← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

على الخاطر ما بالك تكتب عن الرافعي، وأنت إنما تتكلم عن اتجاه من اتجاهات التفسير؟ وهل كان الرافعي مفسرًا؟ نعم، لقد كان أول من وضع أسس النظريات البيانية لإعجاز القرآن في هذا العصر. ونحن لا يمكننا كما قلت من قبل، أن نفصل بين المفسرين البيانيين، والكاتبين في الإعجاز، وبخاصة إذا كان هؤلاء مبتكرين لا مقلدين وهناك أمور ثلاثة لا بد أن نعرض لها: أولًا: دفاعه عن الإسلام وتصديه للمشككين والمارقين: لم يستطع أحد أن ينال من هؤلاء ويجعلهم يتقوقعون وينحصرون في أنفسهم، وتنحصر عنهم تلك الهالات، التي كانت تلقى عليهم باسم العلم والمدنية. لم يستطع ذلك كله إلا الرافعي. ولا أود أن أطيل هنا الحديث، فكتابات الرجل تشهد له. سواء في الصحف في ذلك الوقت، أم في كتبه التي أصدرها، مثل (وحي القلم). وها هو كتاب (تحت راية القرآن)، الذي ينبغي أن يعي ما فيه كل مسلم، خير شاهد على ذلك، يقول في مقدمته محذرًا من خطر هؤلاء المنحرفين الذي يتسترون بالتجديد: (ومن ثم وجب أن تحذرهم الأمة، وأن تقرهم في ذلك الحيز من تخيلاتهم وأوهامهم، فهم من الأمة إذا غلبت هي عليهم، وليسوا منها إذا غلبوا عليها، وما مثلهم إلا كالرمل والحصى: تكون في مجرى الماء العذب، فتكون شيئًا من طبيعته، وتحدث فيه لونًا من الحسن والرونق، وإذا هي خيال من شعر النهر حتى إذا أخرجت من الماء، وانساغت في حلق من يجرعه، كانت بلاء وأذى، وانقلبت للماء سبة، ورمى بها ورميت به) (١). وها هو يتعقب الدكتور طه حسين، الذي زعم أن القرآن يصور العصر الجاهلي، والذي قال في كتابه (في الشعر الجاهلي): (ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية بن أبي الصلت - أو لا يكون)، بقوله: (هل يدري طه حسين معنى قوله

стр. 457

تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ ومعنى قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِ﴾؟ وهل يفهم هذه البلاغة المعجزة، التي يسجد لها البلغاء. إن معناها يا أستاذ الجامعة، أن القرآن لا يشخص عصرًا ولا يمثله، بل هو كتاب كل عصر، وهو الثابت على كل علم، وكل بحث وكل اختراع واستكشاف على مدى الأزمنة، في أيها جاء مما سيستأنفه التاريخ وهذا معنى (من بين يديه) وأيها ذهب مما يطويه الماضي، وهذا معنى (من خلفه) (١). وفي الحقيقة أنه كان سيفًا ناطقًا، استلته آي القرآن ليُضرب به كل من حام حول ساحته بشبهة، فلقد جعله الله في الأواخر كما جعل حسانًا في الأوائل. ثانيًا: كتابه في الإعجاز: كان الرافعي يرى أن القرآن معجزًا بأوسع مدلولات تلك الكلمة، فهو معجز في تاريخه، وفي آثاره وفي حقائقه، ولكن كتاب الإعجاز الذي وضعه الرافعي، وضعه لإثبات إعجاز القرآن في نفسه، فهو يتحدث كن أسلوب القرآن وكن نظمه، وقد لا يبدو ذلك جديدًا، إذا عرفنا أن الذين تحدثوا عن نظم القرآن تحدثوا عن جمله وآياته، وتحدث الرافعي عن مراحل قبل ذلك، أدركنا أن الرجل جاء بجديد. لقد تحدث الرافعي عن نظم القرآن فتحدث أولًا عن الحروف في أصواتها، وثانيًا عن الكلمات في حروفها، وثالثًا عن الجمل في كلماتها، فصال وجال بين تلاؤم الحروف وعدم تنافرها، وبين موقع كل حرف في الكلمة، فجاء بما يطرب له كل قلب مؤمن، فالحرف الواحد من القرآن معجز في موضعه، لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها، والكلمة في الحقيقة الوضعية إنما هي صوت النفس، وهناك صوت آخر هو صوت العقل، وثالث هو أرقى منهما وهو صوت الحس، والعرب إن عرفوا الأولين، لكنهم لم يعرفوا الثالث، لأنه كان مما تعاطوه ولم يعطوه فلم يدركوه إلا من القرآن. ويوضح ذلك بقوله (لو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها،

стр. 458

لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف نفسها، فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيأ بعضها لبعض ... حتى إنّ الحركة، ربَّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ .. فإذا هي استعملت في القرآن، رأيت لها شأنًا عجيبًا ... من ذلك لفظة النذر جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معًا، فضلًا عن جسأة هذا الحرف، ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله (١). ويمضي الرافعي في بيان أوجه الجمال في هذا اللفظ، وما أحاط به من أنواع القلقة والمد والغنة. وهذا مثال آخر، يمسه الرافعي بلطف، ليسفر عن وجه البلاغة، وروعة اللفظ والمعنى فيه دونما تكلف وتصنع. يقول: (وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه، وهي كلمة (ضيِزَى) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها) (٢). ثم يبين الأسرار البيانية في إيراد تلك الكلمة، فالسورة أولًا وهي سورة النجم جاءت على هذه الفاصلة، وثانيًا غرابة هذه الكلمة تتفق تمامًا مع غرابة قسمتهم التي قسموها، من أن لهم الذكر ولله الأنثى، وثالثًا تلاؤم هذه الكلمة مع حالة المتهكم في إنكاره، من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية، ثم يتابع قوله (وإن تعجب فعجب نظم هذه الكلمة الغريبة، وائتلافه على ما قبلها إذ هي مقطعان: أحدهما مد ثقيل،

стр. 459

والآخر مد خفيف، وقد جاءت عقب غنتين في (إذن) و (قسمة)، وإحداهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة متغشية، فكأنها بذلك ليست إلا مجاوبة صوتية لتقطيع موسيقي، وهذا معنى رابع للثلاثة التي عَدَدْنَاها آنِفًا. أما خامس هذه المعاني، فهو أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف أيضًا) (١). وهكذا يستمر الرافعي، وقد ألان الله له تفجر المعاني في هذا السمو الأدبي، وهو يتحدث عن إعجاز القرآن. وإذا كان الباقلاني ﵀، قد ذاعت شهرته، وعظم صيته بما كتبه في هذا الموضوع، فإن الرافعي كان أكثر ابتكارًا، وأكثر تحليقًا في سماء المعاني. وليس معنى هذا أننا نبخس السابق حقه، فمعاذ الله أن أكون من هؤلاء. ولقد كان سمو الرافعي خيرًا كله وحقًّا كله، وحسنًا كله، وليس نزوة خيال. ولكن عابه أقوام، ولن يضيره ذلك. (عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك، وبأنه مخالف، ولكن الحق كذلك، وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية كذلك) (٢). رحم الله الرافعي. ثالثًا: تفسير الرافعي: ليس لدينا مع كل أسف كثير من تفسير الرافعي لآيات القرآن، ولكن إذا عرفنا أن الرجل كان يحيا بالقرآن، وكان البيان القرآني سرًّا من أسرار ظهوره، وصورة طبيعية في نفسه، أو صورة نفسية في طبيعته، وكان يتمنى أن تمكنه ظروف الحياة وأعباؤها، ليتفرغ لهذا القرآن، وعلى الأقل لبيان التفسير، وهذا التراث على قلته، مفتاح تستخرج به كثير من الكنوز القرآنية، وأنمذوج يحتذى به، أو يفيد منه، من تذوق معنى الإعجاز، وحلاوة النظم فيما كتبه الرافعي.

стр. 460

وسأكتفي هنا بنقل تفسير آية من آيات الكتاب العزيز، ومنه ندرك الأبواب التي كان يلج منها، ومقدار العمق الذي كان يتمتع به، وهو يفسر القرآن. هذه الآية هي قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]. يقول: (راجعت تفسير الشيخ محمد عبده وتفسير الألوسي لهذه الآية، فلم أر فيهما ما يهدي إلى السر. والمفسرون جميعًا متفقون على أن (حب الشهوات) يراد به المشتهيات فالمعنى: (زين للناس المشتهيات من النساء .. الخ. وهذا يجعل الآية موضع نقد، ويذهب بها التعبير (بحب الشهوات) وإعجاز هذه الآية هو في لفظة حب الشهوات، فلو قال المشتهيات أو الشهوات، أو حب النساء لما كان ذلك شيئًا. وللشهوات وظائف طبيعية في الناس، فكونها زينت للناس أمر لا يُعنى له، وليس فيه جديد، ولكن (تزيين حبها) هو السر، لأن حبها هو سبيل الحرص عليها، والإكثار منها، كالذي يجد مالًا ينتفع به، فالمال في نفسه منفعة، وليس في ذلك عجيب، ولكن الذي يبتلى (بحب) المال، تنقلب فيه هذه المنفعة ضررًا، فيبخل، ويبتلى بالحرص ثم يبتليه الحرص على المال بمحق حياته كلها، فالشأن إذًا ليس في المشتهيات، ولا في الشهوات، ولكن في (حب الشهوات) ثم إن حب الشهوات متى كان سببًا في الحرص عليها، والإكثار منها فهو خطأ وضرر، فإذا (زين) فكأن هناك ثلاث درجات الشهوة وهي عمل طبعي، ثم حب الشهوة، وهذه إضافة جديدة من العقل تزيد فيها، ثم تزيين هذا الحب، وهي إضافة ثانية تزيد في الزيادة وتضاعف الخطأ، وعلى هذا تلحق الشهوات في هذا الترتيب، بالحد الخارج عن العقل، وهذا الحد هو أول الجنون، كما يشاهد في ذهاب أثر العقل وضعف حكمه عند (تزيين شهوة محبوبة) بحيث لا يبقى للعقل حكم، ولا حكمة مع هذا التزيين، وجعلت (زين) مبنية للمجهول، لأن بعض هذا محبوب محمود، فهو من زينة الله ويدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وبعضه مذموم مكروه، فهو من تزيين الغرائز الفاسدة، وبعضه حمق وجنون، فهو من تزيين الشيطان، والغرض من الآية تجاوز الحد المعقول من

стр. 461

الشهوات الدنيا، فإن تجاوزه يجعل الدنيا هي الغاية مع أنها وسيلة فقط، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ثم إنه قال: (حب الشهوات) بالجمع ولم يقل الشهوة. فتكون (الشهوات) مختلفة متباينة، تقدر كل واحدة باعتبارها الخاص في الأصناف التي وردت في الآية. فالشهوة للنساء غيرها من البنين. وهذه غيرها من المال، وهذه غيرها من الخيل المسومة .. الخ. فكل واحدة ذات شأن خاص في النفس كما هو مشاهد، ولكن للجنون بها كلها متى (زين حبها في النفس) شيء واحد. وانظر الحكمة العجيبة في الترتيب، فالنساء شهوات من الغريزة والعاطفة، والبنين شهوات من العاطفة، والنفس، والمال الكثير من النفس فقط، والخيل المسومة والأنعام والحرث، هذه الثلاثة تارة أجزاء من المال، وتارة أجزاء من عاطفة النفس، كما يغرم بالخيل بعض الناس، أو بالأنعام أو بالزراعة. ولذلك جاءت في الآية بعد النساء والبنين، لأنها لاحقة بالغريزة والعاطفة والنفس. ويدخل في الخيل المسومة كل ما يقتنى للمباهاة والزينة، أو لأغراض القوة على إطلاقها، ومنه السيارات والطيارات الخ .. ويدخل في الأنعام كل ما يقتنى للتجارة والكسب. وفي الحرث كل ما يقتنى للاعتمال والإيجاد، ومنه المصانع والمعامل الخ .. فإذا حققنا هذا، وجدنا هذه الأبواب جامعة لكل الشهوات الناشئة من جميع قوى الجسم الإنساني والنفس الإنسانية. أما ما كان خاصًّا بشهوات العقل، فلم يدخل في الآية، وهذا من أعجب إعجازها، لأن أمور الفنون والعلوم (لا تزين) إلا لفريق محدود من الناس، أي لا يزين حب الشهوات منها. وهذا الفريق عادة هم النوابغ العبقريون، وهؤلاء العبقريون في الحقيقة، لا يجدون من العلوم والفنون متاع الحياة الدنيا، ولكن مصائب الحياة الدنيا .. ) (١).

стр. 462

ذلك النموذج ينبض بالحياة وهو يقبس من القرآن معنى القرآن، وكأنما تنزل عليه المعاني من سماء تلك الآيات، فيحيلها مادة كلامية، تشترك مع غيرها بخصائص الكلام، ولكنها تزيد عليه بما فيها من روح التعبير، رحم الله الرافعي، وجزاه عما بذل من عصارة قلبه وراحة أعصابه، في خدمة كتاب الله خير الجزاء. وأرجو أن يصدق عليه ما روي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (١). ٢ - فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز لقد فتح الرافعي ﵀ باب البيان القرآني في العصر الحديث، ولكنه كان ذا عمق في الفكرة وعلو في الأسلوب، وسمو في العبارة، وربما يحول هذا كله بين بعض الناس وبين ولوج هذا الباب. فكان لا بد ممن يسير على منهجه مع عمق في البحث، وسهولة في الأسلوب، ويسر في العبارة وإلمام بالفكرة، فهيأ الله لكتابه ولتلك الأمة رجلًا جمع إلى تلك الخصال كلها، روحانية الكلمة ذلكم هو الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀. إنه الرجل الذي يصل معناه إلى قلبك، حين وصول لفظه إلى أذنك، ولقد كانت كتابته ومحاضراته خير شاهد على ذلك. يذكر الدكتور دراز أن القرآن معجزة لغوية قائمة على أسس وركائز، ولم لا يكون كذلك؟ وما هي الشكوك والشبهات التي عساها تحول بين المرء وبين صدق اليقين؟ ها هو الأستاذ ﵀ يواجه هؤلاء في كتابه (النبأ العظيم) وهو يوجه لهم ما عساه يحيك في صدورهم، من غبار الشك وتسويل النفس، ووسوسة الشيطان وعفارة الأفكار. يقول:

стр. 463

(من كان عنده شيء من الشك في هذه القضية، فليأذن لنا أن نستوضحه. فيم ذلك الشك؟ هل حدثته نفسه بأنه هو يستطيع أن يأتي بكلام في طبقة القرآن البلاغية؟ أم هو قد عرف من نفسه القصور عن تلك الرتبة، ولكنه لم يعرف عن الناس ما عرف من نفسه. أم علم أن الناس جميعًا قد سكتوا عن معارضة القرآن، ولكنه لم يعلم أن سكوتهم عنه كان عجزًا، ولا أن عجزهم جاء من ناحية القرآن ذاته؟ . أم علم أنهم قد عجزوا عنه، وأنه هو الذي أعجزهم، ولكنه لم يعلم أن أسلوبه، كان من أسباب إعجازه؟ . أم هو يوقن بأن القرآن الكريم، كان وما زال معجزة بيانية لسائر الناس، ولكنه لا يوقن بأنه كان معجزًا كذلك لمن جاء به؟ . أم هو يؤمن بهذا كله ولكنه لا يدري ما أسراره وما أسبابه؟ . هذه وجوه ستة لكل وجه منها علاج يخصه) (١). وبعد أن يبدع يراع الأستاذ في الرد على كل وجه من هذه الوجوه وينتهي به القول إلى سر الإعجاز، يحدثنا عن القشرة الصوتية للقرآن كما يسميها، وهي ما تحدث عنها الرافعي تحت عنوان (الحروف وأصواتها والكلمات وحروفها ويقسم البحث إلى نقاط أربع: ١ - القرآن في قطعة قطعة منه. ٢ - القرآن في سورة سورة منه. ٣ - القرآن فيما بين بعض السور وبعض.

стр. 464

٤ - القرآن في جملته، ويتحدث عن الفقرة القرآنية فيبين لنا خصائص الأسلوب القرآني. ثم يأتي ببعض النماذج ليطبقها تطبيقًا عمليًّا. وكلام الأستاذ يصعب على الإنسان أن يلخصه أو أن يجتزئ منه. ولنستمع إليه وهو يتحدث عن خصائص الأسلوب القرآني، فيذكر أولًا: القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى، وثانيًا: خطاب العامة وخطاب الخاصة، وثالثًا: إقناع العقل وإقناع العاطفة، ورابعًا: البيان والإجمال. يقول ﵀ في بيان هذه الخصيصة الأخيرة: (هذا مثل صغير: اقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] وانظر هل ترى كلامًا أبين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنك لو قلت في معناها إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء؟ أصبت ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد أصبت. ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، أصبت. ولو قلت: إنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله أصبت. ولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت. فعلى الأول يكون الكلام تقريرًا لقاعدة الأرزاق في الدنيا، وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقًا لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء، وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين، ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين، وعلى الثاني يكون تنبيهًا على سعة خزائنه وبسطة يده جل شأنه، وعلى الثالث يكون تلويحًا للمؤمنين بما سيفتح الله لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسرًا وفقرهم غنى من حيث لا يظنون، وعلى الرابع والخامس يكون وعدًا للصالحين إما بدخولهم الجنة بغير حساب، وإما

стр. 465

بمضاعفة أجورهم أضعافًا كثيرة لا يحصرها العد. ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العاجب) (١). أرأيت إلى روعة الأسلوب، إنه الفيض الرباني، يمنحه الله من يشاء من عباده. ولنأخذ هذا الأنموذج مثلًا: آية من كتاب الله، تتحدث عن فصل من فصول بني إسرائيل، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]- يقول الأستاذ ﵀: (والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة، تتلخص فيما يلي: أولًا: مقالة ينصح بها الناصح لليهود إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن. ثانيًا: إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين. ثالثًا: الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه .. فانظر كيف جمع القرآن، هذا المعنى الكثير في هذا اللفظ الوجيز: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته، فجعل دعاءهم إلى الإيمان به، دعاء إلى الشيء بحجته، وبذلك أخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد. ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه، فلم يقل آمنوا بما أنزل الله على محمد، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة. أتدري لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائدًا، وفي نظر الحكمة الإرشادية مفسدًا. أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها في الإلزام، فأدير الأمر على القدر المشترك، وعلى الحد الأوسط الذي هو عمود الدليل، وأما الثاني فلأن إلقاء هذا الاسم على مسامع الأعداء، من شأنه أن يخرج أضغانهم، ويثير أحقادهم، فيؤدي إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإصلاح ذلك إلى ما في هذا

стр. 466

الحذف من الإشارة إلى طابع الإسلام، وهو أنه ليس دين تفريق وخصومة، بل هو جامع ما فرقه الناس من الأديان، داع إلى الإيمان بالكتب كلها على سواء .. ) (١). وهكذا يستمر الأستاذ ﵀ في تفسير هذه النماذج على هذا المنوال، وإنه لكلام والله يسطع برهانه، وتنير حجته، ويحمل في طياته دليله المنطقي، وسلطانه الفطري، فَيدُع ظلام الشك، وظلمة الشبهة دعًّا، ليحل محلها نور اليقين، وروعة الإقناع. والأستاذ يرى أن الإيجاز والوحدة بين الآيات والسور، من أهم ما يتميز به هذا القرآن، فالحرف الواحد يعطي من المعاني الكثير، فإذا حذف هذا الحرف، - ذهبت تلك المعاني، ومثل ذلك هذه الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فلقد جاءت في موضعها، لأنه يفهم منها إقصاء المخلوقات جميعها، عن أن تقرب من رتبة الألوهية، أو تكون من قبيل الكلام الذي يحمل دعواه معه، فإن قولنا مثل فلان لا يكذب، أبلغ من قولنا فلان لا يكذب، لأنه كلام يحمل معه دليله، وليس معنى هذا أن الأستاذ تستهويه مخالفة المفسرين بل هو من رأيت وسمعت أدبًا وذوقًا رفيعًا واعترافًا بالجميل، ولكنه يبدي رأيًا فيما ظهر له، فها هو عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ يرى أن هذا المثل للكافرين وليس للمنافقين، كما ذهب المفسرون، وأن الذي استوقد نارًا إنما هو الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، والأستاذ ﵀ لا يخطيء المفسرين فيما ذهبوا إليه، بل نراه يجلهم ويقول: (إننا لما رأينا المفسرين جعلوا الذي استوقد نارًا مثلًا للمنافق، فإنا نتهيب أدبًا أن نجعله للرسول الكريم) (٢) ولكن شجعه على ذلك كما يقول الحديث الوارد عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في ذلك: (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا) (٣).

стр. 467

وهكذا يسير الأستاذ الفاضل في بيانه لمحكم التنزيل، ولا أغالي إذا قلت إن المكتبة الإسلامية، وإن الشباب المسلم، وإن طلاب الحق أيًّا كانوا، بحاجة ماسة إلى مثل هذا الكتاب، الذي لن يستغني عنه أحد منهم، فلقد سدّ فراغًا كبيرًا. رحم الله الأستاذ وجزاه عن كتابه والمسلمين خير الجزاء. ٣ - سيد قطب كتاب التصوير الفني في القرآن: إذا كان الرجلان السابقان وقف كل منهما وقفة العالم الخاشع أمام النص القرآني، يعرض كل لزاوية من زواياه البيانية، فإن أيّ واحدٍ منهما لم تسعد المكتبة الإسلامية القرآنية بتفسير تام له ولقد قلت من قبل: إن الأمة قد حرمت أن يكتب لها عبد القاهر تفسيرًا، باعتباره صاحب نظرية في الإعجاز، اعتمدتها الدراسات البيانية فيما بعد، لكن صاحب التصوير الفني ﵀، كتب في البيان القرآني، كما يسره الله له، وهيأ له أن يفسر القرآن كذلك، فأفادت المكتبة والدارسون منه كثيرًا ولن أعرض له الآن مفسرًا، وإنما الذي يهمني الآن، قضية البيان القرآني كما رسمها وأبدعتها قريحته، وهيأتها سائغة شهية نتائج أفكاره ﵀، ولقد كتب أول ما كتب (التصوير الفني في القرآن). وهو مبحث لعمر الحق جديد، ثم أخرج كتابه (مشاهد القيامة في القرآن) وبعده (في ظلال القرآن). والفكرة التي يقوم عليها كتابه التصوير الفني، هي أن هذا التصوير، هو الأداة المفضلة للتعبير، والقاعدة الأساسية في الكتاب العزيز، عدا آيات الأحكام بالطبع، وهذا التصوير ليس للمعاني المجردة فقط، بل هو للحالات النفسية والحوادث التاريخية والقصص والأمثال كذلك، وهذا التصوير يقوم على التجسيم المحسوس والتخيل، وهو إذ يأتي بأمثلة لكل ذلك، يشعر القارئ وكأنه أمام مناظر بديعة، تصور حالات من مشاهد الكون، أبدعتها ريشة فنان. بل والحق يقال إن ما تحدثه

стр. 468

الآيات في النفس، أعظم وأكثر روعة وأشد أثرًا من تلك. ويتحدث بعد ذلك، عن التناسق الفني في الآيات، من إيقاع بين أجزائها، وتلاؤم بين ألفاظها ومعانيها، ومواقع كمواقع النجوم لكلماتها فهو مثلًا يحدثنا عن سر التعبير في كلمة (سجى) من قول الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ دون (أظلم) ودون (يغشى)، ذلك لأن هذا يتناسب مع السياق الذي جاءت له الآيات، من انقطاع الوحي مدة وفتوره. فما هي إلا حالة تشبه (سجى الليل) دون أن يعم ظلامه، وها هو يحدثنا عن هذا التناسق الفني في سورة الليل ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إنهما شيئان: أسود وأبيض، ليل ونهار، وكأن الصورة كلها تقوم على ذلك المشهد، فهناك الذكر والأنثى، وأعطى واتقى، وبخل واستغنى، واليسرى والعسرى، والآخرة والأولى، والأشقى والأتقى. ويبين لنا سر التعبير بكل دقة وحيوية في لفظتين من ألفاظ القرآن "خاشعة وهامدة" في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: ٥] وقوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] فالمشهد هنا مشهد البعث والإنبات وإحياء الموتى، وإخراج من في القبور، أما هناك في آية فصلت فالمشهد الخضوع والخشوع والسجود، من الليل والنهار والشمس والقمر، فلا بد أن تشارك الأرض كذلك، ولهذا لم يقل هنا ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ بينما قالها هناك. كما يحدثنا دون تكلف عن سر الإعجاز في الفاصلة القرآنية، وسر تغيرها، فهذه الفاصلة في سورة مريم، وهي تتحدث عنها وعن عيسى ﵊، وفجأة وإذا بالفاصلة تتغير، ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] لماذا؟ يقول: (إنه الحكم يصدر، ولهجة صدور الحكم تختلف عما قبلها من لهجات المرافعة والادعاء). وهكذا نسير معه والآيات تسير به، وهكذا تنكشف للناظر في القرآن آفاق وراء آفاق من التناسق والاتساق: (فمن نظم فصيح إلى سرد عذب، إلى معنى مترابط، إلى

стр. 469

متسلسل إلى لفظ معبر، إلى تعبير مصور، إلى تصوير مشخص، إلى تخيل مجسم، إلى موسيقى منغمة، إلى اتساق في الأجزاء، إلى تناسق في الإطار، إلى توافق في الموسيقى، إلى تفنن في الإخراج، وبهذا كله يتم الإبداع، ويتحقق الإعجاز (١). القصة في القرآن: وحينما يعرض للقصة في القرآن، ويذكر أغراضها الدينية، يقفي على ذلك بالخصائص الفنية للقصة في القرآن. ويذكر من هذه الخصائص: تنوع طريقة العرض، وتنوع المفاجأة والفجوات بين المشهد والمشهد، ليتأمل السامع، أما الخصيصة الرابعة وهي أهم هذه الخصائص. فهي التصوير في القصة، سواء أكان هذا التصوير، لقوة العرض أم العواطف والانفعالات أم رسم الشخصيات. فمثلًا نجد أن بداية القصة في القرآن، تتفق فنيًّا مع المشهد الأخير لنهاية كل قصة. فهذه قصة موسى ﵇، ذكرت آخر ما ذكرت في سورة المائدة، حينما وصل بنو إسرائيل إلى التيه وكان هذا آخر نبأ سيدنا موسى ﵊. أما في تصوير العواطف والانفعالات، فأكتفي بمثال واحد مما ذكره، ولنستمع إليه وهو يحدثنا عن قصة مريم ﵍. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٦ - ١٧] فها هي ذي في خلوتها، مطمئنة إلى انفرادها، يسيطر على وجدانها ما يسيطر على الفتاة في حمامها، ولكن ها هي ذي تفاجأ مفاجأة عنيفة، تنقل تصوراتها نقلة بعيدة، ولكن بسبب ما هي فيه أيضًا، ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٨] إنها انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها فتلجأ إلى استثارة التقوى في نفسه (إن كنت تقيا).

стр. 470

ولئن كنا نحن نعلم أنه الروح الأمين، فإنها هي لا تعلم إلا أنه رجل، وهنا يتمثل الخيال تلك الفتاة الطيبة البريئة، ذات التقاليد العائلية الصالحة، وقد تربت تربية دينية، وكفلها زكريا، بعد أن نذرت لله جنينًا. هذه هي الهزة الأولى. (قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] ثم ليتماثل الخيال مرة أخرى. مقدار الفزع والخجل، وهذا الرجل الغريب، الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها، فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها - يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول، وهو أنه يريد أن يهب لها غلامًا، وهما في خلوة وحدهما. وهذه هي الهزة الثانية. ثم تدركها شجاعة الأنثى تدافع عن عرضها ﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] هكذا صراحة، وبالألفاظ المكشوفة، فهي والرجل في خلوة. والغرض من مباغتته لها قد صار مكشوفًا، فما تعرف هي بعد كيف يهب لها غلامًا، وما يخفف من روع الموقف أن يقول لها، ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ فقد تكون هذه خدعة فاتك كما قلنا، فالحياء إذن ليس يجدي، والصراحة هنا أولى. ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. ثم ماذا؟ هنا نجد فجوة من فجوات القصة، فجوة فنية كبرى، تترك للخيال تصورها، ثم تمضي القصة في طريقها، لنرى هذه العذراء المسكينة في موقف آخر أشد هولًا. ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. وهذه هي الهزة الثالثة.

стр. 471

فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة والتربية والأخلاق بينها وبين نفسها، فهي هنا وشيكة أن تواجه المجتمع بالفضيحة، ثم هي تواجه آلامًا جسدية بجانب الآلام النفسية تواجه الألم الجسمي الحاد الذي (أجاءها) إجاءة إلى النخلة، وهي وحيدة فريدة تعاني حيرة العذراء في أول مخاض، ولا علم لها بشيء، ولا معين لها في شيء، فإذا هي قالت: ﴿يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فإننا لنكاد نرى ملامحها ونحس اضطراب خواطرها، ونلمس مواقع الألم فيها. ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. وهذه هي الهزة الرابعة، والمفاجأة العظمى. وإنا لنكاد نحن، لا مريم نهب على أقدامنا وثبًا، روعة من هذه الهزة وعجبًا، طفل ولد اللحظة، يناديها من تحتها، ويمهد لها مصاعبها، ويهيء لها طعامها، ألا إنها الهزة الكبرى. ونحسبها قد دهشت طويلًا، وبهتت طويلًا، قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة، تهزه ليساقط عليها رطبًا جنيًّا، لتتأكد على الأقل، ويطمئن قلبها لما تواجه به أهلها ولكن هنا فجوة تترك للخيال أن يقيم عندها قنطرة، ويعبرها. ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. فلتطمئن الآن مريم، ولتنتقل الهزات النفسية إلى سواها، ﴿قَالوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. إن الهزة لتطلق ألسنتهم بالسخر والتهكم على (أخت هارون) أو في تذكيرها بهذه الأخوة ما فيه من مفارقة، فهذه حادثة في هذا البيت لا سابقة لها ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ويبدو أنها كانت مطمئنة لتكرار المعجزة هنا، أما هم فما عسى

стр. 472

أن نقول في العجب الذي يساورهم، والسخرية التي تجيش بها نفوسهم، وهم يرون عذراء تواجههم بطفل، ثم تتبجح فتشير إليهم ليسألوه عن سرها؟ ﴿قَالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. ولكن ها هي ذي المعجزة المرتقبة ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. لولا أننا قد جربنا من قبل، لوثبنا على أقدامنا فزعًا، أو لسرنا في مواضعنا دهشًا، أو لفغرنا أفواهنا عجبًا، ولكننا جربنا، فلتفض أعيننا بالدمع من التأثر. وفي هذه اللحظة يسدل الستار، والأعين تدمع للانتصار، وفي هذه اللحظة، نسمع في لهجة التقدير، وفي أنسب فرصة للإقناع والاقتناع. ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. لقد برز الغرض الديني هنا، وبرزت مشاهد القصة، وبرزت معها قوة العواطف والانفعالات، وهذا اللون هو يطبعها، ويغلب فيها على الألوان الأخرى) (١). تلك هي الزاوية التي نبَّه عليها ﵀، فتناول النص القرآني من خلالها، وهو -كما قلت من قبل- مجدد مبتكر كسابِقَيْه الرافعي والدكتور دراز -رحمهما الله- وإن كان لكل واحد منهم، زاوية خاصة استنار بها في عرض النص القرآني. أما كتابه مشاهد القيامة، فإنما هو عرض للآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر، مصورة تلك المعاني الذهنية، فيشبه أن يكون فصلًا شاملًا، أو تطبيقًا عمليًّا لما جاء في كتاب التصوير.

стр. 473

٤ - الشيخ أمين الخولي تخرج الشيخ أمين الخولي في مدرسة القضاء الشرعي وتسنى له أن يدرس اللغة الإيطالية، ثم عين مدرسًا في كلية الآداب، للغة العربية، وكان له رأي يتلخص في وجوب تجديد هذه الدراسات الأدبية والذي يهمنا نظرته إلى دراسة التفسير، فالقرآن كتاب العربية الأكبر كما يقول، ومن هنا، فالواجب أن ينظر إليه أولًا، وقبل كل شيء من هذه الناحية. لذا فهو لا يرضى أن يكون المقصد الأول للقرآن، بيان الهداية في العقيدة والتشريع والأخلاق، كما ذهب إليه الشيخ محمد عبده، وإنما واجب العرب، مسلمهم وغير مسلمهم أن يدرسوا القرآن أولًا، من حيث هو فن العربية الأقدس، ويقيني أن ما ذهب إليه الأستاذ الإمام هو الحق: القرآن كتاب هداية قبل كل شيء، ولولا ما فيه من تلك الهداية المخالفة لما عليه العرب، ما رفضوه وحاربوا من تلاه عليهم لأول مرة، عليه وآله الصلاة والسلام، وليس معنى هذا، أن نهمل الناحية البيانية في دراسة القرآن. وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى خطأ المنهج، الذي تتبعه بعض الكليات والجامعات الإسلامية، حينما تفصل بعض الدراسات القرآنية عن الصبغة البيانية، كجُلِّ كليات الشريعة التي تعنى بالآيات من ناحية الأحكام فقط، غير ناظرة إلى ما فيها من ذوق بياني رفيع. إن دراسة البيان القرآني من الأمور المهمة التي تتبين منها روعة أسلوبه، وفصاحة كلماته، وبلاغة مركباته وهي لازمة في كل اتجاه من اتجاهات التفسير. أما المنهج الذي يراه الشيخ لدراسة القرآن فهو يقوم: أولًا: على دراسة ما حول القرآن دراسة خاصة وعامة، أما الدراسة الخاصة فهي ما لا بد منه لفهم النص القرآني كأسباب النزول والنسخ ومعرفة المكي والمدني، وهو بعض موضوعات علوم القرآن، وأما الدراسة العامة، فهي

стр. 474

دراسة البيئة التي نزل فيها القرآن، وعوامل تكوينها سواء أكانت تلك البيئة طبيعية أم اجتماعية. وما قرره الشيخ، قرره علماء من قبله، كالشاطبي في كتاب الموافقات، ولكن ليس إلى الحدّ الذي قرره الشيخ. وثانيًا: على دراسة في القرآن نفسه، ويبين الشيخ هنا أن دراسة القرآن كما يعرضها المفسرون ليست سوية، إذ هم يعرضون لكل آية على حدة، والطريقة المثلى عنده أن يدرس القرآن كموضوعات فتؤخذ آيات في الموضوع الواحد على أنها مجموعة متكاملة، ويبدأ دراسة المفردات دراسة واعية، حيث لا توجد معاجم كافية، والمعجم الوحيد هو مفردات الراغب، ولكنه بدائي كما يقول، فدراسة اللفظة القرآنية ينبغي أن يراعى فيها أصل وضعها، ومدلولها في العهد الذي نزلت فيه. والتطورات التي جدت عليها بعد ذلك، ولهذه الناحية يمنع التفسير العلمي لأن مدلولات الألفاظ في العهد النبوي، لم تكن لتحمل المعاني العلمية المستحدثة (١). وما قاله صحيح، ولكن إذا كان هذا التفسير لا يتعارض مع ما أثر عن النبي الكريم عليه وآله الصلاة والسلام أو مع اللغة نفسها. وبعد دراسة المفردات تأتي دراسة المركبات على أن لا تطغى الصنعة البلاغية والنحوية على تلك الدراسات، ويستشهد لذلك المنهج الذي رسمه بدراسات العهد القديم والجديد حيث وضع لما ورد فيها من أزمنة وأمكنة وأعلام وحوادث ومفردات دراسات مختلفة كل على حدة. وأعتقد أن دراسة تلك الكتب تختلف عن دراسة القرآن مضمونًا ولغة، فهي لا تتمتع بتوافر الإسناد أولًا، ولم تثبت في لغتها التي نزلت فيها ثانيًا، ولم تسلم لغتها من التغيير والتطور ثالثًا، كما سلمت لغة القرآن، فاللغة الإنكليزية مثلًا، إذا سمع أبناؤها إنسانًا قبل شكسبير يتحدث بها، لم يفهم سوى القليل منهم القليل منها،

стр. 475

بينما إذا جاء امرؤ القيس أو من هم قبله يتحدثون، فإننا لا نجد فروقًا جوهرية أو صعوبة ذات شأنٍ في فهم ما يقولون، لذلك كله مضمومًا إليه تنويه الشيخ بالغربيين وما كتبوه عن كتبهم وعن كتبنا، أرى أنه تأثر في رسم منهجه بهؤلاء، وأيًّا ما كان الأمر، فقد كان أكثر الناس تأثرًا به وإعجابًا والتزامًا بما قال، وأوعاهم لآرائه زوجه الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، وهذا يظهر في كتابتها في تفسير القرآن، والحق أن لها نشاطًا مشكورًا في النهضة الأدبية القرآنية محاضرة ومؤلفة، ولا بد أن نقف عند ما كتبته في تفسير القرآن، فنتعرف عن كثب إلى المنهج الذي رسمه شيخها في كتابه (مناهج التجديد) نظريًّا، وطبقته هي عمليًّا. ٥ - الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) كان للدكتورة عائشة -رحمها الله- عناية بالدراسات القرآنية منذ مدة من الزمن، فلقد حاضرت في كثير من الجامعات الإسلامية، حول تلك الدراسات البيانية، كما كانت لها محاولات في تفسير القرآن تفسيرًا بيانيًّا وهذا الذي يهمنا الآن. فسرت بعض قصار السور، وهي تعدُّ القرآن كتاب العربية الأكبر، وترى أنه ينبغي أن ينصرف الجهد بادي بدء إلى بيانه الأسمى وتلوم على دارسي الأدب في الجامعات، الذين لم يدرسوا النص القرآني دراسة أدبية تحليلية، كما درسوا القصائد والخطب، وهذه ملاحظة مشكورة من المؤلفة الفاضلة، وإن كنت أعتقد أن النظرة للآية القرآنية في هذا الحد غير كافية، وليست هي الأساس الأول، فالقرآن منهج لإصلاح العقيدة والسلوك قبل كل شيء. والطريقة التي اتبعتها، تطبيق عملي للمنهج الذي رسمه الشيخ أمين الخولي كما أسلفت من قبل. فهي تبدأ بذكر المفردات، ومدلولاتها اللغوية، وعدد ورودها في القرآن (١) وأقوال المفسرين فيها، ثم يأتي بعد ذلك دور المركبات، وكثيرًا ما تحاول

стр. 476

أن تبرز ناحية بلاغية وترشد إلى سر من أسرار التعبير، وقد يحالفها التوفيق. نماذج من تفسيرها: عند تفسيرها لقول الله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ حيث لم يعجبها ما قاله المفسرون في سبب تعدية الفعل (أوحى) باللام دون (إلى) مراعاة للفاصلة، أو تناوب حروف الجر، وإنما ارتأت رأيًا آخر خلاصته، إن الموحى إليه هنا ليست فيه الحياة كما هو في المواضع الأخرى، التي عدي الفعل فيها بـ (إلى) وبأن (اللام) لها من المعاني ما ليس لإلى وغيرها من حروف الجر). تقول: (أما الموحى إليه فيتعدى الفعل إليه بحرف الجر (إلى) إذا كان من الأحياء، باستقراء الآيات السبع والستين التي جاء الوحي فيها بإلى .. وتعدى الفعل، بغير (إلى) مع الجماد، فتعدى مع السماء مرة بحرف (في) ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] ومع الأرض مرة (باللام) في آية الزلزلة، وتلتمس تعيين دلالة الحرف بالسياقين) ثم تقول: (فالإيحاء هنا مباشرة، ليلائم استعداد التحدث إلى الأرض، وسر قوته في أنه كذلك، ومن هنا كان إيثار التعدية بـ (اللام)، لما في معنى (اللام) من اختصاص، وإلصاق وصيرورة، وتقوية الإيصال، وهي معان عرفها اللغويون أنفسهم، وعدوها فيما عدوا من معانيها التي أحصاها ابن هشام في المغني وإن لم يلتفتوا إليها هنا في البيان القرآني) (١). ومن ذلك، سر التعبير، بكلمة (المقابر) دون القبور، في قول الله تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فضلًا عن الرنين الصوتي والاتساق اللفظي، فهناك تلاؤم معنوي بين التكاثر والمقابر، ومثل هذه اللفتات البيانية البديعة حري بنا أن نسجله للكاتبة لكن هناك ملحوظات لا بد من إيرادها هنا.

стр. 477

ملحوظات حول التفسير: أولًا: لا يشك القارئ وهو يتصفح التفسير البياني، بأن مؤلفته تكتب وفي نفسها شيء من ملاحقة المفسرين، فهي في كل موضوع تقريبًا، تأتي على أقوالهم لتردها، أو تبين ما فيها من قصور وعدم وفاء بالمعنى. وقد تأتي بأقوال ضعيفة لم يعتمدها المفسرون أنفسهم، وربما تأتي باللفتة البيانية مبينة جدتها، زاعمة أن المفسرين لم ينتبهوا إليها. ومثال ذلك تفسيرها لآية ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ حيث لم ينتبه المفسرون لظاهرة القسم بالواو كما تقول، ولسر التطابق بين المقسم به والمقسم عليه، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ حيث ذكرت بعض الأقوال عن هذا المعطى، من أنه ألف قصر بفرش معينة وألوان معينة. وهذه أقوال لم يعتمدها المفسرون بالطبع، وقد نبه عليها كثيرون قبلها، وعند قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ في سر التعبير بالجار والمجرور (لك) ترى أن المفسرين القدامى لم ينتبهوا إلى هذا السر البلاغي، وبعد أن ترد ما قالوه، ترى أنه جاء للتقرير والتأكيد وتقوية الإيصال (١). مع أن هذا القول قرره العلامة أبو السعود وأخذه عنه كثيرون منهم الشيخ محمد عبده. وفي تفسير قوله تعالى ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ تدعي أن أحدًا من المفسرين لم ينتبه لسر التعبير بكلمة (زرتم). وأنقل هنا ما ذكره أبو السعود (٢) في الآية الأولى (وزيادة الجار والمجرور، مع توسيطه بين الفعل ومفعوله، للإيذان من أول الأمر، بان الشرح من منافعه ﵊ ومصالحه، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه الشريف ﷺ ، وتشويقًا له ﵊ إلى ما يعقبه، ليتمكن

стр. 478

عنده وقت وروده فضل تمكن). أما الآية الثانية، فأذكر هنا ما قاله ابن تيمية في سورة التكاثر (١) قيل فيها ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، تنبيهًا على أن الزائر، لا بد أن ينتقل عن مزاره فهو تنبيه على البعث ولقد قال مثل هذا القول كذلك، صاحب روح المعاني، وزاد عليه قوله (وفيه إشارة إلى قصر زمن اللبث في القبور) (٢). وعند تفسير قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] لا ترى المؤلفة أن هذا الاستفهام يقصد به التهكم، وإنما هذا القول يكون منهم في الآخرة.، وترد ما قاله المفسرون، محتجة باستعمال الفعل المضارع أولًا (يقولون)، وبمجيء الفعل الماضي ثانيًا (قالوا) ولقد أجاب المفسرون عن هذا كله. وذكر العلامة الآلوسي ما فيه الكفاية. وقولها بأن هذا يكون في الآخرة لا يتفق مع سياق الآية. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ ترى أنه لا داعي للبحث عن تعيين تلك الآية، أهي العصا أم غيرها؟ مع أن ضم الآيات بعضها إلى بعض، وبخاصة ما ورد في سورة الشعراء، يسهل علينا إدراك تلك الآية. ثانيًا: تلوم على المفسرين لأنهم يوردون أقوالًا كثيرة، هي إلى الحشو أقرب. ومع أنها اتجهت اتجاهًا خاصًّا في التفسير، أعني الاتجاه البياني، ومع أنها تذكر أن المفسرين أوردوا أقوالًا ولا تود أن تذكرها هي، إلا أنها لا تدع قولًا، حتى من التفسيرات الباطنية إلا وتذكره كما فعلت في تفسير ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ حيث ذكرت أربعة أقوال من تفاسير الباطنية، وهكذا تجعل صاحبة التفسير البياني، سامحها الله، القارئ في متاهة، من كثرة ما تورد من أقوال، حق على المفسر البياني أن يتجنبها، وهكذا تستمر، وهذا هو دأبها دائمًا.

стр. 479

ثالثًا: تدعي أن المفسرين وهم يكتبون، يحملون في نفوسهم فكرة ما تسيطر عليهم، فتأتي أقوالهم مشوشة. وتمثل لذلك بما قرروه من أن القسم، يكون لتعظيم المقسم به، وقد سيطرت عليهم تلك الفكرة قديمهم وحديثهم، فأرادوا أن يخضعوا كل قسم، ليتفق مع تلك القاعدة، ومع مخالفتنا لها في هذا، فقد وقعت هي في ما اعترضت به على غيرها، فهي ترى أن القسم بالواو، إنما جاء في القرآن الكريم، ليدل على واقع محسوس مشهود للناس فقد خرج عن أصله اللغوي، ومن هنا لا داعي للبحث عن جوابه، ومن أجل هذا، أرادت أن تخضع كل قسم مبتدئًا بالواو لتلك القاعدة، وبخاصة إذا كان القسم على البعث. فردت تفسير النازعات بالملائكة لأن الملائكة ليست محسوسة مشاهدة، وفسرت هذه المقسم بها بالخيل. وإن الحس اللغوي في رأيي، لا يساعد على تفسير ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (بالخيل). رابعًا: تتعقب المفسرين لا في التفاسير اللغوية فقط، بل فيما هو خارج عنها، كمسائل علم الكلام كما رأينا عند تفسيرها لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ بل في مضمون كلامهم. فهي تقول عن كلام الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (ومعنى اصطحاب اليسر والعسر، أن الله أراد أن يصيبهم يعني المؤمنين بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية وتقوية القلوب) تقول: (إنه يعوزه الدقة في موضعين: التعبير عن البشرى بالإصابة أولًا، والتشبيه في قوله (حتى جعل اليسر كالمقارن للعسر ولا إخال ذلك). أما أولًا ففي القرآن ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]. وأما ثانيًا فورود الكاف من الأساليب المعروفة في اللغة. وإذا كان القسم قد يخرج عن أصله اللغوي كما تقول، أفلا يكون للتشبيه جماله في مثل هذا التعبير؟ ومع هذا كله فإن صاحبة التفسير البياني كان ينبغي أن تنبه على أمور بدل هذا كله في التعبير

стр. 480

القرآني. ككلمة (عائل) مثلًا في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ لم استعملت دون كلمة فقير. وبعد، فلا أود أن أتتبع المفسرة الفاضلة كما تتبعت المفسرين ولاحقتهم في كل صغيرة وكبيرة، ولقد كانت محاولة مشكورة، محاولتها هذه، لولا أنها حشدت في كتابها من الأقوال والآراء، ما كان تركه يكسب بيانها بيانًا، وتفسيرها وضوحًا وجمالًا، ويحول القارئ بين التشويش والجفاف، ومن الوفاء أن يعترف الأواخر للأوائل (١). ٦ - الأستاذ محمد المبارك وكتابه دراسة أدبية لنصوص من القرآن وهذا عالم آخر من علماء الشام، أسهم في النهضة البيانية في تفسير القرآن، هو الأستاذ محمد المبارك ﵀ وهو ذو ثقافة واسعة متعددة الجوانب، ففضلًا على ثقافته الدينية واللغوية، فإنه كذلك ذو ثقافة عامة، هيأتها له دراسته في بعض الجامعات الأوروبية. والمنهج الذي اتبعه في دراسته للنصوص القرآنية، يقوم على تلخيص الفكرة العامة للسورة أو النص، ثم بسط ما تضمنته من أفكار، وكشف ما بين هذه الأفكار من صلة، وربطها بما تضمنه القرآن من مفاهيم وأفكار، ثم يعمد بعد ذلك إلى عرض معاني الآيات عرضًا مباشرًا، هو حصيلة رأيه دون نقل مختلف أقوال المفسرين (٢). ثم إنه يعرض الطريقة الأدبية أو فن التعبير عن تلك المعاني، مع بيان خصائص هذا الفن وانسجامه مع الموضوع، ثم ينتقل إلى دراسة الآيات، من حيث تراكيبها وجملها ومفرداتها وخصائصها الأدبية البارزة، سواء من جهة المعنى أم

стр. 481

حسن التعبير وقوته ودقته، أم من جهة اللفظ وجرسه، وما لذلك كله من صلة بالفكرة المعروضة والفن الأدبي (١) وهذا المنهج كما نرى مشوق للقارئ لأنه لا يدخله في متاهات، ويجعله موزعًا بين الغث والسمين من الأقوال الكثيرة، فضلًا على ما فيه من شمول للمعنى، وعمق في البحث وجودة في العرض. ولعل مما يزيد الأمر وضوحًا أن ننقل مقطعًا من كتابته، وليكن من دراسته لسورة (العاديات). لقد تكلم الأستاذ عن هذه السورة في سبع نواح نعرضها فيما يلي: أولًا: يأتي بالمعنى الإجمالي للسورة بكلام متراص يظهر ترابط الآيات. ثانيًا: يقسم السورة إلى ثلاثة أقسام وخاتمة، فيقول: (أما القسم الأول: فهو مشهد من مشاهد صراع الإنسان في هذه الحياة للتسلط وكسب المال، مشهد فرسان يغيرون على جماعة أخرى .. وهذه الصورة ترمز إلى جميع أنواع العدوان في ميادين الصراع بين البشر، الذي يكون الاعتداء طريقه. وأما القسم الثاني: فهو تحليل سريع موجز لنفسية الإنسان: إنه شديد الحب للمال كفور بنعمة الله .. والقسم الثالث: إهابة وتنبيه وتذكرة بالمصير بعد الفناء. وتختم الأقسام الثلاثة بهذه الآية. التي هي آخر المراحل ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. فمن صراع في هذه الحياة .. إلى موت يعقبه بعث وحساب .. حيث يكون المحاسب هو الله) (٢).

стр. 482

ثم ينتهي الأستاذ المبارك من التقسيم بتلخيص لذلك فيقول: (إن هذا النص كما ترى غني بمشاهده وأفكاره، بالنسبة إلى قصره وإيجازه، ولكن الفكرة الأساسية في الآية الأخيرة، والتي نستطيع أن نلخصها، في قولنا، إنها مسؤولية الإنسان العظمى أمام الخالق بعد هذه الحياة، وكل ما تقدمها من مشاهد وأفكار كان وسيلة للوصول إليها) (١). ثالثًا: وينتقل بعد ذلك إلى قيمة الأفكار الواردة في النص فيذكر ثلاث نواح، يبين صلتها فيما بينها أولًا، ويعرض ما في القرآن من أفكار سامية، يهتدي إليها عقل الباحث المؤمن ثانيًا، يقول: ١ - لا شك أن الانتقال من المسؤولية القبلية المحدودة الأثر في حياة العرب قبل الإسلام، إلى هذا النوع من المسؤولية الإنسانية العميقة .. انتقال عظيم جدًّا. وهذه المقاييس المتجلية هنا ترينا تقدمًا عظيمًا في ميدان التفكير الأخلاقي. ٢ - ولا يقتصر الأمر على هذه القيمة، فقد تضمن هذا النص القرآني أفكارًا عن الإنسان ونفسيته ومسؤوليته الأساسية، لم تبلغ مرحلة بحثها إلا قليل من الحضارات الراقية، وبعد تطورات كبيرة في الفكر والمجتمع .. وهذه ناحية بارزة من نواحي الإعجاز. ٣ - وإن فكرة مسؤولية الإنسان العظمى .. من العقائد الأساسية التي تضمنها القرآن. وجعلها ركيزة أساسية في نظامه الأخلاقي والتشريعي، وجزءًا من فلسفة الحياة التي جاء بها (٢). رابعًا: ونراه بعد ذلك يأتي بخصائص النص الفكرية، فيصوغها في خصائص ثلاث مركزة، وبكلمات موجزة وافية. يقول تحت هذا العنوان:

стр. 483

(تبدو في النص وحدة موضوعية واضحة تدور حول فكرة المسؤولية ولذلك كان بين أجزاء النص ارتباط وتسلسل، ويعتمد النص على العنصر النفسي واعتبار النيات في تحديد المسؤولية) (١). خامسًا: ثم يأتي إلى فن العرض أو الطريقة الأدبية ولنستمع إلى كلام الأستاذ هنا وهو يلقي الضوء على فنه في العرض. يقول: (لقد وَضَعَنا النَّصُّ رأسًا أمام مشهد واقعي حي من مشاهد الحياة، ينبض بالحركة والحياة .. ولقد اعتمد النص في هذا القسم الأول على الوصف، الذي يكاد يكون على إيجازه قصة أو مشهدًا من قصة .. ولقد كان افتتاح السورة بهذا المشهد مفاجأة مثيرة للخيال، ولا سيما بالنسبة للعرب الذين تثيرهم صورة الغزو. أما طريقة القسم الثاني فقد كانت التحليل النفسي، فقد انتقلنا من مشهد واقعي .. إلى التأمل في نفسية الإنسان. ومن الصورة الحية .. إلى التأمل الباطني .. ومن الصورة الحسية إلى الحقائق المجردة النفسية. وقد عاد النص في القسم الثالث إلى طريقة الوصف والتصوير .. فكأن هذا القسم في طريقته .. جمع بين التصوير الحسي الرائع والتحليل النفسي في آيتين تصفان حادثة واحدة. أما الخاتمة فقد جاءت على طريقة الإحكام المجردة، بعد أن هيئت النفس بتلك الصور الحسية .. والصور النفسية. سادسًا: وبعدها يتكلم الأستاذ المبارك عن صياغة الآيات فيقول: (لقد كانت الآيات إجمالًا قصيرة في جميع أنحاء السورة، متناسبة في قصرها مع سرعة الانتقال في تصوير الحركات، أو مع إيجاز الأفكار في التحليل النفسي، ومقتصرة على العناصر الأساسية للجملة، خالية من الزوائد

стр. 484

خلو الأفكار والمشاهد من التفصيلات، متناسبة في تنوعها وانتقالاتها مع تنوع الموضوع، من فعلية غير مؤكدة إلى اسمية مؤكدة إلى استفهامية). وانظره يأتي بأمثلة تفصيلية من السورة فيقول: (ولو ألقينا نظرة على الآيات وترتيبها وتركيبها، لوجدناها متناسبة مع الأفكار وخصائصها، ولوجدنا تنوعها مقابلًا لتنوع الأفكار، إننا نجد في تركيب الآيات، الأقسام التالية التي تقابل الأقسام الفكرية السابقة. ١ - آيات قصيرة تتألف كل واحدة منها من كلمتين، أولاهما اسم فاعل بمعنى الفعل، أو فعل ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ وكلها أفعال تدل على حركات أو أعمال حسية، وثانيتهما أحد المفاعيل. وتخلو هذه الجمل أو الآيات من الزوائد، وتتوالى سراعًا كما تتوالى حركات الخيل في عدوها، وهي كلها جمل فعلية، أو بحكم الفعلية تصور الحركات والحوادث. ٢ - أما آيات القسم الثاني، فهي تتألف من جمل اسمية، تستعمل عادة للتعبير عن الحقائق العامة، مصدرة كلها بـ (إنَّ) المستعملة للتأكيد مع اللام. ٣ - تعود الآيات في القسم الثالث إلى الجمل الفعلية لتصوير مشهد خاطف ليوم القيامة، ولكنها تأتي هنا مصدرة بالاستفهام الإنكاري المثير (أفلا يعلم). ويلفت النظر في هاتين الآيتين، استعمال الأفعال المبنية للمجهول، واستعمال (ما) الموصولة المشعرة بعدم التحديد، وفي ذلك فسح المجال للخيال. ٤ - وتعود الخاتمة مرة أخرى، وهي حقيقة كبرى تمثل الفكرة الأساسية في النص، إلى الجملة الاسمية المؤكدة بـ (إنّ) و (اللام) على طريقة القسم الثاني).

стр. 485

ثم يعرض للألفاظ وهي نوعان أحدهما لتصوير المعاني الحسية التي جاءت واضحة دقيقة التعبير كالصبح والموريات، وثانيهما للتعبير عن المعاني المجردة، مثل (كنود) و (شهيد). سابعًا: ويتحدث أخيرًا عن دور الموسيقى في السورة. فيقول: وهو يشعرك بتذوقه الفني الرائع وبحسه الموسيقي - (ويشعر المرتل لهذه الآيات، أن لها طابعًا موسيقيًا واضحًا، فإذا قرأها قراءة فنية -وذلك هو الترتيل- لاحظ انقسامها إلى عدة نغمات متناسبة مع أقسام النص، من الوجهة الفكرية والنحوية (ثم إنه يعرض لكل قسم من السورة، فيبين ما فيه من موسيقى وأنغام، تارة تقل فيها المدود، وتارة تطول، وأخرى تهدأ، مع ملاحظة الجرس الموسيقي الواضح لمعنى الألفاظ إلى أن يقول: (فموسيقى النص في جملتها وتفصيلها، أي في نغمة الجمل وجرس الألفاظ وفواصل الآيات، مناسبة للمشهد والأفكار، ومقابلة لها، وتتنوع بتنوعها وتنسجم بانسجامها). وفي النهاية يأتي الأستاذ بخلاصة تشمل بإيجاز كل ما أتى عليه من تفصيل. تلك هي الطريقة التي اتبعها الأستاذ محمد المبارك في تحليل النص القرآني تحليلًا أدبيًّا. ولقد كان في رأيي مجليًا من تلك الحيثية، سواء في تقسيماته، أم طريقة عرضه، ولكنها مع ذلك تبقى بحاجة إلى نواح أخرى من البحث البلاغي. ولعل عذر الأستاذ في هذا، أنه أراد أن يقف بالقارئ تلك الوقفة الأدبية، كما هو متبع في تحليل النصوص الأدبية. والحق أن الأستاذ المبارك بارك الله له في عمله، كان ذواقة في أسلوبه، مبتكرًا في عرضه. إن الحديث عن البيان القرآني سيظل ثريًّا لأن القرآن الكريم لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنتهي جِدَّة ألفاظه ومعانيه، مفرداته وتراكيبه سواء، وموضوعاته وأساليبه كذلك.

стр. 486

٧ - الدكتور محمد رجب البيومي أصدر الدكتور محمد رجب البيومي في أول السبعينيات كتابين عن البيان القرآني، أحدهما (خطوات التفسير البياني)، عرض فيه لأولئك الذين حاولوا تجلية هذا البيان على اختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم، ابتداء من عصر الصحابة رضوان الله عليهم، إلى ما سطره المحدثون. والكتاب الثاني هو (البيان القرآني) تحدث فيه عن المظاهر المتعددة في هذا البيان، وتحدث عن جزالة القرآن ودقته، وحقيقته ومجازه، وقصصه، واتساق آياته، وعن الوحدة الموضوعية في آراء العلماء والمفسرين، وهما كتابان جديران بالعناية. والدكتور محمد رجب البيومي أديب متميز، ويظهر أنه قد اتجه في هذه السنين الأخيرة إلى الكتابة عن القرآن الكريم، وأعلام المفسرين وغيرهم، وإن كان لي من مأخذ وعتب، فهو أن الأستاذ البيومي لم يعرض للأستاذ سيد قطب في أيّ من كتابيه، ويظهر أن الظروف السياسية هي التي حالت بينه وبين ما كان يجب أن يكتب. وهناك كتب كثيرة عالجت موضوعات من البيان القرآني، كالعطف وحروفه، وصيغ الجموع في القرآن الكريم وما يتصل بذلك، هذا فضلًا على الرسائل الجامعية التي تناولت كثيرًا من موضوعات البيان القرآني، كأسلوب التأكيد والقصر، والتضمين، والتصوير بالاستعارات وغيرها، ولا إخال أحدًا يرتاب في أن البيان القرآني سيبقى غنيًّا بما يمتع العواطف ويقنع العقول. اللهم افتح لنا من فضلك ورحمتك في فهم كتابك، فأنت ربنا نعم المولى ونعم النصير، وصل أفضل صلاة ربٍّ وأتمَّ تسليم، على سيدنا محمد الذي أنزلت عليه القرآن، وأكرمته بقولك ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وآله وصحبه.

стр. 487

المبحث السابع: كلمة أخيرة عن البيان القرآني ومن كثرة ما كتب عن البيان القرآني، ومع اختلاف الجهات التي تناولت منها الآيات الكريمة، فإن النص القرآني لا يزال جديدًا، ذلك لأن كل كلمة فيه، إنما جيء بها في مكانها الذي لا يجوز أن تحيد عنه، أو تغير منه، فكل كلمة إذن جاءت لحكمة بيانية وغرض نفسي، وكل كلمة كذلك، يمكن أن نتناولها من أكثر من ناحية. الكلمة القرآنية: إنّ في القرآن كلمات قدمت حينًا وأخرت حينًا آخر، كل هذا يتسق مع الهدف الذى جاء القرآن من أجله في إعجازه، وإيقاظه للنفوس وتربيته للإنسان، عاطفة وعقلًا. هذه مثلًا كلمة (الأموال) قدمت على الأنفس في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٧٢] وهذه المواضع كلها تتحدث عن الجهاد من أول أمره. لكن حينما كان الحديث عن المعمعة والقتال الفعلي في ساحة الوغى، نرى (الأنفس) تقدم على (الأموال)، في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]. ولقد قدم (المال) على (البنين)، مثل ما ورد في سورة الكهف ﴿الْمَال وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وذلك لأن السياق يقتضي ذلك التقديم، بالإضافة إلى الجرس الصوتي والإيقاع اللفظي، فقد سبقت هذه الآية الكريمة، بقصة الرجلين اللذين جُعِل لأحدهما، جنتان من أعناب محفوفتان بنخل وبينهما زرع، فاغتر وطغى، بينما أخر المال حينما كان السياق يقتضي ذلك في مثل قول الله

стр. 488

تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، حيث الحديث هنا عن رتب تلك المزينات، حسب غرائز الإنسان وعواطفه. وهذه كلمة في كتاب الله تذكر أحيانًا في سياق النهي، وبخاصة في شان النساء، وهي كلمة (يحل) في مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]. فلم يقل (لا ترثوا) كما قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ﴾، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. وقد ظهر لي -والله أعلم بأسرار كتابه- أن هذه الكلمة إنما جاءت في محلها، وكان لا بد منها. ذلك أنها تذكر بجانب أمر، يريد القرآن أن يشدد النهي على تركه، مع أن القوم كانوا لا يرون به بأسًا، ولا رذيلة. فالزنا والكذب وكل المال بالباطل أمور مستقبحة عند القوم، لكن وراثة النساء وأخذ أموالهن، كانوا يرونه أمرًا عاديًا، لا غبار عليه، وليس من الأمور المسترذلة والمذموم فاعلوها عرفًا، فجاءت تلك الكلمة في كتاب الله، تفظع لهم ذلك الذي تعودوه، كما رأينا في الآية التي معنا، وفي قوله الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وذلك هو الإبداع القرآني. الجملة القرآنية: فإذا تركنا الكلمة القرآنية إلى الجملة، نجد هذا البناء المحكم العجيب. ولنأخذ هذه الآيات من سورة الأنفال، الآية الأولى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] وهناك آية تشبهها في سورة آل عمران، جاء فيها ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الآية: ١٢٦] وإذا كان البيان إنما قصد به أن يؤثر في النفس، وإذا كانت علوم البلاغة ذات صلة وثيقة بعلم النفس، أمكننا أن ندرك سر التعبير في كل من الآيتين الكريمتين.

стр. 489

فالآية الأولى تحدثت عن بدر، أولى المواقع التي يخوضها المسلمون، ومع إيمانهم وثقتهم بربهم، إلا أن فريقًا منهم كارهون، فالتأكيد الرباني إذا يفعل في أنفسهم ما لا تفعله الإمدادات الكثيرة بالنسبة للآخرين. فجاءت خاتمة هذه الآية بجملتين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفيهما هذا التأكيد الذي نراه. أما آية آل عمران، فإن المسلمين وقت نزولها، قد جربوا المعارك وخاضوا غمار الحرب وعلموا حق اليقين بعين اليقين، حقيقة نصر الله لهم فليسوا إذًا بحاجة إلى ذلك التأكيد وإذ بالجملتين تنطويان إلى جملة واحدة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. ولنَأخُذ من الآية التالية لها قول الله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، بينما جاء في سورة الحشر: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢]. وإذا عرفنا أن قريشًا في بدر لم تكن لها حصونها، وإنما كانوا في فلاة من الأرض، وأن بني النضير غرتهم حصونهم بل وغرت المؤمنين كذلك -حتى لقد سجل الله ذلك: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢]- أدركنا سر التعبير بكلمة (الإلقاء) في قلوب قريش، وسر التعبير بكلمة (القذف) الذي لا يكون إلا بالآلات الضخمة لبني النضير. فإذا أخذنا الآية الثالثة، وجدنا في نهايتها ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٣]، بينما نجد ضريعتها من سورة الحشر ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وإذا أردنا أن نعرف سبب ذلك - أعني ذكر الرسول في آية الأنفال دون آية الحشر، فما لنا إلا أن نذكر أن معاداة قريش للإسلام كانت ذات سببين اثنين: أولهما معاداة الدين نفسه، وثانيهما معاداة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام حسدًا وغيظًا. قال الله تعالى مصورًا هذا العداء: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى

стр. 490

رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، بينما عداوة اليهود للإسلام كدين بقطع النظر عمن كان نبيه من العرب أم من غير العرب. هذا ما ظهر في تلك الآيات البينات (١)، نسأله تعالى أن يرزقنا الصواب، ويفتح لنا الأبواب في فهم كتابه الكريم، وإذا كان الاعتراف بالجميل واجبًا، فإن من الحق هنا أن أعترف بالجميل لأساتذتي الكرام، الذين فتحوا أذهاننا وقلوبنا لتنعم بالعلم، وإذا كان لا بأس من التخصيص، فإني أخص ثلاثة ﵏ بالذكر: والدي الذي حبب إلى القرآن في صغري وهيأ لي حفظه، وخالي (٢) الذي غرس في قلبي كيف أحافظ على هذا الكتاب، وأستاذي العلامة الشيخ إبراهيم زيدان، الذي لا يزال لدروسه ومحاضراته في التفسير على رغم حداثة سني وصعوبة ظروفي آنذاك أعظم الأثر في نفسي، جزى الله الجميع خيرًا. السورة القرآنية: وإذا تركنا الجملة القرآنية للسورة ككل، والصلة بين السورة والسورة، فإننا نجد ذلك البناء الذي وجدناها من قبل. لنأخذ مثلًا، سورة الفرقان، هذه السورة التي سميت بهذا الاسم فكان قمينا بها، وكانت جديرة به. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ إنه الفرقان الذي يبدد الشبهات وما أكثرها، فمن قول الكافرين ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ إلى قولهم ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ إلى قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وكذلك قولهم ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ و ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وبعد هذه كلها قولهم ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.

стр. 491

تلك هي سورة الفرقان، في نظمها البديع وسياقها المحكم، ومنطقها القويم، وردها للشبهات، وبيانها لنظام الله المحكم في الكون، وبيانها الوافي عن المؤمنين عباد الرحمن، فإذا أردنا أن ندرك صلة هذه السورة المكية بما قبلها، وهي سورة النور المدنية فإنه لا يسعنا إلا أن نخر للأذقان سجدًا مسبحين مكبرين. ذلك أن موضوع السورتين موضوع متشابه، فكل منهما ترد شبهات ومطاعن، إلَّا أن سورة الفرقان ردت شبهات عن القرآن وعن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام من حيث هو رسول الله، أما سورة النور فقد ردت شبهات عن الرسول ﷺ ببراءة زوجه السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄. ذلك هو الاتساق والنظام والوحدة البيانية في جمل القرآن وآياته وسوره، وهكذا القرآن كله وصدق الله العظيم ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١). المبحث الثامن: رد افتراءات على البيان القرآني هذا هو التفسير البياني للقرآن، ومع ذلك فإننا نجد بعض المضللين يثيرون شبهات حوله، من هذه الشبهات الباطلة المتداعية الواهية ما يقوله (نولدكه): (كان غرض محمد الوحيد، في السور المكية، تحويل الناس بطريق الإقناع عن عبادة الأصنام الباطلة إلى عبادة إله واحد. هذا هو الهدف الأساسي في دعوته مهما تشعب الموضوع، إلا أن محمدًا بدلًا من أن يتوجه إلى عقول سامعين يقنعها بالبراهين المنطقية، لجأ إلى الفن الخطابي، ليؤثر في عقولهم عن طريق الخيال والوجدان) (٢) ومنها ما جاء في دائرة المعارف البريطانية تحت مادة (قرآن)، حيث ذكر كاتب المقال في هذه الدائرة: (فليس هناك مهارة أدبية عظيمة واضحة مبنية في التكرار، الذي لا لزوم له لنفس

стр. 492

الكلمات والجمل) (١). أما الشبهة الأولى، فيكفي للرد عليها، ما جاء في القرآن نفسه من آيات كثيرة تخاطب العقل، وتقيم له البراهين المنطقية، التي لا يمكن لنتائج الفلسفة على اختلاف عصورها، أن تصل إلى ما وصل إليه القرآن، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠]، وفي القرآن آيات كثيرة غير هذه تخاطب العقل، وتدفع الباطل بحجة المنطق. وأما الشبهة الثانية، فمع كل أسف لم تأت من شاعر عربيد، ولا من جاهل من جهلة الإكليروس، وإنما جاءت ممّا يسمى دائرة معارف، ولكنها معارف معوجة السبل، خبيثة المقصد والغاية، إن العرب وهم فرسان البلاغة وأساطين الفصاحة، بهرهم هذا التكرار، الذي يعترف بعض الغربيين أنفسهم، بأنه من أعظم الوسائل للتربية والتعليم والتأثير في مختلف الشؤون، أمثال (جوستاف لوبون) ولكنه الجهل الأعمى بل والتعصب الأعمى بل إن النهضة الأدبية كانت وليدة تأثر الغرب بالقرآن). ومع ذلك كله، فسيبقى القرآن في علوه ورفعته وسمو منزلته، كتاب الحياة للأحياء. وصحيفة العقل للذين يحترمون العقل، وصدق الله العظيم ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] (٢).

стр. 493

الفصل الثاني الاتجاه الفقهي وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: التفسير الفقهي في العصر الحديث ومميزاته. المبحث الثاني: التشريعات الاجتماعية. المبحث الثالث: التشريعات السياسية. المبحث الرابع: تشريعات أخرى عرض لها المفسرون المحدثون.

стр. 494

الفصل الثاني الاتجاه الفقهي تمهيد: إذا كان القرآن قد تحدى العرب بلغته وبيانه، فإنه تحدى الناس جميعًا بنظمه وتشريعاته. وإذا كان القرآن قد نزل، واللغة العربية قد بلغت أشدها، واكتمل نضجها فإن الأمر صحيح كذلك، بالنسبة للقانون الروماني الذي كان أصلًا للأمم المتمدينة في ذلك العصر. ولقد أحدثت التشريعات القرآنية انقلابًا في شؤون الحياة على اختلافها، وإذا بالعرب أمة تتبوأ مركز القيادة البشرية، بفضل هذا القرآن، مما حدا بصحابة رسول الله ﷺ أن يستنبطوا من أحكامه ما هو ضروري لشؤون الحياة. ومن هنا كان اختلافهم في التفسير أكثر ما يكون في آيات الأحكام. ثم انقضى العصر الأول، ولم تجرد آيات الأحكام على حدة. وبعد أن تعددت الدراسات القرآنية كان لدراسة الأحكام نصيب وافر. ويقال إن أول من كتب في تفسير آيات الأحكام الإمام الشافعي ﵁. ثم أخذ العلماء يكتبون حسب مذاهبهم، فتلونت الدراسات بتعدد المذاهب. وهذا لا يظهر عند الذين جردوا آيات الأحكام فحسب، بل عند الذين فسروا القرآن كله كذلك. ويظهر هذا جليًا في تفسير الرازي الشافعي، والألوسي الذي صار حنفيًا بعد أن كان شافعيًا (١).

стр. 495

المبحث الأول التفسير الفقهي في العصر الحديث ومميزاته واستمرت تلك الطريقة في دراسة آيات الأحكام، إلى عصر الشيخ محمد عبده ﵀، فكان لا بد من أن يغير المنهج، وأن تدرس الأحكام دراسة بعيدة عن التعصب المذهبي، تتجلى فيها حكمة التشريع، ويظهر من خلالها الإعجاز التشريعي للقرآن، ويرد فيها على الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام حول أحكامه وتشريعاته، وهذا يظهر جليًا عند استعراض تفسير آية من آيات الأحكام في تفسير المنار. إن في القرآن ثورة كبرى من التشريعات المدنية والجنائية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولقد وجه المفسرون المحدثون عنايتهم لإبراز هذه التشريعات في ثوب ناصع جديد. وسأقتصر هنا على ذكر نوعين، وهما التشريعات الاجتماعية والسياسية. ولا بد قبل التعرض لهاتين القضيتين، من أن أشيد بما لفضيلة الأستاذ محمد أبي زهرة ﵀ من جهد مشكور ونتاج طيب في هذا المجال، فلقد حرص الأستاذ جزاه الله خيرًا على أن يبرز عظمة التشريع في كثير من كتبه ومقالاته في بعض المجلات الإسلامية تحت هذا العنوان (شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله). ولقد أسهم علماء كثيرون كذلك في تجلية هذا الموضوع، كالشيخ شلتوت ﵀، والأستاذ أبي الأعلى المودودي وأستاذنا المرحوم محمد يوسف موسى، والدكتور مصطفى السباعي ﵀ وغيرهم. وستبقى التشريعات القرآنية المنهل العذب الذي لا يذهب ظمأ هذه الأمة سواه.
следующие страницы →