جدبه منها الطاعنون، فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمى من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة وأكشف للناس ما يلبسون".
وإذن فقد وجهت للقرآن مطاعن قذف بها الزنادقة وأرباب المرض من منتحلي الثقافة والعلم فلبسوا على العامة بما يزعمونه من التناقض ووقوع اللحن، وعدم التوافق بين الشرط والجزاء، والذهاب بالمجاز والكناية إلى معان حقيقية لا يشهد بها السياق ثم الوقوف عند المتشابه، وما جاء مكررًا من المعاني مما يحسبون أن القرآن في ذلك كله قد خرج على الأسلوب العربي فيه، وهي أراجيف تجد صداها لدى البعيدين عن أسرار البيان، ودقائق البلاغة التي يعرفها الأصلاء من العرب عن طبع خالص، فجرت ألسنتهم نثرًا وشعرًا يمثل ما جرى به القرآن في منحاه التعبيري وإن ارتفع القرآن بمستواه البياني إلى أفق لا تشرئب إليه الأعناق فكان من هم ابن قتيبة أن يثبت أن الأسلوب القرآني يطرد مع النسق البياني لدى العرب إيجازًا وحذفًا وتشبيهًا واستعارة وكناية وتقديمًا وتأخيرًا، وأن ما يرجف به المغرضون لغو لا يقره مَنْ درس مذاهب العرب في القول، ومناحيها في البيان، وهو لذلك يقدم الباب الأول من كتابه بقوله (١):
"وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيه العرب خِصِّيصي من الله لما أرهصه في الرسول، وأرداه من إقامة الدليل على نبوّته بالكتاب، فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه" إلى أن يقول:
"وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومأخذه ففيها الاستعارة والتمثيل، والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار
стр. 422
والعريض والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، والجمع خطاب الواحد، والواحد والجمع خطاب الاثنين والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن (١) ".
وإذن فقد وضح مقصد المؤلف من كتابه! إنه الرد على من يجهلون الأسرار البيانية للأسلوب العربي فيرجفون ببعض الآيات القرآنية إرجافًا يصغى إليه الجهلاء ويعرض عنه العلماء! ولا بد من دفاع مجيد عن الحق يقوم به أديب متمكن النظر، قوى اللمح، وهو ما نهض صاحب التأويل به في مؤلفه الحاسم فلتتابعه في بعض مراحل الطريق.
عدّد المؤلف مطاعن الناقدين فيما اعتلوا به في وجوه الاختلاف في القراءات وفي بعض ما يتوهم من اللحن النحوي فكتب فصلين قويين بدّد فيهما كل شبهة بما سطع به من حق منير، وسنتجاوزهما إلى غيرهما لبعدهما بعض البعد عمّا نعالجه من التفسير البياني، فإذا اتجهنا إلى باب التناقض والاختلاف فسنجد لوامع ساطعة من المنحى البلاغي في الشرح والتأويل تدل على نفاذ وعمق نعهدهما لدى المؤلف في كثير مما كتب، وقد أوضح الحديث عن المتشابه إيضاحًا بالغ الجودة، فبدأ القول مدافعًا عن دقة القرآن حين يعمد إلى ما يخاله الجاهل غموضًا، وما هو إلّا تفنن في البيان لا يكشف به وجه القول لكل ناظر، بل لمن تمرّس بالأسلوب البياني وعرف منحاه ومأتاه، وقد أفصح عن ذلك بقوله (٢):
"وأما قولهم ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن مَنْ أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان، فالجواب عنه أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار والإطالة والتوكيد والإشارة إلى الشيء وإغماض بعض المعاني حتى لا
стр. 423
يظهر عليه إلا اللقن (١) وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما يخفى، ولو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة ومع الكفاية يقع العجز والبلادة ... وكل باب من أبواب العلم من الفقه والحساب والفرائض والنحو، منه ما يجل ومنه ما يدق ليرتقي المتعلم فيه رقبة بعد رتبة حتى يبلغ منتهاه ويدرك أقصاه، وتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية، ولو كان كل فن من العلوم شيئًا واحدًا لم يكن عالم ولا متعلم ولا خفي ولا جلي لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها فالخير يعرف بالشر والنفع بالضر، والحلو بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير والباطن بالظاهر وعلى هذا المثال كلام الرسول ﷺ وكلام صحابته والتابعين وأشعار الشعراء وكلام الخطباء ليس منه إلّا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتحير فيه العالم المتقتدم، ويقر بالقصور عنه النقاب المبرز".
ونحن ننقل هذا القول لنناقشه إذ أن الموافقة التامة على ما جاء به مما يتعذر، لأن الله لم يأت بما يسمّى بالتشابه في القرآن ليفضل قومًا على قوم فلا يستوي في معرفته العالم والجاهل فيبطل التفاوت بين الناس وتسقط المحنة وتموت الخواطر كما أراد ابن قتيبة أن يقول، فحاشا له أن يعمد إلى هذا التفاضل - ولو في مجال البيان وحده فيؤصل حواجزه ويقيم رواسخه! إنما جاء بالمتشابه في البيان أجمعه -لا في القرآن وحده- لأن هناك من المعاني ما لا تفصح عنها الألفاظ إلا بعبارة توهم الاشتراك، ثم يجيء السياق فيفسح مجال الأخذ والرد في تفضيل معنى على معنى مما تدل عليه هذه العبارة المشتركة، والقارئ اللامح النفاذ هو الذي يصل إلى المعنى المراد جازمًا بصحته في ضوء ما يعهد من الأساليب، وبهذا كان المتشابه واضحًا لدى الراسخين من ذوي العلم يعرفون وجهه ويكشفون
стр. 424
نقابه! وحينئذ لا يعتبر متشابهًا إلّا لدى القاصرين المتحيرين، وإذن فما يسمى بالتشابه قد جاء في القرآن لأنه أحد لوازم التعبير الأدبي لا يتخلّى عنه أدب مبين، وقد امتلأ به حديث رسول الله وصحابته، وضرب المؤلف عليه شتى الأمثلة الرائعة من أقوال الشاعرين والناثرين.
وإذا خالفنا ابن قتيبة في رأيه ذلك فإننا نقدّر رأيه القوى في إدراك ذوي العلم للمتشابه حين قال في حجاج سديد (١).
"ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئًا من القرآن إلا لينفع عباده، ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وتعلق علينا بعلّة وهل يجوز لأحد أن يقول أن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرف مع قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته فقد علم عليًّا التفسير ودعا لابن عباس فقال اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين ... حدثني محمد بن عبد العزيز عن موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال تعلمونه وتقولون آمنا به، ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين، لأنهم جميعًا يقولون ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
هذا قول جيد وأنا أراه من زاويتي الشخصية يدل على أن المتشابه ممّا لا سبيل إلى الابتعاد عنه ما دامت أوجه تنكشف لذوي البصيرة، ويتولون شرحه وتفسيره، حيث أنه من طبيعة كل لغة تتفتح ألفاظها عن مشتركات المعاني، وما كان للقرآن أن يحيد عنه وقد جاء بلسان عربي مبين ينحو منحى العرب في التعبير، وهل يظن ابن قتيبة -ومن وافقه على رأيه- أن من استشهد بهم من الشعراء والناثرين كانوا يأتون
стр. 425
المتشابه كيلا يستوي في معرفة أسلوبهم العالم والجاهل! إن كل أديب يتمنى في أعماقه أن يقرأه الناس جميعًا صغارًا وكبارًا نابهين وخاملين متفوقين ومتواضعين! فما ظنك بكتاب يسّره الله للذكر، وأنزله بلسان عربي مبين! .
فإذا تركنا باب المتشابه إلى ما تلاه من القول عن (المجاز) نجد ابن قتيبة قد أحسن الاستشهاد بأمثلة رائعة من كتاب الله، وقد خصّ المجاز ببعض التفصيل إذ من جهته غلط كثير من الناس في التأويل وتشعبت بهم الطرق واختلفت النحل (١)، وقد طعن الطاعنون على القرآن بالمجاز فزعموا أنه كذب لأن الجدار في قوله تعالى ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا يريد. والقوية في قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ لا تسأل وهذا ما نقضه ابن قتيبة لقوله الحاسم (٢).
"هذا ومن أشنع جهالاتهم على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبًا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلًا، كان أكثر كلامنا فاسدًا، لأنا نقول نبت البقل، وطالت الشجرة وأينعت الثمرة وأقام الجبل ورخص السعر، ونقول كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن، وتقول كان الله وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء بلا غاية لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن، والله تعالى يقول ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ وإنما يعزم عليه، ويقول ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وإنما يربح فيها، ويقول ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وإنما كذب به، ولو قلنا للمنكر لقوله ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ كيف كنت أنت قائلًا في جدار رأيته على شفا انهيار، رأيت جدارًا ماذا؟ لم يجد بدًا من أن يقول جدارًا يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض، وأيا ما قال فقد جعله فاعلًا ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ، وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة في مثل قول الله يريد أن ينقض:
стр. 426
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
وأنشد الفراء:
إن دهرا يلفّ شَمْلي بِجُمْلٍ ... لزمان يهم بالإحسان
والعرب تقول بأرض فلان شجر قد صاح أي طال، لما تبين الشجر للناظر بطوله، ودلّ على نقسه جعله كأنه صائح لأن الصائح يدل على نفسه بصوته ومثله قول العجاج:
كالكرم إذ نادى من الكافور.
ويقال: هنا شجر واعد إذا نوّر كأنه لما نور وعد أن يثمر، ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضرة".
هذا النصّ من حديث ابن قتيبة يعطي صورة أمينة لمذهبه المتبع كثيرًا هي النقاش، فهو إذ يوجز الاعتراض يوجز الردّ، ولكنه في الناحيتين معًا دقيق صائب لا يموه أو يلفق! فقد ذكر اعتراضهم على كذب المجاز واستشهادهم بالآيتين الكريمتين! واتبعهما بأمثلة من الحديث المتداول لا مجال لإنكارها مع خلوصها الصريح من الكذب فإذا تم له ذلك قَفَّى بأربعه أمثلة صريحة في المجاز من كتاب الله ليتبعها بسؤال مفحم للمنكر كيف يقول إذا رأى جدارًا على شفا انهيار، والإجابة الملزمة أن يجعل الجدار - فاعلًا مهما حوّر إجابته على نحو من الأنحاء! وبذلك يجهز بن قتيبة على كل اعتراض يقال فإذا اطمأن القارئ إلى منطقه الصريح شفعه بأمثلة معروفة من الشعر العربي تؤيد ما جاء بكتاب الله من المجاز فجعل الأسلوب العربي شعره ونثره موضع التدليل والتصويب! وهو ما ينحوه كل البيانيين من المفسرين على أن قوله في خلال ذلك "ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ" قد يدلّ على أن المؤلف لم يلم بلغة العجم! وقد قيل أنه يعرف الفارسية، وهي إشارة تحمل منافذ مختلفة من الرأي فدع تحليلها إلى من يريد.
стр. 427
وإذا كانت الاستعارة من أظهر وجوه المجاز فقد أفردها صاحب التأويل بفصل شاف محتشد الأمثلة حسن التوجيه مبينًا في مطلعه أن الاستعارة بعض سبيل العرب في الحديث ومستشهدًا بجيد المأثور في ذلك، وطريقته التحليلية لأساليب الاستعارة في القرآن مشرقة، كنا نود لو اكتفى بها فلم تتحول فيما بعد إلى اصطلاحات تذهب الرونق وتضائل اللألاء، استمع إن شئت إلى قوله (١):
"ومنه -من باب الاستعارة- قوله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي كان كافرًا فهديناه وجعبنا له إيمانًا يهتدي به سبل الخير والنجاة، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي في الكفر فاستعار الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهداية، والنور مكان الإيمان" ومنه قوله : ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أي إثمك وأصل الوزر ما حمله الإنسان على ظهره، قال الله : ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي أحمالًا من حليهم فشبه الإثم بالحمل فجعل مكانه، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ يريد آثامهم.
ويبلغ المؤلف غاية الجودة حين يتبع لفظًا واحدًا من الألفاظ القرآنية ليرى كيف مضت به الاستعارة إلى شتى المعاني إذ لكل لفظ معناه الذي يهيئه له مكانه، ويحدد، سياقه ونضرب لذلك المثال من قوله (٢) ومن الاستعارة ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني جنته سماها رحمته لأن دخولهم إياها كان برحمته، ومثله قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾.
وقد توضع الرحمة موضع المطر لأنه ينزل برحمته قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني المطر، وقال ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ
стр. 428
رَحْمَةِ رَبِّي﴾ يعني مفاتيح رزقه، وقال تعالى. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ أي من رزق.
وصنيعه هذا يدل على بصر وإحاطة، وأذكر أنه في مواضع أخرى من الكتاب، قد خصّ بعض الألفاظ القرآنية بفصول خاصة تختلف طولًا وقصرًا جمعها تحت عنوان (باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة) فتحدثه عن معاني القضاء، والهدى، والأمة، والعهد، والإلّ، والقنوت، والدين، والمولى، والضلال والإمام والصلاة والكتاب والسبب والحبل، والظلم، والبلاء، والرجس، والفتنة، والغرض والخيانة، والإسلام والإيمان والروح والوحي، والقرح والفتح والكريم والزوج والرؤية والمثل والضرب، والنسيان والصاعقة والأخذ والسلطان والبأس والخلق والرجم، والسعي، والمحصنات والمتاع والحساب والأمر، وذلك ما بين صفحتي ٢٩٤، ٣٤١ فكان ابن قتيبة بذلك أول من فكر في وضع معجم لمعاني الألفاظ القرآنية وهي فكرة يتولاها الآن مجمع اللغة العربية القاهري، وقارئ أمثال هذه الفصول يرى الشواهد اللائحة لتطور الكلمة من الحقيقة إلى المجاز وإذا استطعنا أن نهتدي إلى معجم تاريخي للألفاظ فإن أمثال هذا الصنيع مما يساعد ويعين.
وأنا بعد ذلك كله أجد في باب المجاز بعض الخلاف الواضح. بيني وبين صاحب المشكل، فقد كان منحاه الفقهي والكلامي يدعوه إلى كثير من التشدّد في تطبيق المجاز، حتى ليحكم بالحقيقة فيما المجاز به واضح ساطع، واستشهد بمثالين واضحين.
١ - قال ابن قتيبة: وأما تأولهم (١) في قوله للسماء والأرض ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
أنه عبارة عن تكوينه لهما، وقوله لجهنم ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ إخبار عن سعتها فمما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة
стр. 429
وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين، وسائر ما جاء في كتاب الله من هذا الجنس وفي حديث رسول الله ممتنع عن مثل هذه التأويلات وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب، والله تعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل ويسخر الجبال والطير بالتسبيح، فقال ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ وقال ﴿يَاجِبَال أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر﴾ أي سبحن معه، وقال ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
وقال في جهنم ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تنقطع غيظًا عليهم كما تقول فلان يتقد غيظا عليك أي ينشق؛ وروي في الحديث أنها تقول قط قط أي حسبي حسبي".
ثم قال ابن قتيبة (١) وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر ومساءلة الملكين وحياة الشهداء عند ربهم يرزقون وأنكروا إصابة العين، ونفع الرقي والعوذ وعزيف الجنان وتخبط الشيطان وتغول الغيلان ... الخ".
هذه وجهة نظر المؤلف، وأنا أقول في الردّ عليه إن كتاب "تأويل مشكل القرآن" ينهض على فكرة راسخة هي إن القرآن قد نزل بأساليب العرب، فحاكى أوجه كلامهم في الحديث ومنازعهم في تشقق الكلام، والذين يذهبون مذهب المجاز في ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ علماء أدباء يحذقون لغة العرب ويستشهدون لما يقولون بمثل قول الشاعر (٢) على لسان الناقة:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدًا وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى عليّ ولا يقيني
стр. 430
وقوله:
شكا إليّ جملي طول السرى ... يا جملي ليس إليّ المشتكى
وقوله:
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
وعشرات أخرى من الأمثلة التي ذكر بعضها ابن قتيبة نفسه في توضيح وأى المخالفين، فإذا ألف العربي أن ينطق الناقة والجمل والحصان والذباب الجبل بما يريد على سببل المجاز، فما خالف المتأولون مذهب العرب في شيء! وهم في ذلك لم يجنحوا إلى إنكار آية أو رفض حديث.
والعجب لا ينتهي من قول ابن قتيبة "وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر ومساءلة الملكين وحياة الشهداء عند ربهم، لأن البلغاء ممن اتضوا وجهة التأويل في الآيتين الكريمتين لم يتعرضوا لعذاب القبر، وسؤال الملكين وحياة الشهداء حين استشهدوا بالآيتين، وتلك أمور دينية تركوا للمتنطعين بحثها، فإذا أنكرها سواهم من ذوي الغرض فلماذا يقذفهم ابن قتيبة بما لم يقولوا؟ قد يكون من هؤلاء من أنكر عزيف الجن ورؤية الغيلان -كالجاظ- وذهب إلى تعليل ذلك بما بسطه في الحيوان وأنكره ابن قتيبة، ولكن إنكار عزيف الجن ورؤية الغيلان شيء وإنكار حياة الشهداء شئ آخر! إن ابن قتيبة من الحصافة بحيث لا يجيز له أن يخلط بين أمرين متباعدين، ولو قرأ ما كتب الجاحظ بقلب سليم لاقتنع به، وأنّى! وقد عدّه أكذب أهل الأرض ورماه بما هو منه بريء!
٢ - أما المثال الثاني يقول الله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ حيث أتبعه صاحب المشكل بقوله:
"إن الله لما استخلف آدم على ذريته وسلطه على جميع ما في الأرض
стр. 431
من الأنعام والطير والوحش عهد إليه عهدًا أمره فيه ونهاه، وحرّم عليه وأحل له فقبله، ولم يزل عاملًا به إلى أن حضرته الوفاة، فلما حضرته ﷺ سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ما قلده فأمره أن يعرض ذلك على السموات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى فأبين أن يقبلنه شفقًا من عقاب الله ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرص والجبال فكلها أباه ثم أمره أن يعرضه على ولده، فعرضه عليه فقبله بالشرط ولم يتهيب ما تهيبته السماء والأرض والجبال".
فابن قتيبة لم يكتف بما اكتفى به ملتزمو وجهته من جعل العرض حقيقة قام بها المولى مخاطبًا السموات. والأرض والجبال فأبين! بل ذهب إلى آخر الشوط فصدّق من قال أن القائم بالعرض آدم نفسه! مع أن صريح القرآن لا يدلّ على ذلك! ولو أن آدم خاطب السموات والأرض والجبال وردّت عليه لكان ذلك إحدى معجزاته الخارقة! وما رأينا من نسب لآدم ﵇ أنه كلم السموات والأرض والجبال فردت عليه! أفيجوز لهذا الأديب المتمكن أن يتنازل وقتا ما عن حصافته البارعة! فيشتط في قبول تفسير لا تقوم عليه الشواهد، وأمامه اللسان العربي المبين يسعفه بوجه الرأي السافر لو احتكم إليه بعيدًا عن التشدّد الثقيل؟ لسنا نريد أن نلزم أحدًا برأي، ولكننا نحاول أن نتبين معالم الطريق! على أن مواضع إصابة المؤلف كثيرة متعددة لا تقاس بما يشذ بين السطور على أبعاد متنائية، وقد جعل المبالغة -كما هي في كثير من أحوالها- من بعض وجوه الاستعارة، ووفق في عرض أمثلة قرآنية تنطق بها مقرونة بما يماثلها من جيد الشعر والنثر، ولم يمنعه استحسانه برأي معين أن يذكر ما يخالفه منسوبًا إلى صاحبه، ولو أردنا أن نتوسع في الاستشهاد على ذلك لضاق بنا النطاق ولكننا نكتفي بهذا الشاهد.
قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ فذكر المؤلف تبيينًا له (١):
стр. 432
"تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن رفيع المكان عام النفع كثير الصنائع "أظلمت الشمس له وكسف القمر لفقده وبكته الريح والبرق والسماء والأرض" يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه والسامع له يعرف مذهب القائل فيه، وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظموه ويستقصوا صفته ونيتهم في قولهم أظلمت الشمس أي كادت تظلم وكسف القمر كاد ينكسف، ثم قال وقد اختلف الناس في قوله "فما بكت (١) " فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم بكته الريح والبرق ... وقال آخرون فما بكى عليهم أهل السماء والأرض، فأقام السماء والأرض مقام أهلهما، كما قال تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أراد أهل القرية ... وقال ابن عباس: "لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه فإذا مات بكى عليه الباب وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلاه والكافر لا يصعد له عمل ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض" اهـ.
فالمؤلف -كما يلوح لي- مزورّ عما نسب إلى ابن عباس من تفسير، ولكنه يذكره بعد أن يستوفي تفسيره البياني المقنع مؤيدًا بالأمثلة السوائر معتقدًا أنه أصاب مقطع الحق فيما تناول، وليس يضيره أن يأتي برأي آخر قد يجد من القراء من يميل به إلى التوهين والترجيح وفي أبواب المقلوب، والحذف والاختصار والكناية والتعريض ومخالفة ظاهر اللفظ معناه أمثلة جيدة هي الأعواد الخضراء التي ترعرعت فيما بعد فأنشات شجرة البلاغة المتعدّدة الأفنان، بل بها ما لم يكد أن يزيد عليه البلاغيون شيئًا غير التفصيل والتفريع ومن ذلك حديثه عن الاستفهام التقريري مستشهدًا بنحو قول الله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٢) والاستفهام التعجبي مستشهدًا بنحو قول الله ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ والاستفهام
стр. 433
التوبيخي مستشهدًا بنحو قول الله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ﴾ وكذلك فعل إذ تحدث عن الأمر التهديدي والأمو التأديبي والأمر المبيح لا الملزم، مما يحفظ للرجل مكانه في التقنين البلاغيّ لدى المنصفين.
ونشير بهذه المناسبة إلى نقطة رئيسية نؤثر أن يلتفت إليها مؤرخو النقد والبلاغة، فقد درج هؤلاء على أن يعتبروا كتاب البيان والتبين أول كتاب يبتدئ الحديث عن فنون من البلاغة العربية ثم ينتقلون منه إلى كتاب البديع لابن المعتز حيث يجعلونه الكتاب الثاني بعد كتاب الجاحظ، وإذا كان ابن المعتز قد اعترف في خاتمة كتاب البديع أنه ألفّه سنة ٢٧٤ هـ وإذا كان ابن قتيبة قد انتقل إلى جوار ربه سنة ٢٧٦ هـ ولم يكن كتاب المشكل آخر ما ألف بل ألّفَ بعد أكثر من عشرة كتب أشار فيها إلى كتاب المشكل بما يدل على سبقه الزمني في التأليف. فإن سبق ابن قتيبة في تأليف المشكل يجعله صاحب المنزلة الثانية في الحديث البلاغي بعد الجاحظ مباشرة! إذ أنه قد خصّ أبوابًا برءوسها تتحدث عن المجاز والاستعارة والكناية والتعريض كما تحدث عن التشبيه في أبواب مستقلة تجدها تحت عناوين:
أ- في سورة البقرة ص ٢٤٩.
ب- وفي سورة الرعد ص ٢٥١.
ج- وفي سورة النور ص ٢٥٢.
د- وفي سورة البقرة ص ٢٨٢ وإن لم يخص التشبيه في كتاب التأويل بعنوان مستقل كما فعل في عيون الأخبار، هذا إلى نظراته القوية عن الالتفات والمقلوب والحذف والاختصار ممّا يعدّ من البحوث البلاغية في صميم الصميم، وكل ذلك يجعل من كتاب المشكل خطوة هامة في التأليف البلاغي لا يجوز تجاهلها، وقد كان ابن قتيبة من الجهارة والصيت بحيث لا يجوز لعالم أديب شاعر كابن المعتز أن يجهل مكانه، أو يغمض عن مؤلفاته في فن
стр. 434
يعمد إلى جمع مسائله، واستكمال فروعه، وإذا لم يشر إليه في كتابه، فليس لابن قتيبة ذنب في ذلك يميل بنا على تخطيه، وأذكر أن الأستاذ الأديب السيد أحمد صقر محقق كتاب المشكل كان -فيما نعلم- أول من اهتدى إلى هذه الحقيقة حيث قال في مقدمة الكتاب (١).
"ولأبواب المجاز التي ذكرها ابن قتيبة في هذا الكتاب قيمة تاريخية كبيرة لأنها ستضيف إلى معارفنا عن تطور البلاغة شيئًا جديدًا، فالذائع الشائع بين الخاصة وغيرهم أن البلاغة العربية طفرت من نثار الجاحظ المبثوث في كتبه إلى بديع ابن المعتز طفرة واحدة، ولم يعرف أحد أن ابن قتيبة قد أسهم في تكوينها وتطويرها بنصيب موفور، فظهور تلك الأبواب في هذا الكتاب يظهرنا على تلك الحقيقة المفقودة في تاريخ البلاغة ويضيف إلى أمجاد ابن قتيبة مجدًا آخر عظيم الشأن سيذكره الذاكرون كلما تحدثوا عن تاريخ البلاغة ونشأتها".
وقد ظهر انتفاع ابن قتيبة بآثار سابقيه في كتاب المشكل ظهورًا لا يخفى على الدارسين، فما أكثر ما اتكأ على الجاحظ وأبي عبيدة فيما نزع إليه من تأويل، وإن تعمّد أنْ يغفل اسم الجاحظ في كل ما انتفع به منه، من ذلك حديثه عن تأويل قول الله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ ص ٤ من المشكل فإنه عين كلام الجاحظ في باب العصا ص ٢٦ ج ٣ من البيان والتبيين (٢)، وحديثه عن تأويل قول الله ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ ص ٥ من المشكل، فإنه من حديث الجاحظ في الحيوان ج ٣ ص ٨٦ (٣) وحديثه عن قول الله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ص ٥٨ فإنه من وحي الجاحظ عن البيان والتبيين ج ٢ ص ٩٩٢ (٤).
стр. 435
أما أبو عبيدة فلم يهمل ذكره كما أهمل الجاحظ بل أشار إليه في كثير مما اتكأ فيه عليه وإن أغفله حيث يجب الذكر في مواضع هامة، وكأن يجنح إلى معارضته دون داع موجب غير اختلاف وجوه النظر بين عقليتين متباعدتين، ومن ذلك قوله ص ١٥٣: وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الله تعالى ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ إلى مثل هذا في القلب، ويقول وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام والمعنى للمنعوق به وهو الغنم (١)، وكذلك قوله سبحانه ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي تنهض بها وهي مثقلة، ثم يقول ابن قتيبة (٢) في نقد ذلك وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله لو لم يجد له مذهبًا لأن الشعراء تقلب اللفظ وتزيل الكلام على طريق الغلط أو على الضرورة للقافية، وبعد أن يستشهد على ذلك بأمثلة معروفة للشعراء يقول (٣) "والله لا يغلط ولا يضطر وإنما أراد" ومثل الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله ومثل الذين كفروا وحذف ومثلنا، لأن الكلام يدل عليه ومثل هذا كثير في الاختصار.
ونحن لا نرفض تأويل ابن قتيبة فهو مما يجوز، ولكننا نرفض أن يكون وحده التأويل الصحيح بحيث يكون رأى أبي عبيدة خطأ لا يحتمل الصواب ورأيه صوابًا لا يحتمل الخطأ لأن القلب لا يكون للاضطرار الشعري كما ظن ابن قتيبة بل يكون لتأكيد المعنى وتجليته ولغيرهما من الأمور البيانية التي تظهر الصورة ذات لمح وإشعاع! وقد جاء القلب في اللسان العربي شعرًا ونثرًا حتى اشتهر قول الأعرابي "عرضت الناقة على الحوض" مريدًا به عرضت الحوض على الناقة، ولم يكن الأعرابي في قوله شاعرًا فيضطر إلى هذا القلب، ولكنه كان بليغا يعني ما يقول!
стр. 436
فانظر معي كيف توهم المؤلف أن القلب لا يكون إلا للضرورة والغلط ثم جعل من هذا التوهم البعيد دليلًا على غلط أبي عبيدة دون تدقيق.
وإذا كان المؤلف الكبير -وراء هذا كله- قد استشف أسرار التركيب البياني للقرآن في أكثر ما تعرض له على كثرته الكاثرة فقد أمد المفسير البياني برافد صاف عذب لم يلبث أن ورده المفسرون، لينقعوا منه غللهم الصادية، فصدروا عنه هانئين، فإذا أضيف إلى ذلك ما قطفه المفسرون من كتابه المسمى "تفسير غريب القرآن" فلك أن تقدّر معي ثراء هذا الرجل الخصب وتراثه الحفيل" (١).
ولقد كان الرماني المعتزلي (٢٩٦ - ٣٨٦ هـ) وحمد بن محمد الخطابي البستي (٣١٩ - ٣٨٨) أول من كتب في إعجاز القرآن، فلقد وضع الرماني رسالته التي سماها (النكت في إعجاز القرآن). وقد بين فيها وجوه الإعجاز، فذكر الصرفة متأثرًا بالنظام، كما ذكر من أوجه الإعجاز أخبار الغيب. ولكن عنايته في الإعجاز انصبت على البلاغة، فذكر الاستعارة والتشبيه وغيرها، ممثّلًا لكل ذلك من القرآن الكريم، على أنّه ينبغي أن يُعلم أن الصرفة التي ذكرها الرماني، ليست هي ما كان يعنيه النظام، لأنّ الرماني ﵀ ركز كثيرًا على أن البلاغة القرآنية هي سر إعجازه، فالقرآن في أعلى طبقات البلاغة التي لا يستطيعها البشر، والصرفة عنده ليست إلّا وجهًا عقليًا يصلح أن يكون وجهًا من وجوه الإعجاز.
أما الخطابي في رسالته (بيان إعجاز القرآن) فرد على القائلين بالصرفة، كما لم يرتض القول بأن إعجاز القرآن يكمن في تضمنه الأخبار عن الأمور المستقبلة لأن ذلك في آيات مخصوصة، والإعجاز لا بد أن يكون في القرآن كلِّه، لذلك رأى أن البلاغة التي تقوم على قواعد هي سرّ الإعجاز، وإنما قلت تقوم على قواعد، لأن البلاغة التي تقوم على الذوق وحده لا تصلح في هذا الشأن الخطير، فالأذواق مختلفة، ولا بد أن يكون الذوق معللًا، وهو ما يعرف بالنقد، وناقش فكرة البلاغة
стр. 437
مبينًا أنها لا تصلح لأن تكون البحث الذي تدور حوله فكرة الإعجاز، لذا كانت نظريته في الإعجاز تكمن في نظم القرآن نظما بديعًا، يجمع بين أفصح الألفاظ وأصح المعاني في أبدع نظم وأحسنه وهذه عبارته قال الخطابي (وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي في أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أو توجد مجموعة من نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددًا.
فتفهم الآن واعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمنًا أصح المعاني من توحيده له عزت قدرته وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أو لى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، وجامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والدليل عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهى عنه) (١).
ولعله اللبنة الأولى لمن جاءوا بعده في إبراز نظرية النظم وتكاملها.
وإذا كان الرماني والخطابي قد تركا لنا رسائل في الإعجاز، وكان لكل وجهته ورأيه، فإن علامة الأشاعرة القاضي أبا بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، كان
стр. 438
متممًا لتلك الحلقة، وذلك بكتابه الذي شاع صيتًا وعم انتشارًا واتسع شهرة، ولم يشتهر كتاب شهرته وهو كتاب (إعجاز القرآن). فلقد صال فيه وجال وأنجد وأتهم، فرد على الملاحدة، ونفى الشعر والسجع كليهما عن القرآن، وقد يكون تكلف لذلك، ووازن بين النص القرآني وغيره من الشعر والنثر فبخس الشعراء كثيرًا ظانًا أن ذلك مما يخدم النص القرآني، مع أن العكس هو الصحيح ولكنه فسر لنا بعض الآيات والسور، فكان موفقًا في استجلاء الألفاظ واستخراج المعاني، وبخاصة أن حديثه لم يقتصر على الجملة القرآنية، بل فطن إلى الوحدة في السور القرآنية، تدرك هذا وأنت تجده يربط بين الآيات، مبينًا ما بينها من صلاتٍ ووشائج، ولعله أول من ركز على هذه القضية الخطيرة الشأن.
نظرية عبد القاهر وإبداعه:
وبانتهاء هذه المرحلة التي اشتركت فيها جهود اللغويين والمتكلمين، والتي وصلت إلى نتائج كان لها أثر لا ينكر في إلقاء الظلال الأولى على نظرية الإعجاز، التي كانتا الأساس الذي بنيت عليه موحلة تالية، كان فيها الجدة والإبداع والابتكار ما تستريح له النفس، وتقر به العين، وأعنى بتلك المرحلة التالية، نظرية عبد القاهر الجرجاني، وهي النظرية التي كانت أنموذجًا تامًّا، رأينا تطبيقه العملي في كتاب الكشاف.
لقد درس عبد القاهر النحو على يد أبي الحسين الفارسي، الذي كان يعد إمامًا فيه بعد خاله أبي علي الفارسي (١). وتأثر بتلك الدراسة في نظريته التي كانت سبب شهرته. ووضع عبد القاهر كتابين هما: (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة). وهما من خير الكتب في هذا الفن قديمها وحديثها، إذ تحدث عن البلاغة في أصالة معناها وسمو هدفها وغايتها، قبل أن تكدر مواردها العذبة بالأجاج الذي لا يستحلى، والذي حولها إلى مجموعة من المصطلحات والتعقيدات التي لا تنفذ من
стр. 439
منفذ الوجدان، وإنما منفذها الوحيد العقل الذي تعود الممارسة، فصار الباب الذي تلج منه كأنها والفلسفة شريكان، لقد جاء عبد القاهر والناس مختلفون بين نصير للفظ يراه سبب البلاغة، ومقدم للمعنى يرى له الشرف والسبق، فوضع نظريته في المعاني. نظرية النظم، وأساسها الذي تقوم عليه أن اللفظ لا ينظر إليه من حيث هو لفظ، وأن المعنى لا ينظر إليه من حيث هو معنى، وإنما ينظر إلى الأول من حيث هو قالب للمعنى، وينظر إلى الثاني من حيث هو معبر عنه بهذا اللفظ. وتلك النظرية هي التي خصها بكتاب (دلائل الإعجاز). بقي أن جمال هذا النظم، إنما يعظم ويحسن بقدر تأثيره في النفوس. وهذه خصها بكتابه الثاني (أسرار البلاغة). ولقد كانت دراسته فتحًا جديدًا في هذه الفنون، وهو يطبق ذلك على آي الكتاب العزيز.
ونستطيع أن نتبين حذق الرجل وهو يحدثنا عن جمال النظم، وتأثيره في النفوس، في مثل قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] حيث يذكر أن الفضل هنا ليس للاستعارة وحدها، بل لطريقة النظم، فقد جيء بهذا التمييز محولًا عن الفاعل، إذ الأصل (واشتعل شيب الرأس). وهكذا يبين لنا أسباب حذف المفعول، في مثل قول الله تعالى. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وحالات الفصل والوصل في آيات كيرة، وعن معنى التشبيه في مثل قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] تلك القواعد المتكاملة التي وضعها عبد القاهر.
الزمخشري:
جاء الزمخشري ليطبق جزئيات نظرية عبد القاهر، بحذافيرها كاملة غير منقوصة، في تفسير الكشاف، الذي كان مادة غزيرة لمن جاء بعده، والزمخشري إذ يطبق قواعد عبد القاهر، ليس معنى هذا أنه كان ناقلًا مترجمًا، وإنما أعطى الرجل
стр. 440
من البيان حظًّا وافيًا. وكان بحق كما قال في مقدمته (١) (مسترسل الطبيعة منقادها مشتعل القريحة وقادها). ولست مع هؤلاء الذين يتهمونه بأنه أخذ تفسيره عن الرماني، وما استندوا إليه من أن التفسير المنسوب للرماني للجزء الأخير من القرآن جزء عم، تشبه عبارته، أو تتحد مع عبارات الكشاف، فأنا أشك في نسبة هذا التفسير إلى الرماني. فعم إن الرجل تأثر -ولا شك- به.
الكشاف: للزمخشري:
ولا بد من وقفة مع الكشاف لنرى تذوق الرجل للبيان القرآني الذي ألزم خصومه أن يعترفوا له، لقد كان الزمخشري أول من فرق في التسمية بين علم المعاني وعلم البيان، إذ كانا يعرفان باسم واحد من قبل، كما يظهر ذلك من مقدمته النفيسة الرائعة التي تدل على ما للرجل من قدم راسخة في هذا المضمار، والتي لم يستطع مثل أبي حيان، أن يخفي إعجابه بها وأسرها لفؤاده (٢). وإذا قلنا إن الرجل قد طبق نظرية عبد القاهر في الإعجاز فليس معنى هذا أنه مزجى البضاعة مكتسب الصناعة، بل كان تطبيق خبير ناقد، ليس كزًا جاسيًا ولا غليظًا جافيًا، ومع ذلك فلقد كان للرجل زيادات كثيرة يظهر فيها حذقه وبراعته. ويظهر كثير من هذا في أسلوب الفنقلة.
وإذا أردنا أن ندرك جمال الأسلوب وحسن العرض وكشف أسرار النظم، فما لنا إلا أن نقرأ تفسير سورة الفاتحة مثلًا، لنرى ونعلم كيف ترتب آياتها آية تلو آية، كأنما هي البناء الشامخ الذي يلائم نفس الإنسان، ولنبدأ معه في أوائل سورة البقرة لنرى هذا السلك البديع، الذى نظمت فيه تلك الفنقلات جواهر ويواقيت، سواء كان في معنى اسم الإشارة في الآية الكريمة ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أم في معنى الاستغلاء وتنكير (هدى)، والإتيان بحرف العطف مع
стр. 441
تركه في مواضع أخرى، والمجئ لضمير الفصل، وتعريف الخبر. وهكذا نعيش مع الكشاف، ليكشف لنا عن تلك الحقائق البيانية بما لا يدع مزيدًا لمستزيد. فها هو يبين السر الذى قال الله من أجله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] دون كلمة منها.
والسر البلاغي في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ وسر العطف وتركه، في قول الله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].
لقد كان الزمخشري معتزليًّا كما نعلم، فبينه وبين الأشاعرة ما لا يخفى، ومع ذلك فلقد كان تفسيره المرجع الذي ينهل منه جميع العلماء وإذا كان ابن المنير الذي نراه يقسو على الزمخشري كثيرًا، قد لاحقه في كل ما كتب، فإنا نرى أن الزمخشري يأبى إلا أن ينتزع منه الاعتراف له بالفضل في مواضع كثيرة أكتفي بذكر موضع واحد، عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] حيث يقول الزمخشري: فإن قلت الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟ أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها.
فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب: شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم، بما يدرك كم طعم المرارة. أما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس. ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس. فكأنه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف (١). قال أحمد بن المنيّر وهذا الفصل من كلامه يستحق على علماء البيان أن يكتبوه بِذَوْب التبر لا بالحبر).
стр. 442
موازنة بينه وبين عبد القاهر:
على أن هناك حقيقة لا بد من تقريرها هنا، وهي أن الزمخشرى في تفننه وعلو همته، ورسوخ قدمه في أفانين القول، لم يكن ليبلغ ما بلغه عبد القاهر من طول النفس وامتداد جذوره إلى أغوار المعاني، والوصول إلى بديع الصنعة البلاغية.
وسأضرب مثالًا واحدًا على ذلك: يقول الزمخشرى عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] شبه اليهود، في أنهم حملة التوراة وقراؤها. وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ والبشارة به ولم يؤمنوا به، لذلك شبههم بالحمار يحمل أسفارًا أى كتبًا كبارًا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه، فهذا مثله وبئس المثل).
ولنستمع لعبد القاهر يبين مكنون هذا التشبيه ويظهر روعته ويجلي كل ما يتعلق به (١). (الشبه منتزع من أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول، ثم لا يحس بما فيها ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدلالة عليه بسبيل. فليس له مما يحمل حظ، سوى أنه يثقل عليه ويكد جبينه. فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة، ونتيجة لأشياء ألفت وقرن بعضها إلى بعض. بيان ذلك أنه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص، وهو الحمل، وأن يكون المحمول شيئًا مخصوصًا، وهو الأسفار التي فيها أمارات تدل على العلوم، وأن يثلث ذلك بجهل الحمار ما فيها، حتى يحصل الشبه المقصود .. ).
إلى أن يقول: (وإذ قد عرفت هذا، فالحمل من هذا القبيل أيضًا، لأنه يتضمن
стр. 443
الشبه من اليهود، لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل، بل لأمرين آخرين أحدهما: تعديه إلى الأسفار، والآخر اقتران الجهل للأسفار به .. ).
ويستمر عبد القاهر وهو يفيض في الحديث عن تلك الآية: "فإن قلت: ففي اليهود شبه من الحمل، من حيث هو حمل على حال، وذلك أن الحافظ للشيء بقلبه، يشبه الحامل للشيء على ظهره وعلى ذلك يقال: حملة الحديث وحملة العلم، كما جاء في الأثر: (يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). فالجواب: إن الأمر وإن كان كذلك، فإن هذا الشبه لم يقصد ههنا، وإنما قصد ما يوجبه تعدي الحمل إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به، وهو العناء بلا منفعة، يبين ذلك أنك قد تقول للرجل، يحمل في كمّه أبدًا دفاتر علم وهو بليد لا يفهم، أو كسلان لا يتعلم، وإن كان يحمل كتب العلم، فالحمار أيضًا قد يحمل، تريد أن تبطل دعواه، أن له في حمله فائدة، وأن تسوى بينه وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل، فالحمل ههنا نفيه موجود في المشبه بالحمار ثم التشبيه لا ينصرف إليه، من حيث هو حمل، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من عدم الجدوى والفائدة. وإنما يتصور أن يكون الشبه راجعًا إلى الحمل، من حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل مثلًا بكثرة الحفظ للوظائف أو جهد النفس في الأشغال المتراكمة، وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه".
وربما يقال هنا كيف يمكن المقارنة، بين الزمخشرى الذي يتقيد بتفسير الآية، وبين عبد القاهر الذي يكتب قواعد في هذا الفن غير مفيدة ولا محدودة، إنه لا مكان لتلك المقارنة ههنا، وهذا تساؤل وجيه حقًّا، ولكننا يتضح لنا الأمر حينما نعرف أن ما نقل عن عبد القاهر، إنما كان خاصًّا بالآية الكريمة، أما حديثه عن التشبيه فهذا ما لم أعرض له (١). وإذا كانت المكتبة البيانية قد حرمت تفسيرًا يخطه
стр. 444
عبد القاهر بيده، فإنها حظيت بخلاصة أفكاره والتطبيق العملي لنظرياته التي خطها يراعه، وجلاها فكره، أقول حظيت المكتبة القرآنية بذلك ممثلًا في تفسير الكشاف.
استدراكات على الزمخشري:
وإذا كنا نحمد للرجل صنيعه ونشكر له جهده، فإن هذا لا يمنعنا - وقد سجلنا له كثيرًا مما برع فيه - أن نسجل عليه بعض المآخذ والكبوات، لقد كان الزمخشري يرى أن بعض القرآن أبلغ من بعض، محاكيًا بذلك من سبقه من العلماء وبخاصة المعتزلة، فنراه يطبق هذا في تفسيره. فها هو عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] يرى أنه أبلغ من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. ويقول عند قول الله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٩٣] حيث يرى أن الأبلغ ترك الفاء مع أن كلتيهما من باب التفنن في البلاغة، وإذا كان هناك عجب، فعجب من قوله. وهو الذي روى عنه قوله:
ومُذْ أفلحَ الجُهّال أيقنتُ أنّني ... أنا الميمُ والأيامُ أفلحُ أعلمُ
حيث شبه نفسه بالميم وشبه الأيام برجل أفلح أعلم أي مشقوق الشفتين، وهو الذي لا يستطيع النطق بالميم، فتلك الأيام لن تجود بمثله أي الزمخشري.
لقد كنا نود أن يغوص الزمخشري في أعماق بلاغة الآية، وأن يلم بها من جميع أطرافها، ليصدر عن حكم سوي، وحكمة وروي، في مضمار له في اليد والمنزلة. وأنا وإن كنت لست مع أصحاب حلبة هذا السباق، لكنني أفهم غير ما فهمه من السياق. أما الآية الأولى فلا أدري كيف غاب عن الزمخشري أنها جاءت بأسلوب
стр. 445
تقريري، بينما جاءت آية الزمر بأسلوب توبيخي تقريعي.
إنه والله لا يوجد أجمل من آية الزمر في موقعها، ولا أبلغ منها في موضعها. وهذا يقال كذلك في آية يونس إن أسلوب كل واحدة منهما، وطريقة التعبير فيها حتمها السياق والمناسبة. فإذا جئنا إلى الآية الثانية: آية هود، وجدنا أن ترك الفاء، لا يدل على أنه أبلغ من ذكرها. ولنأخذ الآيتين من ناحية الإيقاع الصوتي والمنهج اللفظي، لنرى هذا الإبداع في القرآن ثلاث آيات إحداها في سورة الأنعام ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ومثيلتها في الزمر. أما سورة هود فنص الآية ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٩٣]. فنحن نرى أن آيتي الأنعام والزمر ابتدأتا بكلمة (قل)، بينما ابتدأت آية هود بـ (ويا قوم) والذي يظهر لى، والله أعلم -وإن كنت لست من أهل تلك الربوع التي يصول أهلها ويجولون- أن ذكر الفاء، وتركها حتمه النص الذي وردت فيه، فالنص الذى وردت فيه الفاء ابتدأ بكلمة (قل)، وهو فعل أمر من جهة، واقترن بالفاء من ناحية أخرى، بينما آية هود بدأت بالواو كما قلت.
أثر الكشاف:
ومهما يكن من أمر. فلقد بقي الكشاف على مدى العصور مدرسة ينهل منها طلاب البيان، بين مختصر ومسهب ومعلق، فلقد أفاد منه النسفي في عبارته كلها، ولقد ضغط البيضاوي تلك العبارة وتفنن فيها أبو السعود، وليس هؤلاء فحسب، بل الفخر وأبو حيان وغيرهما كانت لهم عبارة الكشاف مادة غزيرة، يعجبون بها تارة ويردونها أخرى، ولكن هل كان تفسير الكشاف خاتمة المطاف في تجلية الصور البيانية، وبعبارة أخرى هل وقفت دفعة التيار البياني، وجفت جداولها بانتهاء الزمخشري؟ أكثر الباحثين يردون على هذا السؤال بالإيجاب ويرون أن الكشاف كان نهاية الحركة البيانية، وأن من جاءوا بعده لم يكتفوا بالدوران حوله فقط، بل إنهم ذهبوا إلى ما هو أبعد وأغرب، فتكلفوا وتمحلوا وجاءوا بمماحكات ممجوجة بعيدة
стр. 446
عن جو البيان الذي كان أريجه يملأ النفوس انتشارًا وسحره يستولي على المشاعر إعجابًا وإكبارًا، فاضمحل ذلك كله، وخلا ذلك الجو من بديع الصنعة وجمال الروعة، فأصبح مكفهرًا، لا تذوق فيه النفوس حلاوة، ولا يشعر الوجدان له بطلاوة.
وأرى في تعميم هذا الحكم مجانبة للإنصاف وإنكارًا لجهد العلماء، بل افتئاتًا على الحقيقة التاريخية، صحيح أن دراسة البلاغة قد تحولت فيما بعد عن خطها الفسيح الواسع، ومدارها الرحب إلى مسار ضيق خانق، وأصبحت العناية باللفظ شكلًا لا حقيقة ومضمونًا، وكادت تكون مادة من مواد الفلسفة ذات الجدل العقيم. لكن مع هذا بقي للبيان القرآني صورته، ولو لم تكن هذه الصورة واضحة الرؤية.
جهود المتأخرين:
ولعل من الإنصاف أن أذكر هنا، أن لابن تيمية ولابن القيم جهدًا لا ينكر في هذا المضمار، نلمح هذا في آثارهما. فهذا تفسير شيخ الإسلام، وإن لم يكن شاملًا للسور والآيات فإنه يحوي مجموعة يظهر منها الفهم العميق لآيات القرآن بعامة، والاتجاه البياني بخاصة. وهذه تفسيرات ابن القيم المتفرقة في كتبه، يلمح منها القارئ هذا الأثر البياني واضحًا، ولقد جاء بعد ذلك البرهان البقاعي فكان له أثر يذكر وجهد لا ينكر، وكثير من المعلقين على كتب التفسير، نجد لهم دقائق في التعبير، يرقص القلب لها طربًا، وذلك مثل الطيبي وأبي السعود والشهاب الخفاجي، وإذًا فمع الجمود والركود، الذي أصاب الحركة الإسلامية كلها، والتفسير جزء منها، بقي للتفسير بعض المنافذ التي تشع منها نورانيته، حتى عند هؤلاء الذين لم يكونوا مفسرين، وإنما كانوا يجمعون المتفرقات من هنا وهناك، مثل الشيخ الجمل ﵀ أقول حتى عند أمثال هؤلاء نجد بعض تلك اللقطات، وإن كان العثور عليها شاقًّا أحيانًا، وجاء صاحب روح المعاني ﵀، فجمع ولكنه أشبع وأبدع، وأبرز كثيرًا من مكنونات البيان القرآني بحلل، ربما
стр. 447
كان بهاؤها وجمالها تغطيهما بعض ظلال ذلك العصر، التي عملت على تكوينها ظروف كثيرة.
أمثلة من هذه الجهود:
هذا هو التفسير البياني، وكنت أود أن أمثل لكل طور من الأطوار، لكن ذلك يطول، وأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض المواضع. فها هو ابن تيمية يبرز لنا سر التعبير في كلمة (زرتم)، من قول الله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] هذا التعبير الذي تقول عنه الدكتورة عائشة عبد الرحمن، بأنها كانت سباقة في إبراز جماله، ولم تر أحدًا من المفسرين قد أشار إليه. ولنقرأ مثلًا لابن القيم تفسيره لسورة (الضحى) في كتابه أقسام القرآن و (الكافرون) في كتابه بدائع الفوائد وغير ذلك، ولننظر إلى ما يقوله في كلمتي (الإنس والجن)، كيف تقدم إحداهما تارة وتؤخر أخرى، وعن (المشرق والمغرب) واستعمالهما في حالة الإفراد والتثنية والجمع، وعن ختم بعض الآيات، ولا يفوتني هنا أن أذكر أن السيوطي ﵀ جمع طائفة لا يستهان بها من هذه التفسيرات.
فإذا تركنا هؤلاء إلى الشهاب، وجدناه يحدثنا عن سر ترتيب بعض آي القرآن لفظًا ومعنى، نقرأ هذا في أواخر سورة الطور، التي ذكرت فيها (أم) خمس عشرة مرة ويأتي صاحب روح المعاني ليطلعنا على كثير من هذه اللفتات القرآنية، منها تقديم حرف في سورة، وتأخيره في أخرى وهذا مما له سر وهدف.
جهود أخرى في البيان القرآني:
وليس المفسرون والكاتبون في الإعجاز وحدهم، هم الذين عرضوا للبيان القرآني، والحق يقال إن البيان القرآني الغزير ذا الفوائد الجمّة الكثيرة، عرض له غير هؤلاء من الأدباء واللغويين والمتكلمين، ومن هؤلاء الأخوان: المرتضى والرضي.
стр. 448
- أما المرتضى فكان إمامًا ذا باعٍ طُولى في كثير من المعارف وأنواع العلوم، كان متكلمًا لغويًّا، يدلّ على ذلك هذه المجالس العلمية في كتابه الأمالي، التي سجلها تلاميذه، والتي عرض فيها كثيرًا من أنواع البيان في تفسير بعض الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة .. ولقد كان الرجل -كما يظهر من تفسيره لهذه الآيات والأحاديث- ذا عارضة قوية، وقد وفق في كثير مما تناوله في شرح هذه الآيات والأحاديث، ولا يتسع المقام لنقل شيء مما كتب، لكننا نحيل القارئ على كتاب الأمالي.
- أما الشريف الرضي ففضلًا على أنه شاعر مبدع، يشهد لذلك ديوانه، فيقال إن له تفسيرًا للقرآن الكريم، أشار إليه هو، وقد ظهرت براعته البيانية في كتابه (تلخيص البيان في مجازات القرآن)، وهو مرتب على السور القرآنية، وفيه لفتات خلّابة، تجذب القارئ ليحلّق في أفق البيان القرآني، وهو يقطف من ثماره ويشم أريجه الفواح من دوحته الغنّاء.
فإذا تركنا هذين الأخوين، أو هذا الاتجاه اتجاه الأدباء والمتكلمين، إلى اتجاه اللغويين وجدناهم يحاولون أن يمسوا البيان القرآني، ولكن جهودهم فيه محدودة، فالمبرّد، وأبو هلال العسكري وغيرهما لهم بعض الملحوظات التي يُقْبَل بعضها ويردّ بعضها الآخر.
ولمّا كان هذا الكتاب يتحدث عن اتجاهات التفسير، رأيت أنه من غير المناسب أن أطوّف بكلّ ما كتب في هذا الموضوع وأنقل شيئًا مما كتب، بل أكتفي بالإشارة والإحالة لمن أراد أن يستزيد.
стр. 449
المبحث الرابع تصحيح أخطاء بعض الباحثين في هذا المضمار
ومهما يكن من أمر، ومما لا شك فيه أن شباب التفسير قد جدد، وظلام جنباته قد تبدد، وجند الخرافة والجمود قد شرد، على يد الأستاذ الإمام محمد عبده الذي عددناه مجدد التفسير في العصر الحديث، وقد كان كذلك بحق أساسًا للتفسير في العصر الحديث.
وقبل أن نعرض لما كان له ولمدرسته من أثر في الاتجاه البياني، لا بد أن أفي بما وعدت به من مناقشة بعض الشبهات، التي تكاد تعصف، لو قدرت لها الحياة، بأغلى ما عند هذه الأمة من تراث.
قد يكون من الصعب إنكار تسلسل الثقافة الإنسانية. بحيث يتم بعضها ما انتهى إليه بعضها الآخر، ولكن من الظلم أن يدعى أن هذه الأمة كانت عالة على غيرها في كل مناحي الثقافة ومعطيات الفكر. لقد قالوا إن هذه الأمة عقيمة لا تلد عقولها أفكارًا جديدة، فهي حافظة ناقلة لا تعرف الابتكار، ومن هنا لم يكن لها فلسفة، وإنما نقلت فلسفة اليونان إلى لغتها، فوجدت سلوة في شرحها والتعليق عليها. ولعل رينان الفرنسي هو الذي حمل لواء هذه الفكرة الخبيثة (١)، ولم يقف بهم الأمر عند هذا الحد، بل زعم بعضهم كذلك أن الفقه الإسلامي، إنما هو صورة عن القانون الروماني، مع ما بينهما من خلافات جوهرية (٢). وثالثة الدواهي وهي أعظمها افتراء وأبعدها عن الحقيقة، أن العلوم العربية نفسها من نظريات البلاغة والنحو والإعجاز، بل تفسير القرآن بشكل عام، إنما كان صورة مترجمة عن نظريات اليونان وغيرهم، وأن كتّابًا عربًا يقررون ذلك مع كل أسف، فهذا الدكتور سيد أحمد خليل في كتابه (نشأة التفسير)، يقرر أن نشأة التفسير أسسها شبيهة كل
стр. 450
الشبه بنشأة التفسير للكتب السابقة على القرآن، وأن عمل الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يماثل عمل زرادشت الذي شرح الأفستا، لما كان فيها من صعوبة. وقد مرت معنا مناقشة هذا القول في التمهيد، وقد عرفنا بالحجة والبرهان، أن هذا القول لا يستند على أسس من العلم. فلقد كان العرب بمقتضى سليقتهم يفهمون القرآن، ويتأثرون به، حتى هؤلاء الذين ناصبوه العداء. ولم يكن مما يشغل الرسول أو الصحابة التفكير في المتشابه. ويزيد المؤلف هنا (أن أول من قام بتفسير الكتب السابقة على القرآن، هم رجال الروايات والفقهاء وهكذا كان الأمر في الإسلام، فأول من عرف تفسير القرآن هم الفقهاء ولكن الحقيقة تقول غير ذلك. ويمضي المؤلف ليقرر أن البلاغة والنحو والتصوف وجميع اتجاهات التفسير إنما نقلت عن اليونان والأمم الشرقية، فاسم الله الأعظم هو ما يعرف بالعقل الأول عند اليونان. وعلم الباقلاني إنما هو مترجم عن علوم الأمم الشرقية، ونظرية عبد القاهر في النظم، إنما هي ترجمة حرفية للنظرية الهندية، حتى كلمة الجاحظ (المعاني مطروحة في الطريق) مترجمة عن الهندية، إذن ففكرة الإعجاز ليست للقرآن وحده، وإنما هي لغيره من الكتب كذلك، ويخطّئ المؤلف من يدعون أن البلاغة العربية يونانية صرفة وإنما هي يونانية هندية - كما يزعم.
لقد خفي على المؤلف أن يفرق بين نوعين من الكلام: كلام لا يفهم فهو بحاجة إلى شرح، لأنه يشبه الألغاز المعماة، وكلام يفهم لأول وهلة ويسحر بيانه الألباب والمشاعر. كما خفي على المؤلف أن خصائص العربية، وبلوغها أوْجًا في الرفعة والبيان أمور لم تكن لغيرها من اللغات، وأن البلاغة العربية، إنما جاء القرآن بأسلوبه وروعته البيانية. فيه التكرار وفيه التقديم والتأخير، وفيه الذكر والحذف، والتشبيه والفصل والوصل. وكل ما فعله المتأخرون، إنما هو البحث عن سر ذلك وسببه ومقتضياته، مستشهدين بما للعرب من أقوال في جاهليتهم، نرى أي معنى بعد ذلك، لكون البلاغة وغيرها فنونًا غير عربية! وهل كانت خصائص العربية يا ترى نفس خصائص اللغات الأخرى.
من الممكن أن يدعي مثلًا أن نظرية فلسفية، أو مسألة فلكية أو قاعدة قانونية،
стр. 451
نقلت من لغتها الأصلية إلى لغة أخرى، ولكن مما لا يفهم أبدًا أن خصائص لغة ومميزات نص، يمكن أن تسرقها لغة غريبة عنها، مع أن نظرية الإعجاز، لم يقل بها أصحاب الكتب السماوية من قبل لذا يقرر كثير من الكاتبين، أن ظاهرة الإعجاز لم تكن معروفة في غير البيئة العربية، يقول الدكتور محمد زغلول سلام: (ظاهرتان إذن وثيقتا الصلة بالحياة الأدبية العربية، برزتا منذ بدء الدعوة الإسلامية، أولاهما: هذا الكتاب العربي المبين الذي تمت له الصدارة على كل ما أنتج عند العرب وينتجون من أدب وبيان .. أما الظاهرة الثانية التي جدت مع الإسلام على الحياة الأدبية النقدية عند العرب، فهي ظاهرة الإعجاز البلاغي، وقيام الرسالة السماوية عليه، وهي ظاهرة لم تعرفها الآداب الأخرى. ومن الطبيعي كذلك أن يشغل علماء العرب بها، وأن يستعملوا أذهانهم وعبقرياتهم في دراستها) (١). ويقول أيضًا (ولكن الحقيقة التي ينبغي أن نضعها دائمًا أمام أعيننا، ولا يمكن جحدها أو إنكارها، هي أن أثر القرآن في تربية الذوق العربي، وصقله على العصور، وفي كشف جمال الأساليب العربية، واضح لا يخفى ولا يغير منه القول، بأن بلاغة أرسطو تدخلت في الميدان وكان لها ما لها، مما أتعب فيه بعض الباحثين أنفسهم للكشف عنه) (٢).
ويتضح لنا من تلك الكلمة الموجزة، أن البيان القرآني، الذي تفاعلت معه النفوس، كان السبب المباشر في تلك الثروة العلمية الضخمة. كما يتضح لنا كذلك أنه ما من كتاب وجهت له العناية مثل هذا القرآن، فلقد جندت الأمة طاقاتها لهذا القرآن، تستخرج كنوزه، وتبين ما فيه من روعة وجدة لا تبلى، ولكن ترى هل انتهى ذلك الجهد الذي بذلته الأمة بانتهاء القدامى من العلماء؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقرر أن القرآن الكتاب الخالد على مدى الدهر، والذي لا يشبع منه العلماء، يهيئ الله له أعلامًا من ذوي الغيرة، ليقوموا بواجبهم نحوه، وهذا ما سأتحدث عنه (٣).
стр. 452
المبحث الخامس مدرسة الشيخ محمد عبده وأثرها في الاتجاه البياني
قلنا: إن الشيخ محمد عبده، كان فاتحة عصر جديد في التفسير، ومع أن الرجل وجه عنايته إلى تجلية الهداية القرآنية، لأنه كان يعدّ القرآن كتاب هداية قبل كل شيء -وهذا لم يرض الشيخ أمين الخولي وسأعرض لهذه المسألة فيما بعد إن شاء الله- إلا أن لتفسيره رجال مدرسته من بعده أثرًا لا ينكر في الاتجاه البياني، والنهضة البلاغية وقد امتد إلى غيرهم من الباحثين الذين عُنوا بهذه الدراسات فيما بعد. فلقد كان من أهداف الشيخ محمد عبده الأولى الإصلاح اللغوي، سواء كان هذا في دواوين الحكومة والمخاطبات العامة، ويتجلى لنا ذلك واضحًا في أقواله، التي سنعرض لها عند التحدث عنه في الباب الثاني إن شاء الله. كما يتجلى ذلك فيما كتبه الشيخ رشيد، داعيًا فيه إلى طرح المنهج القديم في الدراسات البلاغية، والرجوع إلى منابعها الأولى البعيدة عن التعقيد والمماحكات والاعتراضات. وهذا بالطبع إنما هو تقرير لآراء الإمام في هذه المسألة.
يقول: (فمن لم يقرأ من كتب البلاغة إلا مثل السمرقندية، وشرحي جوهر الفنون، وعقود الجمان، فشرحي التلخيص للسعد التفتازاني وحواشيهما، لا يرجى أن يذوق للبلاغة طعمًا، أو يقيم للبيان وزنًا، وإنما يرجي هذا الذوق، لمن يقرأ أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر، فإنهما هما الكتابان اللذان يحيلانك في قوانين البلاغة على وجدانك، وما تجد من أثر الكلام في قلبك وجنانك. فترى أن علمي البيان شعبة من علم النفس، وأن قواعدهما يشهد لهما الشعور والحس. ولكن لا بد مع ذلك من قراءة كثير من منظوم الكلام البليغ ومنثوره. واستظهار بعضه مع بعض، مع فهمه كما قرر حكيمنا ابن خلدون في الكلام على علم البيان من مقدمته) (١).
стр. 453
وسأكتفي هنا بنقل فقرات مما يتصل اتصالًا مباشرًا بما أتحدث عنه من عبارات الأستاذ الإمام، يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإنما عبر بهذه العبارة، ولم يقل (فصوموه) لمثل الحكمة التي لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة لأجلها، وذلك أن القرآن خطاب الله العام لجميع البشر، وهو يعلم أن من المواقع ما لا شهور فيها، ولا أيام معتدلة، بل السنة كلها قد تكون فيها يومًا وليلة تقريبًا كالجهات القطبية، وهذا من الآيات الكبرى، على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء) (١).
وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يرد ما قاله الجلال من أن الرأفة شدة الرحمة، وقدمت عليها مع أنها أبلغ منها مراعاة للفاصلة. فيقول: (إن كل كلمة في القرآن موضوعة في موضعها اللائق بها، فليس فيه كلمة تقدمت، ولا كلمة تأخرت لأجل الفاصلة، لأن القول برعاية الفواصل إثبات للضرورة، كما قالوا في كثير من السجع والشعر، إنه قدم كذا وأخر كذا لأجل السجع ولأجل القافية، والقرآن ليس بشعر ولا التزام فيه للسجع، وهو من الله الذي لا تعرض له الضرورة، بل هو على كل شيء قدير، وهو العليم الحكيم، الذي يضع كل شيء في موضعه، وما قال بعض المفسرين مثل هذا القول، إلا لتأثرهم بقوانين البلاغة، وغلبتها عليهم في توجيه الكلام، مع الغفلة في هذه النقطة عن مكانة القرآن في ذاته، وعدم الالتفات إلى ما لكل كلمة من مكانها من التأثير الخاص عند أهل الذوق العربي ... وعندي أن الرأفة أثر من آثار الرحمة أعم، فإن الرأفة لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء، والرحمة تشمل دفع الألم والضر وتشمل الإحسان وزيادة الإحسان، فذكر الرحمة هنا فيه معنى التعليل والسببية، وهو من قبيل الدليل بعد الدعوى، فهو واقع في موقعه كما تحب البلاغة وترضى) (٢).
стр. 454
وهذه لفتة أخرى من اللفتات البديعة يبين فيها جمال التعبير، وروعة الحكمة القرآنية، حيث التعبير في الماضي تارة، والمضارع أخرى في قوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يرفع الإمام نقابها، لتسعد بها النفوس تألقًا وحسنًا، يقول: (ولقلة أوقات الظلمة عبر في جانبها بالمضارع المفيد للحاق الشيء، وعروضه متأخرًا عما هو أصل في نفسه، أما النهار فإنه يجلي الشمس دائمًا. من أوله إلى آخره وذلك شأن له في ذاته، ولا ينفك عنه إلا لعارض، كالغيم أو الكسوف قليل العروض، ولهذا عبر في جانبه بالماضي، المفيد لوقوع المعنى من فاعله، بدون إفادة أنه مما ينفك عنه) (١).
وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يقول (أصل تركيب الآية، ولم يكن أحد كفؤًا له، ولكن قدم المجرور، لأن الحديث عن الله، وأشد الاهتمام إنما هو بتنزيهه، فقدم ضميره مع الجار في حيز الكون المنفي، ثم قدم المنفي نفسه وهو الكفؤ، لأن العناية موجهة إلى نفيه، وأخر من سلبت عنه المكافأة، لأنه لم يؤت به في الكلام، إلا لقصد تعميم النفي فقط، وإلا فقد كان يكفي أن يقال: وليس له كفؤ، لكن العبارة على ما في الآية أَبين وأجمل والله أعلم) (٢).
ولقد صار بعد ذلك يسر العبارة وسهولة المأخذ وبيان الجمال الفني، طبيعة في التفسير والمفسر، يظهر هذا فيما كتب بعده، لا لمن هم أكثر صلة به فحسب، كالشيخ رشيد والشيخ عبد القادر المغربي، اللذين سأتحدث عنهما عند مناهج المفسرين إن شاء الله، بل لغيرهم، وهم كثر بين كاتب ومحاضر، كالشيخ إبراهيم الجبالي ﵀، الذي فسر سورة النور وغيرها، بعبارة أدبية كاشفة، والشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والأستاذ عبد الوهاب حمودة، ﵏.
стр. 455
المبحث السادس دراسات متخصصة في هذا الاتجاه
ولكن هناك دراسات بيانية متخصصة، أفرغ فيها أصحابها إحساساتهم وعواطفهم وأفكارهم، وعلى رغم اختلافهم في تناول النص القرآني، وتعدد الجهات التي تناولها منه، إلا أنه يجمعهم إطار واحد، واتجاه واحد.
لقد تناول بعضهم القرآن، من حيث تلاؤم حروفه في كلماتها، وما تضفيه تلك الحروف من موسيقى صوتية خلابة، وتناوله بعضهم من حيث الأسلوب والإيجاز والوحدة بين أجزائه، وتناوله بعضهم من حيث ما فيه من تصوير فني وتجسيم محسوس، وإبراز لتلك الصور بشتى الوسائل، كما تناوله آخرون من ناحية أخرى، وهي تناول مفرداته من حيث هي مفردات، ومن حيث هي أجزاء في الجمل المركبة. وهكذا كل أخذ بنصيب مما يسره الله له. وسأحول ما استطعت أن أتحدث عن كل أولئك، موجزًا الحديث قدر الإمكان.
١ - مصطفى صادق الرافعي
إذا كنا نعد الشيخ محمد عبده أساس النهضة التفسيرية في هذا العصر، فإن الرافعي ولا شك أساس المدرسة البيانية، لقد وهب الله الرافعي كثيرًا من فضله، فلقد كان الرجل يملك من الإمكانات ما لم يتوفر للكثيرين، قلم أديب، وعقل عالم، وسمو روح، وإحساسًا مرهفًا، وقلبًا مؤمنًا. وكل ذلك جنده الرافعي ﵀، ليكون في خدمة كتاب الله. لأن ذلك إنما منحه من روح هذا الكتاب. لقد كان الرجل أمة، وكان تاريخ عصر بياني كامل لتلك الأمة، أراد الله له أن يعيش في عصر الفتنة بالغرب وكل آثاره الضارة، وكانت تلك الفتنة في شبابها. ويهيئ الله لها الرافعي، صاحب السمو الأدبي، الذي لا أشك كما لا يشك الكثيرون في أن نثره لو كان سهلًا سلسًا كشعره، لكان كاتب العربية في جميع عصورها وربما يرد
стр. 456
على الخاطر ما بالك تكتب عن الرافعي، وأنت إنما تتكلم عن اتجاه من اتجاهات التفسير؟ وهل كان الرافعي مفسرًا؟ نعم، لقد كان أول من وضع أسس النظريات البيانية لإعجاز القرآن في هذا العصر. ونحن لا يمكننا كما قلت من قبل، أن نفصل بين المفسرين البيانيين، والكاتبين في الإعجاز، وبخاصة إذا كان هؤلاء مبتكرين لا مقلدين وهناك أمور ثلاثة لا بد أن نعرض لها:
أولًا: دفاعه عن الإسلام وتصديه للمشككين والمارقين:
لم يستطع أحد أن ينال من هؤلاء ويجعلهم يتقوقعون وينحصرون في أنفسهم، وتنحصر عنهم تلك الهالات، التي كانت تلقى عليهم باسم العلم والمدنية. لم يستطع ذلك كله إلا الرافعي. ولا أود أن أطيل هنا الحديث، فكتابات الرجل تشهد له. سواء في الصحف في ذلك الوقت، أم في كتبه التي أصدرها، مثل (وحي القلم).
وها هو كتاب (تحت راية القرآن)، الذي ينبغي أن يعي ما فيه كل مسلم، خير شاهد على ذلك، يقول في مقدمته محذرًا من خطر هؤلاء المنحرفين الذي يتسترون بالتجديد: (ومن ثم وجب أن تحذرهم الأمة، وأن تقرهم في ذلك الحيز من تخيلاتهم وأوهامهم، فهم من الأمة إذا غلبت هي عليهم، وليسوا منها إذا غلبوا عليها، وما مثلهم إلا كالرمل والحصى: تكون في مجرى الماء العذب، فتكون شيئًا من طبيعته، وتحدث فيه لونًا من الحسن والرونق، وإذا هي خيال من شعر النهر حتى إذا أخرجت من الماء، وانساغت في حلق من يجرعه، كانت بلاء وأذى، وانقلبت للماء سبة، ورمى بها ورميت به) (١).
وها هو يتعقب الدكتور طه حسين، الذي زعم أن القرآن يصور العصر الجاهلي، والذي قال في كتابه (في الشعر الجاهلي): (ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية بن أبي الصلت - أو لا يكون)، بقوله: (هل يدري طه حسين معنى قوله
стр. 457
تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ ومعنى قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِ﴾؟ وهل يفهم هذه البلاغة المعجزة، التي يسجد لها البلغاء. إن معناها يا أستاذ الجامعة، أن القرآن لا يشخص عصرًا ولا يمثله، بل هو كتاب كل عصر، وهو الثابت على كل علم، وكل بحث وكل اختراع واستكشاف على مدى الأزمنة، في أيها جاء مما سيستأنفه التاريخ وهذا معنى (من بين يديه) وأيها ذهب مما يطويه الماضي، وهذا معنى (من خلفه) (١).
وفي الحقيقة أنه كان سيفًا ناطقًا، استلته آي القرآن ليُضرب به كل من حام حول ساحته بشبهة، فلقد جعله الله في الأواخر كما جعل حسانًا في الأوائل.
ثانيًا: كتابه في الإعجاز:
كان الرافعي يرى أن القرآن معجزًا بأوسع مدلولات تلك الكلمة، فهو معجز في تاريخه، وفي آثاره وفي حقائقه، ولكن كتاب الإعجاز الذي وضعه الرافعي، وضعه لإثبات إعجاز القرآن في نفسه، فهو يتحدث كن أسلوب القرآن وكن نظمه، وقد لا يبدو ذلك جديدًا، إذا عرفنا أن الذين تحدثوا عن نظم القرآن تحدثوا عن جمله وآياته، وتحدث الرافعي عن مراحل قبل ذلك، أدركنا أن الرجل جاء بجديد.
لقد تحدث الرافعي عن نظم القرآن فتحدث أولًا عن الحروف في أصواتها، وثانيًا عن الكلمات في حروفها، وثالثًا عن الجمل في كلماتها، فصال وجال بين تلاؤم الحروف وعدم تنافرها، وبين موقع كل حرف في الكلمة، فجاء بما يطرب له كل قلب مؤمن، فالحرف الواحد من القرآن معجز في موضعه، لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها، والكلمة في الحقيقة الوضعية إنما هي صوت النفس، وهناك صوت آخر هو صوت العقل، وثالث هو أرقى منهما وهو صوت الحس، والعرب إن عرفوا الأولين، لكنهم لم يعرفوا الثالث، لأنه كان مما تعاطوه ولم يعطوه فلم يدركوه إلا من القرآن. ويوضح ذلك بقوله (لو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها،
стр. 458
لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف نفسها، فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيأ بعضها لبعض ... حتى إنّ الحركة، ربَّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ .. فإذا هي استعملت في القرآن، رأيت لها شأنًا عجيبًا ... من ذلك لفظة النذر جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معًا، فضلًا عن جسأة هذا الحرف، ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله (١). ويمضي الرافعي في بيان أوجه الجمال في هذا اللفظ، وما أحاط به من أنواع القلقة والمد والغنة.
وهذا مثال آخر، يمسه الرافعي بلطف، ليسفر عن وجه البلاغة، وروعة اللفظ والمعنى فيه دونما تكلف وتصنع. يقول: (وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه، وهي كلمة (ضيِزَى) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها) (٢). ثم يبين الأسرار البيانية في إيراد تلك الكلمة، فالسورة أولًا وهي سورة النجم جاءت على هذه الفاصلة، وثانيًا غرابة هذه الكلمة تتفق تمامًا مع غرابة قسمتهم التي قسموها، من أن لهم الذكر ولله الأنثى، وثالثًا تلاؤم هذه الكلمة مع حالة المتهكم في إنكاره، من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية، ثم يتابع قوله (وإن تعجب فعجب نظم هذه الكلمة الغريبة، وائتلافه على ما قبلها إذ هي مقطعان: أحدهما مد ثقيل،
стр. 459
والآخر مد خفيف، وقد جاءت عقب غنتين في (إذن) و (قسمة)، وإحداهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة متغشية، فكأنها بذلك ليست إلا مجاوبة صوتية لتقطيع موسيقي، وهذا معنى رابع للثلاثة التي عَدَدْنَاها آنِفًا. أما خامس هذه المعاني، فهو أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف أيضًا) (١). وهكذا يستمر الرافعي، وقد ألان الله له تفجر المعاني في هذا السمو الأدبي، وهو يتحدث عن إعجاز القرآن.
وإذا كان الباقلاني ﵀، قد ذاعت شهرته، وعظم صيته بما كتبه في هذا الموضوع، فإن الرافعي كان أكثر ابتكارًا، وأكثر تحليقًا في سماء المعاني. وليس معنى هذا أننا نبخس السابق حقه، فمعاذ الله أن أكون من هؤلاء. ولقد كان سمو الرافعي خيرًا كله وحقًّا كله، وحسنًا كله، وليس نزوة خيال. ولكن عابه أقوام، ولن يضيره ذلك. (عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك، وبأنه مخالف، ولكن الحق كذلك، وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية كذلك) (٢). رحم الله الرافعي.
ثالثًا: تفسير الرافعي:
ليس لدينا مع كل أسف كثير من تفسير الرافعي لآيات القرآن، ولكن إذا عرفنا أن الرجل كان يحيا بالقرآن، وكان البيان القرآني سرًّا من أسرار ظهوره، وصورة طبيعية في نفسه، أو صورة نفسية في طبيعته، وكان يتمنى أن تمكنه ظروف الحياة وأعباؤها، ليتفرغ لهذا القرآن، وعلى الأقل لبيان التفسير، وهذا التراث على قلته، مفتاح تستخرج به كثير من الكنوز القرآنية، وأنمذوج يحتذى به، أو يفيد منه، من تذوق معنى الإعجاز، وحلاوة النظم فيما كتبه الرافعي.
стр. 460
وسأكتفي هنا بنقل تفسير آية من آيات الكتاب العزيز، ومنه ندرك الأبواب التي كان يلج منها، ومقدار العمق الذي كان يتمتع به، وهو يفسر القرآن. هذه الآية هي قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]. يقول: (راجعت تفسير الشيخ محمد عبده وتفسير الألوسي لهذه الآية، فلم أر فيهما ما يهدي إلى السر. والمفسرون جميعًا متفقون على أن (حب الشهوات) يراد به المشتهيات فالمعنى: (زين للناس المشتهيات من النساء .. الخ. وهذا يجعل الآية موضع نقد، ويذهب بها التعبير (بحب الشهوات) وإعجاز هذه الآية هو في لفظة حب الشهوات، فلو قال المشتهيات أو الشهوات، أو حب النساء لما كان ذلك شيئًا. وللشهوات وظائف طبيعية في الناس، فكونها زينت للناس أمر لا يُعنى له، وليس فيه جديد، ولكن (تزيين حبها) هو السر، لأن حبها هو سبيل الحرص عليها، والإكثار منها، كالذي يجد مالًا ينتفع به، فالمال في نفسه منفعة، وليس في ذلك عجيب، ولكن الذي يبتلى (بحب) المال، تنقلب فيه هذه المنفعة ضررًا، فيبخل، ويبتلى بالحرص ثم يبتليه الحرص على المال بمحق حياته كلها، فالشأن إذًا ليس في المشتهيات، ولا في الشهوات، ولكن في (حب الشهوات) ثم إن حب الشهوات متى كان سببًا في الحرص عليها، والإكثار منها فهو خطأ وضرر، فإذا (زين) فكأن هناك ثلاث درجات الشهوة وهي عمل طبعي، ثم حب الشهوة، وهذه إضافة جديدة من العقل تزيد فيها، ثم تزيين هذا الحب، وهي إضافة ثانية تزيد في الزيادة وتضاعف الخطأ، وعلى هذا تلحق الشهوات في هذا الترتيب، بالحد الخارج عن العقل، وهذا الحد هو أول الجنون، كما يشاهد في ذهاب أثر العقل وضعف حكمه عند (تزيين شهوة محبوبة) بحيث لا يبقى للعقل حكم، ولا حكمة مع هذا التزيين، وجعلت (زين) مبنية للمجهول، لأن بعض هذا محبوب محمود، فهو من زينة الله ويدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وبعضه مذموم مكروه، فهو من تزيين الغرائز الفاسدة، وبعضه حمق وجنون، فهو من تزيين الشيطان، والغرض من الآية تجاوز الحد المعقول من