← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وذكر آخرون أن المعنى (أن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذرة قبل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه ولكنه يأخذه منه له ويأخذه من كل ظالم لكل مظلوم تبعته قبله ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ بمعنى يضاعف له ثوابها وأجرها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ والأجر العظيم الجنة، وبعد أن رجح القول الأول قال: وإنما اخترنا التأويل الأول لموافقته الأثر عن رسول الله ﷺ مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية قبلها التي حث الله فيها على النفقة في طاعته وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] (١). ٥ - قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] اختلف المفسرون في معنى ذلك: فقال بعضهم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به يعني بعيسى، قبل موته يعنى قبل موت عيسى، أي إن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الإسلام. وقال آخرون: المعنى إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي، وذلك أن كل من نزل به الموت لم تخرج به روحه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. ويرجح الطبري القول الأول وذلك لما يراه، ثم يقول: "فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل أو خبر عن الرسول ﷺ تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد" (٢).

стр. 212

٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، اختلف المفسرون في قائل ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه رجل من اليهود قال بأن الله تعالى لم ينزل على بشر من شيء يعني من بني إسرائيل، وذهب آخرون إلى أن هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركي قريش أنهم قالوا ما أنزل الله على بشر من شي، يقول الطبري وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال عنى بذلك وما قدروا الله حق قدره مشركي قريش؛ وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا، فإنّ كون ذلك أيضًا خبرًا عنهم أشبه من أن يكون خبرًا عن اليهود لم يجر لهم ذكر، يكون هذا به متصلًا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعووف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود (١). ٧ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠] اختلف المفسرون في قوله "إن ذلك على الله يسير" فقال بعضهم معناه "إن الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير" وقال آخرون بل معنى ذلك أن كتابة القلم الذي أمره الله أن يكتب في اللوح المحفوظ هو كائن على الله يسير يعني هين، وهذا القول الثاني أولى وذلك أن قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أقرب وهو له مجاور، ومن قوله (الله يحكم بينكم يوم القيامة) متباعد مع دخول قوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بينهما فإلحاقه بما هو أقرب أولى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج في التأويل صحيح" (٢).

стр. 213

٨ - قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]. اختلف المفسرون كثيرًا في تفسير الآية الكريمة، فهذا هو الإمام الألوسي ﵁ يكتب في تفسيرها ثلاث صفحات من القطع الكبير واالخط الصغير، ويعرض فيها لقضايا كثيرة من علم الكلام، ومن الأمور العينية التي لا يعلمها إلا الله وكثير مما ذكره يحتاج إلى شرح وتوضيح، وهذا هو الإمام الطبري ﵁ ينقل في تفسيرها أقوالًا كثيرة، سأذكرها لك أيها القارئ لتطلع عليها، ليسرها وسهولتها. قال الإمام الطبري ﵀: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران -ذكر ذلك عن ابن عباس وعن مجاهد- الشقاء والسعادة والموت والحياة لا تغيير فيها. وقال آخرون: معنى ذلك أن الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتاب سوى أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء ذكر ذلك عن ابن عباس بسنده ... في الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ .. ﴾ قال: كتابان، كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت. وعنده أم الكتاب. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد. ذكر من قال ذلك ... عن الأعمش عن شقيق أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الله ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. ذكر من قال ذلك عن ابن عباس "يمحو الله ما يشاء" قال: من القرآن يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء، فلا يبدله، وعنده أم الكتاب، يقول: جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ،

стр. 214

وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب. وقال آخرون: معنى ذلك أنه يمحو من قد حان أجله ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله ذكر من قال ذلك عن الحسن. وعن مجاهد قول الله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ... ﴾ قالت قريش حين أنزل ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفًا، ووعيدًا لهم، أنّا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما نعطيهم وما نقسم لهم. وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر. وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بتأويل الآية وأشبهها بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد. وذلك أن الله تعالى ذكره، توعد المشركين الذين سألوا رسول الله ﷺ الآيات بالعقوبة وتهددهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يعلمهم بذلك ان لقضائه فيهم أجلًا مثبتًا في كتاب هم مؤخرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بما يشاء ممن قد دنا أجله وانقطع رزقه أو حان هلاكه، أو اتضاعه من رفعة، أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك محوه، ويثبت ما يشاء ممن بقي أجله ورزقه وكله فيتركه على ما هو عليه فلا يمحو وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله ﷺ وذلك ما حدثني ... عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يفتح الذكر في ثلاث يبقين من الليل في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ذكر ما في الساعتين الآخرتين (١).

стр. 215

﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ اختلف أهل التأويل ... فقال بعضهم معناه: وعنده الحلال والحرام. وقال آخرون معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله. وقال آخرون: هو الذكر. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فكان بينًا أن معناه: وعنده أصل المثبت منه والممحو وجملته في كتاب لديه (١). وما كان أغناهم عن هذه الأقوال الكثيرة! ! فالمتأمل في سياق الآية الكريمة سباقًا ولحاقًا يدرك بكل يسر، ودون عناء أن الآية الكريمة تتحدث عن ثبوت رسالة سيدنا رسول الله ﷺ ، وأن الله يمحو ما يشاء من الرسالات السابقة ويثبت غيرها، ونتأمل الآيات الكريمة قبل هذه الآية ابتداء من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ... وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ... ﴾ [الرعد: ٣٠ - ٤٥] فإن المتدبر لهذه الآيات قبل هذه الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ وبعدها، لا يرتاب في أن الآية الكريمة المراد بها نسخ الرسالات بعضها بعضًا، وهذه الآية شبيهة بقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ فقد ذهب أبو مسلم بن بحر وتبعه الرازي

стр. 216

-رحمهما الله تعالى- وعليه المحققون من العلماء، أن المقصود من الآية في قوله ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الرسالة، فما أجدرنا أن نرجع إلى السياق لفهم الآيات الكريمة. ٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾ [سبأ: ٥١] اختلف المفسرون في المعنيين بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها هؤلاء المشركون الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبا: ٤٣] وعنى بقوله ﴿إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ عند نزول نقمة الله بهم في الدنيا. وقال آخرون: عُني بذلك جيش يخسف بهم ببيداء من الأرض. وقال آخرون: عُني بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم. وأولى الأقوال عند الطبري قول من قال: وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله ﷺ من قومه؛ لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية في سياق تلك الآيات؛ فلأن يكون ذلك خبرًا عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبرًا لما لم يجر له ذكر" (١). ونكتفي بذكر هذه الأمثلة، وبهذا يتبين لنا أهمية هذه الدعائم التي تحدثنا عنها، وأعني السنة الصحيحة، واللغة والسياق. شروط المفسِّر: ذكر الأئمة في كتب علوم القرآن ومقدمات كتب التفسير شروطًا للمفسر، ونرى هنا أن نكتفي بما جاء في تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا. قال ﵀: للتفسير مراتب: أدناها: أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله، وتنزيهه،

стр. 217

ويصرف النفس عن الشر ويجذبها، وهذه هى التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد (﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور: أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرًا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد من ذلك لفظ "التأويل" اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فما هذا التأويل؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب، فكثيرًا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بإلاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى (١)، فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ "الهداية" وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إنه القرآن يفسر بعضه ببعض، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ، موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.

стр. 218

ثانيها: الأساليب فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه، نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب. ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسددين في النطق يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع، أتحسبون أن ذلك كان طبيعيًا لهم؟ كلا وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشد عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيًا ذاتيًا لهم لما فقدوه في مدة خمسين سنة من بعد الهجرة. ثالثها: علم أحوال البشر: فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبينه في غيره. بين كثيرًا من أحوال الخلق وطبائعهم والسنن الإلهية في البشر وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشيء اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير، علويه وسفليه، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه. قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أو ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم؟

стр. 219

أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات والأرض، وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علمًا وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالًا ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة. رابعها: العلم يوجه هداية البشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الغرض الكفائي: أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي ﷺ بعث لهدايتهم وإسعادهم وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفًا بأحوالهم وما كانوا عليه؟ هل يُكتفى من علماء القرآن دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد، بأن يقولوا تقليدًا لغيرهم، إن الناس كانوا على باطل وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة كلا؟ وأقول الآن: يروى عن عمر ﵁ أنه قال: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرًا لأحوال البشر ومخرجًا لها من الظلمات إلى النور، ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي، كما ترى بعض الذين يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو، لأنه من ضروريات الحياة عندهم، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر وتأثير تلك الآداب من أين جاء؟ خامسها: العلم بسيرة النبي ﷺ وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها (١).

стр. 220

الفَصْلُ الرَّابِع الإسرائيليات وموقف العلماء منها تحدث القرآن الكريم عن أهل الكتاب، فتارة يذكر محاجة أنبيائهم لهم، وتارة يذكرهم بنعم الله عليهم، وتارة يذكر تحريفاتهم وتبديلاتهم لكتب الله، وقد كانت أخبار القرآن الكريم عن كل هذا تبيانًا لمواطن العبرة وإحقاقًا للحق وإظهارًا لسنن الله تعالى التي لا تتخلّف في هذا الكون. ولكن حديث القرآن الكريم، وإن كان يتفق مع الكتب السماوية في أصل هذه الأخبار والقصص، فإنه كان يختلف عنها في ذكر جزئيات القصة وتفصيلها فكان يطوي كثيرًا من هذه الجزئيات، وذلك لخلوها من مواطن العبرة والفائدة. وكان طبيعيًا أن تتشوف النفوس وتتشوق لمعرفة تفصيلات أكثر عن هذه الأخبار، ولقد أحس الرسول عليه وآله الصلاة والسلام بمثل هذا من بعض الناس، فكان ينهى عن ذلك، ينهى عن أن يسترسل الصحابة رضوان الله عليهم مع هذا القصص وتلك الأخبار -كما مر معنا من قبل-، ومن المفيد هنا أن نذكر حديثين من أحاديث الرسول عليه وآله الصلاة والسلام أحدهما: قوله: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم) (١) وثانيهما: قوله عليه وآله الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) (٢) ويبدو التعارض للوهلة الأولى عند بعض الناس بين هذين الحديثين. ولكن إذا عرفنا أن الحديث الأول خاص بما لم يرد فيه شيء في كتابنا ولا سنة نبينا ﷺ ، وأن الحديث الثاني إنما

стр. 221

يكون للاستئناس فيما ورد به الكتاب العزيز، إذا عرفنا هذا زالت شبهة التعارض المتوهمة بين الحديثين، وأصبح من الممكن الجمع والتوفيق بينهما. ولكن هل كان الصحابة رضوان الله عليهم مولعين بهذه الإسرائيليات، كما يحلو لبعض المستشرقين ومن افتتن بهم أن يصوروه ويضيفوا إليه هالات، كي يظهروه حقيقة من الحقائق، زاعمين أن كثيرًا من أعلام الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو حتى عمر بن الخطاب ﵃، كانوا يكثرون النقل عن أهل الكتاب، بل يعدون الكثير من أعلام الصحابة تلاميذ لأولئك مثل كعب وغيره. ولكننا عندما نناقش الأمر مناقشة علمية هادئة، نرى أن تلك فرية بعيدة عن الصواب والسداد. فهل يمكن لمن تتلمذ لسيد الخلق عليه وآله الصلاة والسلام أن يتتلمذ لكعب وأمثاله؟ وهل يليق بهؤلاء وقد كانوا يتربعون على كرسي الأستاذية بعد رسول الله ﷺ أن يجلسوا على كرسيهم هذا من هو دونهم؟ فأبو هريرة مثلًا يروي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ما يزيد على خمسة آلاف وأربعمائة حديث، وهي علم غزير يؤهل صاحبه لأن يقضي عمره كله مهما طال، ليفيد الناس بهذا العلم. وابن عباس كذلك الذي دعا له الرسول ﷺ بالفقه وعلم التأويل، حري به أن لا ينصرف عن أسباب هذه الدعوة. ولقد مر معنا نهي ابن عباس ﵄ الناس عن سؤال أهل الكتاب، فكيف ينهى عن شيء ويقدم عليه؟ ذلك أمر لا يتناسب مع الخلق والدين لإنسان عادي، فضلًا عن ابن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة. ولكنها إثارات الحاقدين أمثال جولد زيهر اليهودي ومن افتتن به فأخذ عنه بسوء قصد أو سوء تصرف ومن المفيد أن ننقل هنا ما ذكره جولد زيهر وغيره، حول تأثر ابن عباس بأهل الكتاب. ما ذهب إليه جولد زيهر والأستاذ أحمد أمين: يقول جولد زيهر: وأجدر من ذلك بالتصديق الأخبار التي تفيد أن ابن عباس لا يرى غضاضة أن يرجع في الأحوال التي يخامره فيها الشك إلى من يرجو عنده علمها.

стр. 222

وكثيرًا ما ذكر أنه يرجع (كتابه) في تفسير معاني الألفاظ إلى من يُدْعى أبا الجلد، والظاهر أنه غيلان بن فروة الأزدي الذي كان يثني عليه بأنه قرأ الكتب، وقد ذكرت بنته على وجه الخصوص أن أباها كان يقرأ القرآن كل سبعة أيام، ويختم التوراة كل ثمانية أيام بالروية والفهم -يبدو أن سبعة أيام إلى ثمانية أيام كانت تعد مدة وسطًا لختم القرآن بفهم- وكان يدعو جماعة كبيرة من الناس احتفالًا بكل مرة يختم فيها التوراة، ويرى أن هذا العمل الصالح يستوجب رحمة الله ورضاه. ولا يتضح حقًّا من هذا الخبر الغامض الذي ربما زادته مغالاة ابنته غموضًا، أي نسخة من التوراة كان يستخدمها في دراسته، وكثيرًا ما نجد بين مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس اليهوديين اللذين اعتنقا الإسلام: كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، كما نجد أهل الكتاب على وجه العموم أي رجالًا من طوائف ورد التحذير من أخبارها -عدا ذلك- في أقوال تنسب إلى ابن عباس نفسه، ومن الحق أن اعتناقهم للإسلام قد سما بهم على المظنة، ورفعهم إلى مرتبة مصادر العلم التي لا تثير ارتيابًا، ولم يعدُ (أوتولوث) شاكلة الصواب إذ يتحدث عن مدرسة ابن عباس ذات المسحة اليهودية وأخبار الكتب السابقة، التي ذكر كثيرًا عنها من الفوائد، بل كان يسأل أيضًا كعب الأحبار مثلًا عن التفسير الصحيح للتعبيرين القرآنيين: أم الكتاب، والمرجان. كان يفترض عند هؤلاء الأحبار اليهود، فهم أدق للمدارك الدينية العامة الواردة في القرآن في أقوال الرسول ﷺ ، وكان يرجع إلى أخبارهم في مثل هذه المسائل على الرغم من ضروب التحذير الصادرة من جوانب كثيرة فيهم. ففي تعيين وقت الجمعة الذي أخبر الرسول ﷺ أن أداء المسلم الصلاة فيه لا بد أن يقبل، ذكر أن أبا هريرة طلب بيان ذلك عند كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وذلك بأنهما يعرفان التوراة التي لا بد أن يوجد فيها مثل ذلك، والظاهر أن المحور

стр. 223

الذي تدور حوله مثل هذه الأخبار في الغالب هو افتراضات المسلمين في الزمن المتأخر. ويدل على مدى ما تستطيع أن تبلغه مثل هذه الافتراضات من طابع السذاجة ما روى مثلًا من حصول اختلاف بين ابن عباس وعمرو بن العاص على قراءة كلمة من (لدني) في الآية (٧٦) من سورة الكهف هل هي بتشديد نون لدنّي أو بتخفيفها، وأن الاثنين قصدا إلى كعب الأحبار لتسوية هذا الخلاف (١). ويقول الأستاذ أحمد أمين: وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام، فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ قولهم -روى أن النبي ﷺ قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) (٢)، ولكن العمل كان على غير ذلك وإنهم كانوا يصدقونهم وينقلون عنهم (٣). رأي الأستاذ الذهبي: أما الأستاذ الذهبي فهو يرى أن ما ذهب إليه جولد زيهر وأحمد أمين فيه غلو في الرأي وبعد عن الصواب، فابن عباس كان يرجع إلى أهل الكتاب ولكن في دائرة محدودة. يقول: كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله ﷺ ، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد مع الاستقامة في ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القرآن، وكان ﵁ يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم،

стр. 224

بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أجملت في القرآن وفصلت في التوراة أو الإنجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق أن الرجوع إلى أهل الكتاب كان في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد لة، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية فكان ابن عباس لا يقبله ولا يأخذ به. ويقول مناقشًا جولد زيهر والأستاذ أحمد أمين: والحق أن هذا غلو في الرأي وبعد عن الصواب، فابن عباس-كما قلت آنفًا- وغيره من الصحابة كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ولكن لم يكن سؤالهم عن شئ يمس العقيدة، أو يتصل بأصول الدين أو فروعه وإنما كانوا يسألون أهل الكتاب عن بعض القصص والأخبار الماضية، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى على أنه صواب لا يتطرق إليه شك، بل كانوا يحكمون دينهم وعقلهم، فما اتفق مع الدين والعقل صدقوه، وما خالف ذلك نبذوه، وما سكت عنه القرآن واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه) (١). إن الشيخ الذهبي لا ينكر أن يكون ابن عباس قد أخذ عن أهل الكتاب، ولكنه ينكر أن يكون ابن عباس قد توسع في الأخذ عنهم حيث كان ابن عباس من أشد الناس نكيرًا على ذلك، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين: تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]. أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا رجلًا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (٢).

стр. 225

رأي الدكتور إبراهيم خليفة وتناقضه: وقد تبع الدكتور إبراهيم خليفة الذهبي فيما ذهب إليه من تشديد النكير على القائلين بأن الصحابة قد أكثروا من النقل عن بني إسرائيل، فهم قد نقلوا عنهم ولكن ضمن دائرة ضيقة محدودة، هذا ما ذكره في كتابه دراسات في مناهج المفسرين، يقول: "نقول من المعلوم لمن بهذه الصفة ولا سيما من كان فوق ذلك من المعنيين بالتفسير بالمأثور من علماء الأمة عليهم الرضوان، أن ابن عباس ﵄ كان مقلًا في تفسيره القرآن من الأخذ عن بني إسرائيل إلى حد الندرة بل إلى حد العدم على زعم البعض" (١). ولكنه ذكر في كتاب آخر وهو (منة المنان في علوم القرآن)، أن ابن عباس نقل عن بني إسرائيل ما يتعارض مع قواعد العقيدة الصحيحة وعصمة الأنبياء، يقول: "لا نسلم أن ابن عباس ﵄ ممن لم يعرف بالأخذ عن بني إسرائيل وإن زعم ذلك غير واحد من أعلام التفسير في عصرنا هذا. .. وذكر منهم الزرقاني والشيخ غزلان" (٢) ... ويقول: "فإنه ﵁ على الرغم من نهيه الصريح هذا قد ثبت عنه الأخذ عن بني إسرائيل إما من منطلق الأمان على نفسه ما لم يأمنه على غيره، وإما ثقة منه أن ما أخذه عنهم مما لا يخفى حاله على من تدبر أمره، وإما رؤية منه أن ما أخده عنهم لا يتنافى مع شيء مما جاء في الكتاب والسنة سواء أخطأ في هذه الرؤية أم أصاب، ودليلنا على أنه ﵁ قد ثبت عنه الأخذ من الإسرائيليات أوجه: أولها: ما ذكره غير واحد من الحفاظ عند ترجمتهم لكعب الأحبار الذي هو أحد رؤوس المصادر الإسرائيلية من كون ابن عباس ﵁ هو أحد الرواة عنه.

стр. 226

وثاني هذه الأمور التي يتشكل منها دليلنا على ما نقول في هذه القضية المهمة روايات قد ثبتت عن ابن عباس ﵄ بالفعل لا يشك منصف في أنها من الإسرائيلية، ولا نقول إنها من صنف الإسرائيليات الموافقة للكتاب والسنة ولا حتى من جنس ما لا تعرف له موافقه ولا مخالفة بل هي من جنس الإسرائيليات المرذولة المنافرة للعقل وصريح النقل ونكتفي هاهنا بإيراد ثلاثة مواضع منها نستبيح القارئ العذر في تسويد الصفحات بغثاء ما جاء فيها من الرواية عنه ﵁. وأول المواضع التي ذكرها الكاتب ما جاء من روايته في شأن شيطان سليمان الذي أخذ خاتمه من إحدى أزواجه وتملك على ملكه وأقام حيث كان يقيم سليمان حتى من نسائه ﵇. وثاني هذه المواضع ما جاء في شأن الملكين والمرأة التي مسخت فكانت كوكب الزهرة، وثالث هذه المواضع ما روي عن ابن عباس ﵄ في شأن الأرضين السبع من أن في كل واحدة منهن آدم كآدم وإبراهيم كإبراهيم وموسى كموسى وعيسى كعيسى ومحمد كمحمد صلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله أجمعين (١)، ويسوق الروايات في ذلك، ثم يقول "فانظر رعاك الله إلى هذا الغثاء، وما يقتضيه من عدم اختصاص الأنبياء المعروفين حتى أولى العزم منهم، بل حتى نبينا محمد ﷺ بخصائصهم مع أمثالهم لا في المسميات فحسب بل حتى في الأسماء، بل ما يقتضيه من تعداد القرآن العظيم ذاته، وأنه ليس خير الكتب ولا المتفرد من بينها بالهيمنة والإعجاز، وما إليها من خصائصه المعروفة، هل يصدر مثل هذا إلا من خرافات بني إسرائيل وضلالاتهم ... (٢). وإذا كان الدكتور إبراهيم لا يريد أن يسود صفحات كتابه بما نسب إلى

стр. 227

ابن عباس، فكيف يمكن أن يرضى ابن عباس أو نرضى له نحن، وكيف يمكن أن نقتنع أو أن تقنع الآخرين، بأن ابن عباس ﵄ يرى أن هناك امرأة يمكن أن تمسخ كوكبًا، إن الرجل الذي أعطي من الفطنة ومن الفهم ما لم يعطه كثير من الناس، يستحيل أن يثبت عنه مثل هذه الروايات ولو ذكرها ابن كثير أو غيره، وكنا نود أن يظل الدكتور إبراهيم خليفة عند رأيه الذي ذكره في كتاب (مناهج المفسرين) من أنّ ما روي عن ابن عباس من الإسرائيليات ليس مما يقدح في جوهريات الدين، مع أننا نجل ابن عباس حتى عن هذه، ونظن أن ما روى في صحيح الإمام البخاري، دليل كافٍ على تبرئة ابن عباس ﵄. رأينا في المسألة: إن ما ذهب إليه الشيخ الذهبي ومن تابعه مردود غير مقبول، وكلمة ابن عباس التي نقلها الذهبي ترد بكل حزم على من يدير أن الصحابة وعلى رأسهم ابن عباس ﵄ يمكن أن يرجعوا إلى أهل الكتاب في أي مسألة (أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم). والذي أطمئن إليه كل الاطمئنان، وينبغي إن يطمئن إليه كل منصف، أن ابن عباس ﵄ لم يكن ليدور في خلده يومًا، بل لم يكن ليرضى أن يسأل أحد من المسلمين أحدًا من غيرهم، وبخاصة أولئك اليهود، فضلًا على أن يكون هو السائل، أقول ما كان يرضى ﵄ أن يسأل في قضية من قضايا الدين كتابًا وسنة. وتثبيتا لما أقوله وتدليلًا عليه حتى لا يبقى في نفس أحد من الناس أثر لشبهة جولد زيهر ومن تبعه -جدير بنا أن ندرس هذه الروايات التي جاءت تحمل لنا سؤال ابن عباس ﵄ أبا الجلد وغيره، وسنجد أن هذه الروايات قد حكم عليها أئمتنا حكمًا ليس فيه مساومة حكموا عليها بوجوب ردها ورفضها.

стр. 228

فقد أخرج الطبري عن موسى بن سالم أبي جهضم مولى ابن عباس، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد، فقال الرعد ملك. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا سمع الرعد قال سبحان الذي سبحتَ له، قال: وكان يقول: إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه. وعن أبي كثير قال: كنت عند أبي الجلد، إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه (كتبت تسألني عن الرعد، فالرعد الريح). ويُعلق الشيخ أحمد شاكر على الروايات: أما الرواية الأولى عن أبي جهضم فهو -كما يقول- (ثقة، ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة). وأما رواية أبي كثير، فالإسناد (مشكل، ما وجدت ترجمة بشر بن إسماعيل وما عرفت من هو، ثم لم أعرف من أبو كثير الراوي عن أبي الجلد) (١). ويقول الشيخ محمد عبده تعليقًا على ما ذكره الجلال من أن الرعد ملك، والبرق سوطه: (ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح، ولا سيما إذا صرفت من معاني من عالم الشهادة الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون، إلى معاني من عالم الغيب ولا يعلمها إلا الله تعالى، ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحي، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود، وألصقوها بالقرآن لتكون بيانًا له وتفسيرًا، وجعلوا ذلك ملحقًا بالوحي، والحق الذي لا مرية فيه: أنه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه، إلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتا لا يخالطه الريب. ويقول الشيخ رشيد: ولا شك عندي أن هذه الأقوال كلها مما كان يذيعه مثل

стр. 229

كعب الأحبار ووهب بن منبه بين المسلمين من الصحابة والتابعين، ولو صح في حديث مرفوع بسماع صحيح على أن المراد به الإشارة إلى أن هذه المظاهر الكونية تقع بفعل ملك موكل بالسحاب ولكن لا حاجة إلى ذلك مع عدم صحة شيء في المسألة وبالملائكة من عالم الغيب) (١). إذًا فعهد الصحابة رضوان الله عليهم، نستطيع أن نقول فيه إنه عهد لم تجد فيه الإسرائيليات تربتها الخصبة، ولم تنم فيه النمو الذي وجدناه فيما بعد، فلقد كانت تشرق في نفوسهم أنوار النبوة ولقد كانت الواجبات عندهم أكثر من الأوقات. فليس هناك الوقت الذي يُقضى في مثل هذه المسائل. ويأتي عصر التابعين بعد ذلك، ويزداد اتصال المسلمين بغيرهم من الأمم، ويكثر الداخلون في الإسلام من أهل الكتاب، ومن الطبيعي إذًا أن يتفاعل هؤلاء مع أولئك، وحب الاستطلاع أمر فطري في الإنسان، وهنا تبدأ تلك البضاعة، بضاعة الإسرائيليات تجد رواجها، والتربة الخصبة التي تنمو فيها، بخاصة وقد أصبح من بعض ألوان الوعظ أن تحكى هذه القصص في المساجد، ومن هنا كان لها أثرها الواضح في التفسير، مما جعل كثيرًا من الأئمة ينفرون منها وينفرون عنها فهذا علي ﵁ وهو آخر الخلفاء الراشدين، وقد رأى أن هذا القصص بدأ يشق طريقه إلى الناس، يقول: (من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حدّ الفرية على الأنبياء) (٢) وهذا ابن عون يقول: (دخلنا على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا فقال: (وفق للصواب) وروي أن ابن عمر خرج من المسجد فقال: (ما أخرجني إلا القصاص ولولاه لما خرجت). ومما يدلنا على أن هؤلاء القصاص كانوا يبدون عناية خاصة بالقصص الإسرائيلي، أن نوف بن فضالة كان يقص بالكوفة، وقد ذكر

стр. 230

البخاري أن سعيد بن جبير، سأل ابن عباس فيما يزعمه نوف من أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل. فقال كذب عدو الله (١) وهذا يدل على أن القصص الإسرائيلي كان أكثر انتشارًا من غيره وذلك يرجع إلى أن صلة المسلمين بيهود، كانت أقوى من صلتهم مع غيرهم فهم الذين عاشوا معهم في المدينة المنورة أول الدعوة، وهم الذين دخل منهم في الإسلام كثيرون عن حسن قصد أو سوء نية. وإذا كان هذا شأن الإسرائيليات فما هو موقف العلماء منها؟ . موقف العلماء من الإسرائيليات: إن الأئمة رضوان الله عليهم كانوا لا يقبلون بهذه الإسرائيليات، بل كانوا يحذرون الأمة من أن تتغلغل فيهم مثل هذه الأخبار، وهذا هو الإمام الغزالي ﵁، ينهى عن التعلق بهذا القصص حتى لا ينساق الناس وراءها، وهذا ابن كثير ﵀، يبين لنا أن هذه الإسرائيليات التي انتشرت في كثير من الكتب، ينبغي أن ينبه عليها وأن تنقى منها الكتب، ويكتب. تفسيره محاولًا أن لا يقع فيما وقع فيه من قبله من المفسرين. وفي مقدمة هذا التفسير (٢) يقسم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام: منها ما وافق الكتاب ومنها ما خالفه ومنها ما سكت عنه، فأما القسم الأول وهو الذي وافق الكتاب، فلا حاجة لنا فيه لأن الكتاب يكفينا ويغنينا عنه. وأما ما خالف الكتاب فلا حاجة لنا كذلك فيه، لأنه مخالف لكتابنا. وأما القسم الثالث فيرى الإمام ابن كثير أنه لا مانع من نقله والتعرض له على أن ينبه على ذلك. ولقد كان ابن كثير متأثرًا بأستاذه ابن تيمية الذي حمل على هؤلاء الذين ينقلون هذه الإسرائيليات في كتبهم، ولو كانوا من العلماء الأجلة، الذين عدهم ابن تيمية

стр. 231

من الأئمة. فهو يقول عن الثعالبي مثلًا: إنه كان فيه خير ودين. ولكنه كان حاطب ليل. هذا ما يرتأيه ابن كثير. ولكن البرهان البقاعي يرى غير ذلك الرأي، فهو يرى جواز النقل عن بني إسرائيل، ويدلل علي ذلك بأن الذي ننقله إنما يقصد به الاستئناس فقط دون الاعتقاد وما ينقل للاستئناس لا يضيرنا إن لم نثبت من صحة نقله وذلك بعكس ما ننقله من أجل الاحتجاج والاعتقاد، فلا بد من التثبت من سنده ونقله. ويقسم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام: موضوع وضعيف وغير ذلك فأما القسم الثالث وهو الذي ليس بموضوع ولا ضعيف فينقل للحجة، وأما الضعيف فينقل للترغيب، وأما الموضوع فينقل للتنبيه على كذبه. وكأنه يبيج نقل هذه الأقسام جميعها. فهو يوجد لكل قسم منها مسوغًا يسوغ نقله ووضعه في كتبنا. وانظر إليه وهو يقول: عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ما نصه. (فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل، وعمى عن أن الأحسن في باب النظر، أن يرد على الإنسان بما يعتقده، تلوت عليه قول الله تعالى استشهادًا على كذب اليهود ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقوله تعالى. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] حتى آيات من أمثال ذلك كثيرة. وذكرته باستشهاد النبي ﷺ بالتوراة في قصة الزاني ... الخ) (١). وإذا كان هذان العالمان الجليلان مختلفين نحو هذه الإسرائيليات فأحدهما ينظر إلى الرواية والسند، والآخر ينظر إلى طبيعة المنقول. والمنقول إليه، من حيث الموافقة والمخالفة، فإن إمامًا ثالثًا وهو الحافظ ابن حجر يرى رأيًا آخر، وهو أن هذه الإسرائيليات ينبغي أن لا يطلع عليها إلا من كان متمكنًا من دينه، متضلعًا في

стр. 232

معرفة الأحكام، وذلك من أجل ألا ينزلق فيعتقد ما لا ينبغي اعتقاده (١). وهذا الرأي من ابن حجر حري بالتقدير والقبول وهو مناسب فيما أرى. ومهما يكن من أمر فقد قيض الله لهذه الأمة أعلامًا أجلاء لينقوا لها دينها من كل شائبة وليحفظوا لها تراثها صافيًا. الإسرائيليات تتجاوز القصص إلى العقيدة: ولو أن هذه الإسرائيليات وقفت عند هذه الكمية الضخمة من القصص لكان أمرًا غير متقبل فكيف إذا كان الأمر أشد خطرًا؟ نعم إنما يزيد الأمر خطورة، أن تكون هذه الإسرائيليات ألبست ثوبًا آخر، لتصبح أصلًا من الأصول المعتقدة فيتفرع عنها الكثير مما كان له أثر على كثير من الناس وبخاصة في تفسير كتاب الله. ومن هذه المسائل التي تسربت إلينا، اعتقاد كثير من اليهود أن كتابهم التوراة، ينبغي أن يفهم على أربعة أوجه، ولقد نقلت هذه القضية إلى البيئة الإسلامية. هل للقرآن ظهر وبطن ؟ وجدنا من تأثر بهذه القضية وادعى أن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًا ومطلعًا، حتى إنهم رفعوا ذلك إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. فصار هذا القول أصلًا فيما بعد عند كثير من المسلمين لا فرق بين سنة وشيعة ومتصوفة، إذ أخذوا هذا القول على أنه مسلم به، وبدأوا يفسرون كل آية حسب أهوائهم، فإذا قيل لهم إن تفسيركم هذا مخالف لقواعد اللغة وصحيح المنقول، قالوا غاب عنك أن للقرآن ظهرًا وبطنًا وتشعّب البطن إلى بطون كثيرة، وصار الأمر هوى مطاعًا ونحلة فتبعة. ولعمر الحق لقد كان ذلك من أكثر الأبواب خطرًا على القرآن وأهله، بل على الدين كله.

стр. 233

وأذكر أن الأستاذ الشيخ الذهبي ﵀ الذي كان المشرف الأول على رسالتي التي كتبتها لنيل درجة الدكتوراه قد ذكر هذه القضية في كتابه (التفسير والمفسرون) غير مرة على أنها من المسلمات، وقلت له: إنني خالفتك في هذه القضية، حيث إنني بعد الدراسة والتمحيص، وجدت من الأحرى أن يرد هذا القول. فقال: ﵀، بكل أدب وذوق، وتلك لعمر الحق أخلاق العلماء: سآخذ ما كتبته لأضعه عندما أطبع كتابي -التفسير والمفسرون- طبعة أخرى ولكنه استشهد ﵀ رحمة واسعة قبل أن يطبع كتابه طبعة جديدة. الروايات في هذه القضية وتمحيصها: ولا بد من أن نعرض لهذا القول من عدة نواح. سرد الروايات أولًا، ومناقشة سند الحديث ثانيًا، وفي الخطوة الثالثة نناقش متن هذا الحديث، لكي نكون على بينة من الأمر فتتبعها، ولا نتبع أهواء الذين لا يعلمون. وإليكم روايات هذا الحديث: ١ - أخرج الفريابي (حدثنا سفيان عن يونس عن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع). ٢ - وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا (القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد)، ٣ - وأخرج الطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفًا (أن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد ولكل حد مطلع). ٤ - وأخرج ابن حبان في صحيحه قال: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن) (١).

стр. 234

دراسة أسانيد الحديث: إن رواية الفريابي فضلًا على أنها مرسلة، فإن المصدر الذي ذكرت فيه ليس من المصادر التي يطمئن إليها أهل الحديث، وكذلك الرواية الثانية للديلمي فما ذكر في هذين الكتابين ينظر إليه العلماء نظرة حذر، بل لا يأخذون ما فيهما إذا لم يات من طرق أخرى. أما الرواية الثالثة فهي موقوفة، على الرغم من أنها وردت في كتب ليس كل ما جاء فيها صحيحًا فلنقصر بحثنا إذًا على الرواية الرابعة والأخيرة، أعني رواية ابن حبان، وأذكر السند هنا مرة أخرى لتسهل مناقشته: قال ابن حبان: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا إسماعيل بن أبى أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ .. الحديث. هذا هو سند ابن حبان. قال الذهبي في الميزان: (إسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أبي عامر الأصبحي محدث ومكثر فيه لين. قال أحمد لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن يحي: (صدوق ضعيف العقل، ليس بذلك). وقال أبو حاتم: محله الصدق مغفّل، وقال النسائي ضعيف. وقال الدراقطني لا أختاره في الصحيح) (١). وجاء في تهذيب التهذيب (٢) بعد أن ذكر نسبه وعمن روى ومن روى عنه قال عثمان الدارمي عن ابن معين وقال ابن خيثمة عنه: (صدوق ضعيف العقل، ليس بذلك) يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه. وقال معاوية بن صالح عنه: (هو وأبوه ضعيفان). وقال عبد الوهاب بن عصمة عن

стр. 235

أحمد بن أبي يحيى عن ابن معين. (ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث)، وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى: (مختلط يكذب ليس بشيء) وقال النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بان له ما لم يبن لغيره، لأن كلام هؤلاء يؤول إلى أنه ضعيف. وقال ابن عدي (روي عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد)، وعن سليمان بن بلال وغيرهما من شيوخه. وقال العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين. (ابن أبي أويس لا يسوى فلسين). وحكى ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن عبد الله العباس صاحب اليمن أن إسماعيل ارتشى من تاجر عشرين دينارًا، حتى باع له على الأمير ثوبًا يساوي خمسين بمائة، وذكره الإسماعيلي في المدخل، فقال: كان ينسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره. وقال لبعضهم جانبناه للسنة وقال ابن حزم في المحلى: قال أبو الفتح الأزدي (حدثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث). انتهى بتصرف. ومن أراد المزيد فعليه بكتب الرجال. ولكن بقي هنا أن يقال، ما دامت هذه حال ابن أبي أويس فكيف يروي له الإمام البخاري ﵁ في صحيحه؟ وأحب هنا لكي أجيب عن التساؤل أن أنقل ما ذكره الحافظ في مقدمة فتح الباري (قال ﵀: لم يخرج له البخاري مما تفرد به إلا حديثين. وأما مسلم فأخرج له أقل من ذلك. ثم قال روينا في مناقب البخاري بسند صحيح، أن إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقى منها. وأن يعلّم له على ما يحدث به، ليحدث به ويعرض عما سواه وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله. وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا أن يشاركه فيه غيره فيعتبر فيه) .. انتهى (١). أما ما ورد عن أبي الأحوص وهو أحد رواة هذا الحديث فلقد جاء في (ميزان

стр. 236

الاعتدال): ما حدث عنه سوى الزهري، وثقه بعض الكبار. وقال ابن معين ليس بشيء نقله عباس الدوري عنه وقال ابن القطان: لا يعرف له خال، ولا قضى له بالثقة. قول الزهري: سمعت أبا الأحوص يحدث في مجلس سعيد بن المسيب) انتهى (١) باختصار: ولقد طبع والحمد لله (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، وقد حكم المحقق على الحديث بالحسن. قال: (إسناده حسن إن كان أبو إسحاق هو الهمداني كما ذكر المؤلف، وهو عمرو بن عبد الله السبيعي، ولين إن كان إبراهيم بن مسلم الهجري كما رواه الطبري في تفسيره، وكلاهما يكنى أبا إسحاق، وكل منهما قد روى عن أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٠٩٠) والبزار (٢٣١٢) من طريقين عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال بهذا الإسناد، إلا أنهما قالا: عن أبي إسحاق، ولم يذكر (الهمداني) وقال البزار بإثره: لم يروه هكذا غير الهجري، ولا روى ابن عجلان عن الهجري غيره، ولا نعلمه من طريق ابن عجلان إلا من هذا الوجه. وأخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد الرازي، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن واصل بن حبان عمن ذكره عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، قال قال: رسول الله ﷺ .. وهذا سنده ضعيف لجهالة الواسطة بين واصل بن حبان وبين أبي الأحوص. وقد فسر الطبري ﵀ الجملة الأخيرة فقال: فظهره: الظاهر في التلاوة، وبطنه: ما بطن من تأويله. وعلق عليه الشيخ محمود شاكر ﵀ فقال: الظاهر هو ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي

стр. 237

يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، ولم يرد الطبري ما تفعله الطائفة الصوفية وأشباههم في التلاعب بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن وادعائهم أن لألفاظه ظاهرًا، هو الذي يعلمه علماء المسلمين وباطنًا يعلمه أهل الحقيقة فيما يزعمون، وانظر كلام البغوي في شرح السنة بتحقيقنا (١/ ٢٦٣) (١). وجرى بيني وبين الشيخ شعيب في شأن الحديث حديث، بينت مخاطر ما يترتب على هذا الحديث من سلبيات، فتقبل مشكورًا ووعد أن يعيد النظر فيما قال إن طبع الكتاب مرة ثانية. دراسة متن الحديث: أما فيما يتصل بمتن الحديث، فأنقل ما قال الإمام السيوطي في الإتقان (٢). (أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه، أحدها أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني أنه ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قال ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم. والثالث: إن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع: قال أبو عبيد وهو أشبهها بالصواب، إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به، ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، إنما هو حديث حدث به قوم وباطنها وعظ الآخرين، وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثل ما حل بهم. وحكى ابن النقيب قولًا خامسًا أن ظاهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وباطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله (ولكل حرف حد) أي منتهى فيما أراد الله من معناه. وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب على المراد به وقيل كل ما يستحقه

стр. 238

من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. وقال بعضهم: الظاهر التلاوة والباطن: الفهم، والحد: أحكام الحلال والحرام، والمطلع: الإشراف على الوعد والوعيد). انتهى. أما صاحب الموافقات (١) فهو يذكر هذه المسألة، ويرى القارئ من عبارته أنه غير مطمئن لهذه القضية، وإن عدم اطمئنان الشاطبي لهذه المسالة، جعله يذكرها بصيغة تدل على التشكيك والتمريض والتضعيف. فهو يقول: (من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار. فعن الحسن مما أرسله عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أنزل الله آية إلا ولها ظهر وبطن -بمعنى ظاهر وباطن- ولكل حرف حد ولكل حد مطلع (وفسر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة، والباطن هو الفهم عن الله لمراده، لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (٢) والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام، كيف وهو منزل بلسانهم؟ وكان هذا هو الذي روي عن على كرم الله وجهه حينما سئل. (هل عندكم كتاب؟ فقال: لا. إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم وما في هذه الصحيفة. الحديث .. )، ومضى الشاطبي في بيانه هذا، وكأنه يريد أن يسد الطريق على المتحمسين والمتكلفين، فذكر شرطًا للظاهر وشرطًا للباطن. فشرط الظاهر موافقة اللغة وعدم مخالفة الشرع، وشرط الباطن موافقة اللغة وشهادة الشرع (٣). مما تقدم ندرك إدراكًا يقينيًا، أن الحديث الذي ذكروه قد وهن متنًا (٤) وسندًا.

стр. 239

ولهذا يغلب على ظننا، بل نكاد نجزم بأن الحديث موضوع وإذا أراد بعض الناس أن يحسن الظن فيه، فإنه لا يخرجه من زمرة الأحاديث الضعيفة ضعفًا متناهيًا وحديث تلك رتبته لا يقبله العلماء في فضائل الأعمال من زهد وورع، فما ظنك بأصل من أعظم أصول الدين خطرًا وأكبرها أثرًا. وعلى التسليم بأنه حديث ضعيف، فإن بعض الأئمة الكبار لا يحتج بالضعيف مطلقًا. ومن احتج به، فإنما اشترط لذلك شروطًا، فيها أن يكون في فضائل الأعمال وأن يكون الضعفُ غير شديد، بمعنى ألا يكون في رواته من انفرد من الكذابين أو المتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، وأن يندرج تحت أصل معمول به، وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. وليس شرطا من هذه الشروط، قد استوفاه حديث نزول القرآن على بطن وظهر. لقد أطلت الكلام عن هذا الحديث، ولقد رأيتني مضطرًا إلى ذلك لأني رأيت كثيرًا من الأجّلة في تصانيفهم يمرون به دونما تعليق، بل ربما يشعر كلام كثيرين منهم بصحته، وذلك كله قد فتح لأصحاب الأهواء باب التأويل على مصراعيه فكل صاحب نحلة باطلة، أو بدعة زائفة او صاحب حقد دفين على هذا الدين وأهله، جعل من هذا الحديث منفذًا ينفذ منه إلى ما يريد، وأسال الله أن يلهمنا الصواب ويجنبنا الخطأ، وأكتفي بهذا القدر، والحق أن الإسرائيليات بما فيها من قصص وأخبار كانت من أعظم الأخطار على هذا الدين من ناحية، وعلى عقول بعض أهله وقلوبهم من ناحية أخرى.

стр. 240

الفَصْلُ الخَامِس التفسير في عصر التدوين لا نستطيع أن نتبين بالتحديد أول مدون للتفسير، وإن كان بعض الباحثين يذكر أن سعيد بن جبير ومجاهدًا في القرن الأول الهجري، قد دون كل منهما تفسيرًا للقرآن. إلا أني أشك في تلك الروايات فالمعروف عن سعيد بن جبير أنه كان يخشى أن يدون شيئًا في التفسير وقد ذكر ابن خلكان في ترجمته أنه سئل أن يدون شيئًا في التفسير، فقال إن قطع لسانه أهون عليه من ذلك (١). ولكن القرن الثاني ولا شك كان ميدانًا للتدوين والتأليف فقد شغل القرآن علماء هذا العصر على اختلاف مسالكهم ومشاربهم، وقد تفرعت بحوثهم وانتظمها سبيلان اثنان: أولهما: التفسير بالمأثور. وثانيهما: الدراسات اللغوية للقرآن. أما الدراسات اللغوية فكان في مقدمتها: مجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للفراء، ولقد اشتهر الأول بالمعاني اللغوية للكلمات، والأساليب اللغوية عند العرب، كما اشتهر الثاني بقضايا الإعراب، وذكر بعض الروايات الأثرية، ولم يخل من ذكر بعض الأساليب. وأما التفسير بالمأثور، فقد بدأ أولًا، وكانت مهمته نقل الروايات بأسانيدها، دون تعليق عليها، ودون مزج لهذه الروايات بلون آخر من الدراسة. كتفسير يزيد بن هارون السلمي المتوفى سنة ١١٧ هـ، وتفسير مقاتل بن سليمان، وتفسير عبد الرزاق الصنعاني، ونظرة واحدة إلى هذه التفاسير تعطينا صورة واضحة عما اشتملت عليه وهو نقل الروايات فحسب، ثم تدرج التفسير خطوة أخرى، وإذ به لا

стр. 241

يقتصر على نقل الأقوال، بل نراه يجمع إليها كذلك قضايا القراءات، وبعض قضايا الإعراب. وهذه المسائل بالطبع لم تكن هي القصد الأول لهؤلاء المفسرين. بل كان قصدهم هو نقل الروايات. ابن جرير الطبري: كان الاعتقاد السائد أن ابن جرير هو الذي خطى في التفسير هذه الخطوة ونقله تلك النقلة. إلا أن العلامة ابن عاشور ﵀، يذكر أن هناك حلقة بين ابن جرير، ومن سبقه ممن عني بنقل الروايات فحسب، نقل عنها العلماء والمستشرقون، ويعني بذلك تفسير يحيى بن سلام، الذي ذكر فيه بعض أوجه القراءات، كما كان يرجح بعض الآراء على بعض، ويبدي رأيه في ذلك (١). ومهما يكن من أمر فإن جامع البيان لابن جرير كان الإمام والمورد في تفسير القرآن للعلماء جميعًا. ولا أشك في أن تفسير ابن جرير، كان الممهد لمن جاء بعده من المفسرين على اختلاف اتجاهاتهم، فالمعروف أن ابن جرير لم يذكر في تفسيره الروايات فحسب، بل كان يرجح ما يراه مستحقًّا للترجيح، ويذكر أوجه القراءات وبعض مسائل اللغة من إعراب وغيره، ويتطرق إلى النواحي الفقهية وأمور العقيدة، والخلاف مشهور بينه وبين الحنابلة في بعض المسائل. إننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: عن تفسير ابن جرير كان النواة الأولى للتفسير بالرأي، وليس كما شاع من إن تفسير بالمأثور فحسب. ولعل الذين جعلوه من قسم التفسير بالمأثور، نظروا إلى ما فيه من روايات كثيرة فحسب. يقول الشيخ ابن عاشور ﵀ (والعجب كل العجب، من ابن خلدون، حين راجت عليه هذه الشبهة، فعده من

стр. 242

مدوني الآثار المنقولة، مثل الواقدي والثعالبي، وقد يرجع السبب في ذلك، إلى أن تفسير الطبري، كان منذ قرون مفقودًا أو في حكم المفقود، حتى إن صاحب كشف الظنون لم يقف عليه (١). لقد كان محمد بن جرير ﵀ إمام المفسرين بحق، وكان تفسيره الأنموذج العلمي ذا الروعة والبيان. لذلك عرف الأئمة فضله، فقالوا ما قالوا فيه وعنه، ولا يحط من قيمته العلمية، ما فيه من بعض الإسرائيليات أو الروايات الضعيفة، ما دام يبين أسانيدها -ومن أحالك فقد أسندك- ومن الظلم لعلمائنا وتراثهم، أن نغمطهم حقهم، وأن نضع هذا التراث ونحفظه في متاحف أثرية، كما يرى الأستاذ عبد المنعم النمر، في مقال كتبه في مجلة العربي عن تفسير الطبري. فهو يرى أن يختصر أمثال هذا التفسير، وأن تبقى النسخ الأصلية في مكتبات لا يطلع عليها إلا الخاصة. إننا حينما نصدر أحكامنا على الناس، ينبغي أن نراعي الظرف والبيئة التي عاشوا فيها، فهل نريد من ابن جرير مثلًا، أن يرد في تفسيره على مطاعن المستشرقين، أو يبين لنا بوضوح أنظمة القرآن في الاجتماع والسياسة والمال، مقارنًا ذلك بالنظم الأخرى؟ . إن من الإنصاف الواجب علينا أن نقدر رجلًا كان يريد أن يجعل تفسيره ثلاثين ألف ورقة، لولا الرفق بطلابه ومستمعيه، فجعله في ثلاثة آلاف.

стр. 243

مدارس التفسير بعد ابن جرير الطبري ١ - المدرسة البيانية: وبعد ابن جرير بدأ العلماء يتوسعون في دلالات الألفاظ القرآنية، وفي ما تلقيه هذه الألفاظ من ظلال. فكانت هناك اتجاهات ومدارس متعددة في التفسير، وأهمها المدرسة البيانية. وكان أساتذتها بادي بدء من المعتزلة، ولكن أهل السنة استلموا زمامها فيما بعد، وذلك بفضل ابن قتيبة صاحب (تأويل مشكل القرآن) وأبي بكر الباقلاني، وعبد القاهر الجرجاني، إلا أن هذا لم يحل دون تربع الزمخشري المعتزليّ على كرسي الأستاذية لتلك المدرسة، والكشاف خير شاهد على ذلك، فلقد كان الإمام في تجلية البيان القرآني وللكشاف تلاميذ نهلوا من مورده. ومن أشهر هؤلاء البيضاوي والنسفي وأبو السعود. وهؤلاء، وإن خالفوا الكشاف في عقيدة الاعتزال، فإن من الأنصاف أن نسجل أنهم لم يتأثروا به فحسب، بل لقد كانوا عالة على عباراته، مع أنهم تفاوتوا في سبك تلك العبارة وتدبيجها أو اختصارها وضغطها. ولا نعدو الحقيقة إذا قررنا أنه ليس هناك مفسّر بعد الزمخشري، إلا وللزمخشري عليه فضل، مع تفاوتهم فيما أفادوه من هذا التفسير العظيم، وما نقلوه عن هذا الإمام الفاضل، ولا يحط من قيمته تلك الحملات التي تعرض لها الزمخشري وكشافه. ٢ - المدرسة الفقهية: ظهرت بعض التآليف والتصانيف التي عني أصحابها بتجريد آيات الأحكام على حدة، وبيان ما فيها من اختلافات الفقهاء، وبعضهم فسر الآيات القرآنية كلها، لكن كانت له عناية خاصة بآيات الأحكام، ويمثل هذا اللون كتب أحكام القرآن التي تعددت بتعدد المذاهب، (مثل أحكام القرآن) للإمام الشافعي و (أحكام القرآن)

стр. 244

للجصاص الحنفي ومثيله للكيا الهراسي الشافعي، ورابع لأبي بكر بن العربي المالكي، ثم القرطبي في موسوعته التفسيرية الجامع لأحكام القرآن والذي ظهرت فيه الصبغة الفقهية، فاسمه بحق ينبئ عن ذلك بأوضح صورة. ٣ - المدرسة العقدية: المدرسة العقدية كان إمامها فخر الدين الرازي بتفسيره (مفاتح الغيب)، ثم بدأ العلماء يختصرون هذا التفسير كما فعل النيسابوري وغيره. ومما هو حقيق بالإشارة ها هنا أن ما قيل في تفسير الرازي من أن فيه كل شيء إلا التفسير عبارة ظالمة، فمفاتح الغيب بحر زخّار إن كان فيه كل شيء، فيجب أن يكون فيه التفسير، فالتفسير من أعظم أشياء العلم، صحيح أن فيه غوصا في كثير من القضايا العلمية والعقدية والجدلية بين الفرق والمذاهب، ولكنه مع ذاك كله يلبّي رغبة القارئ في قضايا الأحكام واللغة وغيرهما. ٤ - مدرسة التفسير بالمأثور: مدرسة عنيت بآثار السلف، واحتفظت بالروايات المأثورة. وقد مثل هذه المدرسة ابن الجوزي في كتابه (زاد المسير في علم التفسير) وابن عطية في (المحرر الوجيز) والحاظ ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في (الدر المنثور) على تفاوت فيما بينهم في الأسلوب والمنهج. إلا أن تلك التفاسير ما عدا الأخير لم تكن قاصرة على ذكر الروايات وحدها، بل جمعت إلى ذلك كثيرًا من الآراء، أما الدر المنثور فقد اقتصر فيه السيوطي ﵀ على الروايات. ٥ - مدرسة المتصوّفة: هذه المدرسة تمثلها المؤلفات التالية: أولًا: تفسير القرآن العظيم لابن عبد الله التستري.

стр. 245

ثانيًا: لطائف الإشارات للقشيري. ثالثًا: التفسير المنسوب لابن عربي. ٦ - المدرسة الوعظية: ويمثلها الإمام الخازن في تفسيره، والخطيب الشربيني. فهذان التفسيرات يمكن أن يفيد منهما كثير من الناس وبخاصة تفسير الخازن. هذه أهم مدارس التفسير التي مثلت تلك المرحلة، على أن هناك مفسرين أسهموا في خدمة كتاب الله تعالى وتفسيره وفق تخصصاتهم من أمثال أبي حيان النحوي في (البحر المحيط) وغير ذلك، هذا عدا عن تفاسير الفرق المختلفة. ولا بد أن نقرر هنا أن المفسرين ﵏ كانوا موسوعيين، فكان كلٌّ منهم دائرة معارف، وهذا شأن المفسر، فإذا قررنا أن أحدهم اشتهر بصبغة معينة، أو اتجاه خاص فليس معنى هذا أن تفسيره كان قاصرًا على هذا الاتجاه وتلك الصبغة، فالزمخشري مثلًا من أئمة البيان، لكن الأمور العقدية، وبخاصة عقيدة الاعتزال، احتلت جانبًا كبيرًا من هذا التفسير، وكذلك قضايا النحو، والإشارة إلى بعض القضايا الفقهية. وإذا قلنا إن تفسير الرازي يمثل المدرسة العقدية، فليس معنى هذا أنَّه كان مقتصرًا على هذا الاتجاه، بل اشتمل التفسير على كثير من قضايا اللغة متنها ونحوها وفقهها، كما كان فيه تفصيل لكثير من قضايا الفقه واختلاف الفقهاء، كذلك الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، لم يخل من جوانب متعددة، ومن هنا كان الدارس لهذه التفاسير يجد نفسه في بحر متلاطم الأمواج، لذلك آثرت الحديث عنهم وفق التاريخ الزمني، وليس حسب اتجاهاتهم، لأنَّ الحديث حسب اتجاهاتهم يسلبنا كثيرًا من الفوائد، فعندما أتحدث عن الزمخشري مثلًا، أأتحدث عنه من حيث الاتجاه البياني أم العقدي؟ أم من حيث الاتجاه الفقهي؟ وكذلك الأمر مع الإمام الرازي.

стр. 246

وحينما أتحدث عن البحر المحيط لأبي حيان أأتحدث عنه من الجانب النحوي فحسب؟ مع أن البحر بحر، فيه ما فيه من أنواع الدرر وصنوف اللآلئ. ثمَّ بدأتْ محاولة جمع تلك المدارس في جامعة واحدة، والذي أعلمه أن أول من حاول هذه المحاولة هو الإمام السيوطي، كما حدثنا هو نفسه عن ذلك، وجعل كتابه (الإتقان) مقدمة لهدا التفسير يقول السيوطي (وقد جعلته مقدمة للتفسير الكبير الذي شرعت فيه، وسميته مجمع البحرين، ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية، وتقرير الدراية، ومن الله استمد التوفيق والهداية، والمعونة والرعاية، إنه قريب مجيب) (١). ولكن هذه الجامعة لم يهيأ لها أن تفتح أبوابها لجماهير الدارسين، حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري، إذ قيض الله لهذه الأمة عالمًا فذًا ذكيًا محققًا، ذلكم هو شهاب الدين الآلوسي البغدادي، فوضع تفسيره (روح المعاني) فجاء جامعة قرآنية، لم يهمل فيها مسائل المتكلم، ولا مشكلات النحوي ولا روايات الأثري، ولا آراء الفقيه، ولا نكات البياني، ولا قضايا العلم والكون، ولا نفحات الصوفي أو شطحاته فكان روح المعاني روح أقوال كل هؤلاء، يزين ذلك كله تحقيق الرجل لكل تلك المسائل، وإفاضته في ذلك كله. وبهذا التفسير ختمت المرحلة الثانية، لتبدأ مرحلة جديدة هي التفسير في العصر الحديث. فرحم الله علامة الرافدين أبا الثناء شهاب الدين الآلوسي وجزاه الله عن تحقيقه خير الجزاء. ومن الإنصاف أن نسجل هنا أن جامع البيان لابن جرير وكشاف الزمخشري ومفاتح الغيب للرازي، هي الأفلاك التي تدور حولها جميع كتب التفاسير في مرحلة التدوين. ولا يفوتني قبل التحدث عن المرحلة الثالثة، أن أذكر أن المرحلة الثانية التي استغرقت ما يزيد على عشرة قرون، كانت غنية كل الغنى بنفائس الدرر في تفسير القرآن الكريم، فيما أنتجته عقول الأئمة الأعلام، ودبجته أيديهم. فهناك مئات

стр. 247

التفاسير، وعشرات المدارس غير الذي حدثتك عنه. إن هذه المرحلة، أعني مرحلة التدوين، ملأت مئات الخزائن من المؤلفات، التي يحتاج عدها فحسب إلى مجلدات، فما بالك بالتعريف بها، فضلًا على التفصيل والتعليق، إن ذلك أمر لا يستطيع أيّ فرد أن يقوم به، بل هو يحتاج إلى أكثر من فريق، وذلك كله ليس كثيرًا على هذا الكتاب الخالد، كتاب الله، الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فرحم الله أئمتنا وأجزل لهم في العطاء وجزاهم خير الجزاء. التفسير في العصر الحديث (١) يختلف الباحثون في تحديد العصر الحديث، والذي أراه أن هذا يختلف باختلاف الأمم أولًا، وباختلاف العلوم المتحدث عنها ثانيًا، فالعصر الحديث عند الأوروبيين مثلًا يختلف عنه عندنا، ومؤرخو الأدب العربي يجعلون ابتداءه مطلع القرن التاسع عشر، إلا أنّ العصر الحديث للتفسير، إنما ابتدأ في رأيي بظهور تفسير الإمام الشيخ محمَّد عبده، وذلك في نهاية القرن التاسع عشر. ولعل خير شاهد على ذلك، هذا البون الشاسع من حيث الموضوع والأسلوب في التفسير بين الآلوسي الذي توفي سنة ١٢٧٠ هـ - أي بعد ولادة الشيخ محمَّد عبده بست سنين - وتفسير الشيخ محمَّد عبده. فلقد كان منهج الشيخ في التفسير وأسلوبه وموضوعاته التي عرض لها، كان ذلك كله جديدًا يختلف عما ألفه الناس من الناحية التقليدية في التفسير. ولئن كان يغلب على اتجاه التفسير في هذه المرحلة، الطابع الاجتماعي، فإن مدرسة الإمام في التفسير كاتت النواة لجميع الاتجاهات التي اتسعت دائرتها فيما بعد، وأهمها الاتجاه البياني والفقهي (٢) والعلمي والعقدي

стр. 248

والسياسي والاجتماعي والاتجاه الموضوعي. وهناك مع كل أسف تفسيرات منحرفة عن جادة الصواب، بعضها عن قصد وبعضها عن غير قصد. والتفسير في العصر الحديث يتسع باتساع الزمن، فلئن بدأ بالإمام محمَّد عبده ﵀ إلا أننا نجد له اليوم أعلامًا ومدارس، وهذا أمر طبعي، فارتباط المسلمين بكتابهم أمر حيوي، تحتمه الظروف، فلا حياة لهم إلا به، وسنحاول في هذا الكتاب إن شاء الله بفضل الله ومنته وتيسيره، أن تقدم لك خلاصة، أرجو أن تكون جمّة الفوائد، طيبة الجنى، دانية القطوف، وارفة الظلال، تجد فيها تفصيلًا لما أجمل من قبل. راجيًا من الله التوفيق، فهو ولينا في الدنيا والآخرة، له الفضل وحده، وعليه التوكل والاعتماد وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 249

البَابُ الثَّاني أسباب اختلاف المفسِّرين وفيه خمسة فصول: الفصل الأوّل: اختلاف المفسّرين وأسبابه. الفصل الثاني: الرأي المختار في أسباب اختلاف المفسرين. الفصل الثالث: مخالفة المفسّرين. الفصل الرابع: تذوق القرآن وفهمه لا بد له من التعمق في العربية. الفصل الخامس: الآيات المختلف فيها بين المفسّرين في سورة الحجّ - أنموذج تطبيقي.

стр. 250

الفَصْلُ الأَوّل اختلاف المفسّرين وأسبابه * مقدّمات لا بدّ منها: هذا هو الباب الثاني من هذا الكتاب وهو واسطة عقده ولبّ ثمراته. ولقد جهدتُ فيه ما يسّر الله وما مكنّني فيه فأكثرتُ فيه من الأمثلة التي توسم بالجدّة محاولًا تجلية أمورٍ من الأهمية بمكانٍ تتصل بموضوع التفسير من هنا فإنني أرجو من ذوي التخصص الدقيق والراغبين في الدراسات القرآنية العناية بهذا الموضوع راجيًا أن يجدوا فيه بغيتهم وأن يحلّ كثيرًا مما يدور في خلدهم وأن يفتح لهم أبواب البحث في موضوعات قرآنية تمسّ الحاجة إليها. وما توفيقي إلَّا باللهِ عليه توكّلت وإليه أنيب. ولن أعرض في هذا الباب للخلافات التي ليس لها حظ من النظر، وأعني بذلك الخلافات المذمومة التي سلكها أصحاب النّحَل الباطلة وذوو الأهواء والجهلة من الأقدمين والمحدَثين. ولقد أشرتُ إلى شيء من هذه الخلافات عند حديثي عن التفسير بالرأي. والاختلاف بين الناس فطرةٌ فطر الله الناس عليها، وقد ذكر الله ﵎ في آيات كريمات من آي القرآن الحكيم بعض هذه الاختلافات ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وقد يكون الاختلاف بين الناس رحمةً من أجل عمارة هذا الكون. والاختلاف بين المفسّىرين - وقد وعدنا أن نتجنب الاختلافات المذمومة - اختلافٌ تتسع به الآفاق والمدارك وتهذّب به الأفكار وتُصقَلُ به الآراء فيعرف راجحها من مرجوحها.
следующие страницы →