تلك هي سورة الفرقان، في نظمها البديع وسياقها المحكم، ومنطقها القويم، وردها للشبهات، وبيانها لنظام الله المحكم في الكون، وبيانها الوافي عن المؤمنين عباد الرحمن، فإذا أردنا أن ندرك صلة هذه السورة المكية بما قبلها، وهي سورة النور المدنية فإنه لا يسعنا إلا أن نخر للأذقان سجدًا مسبحين مكبرين.
ذلك أن موضوع السورتين موضوع متشابه، فكل منهما ترد شبهات ومطاعن، إلَّا أن سورة الفرقان ردت شبهات عن القرآن وعن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام من حيث هو رسول الله، أما سورة النور فقد ردت شبهات عن الرسول ﷺ ببراءة زوجه السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄. ذلك هو الاتساق والنظام والوحدة البيانية في جمل القرآن وآياته وسوره، وهكذا القرآن كله وصدق الله العظيم ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١).
المبحث الثامن: رد افتراءات على البيان القرآني
هذا هو التفسير البياني للقرآن، ومع ذلك فإننا نجد بعض المضللين يثيرون شبهات حوله، من هذه الشبهات الباطلة المتداعية الواهية ما يقوله (نولدكه): (كان غرض محمد الوحيد، في السور المكية، تحويل الناس بطريق الإقناع عن عبادة الأصنام الباطلة إلى عبادة إله واحد. هذا هو الهدف الأساسي في دعوته مهما تشعب الموضوع، إلا أن محمدًا بدلًا من أن يتوجه إلى عقول سامعين يقنعها بالبراهين المنطقية، لجأ إلى الفن الخطابي، ليؤثر في عقولهم عن طريق الخيال والوجدان) (٢) ومنها ما جاء في دائرة المعارف البريطانية تحت مادة (قرآن)، حيث ذكر كاتب المقال في هذه الدائرة:
(فليس هناك مهارة أدبية عظيمة واضحة مبنية في التكرار، الذي لا لزوم له لنفس
стр. 492
الكلمات والجمل) (١).
أما الشبهة الأولى، فيكفي للرد عليها، ما جاء في القرآن نفسه من آيات كثيرة تخاطب العقل، وتقيم له البراهين المنطقية، التي لا يمكن لنتائج الفلسفة على اختلاف عصورها، أن تصل إلى ما وصل إليه القرآن، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠]، وفي القرآن آيات كثيرة غير هذه تخاطب العقل، وتدفع الباطل بحجة المنطق.
وأما الشبهة الثانية، فمع كل أسف لم تأت من شاعر عربيد، ولا من جاهل من جهلة الإكليروس، وإنما جاءت ممّا يسمى دائرة معارف، ولكنها معارف معوجة السبل، خبيثة المقصد والغاية، إن العرب وهم فرسان البلاغة وأساطين الفصاحة، بهرهم هذا التكرار، الذي يعترف بعض الغربيين أنفسهم، بأنه من أعظم الوسائل للتربية والتعليم والتأثير في مختلف الشؤون، أمثال (جوستاف لوبون) ولكنه الجهل الأعمى بل والتعصب الأعمى بل إن النهضة الأدبية كانت وليدة تأثر الغرب بالقرآن).
ومع ذلك كله، فسيبقى القرآن في علوه ورفعته وسمو منزلته، كتاب الحياة للأحياء. وصحيفة العقل للذين يحترمون العقل، وصدق الله العظيم ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] (٢).
стр. 493
الفصل الثاني الاتجاه الفقهي
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التفسير الفقهي في العصر الحديث ومميزاته.
المبحث الثاني: التشريعات الاجتماعية.
المبحث الثالث: التشريعات السياسية.
المبحث الرابع: تشريعات أخرى عرض لها المفسرون المحدثون.
стр. 494
الفصل الثاني الاتجاه الفقهي
تمهيد:
إذا كان القرآن قد تحدى العرب بلغته وبيانه، فإنه تحدى الناس جميعًا بنظمه وتشريعاته. وإذا كان القرآن قد نزل، واللغة العربية قد بلغت أشدها، واكتمل نضجها فإن الأمر صحيح كذلك، بالنسبة للقانون الروماني الذي كان أصلًا للأمم المتمدينة في ذلك العصر. ولقد أحدثت التشريعات القرآنية انقلابًا في شؤون الحياة على اختلافها، وإذا بالعرب أمة تتبوأ مركز القيادة البشرية، بفضل هذا القرآن، مما حدا بصحابة رسول الله ﷺ أن يستنبطوا من أحكامه ما هو ضروري لشؤون الحياة. ومن هنا كان اختلافهم في التفسير أكثر ما يكون في آيات الأحكام.
ثم انقضى العصر الأول، ولم تجرد آيات الأحكام على حدة. وبعد أن تعددت الدراسات القرآنية كان لدراسة الأحكام نصيب وافر. ويقال إن أول من كتب في تفسير آيات الأحكام الإمام الشافعي ﵁. ثم أخذ العلماء يكتبون حسب مذاهبهم، فتلونت الدراسات بتعدد المذاهب. وهذا لا يظهر عند الذين جردوا آيات الأحكام فحسب، بل عند الذين فسروا القرآن كله كذلك. ويظهر هذا جليًا في تفسير الرازي الشافعي، والألوسي الذي صار حنفيًا بعد أن كان شافعيًا (١).
стр. 495
المبحث الأول التفسير الفقهي في العصر الحديث ومميزاته
واستمرت تلك الطريقة في دراسة آيات الأحكام، إلى عصر الشيخ محمد عبده ﵀، فكان لا بد من أن يغير المنهج، وأن تدرس الأحكام دراسة بعيدة عن التعصب المذهبي، تتجلى فيها حكمة التشريع، ويظهر من خلالها الإعجاز التشريعي للقرآن، ويرد فيها على الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام حول أحكامه وتشريعاته، وهذا يظهر جليًا عند استعراض تفسير آية من آيات الأحكام في تفسير المنار.
إن في القرآن ثورة كبرى من التشريعات المدنية والجنائية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولقد وجه المفسرون المحدثون عنايتهم لإبراز هذه التشريعات في ثوب ناصع جديد. وسأقتصر هنا على ذكر نوعين، وهما التشريعات الاجتماعية والسياسية. ولا بد قبل التعرض لهاتين القضيتين، من أن أشيد بما لفضيلة الأستاذ محمد أبي زهرة ﵀ من جهد مشكور ونتاج طيب في هذا المجال، فلقد حرص الأستاذ جزاه الله خيرًا على أن يبرز عظمة التشريع في كثير من كتبه ومقالاته في بعض المجلات الإسلامية تحت هذا العنوان (شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله).
ولقد أسهم علماء كثيرون كذلك في تجلية هذا الموضوع، كالشيخ شلتوت ﵀، والأستاذ أبي الأعلى المودودي وأستاذنا المرحوم محمد يوسف موسى، والدكتور مصطفى السباعي ﵀ وغيرهم. وستبقى التشريعات القرآنية المنهل العذب الذي لا يذهب ظمأ هذه الأمة سواه.
стр. 496
المبحث الثاني: التشريعات الاجتماعية
يقول الأستاذ المراغي عن دروس الشيخ محمد عبده، إنها كانت دروسًا يجد فيها عالم الاجتماع بغيته، ولقد أبرز ﵀ وصاحب المنار قواعد الاجتماع العامة في تفسير القرآن كما جمع صاحب المنار كثيرًا من تلك التشريعات في كتاب الوحي المحمدي. وسأذكر قضيتين من قضايا العصر، شغل المفسرون بهما، وهما قضية الأسرة وقضية الحرية فلقد ثارت شبهات كثيرة حول هاتين القضيتين.
١ - الأسرة:
أما قضية الأسوة فهناك شبهات على تعدد الزوجات والطلاق والميراث، وهذه الشبهات وغيرها في الواقع ليست جديدة وإنما هي مما أثاره أعداء الإسلام قديمًا، فما كان من المحدثين، إلا أن رددوا تلك الشبهات بأسلوب عصري جديد.
أ- تعدد الزوجات:
فتعدد الزوجات من المسائل التي أثير حولها جدل ونقاش، وما كل ذلك إلا للنيل من هذا الدين، إن التعدد لم يكن محرمًا في أيّ شريعة قبل الإسلام. ولما جاء الإسلام وضع له حدودًا وشروطًا. وما ذلك إلا لأنه ضرورة اجتماعية. وقد يكون من مصلحة الرجل أو المرأة أو المجتمع.
ب- الطلاق:
وأما مسألة الطلاق فلقد أباحها الإسلام، ولكنه لم يترك هذه الإباحة ليستغلها كل أحد، فلقد وصى القرآن بمعاملة طيبة لها، يقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] ولم يجعل الطلاق مرة واحدة بل هناك مرتان، بعد كل واحدة منهما عدة، لعل أحد الزوجين يراجع نفسه. وجعل الطلاق المقبول ما كان في طهر، حتى لا تكون أسباب النفور هي التي تتحكم في الزواج. والطلاق الذي لا تعتد
стр. 497
المرأة به هو ما كان قبل الدخول. فإن طلقها الثالثة، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، لأنه يعسر حينذاك أن يوفق بينهما. وبالجملة فقد وضع القرآن جميع الحواجز، من أجل تلافي الطلاق إن أمكن ذلك. ونحن نرى الذين كانوا يعيبون على القرآن هذا الحكم، رجعوا صاغرين إلى حكم القرآن، لأنه هو حكم الله، الذي لا يتناسب مع الطبيعة البشرية غيره. وخير دليل وأقربه على ذلك، حكومة إيطاليا، وهي معقل النصرانية التي أباحت الطلاق قبل مدة وجيزة.
جـ- الميراث:
أما مسألة الميراث فقد ألقيت الشبهات فيها على القرآن من ناحيتين اثنتين:
الأولى: لأنه ورث الأصول مع الفروع.
الثانية: لأنه أعطى المرأة نصف نصيب الرجل.
ومع أن تنظيم الشريعة في الميراث تنظيم بديع لا يجارى، فإن ما وجه له من اعتراضات يسقط لأول وهلة، إذا عرفنا ما في هذا النظام من معالجات إنسانية واقتصادية. فالقرآن حينما ورث الأصول، لم تفته هاتان النظريتان. فللأصول حق على صاحب التركة أولًا، وربما يكونون ذوي حاجة، ونصيبهم أقل من نصيب الفروع ثانيًا، لأن الفروع يستقبلون الحياة، وعلى هذا الأساس كان نصيب المرأة ذلك، لأن القرآن أوجب لها النفقة على الرجل، فليس من العدل مساواتها في هذا مع الرجل.
وليس معنى هذا أن القرآن حجر على المرأة، ومنعها أن تتصرف في حقوقها، وجعلها مؤخرة عن الرجل في كل شيء. بل على العكس من ذلك منحها من الحقوق، ما لا تحلم به المرأة، وفي أرقى المجتمعات الحديثة. كل هذا وغيره مما يتعلق بالأسرة زخرت به كتب التفسير.
стр. 498
٢ - تحرير الرقيق:
أما مسألة الحرية، فمع أن الإنسانية لم تتنسم عبيرها، ولم تذق حلاوتها، إلا في ظل القرآن الذي ردها إلى فطرتها الأولى، ورد لها كرامتها، بقطع النظر عن بيئتها الجغرافية، أو أصولها التاريخية والاعتقادية واللغوية، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ومع هذا كله نجد أناسًا يمارون، ويتهمون الإسلام بأنه لم يقف موقفًا حاسمًا من هذه المسألة المهمة.
ولقد كان للمفسرين والكتاب المسلمين حديثًا عناية برد تلك الشبهات مبينين أن ما قرره القرآن لا يدانيه قانون أو مبدأ من تلك القوانين والمبادئ، التي يدعي معتنقوها أن هدفها إسعاد الإنسانية وإصلاحها. فالقرآن قرر حرية الاعتقاد وحرية المرأة في حدود الفضيلة والمعقول.
بقيت مسألة الرق، ولقد كان الرق شريعة معترفًا بها لا في المجتمعات الجاهلية فحسب، بل وفي المجتمعات المتدينة والمتفلسفة. ولم يكن له باب واحد، بل أبواب كثيرة، ووسائل متعددة. وجاء القرآن فوقف من هذه المسألة موقف التوجيه من أول نزوله، ففي العهد المكي ولم يكن للإسلام بعد دولة، ولا للمسلمين مجتمع، يعتمد القرآن قرارًا في هذه المسألة بقوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣].
ولقد كانت معالجة الإسلام للرق معالجة حكيمة، تقوم على أسس سليمة صحيحة، جاء أولًا فقفل أبواب الرق، وجفف منابعه، وقضى على أسبابه، وقد كان له أسباب متنوعة وأبواب متفرقة، فكان السارق يسترق بسبب سرقته (١)، والقاتل بسبب قتله، والمدين بما عليه من دين، فشرع القرآن لكل حالة من هذه ما يناسبها، هذا أولًا. وأما ثانيًا فإنه فتح أبواب الحرية لا بالحث على العتق، وجعله
стр. 499
موكولًا لإحسان الإنسان وبره فحسب، بل أوجبه كفارة لبعض الأعمال، كالقتل والظهار وغيرهما، وأمر بمكاتبة الرقيق إن أراد ذلك وإن علمنا فيه خيرًا، بحيث لا يصبح عالة على المجتمع، وجعل له نصيبًا من الزكاة المفروضة.
والقرآن بعد ذلك كله رغب عن تزوج الإماء، ليس استخفافًا وعدم اكتراث بهن، ولكنه يريد أن يجعل للرق نطاقه الضيق، فإن التزوج بالإماء من شأنه أن يعين على بقاء الرقيق أزمنة متعاقبة، هذا ما أرشد إليه القرآن لتحرير الرق. أما معاملة هؤلاء في حال رقهم فهي معاملة لا تدل على المساواة بين الناس فحسب، بل تدل على ما هو أعمق من ذلك: العدالة في الأحكام، ولقد كان القرآن فريدًا في ذلك فلم يسبق، ولم يأت بعده ما قاربه في التشريع. وهذا لعمر الحق من أعظم وجوه إعجازه. يقول الله تعالى في شأن الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
هذا هو الاتجاه، الاجتماعي في طابعه، وهذه بعض المسائل التي عرض لها التفسير الحديث، وهناك مسائل أخرى لم تفت المفسرين المحدثين، كالمساواة وبيان سنن الله في الاجتماع وتسامح الإسلام مع غير المسلمين، وبيان ما يسعد المجتمع من القواعد التي وضعها القرآن. كل هذه المسائل والمشكلات مما ألقاه ظل العصر الذي نعيش فيه، وحتمته البيئة الاجتماعية والثقافية كانت الطابع المميز للتفسير.
ولئن كنت أوجزت في ذكر بعض هذه الأمور، فلأننا سنمر بكثير منها حينما نعرض لمناهج المفسرين إن شاء الله، وسنرى من أقوالهم هناك ما يوضح ذلك.
على أن من الإنصاف أن يقال ليس المفسرون وحدهم عرضوا لهذه المسائل، بل إن كثيرًا من الكتاب قد عرضوا لها عرضًا موضوعيًا. كتب الشيخ شلتوت زحمه الله كتاب (القرآن والمرأة)، وكتب السباعي ﵀ (المرأة بين الفقه والقانون)، والدكتور عمر فروح (الأسرة في الشرع الإسلامي) ولدروزه كتب في نفس الموضوع. كما كتب العقاد (الإنسان في القرآن) و (المرأة في القرآن)، وكتب
стр. 500
محمد قطب (شبهات حول الإسلام) ونلاحظ أن هذا النوع من الدراسات القرآنية في نمو وتوسع، وإن كان في بعض تلك الدراسات خروج عن الاعتدال، بسبب مؤثرات ذات صلة بالحضارة الغربية، كما رأينا عند بعضهم، من إنكار إباحة الإسلام للرق ومبالغة في تقييد تعدد الزوجات، وتطرف في حقوق المرأة.
نماذج من أقوال العلماء:
ويحسن أن أنقل بعض النماذج التي نتبين منها كيف عالج المفسرون المحدثون مثل هذه الأمور:
أ- في الرق:
كتب الأستاذ المودودي في تفسير سورة النور، عن موقف الإسلام من الرق. يقول "إن الأرقاء في الزمن القديم كانوا على ثلاثة أنواع:
١ - أسارى الحرب.
٢ - الأحرار الذين كانوا يؤخذون ويسترقون ظلمًا فيباعون.
٣ - الذين كانوا في الرق كابرًا عن كابر، ولا يعرف متى كان آباؤهم قد استرقوا رقهم.
فلما جاء الإسلام، كان المجتمع الإنساني في بلاد العرب وغيرها من أقطار العالم ممتلئًا بالأرقاء من هذه الأنواع الثلاثة تقريبًا وعليها كان يعتمد النظام الاقتصادي والاجتماعي في سيره، أكثر مما كان يعتمد على الخدم والأُجراء، وسأعرض هنا لمسألتين: الأولى مشكلة الأرقاء الذين كانوا موجودين في المجتمع آنذاك، والثانية حل مشكلة الرق في المستقبل.
فجوابنا عن المسألة الأولى، ما ألغى الإسلام دفعة واحدة حقوق الملكية التي كانت للناس على أرقائهم منذ الزمان القديم، لأنه لو فعل ذلك، لما عطل نظام
стр. 501
البلاد الاقتصادي والاجتماعي بأسره فحسب، بل لجر البلاد أيضًا إلى حرب داخلية مدمرة، مثل الحرب التي ظهرت في البلاد الأمريكية لما أقدمت على إلغاء الرق (١). بل لظلت القضية على ظهور هذه الحرب بدون حل، كما بقيت قضية الزنوج بدون حل في أمريكا، فأعرض الإسلام عن هذا الطريق الخاطئ للإصلاح، وقام في البلاد بحركة شاملة قوية لمنح الأرقاء حريتهم، واستحث الناس بوسائل الترغيب والتلقين، وأحكام الدين وقوانين البلاد على أن يمنوا على أرقائهم بالعتق، ابتغاء نجاتهم في الآخرة، أو تكفيرًا لذنوبهم، حسب الأحكام الدينية، أو في مقابل مقدار معلوم من المال يأخذونه منهم.
فهذه الحركة القوية التي قام بها الإسلام في بلاد العرب، أعتق النبي ﷺ بموجبها ثلاثًا وستين رقبة، وأعتقت إحدى نسائه وهي عائشة ﵂ سبعًا وستين رقبة، وأعتق عمه العباس بن عبد المطلب ﵁ في حياته سبعين رقبة، وأعتق حكيم بن حزام ﵁ مائة رقبة، وأعتق عبد الله بن عمر ﵄ ألف رقبة، وأعتق ذو الكلاع الحميري ﵁ ثمانية آلاف رقبة، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ﵁ ثلاثين ألف رقبة. ونجد لهذا نظائر كيرة في حياة غير هؤلاء من الصحابة، من أبرزهم ذكرًا أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان ﵄، فكأن الناس في ذلك الزمان، كان بهم ولوع شديد بفعل الخيرات ونيل رضا ربهم، فكانوا لأجل ذلك يعتقون أرقاءهم، ويشترون أرقاء غيرهم ويعتقونهم، حتى نال جل أرقاء الجاهلية حريتهم قبل انقضاء عهد الخلفاء الراشدين.
أما قضية الرق بالنسبة للمستقبل، فعالجها الإسلام بأن حرم تحريمًا باتًا أن يؤسر حر ويسترق فيباع ويشترى. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته. رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه
стр. 502
ولم يعطه أجره). رواه البخاري وغيره. غير أن الإسلام قد أذن -نعم أذن فقط ولم يأمر- باستعباد أسارى الحرب فيما إن كانت حكوماتهم لا ترضى باستردادهم من الدولة الإسلامية، بمن بيدها من أسراها، ولا هم يفدون أنفسهم بأففسهم. ولكن مع ذلك فقد ترك الإسلام مجالًا واسعًا في وجوههم، لأن يشتروا حريتهم بالمكاتبة، كما أبقى في حقهم جميع التعاليم والأحكام المتعلقة بتحريض الناس على منح الحرية لأرقائهم القدماء، أي تحريرهم ابتغاء لمرضات الله، وتكفيرًا للذنوب أو وصية الرجل عند وفاته بعتق رقيقه بعده- وهو ما يعبر عنه بالتدبير في المصطلح الإسلامي أو نيل الأمة حريتها مع وفاة سيدها، سواء كان أوصى بعتقها أم لم يوص، إن كان استمتع منها فولدت له ولدًا.
فهذا هو الحل الموفق الذي عالج به الإسلام قضية الرق فالجهال لا يدركون حقيقة هذه القضية في الإسلام، فيوردون عليها أنواعًا من الاعتراضات. والجانب الآخر أن مختلقي الأعذار لا يعتذرون عن قضية الرق فحسب، بل وينكرون أصلًا إباحة الإسلام للرق في أي صورة من صورها) (١).
ب- في حقوق المرأة:
هذا نوع من الحرية للرقيق، وهناك نوع آخر يتعلق بتحرير المرأة، وأجمل هذا ما فصله صاحب المنار في ما كتبه في تفسيره، وكتابيه، (نداء إلى الجنس اللطيف) و (الوحي المحمدي) من مقارنة بين مكانتها في الإسلام وغيره:
١ - كان بعض البشر من الإفرنج وغيرهم، يعدون المرأة من الحيوان الأعجم، أو من الشياطين لا من نوع الإنسان، وبعضهم يشك في ذلك. فجاء محمد ﷺ يتلو عليهم أمثال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 503
٢ - كان بعض البشر في أوروبا وغيرها، يرون أن المرأة لا يصح أن يكون لها دين، حتى كانوا يحرمون عليها قراءة الكتب المقدسة رسميًا. فجاء الإسلام يخاطب بالتكاليف الدينية الرجال والنساء معًا، بلقب المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.
٣ - كان بعض البشر يزعمون أن المرأة ليس لها روح خالدة، مع الرجال المؤمنين في جنة النعيم في الآخرة. فنزل القرآن يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
٤ - كان الإفرنج يحتقرون المرأة، ولا يعدونها أهلًا للاشتراك مع الرجل في أي مجال من مجالات الحياة العامة. فجاء القرآن يقرر: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
٥ - وكان بعضهم يحرمون النساء من حق الميراث، وبعضهم يضيق عليهن حق التصرف فيما يملكن. فجاء الإسلاِم وأبطل هذا الظلم بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وقوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢].
٦ - كان الزواج ضربًا من استرقاق الرجال للنساء، فجعله الإسلام عقدًا دينيًا مدنيًا لقضاء حق الفطرة، بسكون النفس من اضطرابها الجنسي، وتوسيع دائرة المودة والألفة بين العشيرين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
стр. 504
٧ - كان أولياء المرأة يجبرونها على التزوج بمن تكره أو يعضلونها بالمنع منه مطلقًا، وإن كان زوجها وطلقها، فحرم الإسلام ذلك، وساوى بين الرجل والمرأة، باقتسام الواجبات والحقوق بالمعروف، مع جعل حق رياسة الشركة الزوجية للرجل، لأنه أقدر على الحماية والنفقة.
٨ - كان الرجل من العرب وبني إسرائيل وغيرهم، يتخذون من الأزواج ما شاؤوا غير مقيدين بعدد. فقيدهم الإسلام بأن لا يزيدوا على أربع، ومن خاف على نفسه أن لا يعدل، وجب عليه الاقمصار على واحدة. وإنما أباح الزيادة لمحتاجها القادر على النفقة والإحصان.
٩ - كان الطلاق مشروعًا عند أهل الكتاب والوثنيين من العرب وغيرهم، وكان يقع على النساء منه ظلم كثير، وغبن يشق احتماله فجاء الإسلام فيه بالإصلاح الذي لم يسبقه إليه شرع، ولم يلحقه بمثله قانون، وكان الإفرنج يحرمونه ويعيبون الإسلام به، ثم اضطروا إلى إباحته، فأسرفوا فيه إسرافًا منذرًا بفوضى الحياة الزوجية، وانحلال روابط الأسرة والعشيرة.
١٠ - بالغ الإسلام في الوصية ببر الوالدين، فقرنه بعبادة الله تعالى، وأكد النبي ﷺ فيه حق الأم، فجعل برها مقدمًا على بر الأب. وبالغ الإسلام في تربية البنات وكفالة الأخوات، بل جعل لكل امرأة قيمًا شرعيًا يتولى كفالتها. ومن ليس لها ولي من أقاربها، أوجب على ولي أمر المسلمين أن يتولى أمرها.
جـ - في تعدد الزوجات:
بقيت مسألة التعدد، وهي من أكثر المسائل التي أثير حولها الجدل بين العلماء، فبينما نرى الشيخ محمد عبده، يضيق كثيرًا في هذه المسألة، بحجة أن القرآن نفسه إنما أباح ذلك في أقصى الضرورات وبحجة الواقع المرير الذي تعيشه هذه البيوتات
стр. 505
التي فشا فيها التعدد. ولعل هذا الرأي انعكس فيما بعد على كثيرين فتطرف بعضهم، وخرج بعض آخر عن جادة الحق، وأول بعض آخر هذه الآيات، بما يتنافى كليًا مع معناها ويسياقها.
يقول الشيخ محمد عبده (١): (إباحة تعدد الزوجات في الإسلام، أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها، بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور. وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق، ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من مفاسد، جزم بانه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذى فيه زوجتان لزوج واحد، لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام. بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت، كان كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت، ومن البيوت إلى الأمة).
أما الشيخ البهي الخولي فيقول (٢): (إن التعدد محرم في حال احتمال الظلم، واحتمال الظلم أمر متوقع، لا محالة. فكان إباحة التعدد علقت بأمر يجعله محرمًا أو شبيهًا بالمحرم).
وهذا شيخ آخر هو الشيخ عبد المتعال الصعيدي. يشقشق كعادته، فيكتب مقالًا في مجلة (الرسالة) عام ١٣٦٧ هـ يفتتحه بقوله (نعم ... نملك تحريم تعدد الزوجات) ويشبه تحريم التعدد بتحريم زرع القطن في كثر من ثلث الأرض، إذا أمر الولي بذلك. ويأتي لذلك بتعليلات لا تزيدنا إلا عجبًا منه وإشفاقًا عليه.
وأخيرًا هذا الرجل من رجال القضاء والقانون وهو عبد العزيز فهمي، يتجرأ دون مراعاة لقانون التأويل- على كتاب الله. فيقول (٣): (إن القرآن الكريم يحرم بتاتًا
стр. 506
تعدد الزوجات فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ليس المقصود منه إباحة أكثر من واحدة، بل قصد منه تحريم ذلك بتاتًا. وكل ما في الأمر أن صيغة التحريم وردت على عادة القرآن في الاستدراج والتلطيف. فالآية واضحة لكل متذوق أنها هزء وسخرية، ممن يريد تعدد الزوجات، لأن المولى رد فيها بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]. و (لن) كما يقرر النحاة، هي أشد أدوات النفي للمستقبل إذ تنفيه نفيًا باتًا. فالقرآن يسجل بصريح العبارة، أن الاستطاعة مستحيلة، أي أن العلة المتوهمة للتصريح بالتعدد لن تتحقق.
والمقرر عند الفقهاء من عقليين وحرفيين، أنه متى زالت العلة زال المعلول).
ثم عاد يؤيد دعواه هذه ببحث طويل عريض في مجلة (الثقافة)، يقول فيه: "إن" "ما" في قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، من أقوى ما يكون في إفادة العموم، وهي نكرة بمعنى (أي شيء) أي أية امرأة أو مجموعة من النساء -أي لا مفهوم للتحديد بأربع- وإن القرآن استعمل (طاب) ولم يستعمل كلمة (حل). لأن الطائب قد يكون حلالًا وقد يكون حرامًا .. وإن القول بدلالة الآية على حكم تحديد التعدد بأربع، يؤول بنا إلى نتيجة منكرة .. ذلك أن مثنى وثلاث ورباع معناها اثنان اثنان وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. أي أن الرجل يأتي لامرأتين فيتزوجهما. ثم إلى ثلاثة. فيتهم الفقهاء بأنهم سايروا واقع التعدد الذي فشا بعد الصدر الأول، من أجل الجنود في الحرب، فاضطروا أن يوجدوا لها سندًا من القرآن.
وهذا كلام ظاهر البطلان، واضح التجني، وهو وإن كان لا يحتاج إلى رد وتفنيد، فإنه لا بد من إيراد بعض الملحوظات عليه:
١ - يزعم الكاتب أن الآية الكريمة لا يفهم منها إباحة التعدد، وإنما على العكس من ذلك تشير إلى التحريم، ولقد جاءت بأسلوب السخرية من التعدد. وهذا منطق أقل ما يقال فيه، إنه يستدعي السخرية والاستنكار. فالنص
стр. 507
صريح في الإباحة. ولن يورد الله كلامه قصد السخرية، من شرع شرعه، وبينه نبيه. ﵌، وسارت عليه الصفوة المختارة ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه.
٢ - أن الاستطاعة المنفية بـ (لن) إنما هي العدل في الميل القلبي، وذلك ما بينه الرسول عليه وآله الصلاة والسلام بقوله: (اللهم إن هذا قسمي في ما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) (١).
٣ - إن القرآن لم يستعمل كلمة (حل)، لأن البلاغة لا تقتضيها والحس لا يرتضيها، لأن قوله تعالى: (فانكحوا) إنما يفهم منه الحلال، لأن النكاح المأمور به من الله لن يكون إلا كذلك، فلو قال (ماحل) لكان تكرارًا ليس تحته طائل، يمجه الذوق وتأباه الفصاحة.
٤ - إن اتهام الفقهاء بمسايرة واقع فرضته الظروف، والتساهل في إيجاد سند قرآني لإباحة التعدد قول لا تعوزه الدقة الموضوعية فقط بل والأمانة العلمية والتاريخية كذلك.
العلماء المعتدلون الذين لا يتأولون النص بعيدًا عن مدلوله:
ومقابل أولئك، نجد العلماء المعتدلين، الذين يأبون أن يخرج الناس عما شرع الله لعباده، لا يتأولون النص بعيدًا عن مدلوله، تلبية لضغوط من هنا وهناك. ومن هؤلاء الأستاذ الفاضل الشيخ محمد أبو زهرة - الذي بيّن هذه المسألة، في كثير من كتاباته. فرأى أن التعدد إنما هو شرع الله لحكمة، قد تكون فيها مصلحة الزوج أو الزوجة أو المجتمع. وأنها قد تكون ضرورة في كثير من الأحيان. ولا ينبغي ولا يجوز أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.
ومنهم صاحب الظلال ﵀، الذي يرى أن القرآن لم ينشئ التعدد إنما
стр. 508
حدده. ولم يأمر بالتعدد وإنما رخص فيه وقيده لمواجهة واقعيات الحياة البشرية، وضرورات الفطرة الإنسانية. وهو ينعى على أولئك الذين يسمحون لأنفسهم، بالتطاول على شريعة الله بقوله (هذه الرخصة -مع هذا التحفظ- يحسن بيان الحكمة والصلاح فيها، في زمان جعل الناس يتعالمون فيه على ربهم الذي خلقهم، ويدعون لأنفسهم بصرًا بحياة الإنسان وفطرته ومصلحته، فوق بصر خالقهم سبحانه. ويقولون في هذا الأمر وذاك بالهوى والشهوة وبالجهالة والعمى. كأن ملابسات وضرورات جدت اليوم، يدركونها هم ويقدرونها، ولم تكن في حساب الله -سبحانه- ولا في تقديره يوم شرع للناس هذه الشرائع! .
وهي دعوى فيها الجهالة والعمى، بقدر ما فيها من التبجح وسوء الأدب، بقدر ما فيها من الكفر والضلالة! . وهم يتبجحون على الله وشريعته، ويتطاولون على الله وجلاله، ويتوقحون على الله ومنهجه، آمنين سالمين غانمين مأجورين من الجهات التي يهمها أن تكيد لهذا الدين! ).
هذه مسائل من التشريع الاجتماعي في الاتجاه الفقهي، رأينا كيف عالجها العلماء، وكيف كانت مواقفهم من النص القرآني، وهي معالجات تخضع لروح العصر وتطوراته، أكثر مما تخضع للنص نفسه عند بعضهم، وتحكم النص أول ما تحكم عند بعض آخرين. والحق أن ما في القرآن من تشريعات اجتماعية، لا تصلح للمجتمع فحسب، بل لمن يصلح المجتمع إلا بها.
стр. 509
المبحث الثالث التشريعات السياسية
كان من أخطر النتائج التي جرتها حضارة الغرب على بلاد المسلمين، فصل الدين عن الدولة، حسب القول المشهور (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله). فكان لا بد أن يُعنى المفسرون بهذه المسألة الخطيرة وحق لهم ذلك ونحن إذ نتكلم عن النظم السياسية، إنما نعني بها الإرشادات القرآنية لتنظيم العلاقات المختلفة للأفراد، بالدولة، والحاكم بالمحكوم، والمسلمين مع غيرهم. والقرآن الكريم وقد قرر العزة للمؤمنين، وبأن الله لن يجعل للكافرين عليهم سبيلًا، ناط ذلك كله بتنفيذ شرع الله، بحيث تستجيب الأمة لله والرسول، غير متطفلة على فتات الموائد.
ولقد كان القرآن على مدى الأزمان، الروح الذي يمد هذه الأمة بالقوة، والنور الذي يبدد ظلامها. وهذه حركات التحرر في العالم الإسلامي، كانت لا تقوم إلا على أساس قرآني خالص، إذ كان إيمانهم بالقرآن الدافع الذي لا يمكن أن تتلاشى حيويته.
وحينما أراد القوم أن ينسلخوا عن هذا القرآن، في تجررهم ومغالبة عدوهم، قال لهم الله موتوا.
ومن أهم الأمور السياسية التي برزت في التفسير الحديث:
١ - الحكم بما أنزل الله.
٢ - موقف المسلمين من غيرهم.
٣ - وحدة هذه الأمة.
وهذه المسائل قد أثير حولها الجدل، وألفت فيها كثير من الكتب، بين أخذ ورد وجزر ومد، وسأتناول هذه المسائل بشيء من التفصيل.
стр. 510
١ - الحكم بما أنزل الله:
لعل هذه المسألة هي كبرى المسائل، فالمسلمون، وقد ورثوا كثيرًا من العادات والتقاليد عن غيرهم، وزين لهم عدوهم تلك العادات، انسلخوا عن حكم القرآن. وفي القرآن آيات كثيرة تعرض على المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله، وتندد بالذين يأبون الانصياع لهذا الحكم وتهددهم، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] إلى قوله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [لنساء: ٦٠ - ٦٥].
ومثل الآيات من سورة المائدة التي تختم بقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] عدا آيات كثيرة تحدثت عن تشريعات خاصة، وعن عقوبات بعض الجرائم.
وبحكم صلة المسلمين بغيرهم، وكون تلك الصلة صلة الضعيف بالقوي، الذي يريد أن يفرض سلطانه وفكره بدأ المسلمون يعيشون حياة مزدوجة فهم مسلمون عبادة وعقيدة، مبتعدون عن الإسلام حكمًا ونظام حياة، فكان لا بد أن يعالج المفسرون هذه المسألة، لذا نراها شغلت كثيرين منهم، حتى قبل النهضة التفسيرية الحديثة، ومثار هذا الجدل ليس حول ما جد من الأحكام فحسب، بل حول أصل الحكم وحكم تاركه. فإذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فهل هذا في شأن أهل الكتاب ولا يصدق إلا عليهم، أم هو في شأنهم ويصدق على المسلمين؟ أم هو عام يدخل فيه أول ما يدخل هذه الأمة؟ وإذا كان كذلك فهل هو الكفر الذي يخرج عن الملة؟ أم هو دون ذلك؟ كل هذه بحثها المفسرون حتى قدماؤهم ولا بد هنا من أن نستعرض بعض الآراء في ذلك، لنرى العناية بتلك المسألة من جهة، وكيف تطور البحث فيها من جهة أخرى.
стр. 511
ما أورده الألوسي:
ولقد تيسر لي أن أطلع على كلام في هذا الموضوع في (روح المعاني) من الخير أن أورد بعض الفقرات منه، وذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] من سورة المجادلة، حيث يفسرها القاضي ناصر الدين البيضاوي بقوله: (يضعون أو يختارون حدودًا غير حدود الله تعالى ورسوله ﷺ ) فيقول صاحب روح المعاني (قال المولى شيخ الإسلام سعد الله جلبي: وعلى هذا ففيه وعيد عظيم للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا أمورًا خلاف ما حده الشرع وسموها (اليسا والقانون)، والله تعالى المستعان على ما يصفون، وقال شهاب الدين الخفاجي بعد نقله وقد صنف العارف بالله الشيخ بهاء الدين قدس الله تعالى روحه، رسالة في كفر من يقول: يعمل بالقانون والشرع إذا قابل بينهما، وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقد وصل الدين إلى مرتبة الكمال فلا يقبل التكميل. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ولكن أين من يعقل؟ (وليتني رأيت هذه الرسالة، ووقفت على ما فيها فإن إطلاق القول بالكفر مشكل عندي. نعم لا شك في كفر من يستحسن القانون، ويفضله على الشرع، ويقول هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميز غيظًا ويتقصف غضبًا، إذا قيل له في أمر: أمر الشرع فيه كذا، كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم. وهذا القانون الذي ذكروه، قد نقصت منه اليوم أمور، وزيدت فيه أمور، وسمى بالأصول). ثم يبين صاحب روح المعاني (أن ما جاء في هذه القوانين من المسائل الحربية والإدارية، كتنظيم الجيوش وجزاء بعض الجنايات، مما لم يرد به نص، فلا بأس أن نجتهد فيه. أما ما ورد فيه نص كالحدود والمعاملات والعقود وحقوق بيت المال، فإن مخالفة الشرع فيه كفر، ويصدق عليه قول البيضاوي. وقصارى القول أن ما خالف الشرع مردود كائنًا ما كان).
стр. 512
رأي صاحب المنار:
فإذا تركنا صاحب روح المعاني إلى المحدثين من المفسرين، وجدناهم يعطون هذه المسألة حظًّا من البحث. فها هو صاحب المنار يعقد فصلًا خاصًّا، عند تفسير آيات الحكم في سورة المائدة، ينقل فيه آراء العلماء وأقوال المفسرين، ثم يقرر ما يلي (١):
أ- أن عبارة الآيات عامة، وأنه إذا كان الإعراض عن الحكم بما أنزل الله ناشئًا عن استباحته، وعدم الإذعان له، وتفضيل غيره عليه، فإن المراد بالكفر في الآية الكفر الأكبر، وكذلك الظلم والفسوق.
ب- أن الذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام، من غير تأويل يعتقدون صحته، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله، فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا، غير مذعن له لاستباحته إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه، فهو كافر قطعًا ومن لم يحكم به لعلة أخرى، فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق، أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط، إذ لفظ الفسق أعم هذه الألفاظ. فأكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس. وحكم الله العام المطلق الشامل لما ورد فيه النص، وبغيره مما يعلم بالاجتهاد والاستدلال، هو العدل، فحيثما وجد العدل فهناك حكم الله.
ج- يبيح للمسلم المستخدم عند الإنجليز، أن يحكم بالقوانين الإنجليزية، وذلك في الإجابة على استفتاء وجهه مفتي البنجاب في الهند للشيخ محمد عبده الذي أحاله إليه. يقول الشيخ رشيد في فتواه: (إن الأحكام المنزلة من الله تعالى، منها ما يتعلق بالدين نفسه، كأحكام العبادات وما في معناها،
стр. 513
كالنكاح والطلاق، وهي لا تحل مخالفتها بحال، ومنها ما يتعلق بأمر الدنيا كالعقوبات والحدود والمعاملات المدنية، والمنزل من الله تعالى في هذه قليل، وأكثرها موكول إلى الاجتهاد. وأهم المنزل وآكده الحدود في العقوبات، وسائر العقوبات تعزير مفوض إلى اجتهاد الحاكم، والربا في الأحكام المدنية. وقد ورد في السنة النهي عن إقامة الحدود في أرض العدو، وأجاز بعض الأئمة الربا فيها، بل مذهب أبي حنيفة أن جميع العقود الفاسدة جائزة في دار الحرب). ثم يورد أقوال العلماء في مسألة إقامة الحدود في دار الحرب. ويختم فتواه بقوله: (فعلم مما تقدم، أن الأحكام القضائية التي أنزلها الله تعالى قليلة جدًّا، وقد علمت ما قيل في إقامتها في دار الحرب لا سيما عند الحنفية. فإذا كانت الحدود لا تقام هنا، فقد عادت أحكام العقوبات كلها إلى التعزير الذي يفوض إلى اجتهاد الحاكم. والأحكام المدنية أولى بذلك لأنها اجتهاد أيضًا، والنصوص القطعية فيها عن الشارع قليلة جدًّا. وإذا رجعت الأحكام هناك إلى الرأي والاجتهاد في تحري العدل والمصلحة وأجزنا للمسلم أن يكون حاكمًا عند الحربي في بلاده لأجل المسلمين، فالذي يظهر أنه لا بأس من الحكم بقانونه لأجل منفعة المسلمين ومصلحتهم. فإن كان ذلك القانون ضارًا بالمسلمين ظالمًا لهم، فليس له أن يحكم به، ولا أن يتولى العمل لواضعه إعانة له.
وجملة القول أن دار الحرب ليست محلًا لإقامة أحكام الإسلام، ولذلك تجب الهجرة منها إلا لعذر أو مصلحة للمسلمين، يؤمن معها من الفتنة في الدين. وعلى من أقام أن يخدم المسلمين بقدر طاقته، ويقوي أحكام الإسلام بقدر استطاعته، ولا وسيلة لتقوية نفوذ الإسلام وحفظ مصلحة المسلمين، مثل أعمال الحكومة، ولا سيما إذا كانت الحكومة متساهلة قريبة من العدل، بين جميع الأمم والملل كالحكومة الإنجليزية).
стр. 514
مناقشتنا للشيخ رشيد:
ولا بد من إيراد بعض الملحوظات هنا على هذه الأقوال:
أ- في رأيي أنه لا داعي لهذا القيد الذي جاء في الفقرة الثانية، وهو قوله (من غير تأويل يعتقدون صحته)، إذ بهذا تعطل كثير من الحدود والأحكام الأخرى بحجة التأويل. فلقائل أن يقول: إن السارق من تعود السرقة، والزاني من تعود الزنا، والقاذف من تعود القذف، وإن أكل الربا محرم فقط إذا كان أضعافًا مضاعفة، ومثل هذا كثير. والحق أن كل تأويل يخالف اللغة والمأثور، ويعارض صاحبه الجمهور، لا ينبغي أن يكون له مكان بين الآراء، ولا لقائله مكانة بين العلماء.
ب- لا يمكن أن يتصور مسلم، فضلًا على عالم، أنه يمكن أن تتحقق عدالة أو مساواة في ترك الحكم بما أنزل الله، كما يفهم مع كل أسف من عبارته.
ج- كان أحرى بصاحب المنار أن يقول (حيثما وجد حكم الله وجد العدل).
د- نعجب من صاحب المنار، كيف قسم الأحكام الشرعية إلى ما يتعلق بالعبادات والنكاح، فلا يجوز التساهل به، وما يتعلق بالحدود والعقوبات والأحكام المدنية، وهذا لا مانع من التساهل فيه، وبخاصة أن ما ورد منه في القرآن قليل. ونحن نعتقد أن الإسلام كل لا يتجزأ أبدًا، وأن ما ورد في الكتاب والسنة من الأحكام ليس قليلًا إلى هذه الدرجة التي يوحي بها قول المؤلف. وعلى فرض قلته حتى لو كان حكمًا واحدًا، لا يجوز التساهل فيه فضلًا على تركه ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
هـ - وعفا الله عن الشيخ رشيد ومن على شاكلته، فلقد كانوا يحسنون الظن بالإنجليز ويصفونهم بالعدل وبأن قانونهم قريب من الشريعة الإسلامية، مع
стр. 515
أن البلاء الذي حل بالمسلمين ولا يزال، إنما يرجع لتخطيطهم ومكرهم، وحقدهم على الإسلام وأهله، وها هو موقف (طوني بلير) رئيس وزرائهم يتفجر حقدًا وغيظًا، لا على المسلمين فحسب، بل على الإسلام كذلك.
آراء بعض الكتَّاب:
وبعد صاحب المنار أخذت هذه المسألة دورًا كبيرًا من البحث، بين لين وشدة وبين تساهل وتسامح والتزام بالمنهج القرآني، وأهم من ركز على تلك المسألة صاحب ظلال القرآن، وكما عني المفسرون بهذه المسألة عني العلماء والكتاب كذلك. فظهرت مؤلفات وكتب ومقالات، وكان كل كاتب ينتصر لرأيه حسب المؤثرات التي تؤثر عليه.
ما ذهب إليه الباقوري:
وأمامي مقال لوزير الأوقاف الأسبق، الشيخ أحمد حسن الباقوري، يقول فيه (إن هذه الآيات، لا يمكن أن يكون المقصود بها جماعة من المسلمين، لأن المسلم ما دام يشهد أن الله خالق هذا الكون، وأن القرآن كلام الله وأن محمدًا رسول الله، فلا يخرجه بعد ذلك من الإسلام شيء، إلا إذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، فإذا لم يعمل المسلم ببعض تشريعات الإسلام، فغاية ما يمكن الحكم عليه، هو أنه مذنب، ولا يجوز الحكم عليه بالكفر والخروج من الدين).
ثم قال الشيخ الباقوري: (إن حكام البلاد الإسلامية اليوم، هم في حالة من الضرورة التي تبيح بعض المحظور، على أن يرتقبوا الوقت المناسب، حين تكون للأمة قوة تحمى بها تقاليدها وشرائعها ومدنيتها. والإسلام نفسه سلك هذا المسلك، فعمل أولًا على تكوين عقيدة الأمة ثم على تكوين شريعتها. والقرآن مكيه ومدنيه يؤيد ذلك).
وأرى أنه لا عذر للأمة حكامًا ومحكومين في ترك شيء من الشريعة، والابتعاد
стр. 516
عن تحكيم هذا الدين الذي أكمله الله وأتم به نعمته على هذه الأمة، وما دامت الأمة معرضة عن ذكر الله فإن لها معيشة ضنكًا جزاءً وفاقًا.
٢ - موقف المسلمين من غيرهم:
كان لصلة المسلمين بغيرهم أثر في التفاسير الحديثة، وتلك مسألة حري بها أن تبحث. فما هي طبيعة العلاقات بين هذه الأمة والأمم الأخرى.
في القرآن آيات كثيرة تنهى عن موالاة الكافرين مثل آية آل عمران ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وآية المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] وغيرها كآية الممتحنة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]. وهناك آيات أخرى تأمر بالبر والتسامح مع فريق من أهل الكتاب كآيات سورة الممتحنة.
ولقد كانت هذه الآيات مثار جدل بين العلماء، فصاحب المنار يخطيء بعض المفسرين -الزمخشري والبيضاوي- الذين يعدون الولاية، ولاية مودة وحسن معاملة، واستخدام أهل الكتاب ولا يرى بأسًا في ذلك كله ما داموا غير محاربين. ولهذا عدّ الأفغانيين جهلة متعصبين، حينما ثاروا على أميرهم لأنه خالط الإنجليز، وتزيا بزيهم. ولكن صاحب الظلال يرى أن الولاية ولاية تعاون وتناصر، وأنه ينبغي أن نفرق بين الولاية وبين التسامح الذي يكون للذين في بلاد المسلمين، وفي المسائل الشخصية، وليس في التصور الاعتقادي أو النظام الاجتماعي. فأهل الكتاب هم الذين قالوا عن المشركين ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]. وهم الذين أثاروا الحرب الصليبية، وهم الذين ارتكبوا الفظائع في الأندلس، وشردوا المسلمين في فلسطين، وهم يتعاونون مع الوثنيين والملحدين، حينما يكون الحرب ضد الإسلام، وأنه لا تجوز الاستعانة بهم إلا لضرورة، حين يتعذر وجود مسلم يقوم بنفس العمل.
стр. 517
والحق أن من آثار هذا القرآن وجهد مفسريه وعلمائه هذه الانتفاضات الجهادية ومقاومة الدول الاستعمارية في أنحاء العالم الإسلامي على أن هناك مسائل كان لا بد أن يعرض لها المفسرون والمحدثون، وبخاصة قريبي العهد بأحداث المسلمين السياسية، وذلك كالصلح مع اليهود وما يسمونه حلًا سلميًا وليس كذلك. ولقد رأينا ممن يعدون أنفسهم من كبار العلماء في بلد من بلاد المواجهة، من يجمع الوعاظ يومًا، ليقول لهم بأنه لا مانع من الصلح مع اليهود، مستدلًا بصلح الحديبية، فهذه إذًا مسائل حساسة، حري بدارسي القرآن وحملة رايته، أن لا يهملوها ولا يغفلوها، فالمسلمون اليوم يتخبطون وراء سياسات متعددة المناحي مختلفة المشارب.
وإنه -ويعلم الله- لمما يدمي القلب ويملأ النفس حسرات موقف أكثر علماء المسلمين وبخاصة ذوي المسؤولية منهم، مما يعانيه العالم الإسلامي اليوم فهذه الدول الاستعمارية، وبخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وهي العريقة في إيذاء المسلمين، وكل ما يعانيه المسلمون اليوم من ويلات إنما كان بفعلها وتخطيطها، والذين يتسلمون ذروة القيادة في العالم الإسلامي والدول الإسلامية لا زالوا يتقربون إلى هاتين الدولتين، ويقدمون لهما فروض الطاعة والولاء، ولا نكاد نسمع صوتًا يرتفع لبيان حكم الله ﵎، أفليس من أعظم المصائب التي تقصم الظهر أن يبتعد من هم في قمة المسؤولية من علماء المسلمين عن واجبهم الذي كلفهم الله به، وحذرهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم من السكوت عنه، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، أفيحق لدولة مسلمة أن تدّعي صداقة أمريكا وغيرها، وأن يسلموهم زمامهم، وآي القرآن صريحة لمن كان له قلب والله تعالى يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] وهل
стр. 518
نجد عُتوًا وعنتًا وحقدًا أكثر من هذا الحقد الذي نجده من إدارة البيت الأبيض الذي نسأل الله أن يجلله بالسواد، وصنيعته بريطانيا، وعلماء المسلمين في إغفاءة عميقة:
شعوبك في شرق البلاد وغربها ... كأصحاب كهف في عميق سبات
بأيمانهم نوران: ذكر وسنة ... فما بالهم في حالك الظلمات (١)
وهذه الإذاعات -وما أكثرها- تفتح (استوديوهاتها) للمتحدثين باسم الإسلام لكنها أحاديث بعيدة عن واقع المسلمين، أليس مما يملأ النفس حسرة وأسفًا أن نجد شرائح كثيرة من شرائح الشعب -فنانين وغيرهم- يتحدثون عن هذا الواقع المرّ، ولكن لا تسمع صوت العلماء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن يبينوا للناس أمر هذا الدين ولا يكتمونه، واشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، فبئس ما يشترون؟ ألست هذه نهاية الظلم، ونرجو أن تكون كذلك، ظلم الذين يسكتون عن الحق، ويشغلون الأمة بما لا طائل تحته كأنما الدين شيء بعيد كل البعد عن الحياة، فليتق الله هؤلاء وأولئك، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
٣ - وحدة هذه الأمة:
بقيت مسألة من المسائل التي كان لها أثر في التفسير الحديث، وأعني بها مسألة وحدة الأمة المسلمة. وفي القرآن آيات كثيرة تؤكد أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وأن هذه الأمة أمة واحدة. وتحذر من الاختلاف والتفرق، وترشد إلى أسباب كل من الوحدة والتفرق. لنأخذ بالأولى ونذر الثانية. وكان طبيعية أن يعرض المفسرون لهذا الأمر. ولعل تلك المحاولات التي برزت في مظاهر متعددة كالجامعة الإسلامية والمؤتمرات الإسلامية، كانت صدى لتلك الصرخات المدوية ممن حملوا كتاب الله. فجنسية المسلم، إنما هي عقيدته، وأن لا إله إلا الله هي البطاقة
стр. 519
أو جواز المرور، الذي يمكن المسلم من التجول والإقامة في أي بلد للإسلام شاء.
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا ... الشام فيه ووادي النيل سيان
وحيثما ذكر اسم الله في بلد ... عددت أرجاءه من لب أوطاني
لقد كان من الممكن أن تفضي تلك الجهود، إلى نتائج لا بأس بها، في جمع شمل المسلمين، ولم شعثهم وتوحيد صفهم، واستقامة أمرهم، لولا موانع وحوائل ترجع فيما ترجع إلى ضغوط من أعداء المسلمين، وضعف العقيدة في نفوس كثير من أبنائهم، فاستبدلت بالوحدة الإسلامية أنواع أخر.
وهكذا بدأ المد السياسي للإسلام ينحسر، وينحصر على صفحات الكتب. ولقد أصبحت كلمة الإسلام عند كثيرين، تعني الطائفية والتعصب، حتى لقد استبعدت من كل أشكال الحكم، مع أن عدونا الجاثم فوق أرضنا، والمدنس لمقدساتنا، لم يختر لدولته اسمًا، ولا لمجلس أمته كلمة، إلا ما يشير إلى أصل ديني. فسميت الدولة إسرائيل وسمي مجلسهم الكنيست، وهذه الأحزاب الحاكمة في أوروبا، تفاخر بانتمائها لعقائدها وأديانها، كالديمقراطيين المسيحيين في كثير من البلاد، وكحزب المحافظين الذي جعل أول مادة في دستوره، إيجاد حضارة مسيحية. أما الإسلام وحده فهو الذي يجب أن يعزل عن تلك المجالات. ورحم الله حافظًا:
أمن العدل أنهم يردون الماء صفوًا وأن يكدر وردي
أمن الحق أنهم يطلقون الأسد منهم وأن تقيد أسدي
وللأستاذ دروزة رأي غريب هنا، إذ يزعم أنه ليس في القرآن ما يشير صراحة إلى وحدة الدولة في الإسلام. بل على العكس من ذلك، فيه تلقينات تلمح إلى وجود
стр. 520
دول وحكومات متعددة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وهو استدلال عجيب (١). كما يرى للعرب شأنًا خاصًّا في الدولة وشؤونها السياسية، آخذًا من قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وقوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) وهو كما ترى خروج بالآيات عن مسارها الحقيقي (٣).
والخلاصة أن التشريعات السياسية القرآنية، احتوت قواعد متعددة في تنظيم شؤون الحياة للمسلمين، بعضهم ببعض وبغيرهم، وهذه القواعد وإن لقيت عناية من المفسرين بحثًا ومقارنة بغيرها من القوانين، إلا أنها -والحق يقال-، كانت أقل من عنايتهم بالتشريعات الاجتماعية، هذا من ناحية، ولم يكن لها من ناحية ثانية أثر يذكر في واقع المسلمين العملي.
стр. 521
المبحث الرابع تشريعات أخرى عرض لها المفسرون المحدثون:
وهناك تشريعات أخرى عني بها المفسرون، كالتشريعات المالية والحربية وكلها تندرج تحت الاتجاه الفقهي. فمن أهم الموضوعات التي عولجت في التشريعات مسألة الربا، حيث وجهت شبهات من المفتونين بمذاهب الغرب. إلى النظام الاقتصادي في الإسلام. وكان تحريم الربا أهم ما وجه إليه هؤلاء سهامهم. فتصدى العلماء جزاهم الله خيرًا لبيان أفضلية النظام الاقتصادي الإسلامي، ودعوة المسلمين إلى نبذ الأنظمة الأخرى، التي لن تنتج إلا الشقاء والفقر والتسلط كالرأسمالية والشيوعية. فكتب الأستاذ أبو زهرة ﵀ رسالة بعنوان (تحريم الربا نظام اقتصادي) وتطرق الشيخ محمود شلتوت ﵀ لهذه المسألة في تفسيره، كما كتب الأستاذ المودودي كتب (الربا) و (أسس الاقتصاد) و (معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام) وللعلامة الشيخ محمد باقر الصدر ﵀ كتاب (اقتصادنا)، وهو من خير ما كتب في هذا الموضوع وأما التشريعات الحربية، فلصاحب المنار أبحاث في تلك التشريعات، كما عرض لتلك الأبحاث كذلك الشيخ محمود شلتوت، في كتابه (القرآن والقتال) والأستاذ أبو زهرة في مقالات متعددة.
ولا ننسى هنا ما عرض له المفسرون من أحكام حول العبادات، مما جاء في القرآن عرضًا موضوعيًا، تجنبوا فيه الخلافات المذهبية كآيات الصوم والتيمم وغيرهما.
هذه هي أهم أبحاث الاتجاه الفقهي كما عرضها المحدثون.
ونلاحظ هنا أن هذا الاتجاه، لم يتطور كما رأينا ذلك في الاتجاه البياني، إلا في الزمن المتأخر. ولعل من أسباب ذلك قفل باب الاجتهاد، وتسلط أعداء المسلمين عليهم، ومواجهة الإسلام لمشكلات العصر، وعزل التشريع الإسلامي عن أكثر شؤون الحياة.
стр. 522
الفصل الثالث الاتجاه العقدي في التفسير
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ظهور الفرق وأثره في كتب التفسير.
المبحث الثاني: أثر مدرسة الإمام محمد عبده، وميزات الاتجاه العقدي.
المبحث الثالث: نماذج من أقوال المفسرين في هذا الاتجاه.
стр. 523
الاتجاه العقدي في التفسير
تمهيد:
إن من أهم الحقائق التي قصد إليها القرآن، بل أهمها على الإطلاق بناء العقيدة الصحيحة في النفوس، محل العقائد التي سيطرت على أجواء القلوب والعقول، لا فرق في ذلك بين عقائد الوثنيين وأهل الكتاب.
وإذا كانت العقيدة من أهم ما ركز عليه القرآن، بل كانت فعلًا أهم مسألة أراد تثبيت دعائمها، كما نرى ذلك في آيات القرآن المكي ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤ - ٥]. حتى المدني منه الذي عني بالتشريع والأحكام، لم يخل في أكثر المواضع من لفت لتلك العقيدة:
والرسول الذي أُعطي جوامع الكلم عليه وآله الصلاة والسلام، كان كل همه أن يؤمن قومه. حتى لقد كان عدم إيمانهم يشق عليه ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] وها هو الرسول يتلو عليهم القرآن، ليبشر به المتقين وينذر به قومًا لدا، يخاطب عواطف القوم وعقولهم (قولوا كلمة واحدة فإذا قلتموها دانت لكم العرب، وأدت لكم العجم الجزية، قولوا: لا إله إلا الله) (١).
ويقول ﷺ : (إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا، ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ولتجزون بالسوء سوءًا وبالإحسان إحسانًا. وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا) (٢). وألقى القوم الشبهات، وطلبوا المقترحات، وعاندوا وكابروا، والقرآن يتدرج معهم، دليلًا، بعد دليل، يكر على شبهاتهم ليأتي عليها من القواعد، إلى أن ثبت الله دينه في النفوس ومكن له في الأرض.
стр. 524
المبحث الأول ظهور الفرق وأثره في كتب التفسير
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، يفهمون آيات العقيدة دون تمحل أو تكلف، ذلك أن توجيهات القرآن كانت شعلة تتوقد في نفوسهم، تضيء لهم طريق الحياة وتنقذهم من كل حيرة ووهم. ولقد كانوا يندفعون بتلك العقيدة اندفاع الماء المتدفق، لتحيا به الأرض أو يسقاه الناس، أو اندفاع السهم من راميه ليصيب محازم الباطل. واستمر الأمر هكذا إلى أن ظهرت في البيئة الإسلامية فرق ومذاهب، وغدا كثير من الناس أحزاب متناحرة بالدليل تارة، وبالسيف تارة أخرى. ولجأت كل فرقة للقرآن تأخذ ما تؤيد به ما ذهبت إليه، وكثيرًا ما كانت تتكلف لذلك وتتعسف. وكان طبيعيًا أن يؤثر ذلك، وأن تنعقل عدواه إلى كتب التفسير. وهذا الذي كان وإذ بهذه الكتب كأنما هي ساحات واسعة ورحاب فسيحة تحتدم فيها المعارك الجدلية والآراء المختلفة.
ومما سعر تلك الحرب وأذكى نارها، وزاد أوارها، احتلال الفلسفات مكانة في البيئة الإسلامية وذلك كله يدركه لأول وهلة من يقرأ في تلك الكتب. فما على الإنسان مثلًا إلا أن يقرأ تفسير آية في مفاتح الغيب للإمام الرازي أو من كشاف الزمخشري ومن نقلوا عنه، كالبيضاوي وغيره، أو علقوا عليه كابن المنير أو الطيبي، ومن جاء بعد هؤلاء فإنه يواجه ذلك التشاحن، أو ذلك الترف العقلي في تفسير كثير من الآيات، بين الأشاعرة والشيعة، أو السلف وغيرهم من الفرق. وأكثر ما يكون هذا بين الأشاعرة والمعتزلة، فمن أبحاث الصفات إلى أفعال العباد، ومعنى الهداية والإضلال، والحسن والقبح، ووجوب شيء على الله أو عدم وجوبه، إلى بحث الرؤية وغيرها من المسائل الكثيرة. واستمر هذا ديدن المفسرين على اختلاف اتجاهات في التفسير، إلى زمن متأخر أدركه صاحب روح المعاني، فأدلى بدلوه كذلك.
стр. 525
المبحث الثاني أثر مدرسة الإمام محمد عبده، وميزات الاتجاه العقدي
أثر مدرسة الإمام في هذا الاتجاه:
وكان لا بد من انتفاضة تتغير فيها أوضاع، ويترك فيها الطابع التقليدي المعروف، فكانت تلك الانتفاضة التي بدأت من عصر الأستاذ الإمام، ليسلك التفسير نهجًا آخر في جميع اتجاهاته، ومنها الاتجاه العقدي. فلقد جاء الشيخ محمد عبده فكتب في التوحيد، وكتب في التفسير. كانت كتابته في كلا الموضوعين ذات طابع يختلف عما عرف أسلوبًا، ومضمونًا فلم يغرق القارئ في بحر لجي تتقاذفه أمواج الاختلاف والتشاد المذهبي- مبينًا خصائص العقيدة كما وضحها القرآن، قبل أن تختلط وتمتزج بالآراء الفلسفية الغربية عن بيئة القرآن وأهله، واستمر المفسرون على هذا المنوال.
مميزات الاتجاه العقدي في التفسير:
ولكن ما هي أهم مميزات الاتجاه العقدي في التفسير. هذا ما سأعرض له بإيجاز مستمدًا من الله التوفيق والعون.
١ - التركيز على أن الإسلام دين العقل:
يختلف مفهوم العقيدة عند الغربيين عنه عند علماء المسلمين، فبينما يرى كثير من فلاسفة الغرب وعلمائه أن العقيدة لا ترتكز على العقل، وليس للإرادة فيها دخل، وإنما هي شيء يرتكز في اللا شعور، كما يرى ذلك جوستاف لوبون. ومن كلمات (كنت): (اضطررت أن أوقف المعرفة لأدخل لقلبي شيئًا من الإيمان) فالمعرفة والإيمان إذًا أمران متضادان، إذن تقوم المعرفة على أساس من العقل، وليس كذلك الإيمان).
أما العقيدة عند المسلمين، فهي ما يرتكز على العقل والوجدان معًا.
стр. 526
ولقد عرفوها بأنها: الجزم المطابق للواقع عن دليل. من هنا حرص المفسرون المحدثون على إبراز تلك الميزة للعقيدة، فهم لا يألون جهدًا كلما سنحت فرصة، أن يبينوا أن الإسلام دين العقل، الذي لا يتناقض مع مسلماته، ولا يختلف مع مقدماته ونتائجه حتى لقد بالغ بعضهم في ذلك، فكان من جملة المآخذ عليه، كما سيظهر ذلك عند الحديث عن منهج الإمام في التفسير إن شاء الله.
٢ - عدم التعقيد وسهولة العرض ويسره:
وتلك هي في الحقيقة سنة القرآن، وطريقته وهو يعرض أمور العقيدة. لقد ذكر القرآن الألوهية والبعث وأخبار الأنبياء، وكان في ذلك كله داني القطوف سهل المسلك ميسر المعنى، فعرض قضية الوجود في ذكره لصحائف الكون، كأنما هي لوحة فنية تأخذ بالألباب. والرائع في ذلك أن الصحائف الكونية التي عرضها القرآن، ليست وليدة البيئة التي نزل فيها، ولا هي مما عرفته تلك البيئة فحسب كأطلال الشعراء ورسوم الديار والوحوش والفيافي، مما تحدث عنه الشعراء، بل كان عرض القرآن وحديثه شاملًا لهذا الكون كله، بما فيه من طبقات علوية ويابسة وماء. كل هذه المشاهد جاءت أدلة على عظمة الخالق ووحدانيته وقدرته (١).
وهذه أدلة البعث كما عرضها القرآن تخاطب العقل والعاطفة معًا، فتقنع العقل وتلهب العواطف والمشاعر ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ
стр. 527
مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. وكما ورد في آخر سورة يس وفي سورة الأعراف.
والملاحظ في هذه الأدلة القرآنية لإثبات العقيدة أنها ليست جافة تجريدية، وإنما هي كلها مما له صلة بهذا الإنسان، بل هي من أعظم النعم عليه. وإذا أردنا أن ندرك بوضوح مدى الفرق بين تلك الأدلة وأدلة المتكلمين فما علينا إلا أن نقرأ كتابًا كمواقف العضد، أو مقاصد السعد، أو طوالع البيضاوي أو مفاتح الرازي، فإننا سنجد الفرق الهائل بين كلا النوعين من الأدلة. فهذا ابن رشد في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة) (١) بعد أن يستعرض طرق البحث في إثبات وجود الله، ويذكر طريقة الحشوية التي تعتمد على السمع، وطريقة المتصوفة التي تعتمد على الإشراق، وطريقة الأشاعرة والمعتزلة التي تعتمد على العقل المجرد، يرد هذه الطرق ويقول: (إن خير طريقة هي الطريقة التي اتبعها القرآن، من حيث نبه إلى وجود أشياء لم تكن، وإلى الإبداع والتناسق بين الأشياء. فمن القسم الأول يمكن أن نكون دليلًا نسميه (دليل الاختراع)، ومن الثاني دليلًا نسميه (دليل العناية) والقرآن إذ يوجه العقول لكيفية الاستفادة من تلك الأدلة يحذرها من الخرافة والظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، والتقليد الذي يحول بينها وبين الوصول إلى الحق.
ولقد رأينا المفسرين المحدثين، يحرصون على المنهج القرآني، في عرض مسائل العقيدة، ويتجنبون المناهج الأخرى، فينحون باللائمة على علماء الكلام، وعلى المفسرين الذين سلكوا في تفاسيرهم مسالك المتكلمين ولست بصدد مناقشة هذه القضية.
стр. 528
وظهر هذا جليًّا في أكثر التفاسير ابتداءً من تفسير الإمام إلى تفسير الظلال. فلم يعد فيها تلك الأقيسة الاقترانية والاستثنائية، وتلك الأدلة والمسائل التي ترجع فيما ترجع لتعقيدات الفلسفة وأحاجيها وألغازها.
٣ - الرد على الشبهات والافتراءات:
أصيب الإسلام في هذا العصر بنكبات كثيرة، اجتمعت عليه، من أقطار الدنيا المختلفة شرقها وغربها. ولقد كان أعداء الإسلام يسلكون طريقًا، خططوا له ما وسعهم التخطيط، ودبروا وبيتوا ما أمكنهم ذلك. فحاولوا أولًا أن يحولوا بين المسلم وبين سلوكه القويم في عبادته وحياته كلها. فلما كان لهم ما أرادوه، انتقلوا نقلة أخرى وهي زعزعة عقيدته، وإحلال الشبهات والأفكار الغريبة مكان تلك العقيدة، ليتنكر المسلم لدينه، ومن المؤلم أن الكتل الكبرى في هذا العالم وهي -الكاثوليك والبروتستانت والشيوعية واليهودية والوثنية- هذه الخمس على اختلافها، وعلى ما بينها من بغضاء وشحناء، تعمل جاهدة لمحو معالم الإسلام عن ظهر هذه الأرض، ولكن بعد محوها من قلوب المسلمين لذلك كان لزامًا على مفسري القرآن في هذا العصر أن يشمروا عن سواعدهم، ويدفعوا بكل ما عندهم من طاقة وقوة، أمدهم بهما القرآن، الذي لا ينضب معينه، من أحل القضاء على هذه الشبهات، ورد تلك المطاعن، والحيلولة بينها وبين التسرب إلى قلوب المسلمين، فليس غريبًا أن نراهم يلاحقون هؤلاء المضللين والمضللين، فيردوا على هؤلاء الذين أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم.
فها هو صاحب المنار مثلًا يرد على منكري الوحي، ومثيري الشبهات حول نبوة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وحول ما في القرآن من أحكام وقيم. كما يرد على الفرق التي غذاها الاستعمار كالقاديانية والبهائية.
وهذا هو صاحب الظلال يرد نظرية دارون في خلق الإنسان، ونظرية فرويد الذي يزعم أن الانسان يتمرغ في أوحال الجنس ويرجع الظواهر الإنسانية كلها إلى هذا.
стр. 529
كما يرد نظرة الشيوعية للإنسان، ونظرات الغربيين المختلفة التي أراد المسلمون أن يقتبسوها عنهم.
وهذا هو الأستاذ أحمد مظهر العظمة يرد الشبهات التي أثارها الشيوعيون حول الساعة وغيرها من الأمور.
ولا ننسى أن الأستاذ الإمام محمد عبده ﵀ قبل هؤلاء جميعًا، رد كثيرًا من تلك الشبهات والمطاعن. سواء أكانت من الغربيين كوزير خارجية فرنسا، أم من العرب غير المسلمين كفرح أنطون، وكتابه (الإسلام والنصرانية) خير شاهد على ذلك.
وبعد فلقد كان كل مفسر يرد كل ما صادفه في طريقه، ومع ذلك كله فلقد كانت المؤثرات قوية عنيفة على الشباب المسلم، ذلك لأن لتلك المؤثرات دولًا من ورائها. وما الشيوعية والوجودية والماسونية والصهيونية، إلا حلقات ومظاهر لتلك المؤثرات. والأمر جد خطير. وليس من مخرج إلا هذا القرآن، تُوضَّح حججُه، لتزيل ما يحيك في الصدور من تلك اللجج ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. لقد بذل المفسرون من الجهد ما استطاعوا ولكن أعداءنا يعرضون هذه الشبهات كل يوم في أثواب جديدة، مع أنها هي هي في جوهرها حتى من أيام (يوحنا الدمشقي). وهذه ميزة من أعظم الميزات التي تميز بها الاتجاه العقدي في التفسير.
٤ - تضييق نطاق الخلافات الداخلية:
تمتلئ كتب التفسير القديمة بالخلافات بين المعتزلة وأهل السنة وغير هؤلاء وأولئك، من أصحاب المذاهب والفرق الإسلامية. ولقد تلاشت هذه أو كادت ولكن شيئًا واحدًا رأينا له أثره على المحدثين، وهو خلاف بعض الفرق، وبخاصة في آيات الصفات، وما يتصل بها من الموضوعات الأخرى.
стр. 530
إن كثيرًا من مفسري العصر الحديث، يؤكدون سلفيتهم في تفسير القرآن، ولذا تجدهم يظهرون ذلك في تفاسيرهم، كما فعل صاحب المنار، ولعل هذه المسألة هي من أهم المسائل التي عولجت بعنف وشدة من كلا الطرفين. فهؤلاء يتهمون أولئك بالتجسيم، وأولئك يصفونهم بأنهم جهمية معطلة. ووصل التراشق بين الفريقين إلى ما هو أبعد من ذلك. فهذا عالم، ممن يشهد لهم، بالعلم والصلاح، وهو الشيخ محمود السبكي ﵀ يؤلف كتابًا خاصًّا في تلك المسألة (اتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات) ردًّا على سؤال تلقاه (ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله له جهة، وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص، ويقول ذلك هو عقيدة السلف، ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد .. أهذا صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلًا أيكفر ذلك القائل ... وما قولكم فيما يقوله بعض الناس من أن القول: نفى الجهات الست عن الله تعالى باطل، لأنه يلزم عليه نفي وجود الله تعالى؟ أفيدونا مأجورين مع بيان مذهب السلف والخلف في مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)، وحديث الجارية (١). ويجيب الشيخ ﵀ منكرًا على هؤلاء مبينًا مذهب السلف والخلف، وينقل إجابات على مثل هذا السؤال لبعض علماء الأزهر، كالعلآمة الشيخ محمد بخيت المطيعي ﵀ مفتي الديار المصرية، والشيخ اللبان وغيرهما، ولا يكتفي بذلك بل يأتي لكل آية من آيات الصفات، كالاستواء واليد والوجه والفوقية والذهاب والمجيء والنزول، وما ورد في الأحاديث من ذكر القدم والرجل ويأتي بأقوال المفسرين في كل صفة ابتداءً من ابن جرير، فمرورًا بابن الجوزي السلفي، ثم الرازي المتكلم إلى الشيخ محمد عبده.