[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
هذا هو حاصل ما ذكره الشيخ في تعريف الإيمان والإسلام والفرق بينهما وهو لا يخلو من الجمع بين الأقوال المتخالفة، ولكني أرى أن لابن حجر قولًا ألخص من هذا وأغوص فقد قال عند حديث جبريل: والذي يظهر أن لكل منهما -الإيمان والإسلام- حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، حيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن (١).
وأما مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فيتحصل من مجموع ما ذكره الشيخ من تأويل قول السلف بأن الإيمان يزيد وينقص أن ذلك هو في عوارض الإيمان لا في أصله وحقيقته (٢).
وهذا مبني على أن الإيمان هو التصديق وأنه لا يتفاوت وعليه طائفة كبيرة من أهل العلم (٣).
وذهب النووي ﵀ إلى أن التصديق يتفاوت فقال:
стр. 1822
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها، قالوا وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون.
وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس ... (١).
ومن ذلك ما ذكره في إضافة الوجه إلى الله تعالى، فقد تعددت إضافة هذه اللفظة في غير ما موضع في القرآن الكريم وبعض هذه المواضع إنما المراد منها ما أريد به وجه الله تعالى، وإنما نريد الوقوف القليل عند قوله تعالى في موضعين:
الأول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
الثاني: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
قال الشيخ ابن عاشور في تفسير الآية الأولى: "والوجه مستعمل في معنى الذات والمعنى كل موجود هالك إلا الله تعالى" (٢).
стр. 1823
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقال الشيخ عند تفسير الموضع الثاني: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ذاته، فذكر الوجه هنا جاء على عرف كلام العرب، قال في الكشاف: والوجه يعبر به عن الجملة والذات انتهى.
وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعانٍ مختلفة منها ما هنا ومنها قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩].
وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي، وهو الجزء الذي في الرأس. وقد اصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه، وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجًا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري على قواعد علم المعاني فزال الخفاء، واندفع الجفاء وكلا الفريقين خيرة الحنفاء ... ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف بـ (ذو الجلال) أي العظمة. و (الإكرام) أي المنعم على عباده، وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام في عُرف اللغة، وإنما يضاف للإكرام اليد، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه. وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص، وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية، وصفات الجمال كالإحسان (١).
قلت: وهذا الكلام لا أعلم له مخالفًا عند متكلمي الأشاعرة إلا من نحا إلى عدم التأويل كالباقلاني والبيهقي (٢) وقد جاء في المواقف أن الأشعري والباقلاني نحيا به إلى المذهب الآخر، أي: فسراه بأنه الوجود (٣). ونكتفي هنا بإيراد ما ذكره الطبري وابن كثير.
стр. 1824
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
قال الطبري ﵀ في تفسير الآية الأولى: يقول الله تعالى ذكره ولا تعبد يا محمد مع معبودك الذي له عبادة كل شيء معبودًا آخر سواه وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كل شيء هالك إلا وجهه، واختلف في معنى قوله: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فقال بعضهم: معناه كل شيء هالك إلا هو، وقال آخرون: معنى ذلك إلا ما أُريد به وجهه، واستشهدوا لتأويلهم ذلك كذلك بقول الشاعر:
أستغفرُ اللهَ ذنبًا لستُ مُحصِيَهُ ... ربُّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ (١)
وذكر ابن كثير تفسير الوجه بالذات في هذين الموضعين هنا، وعزا القول الثاني المار ذكره عن الطبري إلى مجاهد والثوري، ثم قال: وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له (٢).
ونحا الطبري في تفسير آية الرحمن إلى عدم التفسير، غير أنه ذكر أن "ذو الجلال والإكرام" من نعت الوجه (٣) وأحال ابن كثير إلى الموضع السابق نقله عنه (٤) وقد ذكر الدكتور إسماعيل عبد العال في بحثه عن ابن كثير أن هذا الموضع هو من مواضع مخالفة ابن كثير لشيخه ابن تيمية في منحاه العقدي (٥).
عنايته بآيات الأحكام:
وابن عاشور مالكي المذهب، وذلك أن مذهب الإمام مالك هو المنتشر في الأوساط الرسمية والشعبية في المغرب العربي. وقد بيَّن في تفسيره بعض قواعد
стр. 1825
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
أصول الفقه، وعرض لآراء الأئمة الأربعة في كثير من قضايا الفقه، مع ذكره آراء الصحابة والتابعين، وكان يعرض لبيان الحكمة من التشريع.
والشيخ في عرضه لمذاهب الفقهاء، قد يرجح متبعًا الدليل، أو معللًا ولا يتعصب لمذهب المالكية. فمما رد فيه قول الإمام مالك ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، حيث قال بعد تفسيرها:
وقد اختلف الفقهاء في أن الصيد رخصة، أو صفة من صفات الذكاة. فالجمهور ألحقوه بالذكاة وهو الراجح. ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المجوسي. وقال مالك: هو رخصة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابي ولا المجوسي وتلا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وهو دليل ضعيف، لأنه وارد في غير بيان الصيد ولكن في حرمة الحرم. وخالفه أشهب وابن وهب من أصحابه، ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلا رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع (١).
وقد يرجح رأي الشافعي، فمن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، حيث قال: وحمل بعض علمائنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾ على معنى النهي عن قطع العمل المتقرب به إلى الله تعالى، وإطلاق الإبطال على القطع وعدم الإتمام يشبه أنه مجاز، أي: لا تتركوا العمل الصالح بعد الشروع فيه، فأخذوا منه أن النفل يجب بالشروع لأنه من الأعمال، وهو قول أبي حنيفة في النوافل مطلقًا، ونسب ابن العربي في الأحكام مثله إلى مالك. ومثله القرطبي وابن الفرس، ونقل الشيخ الجد في حاشيته على المحلي عن القرافي في شرح المحصول، ونقل حلولو في شرح جمع الجوامع عن القرافي في الذخيرة، أنَّ مالكًا قال بوجوب سبع نافل بالشروع وهي
стр. 1826
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
الصلاة والصيام والحج والعمرة والاعتكاف والائتمام وطواف التطوع دون غيرها نحو الوضوء والصدقة والسفر للجهاد، وزاد حلولو إلحاق الضحية بالنوافل التي تجب بالشروع، ولم أقف على ما أخذ القرافي ذلك ولا على مأخذ حلولو في الأخير.
ولم يرَ الشافعي وجوبًا بالشروع في شيء من النوافل وهو الظاهر (١).
ومن أمثلة تنبيهه على قواعد الأصول واختلاف العلماء أحيانًا في تقرير تلك القواعد ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
حيث قال الشيخ: أخذوا منها أن أصل استعمال الأشياء فيما يراد له من أنواع الاستعال هو الإباحة حتى يدل دليل على عدمها؛ لأنه جعل ما في الأرض مخلوقًا لأجلنا وامتنَّ بذلك علينا، وبذلك قال الإمام الرازي والبيضاوي وصاحب الكشاف ونسب إلى المعتزلة وجماعة من الشافعية والحنفية منهم الكرخي (٢) ونسب إلى الشافعي، وذهب المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة في نقل ابن عرفة إلى أن الأصل في الأشياء الوقف ولم يروا الآية دليلًا (٣)، قال ابن العربي في أحكامه: "إنما ذكر الله تعالى هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقرير والإتقان بالعلم ... " إلخ.
والحق أن الآية مجملة قصد منها التنبيه على قدرة الخالق بخلق ما في الأرض وأنه خُلق لأجلنا، إلا أنَّ خلقه لأجلنا لا يستلزم إباحة استعماله في كل ما يقصد منه بل خُلق لنا في الجملة، على أن الامتنان يصدق إذا كان لكل من الناس بعض مما في العالم، بمعنى أن الآية ذكرت أن المجموع للمجموع لا كل واحد لكل واحد كما
стр. 1827
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
أشار إليه البيضاوي (١) لا سيما وقد خاطب الله بها قومًا كافرين منكرًا عليهم كفرهم فكيف يعلمون إباحة أو منعًا، وإنما محل الموعظة هو ما خلقه الله من الأشياء التي لم يزل الناس ينتفعون بها من وجوه متعددة. وذهب جماعة إلى أن أصل الأشياء الحظر، ونقل عن بعض أهل الحديث وبعض المعتزلة، فللمعتزلة الأقوال الثلاثة كما قال القرطبي. قال الحموي في شرح كتاب الأشباه لابن نجيم نقلًا عن الإمام الرازي: وإنما تظهر ثمرة المسألة في حكم الأشياء أيام الفترة قبل النبوة، أي فيما ارتكبه الناس من تناول الشهوات ونحوها، ولذلك كان الأصح أن الأمر موقوف، وأنه لا وصف للأشياء يترتب من أجلها عليه الثواب والعقاب. وعندي أن هذا لا يحتاج العلماء إلى فرضه لأن أهل الفترة لا شرع لهم وليس لأفعالهم أحكام إلا في وجوب التوحيد عند قوم. وأما بعد ورود الشرع فقد أغنى الشرع عن ذلك فإن وُجِدَ معنى لم يدل عليه دليل من نص أو قياس أو استدلال صحيح؛ فالصحيح أن أصل المضار التحريم والمنافع الحل، وهذا الذي اختاره الإمام في المحصول فتصير للمسألة ثمرة باعتبار هذا النوع من الحوادث في الإسلام (٢).
وقد خالف ابن عاشور جمهور العلماء في بعض القضايا الفقهية، من ذلك:
نكاح المتعة:
يرى ابن عاشور أنه يجوز رخصة لمسافر ونحوه من أحوال الضرورات، وهاك تفصيل كلامه، قال: ونكاح المتعة: هو الذي تعاقد الزوجان على أن تكون العصمة بينهما مؤجلة بزمان أو بحالة، فإذا انقضى ذلك الأجل ارتفعت العصمة، وهو نكاح قد أبيح في الإسلام لا محالة، ووقع النهيُ عنه يوم خبير أو يوم حنين على الأصح. والذين قالوا: حُرِّم يوم خبير، قالوا: ثم أبيح في غزوة الفتح، ثم نُهي عنه في
стр. 1828
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
اليوم الثالث من يوم الفتح، وقيل: نُهي عنه في حجة الوداع، قال أبو داود: وهو أصح. والذي استخلصناه أن الروايات فيها مضطربة اضطرابًا كبيرًا.
وقد اختلف العلماء في الأخير من شأنه: فذهب الجمهور إلى أن الأمر استقر على تحريمه، فمنهم من قال: نسخته آية المواريث؛ لأن فيها ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، فجعل للأزواج حظًّا من الميراث، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل: نسخها ما رواه مسلم عن سبرة الجهني أنه رأى رسول الله ﷺ مسندًا ظهره إلى الكعبة ثالث يوم من الفتح يقول: أيها الناس إني قد كنت أذنت في الاستمتاع من النساء وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة (١).
وانفراد سبرة في مثل ذلك اليوم مغمز في روايته. على أنه ثبت أن الناس استمتعوا. وعن علي بن أبي طالب وعمران بن الحصين، وابن عباس وجماعة من التابعين والصحابة أنهم قالوا بجوازه. قيل مطلقًا وهو قول الإمامية، وقيل: في حال الضرورة عند أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن.
وروي عن ابن عباس أنه قال: لولا عمر نهي عن المتعة ما زنَى إلا شفىً (٢).
وعن عمران بن حصين في الصحيح أنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله ﷺ . ثم قال رجل برأيه ما شاء، يعني عمر بن الخطاب حين نهى عنها في زمن خلافته بعد أن عملوا بها في معظم خلافته،
стр. 1829
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وكان ابن عباس يفتي بها فلما قال له سعيد بن جبير: أتدري ما صنعت بفتواك فقد سارت بها الركبان حتى قال القائل:
قد قلت للركب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
في بضة رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس (١)
أمسك عن الفتوى وقال: إنما أحللت مثل ما أحل الله الميتة والدم، يريد عند الضرورة.
واختلف العلماء في ثبات علي على إباحتها، وفي رجوعه. والذي عليه علماؤنا أنه رجع عن إباحتها، أما عمران بن حصين فثبت على الإباحة، وكذلك ابن عباس على الصحيح. وقال مالك: يفسخ نكاح المتعة قبل البناء وبعد البناء، وفسخه بغير طلاق، وقيل بطلاق ولا حدّ فيه على الصحيح من المذهب، وأرجح الأقوال أنها رخصة للمسافر ونحوه من أحوال الضرورات، ووجه مخالفتها للمقصد من النكاح ما فيها من التأجيل.
والذي يستخلص من مختلف الأخبار أن المتعة أذن فيها النبي ﷺ مرتين، ونهى عنها مرتين، والذي يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرر، ولكنه إناطة إباحتها بحال الاضطرار، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنه نسخ، وقد ثبت أن الناس استمتعوا في زمن أبي بكر وعمر ثم نهى عنها عمر في آخر خلافته. والذي استخلصناه في حكم نكاح المتعة أنه جائز عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدة العصمة. مثل الغربة في سفر أو غزو إذا لم تكن مع الرجل زوجه. ويشترط فيه ما يشترط في النكاح من صداق وإشهاد وولي حيث يشترط، وأنها تبين منه عند انتهاء الأجل، وأنها لا ميراث فيها بين الرجل والمرأة إذا مات أحدهما في مدة الاستمتاع، وأن عدتها حيضة واحدة، وأن الأولاد لاحقون بأبيهم المستمتع. وشذ
стр. 1830
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
النحاس فزعم أنه لا يلحق الولد بأبيه في نكاح المتعة. ونحن نرى أن هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة في نكاح المتعة، وليس سياقها سامحًا بذلك. ولكنها صالحة لاندراج المتعة في عموم (ما استمتعتم) فيُرجع في مشروعية نكاح المتعة إلى ما سمعت آنفًا (١).
هذا هو رأي الشيخ في هذا الأمر وهو متابعٌ فيه بعضًا ممن يرى جواز مثل هذا النكاح من علماء المالكية كما نص على ذلك الونشريسي، وأن ناكح المتعة لا يرجم؛ لأن نكاح المتعة ليس بحرام في رواية عن مالك (٢)، ونقل مثل ذلك الباجي في المنتقي (٣) غفير أن أبا بكر بن العربي شدد النكير على إباحته كما في كتابه الأحكام، وقال: إنه من غرائب الشريعة (٤).
ونقل الونشريسي عنه في القبس التشديد في ذلك أيضًا (٥) وذهب ابن عبد البر في الكافي إلى أنه نكاح باطل (٦).
ونقل الإمام النووي في المنهاج الإجماع على تحريم نكاح المتعة عن القاضي عياض (٧) ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح الإجماع على تحريم نكاح المتعة عن ابن المنذر والقاضي عياض وابن بطال (٨) وذهب القرطبي إلى تحريم هذا النكاح كما في تفسيره (٩) وذهب الكوثري إلى أن ما يُنسب إلى مالك في ذلك هو خطأ (١٠).
стр. 1831
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
بقي عندنا مسألتان، الأولى: رجوع ابن عباس عن فتواه تلك.
الثانية: حديث سبرة الجهني، فأما ابن عباس فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي: إن القول بإباحة المتعة لم يصح عنه (١).
وقال الحافظ في الفتح: وأما ابن عباس فروي عنه أنه أباحها وروي عنه أنه رجع عن ذلك، قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح (٢). وقال الكوثري: وقد صح رجوع ابن عباس ﵁ إلى قول الجماعة بعد أن حدثه علي كرم الله وجهه بحديث التحريم (٣)، وقال الشيخ رشيد ﵀ في شأن فتوى ابن عباس ما نصه: ... فالإنصاف أن مجموع الروايات تدل على إصرار ابن عباس ﵁ على فتواه بالمتعة لكن على سبيل الضرورة، وهو اجتهاد منه معارض بالنصوص، ويقابله اجتهاد السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين (٤).
وأما قول ابن عاشور بشأن حديث سبرة أن انفراده بروايته مغمز إذ هو مما تتوافر الدواعي على نقله، فنقول: لو صح حصر السنّة والاطلاع على جميعها وأن سبرة هو منفرد بالرواية في الواقع ونفس الأمر لكان الاعتراض سائغًا ومقبولًا، ولكن أين لنا هذا، وكثير من دواوين السنّة لم يطبع، وليس يصح الادعاء بأن ما جاوز الصحيحين ينظر فيه، فإن الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين كثيرة جدًّا، وعلى هذا نقول: إن رد الرواية لانفراد الراوي بها إذا كان غير مجروح ليس من مذهب أهل السنّة ولا من أصول أهل الحق (٥).
стр. 1832
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وبعد فإن فتح باب الجواز لنكاح المتعة لا شك هو فتح باب شر عظيم على المسلمين وأمة الإسلام، ولا شك أنه بعد أن وقع الإجماع أو كاد يتم على حرمة هذا النكاح، فلا مجال للالتفات لقول ابن عاشور، ولا لقول غيره من الشواذ إذا قيس بالسواد الأعظم من أجلة علماء الأمة، والله أعلم.
نكاح الربيبة:
قال الشيخ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وظاهر الآية أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في كفالته؛ لأن قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وصف والأصل فيه إرادة التقييد كما أريد من قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فظاهر هذا أنها لو كانت بعيدة عن حضانته لم تحرم. ونسب الأخذ بهذا الظاهر إلى علي بن أبي طالب، رواه ابن عطية، وأنكر ابن المنذر والطحاوي صحة سند النقل عن علي، وقال ابن العربي: إنه نقل باطل، وجزم ابن حزم في المحلى بصحة نسبة ذلك إلى علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، وقال بذلك الظاهرية، وكأنهم نظروا إلى علة تحريمها مركبة من كونها ربيبة، وما حدث من الوقار بينها وبين حاجرها إذا كانت في حجره، وأما جمهور أهل العلم، فجعلوا هذا الوصف بيانًا للواقع خارجًا مخرج الغالب، وجعلوا الربيبة حرامًا على زوج أمها، ولو لم تكن هي في حجره، وكأن الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علة تحريم المحرمات بالصهر ... وعندي أن الأظهر أن يكون الوصف هنا خرج مخرج التعليل أي: لأنهن في حجوركم، وهو تعليل بالمظنة، فلا يقتضي اطراد العلة في جميع مواقع الحكم. انتهى (١).
ورأيه هذا موافق لرأي الظاهرية كما هو ظاهر، وهذا الذي نحاه الشيخ هو من شذوذ بعض المتقدمين كما نص على ذلك القرطبي، وأن الفقهاء اتفقوا على أن
стр. 1833
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
الربيبة تحرم سواء أكانت في حجره أم ليست كذلك (١) ورأي الجمهور هو الذي لا ينبغي القول بخلافه، ويفهم من كلام ابن حجر في الفتح وقوع تحريم نكاح الربيبة بإطلاق (٢) والله أعلم.
هذا ما يسره الله تعالى في بيان منهج الشيخ ابن عاشور، والله الموفق، والله الهادي إلى سواء السبيل، وجزى الله الدكتور جمال أبو حسان، الذي كتب ما جاء هنا ضمن جزءين في منهج الشيخ ابن عاشور، أقول: جزاه الله خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 1834
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة (ت ١٩٧٤ م) في زهرة التفاسير
стр. 1835
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
زهرة التفاسير
حينما أكتب عن العلامة أبي زهرة، بل حينما أذكره ينهمر الدمع من عيني وأنا والحمد لله من المؤمنين بقدر الله ﵎، وبقول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، لكنني حينما أذكر الشيخ، وأتصور هذا الجمّ الغفير ممن ينتسبون إلى العلم، قد يكون بعضهم -وهم قليل- ممن يساوونه علمًا أو يزيدون عليه، لكن العلم الحق لا بد له من دعائم ترتفع به، ويرتفع بها، حينما أذكر الشيخ وأتصور غيره -وهم كثير- أشعر عند ذكر الشيخ والحديث عنه، أو الكتابة عن آثاره، أنني أمام روضة غنّاء، تحيط بها فيافي مقفرة. ولقد كثر المحبون فكتبوا عنه ما يستحق أكثر مما كتبوا، لكنني أود أن أذكر حادثتين قلّ من يعرفهما ولم يكتبهما أحد من الناس.
الحادثة الأولى: في منتصف الستينات، وبعد أن أُعدِم الأستاذ سيد قطب، -نرجو أن يكون له منزلة الشهداء- كان الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة-﵀ يناقش رسالة دكتوراه لأحد الطلاب، وفي أثناء المناقشة كانت قضية من القضايا استدعت ذكر الشيخ حسن البنا -رحمه الله تعالى- وذكر الأستاذ سيد قطب، والقاعة ممتلئة مزدحمة بجموع الناس، وكان ذكر هذين يكاد يكون محرّمًا، بل قد يجاهر المتعاطون للمخدرات بما يريدون بلا حرج، ولكن الذي كان من الشيخ، كان له أثر في نفوس الحاضرين، وكانوا يتصورون أن ذلك لا يمكن أن يحدث؛ لأنهم يعرفون الظرف الذي كان يسود في تلك الأيام ... وإذ بالشيخ أبي زهرة ﵀، يقول بصوت مرتفع جهوري: "هذا ما قاله الشيخ حسن البنا ﵁ هكذا شددها ورفع صوته بها، "وهذا ما أشار إليه صاحب الظلال سيد قطب -رحمه الله تعالى-" وكانت الأطروحة في تفسير القرآن الكريم.
تلكم الحادثة تظهر منها جراءة الشيخ في الحق، وصلابته في قول ما يعتقده وما نظنّ، بل نوقن أن أحدًا غير الشيخ لن يستطيع أن يقول ما قاله الشيخ، تلكم هي الجرأة والشجاعة في الحق.
стр. 1836
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
أما الحادثة الثانية: فلقد حدثني -وهو صادق- الدكتور علي الجفال ﵀ وكان يحمل جنسية دولة الإمارات، قال: حينما جاء الشيخ محمد أبو زهرة زائرًا لدولة الإمارات: ذهبت بمعيته إلى ديوان الشيخ زايد، وقبل أن نودع رئيس الدولة أراد سمو الشيخ زايد أن يكرم الشيخ ﵀ بأن يقدم له مبلغًا كبيرًا من المال، وقد كان الشيخ زايد ﵀ سخيًا في عطائه، قال لي الدكتور علي الجفال: أتعرف ما الذي حدث؟ قلت: لا، قال: لقد اعتذر الشيخ اعتذارًا فيه كل الذوق والأدب، وقال للشيخ زايد: يا سمو الشيخ، جوزيت خيرًا، أما أنا فلست بحاجة إلى المال، وما مددت يدي لأحد، لقد منّ الله عليّ فبنيت مسجدًا، أرجو من الله المثوبة والأجر. وتنهد مخاطبي، وبكيت، وتساءلت: أليس هذا الشيخ ﵀ يذكرنا بأولئك الصفوة المختارة من أئمتنا، حينما كانوا يجلسون مع الخلفاء والأمراء ... وأين نجد مثل الشيخ؟ !
وإذا كانت الحادثة الأولى تدل على الصلابة والجرأة في الحق، فإن هذه تدل على العفة والعزة، وهل هناك سياج للعلم وأهله خير من الصلابة في الحق والعفة، وخير من الجرأة والعزة، رحم الله الشيخ محمدًا أبا زهرة وجزاه خير ما يجزي العلماء العاملين.
تعريف بالشيخ محمد أبو زهرة:
هذا التعريف مأخوذ أساسًا مما كتبه فضيلته بنفسه بناءً على طلب أحد طلاب العلم من باكستان متقدمًا برسالة لنيل درجة الدكتوراه عن الإمام أبو زهرة (١).
وُلد الإمام محمد أحمد مصطفى أبو زهرة في مارس (آذار) سنة ١٨٩٨ م في مدينة المحلة الكبرى إحدى مدن محافظة الغربية.
حفظ القرآن الكريم في صدر حياته في الكُتّاب، إذ هو من أسرة دينية تنتسب إلى ولي من أولياء الله هو الشيخ مصطفى أبو زهرة الشهير بالششتاوي الذي يزار
стр. 1837
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
ضريحه بمسجده ببلدة شيشتا في مدينة المحلة الكبرى، ووالده هو الشيخ أحمد مصطفى أبو زهرة مشهور بالصلاح والالتزام بالدين الحنيف ومكارم الأخلاق، ووالدته حافظة للقرآن الكريم، وكانت تراجع معه ما حفظ قبل الذهاب إلى الشيخ في الكتاب، وتميز عن إخوته وأخواته بحفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز التاسعة من العمر، ولأنه كان ذا حافظة قوية، سريع البديهة فلم ينل من قسوة أستاذه بالكُتّاب إلا قليلًا.
كانت الأسرة من متوسطي الحال، يظنها الناس من الأثرياء اشتهرت بالعلم والذكاء، وقد نبغ منها شقيقه الأستاذ الدكتور مصطفى أحمد أبو زهرة منشئ ورئيس قسم هندسة الطيران بكلية الهندسة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) وأيضًا الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة لندن بإنكلترا.
بعد حفظ القرآن الكريم تعلم مبادئ العلوم المدنية كالرياضيات، التي كان شديد الولع بها، والجغرافية والفلسفة مع العلوم العربية.
التحق في سنة ١٩١٣ م بالجامع الأحمدي بطنطا ومكث فيه ثلاث سنين، وفي هذه الفترة ابتدأ نبوغه وتفوقه يظهر، حتى إن شيخ الجامع وهو الشيخ الأحمدي الظواهري الذي صار شيخًا للأزهر، اقترح أن يمنح مكافآت خاصة لامتيازه، كما اقترح بألا يمكث في طلب العلم الأزهري خمسة عشر عامًا، كما كانت المدة المقررة، بل إن مثله يصح أن يتجاوز سنين عدة في سنة واحدة، ولم يتم تنفيذ هذا القرار لصعوبته قانونيًا، ولانتقاله إلى مدرسة القضاء الشرعي.
التحق في سنة ١٩١٦ بمدرسة القضاء الشرعي بعد امتحان مسابقة كان فيها من الأوائل. وتكوينه العلمي الحقيقي كان في هذه المدرسة التي أنشأها سعد باشا زغلول في وزارة المعارف على أن تكون عالميتها من درجة أستاذ، وعهد بإدارتها إلى رجل عظيم هو عاطف باشا بركات. ومن وقت أن دخل المدرسة كان ينظر إليه ناظرها عاطف باشا بركات نظرة اهتمام وتشجيع، وقد مكث فيها تسع سنين، أربعة
стр. 1838
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
في القسم الثانوي وخمسة في القسم العالي، وفيها اتسعت آفاقه الفكرية، ولما تخرج منها ونال شهادة العالمية من درجة أستاذ عام ١٩٢٥ كون لنفسه منهجًا فكريًا في فهم الشريعة وتفسيرها، وكلما تعمق فيها ازداد إيمانًا بها.
في ذلك الحين كان قيام ثورة ١٩١٩، فوقف على الكثير من دقائق أحداثها ووقائعها، وأحب سعد باشا زغلول وتعلق به وكان حريصًا على حفظ خطبه وترديدها.
أخذ دبلوم دار العلوم من الخارج سنة ١٩٢٧ وفي هذه السنة عُيِّن مدرِّسًا للشريعة واللغة العربية بتجهيزية دار العلوم والقضاء الشرعي لمدة ثلاث سنين ثم انتقل بعد ذلك إلى التدريس في المدارس الثانوية العامة لمدة سنتين ونصف.
انتقل في أول يناير سنة ١٩٣٣ م إلى كلية أصول الدين مدرسًا للجدل والخطابة فيها ثم تاريخ الديانات والملل والنِّحَل، وفيها أخرج أول مؤلفاته كتاب "الخطابة" وكتاب "تاريخ الجدل" ثم كتاب "تاريخ الديانات القديمة" ثم كتاب "محاضرات في النصرانية" الذي ترجم إلى عدة لغات.
في ٢ نوفمبر ١٩٣٤ نقل مدرسًا للخطابة بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) مع بقائه بالانتداب في كلية أصول الدين التي استمر بها إلى يونيو (حزيران) سنة ١٩٤٢ وارتدى الزي الأزهري.
في سبتمبر سنة ١٩٣٥ انتقل من تدريس اللغة العربية إلى تدريس الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) متدرجًا في مراتبها من مدرِّس إلى أستاذ مساعد إلى أستاذ كرسي إلى رئيس قسم الشريعة ووكيلًا لكلية الحقوق جامعة القاهرة لمدة خمس سنوات انتهت ببلوغه سن التقاعد سنة ١٩٥٨ واستمر في التدريس بكلية الحقوق كأستاذ غير متفرغ وفي غيرها حتى توفاه الله عام ١٩٧٤.
وقد تولى التدريس في كلية المعاملات والإدارة بجامعة الأزهر سنة ١٩٦٣ وكذلك معهد الخدمة الاجتماعية وغيره من المعاهد.
стр. 1839
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقد اشترك في إنشاء وتولي التدريس ورئيسًا لقسمِ الشريعة الإسلامية بمعهد الدراسات الإسلامية ومعهد الدراسات العربية العالي التابع لجامعة الدول العربية. واشترك في إنشاء جميعة الدراسات الإسلامية.
اختير عضوًا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في سنة ١٩٦١ ومقررًا للجنة بحوث القرآن ولجنة المتابعة ولجنة السنّة المطهرة وشيخًا في لجان التقنين للمذهبين الحنفي والشافعي.
كان أيضًا عضوًا بمجلس جامعة الأزهر، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومعهد البحوث الجنائية والاجتماعية، والمجلس الأعلى للفنون والآداب، ومجلس محافظة القاهرة.
صفاته- سعة علمه ومبدؤه:
كان ﵀، أبيض اللون، جهير الصوت، شديد الذكاء، سريع البديهة، منظمًا وحر الفكر، راجح العقل، شديد الإيمان بما يقول، مستقل الرأي لا يخشى في قول الحق لومة لائم، ويمزج في محاضراته العلم الجاد الوقور بالدعابة الحلوة الخفيفة.
كان ﵀ عالِمًا متبحرًا في الفقه وأصوله وفي علوم القرآن وتفسيره، وخطيبًا مفوهًا، وأصوليًا متعمقًا، ومجتهدًا يقرع الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق لا يشق له غبار، يسعى دائمًا لتقديم الجديد والفريد للمكتبة العربية والإسلامية رافضًا أن تكون كتاباته تردادًا لأقوال الآخرين، لما عرف عنه من اعتزازه بنفسه وبغضه لسيطرة الآخرين بغير حق.
كان ﵀ يعيش للمبادئ ويكافح من أجلها، يناضل لعقيدة يحيا فيها ويعيش لها، يعلن رأيه ويجمع الناس عليه، فقد كان فقيهًا في مقدمة الفقهاء، ورائدًا تقدم القافلة، وقد تشابهت أمامها السبل المتباينة. وقد عرض عليه البقاء والعمل بالخارج فقال: "إن وجودي في مصر هنا يؤدي واجبًا أرى أنه أصبح بالنسبة لي أشبه
стр. 1840
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
بفرض العين؛ فأنا على ثغر من ثغور الإسلام يتأثر بها أي بلد عربي وأي بلد إسلامي، فمصر هي العقل وهي القلب وهي الأزهر". فكان ﵀ بحرًا زاخرًا، وفيضًا فياضًا، ورائدًا عاش حياته حاملًا اللواء يمزج بين العلم والشجاعة، ومن هنا كثر رواده وعظم قصاده. وقيمة العالم بما خَرَّج من تلامذة علماء أوفياء في جميع أنحاء العالم وبما أثرى المكتبة العربية والإسلامية من مراجع علمية (١).
المؤلفات والبحوث:
بجانب أشهر المؤلفات والموسوعات الإسلامية التي تزيد عن الأربعين فقد كانت له الكثير من البحوث في العديد من المجلات العلمية والاجتماعية: مجلة القانون والاقتصاد، ومجلة المسلمون، ومجلة حضارة الإسلام، ومجلة القانون الدولي، وكتاب أسبوع الفقه الإسلامي، وكتاب أسبوع القانون والعلوم السياسية، ومجلة الأزهر، ومجلة العربي والعديد من المجلات بمختلف الدول العربية. وكذلك عدد لا يحصي من الأحاديث الصحفية كان يرد بها على المهاجمين للإسلام وللدفاع عن قوانين الأحوال الشخصية.
أما في مجلة لواء الإسلام الشهيرة لصاحبها أحمد باشا حمزة فكان للإمام أبو زهرة أربعة أبواب ثابتة هي: تفسير القرآن الكريم، ومقال اجتماعي، وندوة لواء الإسلام، وباب الفتاوى للرد على أسئلة القراء. هذا على مدى ما يقرب من الأربعين عامًا فيما لا يقل عن أربعة آلاف صحيفة.
كان لفضيلة الإمام نشاط واسع في محاضرات وندوات عامة في مختلف الجمعيات الاجتماعية والإسلامية العامة والخاصة داخل مصر وخارجها. لفضيلة الإمام العديد من الأبحاث ألقيت في المؤتمرات والندوات الدولية التي حضرها
стр. 1841
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
مثل: حلقة الدراسات الاجتماعية التي انعقدت في دمشق ١٩٥٢ - مؤتمر الندوة الإسلامية الذي عقد في لاهور (باكستان) في الفترة من ٢٩/ ١٩٥٧/١٢ إلى ١٣/ ١٩٥٨/١ - مؤتمر الخبراء الاجتماعيين الذين انعقد عدة مرات بالقاهرة وانعقد بالكويت عام ١٩٥٨ - مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالجزائر عام ١٩٦٩ ثم بالمغرب عام ١٩٧١ ثم بالقاهرة عام ١٩٧٣.
هذا بخلاف المحاضرات والندوات خلال زيارات فضيلة الإمام لدول السودان، والكويت، وليبيا، والجزائر، وسوريا، وغيرها.
قام العديد من الباحثين بعمل رسائل ماجستير ودكتوراه عن الإمام محمد أبو زهرة في باكستان والهند وسائر البلاد الإسلامية كما ترجمت له العديد من المؤلفات.
أشهر مؤلفاته وكتبه:
١ - الخطابة.
٢ - تاريخ الجدل.
٣ - تاريخ الديانات القديمة.
٤ - محاضرات في النصرانية.
٥ - محاضرات في الوقف.
٦ - محاضرات في عقد الزواج وآثاره، مقارنة بين المذاهب الفقهية والقوانين العربية.
٧ - أصول الفقه.
٨ - أحكام التركات والمواريث.
٩ - الجريمة في الفقه الإسلامي.
١٠ - العقوبة في الفقه الإسلامي.
١١ - الميراث عند الجعفرية.
١٢ - أصول الفقه الجعفري.
١٣ - الأحوال الشخصية.
стр. 1842
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
١٤ - الإمام زيد: حياته عصره- آراؤه وفقهه.
١٥ - الإمام الصادق: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.
١٦ - الإمام أبو حنيفة: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.
١٧ - الإمام مالك: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.
١٨ - الإمام الشافعي: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.
١٩ - الإمام أحمد بن حنبل: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.
٢٠ - الإمام ابن حزم الأندلسي: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.
٢١ - الإمام ابن تيمية حياته وعصره- آراؤه وفقهه.
٢٢ - تاريخ المذاهب الإسلامية جزءان في مجلد واحد.
٢٣ - المعجزة الكبرى (القرآن).
٢٤ - خاتم النبيين- ثلاثة أجزاء في ثلاثة مجلدات.
٢٥ - الملكية ونظرية العقد.
٢٦ - شرح قانون الوصية.
٢٧ - الدعوة للإسلام.
٢٨ - الولاية على النفس.
٢٩ - العقيدة الإسلامية.
٣٠ - المجتمع الإنساني في ظل الإسلام.
٣١ - التكافل الاجتماعي في الإسلام.
٣٢ - العلاقات الدولية في ظل الإسلام.
٣٣ - تنظيم الإسلام للمجتمع.
٣٤ - تنظيم الأسرة وتنظيم النسل.
٣٥ - بحوث في الربا.
٣٦ - الوحدة الإسلامية.
٣٧ - نظرية الحرب في الإسلام.
стр. 1843
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
٣٨ - مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني.
٣٩ - بحث في قانون الأسرة -نشر بكتاب عن الفقه الإسلامي بنشرة معهد واشنطن للقوانين الدولية.
٤٠ - بحث في السياسة الإسلامية- نشر في مجلة القانون الدولي المصرية.
٤١ - نظرات في العبادات الإسلامية.
٤٢ - تفسير القرآن الكريم (زهرة التفاسير) حتى الآية ٧٣ من سورة النمل.
وفاته:
عقد الإمام محمد أبو زهرة في أواخر عام ١٩٧٣ وأوائل عام ١٩٧٤ العديد من الندوات والاجتماعات بجامعة القاهرة والإسكندرية وفي جمعية الشبان المسلمين لمحاربة التعدي على الشريعة الإسلامية، وكانت له صولات وجولات في مجمع البحوث الإسلامية والأزهر بخصوص تحديد النسل وتقييد تعدد الزوجات والطلاق في مشروع قانون الأحوال الشخصية لوزارة الشؤون الاجتماعية، وقرر فضيلة الإمام ﵀ إقامة مؤتمر شعبي لمناقشة هذا الأمر في سرادق كبير في شارع العزيز بالله أمام منزله بضاحية الزيتون، أقامه الإمام ﵀ على نفقته الخاصة وقام فضيلته بمعاينة المكان وإنشاء السرادق مبكرًا في صباح يوم الجمعة ١٢/ ٤/ ١٩٧٤ ثم عاد إلى حجرة المكتب بالدور العلوي وشرع في إكمال تفسير سورة النمل حتى أذان الظهر، وأثناء نزول فضيلته حاملًا القلم والمصحف مفتوحًا على آخر ما وصل إليه في التفسير وأيضًا الورق الذي به ما كتب من التفسير، تعثر رحمة الله عليه وسقط ساجدًا على المصحف وعلى أوراق التفسير، ثم فاضت روحه الكريمة إلى بارئها أثناء أذان المغرب. وهكذا شاءت إرادة الله العظيم أن يكون هذا السرادق الذي أشرف فضيلته على إقامته لمؤتمر شعبي هو سرادق العزاء للإمام.
رضي الله عن شيخ مشايخ عصره، الإمام محمد أبو زهرة وأرضاه، وأسكنه فسيح جناته وأجمل فرادسيه وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا.
стр. 1844
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
المنهاج الذي اتبعه الشيخ:
نحن ممن يتبعون إلى حدٍّ ما؛ ما كان يقوله الأستاذ العظيم العبقري عاطف بركات في أن القرآن كتاب مبين لا يحتاج إلى تفسير، فإنه لا إبهام فيه يحتاج إلى توضيح، وكل من يحاول توضيحه لا يصل إليه، فمن ذا الذي يصل إلى آفاقه، وممن كتب في تفسيره من الماضين، من حجب معانيه بكثرة الأقوال المتعارضة والآراء المتباينة، حتى أثار غبارًا حجب عن الباحث نوره.
ولكن القرآن الكريم فيه فقه هذا الدين، وفيه خبر من مضى، وعلم الآخرين، وفيه علم الكون والوجود الإنساني، وفيه توجيه إلى مناحي الحياة، وفيه القصص الحكيم، وفيه أسماء الأماكن وإشارات إلى وقائع، وفي الجملة فيه الكون والإنسان، وهو فوق ذلك حمَّال للمعاني السليمة، وفيه علوم الدولة والآحاد، فلا بد من أن يتصدى لذلك أهل الخبرة في العلوم، والفقه، واللغة والبيان، وإن كانوا لا يبلغون الغاية، ولا ينالون مما يبغون الكفاية.
فلا بد أن يكون للقرآن تفسير تتولاه جماعة علمية، من أولى العَصَبة من العلماء، ولكن لا نجد التعاون العلمي الجماعي، في الحاضر، وقد حاولناه مع غيرنا، ولم نجد ذلك التعاون في الماضي، وإن وجدنا مخلصين لله وكتابه، مستبحرين في علوم الآثار واللغة، ويا حبذا لو أن هؤلاء اجتمعت آراؤهم، وأضيف إليها ما يراه علماء الكون في آيات الله الكونية، على ألا نطوع القرآن لنظرية مفروضة، ولا أن نرهق ألفاظه لتحتمل نظرية لم يتحقق صدقها، ولكن ليستعان به لتأييدها، لا كأولئك الذين يرون صحة الفروض التي تقول بالنشوء والارتقاء ويريدون أن يؤيدوها من القرآن، أو يحملوا ألفاظ القرآن لها ليروجوها!
اتجهنا إلى كتابة معاني القرآن، كما ظهرت لنا، وكما أدركت عقولنا، وكما بلغته طاقتنا، غفير محمِّلين وضعًا ما لا يحتمل، أو نطوعه لتفكير سيق إلينا، ولسنا منكرين
стр. 1845
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
لما بذله العلماء الذين خصوا معاني القرآن بأكبر عناية، بل إننا نجد فيما كتبوا أو نقل عنهم ذخيرتنا التي ندَّرع بها غير مفتاتين عليهم في قول، ولا متهجمين عليهم في رأي، ومنهم من قام على الحق البين، أو يستمد قوته من أثر عن النبي محمد ﷺ ، ولا يتجافى عن النص القرآني في ظاهره ونصه، فإن جافاه حذفناه، ونظرُنا في ذلك هو نظر شيخ الفقهاء أبي حنيفة النعمان فهو لا يقدم أثرًا على نص قرآني ظاهر الدلالة أو هو نص فيه.
ولا نتهجم بذلك على حديث لرسول الله ﷺ ، فهو الحكمة كلها كما قال ذلك الإمام الشافعي، فقد فسر الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [البقرة: ١٥١] بأن الحكمة هي سُنّة رسول الله ﷺ فإذا رددنا منها ما يخالف القرآن فنحن نرد ما يجعلها فوق القرآن، وبالأحرى يكون ذلك تمحيصًا للسنّة، وتبيينًا لصحيحها من سقيمها، إن عبارات القرآن التي هي نص في دلالتها، ومعانيها، فيها تنزيه لرسالة محمد ﷺ ، وتنزيه للبعث المحمدي، فإنما ندفع الريب عن الرسول ﷺ ، ولا نتهجم عليه ولا على حكمته، كتلك الآثار التي توهم أن النبي ﷺ سُحِرَ، وكتلك الأخبار الكاذبة التي تقول إن محمدًا ﷺ قال عن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. إنا نرد هذا وأشباهه تنزيهًا للرسالة المحمدية الإلهية، مهما يكن راويها من الثقة، ونعدها عليه، وليس بمنزه عن الخطأ والنسيان، ودخول الغلط عليه، وأخشى أن أقول إن من يعتقد ذلك يكون كأهل الجاهلية الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾ [الإسراء: ٤٧]، فليبحثوا عن موقفهم كمسلمين مؤمنين، وذلك لأنهم آثروا راويًا على القرآن وعلى الرسالة المحمدية كلها، إذ جعلوا الشك يرِد على بيانها، ولا حول ولا قولة إلا بالله.
وإذا كنا قد رددنا بعض ما ينسب لرسول ﷺ فنحن نعد المفسر الأول للقرآن هو الرسول ﷺ ، فهو المفسر لأحكامه المبين لحقائقه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
стр. 1846
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]، ولا نتصور أن نجد بيانًا يفوق بيان النبي ﷺ ؛ لأنه يفصل مجمله، ويبين ما يعلو على مدارك الناس، وإن كان في ذاته مبينًا، ولا يصح أن نفتات على الإسلام فنرد قولًا صح عن رسول الله محمد ﷺ ما دام القرآن يتسع لمدلوله، ولا نقدم عليه احتمالًا آخر مهما تكن مكانة قائله من الفقه البيان، فإنه مهما يكن لا يناهد مقامه مقام مبلِّغ الرسالة في الأحكام، ولا مقامه في البيان، وإدراك معاني القرآن؛ ولذا نعد السنّة النبوية هي المفسر الأول".
الشيخ -إذن- يرجع في تفسير القرآن الكريم إلى صحيح ما ورد عن رسول الله ﷺ .
ثانيًا: ويلي ذلك تفسير الصحابة الذي صحت نسبته إليهم، وخصوصًا علماءهم، والسابقين الأولين الذين قال تعالى عنهم في بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
ونأخذ بأقوال هؤلاء على أساس ألا تخالف نصًّا قرآنيًا، أو تناهضه، أو تحمله ما لا يحتمل، وعلمُهم بالقرآن أعظم من علمنا به؛ إذ كانوا كما أشرنا من قبل أهل بيعة الرضوان لا الذين جاؤوا بعد الحديبية، وكان بعض أولئك من الذين لهم جهاد مذكور مشهور، لا يغض من مقامهم، ولكن ليسوا حجَّة في فهم القرآن إلا من ناحية اللغة والبيان؛ فإن ذوقهم العربي ربما يجعل لقولهم مكانًا، ولم يعن أحد من هؤلاء بالتفسير رواية أو دراية؛ لأنهم شغلوا بغيره، إلا ما كان من ابن عباس، وأشباهه من شباب الصحابة الذين وَعَوا أفاويقه في آخر حياة الرسول، ومنهم بعض من التزموا الرسول ﷺ .
فقد كان ابن عباس ترجمان القرآن كما عبر بعض علماء الصحابة، وقد أخذ من علم كثير من الصحابة، وخصوصًا ابن عمه عليًّا، الذي قال فيه ابن عباس: ما
стр. 1847
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
انتفعت بكلام بعد كلام محمد ﷺ كما انتفعت بكلام علي كرم الله وجهه. فقد كان عليٌّ أستاذه بعد المرشد الأكبر محمد ﷺ .
ثالثًا: ما ورد عن التابعين فإن الصحابة قد علَّموا التابعين، ولذا فهو يأخذ ما صح عن التابعين الذين لازموا الصحابة ﵃، ويبتعد عن الأقوال المنسوبة إليهم. ويذكر أنه قد حدث في عهد التابعين أمران كانا السبب في دخول كلام في تفسير القرآن الكريم وهو ليس منه:
الأول: دخول الإسرائيليات إلى علم التفسير، هذه الإسرائيليات التي لا زال العلماء يعانون الكثير منها.
الثاني: في عهد الأمويين وهو عهد التابعين، حاول النصارى بَثَّ الروايات الكاذبة حول القرآن الكريم ونسبوها للتابعين، ويمثل لذلك بقصة زواج النبي ﷺ من السيدة زينب بنت جحش، حيث ادَّعوا أن النبي ﷺ رأى زينب في حال أثارت عشقه، فأمر زيدًا أن يطلقها، ويرد الشيخ هذه الرواية، ويقول: إن بعض المفسرين تلقوا هذه الرواية وتكلف وخَرَّجَ عليها تفسير الآيات، وتلقاها الذين لا يوقرون محمدًا ﷺ ، ولا دينه، فكتب أحدهم كتابًا سماه (محمد العاشق).
التفسير بالرواية (المأثور):
يقول إن التفسير بالرواية عن النبي ﷺ أمر مقرر ثابت، ولكن يجب تحري السنّة الصحيحة، ويذكر أن هناك روايات عن الرسول ﷺ تخالف ما نحسُّه ونعانيه، مثال ذلك ما رُوِي من أن بعض الأنهار تنبع من الجنة وأنها تفيض منها، مع أنه ثبت بالمعاينة أنها تفيض من سيول في جبال، أو تنبع من بحيرات، ويذكر أن المقرر أن حديث الآحاد إذا جاء مناقضًا لما أثبته العلم ثبوتًا قطعيًا نرده.
هل النبي ﷺ فسر القرآن الكريم كله ؟
يذكر رأي ابن تيمية أن النبي ﷺ بيَّن القرآن الكريم كله، ولم يترك فيه جزءًا يحتاج إلى بيان ولم يبينه ولا جزءًا يحتاج إلى تفصيل ولم يفصله، ولا مطلقًا يحتاج إلى
стр. 1848
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
تقييد ولم يقيده، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] (١).
ويقول: إن الصحابة ﵃ تلقوا تفسير النبي ﷺ ، ومن هنا يتعين علينا أن نقول: إن تفسير الصحابة عن رسول الله ﷺ هو تفسير الرسول ﷺ إلا ما ثبت عن الرسول ﷺ من قول يخالفه، وتلقى التابعون التفسير من الصحابة، فابن عباس له تلاميذ تلقوا منه كمجاهد، وعكرمة ونافع وغيرهم. ولكن ما ينسب إلى التابعين يجب تمحيصه. ويرى أن أعلى مراتب التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن الكريم، ثم بالسنّة والمرتبة الثالثة تفسيره بأقوال الصحابة، والرابعة بأقوال التابعين.
ويجب التنبيه إلى أن الواجب إبعاد اسرائيليات عن تفسير القرآن الكريم.
تفسير القرآن بالراي:
يذكر آراء العلماء في التفسير بالرأي وأدلتهم، ويخلص إلى القول بأن التفسير بالرأي جائز، ويذكر أن الغزالي أجازه بشرطين:
أولًا: أن لا نهمل السنّة ولا آثار الصحابة وأقوالهم، ويقرر أن ما أثر عن النبي ﷺ والصحابة بسند صحيح لا تصح مخالفته ويجب الأخذ به.
ثانيًا: لا يفتح الباب على مصراعيه لكلِّ من يرى رأيًا، فيفسر القرآن برأيه، بل يجب أن يكون عنده علم اللغة، وعلم القرآن، وعلم السنّة، لكيلا يقول على الله تعالى بغير علم. ويستدل لذلك بأدلة من الكتاب والسنّة. وينقل عن الغزالي ما يتعلق بالتفسير بالرأي المحمود. وما يتعلق بالرأي المذموم كتفسيرات الباطنية الذين أنزلوا آيات القرآن الكريم على وفق رأيهم ومذهبهم.
стр. 1849
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
الطريقة المثلى:
وإن الطريقة المثلى التي تُوصِل إلى الغاية في فهم القرآن، وتعرف معانيه، وإدراك دلائل إعجازه، هي الاعتماد على النقل والعقل، فلا يصح الاقتصار على النقل وحده، ولا العقل وحده، وإنما النظر الأمثل هو أن يعتمد على العقل والرأي، وعلى السماع من أقوال رسول الله ﷺ في فهم القرآن، فظواهر القرآن من الألفاظ، والآثار التي تعاضد الظاهر، لا تكفي وحدها بل تساعد العقل، وتفتح له السبل لاستخراج معاني القرآن المتسعة الأفق، البعيدة المدى، التي توجه الفكر إلى أعمق الحقائق العلمية والكونية والنفسية، وكلما تفتح العقل في ظل إدراك الألفاظ وظواهر اللغة، أدرك إدراكًا صحيحًا ما تشير إليه الحقائق الكونية، وما يشير إليه القرآن.
وإنه كلما اتسع أفق العقل البشري في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم، ولعل هذا هو الحقيقة التي أشار إليها بعض الصحابة، إذ رُوِيَ عن أبي الدرداء أنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه، حتى يجعل للقرآن وجوهًا" أي اتجاهات متلاقية، ولكن بعضها أعمق من بعض، وكله حق.
وروى عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن للقرآن ظاهرا وباطنًا" (١). وليس هو الباطن الذي يقوله الباطنية، إنما الباطن الذي أشار إليه النبي ﷺ هو الباطن الذي تدل عليه إشارات العبارات القرآنية، من أسرار الإعجاز البياني، وإلى ما تشير إليه من حقائق كونية ونفسية وخلقية وأحكام عملية، وغير ذلك من المعاني التي يدركها العالم المتعمق ذو البصيرة النيرة الذي آتاه الله تعالى نفاذ بصيرة، واستقامة فكر، كالذي يدركه علماء الأكوان في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ
стр. 1850
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] فالمعنى الظاهر لكل مُلمٍّ باللغة العربية هو أن السموات والأرض كانتا متصلتين، وهذا معنى سليم هو الظاهر، والعالم المدرك للأكوان الباحث فيها يعرف كيف كانت السماء الأرض كتلة واحدة، وكيف انفصلت الأرض وتكونت عليها القشرة الأرضية، وكيف كان الماء العذب، والملح الأجاج.
تفسير القرآن بالعلوم:
يذهب الشيخ مذهب الإمام الغزالي الذي سار عليه المفسرون حتى مفسرو الرواية، فإنهم لا يردونه، حتى شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري، فاختياره من أقوال التابعين فيه عمق، واتجاه إلى تعرف الأسرار في الألفاظ القرآنية، والعبارات، واستقصاء المعاني. وقد يقول قائل: إن الغزالي يشجع تفسير القرآن بالعلوم الكونية، فهل نشجعه كما شجع؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن ما يكون من آيات القرآن دالًا على حقيقة علمية كما تلونا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] فإنه بلا ريب أن بيان الحقيقة العلمية يكون من بيان القرآن، ويعتمد فيه على كلام أهل الخبرة، وذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١١ - ١١].
فهذه الآيات وأمثالها كثير، ولا بد فيه من الاستعانة بأهل الخبرة، ويقررون في ظلها الحقائق العلمية، ويجب أن يلاحَظ أمران:
أولهما: ألا تفسَّر الآيات الكريمات بنظريات وفروض لم يقم الدليل القاطع عليها، وقد تتغير العلوم الكونية بتغير النظريات حولها وقتًا بعد آخر، ولا يصح أن
стр. 1851
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
يفسر القرآن بنظريات قابلة للنقض والتغير. إنه كتاب الله تعالى لا تبديل لكلماته، وهو العزيز الحكيم، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثانيهما: ألا يكون الاتجاه إلى تحميل الألفاظ فوق ما تحتمل، فلا تجهد الآيات إجهادًا ليطبقوها على الحقائق أو ليطبقوا الحقائق عليها، بل لا يفكر أهل الخبرة في أسرار الآيات إلا ما يكون ظاهرًا واضحًا كما رأينا في الآيات التي تُلِيَتْ، ويكون عمل الخبير العلمي تصويرها من غير إجهاد لألفاظها، أو تحميلها ما لا تحتمل، إن الأخذ بهذا المنهاج السليم فيه بيان للقرآن الكريم، وصيانة له، وبعد به عن مواطن الشبهات.
علم الكلام وأراء الفقهاء:
كثر القول في تفسير القرآن الكريم في الكتب التي تصدت للتفسير كتفسير الزمخشري، وفخر الدين الرازي وغيرهما من أمهات كتب التفسير في أمور هي من علم الكلام؛ كتعلق إرادة الله تعالى بأفعال العباد، وكذلك الآيات القرآنية التي تتعرض للمشيئة والإرادة، وهداية العبد وضلاله، وللصفات أهي غير الذات، أم هي والذات شيء واحد، وغير ذلك من مسائل علم الكلام. والزمخشري مع مقامه في البيان، وإثباته إعجاز القرآن من تفسير القرآن، يذكر مذهبه الاعتزالي، ويخرج تفسيره على هذا المذهب، وتعقبه من جاء بعده في إثبات صحة مذهب الأشاعرة (١) أو الماتريدية، حتى يغلب القولُ التفسير والبيانَ، وتختفي معاني القرآن الكريم في لجاجة التعصب المذهبي، وهذا النوع من التفسير هو أحد القسمين اللذين ينطبق عليهما النهي عن الرأي؛ لأن المفسرين سبقت آراؤهم تفسيرهم، فحمَّلوا معاني القرآن على
стр. 1852
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
ما يوافق مذهبهم، والقرآن الكريم فوق آرائهم، ومعاني القرآن فوق كل رأي ومذهب، وتحمل الآراء المذاهب على معاني القرآن لأنه الأعلى، وهو الشرع الحكيم.
فليست معاني القرآن أشعرية ولا ماتريدية، ولا اعتزالية، وإن تخريج الآراء على مقتضى مذهب من المذاهب يجعل القرآن مفرقًا، ويجعله عضين (١)، وذلك حرام؛ لذلك لا نفتح -بعون الله تعالى وتوفيقه- مجالًا لهذه المجادلة في ذكر معاني القرآن، بل نتجه -إن شاء الله تعالى- إلى المعاني الواضحة البيِّنة، من غير أن ننزلها من مقامها السامي إلى مضطرب المذاهب والآراء.
وبالنسبة للآراء الفقهية نلاحظ أمرين:
أولهما: أن اختلاف الآراء الفقيهة حول ما ثبت من الأحكام بالنصوص القرآنية قليل، فلا اختلاف لأنظار الفقهاء في آيات الأحكام بالنسبة للزواج وشروطه، والمحرمات، وغيرها، والاختلاف أساسه اختلاف الروايات، وهو في الأحكام الفقهية نادر، ولا يعلو إلى درجة الاختلاف الذي يورث عداوة، أو يوجد تراميًا بالكفر والخروج عن الربقة عند العلماء ﵃ وأرضاهم.
ثانيهما: وليس ثمة خلاف جوهري في أمر يتعلق بالأحكام الثابتة بالقرآن إلا الاختلاف بين جماهير المسلمين وطائفة الإمامية في الميراث، وهذا الاختلاف لا يخرج عن دائرة الثابت بالقرآن، وهو في تقديم بعض الورثة على بعض، فليس ثمة خلاف في أن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا في أن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، ولكن الاختلاف في معنى القرابة أحيانًا، وأحيانًا نجد النص القرآني يقرب، ولا يبعد.
ومسلكنا في آيات الأحكام أن نذكر الأحكام الثابتة بالقرآن بإجمال مستعينين بالسنّة القولية والعملية في العبادات، وفي الأنكحة، غيرها.
стр. 1853
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
نذكر الأحكام بإجمال تفسير الآيات القرآنية مبينين ما يحتاج إلى بيان بالسنّة النبوية، مرجحين ما يتفق مع السنة، أو ما نراه أقرب إلى النص، كمعنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنا في هذا نأخذ بما يُفهم من السنّة.
وهكذا لا نتعرض للخلاف الفقهي إلا في أضيق دائرة، وما يوجبه علينا ذكر معاني القرآن واضحة نيرة كشأنها دائمًا، ولا نخضع هذه المعاني لآراء الفقهاء، إنما نخضع آراء الفقهاء لها؛ لأنها الحكَمُ الذي لا ترد حكومته، والقرآن هو الحاكم بالصحة لآراء الفقهاء وليس محكومًا بها.
النسخ في القرآن الكريم:
يقول العلّامة أبو زهرة: "لا بد قبل أن نبدي رأينا في النسخ في القرآن الكريم أن نقرر حقائق ثلاثًا لا بد من بيانها أو الإشارة إليها، نكتفي هنا بالإشارة إليها:
الحقيقة الأولى: أن القرآن الكريم نسخ من الشرائع السابقة التي أتى بها الوحي وهي الشرائع السماوية، فما بقي منها أبقاه القرآن الكريم، ونص على بقائها كبعض أحكام القصاص، وكتحريم الربا، وكتحريم المحرمات وغير ذلك، وكان النص عليه في القرآن الكريم دليلًا على بقائه من غير نسخ.
الحقيقة الثانية: أن النسخ جرى في السنّة، ذلك أن السنّة كما تتولى بيان الأحكام تتولى علاج المسائل الوقتية، ويختلف الحكم الوقتي في بعض الأوقات عنه في بعضها؛ ولذا جرى النسخ في السنّة.
الحقيقة الثالثة: أن القرآن الكريم سجل هذه الشريعة الخالدة، بل سجل الشرائع السماوية، ومعجزات النبيين جميعًا، وما نسخ منها أشار إلى نسخه، وما بقي منها صرح ببقائه، كالقصاص، وخصوصًا في الأطراف، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ
стр. 1854
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
ولذا نحن نرى ما راه من قبل أبو مسلم الأصفهاني، وهو أنه لا نسخ في القرآن قط؛ لأنه شريعة الله تعالى الباقية إلى يوم القيامة؛ ولأن النسخ لم يثبت بنص عن النبي ﷺ ، وأنه لم يصرح النبي ﷺ بنسخ آية من القرآن، وما جاء من عبارات النسخ في القرآن إنما في نسخ المعجزات الحسية بالقرآن الكريم، وقد بينا ذلك في موضعه من معاني الذكر الحكيم.
ولأن النسخ يقتضي أن تكون آيتان في القرآن موضعهما واحد، وإحداهما مُثْبِتَة والأخرى نافية، ولا يمكن الجمع بين النفي الإثبات، وما ادُّعِيَ النسخ فيه التوفيق بينهما سهل ممكن، وما أمكن التوفيق فلا نسخ، وقد اشتركنا في كتابة التفسير مع بعض العلماء، ولم نجد آيتين متعارضتين لم يمكن التوفيق بينهما، وقد طبع ذلك التفسير وسمي بـ "المنتخب" طبعته إحدى الجامعات الإسلامية، والله الهادي إلى سواء السبيل.
لقد عرض الشيخ أبو زهرة لموضوع النسخ في القرآن، وانتهى إلى أنه لا يوجد نسخ في القرآن قط.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ذكر أن المقصود بالآية هنا إما:
أ- الآية القرآنية.
ب- المعجزة
وقال: "إن الآية الكريمة كما في بيان الشرط وجوابه، وتدل على الإمكان لا على الوقوع فعلًا، وإن هذا على أساس تفسير الآية بمعنى الآية القرآنية المشتملة على
стр. 1855
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
حكم تكليفي، ولكن كلمة الآية تدل معانيها على الآية الكونية، والمعجزات الكونية والحسية التي يجيء بها الرسل" (١).
ورجح أبو زهرة -موافقًا بذلك صاحب المنار وابن عاشور- في أنّ معنى الآية هنا هو المعجزة واستدل عليها بأمور:
أ- تعقيب النسخ والتغيير بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦] فإن ذلك يتناسب مع الآية بمعنى المعجزة القاهرة ولا تظهر مناسبتها مع آية التكليف.
ب- قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، فذكر هذا النص السامي يدل قياسًا أن النسخ أو الترك يكون لآية كونية بخير منه، تكون أبقى وأعظم أثرًا.
ج- أن النسخ يقتضي ألا يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ، وليس في القرآن آيات تتعارض، ولا يمكن التوفيق بينها.
د- أنه كان لوم على طلب آية أخرى، فقد قال تعالى ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] هذه الآيات كلها جاءت تالية لآية النسخ وهي في تواليها تناسب أن تكون الآية المنسوخة معجزة من معجزات الرسالة الإلهية، ومعجزات النبيين (٢).
وأبو زهرة ﵀ يأتي إلى كل آية قيل إنها منسوخة فيناقشها ويبين عدم نسخها، كما فعل عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً
стр. 1856
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠].
فبيَّن أن هذه الآية ليست منسوخة، لأنها لا تعارض الآية السابقة عليها، فكلّ من الآيتين يحكي حالة مخصوصة.
وأيَّد ما ذهب إليه بما نقل عن الطبري عن مجاهد بأن الآية محكمة وبما نقله الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني.
وبقوله بعدم النسخ في هذه الآية الكريمة كان موافقًا لصاحب المنار ﵀ (١).
المحكم والمتشابه:
يرى الأستاذ أبو زهرة أن المتشابه يحتملُ معنيين:
أ- الغيب الذي لا يستطيع الإنسان معرفته، كمعرفة الوحي، وحقيقة الجنّ والملائكة ... وهكذا مما غيبه الله تعالى علينا ... وعلينا أن نؤمن بما أخبرنا القرآن الكريم، وما جاءت به السُّنّة الصحيحة.
ب- المتشابه هو الذي يدق معناه إلا على طائفة خاصة من أهل العلم كبعض العبارات الخاصة بالكون وتكوين السماء والأرض، ونحو ذلك من الحقائق التي لا يخوض فيها إلا أهل الذكر (٢).
ثم بيَّن أن هذين الوجهين مما تحتملهما الآية الكريمة وهما مرادان منها وهو الذي اختاره في تفسيره (٣).
стр. 1857
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وقد استدل على ما ذهب إليه بجمعه بين القراءتين اللتين اختلفتا بالوقف والوصل على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فقال: "وإذا كانت قراءاتُ القرآن سنّة متبعة وكل قراءة هي بذاتها قرآن متلو مبين، فمجموع القراءتين يشير إلى أن التأويل قسمان؛ أحدهما: علم بالمآل والغاية، وهذا لا يعلمه إلا الله، كما أشارت القراءة الأولى، والقسم الثاني من التأويل علم بالتفسير والمراد من الألفاظ، وهذا يعلمه الله، وقد يعرفه الراسخون في العلم، وهم في الحالين يقولون آمنا ... " (١).
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ أبو زهرة هو ما ذهب إليه السيد رشيد رضا وجمهرة من العلماء المحققين (٢).
القراءات القرآنية:
ذكر الشيخ في مقدمته "أن من تفسير القرآن بالقرآن حمل بعض القراءات على غيرها، فإن كل قراءة هي في حقيقتها قرآن يتوجب على المفسر عدم إهمالها عندما تمس الحاجة" (٣).
وذكر في كتابه "المعجزة الكبرى" أنه "لا عبرة إلا بالقراءات المتواترة؛ لأنها هي التي تتناسب مع تواتر القرآن الكريم، وحفظه في الأجيال إلى يوم القيامة" (٤).
والشيخ في تفسيره لم يلتزم بذكر جميع القراءات المتواترة، فعند قوله تعالى ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] يقول: "وفي هذا النص الكريم قراءات نذكر منها قراءتين ... " (٥)، بل إنه لم يعن عناية كبيرة بالقراءات.
стр. 1858
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
وإن ذكر قراءة لم يعزها إلى أصحابها، كما أنه ﵀ لم يكن يميز بين متواترها وشاذها.
الشيخ لا يبين القراءة المتواترة من الشاذة:
مثال ذلك: يذكر في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قراءتين:
الأولى: وهي الرفع ﴿الْحَمْدُ﴾ والثانية: (الحمدَ).
فيقول: "وتقرأ كلمة ﴿الْحَمْدُ﴾ برفع الدّال، والمعنى: الحمدُ الثابت الكامل المستغرق لكل صنوف الحمد هو لله وحده ...
وهناك قراءة بفتح الدال علي أنه مصدر، ومنصوب بفعل محذوف، ويكون المؤدَّى للقول: أحمدِ الحمدَ كلّه لله تعالى، فلا تحمدْ سواه .. وهذه القراءة تفيد تجدد الحمد آنًا بعد آنِ بالتذكير بنِعَم الله تعالى وآلائه، والقراءة السابقة تفيد دوام الحمد، كما تدل على ذلك الجملة الاسمية لأنها تفيد الاستمرار" (١).
ولم يكتف الشيخ بما ذكره، ولكنه عَدَّ قراءة (الحمدَ) بالنصب قراءة متواترة مع أنها قراءة شاذة كما ذكر علماء القراءات.
قال الإمام القرطبي ﵀: "وأجمع القرّاء السبعة وجمهور الناس علي رفع الدال في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجّاج: (الحمدَ لله) بنصب الدال" (٢).
стр. 1859
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
يقول أبو زهرة في الجمع بين القراءتين في (الحمد): "وإني أرى أنّ القراءات المتواترة كلها لا تتباين، ولا تتضارب، بل تتلاقى، وتكمل واحدة معنى في الأخرى، فبالجمع بين القراءتين يكون معنى النص السامي: اجعل الحمدَ دائمًا مستمرًا ومتجددًا، ليكون القلب دائمًا عامرًا بذكر الله تعالى" (١).
ومن الأمثلة أيضًا: القراءات في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]:
قال أبو زهرة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾: فيه قراءات تختلف في أشكالها، ولا تختلف في مضمونها فقرئ هكذا: مالِك يوم الدين، وقرئ: مليكِ يوم الدين وقرئ: مَلكِ يوم الدين.
وقرأ أبو حنيفة ﵁ مَلَكَ يومَ الدين، وقرئ: مالكًا يوم الدين، وقرئ: مالكٌ.
والقراءات كلها تنتهي إلى معنى واحد، وإن كانت تختلف في أعاريبها، والنص العثماني يشملها جميعًا، ولا تخالف في النسخ المتواتر ... " (٢).
ثم أخذ يذكر إعراب كل قراءة ويبين معناها وخلص إلى النتيجة التالية:
قال: "ورأينا أنّ كل قراءة متواترة قرآن، وأن القرآن لا يخالف بعضه بعضًا، بل قد يُتِمُّ بعضُه بعضًا، وليس لنا أن نراجح بين قراءة وقراءة، لأن كلتيهما تتمم الأخرى" (٣).
وما ذكره حق فيما يتعلق بالقراءات المتواترة، فهي لا تتعارض أولًا، ولا ينبغي الترجيح بينها ثانيًا.
стр. 1860
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]
أما القراءات التي ذكرها في (مالك) فإن قراءتين اثنتين منها متواترة وهي قراءة (مَلِكِ) و (مالكِ) وما عداهما شاذ، وقد عرض الدكتور فضل ﵀ لهاتين القراءتين من حيث معناهما والفرق بينهما وعدم جواز الترجيح بينهما كما فعل الطبري وصاحب المنار (١).
وإذا كان الشيخ غالبًا لا يرد قراءة متواترة، كما ذكر عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، قال: "والأرحام قُرئت بفتح الميم، ويكون المعنى: اتقوا الله والأرحامَ أن تقطعوها، ويصح أن يكون المعنى: اتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، وتكون الواو واو المعية، وتتلاقى هذه مع قراءة الكسر، وقراءة الكسر قد تتعارض مع قواعد النحاة الذين قد يقولون: إن العطف أن لا يكون على ضمير موصول مجرور، لكن قراءات القرآن المتواترة فوق قواعد النحاة، وهي أصدق في الفصحى" (٢).
أقول إذا كان الشيخ لا يرد قراءة متواترة، فهل يمكن أن يرجح قراءة على أخرى، دون ردّ للقراءة المرجوحة، وأقول: إن الشيخ لم يختر قراءة على أخرى، وإنما كان ينبِّه على أن كل قراءة هي من عند الله سبحانه وكلها حق، ولكننا وجدناه ينقل عن الطبري اختياره لقراءة دون أن يعلق على ذلك.
عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦]، قال: "وهناك قراءة أخرى بالبناء للفاعل (يَصْرِف)، ويكون المعنى على هذه القراءة من يصرف الله تعالى عنه العذاب العظيم في ذلك اليوم فقد رحمه، وعلى أي حال فالضمير في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعود على الله، ولهذا يختار ابن جرير الطبري