← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]. فبيَّن أن هذه الآية ليست منسوخة، لأنها لا تعارض الآية السابقة عليها، فكلّ من الآيتين يحكي حالة مخصوصة. وأيَّد ما ذهب إليه بما نقل عن الطبري عن مجاهد بأن الآية محكمة وبما نقله الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني. وبقوله بعدم النسخ في هذه الآية الكريمة كان موافقًا لصاحب المنار ﵀ (١). المحكم والمتشابه: يرى الأستاذ أبو زهرة أن المتشابه يحتملُ معنيين: أ- الغيب الذي لا يستطيع الإنسان معرفته، كمعرفة الوحي، وحقيقة الجنّ والملائكة ... وهكذا مما غيبه الله تعالى علينا ... وعلينا أن نؤمن بما أخبرنا القرآن الكريم، وما جاءت به السُّنّة الصحيحة. ب- المتشابه هو الذي يدق معناه إلا على طائفة خاصة من أهل العلم كبعض العبارات الخاصة بالكون وتكوين السماء والأرض، ونحو ذلك من الحقائق التي لا يخوض فيها إلا أهل الذكر (٢). ثم بيَّن أن هذين الوجهين مما تحتملهما الآية الكريمة وهما مرادان منها وهو الذي اختاره في تفسيره (٣).

стр. 1857

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] وقد استدل على ما ذهب إليه بجمعه بين القراءتين اللتين اختلفتا بالوقف والوصل على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فقال: "وإذا كانت قراءاتُ القرآن سنّة متبعة وكل قراءة هي بذاتها قرآن متلو مبين، فمجموع القراءتين يشير إلى أن التأويل قسمان؛ أحدهما: علم بالمآل والغاية، وهذا لا يعلمه إلا الله، كما أشارت القراءة الأولى، والقسم الثاني من التأويل علم بالتفسير والمراد من الألفاظ، وهذا يعلمه الله، وقد يعرفه الراسخون في العلم، وهم في الحالين يقولون آمنا ... " (١). وهذا الذي ذهب إليه الشيخ أبو زهرة هو ما ذهب إليه السيد رشيد رضا وجمهرة من العلماء المحققين (٢). القراءات القرآنية: ذكر الشيخ في مقدمته "أن من تفسير القرآن بالقرآن حمل بعض القراءات على غيرها، فإن كل قراءة هي في حقيقتها قرآن يتوجب على المفسر عدم إهمالها عندما تمس الحاجة" (٣). وذكر في كتابه "المعجزة الكبرى" أنه "لا عبرة إلا بالقراءات المتواترة؛ لأنها هي التي تتناسب مع تواتر القرآن الكريم، وحفظه في الأجيال إلى يوم القيامة" (٤). والشيخ في تفسيره لم يلتزم بذكر جميع القراءات المتواترة، فعند قوله تعالى ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] يقول: "وفي هذا النص الكريم قراءات نذكر منها قراءتين ... " (٥)، بل إنه لم يعن عناية كبيرة بالقراءات.

стр. 1858

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] وإن ذكر قراءة لم يعزها إلى أصحابها، كما أنه ﵀ لم يكن يميز بين متواترها وشاذها. الشيخ لا يبين القراءة المتواترة من الشاذة: مثال ذلك: يذكر في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قراءتين: الأولى: وهي الرفع ﴿الْحَمْدُ﴾ والثانية: (الحمدَ). فيقول: "وتقرأ كلمة ﴿الْحَمْدُ﴾ برفع الدّال، والمعنى: الحمدُ الثابت الكامل المستغرق لكل صنوف الحمد هو لله وحده ... وهناك قراءة بفتح الدال علي أنه مصدر، ومنصوب بفعل محذوف، ويكون المؤدَّى للقول: أحمدِ الحمدَ كلّه لله تعالى، فلا تحمدْ سواه .. وهذه القراءة تفيد تجدد الحمد آنًا بعد آنِ بالتذكير بنِعَم الله تعالى وآلائه، والقراءة السابقة تفيد دوام الحمد، كما تدل على ذلك الجملة الاسمية لأنها تفيد الاستمرار" (١). ولم يكتف الشيخ بما ذكره، ولكنه عَدَّ قراءة (الحمدَ) بالنصب قراءة متواترة مع أنها قراءة شاذة كما ذكر علماء القراءات. قال الإمام القرطبي ﵀: "وأجمع القرّاء السبعة وجمهور الناس علي رفع الدال في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجّاج: (الحمدَ لله) بنصب الدال" (٢).

стр. 1859

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] يقول أبو زهرة في الجمع بين القراءتين في (الحمد): "وإني أرى أنّ القراءات المتواترة كلها لا تتباين، ولا تتضارب، بل تتلاقى، وتكمل واحدة معنى في الأخرى، فبالجمع بين القراءتين يكون معنى النص السامي: اجعل الحمدَ دائمًا مستمرًا ومتجددًا، ليكون القلب دائمًا عامرًا بذكر الله تعالى" (١). ومن الأمثلة أيضًا: القراءات في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]: قال أبو زهرة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾: فيه قراءات تختلف في أشكالها، ولا تختلف في مضمونها فقرئ هكذا: مالِك يوم الدين، وقرئ: مليكِ يوم الدين وقرئ: مَلكِ يوم الدين. وقرأ أبو حنيفة ﵁ مَلَكَ يومَ الدين، وقرئ: مالكًا يوم الدين، وقرئ: مالكٌ. والقراءات كلها تنتهي إلى معنى واحد، وإن كانت تختلف في أعاريبها، والنص العثماني يشملها جميعًا، ولا تخالف في النسخ المتواتر ... " (٢). ثم أخذ يذكر إعراب كل قراءة ويبين معناها وخلص إلى النتيجة التالية: قال: "ورأينا أنّ كل قراءة متواترة قرآن، وأن القرآن لا يخالف بعضه بعضًا، بل قد يُتِمُّ بعضُه بعضًا، وليس لنا أن نراجح بين قراءة وقراءة، لأن كلتيهما تتمم الأخرى" (٣). وما ذكره حق فيما يتعلق بالقراءات المتواترة، فهي لا تتعارض أولًا، ولا ينبغي الترجيح بينها ثانيًا.

стр. 1860

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] أما القراءات التي ذكرها في (مالك) فإن قراءتين اثنتين منها متواترة وهي قراءة (مَلِكِ) و (مالكِ) وما عداهما شاذ، وقد عرض الدكتور فضل ﵀ لهاتين القراءتين من حيث معناهما والفرق بينهما وعدم جواز الترجيح بينهما كما فعل الطبري وصاحب المنار (١). وإذا كان الشيخ غالبًا لا يرد قراءة متواترة، كما ذكر عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، قال: "والأرحام قُرئت بفتح الميم، ويكون المعنى: اتقوا الله والأرحامَ أن تقطعوها، ويصح أن يكون المعنى: اتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، وتكون الواو واو المعية، وتتلاقى هذه مع قراءة الكسر، وقراءة الكسر قد تتعارض مع قواعد النحاة الذين قد يقولون: إن العطف أن لا يكون على ضمير موصول مجرور، لكن قراءات القرآن المتواترة فوق قواعد النحاة، وهي أصدق في الفصحى" (٢). أقول إذا كان الشيخ لا يرد قراءة متواترة، فهل يمكن أن يرجح قراءة على أخرى، دون ردّ للقراءة المرجوحة، وأقول: إن الشيخ لم يختر قراءة على أخرى، وإنما كان ينبِّه على أن كل قراءة هي من عند الله سبحانه وكلها حق، ولكننا وجدناه ينقل عن الطبري اختياره لقراءة دون أن يعلق على ذلك. عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦]، قال: "وهناك قراءة أخرى بالبناء للفاعل (يَصْرِف)، ويكون المعنى على هذه القراءة من يصرف الله تعالى عنه العذاب العظيم في ذلك اليوم فقد رحمه، وعلى أي حال فالضمير في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعود على الله، ولهذا يختار ابن جرير الطبري

стр. 1861

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] قراءة البناء للفاعل، إذ يكون الصارف الدافع للعذاب هو الرحمة، فالنسق يكون واضحًا" (١). وعند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣] يذكر أن في النص الكريم قراءتان: إحداهما بضم التاء (فتنتُهم) من الفتنة الاختبار الشديد بهول ما رأوا، والقراءة الثانية بفتح التاء والياء في (تكن)، ويصير اسم (يكن) هو (أن قالوا)، ويقول إن الطبري (٢) قد رجح هذه القراءة الثانية (٣). ومع أن الشيخ بنسب هذا الاختيار إلى الطبري، إلا أننا كنا نود منه أن يعلق على فعل الطبري رحمهما الله تعالى. ومع عدم عناية الشيخ كثيرًا بالقراءات، إلا أننا نجده يوجه تلك القراءات التي ذكرها. من ذلك ما جاء عند قوله تعالى: ﴿قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥] "هناك قراءتان في (منزّلها): الأولى بتشديد الزاي، والثانية بتخفيفها، وعلى القراءة الأولى يكون المراد من تشديد النزول تكراره، كما تقول: تقتيل، المراد كثرة القتل والتكرار، والثانية تحمل على معنى الكثرة التي دلت عليها القراءة الأولى". ثم قال: "والتكثير في الحالين يفيد أنها نزلت عليهم من وقت لآخر، وفي تكرار نزولها تكرار لأسباب اطمئنانهم وشدة تصديقهم وإدخال السرور عليهم، وتأكيد معنى العيد لهم، وإرزاقهم رزقًا حسنًا لم يرزقه أحد من العالمين" (٤).

стр. 1862

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] مناسبة معجزة كل نبي لقومه: يرى الشيخ أبو زهرة أن معجزة عيسى ﵇-كانت قاطعة في إبطال الأسباب العادية والمسببات ولوازمها، فتعالى الله، وأبطل القول الذي يذهب إلى أن معجزة عيسى جاءت متناسبة مع عصره الذي كان عصر طبٍّ كما يقولون. يقول أبو زهرة: "وما يُدَّعى من أن عصر عيسى ﵇ كان عصر علم الطب لا يؤيده التاريخ، بل كان اليهود الذين بعث فيهم عيسى وخاطبهم برسالته ومعجزاته كانوا أجهل الناس بالطب كما حكى عنهم الفيلسوف المسيحي رنيان في كتابه" (١). والذي ذهب إليه أبو زهرة وافقه عليه الشيخ فضل عباس -حفظه الله- في كتابه الإعجاز حيث بين أن معجزة كل نبي تكون منسجمة مع أحوال الناس الذين ظهرت فيهم، جارية مع تفكيرهم ومع طبيعة بيئتهم، وبين أيضًا أن معجزة عيسى ﵇ جاءت متناسبة مع أحوال قومه الذين طغت عليهم المادة، وقطعوا كل صلة بينهم وبين شريعة موسى، فكانت معجزته ﵇ تقويضًا للمادة رأسًا على عقب وصفعة للماديين. نزول الفاتحة: يرى أبو زهرة ﵀ أنّ الفاتحة ليست أوّل ما نزل من القرآن، ويرى أنها نزلت عندما فُرضت الصلاة في الإسراء والمعراج (٢). كما ينفي أبو زهرة أن تكون الفاتحة قد تكرر نزولها في المدينة، يقول: "وكونها نزلت بعد ذلك بالمدينة تكرار للنزول، ولا نحسب ثمة حاجة للتكرار فإنها متى نزلت كانت واجبة التلاوة على أنها جزءٌ من القرآن ولا حاجة إلى تكرار نزولها" (٣).

стр. 1863

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] نحن نتفق مع أبي زهرة في قضيتين ونخالفه في واحدة مما ذكر. أما القضيتان اللتان نتفق معه فيهما فهما: أ- اعتباره أن الفاتحة ليست أول ما نزل من القرآن، وهذا حقٌّ فقد ثبت بالأدلة الصحيحة عند العلماء المحققين أن مطلع سورة العلق هو أول ما نزل من القرآن (١). ب- قوله بعدم تكرار نزول الفاتحة في المدينة بعد نزولها في مكة، وهذا أيضًا حقّ، فإن القول بتكرار النزول قول لا يقوم أمام النظر الصحيح لا عقلًا ولا نقلًا، خاصة في الفاتحة (٢). أما القضية التي لا نتفق معه فيها قوله: بأن الفاتحة نزلت عندما فُرضت الصلاة في الإسراء والمعراج. فنقول: إن هذا القول لا يُقبَل لعدم وجود نقل صحيح يؤيد هذا الرأي من جهة، ومن جهة أخرى فإن بعض العلماء جعل الفاتحة هي أول ما نزل من القرآن الكريم، وهي وإن لم تكن أول ما نزل فإن بعض العلماء جعلها من أول القرآن نزولًا وهي أول سورة نزلت كاملة تامة، ويكاد يجمع العلماء على أن الفاتحة قد تقدم نزولها. أما القول بأنها تأخرت إلى السنة العاشرة من البعثة فقول لا يُقبَل. سورة الرعد مدنية: يرى الشيخ أبو زهرة أن سورة الرعد مدنية (٣)، دون أن يشير إلى أن السورة فيها خلاف في مكيتها ومدنيتها (٤).

стр. 1864

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] والذي نأخذ به أن سورة الرعد مكية كلها، قال صاحب الظلال: "السورة مكية بخلاف ما ورد في المصحف الأميري وبعض المصاحف -اعتمادًا على بعض الروايات- أنها مدنية. ومكية السورة شديدة الوضوح، سواءً في طبيعة موضوعها، أو طريقة أدائها أو في جوّها العام، الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال القرآن" (١). نزول قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ يوم النحر في حجة الوداع: يرى الأستاذ أبو زهرة أن هذه الآية نزلت يوم النحر، في حجة الوداع، ونقل هذا القول عن الإمام القرطبي ﵀ وكذا نقله الشوكاني في تفسيره (٢). ومن المعروف عند العلماء المحققين أن هذه الآية الكريمة هي آخر القرآن نزولًا، ومن المعروف أيضًا أن الآية التي نزلت في حجة الوداع هي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وليست آية الربا، ولم أرَ أحدًا من العلماء ذكر أن آية الربا نزلت في حجة الوداع إلا ما ذكره الإمام القرطبي، ونقله عنه أبو زهرة. لذا فنحن لسنا مع الأستاذ أبي زهرة في هذا القول (٣). رأيه في بعض مسائل التفسير: إن عد الشيخ من مدرسة الجمهور، لا يعني التزامه بكل جزئية من الجزئيات مما للجمهور فيه رأي، وإنما تقضي طبيعة الفكر والاستقلال في البحث، أن يكون لكل باحث بعض الآراء، التي يوصله إليها تفكيره وبحثه. والشيخ أبو زهرة يحارب التعصب في الرأي، ويظهر هذا من خلال كتاباته وأبحاثه. فهو لا يرضى مثلًا من هؤلاء الذين يسمون بالسلفيين، وينكر أن يكون ما

стр. 1865

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] ينادون به هو قول الصحابة، أو حتى مذهب الإمام أحمد ﵁ ويستشهد بأقوال إمام من أئمة الحنابلة هو العلّامة ابن الجوزي (١). والشيخ من المعجبين بالإمام الشيخ محمد عبده، وكثيرًا ما يستشهد بآرائه ولا تكاد تمر مسألة من مسائل التفسير، للإمام فيها رأي إلا ونجد الشيخ يذكره، وقد يرتضيه وقد يسكت عنه. إلا أنه لم يطلق لعقله العنان متجاوزًا ما للنص من سلطة كما فعلت المدرسة العقلية. ولم يسر في ركاب الذين يحاولون تحميل النص، ليقبسوا منه النظريات كما فعلت المدرسة العلمية، لذا آثرنا عده في مدرسة الجمهور. على أن هناك بعض المسائل، رأى الشيخُ فيها رأيًا غير ما ارتآه السابقون ولا بد أن نعرض لبعض تلك المسائل، التي ندرك منها رأي الشيخ، نقف معه مناقشين وإن كنا لا ندانيه. رأيه في القتال: يقول: "أما مسالمة المسلمين لغير المسلمين، فقد أثار القول حولها من فهم ظواهر الأمور، ولم يتغلغل في بواطنها، إذ قال إن الإسلام قد أباح القتال. والقتال والسلام نقيضان لا يجتمعان، والكثرة الكبرى من فقهاء المسلمين تقرر أن الأصل في العلاقة الدولية بين المسلمين وغيرهم الحرب، حتى يتقدموا بعهد أو موادعة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].ذلك قول الذين فهموا الأمور بظواهرها. الحقيقة أن الإسلام دعا إلى السلام وحثّ عليه، ومبدؤه العام التعارف بين بني الإنسان لا التنابذ بينهم. ولذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فما جاء الإسلام للحرب والخصام، بل جاء بالهدى والسلام، لكن سلام الإسلام سلام عزيز قوي، وليس بسلام ذليل خانع، أباح الإسلامُ القتال،

стр. 1866

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] وقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ... ﴾ [الحج: ٣٩] ولقد قرر الفقهاء أن الأصل الحرب حتى يكون عهد، لأن الأصل بين الدول في وقت استنباطهم، كان الاعتداء حتى يتعاهدوا، فما كان الإسلام ليسالم وهم يحاربون" (١). هذا ما قرره الأستاذ، ولسنا معه في بعض ما أورده، فدعواه أن الكثرة الكبرى من فقهاء المسلمين، وقفت عند ظواهر الأمور دون الغوص في بواطنها، فيها من التجني ما لا يخفى. ودعوى أن المقصود من الحرب العهد والموادعة، لا تؤيدها نصوص القرآن وواقع المسلمين الأول، وهذه سورة براءة خير شاهد على ذلك. ثم إن استشهاده بالآيات التي أوردها استشهاد لم يراع فيه الناحية المرحلية لنزول الآيات، ولا الدقة والموضوعية. وأعجب من هذا كله قوله: "إن الفقهاء قرروا أن الحرب هي الأصل، لأن الحرب كانت الأصل بين الدول، حينما استنبطوا هذه الأحكام" هذا في زمنهم أما في زماننا فما هو الأصل يا ترى؟ ! أليس هو الحرب الفاحشة المدمرة؟ أليست أرضنا ومقدساتنا وأهلونا في قبضة عدو مارق [*] لا يرعى إلًّا ولا ذمة؟ ! أليس عدونا يطالب بمزيد من السلاح المدمر من أجل المحافظة على السلام كما يدعي؟ ! الحق أن الفقهاء حينما قرروا أن الحرب هي الأصل، كانوا أكثر فهمًا لطبيعة الدين وواقع الحياة، ولم يقفوا عند ظواهر الأمور، كما يدعي الأستاذ أبو زهرة ﵀. ويستدل الشيخ لما ذهب إليه من أن الأصل في العلاقة هي السلم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].

стр. 1867

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] وما ذكره الشيخ يخالف فيه العلماء، يقول الطبري عند قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾: "يعني به الإسلام، لا الصلح، لأن الله إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد ﷺ وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم دون المسالمة والمصالحة، بل نهى نبيه ﷺ في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح، فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وإنما أباح له ﷺ في بعض الأحوال إذا دعوه إلى الصلح ابتداء المصالحة فقال له جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، فأما دعاؤهم إلى الصلح ابتداء فغير موجود في القرآن" (١). رأيه في ترتيب نزول آيات الخمر: يقول (٢): "والأكثرون على أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، سبقت في النزول آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. ولكن يميل بعض المتأخرين -ذكر ذلك الأستاذ الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا ﵄ إلى أن آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ مقدمة على آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ لأن هذه فيها إشارة إلى التحريم المطلق ... فإذا كانت آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ قد صرحت بعلة التحريم، فقد أومأت إلى التحريم المطلق. أما آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فهي لم تصرح بالتحريم المطلق، بل أومأت إلى التحريم المؤقت أو المعلل بكونه لأجل الصلاة. وإذا كان الترتيب في النزول لأجل التدرج في المنع، فالمنطق يوجب أن يكون ما فيه إشارة إلى

стр. 1868

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] التحريم المطلق، مُؤخَّرًا عن ما فيه إشارة إلى التحريم المؤقت، والمعلل بكونه لأجل الصلاة" (١). وهذا القول مردود لأنه يخالف الرأي والمأثور، وأما الرأي، فإن المتبادر للذهن، أن أول آيات الخمر نزولًا، إنما هي تلك الآية التي أنزلت ردًّا على سؤال هذا أولًا. وأما ثانيًا فإن المنافع التي في الخمر، إنما هي -والله أعلم- منافع اقتصادية، كما هو الحال في شأن الرقيق، فكانت الحكمة أن يتدرج في تحريمها، وهذا ما حدث بالفعل. وأما المأثور، فما رواه أصحاب السنن وغيرهم وصححه ابن المديني والترمذي (٢) "عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ -فقرئت عليه- فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في النساء ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]-إلى قوله- ﴿مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١] فقال عمر: انتهينا انتهينا". تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] (٣): وهنا يعرض لمسألتين خطيرتين: أ- تحديد معنى الشرك: يرى الشيخ أن كلمة الشرك المستعملة في القرآن، لا تطلق إلا على الوثنيين أما أهل الكتاب، فلم يوصفوا بهذا العنوان وإنما وصفوا بألقاب أخرى كالكفر.

стр. 1869

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] يقول: "فكلمة مشرك ومشركين ومشركات، كلها إذا ذكرت في القرآن انصرفت إلى عبدة الأوثان من غير آية قرينة دالة على ذلك؛ لأنَّها صارت في الإسلام حقيقة عرفية عليهم، ولا تطلق على اليهود والنصارى وإن قال الله سبحانه عن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وعن اليهود: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، إذ صار لفظ المشركين اسمًا لجنس معين، ولذا كان يذكر النصارى واليهود بعنوان أهل الكتاب، وعبدة الأوثان باسم المشركين، فقد قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة: ١] فذكر في هذه الآية الكريمة الجميع بعنوان الكفر" (١). ونحن إذا استعرضنا آي القرآن الكريم، لا يسعنا إلا أن نعجب من أقوال الشيخ، فهذه آيات من سورة النساء تتحدث عن أهل الكتاب. تبدأ بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ [النساء: ٤٤]، وتنادي أهل الكتاب بنداء خاص بهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ جاء في سياقها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨] ولقد تنبه العلماء إلى سر ختم هذه الآية بهذه الخاتمة الكريمة، وسر ختم الآية التي تشابهها في السورة نفسها بقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦] فقرروا أن الآية الأولى تحدثت عن أهل الكتاب، والآية الثانية عن الوثنيين. وهذه آيات سورة براءة التي استشهد الشيخ بجزء منها، ترد ما ذهب إليه الشيخ بسياقها فحسب، بل ترده بنصها في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا

стр. 1870

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣١ - ٣٣]. وآيات سورة الصف التي ختمت بمثل هذه الخاتمة، إنما كانت تتحدث عن اليهود والنصارى. أفبعد هذا كلّه يمكن أن يقصر لفظ الشرك على عبدة الأوثان وهذا ما فهمه الصحابة ﵃ فمن بعدهم. وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قوله: "إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله" (١). أما من الناحية اللغوية، فإن أهل الكتاب قمينون بتلك التسمية، وهي حرية بهم، وما استدل به الكاتب من إطلاقات القرآن كمطلع سورة البينة، فليس فيه حجة. ذلك أن القرآن، ذكر فريقين اثنين، فلا بد لكل فريق من عنوان يميزه عن الآخر. والمسألة شبيهة تمامًا بما قاله العلماء عن لفظي الإيمان والإسلام "إذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا". وكذلك لفظ الشرك إذا ورد منفردًا، فإنه لا شك يشمل أهل الكتاب، وإذا ورد مع الكفر أو اليهود والنصارى خص بالوثنيين. ب - رأيه في نكاح المشركين: وبناءً على ما ذهب إليه شيخنا في معنى الشرك، قرر أن الآية الكريمة لا تشمل غير الوثنيين، وأن من ذهب غير هذا المذهب، فعدّها منسوخة أو مخصصة بآية المائدة، لا يستقيم فهمه لأسلوب القرآن الكريم (٢). واضطرب كلامه على غير

стр. 1871

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] عادته، فتارة يدعي إجماع الصحابة على إباحة الكتابيات، ويعود لينقضه بما روي عن عمر وابنه عبد الله ﵄، ثم يرجح أن ما نقل عن ابن عمر إنما هو الكراهة ولكن الحافظ ابن حجر رد هذه الرواية عنه وجزم بالتحريم كما أوردناه سابقًا. بقي هنا مسألتان: أولاهما: نكاح غير المسلم للمسلمة، والشيخ يرى أن هذه الآية لا يؤخذ منها تحريم تزوج الكتابي بالمسلمة، وإنما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، مع أن آية البقرة أكثر صراحة. ثانيتهما: ما استشعره الشيخ مما قد يوجه إليه، في معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١] فحاول أن يرد على هذا الاعتراض بالنسبة لأهل الكتاب، فقال عن الكتابية: "أما الكتابية، فإن مجموع الفضائل الإنسانية من الصدق والأمانة ومنع الخيانة، وحُسْن المعاملة وحُسْن العشرة، وغيرهما من المبادئ الفاضلة، لا تزال باقية في تعاليم دينها، فيمكن الاحتكام إليها، كما يمكن الاطمئنان إلى أن الزوجة تستمسك بالفضيلة في الجملة، إن أحسن الاختيار" (١). ثم يذهب الشيخ أبعد من ذلك فيقول: "وإن القرآن الكريم في جدله مع أهل الكتاب، كان يلاحظ إمكانَ التفاهُم معهم على قواعد يمكن حملهم على الإقرار بها". ورأي أنه قد تكلف كثيرًا في أكثر ما ذهب إليه، وليته سار مع الجمهور فكان خيرًا له وأقوم قيلًا.

стр. 1872

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] قصة البقرة: يقرر علماء التفسير أنّ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... ﴾ [البقرة: ٦٧] الآية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] فطلب ذبح البقرة إنما كان من أجل الكشف عن القاتل، لذا قال العلماء عند قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ "هذا الكلام مقدّم على أوّل القصة التقدير: وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها. فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا" (١). فهما قصة واحدة هذا ما قرره علماء التفسير ومنهم صاحب المنار ﵀ (٢). مع ما سبق ذكره إلا أننا نجد الشيخ أبو زهرة يذهب مذهبًا آخر في هذه القصة ويرى أن قصة البقرة تنتهي عند قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] ثم تبتدأ قصة جديدة، وهي ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ فهما قصتان متعاقبتان لا قصة واحدة. يقول الأستاذ أبو زهرة: "المفسرون على أن هذه الآيات جزءٌ من قصة البقرة إلا ما يتعلق بقسوة قلوبهم ... فهم يقولون: إن الأمر بذبح البقرة كان ليضربوه بها، أي: ليضربوا المقتول بها فيحيا ... ونحن لا نردّ ذلك ولا نكذبه فأخبار بني إسرائيل فيها العجائب الكثيرة التي ساقها الله ليؤمنوا ويذعنوا ... ولكن في العصر الحديث قرر المرحوم الأستاذ الكبير الشيخ عبد الوهاب النجار، أنهما قصتان سيقتا لغرضين مختلفين:

стр. 1873

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] أما الأولى: فهي قصة البقرة، وهي قائمة بذاتها سيقت لبيان آثار العقائد المصرية في نفوس بني إسرائيل، ولجاجتهم في الامتناع عن ذبح البقرة متأثرين بتقديس المصريين للبقر. والثانية: سيقت لبيان أثر رؤية المقتول في نفس القاتل، وتأثره بذلك، وأنه يحمله على الاعتراف بالجريمة عندما يرى المقتول ويمس جسده" (١). فالضمير على رأي جهور المفسرين في (بعضها) يعود على البقرة. وعلى رأي الأستاذ النجار يعود على جثة المقتول. ولقد أخذ الشيخ أبو زهرة برأي الشيخ النجار في هذا الأمر، واستشهد على صحته بجملة أمور: ١ - بما ذكره الزمخشري من حكمة تأخير قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ ويقول الزمخشري: فإن قلت: في للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال: وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت: كلّ ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الخطايا وتقريعًا لهم عليها، ولما جُدِّدَ فيهم من الآيات العِظام، وهاتان قصتان كلّ واحدة منهما خُصَّت بنوع من التقريع، وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء، وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة، وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل؛ لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت

стр. 1874

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] حتى يتبيَّن أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته باخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة (١). يقول الأستاذ أبو زهرة: "إن القصة الثانية وهي قصة القتل ابتدأت بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ولذلك لم يَسَعِ الزمخشريَّ وهو الذواق للبيان القرآني إلا أن يذكر أنهما قصتان، وإن كان قد حاول أن يصل بينهما بأن الضمير في قوله تعالى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ يعود على البقرة، مع البُعد بينهما بطائفة من القول، وعدم ظهور ذلك العود على البقرة (٢). ٢ - أن الضمير في ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ لأبي إذا عاد إلى النفس المقتولة يعود إلى أقرب مذكور، وعودة الضمير إلى أقرب مذكور هي القاعدة العامة إلا إذا أدَّى فيها الأمر إلى شذوذ غير معقول أو كان ذلك مستحيلًا. ٣ - أن عود الضمير على النفس المقتولة يؤدي علمًا نفسيًا اجتماعيًا هاديًا مرشدًا فيكون في ذلك فائدة جديدة لم تكن في قصة البقرة. ٤ - ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وهو يدل على أن الموضوع يحتاج إلى تدبر وفكر رشيد وإدراك لمرمى التكليف" (٣). ثم عقب بقوله:

стр. 1875

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] إن اتجاه المفسرين يتمثل في جعل قصة البقرة معجزة وأمرًا خارقًا للعادة لتكون دليلًا حسيًا على إثبات البعث. واتجاه الأستاذ النجار يتمثل في جعل القصة تكليفًا اجتماعيًا ينبه العقول إلى أمر مقرر ثابت في الدراسات النفسية والاجتماعية. ويميل أبو زهرة إلى رأي النجار معللًا ذلك بقوله: "ونحن نميل إلى رأي الأستاذ النجار لأنه لو كانت الحياة من الضرب ببعضها، لأدى ذلك إلى إشباع ما في نفوسهم من أوهام حول تقديس البقر كما يتوهم المصريون، والرأي الأخير ليس فيه ذلك" (١). يقول الدكتور فضل عباس تعقيبًا على هذين الرأيين: "وسواءً أكنت أنا وأنت أيها القارئ الكريم مع الجمهور فيما ذهبوا إليه، أم مع الفضلاء أصحاب الرأي الآخر. فليس في الأمر حرج. وكتاب الله ﵎ يتسع للفكر البشري إذا تهيأ للناظر حُسْن النية، والعلم وصفاء القريحة، ويقيني أن هذه الثلاثة أعني حُسْن النية والعلم وصفاء القريحة، هي مما أكرم الله به أئمتنا قديمًا وحديثًا، فجزى الله الجميع عن كتابه ودينه ونبيه خير الجزاء" (٢). وهذا المنهج يلتزمه الأستاذ في غير آيات الأحكام كما قلت. فمثلًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] يبين آراء المفسرين ثم يختار احتمالين، أحدهما: رأي الإمام الشيخ محمد عبده، وقد تقدم معنا من قبل، والآخر ملخصه أن الموت على حقيقته لأكثرهم، وأن الحياة حياة الآخرة ثم يرجح بعد ذلك رأي الإمام (٣).

стр. 1876

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] يذكر الآراء المختلفة في معنى التوفي والرفع، محاولًا أن يوفق بين الأحاديث والآيات ولا يلمح القارئ من كلامه مخالفة الجمهور، فلم يرد أحاديث النزول كما ردها غيره (١). وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] يعرض آراء العلماء في المقصود من (أهل الكتاب): هل هم الذين آمنوا به ﷺ ؟ أم هم الذين كانوا قبل بعثته أو بعدها، ولم يحرفوا كتابًا؟ وهذا الرأي الثاني هو رأي الإمام الشيخ محمد عبده. ثم عقب على هذين الرأيين بقوله (٢): "وعندي أن الآية الكريمة في أهل الكتاب الماضين الذين استقاموا على الحق، ولم يدركوا عصر النبي ﷺ ". على أن للشيخ لفتات يقبسها من روح الآية، لا يدركها كثير، من ذلك مثلًا قوله عند تفسير الآية السابقة: "هذا من إنصاف القرآن فهو لا يعمم حكمه إلا حيث يكون التعميم هو الحق الذي لا شك فيه، وإن كان في قوم من هم جديرون بالثناء ذكرهم، وكذلك كان الشأن في ذكر أهل الكتاب، فيقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥] ويقول سبحانه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩] وفي هذه الآية يذكر بالخير العظيم طائفة من هؤلاء، فيقول الحكم العدل تعالت كلماته: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣] ".

стр. 1877

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] - رأيه في قتال الملائكة يوم بدر: أما رأي الشيخ في قتال الملائكة يوم بدر، فلقد حاكى فيه رأي الإمام، الذي أخذ به صاحب المنار، فالإمداد بالملائكة إنما هو إمداد روحي كما يقول الشيخ، ويزيد هنا فينسب هذا الرأي لشيخ المفسرين ابن جرير مستدلًا ببعض عباراته. وهذه المسألة من الأمور التي كثر حولها الحديث في أيامنا هذه، وصارت من علامات التجديد والعصرية عند كثير من علمائنا، كأن صلاح الأمة وانتفاضتها يتوقفان على تلك القضية. والحق أن مثل هذه الأمور، لا ينبغي أن نخضعها للعقول التي تختلف في الحكم على الأشياء، وإذا كان الله قد أمدَّ المؤمنين بالملائكة كما هو مجمع عليه، وهو من الأمور الخارقة للعادة، الخارجة عن مألوف البشر، في المانع من أن تشترك الملائكة في تلك المعركة، التي قررت مصير هذه الأمة، والتي لو هلك لا سمح الله من جالد فيها من جند الله، ما عبد الله في الأرض. وعلى هذا يكون للملائكة أثرهم الروحي والمادي. - تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]: اختار الأستاذ أبو زهرة أن المسخ هنا مسخٌ معنوي، فهو ليس مسخًا في الصور والأجساد وإنما هو مسخ في النفوس حتى تلتحق بعجماوات الحيوان وينحط عن رتبة الإنسان. وهو بذلك يختار قول الإمام مجاهد ويتفق مع صاحب المنار ويعزز هذا الرأي بقوله: "وإنه يزكي ذلك المعنى أنه شبه حالهم في آية أخرى بالقردة والخنازير لا بالقردة وحدهم، وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] " (١).

стр. 1878

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] ولرد هذا القول أنقل كلام شيخ المفسرين الطبري ففيه الكفاية، يقول: "وهذا القول الذي قاله مجاهد، قولٌ لظاهرِ ما دلّ عليه كتابُ الله مُخالفٌ، وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وأن الله تعالى ذكره، أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربَّهم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أُمِروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤] فابتلاهم بالتيه، فسواءٌ قائلٌ قال: هم لم يمسخهم قردة. وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم، ومن أنكر شيئًا من ذلك وأقرّ بآخر منه، سُئل البرهان على قوله، وعُورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقرّ به، ثم يُسأل الفرقَ مِن خبر مستفيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مجاهد قولَ جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه، وكفى دليلًا على فساد قولٍ، إجماعُها على تخطئته" (١). - تفسيره لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. يذهب الأستاذ أبو زهرة في تفسير هذه الآية إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإمام ﵀ فهو يفسّر المغضوب عليهم بالكافرين سواءً أكانوا وثنيين أم كانوا من أهل الكتاب كاليهود والنصارى وفسّر ﴿الضَّالِّينَ﴾ وبالتائهين الواقعين في حيرة من أمر اعتقادهم كالنصارى والمنافقين. ويبين أن النصارى مع انطباق وصف الضلال عليهم فهم داخلون تحت غضب الله وكذلك المنافقون (٢).

стр. 1879

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] وإذا كان صاحب المنار قد استدرك على تفسيره بجملة من الأحاديث ثم بيّن أنَّها لا تعارض مع ما ذهب إليه الإمام فإن الشيخ أبا زهرة لم يشر ولو بلمحة إلى أن هناك حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ في تفسير المغضوب عليهم ولا الضالين بل إنه عزا تفسير ﴿الضَّالِّينَ﴾ إلى قول بعض العلماء فقال: "والضالون قال بعض العلماء: إنهم النصارى" (١). ولقد ردّ الشيخ فضل عباس على هذا المسلك عند الإمام محمد عبده في رسالته "اتجاهات التفسير" بما لا مزيد عليه. - تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾: قال: "والطريق الذي بيَّنه موسى هو قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: فابخعوها واجعلوها مطية ذلولًا للعقل والإرادة، واقطعوا شهواتها، والتعبير عن ذلك بقتل النفس، لأن النفس الفاجرة الضالة إذا فُطِمت عن الشهوات كأنها قُتِلت، وحلّمت محلها النفس الطاهرة اللوامة التي تقهر الشهوات قهرًا، والشرور دائمًا من الأهواء والشهوات، وقد جاء في الأمثال عند أهل المعرفة "من لم يعذب نفسه لم ينفعها، ومن لم يقتلها لم يحفظها" وتعذيب النفاس الذي يريده أهل المعرفة هو فطمها عن الشهوات. وقد أخذت الكثرة من المفسرين بظاهر اللفظ وهو القتل، ورووا في ذلك روايات عن بعض الصحابة لم يصحّ سندها، وبالأولى لم يصح كلام في نسبته إلى الرسول ﷺ واستعمال القتل والبخع بالنسبة للنفوس، وإرادة غير الظاهر كثير في كلام العرب، وفي القرآن كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣] (٢).

стр. 1880

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] وهذا الذي ذهب إليه الشيخ أبو زهرة لا يقبل لأمور: أولها: لأنّ المتبادر من القتلِ القتلُ المعروف من إزهاق الروح، وعليه جمع من المفسرين (١). ثانيها: لأن فيها بُعدًا عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان، لأن تذليل النفس وقهرها شريعة غير منسوخة (٢). - تفسيره للذبح في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾: جعل الشيخ أبو زهرة الذبح هنا: "كناية عن العمل على إفنائهم وتخضيد شوكتهم، وإبعادهم عن مواطن السلطان، وذلك بذبحهم أحيانًا، ووضعهم في مواضع الذل والمهانة، والغاية ألا يكون لهم وجود قائم بذاته، فقد حكي عنهم أن فرعون كان يذبح منهم، وكان يتخذ منهم عمالًا مسخرين في الأبنية التي يشيدها، وكان يسخرهم لحرث الأرض، والثمرة لغيرهم ليذلهم، وكان يتخذ منهم خدمًا في البيوت وهم الأرذلون" (٣). وفسَّر ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي: أبقوهن أحياءً لم يذبحوهن، وكانوا راغبين في ذلك، ولذلك كانت السين والتاء اللتان تدلان على الطلب والمعنى: طلبوا حياة نسائهم لغايات في نفوسهم، وليشبعوا بهنّ شهواتهم (٤). وتأويل الإمام أبي زهرة هذا لا يقبل، لأن الذبح هو المتبادر إلى الذهن من إزهاق الروح، ويدلّ عليه مقابلته بالاستحياء المأخوذ من الحياة. فعلى قول أبي زهرة

стр. 1881

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] أنّ الرجال والنساء بقوا أحياءً، وما الفرق في حياة النساء القائمة على الذلة والمهانة والاعتداء عليهن وبين ذبح الرجال بالعمل والإهانة والمشاق. والذي يظهر لي أن التفسير الذي ذكره أبو زهرة هو معنى قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ كما ذكر ذلك الفسرون (١). - تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: اتفق أبو زهرة ﵀ مع غيره من الفسرين بتفسير السجود على حقيقته من الانحناء، كما فسّر قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: حطّ عنا ذنوبنا، وتغمدنا برحمتك والتوبة إليك. وفسّر قوله: " ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] بأنهم بدّلوا هذه الكلمة الضارعة الخاشعة إلى كلمة قريبة اللفظ، ولكن فيها معنى مغاير، فقالوا: "حنطة" أي أنهم بدل أن يتوجهوا إلى الله تعالى بالضراعة توجهوا إليه بطلب المادة، والحنطة هي القمح، يتركون الضراعة التي هي نعمة التقوى إلى طلب القوت، وفي ذلك عدول عن إرضاء الله تعالى إلى طلب ما يرضي أهواءهم (٢). وبتفسيره هذا يتفق مع ما روي في الصحيح بشأن تبديل هذه الكلمة، وإنه بهذا يخالف ما ذهب إليه الأستاذ الإمام في تفسيره، إذ عدّ مثل هذه الأقوال من قبيل الإسرائيليات (٣).

стр. 1882

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] - تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: يقول الشيخ أبو زهرة: "والأزواج جمع زوج ذكرًا كان أو أنثى، فهي تطلق على المرأة المتزوجة، كما تطلق على الرجل المتزوج، وإلحاق التاء بها بالنسبة للمرأة قليل، نادر، لكنه صحيح ... وقد يقول قائل: إن المرأة متعة الرجل في الآخرة، ونقول: إن الجزاء لهما معًا، فلها كلّ الثمرات التي للرجل، والأزواج متعة للرجل والمرأة، فهو متعتها وهي متعته، إن صحَّ هذا التعبير، ولذلك صرّح القرآن الكريم بأن الجزاء لهما ... " (١). نفهم من كلام أبي زهرة ﵀ أن كلمة الأزواج هنا تطلق على الرجل والمرأة على حد سواء، وهذا لا يقبل، لأن الأزواج هنا مراد بها المرأة بدليل ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ وإنْ كان يصح إطلاق (الزوج) على الرجل والمرأة في أصل اللغة. كما أنه لم يثبت في القرآن والسنّة أن المرأة لها زوج في الجَنَّة بشكل صريح، فالاستدلال عليه من هذه الآية لا يقبل - والله أعلم. - تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]: فصل الشيخ أبو زهرة بين قوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ وبين قوله: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ في تفسيره. إذ يقول: "وإنّ ما حكى الله تعالى عنهم من أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾ تُفسَّر على ظاهرها فإنه كان النداء قويًّا والجبل مرتفع عليهم ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي ما شرعناه لكم من شرائع بجد وعزم ... ". أما ما حكاه سبحانه من أنه قالوا: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ فيصح أن تخرج على أنهم قالوها بألسنتهم، وذلك بعيد يتنافى مع قوة الميثاق وتأكده، ومع طلب الأخذ بقوة، أي: بجد وعزم على التنفيذ، ولذا نستبعد ذلك الاحتمال لقيام القرائن ضده. وما

стр. 1883

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] نحسب أنهم وصلوا إلى هذه الحال أن ينكثوا بالعهد وقت توثيقه، وأن يجاهروا بعصيانه، والعهد بينهم وبين المنقذ لهم، والعهد قريب، ولذلك قرر المفسرون أن كلمة ﴿وَعَصَيْنَا﴾ مجاز عن أفعالهم، أي أن عصياهم كان بلسان الفعال لا بلسان المقال، فهم قالوا سمعنا بالقول، وقالوا عصينا بأفعالهم (١). وما ذكره الشيخ أبو زهرة وافق فيه ما نقله الإمام الرازي عن أبي مسلم (٢). وقد جاء عند الزمخشري في كشافه (٣). وذهب صاحب المنار إلى قول آخر في تفسيرها فقال: "وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين (سمعنا وأطعنا) بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب - وفي هذا العهد يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحكيه عن نفسه، حتى حُكِيَ مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضًا، وهو أسلوب أظنُّ أنه يوجد في كلّ لغة أو في اللغات الراقية فقط" (٤). وأبو زهرة يوافق المنار في قوله: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ ويخالفه في ﴿سَمِعْنَا﴾. وقال أبو حيان في البحر (٥): ظاهره أن كلتا الجملتين مقولة ونطقوا بذلك مبالغة في التعنت والعصيان، ويؤيده قول ابن عباس: كانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا: سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا: سمعنا وعصينا .. ثم ساق الأقوال الأخرى. وذكر الرازي (٦): بأن الأكثر من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول. ورجحه بحجة أن صَرْف اللفظ أو الكلام عن ظاهره بغير دليل لا يجوز، ونحن نتفق مع ما رجحه الإمام الرازي ﵀.

стр. 1884

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] ترجيحات الشيخ: وأشير هنا إلى أن الشيخ قد يذكر آراء بعض المفسرين، ويخالفهم فيما ذهبوا إليه، فعند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [المائدة: ٥٣] بعد أن بيَّن أن جملة ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ﴾ من كلام الله تعالى، وهو حكم الله عليهم بثمرة ما كان من فساد قلوبهم ... قال: "ولقد قال الزمخشري: إن الجملة في معنى التعجب، أي ما أعجب حبوط أعمالهم وما أعجب أن أصبحوا خاسرين". وهذا الكلام على أساس أن الجملة محكية عن المؤمنين، ونميل أنَّها حكم الله تعالى وهو العلي الحكيم، اللهم أعزنا بعزة الإسلام، وامنع عن قلوبنا الولاء لأهل الكفر والطغيان (١). عناية الشيخ بالقضايا اللغوية: - عنايته بالمفردات القرآنية: للشيخ عناية بالمفردات القرآنية، وقد ذكر أن الذين يقرؤون القرآن ليسوا جميعًا في مستوى العربي الذي يدرك معاني الألفاظ بمجرد سماعها، وبعض الألفاظ القرآنية فيه بعض الغرابة حتى على بعض العرب، ومن الأمثلة على عنايته بالمفردات القرآنية: عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال: "الجناح هنا الإثم، وأصله من جنح إذا مال، يقال جنحت السفينة إذا مالت، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. ولما كان الإثم ميلًا متطرفًا نحو الباطل، صارت كلمة الجناح تطلق على الإثم لما فيه من معنى الانحراف المائل عن الحق، والابتغاء: الطلب الشديد، والفضل: أصل معناه

стр. 1885

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] الزيادة، وهي تكون في الخير وفي الشر، ولكن يعبر عن الزيادة القبيحة بأنها فضول، وعن الزيادة في الخير أنَّها فضل" (١). وعند قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] قال: الجدال في أصل معناه اللغوي مشتق من الجَدْل بمعنى الفَتْل، أي: تقوية الحجة، ويكون المجادل كمن يفتل الحبل ويقويه، وقيل: إنه مأخوذ من الجدالة، والجدالة هي الأرض، فكل واحد من الخصمين يكون كالمصارع يريد أن يلقي صاحبه على الأرض، وإطلاق الجدالة على الأرض منه قولهم: تركته مجَدَّلًا، أي مطروحًا على الأرض. والاختيان الذي هو مصدر (يختانون) يعرفه الأصفهاني في مفرداته بأنه "تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة" وتحرك الشهوة لتحري الخيانة قصدٌ إليها وتعمّد لها، وعمل على إحكامها. والخيانة والنفاق باب واحد، موضعهما من النفس واحد (٢). وعند قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، يقول: "فالميسرة بفتح السين وضمها كمقبَرة ومقبُرة هي حال من اليسر، فليست الميسرة هي مجرد اليسار، بل هي اليسار المستقر الثابت الذي يتمكن فيه المدين من وفاء دَيْنه كله مقدمًا القوي على الضعيف، أي أن المدائن ينتظر المدين حتى يقف من عثرة العسرة، ويستقيم أمره، لا أن يترقب أي مال حتى يأخذه كما يأخذ الصائد قنيصته" (٣). - عنايته بالقضايا البلاغية: يتحدث الشيخ عن سر التعبير بالفعل المضارع في قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، بين أنه سبحانه لم يقل (كن فكان)؛

стр. 1886

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] لأن التعبير بالمضارع دائمًا فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت، ومن جهة أخرى فصيغة المضارع في هذا المقام تنبئ عما كان، وتومئ إلى ما يكون بالنسبة لخلق الله تعالى المستمر في المستقبل كما كان الماضي (١). ويتحدث عن بلاغة التنكير في القرآن الكريم، من ذلك: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. يقول: والتنكير في بشير ونذير للتصغير لا للتكبير، وإنما كان للتصغير لأن النفي بعمومه شامل، والمعنى ما جاءنا أيُّ بشير ولو صغيرًا، ولا نذير ولو كان ضئيلًا (٢). والتنكير في كلمة (أنبياء) من قوله: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠] للكثرة، أي: جعل فيكم أنبياء كثيرين (٣). رأيه في التكرار: يرى الشيخ أن لا تكرار في كتاب الله تعالى، يقول عند ذكر قصة آدم ﵇ في سورة الأعراف: "يبدو بادي النظر وظاهره، أن القصة هنا هي بحذافيرها المذكورة أولًا في البقرة، وأن ذلك تكرار في القرآن ... ثم يذكر بعض وجوه الاختلاف بين القصتين في السورتين وقال: فذكر في إحداهما ما لم يذكر في الأخرى ومجموعهما يأتي بالقصة متكاملة الأجزاء. وقال: الثمرة من ذكر القصة مختلف في كلّ واحدة عن الأخرى. ثم ذكر بعض هذه الثمار ووجوه الاختلاف بين القصتين بما يوضح عدم التكرار ثم قال: وإنه بهذه الموازنة بين ما اشتملت عليه القصة في السورتين يتبين أمران:

стр. 1887

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] أولهما: أنَّه لا تكرار، بل كلّ قصة تكمل الأخرى، وتتكون قصة كاملة لا تتضارب الأجزاء فيها. ثانيهما: أنَّ الثمرة في كلّ جزء مختلفة، وأن القرآن مَعِينُ المعرفة لا يغيضُ أبدًا" (١). هذا بالنسبة للقصص القرآني، أما فيما يتعلق بالألفاظ والمعاني، فهو يرى أن كلّ جملة لها معناها في كتاب الله. يقول عند قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]: "وقد يسأل سائل: لماذا ذكر نفي الصلب بعد نفي القتل مع أن نفي القتل يقتضي ألا يكون صلب، لأن الصلب لا يكون إلا لمقتول؟ والجواب عن ذلك أن هذا تأكيد في النفي؛ لأن النصارى واليهود يدعون أنه صلب. فلا بد من النص على نفي الصلب، ليكون ردًّا على هذه الدعوى، ولو اقتصر على نفي القتل ما كان التصريح برد الدعوى، ورد الدعاوى لا يُكتفَى فيه ما تضمن عند التصريح، ولو نفى الصلب فقط ما اقتضى نفي القتل، فكان النسق البليغ مقتضيًا نفيهما معًا" (٢). ومما ادعوا أنه حشو في كتاب الله تعالى، وهو أساس فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ [آل عمران: ٢١]. يقول: "لماذا ذكر ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مع أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحقٍّ أبدًا؟ والجواب عن ذلك: أنَّ هذا تصريح بموضع الاستنكار، فموضع الاستنكار اعتداؤهم على الحق بالاعتداء على النبيين، وللإشارة إلى أنهم لمّا

стр. 1888

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] طمس الله على بصائرهم صاروا أعداء للحق لا يألفونه، ولا يريدونه ولا يخلصون في طلبه. وذكر سبحانه كلمة الحق بصيغة التنكير فقال: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ لعموم النفي، بحيث يشمل الحق الثابت، والحق المزعوم، والحق الموهوم، أي: لم يكونوا معذورين بأي نوع من أنواع العذر في هذا الاعتداء فلم يعتقدوا أنه الحق ولم يزعموه، ولم يتوهموه، بل فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون أنهم على الباطل، فكان فعلهم إجرامًا في باعثه وإجرامًا في حقيقته، وأبلغ الإجرام في موضوعه" (١). رده القول بالزيادة: والشيخ لا يرتضي أن يكون فيه حرف زائد. يقول عند قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ [مريم: ٣٧]: " (من) في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال كثير من المفسرين زائدة، ونحن لا نرى في القرآن حرفا زائدًا، بل نقول: إن (من) تؤدي معنى سليمًا فليس قولك: "فاختلف الأحزاب بينهم" كقول الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ إن (من) تدل على أن اختلاف الأحزاب صادر عنهم هم، ومن بينهم، فإن التناحر بين الأهواء والأوهام الضالة هو الذي صدر عنه الاختلاف من بينهم ومن مضطربهم" (٢). وعند قولِه: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: ٩٢، ٩٣] قال: "قالوا: لا زائدة، ونحن لا نرى في القرآن حرفًا زائدًا، فهو كلام الله تعالى المنزه عن الزيادة، بل كلّ كلمة في موضعها، ونقول: إن المنع بمعنى الحماية، ومنه مكان منيع وحصن منيع، وفلان ذا منعة أي حماية، وبتخريج النص السامي على هذا المعنى يكون كلام موسى لأخيه: ما منعك ألا تتبعني، ما الذي جعلك ذا منعة وحماية على

стр. 1889

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] ألا تتبعني، ويكون المعنى العام للنص: ما النصير لك جعلك منيعًا على ألا تتبعني، كأنه يقول له: إنك معاوني وناصري فلماذا لا تتبعني؟ أصرت ذا قوة تحميك وتمنعك وتجعلك منفصلًا عني وأنت لي ردء ومعاون غير ممانع" (١). القول بتناوب الحروف: يرى الشيخ أن الحروف تتناوب في كتاب الله فهو تفسير (في) في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يفسرهاب (على) وعبر بـ (في) لبيان تمكن الصلب واستقرارهم على جذوع النخل (٢). ويرى أن (على) بمعنى (عند) في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ [طه: ١٠]. وأذكر فيما يلي بعض الأمور التي وردت في تفسير الشيخ: معنى الباء في بسم الله: يرى الشيخ أبو زهرة ﵀ أن معنى الباء في (بسم الله) هو السببية فيقول: "الباء هنا حرف جرٍ يدل على السببية، وهي مبنية على الكسر كـ (الام) الأمر، والمعنى: بسبب اسم الله الذي لا يعبد سواه وأنه الرحمن الرحيم ابتدئ" (٣). وذهب جلُّ المفسرين إلى أن الباء هنا لها معنيان: الاستعانة والتلبُّس كما نص على ذلك إمام المفسرين الزمخشري ﵀ في كشافه (٤). كما أن معنى السببية للباء هنا لا يستقيم، لأن اسم الله ليس هو السبب الدافع إلى الفعل والقيام به، فالدافع شيء آخر، وما دام الدافع شيئًا آخر فالأنسب أن أقول مستعينًا أو متلبسًا باسم الله أقدم على هذا الفعل أو ابتدئه.

стр. 1890

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] الفعل المحذوف بعد (بسم الله): يذكر الشيخ أبو زهرة ﵀ كما ذكر غيره من المفسرين - أن يُقَدَّر - فعل محذوف بعد بسم الله لإفادة لاختصاص، وهذا الفعل المقدّر إما أن يكون متناسبًا مع الفعل الذي أود القيام به كالقراءة أو الأكل. ويرى بعض المفسرين أن يقدّر الفعل (ابتدئ) مطلقًا في كلّ فعل (١). وهذا الذي ذكر آنفًا لا شيء عليه، وإنما الإشكال في القول الذي أضافه أبو زهرة ﵀ فيقول: "وبعض العلماء قال: إنها في القرآن الكريم في معنى القسم، بأن القرآن حقٌّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكون على هذا للقسم، ويقدر الفعل بـ (أقسم) والمعنى على ذلك في أول كلّ سورة اجعل قسمك بالله الرحمن الرحيم أن ما تتلو هو الحق الذي لا ريب فيه، فهو الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" (٢). وهذا الرأي الذي ذكره أبو زهرة لم أجد له سلفًا فيه - فيما وقفت عليه - إلا ما ذكره الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره إذ يقول: "قال العلماء: (بسم الله الرحمن الرحيم) قسم من ربنا أنزله عند رأس كلّ سورة، يقسم لعباده أن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وأني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري". أقول: لكن هناك فرق بين ما ذكره القرطبي، وبين ما ذكره أبو زهرة. فالقرطبي يجعل القسم صادرًا من الله لعباده، وأما الشيخ أبو زهرة فيجعل القسم صادرًا من العبد، أي إن العبد يقول: أقسمُ باسم الله أن ما أقوله حق.

стр. 1891

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] والتوجيهان في تقديري لا يُقبلان، لمخالفتهما لما عند جمهور المفسرين من جهة، ولأن هذا يتنافى مع خصيصة البسملة في أنَّها تكون في أول كلّ عمل يبدأ به، فليس من المقبول أن كلّ عمل يقوم به الإنسان ويبتدئه يقول فيه: بسم الله، أي: أقسم أن عملي هذا حق. حروف النداء: من المقرر المعروف عند علماء النحو أن حروف النداء هي (يا) للبعيد والهمزة و (أي) للقريب أو للمتوسط، وإذا وقع النداء بواحدة، فإنها لا تجتمع معها أخرى في منادى واحد، بحيث يكون للبعيد والقريب معًا. والشيخ أبو زهرة خالف هذا الكلام فهو عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يقول: "قالوا: إن النداء بـ (يا) يكون للبعيد، والنداء بـ (أي) يكون للقريب، وهنا النداء بـ (يا) و (أي) معًا، ثم يزاد عليها (ها) التي تفيد التنبيه، وينادى للبعيد حسًا بـ (يا) وللبعيد معنويًا بها أيضًا، والنداء من الله تعالى لعبيده نداء من أعلى من في الوجود إلى خلقه، ولذا كان النداء بأداتي نداء، وهما (يا) و (أي) ... " (١). ونلحظ أن الشيخ أبا زهرة قد وقع في خطأين علميين: الأول: عَدّه (أيُّ) التي هي اسم أداة نداء التي هي (أي). الثاني: وهو مبني على الأول، إذ قرر اجتماع أداتي نداء في مكان واحد إحداهما للبعيد والأخرى للقريب. قال ابن هشام في المغني: (أَيْ) بالفتح والسكون على وجهين: حرف لنداء البعيد أو القريب أو المتوسط على خلاف في ذلك.

стр. 1892

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] كقوله: (أيْ ربِّ). وحرف تفسير: تقول: عندي عسجد، أي: ذهبٌ. وأما (أيُّ) بفتح الهمزة وتشديد الياء اسم يأتي على خمسة أوجه: شرطًا واستفهامًا وموصولًا، وأن تكون دالة على معنى الكمال، وأن تكون وصلة إلى نداء ما فيه أل نحو (يا أيها الرجل) (١). (فأيُّ) ليست هي (أيْ) كما هو مقرر، وما دام قد انتقض هذا - وما أظن إلا قد ألبس على الشيخ فيه، أو هو من سبق قلمه وخاطره - فإن تعليله لوجود أداتي نداء منقوض أيضًا. تفسيره لـ (ألا) في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾: يقول الشيخ أبو زهرة: "وقد أكدت السفاهة بقوله (ألا) التي هي استفهام داخل على النفي، فكان تأكيدًا للنفي مع التنبيه" (٢). فالشيخ أبو زهرة يرى أن (ألا) مركبة وليست بسيطة، فهي مركبة من الهمزة و (لا)، وهذا المعنى ذكره أيضًا صاحب المغني فقال: "ويقول المعربون فيها - أي في ألا - حرف استفتاح فيبينون مكانها ويعملون معناها. وإفادتها التحقيق من جهة تركيبها من الهمزة و (لا)، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق" (٣). وردّ أبو حيان هذا الرأي فقال: " (ألا) حرف تنبيه، وزعموا أنه مركب من همزة الاستفهام و (لا) النافية للدلالة على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ولكونها من المُنْصَبِّ في

стр. 1893

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] هذه لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يُتَلَقَّى به القسم، وقال ذلك الزمخشري" (١). والذي نختاره أن (ألا) التنبيهية حرف بسيط، لأن دعوى التركيب على خلاف الأصل، ولأن ما زعموا من أن همزة الاستفهام دخلت على لا النافية دلالة على تحقق ما بعدها إلى آخره خطأ، لأن مواقع (ألا) تدل على أن (لا) ليست للنفي فيتم ما ادعوه، ألا ترى أنك تقول: "ألا إنّ زيدًا منطلق"، ليس أصله، لا أن زيدًا منطلق. إذ ليس من تراكيب العرب، بخلاف ما نظر به من قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ لصحة تركيب ليس زيدٌ بقادر، ولوجودها قبل ربّ وقبل ليت، وقبل النداء وغيرها مما لا يعقل فيه أن (لا) نافية، فتكون الهمزة للاستفهام دخلت على (لا) النافية فأفادت التحقيق. وعلامة (ألا) هذه التي هي تنبيه واستفتاح صحة الكلام بدونها (٢). ونحن نتفق مع ما ذهب إليه أبو حيان ﵀ من أن (ألا) حرف بسيط غير مركب يدل على الاستفتاح والتنبيه. معنى الباء في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: يرى الأستاذ أبو زهرة أن معنى الباء هنا هو (الملابسة) (٣). وذهب جلُّ المفسرين إلى أن الباء هنا للتعدية، وهي مرادفة للهمزة في التعدية، على مذهب الجمهور، وفرق بينهما أبو العباس المبرد (٤).

стр. 1894

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] ورد عليه الجمهور (١). فالباء هنا للتعدية، هذا ما قرره جميع المفسرين، وأما ما ذهب إليه الأستاذ أبو زهرة فهو - في تقديري - نظر إلى المعنى الأصلي للباء الذي لا يفارقها بتاتًا وهو الإلصاق والتلبس كما قرر ذلك سيبويه (٢). ونحن إذ نقرر هذا فإننا نقرر فَرْقًا في التعبير بين قولنا: (أذهب الله نورهم)، و ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ على ما ذكره الزمخشري في تفسيره فقال: "والفرق بين أذهبه وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبًا، ويقال: ذَهَبَ به إذا استصحبه ومضى به معه، وذهب السلطان بماله: أخذه، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ومنه ذهبت به الخيلاء، والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب" (٣). ويبدو أن أبا زهرة قد تأثر بعبارة الزمخشري (استصحبه) فقال بالملابسة، على عادته في الإكثار من النقل عن الزمخشري ﵀. (لن): ذكر الشيخ أبو زهرة معنى (لن) ودلالتها في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، فقال: "نفى الله عنهم ذلك التمني نفيًا مؤبدًا، وأكد ذلك النفي بـ (لن) الدالة على النفي المؤبد، وبقوله ﴿أَبَدًا﴾ " (٤).

стр. 1895

[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥] " ولا تفيد (لن) توكيد النفي خلافًا للزمخشري في كشافه، ولا تأبيده خلافًا له في (أنموذجه) وكلاهما دعوى بلا دليل، قيل: ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦]، ولكان ذكر الأبد في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ تكرارًا، والأصل عدمه" (١). فـ (لن) حرف نفي مصدري للاستقبال ولا يفيد التأبيد، ويبدو أن هذا القول قد تسرب إلى الشيخ أبي زهرة من الإمام الزمخشري فنقله عنه دون تمحيص، خاصة أنه ينقل عنه كثيرًا. قوله في ﴿فَويَلٌ﴾: قال أبو زهرة في تفسير هذه الكلمة وبيان أصلها: "والويل الدعوة بالهلاك، وترفع عندما لا تضاف، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١] وتنصب إذا أضيفت فتقول: ويلك وويل نفسي على أخها بمعنى المصدر، وتستعمل (ويْ) منها في معنى التعجب كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾ [القصص: ٨٢] " (٢). وهذا الذي ذكره من أن (ويْ) جزء من (وْيل) تستعمل في التعجب هو قول الفراء ﵀، وهو قول غريب جدًّا كما قال السمين الحلبي وهذه عبارته: "وزعم الفراء أن أصل وَيْل: ويْ، أي: حُزْن، كما تقول: ويْ لفلان، أي: حزن له، فوصلته العربُ باللام، وقدّرت أنها منه فأعربوها. وهذا غريب جدًّا" (٣).
следующие страницы →