده فنجدها غير محررة كثيرًا، وقد يكون ذلك لأنه لم يهتم بإبرازها وحدات موضوعية خاصة، وإنما جاء الحديث عنها في أثناء التفسير.
من القضايا التي برزت في تفسير ابن عاشور مثلًا:
١. الحديث عن الحروف المقطعة في أوائل السور:
فقد ذكر أقوال العلماء فيها وخلص إلى ثلاثة منها:
الأول: كون هذه الحروف لتبكيت المعاندين، وتسجيلًا لعجزهم عن المعارضة.
الثاني: كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها.
الثالث: كونها أقسامًا، أقسم الله بها لتشريف قَدْرِ الكتابة وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية. وأرجح هذه الثلاثة أولها (١).
٢. الأحرف السبعة:
اختلفت أقوال العلماء في المقصود من الأحرف السبعة اختلافًا شديدًا، وكان لابن عاشور رأيه في المسألة، فبعد أن ذكر طرفًا من الخلاف في معنى الحديث قال: " ... وذهب جماعة أن المراد من الأحرف لهجات العرب في كيفيات النطق؛ كالفتح، والإمالة، والمدِّ، والقصر، والهمز، والتخفيف، على أن معنى ذلك رخصة للعرب مع المحافظة على كلمات القرآن، وهذا أحسن الأجوبة لمن تقدّمنا، وهنالك أجوبة أخرى ضعيفة لا ينبغي للعالِم التعريجُ عليها، وقد أنهى بعضهم جملة الأجوبة إلى خمسة وثلاثين جوابًا" (٢).
стр. 1797
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وبعد ذلك قال ابن عاشور: "وعندي أنه إن كان حديث عمر وهشام بن حكيم قد حَسُن إفصاحُ راويه عن مقصد عمر فيما حدّث به، بأن لا يكون مرويًّا بالمعنى مع إخلالٍ بالمقصود -أنه يحتمل أن يرجع إلى ترتيب آي السور، بأن يكون هشام قرأ سورة الفرقان، على غير الترتيب الذي قرأ به عمر فتكون تلك رخصة لهم في أن يحفظوا سور القرآن بدون تعيين ترتيب الآيات من السورة، وقد ذكر الباقلاني احتمال أن يكون ترتيب السور من اجتهاد الصحابة، كما يأتي في المقدمة الثامنة، فعلى رأينا هذا تكون هذه رخصة. ثم لم يزل الناس يتوخّون بقراءتهم موافقة قرإءة رسول الله ﷺ حتى كان ترتيب المصحف في زمن أبي بكر على نحو العَرْضة الأخيرة التي عرضها رسول الله ﷺ ، فأجمع الصحابة في عهد أبي بكر على ذلك؛ لعلمهم بزوال موجب الرخصة" (١).
واعلم أن هذا التفسير من ابن عاشور لم يقل به أحد من المتقدمين، ولا أظن أن يقول به أحد من المتأخرين، وهو بعيد عن تفسير هذا الحديث بُعدًا عظيمًا؛ إذ كيف يمكن أن يكون دالًا على ذلك، وقد سبق أن ابن عاشور قال: إن ترتيب الآيات توقيفيّ من زمن النبي ﷺ (٢)، وهذا كلام يذهب برونق الإعجاز وبهاء النظم، وما دَخْلُ الترتيب في قوله في الحديث ... (الكبير والشيخ والهرم) ونحو ذلك؟ !
ثم كيف تكون الرخصة بسبعة أحرف على هذا التأويل؟ إنّ هذا التأويل للحديث لم يحُمْ حول التحقيق، ولا كان لصاحبه فيه فضل ولا توفيق. وقد تناقض تفسيره في ١/ ٦٣ حيث قال: "على أنه يجوز أن تكون إحدى القراءات نشأت عن ترخيص النبي ﷺ للقارئ أن يقرأ بالمرادف تيسيرًا على الناس كما يُشعِر به حديث تنازع عمر مع هشام" ومع هذا التناقض بين القولين إلا أن هذا يوهم أن القراءات
стр. 1798
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
بالتشهّي، وهذا لا يقول به أحد، وإنما المرادف المسموح به هو الثابت عن النبي ﷺ تواترًا لا غير" (١).
٣. منسوخ التلاوة:
وقد اضطربت عبارة ابن عاشور في هذا النوع بين القبول والرفض، حيث قال بادئ بدء عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قال: "ومما يَقِف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجّه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿نُنْسِهَا﴾ إنه إنساء الله تعالى للمسلمين للآية أو السورة، أي: إذهابها عن قلوبهم، أو إنساؤه النبي ﷺ إياها، فيكون نسيان الناس كلِّهم لها في وقت واحد دليلًا على النسخ، واستدلوا لذلك بحديث أخرجه الطبراني بسنده إلى ابن عمر قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسولُ الله ﷺ ، فقاما ذات ليلة يصلِّيان، لم يَقْدِرا منها على حرف، فغديا على رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال لهما: "إنها مما نُسخ وأُنسي، فالْهُوَا عنها" (٢). قال ابن كثير: هذا الحديث في سنده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف (٣). وقال ابن عطية: هذا الحديث منكر، أغرب به الطبراني، وكيف خفي مثله على أئمة الحديث! والصحيح أن نسيان النبي ﷺ ما أراد الله نَسْخه ولم يُرد أن يثبته قرآنًا جائز. أي: لكنه لم يقع" (٤).
ثم قال: "وأما ما ورد في "صحيح" مسلم عن أنس قال: كنا نقرأ سورة نشبّهها في الطول ببراءة فأُنْسِيتُها غير أني حفظت منها: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا، وما يملأ جوف ابنِ آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". اهـ.
стр. 1799
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
فهو غريب، وتأويله: أن هناك سورة نُسِخت قراءتها وأحكامُها، ونسيان المسلمين لما نُسخ لفظُه من القرآن غيرُ عجيب، على أنه حديث غريب"، ثم قال بعد تبيان أنواع النسخ في القرآن: " .. وعندي أن نسخ التلاوة وبقاء الحكم لا فائدة فيه" (١).
وكلامه هنا -كما هو ظاهر- صريح في إنكار هذا النوع من النسخ. غير أن الشيخ قال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]. قال: "والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه، النبي ﷺ إذا شاء الله أن ينساه، وذلك نوعان:
أحدهما، وهو أظهرها: أن الله إذا شاء نسْخَ تلاوة بعض ما أُنزل على النبي ﷺ أمَره بأن يترك قراءته. فأمر النبيَّ ﷺ بأن لا يقرأه حتى ينساه النبي ﷺ والمسلمون. وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال: كان فيما أنزل: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما". قال عمر: لقد قرأناها (٢). وأنه كان فيما أنزل: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" (٣). وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ هو في قراءة من قرأ ﴿نُنْسِهَا﴾ في سورة البقرة [١٠٦].
النوع الثاني: ما يعرض نسيانُه للنبي ﷺ نسيانًا مؤقتًا كشأن عوارض الحافظة البشرية، ثم يقيّض الله له ما يذكّره به. ففي "صحيح" البخاري عن عائشة قالت: سمع النبي ﷺ رجلًا يقرأ من الليل بالمسجد فقال: "يرحمه الله قد أذكرني كذا
стр. 1800
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وكذا آية أسقطْتُهُنَّ، أو كنتُ أُنسيتُها من سورة كذا وكذا"، وفيه أن رسول الله ﷺ أسقط آيةً في قراءته في الصلاة، فسأله أبي بن كعب: أَنُسِخَت؟ فقال: "نُسيّتها (١) ".
فأنت تراه مرة وقد قال: "إن هذا مما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر"، وتارة قال: "مثل هذا النسخ لا فائدة منه"، وأخيرًا أثبته، وهذا الاضطراب غير لائق، كما تراه.
والشيخ وإن أثبت النسخ في بعض المواضع إلا أنه لا يراه واقعًا بمكة، قال: "وأمّا نسخ التلاوة فلم يَرِدْ من الآثار ما يقتضي وقوعه في مكة" (٢).
اهتمام الشيخ باللغة:
تنوعت اهتمامات الشيخ وعنايته اللغوية بتنوع مفردات علم اللغة، فمن ذلك: بيانه لاشتقاق الكلمات، وبيان معاني المفردات وذكره وجوه الأعاريب، وتنوع طرائق الاستشهاد في تفسيره، فقد يكثر من الشواهد الشعرية، والاسشهاد بأقوال الحريري، والاستشهاد بالأمثال.
من الأمثلة على ما ذكرناه من تفسير الشيخ ﵀ ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، حيث قال: "والتحيز: طلب الحيز -فَيْعِلٌ من الحَوْز، فأصلُ إحدى ياءيه الواو، فلما اجتمعت الواو والياء وكانت السابقة ساكنةً قُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياء في الياء، ثم اشتقوا منه تَحَيُّزٌ، فوزنُه تَفَيْعُلٌ، وهو مختار صاحب "الكشاف" جريًا
стр. 1801
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
على القياس بقدر الإمكان، وجوز التفتازاني أن يكون وزنه تَفَعُّلٌ بناءً على اعتباره مشتقًا من الكلمة الواقع فيها الإبدال والإدغام وهي الحَيِّزُ، ونَظَّرَه بقولهم: (تَدَيُّرٌ) بمعنى الإقامة في الدار، فإن الدار مشتقة من الدوران؛ ولذلك جُمعت على دُور، إلا أنه لما كثر في جمعها ديار ودِيرة عُوملت معاملة ما عينه ياء، فقالوا من ذلك: تَدَيَّرَ، بمعنى أقام في الدار، وهو تَفَعَّلَ من الدار، واحتجّ بكلام ابن جني والمرزوقي في "شرح الحماسة". يعني ما قاله ابن جني في "شرح الحماسة" عند قول جابر بن حريش (١):
إذ لا تخافُ حُدُوجُنا قَذْفَ النَّوَى ... قَبْلَ الفسادِ إقامةً وتَدَيُّرا
(التَّدَيُّرُ: تَفَعُّلٌ من الدار، وقياسه تَدَوُّرٌ، [لأن عينه واو بدلالة قولهم: دور] إلا أنه لما كَثُر استعمالهم ديارَ أنِسوا بالياء ووجدوا جانبها أوطأ حسًّا، وألين مسًا، فاجترَؤوا عليها فقالوا: تَدَيَّرنا دارًا. اهـ، وما قال المرزوقي: (الأصل في تدير الواو، ولكنهم بنوه على ديارٍ لإلفهم له بكثرة تردده في كلامهم) (٢) ".
ومنه ما ذكره من الخلاف عند تفسيره قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، حيث قال: "واختُلف في اشتقاقه؛ فقيل: مشتق من (أمن) الداخل عليه همزة التعدية فصار آمن، وأن وزن الوصف مُؤَيْمِن، قُلبت همزته هاءً، ولعل موجب القلب إرادة نقله من الوصف إلى الاسمية بقطع النظر عن معنى الأمن، بحيث صار كالاسم الجامد، وصار معناه رقب: (ألا ترى أنه لم يبق فيه معنى الأمن الذي في
стр. 1802
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
المؤمن (١) لما صار اسمًا للرقيب والشاهد)، وهو قلب نادر، مثل قلب همزة أراق إلى الهاء فقالوا: هراق، وقد وضعه الجوهري في فصل الهمزة من باب النون، ووزنه مُفَعْلِلٌ اسم فاعل من آمن مثل مُدَحْرج، فتصريفه مُؤَأْمِنٌ بهمزتين بعد الميم الأولى المزيدة، فأُبدلت الهمزة الأولى هاءً كما أبدلت همزة أراق فقالوا: هراق.
وقيل: أصله هَيْمن، بمعنى: رَقَبَ، كذا في "لسان العرب"، وعليه فالهاء أصلية ووزنه مُفَيْعِل، وذكره صاحب "القاموس" في فصل الهاء من باب النون، ولم يذكره في فصل الهمزة منه، وذكره الجوهري في فصل الهمزة وفصل الهاء من باب النون مصرحًا بأن هاءه أصلها همزة، وعَدَلَ الراغب وصاحب "الأساس" عن ذكره، وذلك يُشعر بأنهما يريان هاءه مبدلة من الهمزة، وأنه مندرج في معاني الأمن" (٢).
قلت: وقد ذكره الزمخشري في "الكشاف" مشتقًا من الأمن (٣).
هذا طرف من ذكره للاشتقاق واختلاف العلماء فيه، وقد يَذكر الخلاف في الوزن الصرفي للكلمة فقط دون تعريج على الاشتقاق، وهو نادر الوقوع جدًّا، ومثاله: ما وقع عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، حيث قال: "ووزن أيامى عند الزمخشري أفاعِلُ؛ لأنه جمع أيِّم بوزن فَيْعِل، وفيعِلُ لا يجمع على فَعَالى. فأصل أيامى أيائِم، فوقع فيه قلب مكاني قدَّمت الميم للتخلص من ثقل الياء بعد حرف المد، وفُتحت الميم للتخفيف فقُلبت الياء ألفًا، وعند ابن مالك وجماعة وزنه فَعَالى على غير قياس، وهو ظاهر كلام سيبويه" (٤).
وقد يَذكر مصادره في الاشتقاق مصَرّحًا بأسمائها، ومن ذلك: ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]، حيث قال: "وفي اشتقاق الباخع
стр. 1803
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
خلاف؛ فقيل: مشتق من البِخاع بالباء الموحدة (بوزن كِتاب)، وهو عِرْق مستبطن في القفا، فإذا بلغ الذابحُ البِخَاع، فذلك أعمقُ الذبح، قاله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]، وانفرد الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في "الكشاف" و"الفائق" و"الأساس". قال ابن الأثير في "النهاية": "بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البِخاع بالموحّدة"، يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق، وبإثبات البِخاع اسمًا لهذا العرق.
قلت: كفى بالزمخشري حُجَّةً فيما أثبته، وقد تبعه عليه المطرزي في "المُغْرب" وصاحب "القاموس"" (١).
والشيخ ابن عاشور حين يسوق هذه المعلومات الصرفية، لا يسوقها دائمًا سياق المسلِّم بها المعجب بها، وإنما يبدي رأيه فيما لا يعجبه منها، وقد يلوح له أحيانًا عدم قناعة باشتقاقٍ ما، أو عدم معرفة به، فيذكر ذلك في أثناء تفسيره.
ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، حيث قال: "والقِبلة في أصل الصيغة اسم على زِنَة فِعْلةِ بكسر الفاء وسكون العين، وهي زنة المصدر الدال على هيئة فعلِ الاستقبال، أي: التوجه، اشتق على غير قياس بحذف السين والتاء، ثم أُطلقت على الشيء الذي يستقبله المُستقبِل مجازًا، وهو المراد هنا؛ لأن الانصراف لا يكون عن الهيئة، قال حسان في رثاء أبي بكر ﵁:
أليسَ أولُ من صَلَّى لقبلتِكُمْ
والأظهر عندي أن تكون القبلة اسم مفعول على وزن فِعْلٍ كالذِّبح والطِّحن، وتأنيثه باعتبار الجهة كما قالوا: ما له في هذا الأمر قِبْلة ولا دِبْرة، أي: وجهة. اهـ".
قلت: وهذا يخالف ما كان عليه الواقع، فهل كانت القِبلة مرغوبة لديهم؟
стр. 1804
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
تناوب حروف الجر:
الشيخ ابن عاشور لم يتابع المفسرين واللغويين في كل ما ذكروه، فهو في مواضع من تفسيره لا يرى بأسًا بتعاقب حروف الجر، وفي مواضع أخرى يرفض القول بإنابة الحروف، فقد ذكر أن اللام بمعنى (إلى) في قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣] (١).
ولكنه رفض أن تكون (إلى) بمعنى اللام في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. وقال: "إن جعل (إلى) بمعنى اللام بُعْدٌ عن بلاغة هذا النظم وخَلْطٌ للاعتبارات البلاغية" (٢).
ومن ذلك: ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] حيث قال: "ومن بلاغة القرآن تعدية (سأل) بالباء؛ ليصلح الفعل لمعنى الاستفهام، والدعاء، والاستعجال؛ لأن الباء تأتي بمعنى (عن) وهو من معاني الباء الواقعة بعد فعل السؤال، نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقول عَلْقَمَة:
فإنْ تسألوني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ
أي: إن تسألوني عن النساء، وقال الجوهري عن الأخفش: يقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. وجعل في "الكشاف" تعدية فعل (سأل) بالباء لتضمينه معنى عُني واهتمّ، وقد علمت احتمال أن يكون (سأل) بمعنى استعجل؛ فتكون تعديته بالباء كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧] " (٣).
стр. 1805
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وعلى كلٍّ فليس في هذه الآية ما يؤيد أن (الباء) بمعنى (عن)، قال شيخ شيوخنا الدكتور فضل حسن عباس -رحمه الله تعالى- موضحًا ذلك: ونحن نعلم أن السؤال يتعدى بـ (عن)، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [النازعات: ٤٢]، فلماذا عُدل عن هذا الحرف ولم يقل: سأل سائل عن عذاب واقع؟
ومعرفة السياق تطلعنا على ذلك السر، وتلك الروعة؛ إن السؤال عن الساعة كان عن زمانها، وهكذا السؤال عن الأهلّة كان عن سبب صغرها وكبرها، أما السؤال في الآية التي معنا فلم يكن سؤالًا عن نوع العذاب، ولا عن زمانه، وإنما كان طلبًا لهذا العذاب ودعاءً لإتيانه، وسبب النزول يؤيد هذا، فالسائل هو النضر بن الحارث كما روى النسائي وجماعة، وصححه الحاكم عن ابن عباس، وروي ذلك عن ابن جريج، والسُّدّي والجمهور حيث قال إنكارًا واستهزاءً: ﴿وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢].
عناية الشيخ بالقضايا البلاغية:
عرض الشيخ لكثير من مسائل علم المعاني وعلم البيان، وسنقتصر على ذكر بعض الأمثلة مما عني به الشيخ.
فقد تحدث عن اختيار الكلمة في القرآن الكريم، وذلك لصلاحيتها لأكثر من معنى يتأدى بها.
فمن ذلك اختيار لفظة الصريم في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ٢٠]، قال: "والصريم قيل: هو الليل، والصريم من أسماء الليل، ومن أسماء النهار؛ لأن كل واحد منهما ينصرم عن الآخر، كما سمي كل من الليل والنهار مَلْوًا، فيقال: المَلَوَان، وعلى هذا ففي الجمع بين (أصبحت) و (الصريم) مُحَسِّنُ الطباق، وقيل الصريم: الرماد الأسود بلغة جَذِيمة أو خُزَيمة، وقيل الصريم: اسم رَمْلَة
стр. 1806
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
معروفة باليمن لا تُنبِت شيئًا، والإتيان بكلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية" (١).
وقد يختار القرآن الفعل على غيره؛ لأن هذا الفعل أوعب، ويحتمل ما لا يحتمل غيره من المعاني، ومتعلقاتها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]، قال: "وقيض: (أتاح وهيأ شيئًا للعمل في شيء) ومعنى تقييضنا لهم، تقديرنا لهم، أي: خلق المناسبات التي يتسبب عليها تَقارُنُ بعضهم مع بعض لتناسب أفكارِ الدعاة والقابلين، كما يقول الحكماء: (استفادَةُ القابل من المبدأ تتوقف على المناسبة بينهما)، فالتقييض بمعنى التقدير عبارة جامعة لمختلف المؤثرات والتجمعات التي توجب التآلف والتحابَّ بين الجماعات، ولمختلف الطبائع المكوَّنة في نفوس بعض الناس، فيقتضي بعضها جاذبيةَ الشياطين إليها، وحدوث الخواطر السيئة فيها، وللإحاطة بهذا المقصود أوثر التعبير هنا بـ (قيضنا) دون غيره من نحو: بعثنا وأرسلنا" (٢).
وقد يُختار في القرآن الحرف لدواعٍ معينة وقد يُختار في القرآن التعبير بالفعل دون المصدر، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ﴾. بعد قوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١]، قال: "وإنما عدل عن الإتيان بالعمل مصدرًا كما أُتي به في قوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ إلى الإتيان به فعلًا صلة لـ (ما) الموصولة للدَّلالةِ على البراءة من كل عمل يحدث في الحال والاستقبال، وأما العمل الماضي فلكونه قد انقضى، لا يتعلق بالغرض بذكر البراءة منه، ولو عُبِّر بالعمل لربما تُوُهِّمَ أن المراد عمل خاص، لأن المصدر المضاف لا يَعُمُّ، ولتجنب إعادة اللفظ بعينه في الكلام الواحد، لأن جملةَ البيان من تمام المُبَيَّن، ولأن هذا اللفظ أنسبُ بسلاسة النظم، لأن
стр. 1807
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
في (ما) في قوله: ﴿مِمَّا أَعْمَلُ﴾ من المد ما يجعله أسعدَ بمد النَّفَسِ في آخر الآية، والتهيئة للوقف على قوله: ﴿مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾، ولما في ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من المد أيضًا، ولأنه يراعي الفاصلة، وهذا من دقائق فصاحة القرآن الخارجة عن الفصاحة المتعارفة بين الفصحاء (١).
وقد تأتي الكلمة في القرآن مفردة أو مجموعة، وذلك بحسب الدواعي البلاغية المقتضية لذلك (٢)، والشيخ رحمه الله تعالى في كثير من الوقفات عند هذا الجانب يفسره لك (بالتفنن) وهو يعني لئلا ينحصر القرآن في نمط واحد من أنماط الكلام، والتعليل بمثل هذا لا ينبغي الوقوف عنده (٣)، وقد يقف وقفات يعلل بها بغير ذلك، ولكن في تعليله قصور واضح، وهناك بعض الأمثلة لتدرك سر الروعة القرآنية في اختيار الكلمات في مواقعها المناسبة:
خذ مثلًا (السمع والبصر) فإن لفظ (السمع) لم يأت في القرآن مجموعًا البتة بخلاف (البصر) فإنه جاء في القرآن بلفظ الجمع دائمًا (٤) ولا بد لهذا من داع يقتضيه، وقد وقف الشيخ عند بعض الآيات القرآنية في ذلك فعلل سِرَّ الجمع والإفراد بخفة أحد اللفظين مفردًا والآخر مجموعًا وذلك عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، قال: "والأبصار جمع بصر، وهو في اللغة العين على التحقيق، وقيل: يُطلَق البصر على حاسة الإبصار، ولذلك جمع ليَعُمَّ بالإضافة جميع أبصار المخاطبين، ولعل إفراد السمع وجمع الأبصار جَرَى على ما يقتضيه تمام
стр. 1808
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
الفصاحة من خفةِ أحدِ اللفظين مفردًا والآخر مجموعًا عند اقترانهما، فإن في انتظام الحروف والحركات والسكنات في تَنَقُّل اللسان سرًّا عجيبًا من فصاحة كلام القرآن المعبر عنها بالنظم، وكذلك نرى مواقعها في القرآن" (١).
واقتصر في سورة يونس (الآية ٣١) على تعليل ذلك بأن إفراد (السمع) لأنه مصدر دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس، وأما (الأبصار) فجيء به جمعًا؛ لأنه اسم فليس نصًّا في إفادة العموم لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم، وأنفى لاحتمال العهد ونحوه (٢)، وذكر عند تفسيره سورة السجدة (الآية ٩) أن إفراد (السمع) لأنه مصدر لا يُجْمَع، وجمع (الأبصار والأفئدة) باعتبار تعدد الناس (٣).
وقال في تعليل ذلك في سورة الملك (آية ٢٣) إن إفراد السمع لأن أصله مصدر، أي: جعل لكم حاسة السمع، وأما الإبصار فهو جمع بصر بمعنى العين (٤).
وهذه الملاحظ اللفظية غير كافية في الوقوف على هذا السر البياني الرائع والعجيب، يقول الدكتور عبد الفتاح لاشين: يقال في أسباب ذلك أن استقبال الأذن للمسموع لا خيار للإنسان فيه، فلا يمكن أن يمنع أذنه أن تسمع شيئًا وصل إليها، أو وقع عليها، أما العين فلها الخيار في ذلك لها أن ترى المنظر الذي أمامها فتحملق فيه، ولها أن تغمض فلا ترى مما أمامها شيئًا، بخلاف الأذن، فما صدر من صوت ووقع على الأذن فلا بد أن تسمعه، فإذا جاء إنسان وصرخ في جمع من الناس سمعه الناس جميعًا، فلا خيار للإنسان في قبول المسموع إذا كان المسموع في الجماعة واحدًا، إذن فالسمع واحد لكن الأبصار قد تتعد مرائيها، هذا يبصر ذلك، وذلك لا يبصر؛
стр. 1809
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
لأن هناك تحكم في العضو بحيث يرى أو لا يرى، أما السمع فلا خيار لأحد فيه، لذلك جاء (السمع) مفردًا دائمًا و (الإبصار) مجموعة دائمًا (١).
وأما إفراد (البصر) في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فذلك لأن الكلام عن المسؤولية الذاتية وهي مسؤولية الفرد، فكل إنسان مسؤول عن نفسه، وليس مسؤولًا عن إبصار غيره، ولهذا أفرد لفظ البصر هنا (٢).
وعرض الشيخ للاستفهام، وذكر أن الاستفهام يخرج من معناه الحقيقي إلى معانٍ جديدة متنوعة، وهذه المعاني التي خرج إليها الاستفهام قد تكون حقيقة وقد تكون مجازًا.
والظاهر أن الشيخ يرى أن المعاني المفادة من أحرف الاستفهام في جملها، هي معانٍ مجازية، وهي على التحديد من قبيل المجاز المرسل، ومثل هذه المسألة لم يطرقها مدونو البلاغة من مثل عبد القاهر والزمخشري -رحمهما الله- وإنما هي من صنيع أصحاب الحواشي والمتأخرين.
ونقف عند مثال واحد للشيخ ﵀، وهو ما ذكره الشيخ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [الماندة: ٩١]، ولابد من ذكر النص الذي قاله كاملًا حتى يحسن توضيح ما فيه، قال الشيخ: "الفاء تفريع عن قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية، فإن ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كافٍ في أنتهاء الناس عنهما فلَمْ يبق حاجة لإعادة نهيهم عنهما، ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعًا بهم إلى مقام الفَطِنِ الخبير، ولو كان بعد هذا البيان كلِّه نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبيِّ، ففي هذا الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حدَّ الإعجاز، ولذلك اختير الاستفهام بـ ﴿هَلْ﴾ التي أصل معناها
стр. 1810
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
(قد)، وكَثُر وقوعها في حيز الاستفهام، فاستغنوا بـ ﴿هَلْ﴾ عن ذكر الهمزة، فهي لاستفهام مُضَمَّنٍ تحقيقَ الإسنادِ المستفهَمِ عنه وهو ﴿أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾، دون الهمزة، إذ لم يقل: أتنتهون، بخلاف مقام قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وجعلت الجملة بعد ﴿هَلْ﴾ اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته، وأُريد معها معناه الكنائيُّ، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه ... ومن المعلوم للسامعين من أهل البلاغة أن الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجردًا عن الكناية" (١).
وكلامه هنا ينحصر في أمرين اثنين الأول منهما: هو استعمال ﴿هَلْ﴾ بدلًا من (الهمزة)، والثاني: هل وقع الاستفهام الحقيقي في القرآن الكريم، فأما الأمر الأول، فلا يبدو واضحًا تمام الوضوح هنا، والبلاغيون فعلًا يتساءلون عن سر وضع ﴿هَلْ﴾ مكان (الهمزة)، إذ من البيِّن لديهم أن الهمزة دخولها على الجملة الفعلية والاسمية سواء، وأما (هل) فيكاد دخولها يقتصر على الجمل الفعلية (٢)، وفي الآية توجد ﴿هَلْ﴾ وجملة اسمية، ومن المعلوم أيضًا أن الجملة الاسمية يؤتى بها لإفادة الثبوت والاستقرار والدوام من غير تقييد بزمن، وعلى هذا الكلام يمكننا أن نفهم السر البلاغي في الآية الكريمة على أنه أراد منهم فورية الانتهاء عن الخمر والميسر، ثم الثبات على ذلك وعدم الرجوع إليه مرة أخرى، ولا يمكن لهذا الملحظ أن يكون لو لم يؤت بـ ﴿هَلْ﴾ والجملة الاسمية (٣).
والأمر الثاني في هذه الآية والذي يجدر بنا أن نتوقف عنده هو وقوع الاستفهام الحقيقي في القرآن الكريم ولا شك أن عبارة الشيخ في هذا الموضع مفضية إلى
стр. 1811
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقوعه، وإن حاول إخراج الأمر إلى المعنى الكنائي، لكنه لم ينفِ المعنى الحقيقي، بدليل جعله المعنى الكنائي ليس أصلًا وإنما مضافًا إلى الحقيقة كما مر ذكره.
ومن الواضح جدًّا أن الاستفهام بمعناه الأصلي -الحقيقي- لا يقع في كلام رب العالمين لأن إحاطة علمه شاملة، ولكن قد يقع ذلك في القرآن حين يحكي مواقف أو يفصل مقاولات (١).
وقد عرض في تفسيره لأحرف العطف، وللحذف والذكر، والفصل والوصل، والفاصلة القرآنية والتفنن، ويعرف التفنن بقوله:
"ومن أساليبه -أي: القرآن- ما أُسميه بالتفنن وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبًا لثقل تكرير الكَلِم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن، عند بلغاء العربية، فهو في القرآن كثير، ثم الرجوع إلى المقصود، فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه ... وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المُنْتَقَلِ منه والمُنْتَقَلِ إليه في منتهى الرقة والبداعة بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله، وذلك التفنن مما يعين على استماع السامعين، ويدفع سآمة الإطالة عنهم، فإن من أغراض القرآن استكثار أزمان قراءته، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فقوله: (ما تيسر) يقتضي الاستكثار بقدر التَّيَسُّرِ وفي تناسب أقواله، وتفنن أغراضه مَجْلَبَةٌ لذلك التيسير وعونٌ على ذلك التكثير" (٢).
وهو ناحية لفظية بحتة كما ترى، وهذا الذي يقوله لا ينكره أحد، ولكن لما طبق ابن عاشور هذا الكلام على آيات القرآن تجده مثلًا يقول: إن الفرق بين أنزل
стр. 1812
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
إليه وأنزل عليه أن المعدّى بـ (إلى) يفيد الغاية، والمعدى بـ (على) يفيد التمكن والاستقرار، وإن القرآن يُختار فيه إحدى التعديتين تفننًا" (١). فأين هي بداعة الأسلوب بمثل هذا التعليل.
ومن ذلك ما ذكره في تقديم (هارون على موسى) في سورة طه وحدها من بين السور التي تحدثت عن قصة موسى وهارون ﵉ مع فرعون، ولعل هذا الموضع في سورة [طه: ٧٠]، كان تكأة لمثبتي السجع في القرآن الكريم (٢)، هذا الموضع لا يكاد يختلف فيه المتقدمون على أن سبب التقديم فيه إنما هو للرعي على الفاصلة (٣).
وقال ابن عاشور في تفسيره: "وتقديم هارون على موسى هنا، وتقديم موسى على هارون في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] لا دلالة فيه على تفضيل ولا غيره؛ لأن الواو العاطفة لا تفيد أكثر من مطلق الجمع في الحكم المعطوف فيه، فهم عرفوا الله بأنه ربُّ هذين الرجلين، فحُكِي كلامُهم بما يدل على ذلك، ألا ترى أنه حُكِي في سورة الأعراف قولُ السحرة: ﴿قَالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١)﴾ [الأعراف: ١٢١]، ولم يحك ذلك هنا؛ لأن حكاية الأخبار لا تقتضي الإحاطة بجميع المحكِيِّ، وإنما المقصود موضع العبرة في ذلك المقام بحسب الحاجة. ووجه تقديم هارون هنا الرعايةُ على الفاصلة، فالتقديم في الحكاية لا في المحكِيِّ ... ويجوز أيضًا أن يكون هذا من كلام السحرة وأنه وقع منهم قولان، قدموا هارون في أحدها باعتبار كبر سنه، وقدموا موسى في الثاني اعتبارًا بفضله" (٤).
стр. 1813
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وعلى كل حال فهذا القول الثاني الذي شفع به ابن عاشور القول الأول لا يغني في فتيل ولا قطمير، والأرجح في هذه الآية ما ذكره شيخ شيوخنا الدكتور فضل حسن عباس ﵀ في تفسيرها حيث قال سورة طه هي السورة الوحيدة التي حدثتنا عما حصل لموسى ﵇ من خوف، وكان حريًا به أن لا يكون منه ذلك، فهارون أولى به منه، لأنه لم يشاهد ما شاهده موسى، ولم يشرف بمناجاة الحق قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ [طه: ٦٧]، فكان حريًا به أن يكون رابط الجأش، ثابت الجنان، من أجل ذلك يلوح لي أن هارون ﵇ قُدِّم في هذه السورة، وهي قيمة قرآنية عظيمة حري بنا أن نقف عندها ونتدبرها، وهي تقدير كل عامل بعمله (١).
وإذ وقع الإغراب في تأويل هذه الآية بما سمعت قبلًا، فلا أعجب من احتفال السيد الحسناوي برأي ظنه راجحًا وهو قوله: إن هناك وجهًا بيانيًا بعيدًا، يصور الحال النفسية التي كان عليه السحرة، لما ظهرت معجزة موسى فألقوا سجدًا يتلعثمون بالشهادة كحال العبد الذي فرح بلقاء راحلته بعد ضياعها ... وذكر الحديث (٢).
وهذا التأويل غريب كل الغرابة، وهو يناقض الآيات بعد، التي ذكرت أن السحرة ثبتوا على إيمانهم مع تهديد فرعون لهم بالصلب فكيف يكون حال المتلعثم بالكلام لا يدري ما يقول؟ هل يثبت بإيمان يزلزل كيان فرعون أم حين يحس بالخطر يتراجع؟ !
ومما عرض له الشيخ ما سماه بمبتكرات القرآن الكريم، ويعني بها ما جاء في الألفاظ والأساليب التي لم تكن معهودة لدى العرب قبل نزوله، وقد عرض الشيخ لهذه المبتكرات في المقدمة العاشرة؛ ومن هذه المبتكرات: أنه جاء على أسلوب يخالف
стр. 1814
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
الشعر لا محالة، وأنه جاء بالجمل الدالة على معانٍ مفيدة محررة، ومنها أنه جاء على أسلوب التقسيم والتسوير، وجاء بأسلوب التمثيل وإيضاح الأمثال، ومنها أن القرآن الكريم لم يلتزم أسلوبًا واحدًا وغير ذلك.
وأما مسائل علم البيان، فقد أكثر منها في تفسيره.
وقد عرض الشيخ إلى الاستعارة التبعية في الحرف مبينًا معناها وموضحًا صورتها فقال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]: "واللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ لام التعليل وهي المعروفة عند النحاة بلام كي، وهي لام جارة مثل كي، وهي هنا متعلقة بـ ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾.
وحق لام كي أن تكون جارَّةً لمصدر منسبك من (أنْ) المقدرة بعد اللام ومن الفعل المنصوب بها، فذلك المصدر هو العلة الباعثة على صدور ذلك الفعل من فاعله. وقد استعملت في الآية استعمالًا واردًا على طريقة الاستعارة دون الحقيقة؛ لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكنهم التقطوه رأفةً به وحبًا له، لما أُلقي في نفوسهم من شفقة عليه، ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدوًا في الله، وموجبَ حزن لهم، شُبِّهَت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشأن العلة غالبًا، فاستعير لترتب العاقبة المشبهة الحرف الذي يدل على ترتب العلة تبعًا لاستعارة معنى الحرف إلى معنى آخرَ استعارةً تبعية، أي استعير الحرف تبعًا لاستعارة معناه؛ لأن الحروف بمعزل عن الاستعارة؛ لأن الحرف لا يقع موصوفًا، فالاستعارة تكون في معناه ثم تسري من المعنى إلى الحرف فلذلك سميت استعارة تبعية عند جمهور علماء المعاني خلافًا للسكاكي" (١).
ومن الاستعارة التصريحية وهي التي صرح فيها بلفظ المشبه به ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]، حيث قال:
стр. 1815
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
" فاستعير الذلول للأرض في تذليل الانتفاع بها مع صلابة خلقتها، تشبيهًا بالدابة المسوسة المرتاضة بعد الصعوبة على طريقة المصرحة" (١).
ومن الاستعارة المكنية وهي التي طُوِيَ فيها ذكر المشبه به ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، حيث قال: "إن القصر هنا ادعائي بتنزيل الإيمان الذي عُدِمَ الواجبات العظيمة منزلة العدم، وهو قصر مجازي لابتنائه على التشبيه، فهو استعارة مكنية، شبه الجانب المنفي في صيغة القصر بمن ليس بمؤمن. وطُوِيَ ذكرُ المشبه به ورُمِزَ إليه بذكر لازمه وهو حَصْرُ الإيمان فيمن اتصف بالصفات التي لم يتصف بها المشبه به، ويؤول هذا إلى معنى: إنما المؤمنون الكاملو الإيمان" (٢).
وهذا تحليل ظاهر عليه التكلف كما هو واضح، وليست هذه الاستعارة بلازمة هنا.
وقد يجد الباحث في أثناء هذا التفسير، بعضًا من الأمور اللغوية والبلاغية التي ذكر ابن عاشور أنه لم يسبق إليها، تجد الشيخ ينص على ذلك صراحة، وأحيانًا تجد الكلام ظاهرًا بدون تصريح. ومن الأمثلة على ذلك:
قال الشيخ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]: "هذا جواب الملائكة عن قول الله لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فالتقدير فقالوا على وزان قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾
стр. 1816
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
[البقرة: ٣٤]. وفُصِل الجواب ولم يُعطَف بالفاء أو الواو جريًا على طريقة مُتَّبعةٍ في القرآن في حكاية المحاورات هي طريقة عربية، قال زهير:
قيل لهم ألا اركبوا ألا تا ... قالوا جميعًا كلهم ألا فا (١)
أي فاركبوا ولم يقل فقالوا. وقال رؤبة بن العجاج:
قالتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمَى وإنْ ... كان فقيرًا مُعدمًا قالتْ وإنْ (٢)
وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير أفعال القول. فإن المحاورة تقتضي الإعادةَ في الغالب، فطردوا الباب، فحذفوا العاطف في الجميع، وهو كثير في التنزيل، وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكتة تقتضي مخالفة الاستعمال. وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر والأصل، وهذا مما لم أُسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي (٣).
قلت: وهذا الذي ذكره ابن عاشور أحد وجهين في مثل هذا الأسلوب، فأما الذي عليه جمهور المفسرين فهو أن هذا من قبيل الاستئناف البياني الناشئ عن سؤال مقدّر تقرره أساليب المحاورة في الكلام، وقد قرر الشيخ عبد القاهر الجرجاني هذا القول في كتابه الدلائل أحسن تقرير، فقال عليه الرحمة: "واعلم أن الذي تراه
стр. 1817
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
في التنزيل من لفظ (قال) مفصولًا غير معطوف، هذا هو التقدير فيه، والله أعلم.
أعني مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ ... ﴾ [الذاربات: ٢٤ - ٢٨]. جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال. فلما كان في العُرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم: "دخل قوم على فلان فقالوا كذا"، أن يقولوا: "فما قال هو؟ " ويقول المجيب: "قال كذا" أُخرج الكلام ذلك المُخْرَج، لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسُلِك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه ... وذلك، والله أعلم المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته كالذي يحبيء في قصة فرعون عليه اللعنة، وفي رد موسى ﵇ عليه كقوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ... ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] جاء ذلك كله -والله أعلم- على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين، فلما كان السامع منا إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ وقع في نفسه أن يقول: فما قال موسى له؟ أتى قوله: ﴿قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مأتى الجواب مبتدأ مفصولًا غير معطوف، وهكذا التقدير والتفسير أبدًا في كل ما جاء فيه لفظ ﴿قَال﴾ هذا المجيء وقد يكون الأمر في بعض ذلك أشد وضوحًا ... " (١).
وصحيح أن علماء المعاني لم يذكروا هذا النوع، لأنه غير موجود، والقصر الحقيقي المقيد هو نوع من القصر الإضافي، وليس مغايرًا كما ذهب إليه الشيخ، ولذلك فإن في تقسيم علماء المعاني للقصر من هذه الناحية بالقصر الحقيقي والقصر الإضافي غنية عن هذا.
стр. 1818
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
عناية الشيخ بالقضايا العقدية:
وابن عاشور أشعري المذهب، صرح هذا في تفسيره؛ ولذا فهو يرجح رأي الأشاعرة ويرد على خصومهم في أثناء تفسيره. ومن الأمثلة التي وردت في تفسيره عن ذلك قضية الإسلام والإيمان:
عرض الشيخ للفرق بين الإسلام والإيمان، وكون الإيمان يزيد وينقص في غير ما موضع من التفسير، ولعل أوسع هذه المواضع ما كان في الجزء الأول وذلك عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨] حيث قال: " ... ونفي الإيمان عنهم مع قولهم آمنا دليل صريح على أن مسمى الإيمان التصديقُ، وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذبًا فلا يكون ذلك النطق إيمانًا ... وقد اختلف علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو؟ وتطرقوا أيضًا إلى حقيقة الإسلام، ونحن نجمع متناثر المنقول عنهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في جملة مختصرة. وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال:
القول الأول: قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا: إن الإيمان هو التصديق لا مسمى له غير ذلك، وهو مسماه اللغوي فينبغي أن لا ينقل من معناه لأن الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بيَّنها الدين ...
القول الثاني: أن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين للإقرار بذلك الاعتقاد، ونسبه إلى أبي حنيفة، ونقل عن النووي نسبته إلى جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ونقل عن الفخر نسبته إلى الأشعري وبشر المريسي (١) ونقل عن الخفاجي بنسبته إلى محققي الأشاعرة، وذكر أن ابن العربي اختاره.
стр. 1819
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
ويرى ابن عاشور أنه لا فرق بين القولين؛ لأن أصحاب كل قول نظروا إلى جانب. فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى جانب الاعتداد، ولم يعتنوا بضبط عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم، وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن الاقتصار على الاعتقاد هل هو فيما بين المرء وبين ربه أو لابد من الإقرار؟ (١).
القول الثالث: قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالًا تقصر في الامتثال. وعزاه لطائفة من السلف وابن حزم من الظاهرية. وقال: وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث وبذلك أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها.
القول الرابع: قول الخوارج والمعتزلة: إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل، وبيَّن أنهم نحوا فيه منحى غير ما عند السلف، أنهم أرادوا أن الإيمان يتركب من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان وأخذ بعد ذلك في رد أقوالهم؟
القول الخامس: قول الكَرّامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف الاعتقادُ القولَ فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق، فأما إذا كان يعتقد خلافَ مقاله بطل إيمانه، وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان مَنْ نطق الشهادتين، وإن لم يشغل عقلَه باعتقاد مدلولهما، بل يكتفي منه بأنه لا يضمر خلاف مدلولهما، وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها.
هذه هي جوامع أقوال الفِرَق الإسلامية في مسمى الإيمان (٢).
стр. 1820
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وبعد ذلك قال الشيخ: وأنا أقول كلمة أربأ بها عن الانحياز إلى نصرة: وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم، وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام، وتعاقبت الأقوام بعد الأقوام، يعد نقصًا علميًّا لا ينبغي البقاء عليه، ولا أعرفني بعد هذا اليوم ملتفتًا إليه ... ثم ذكر رأيه وحاول أن يجمع بين الأقوال الخمسة ليجعلها ثلاثة وكلها مطولة وحاصلها:
أ- الإيمان والإسلام هما الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء وأهل الخير حدًّا لا يقبل تفاوتًا ولا تشككًا ... ولا يدّعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام فيكابر لغةً تتلى عليه، كيف وقد فسّره الرسول ﷺ لذلك الجالس عند ركبتيه (١).
فما الذين ادعوه إلا قوم قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا بالأمرين، وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنّة بأحد اللفظين. انتهى. وبهذا يجمع بين القول الأول والثاني.
٢ - إن حاصل معنى الإيمان حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، وحاصل معنى الإسلام إظهار المرء أنه أسلم لاتباع الدين ودعوة الرسول. انتهى -وبيَّن بعد ذلك موقع الأعمال فخلص إلى أن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة المقصد لا ينازع في هذين- أعني كونها في الدرجة الثانية وكونها مقصودة إلا مكابر. انتهى. وهذا يصير مع الأول قولان.
٣ - وعرض إلا استحقاق الثواب العقاب وأن المسلمين لا يخلو جلّهم من معصية لانعدام العصمة، وذكر أنه ينبغي التفريق بين مؤمن وقع بزلة المعصية وبين الكافر الذي لم يؤمن أصلًا، وبذلك يُجمع بين القول الرابع والخامس. انتهى (٢).
стр. 1821
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
هذا هو حاصل ما ذكره الشيخ في تعريف الإيمان والإسلام والفرق بينهما وهو لا يخلو من الجمع بين الأقوال المتخالفة، ولكني أرى أن لابن حجر قولًا ألخص من هذا وأغوص فقد قال عند حديث جبريل: والذي يظهر أن لكل منهما -الإيمان والإسلام- حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، حيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن (١).
وأما مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فيتحصل من مجموع ما ذكره الشيخ من تأويل قول السلف بأن الإيمان يزيد وينقص أن ذلك هو في عوارض الإيمان لا في أصله وحقيقته (٢).
وهذا مبني على أن الإيمان هو التصديق وأنه لا يتفاوت وعليه طائفة كبيرة من أهل العلم (٣).
وذهب النووي ﵀ إلى أن التصديق يتفاوت فقال:
стр. 1822
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها، قالوا وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون.
وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس ... (١).
ومن ذلك ما ذكره في إضافة الوجه إلى الله تعالى، فقد تعددت إضافة هذه اللفظة في غير ما موضع في القرآن الكريم وبعض هذه المواضع إنما المراد منها ما أريد به وجه الله تعالى، وإنما نريد الوقوف القليل عند قوله تعالى في موضعين:
الأول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
الثاني: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
قال الشيخ ابن عاشور في تفسير الآية الأولى: "والوجه مستعمل في معنى الذات والمعنى كل موجود هالك إلا الله تعالى" (٢).
стр. 1823
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقال الشيخ عند تفسير الموضع الثاني: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ذاته، فذكر الوجه هنا جاء على عرف كلام العرب، قال في الكشاف: والوجه يعبر به عن الجملة والذات انتهى.
وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعانٍ مختلفة منها ما هنا ومنها قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩].
وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي، وهو الجزء الذي في الرأس. وقد اصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه، وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجًا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري على قواعد علم المعاني فزال الخفاء، واندفع الجفاء وكلا الفريقين خيرة الحنفاء ... ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف بـ (ذو الجلال) أي العظمة. و (الإكرام) أي المنعم على عباده، وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام في عُرف اللغة، وإنما يضاف للإكرام اليد، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه. وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص، وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية، وصفات الجمال كالإحسان (١).
قلت: وهذا الكلام لا أعلم له مخالفًا عند متكلمي الأشاعرة إلا من نحا إلى عدم التأويل كالباقلاني والبيهقي (٢) وقد جاء في المواقف أن الأشعري والباقلاني نحيا به إلى المذهب الآخر، أي: فسراه بأنه الوجود (٣). ونكتفي هنا بإيراد ما ذكره الطبري وابن كثير.
стр. 1824
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
قال الطبري ﵀ في تفسير الآية الأولى: يقول الله تعالى ذكره ولا تعبد يا محمد مع معبودك الذي له عبادة كل شيء معبودًا آخر سواه وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كل شيء هالك إلا وجهه، واختلف في معنى قوله: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فقال بعضهم: معناه كل شيء هالك إلا هو، وقال آخرون: معنى ذلك إلا ما أُريد به وجهه، واستشهدوا لتأويلهم ذلك كذلك بقول الشاعر:
أستغفرُ اللهَ ذنبًا لستُ مُحصِيَهُ ... ربُّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ (١)
وذكر ابن كثير تفسير الوجه بالذات في هذين الموضعين هنا، وعزا القول الثاني المار ذكره عن الطبري إلى مجاهد والثوري، ثم قال: وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له (٢).
ونحا الطبري في تفسير آية الرحمن إلى عدم التفسير، غير أنه ذكر أن "ذو الجلال والإكرام" من نعت الوجه (٣) وأحال ابن كثير إلى الموضع السابق نقله عنه (٤) وقد ذكر الدكتور إسماعيل عبد العال في بحثه عن ابن كثير أن هذا الموضع هو من مواضع مخالفة ابن كثير لشيخه ابن تيمية في منحاه العقدي (٥).
عنايته بآيات الأحكام:
وابن عاشور مالكي المذهب، وذلك أن مذهب الإمام مالك هو المنتشر في الأوساط الرسمية والشعبية في المغرب العربي. وقد بيَّن في تفسيره بعض قواعد
стр. 1825
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
أصول الفقه، وعرض لآراء الأئمة الأربعة في كثير من قضايا الفقه، مع ذكره آراء الصحابة والتابعين، وكان يعرض لبيان الحكمة من التشريع.
والشيخ في عرضه لمذاهب الفقهاء، قد يرجح متبعًا الدليل، أو معللًا ولا يتعصب لمذهب المالكية. فمما رد فيه قول الإمام مالك ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، حيث قال بعد تفسيرها:
وقد اختلف الفقهاء في أن الصيد رخصة، أو صفة من صفات الذكاة. فالجمهور ألحقوه بالذكاة وهو الراجح. ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المجوسي. وقال مالك: هو رخصة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابي ولا المجوسي وتلا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وهو دليل ضعيف، لأنه وارد في غير بيان الصيد ولكن في حرمة الحرم. وخالفه أشهب وابن وهب من أصحابه، ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلا رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع (١).
وقد يرجح رأي الشافعي، فمن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، حيث قال: وحمل بعض علمائنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾ على معنى النهي عن قطع العمل المتقرب به إلى الله تعالى، وإطلاق الإبطال على القطع وعدم الإتمام يشبه أنه مجاز، أي: لا تتركوا العمل الصالح بعد الشروع فيه، فأخذوا منه أن النفل يجب بالشروع لأنه من الأعمال، وهو قول أبي حنيفة في النوافل مطلقًا، ونسب ابن العربي في الأحكام مثله إلى مالك. ومثله القرطبي وابن الفرس، ونقل الشيخ الجد في حاشيته على المحلي عن القرافي في شرح المحصول، ونقل حلولو في شرح جمع الجوامع عن القرافي في الذخيرة، أنَّ مالكًا قال بوجوب سبع نافل بالشروع وهي