ولقد عرفوها بأنها: الجزم المطابق للواقع عن دليل. من هنا حرص المفسرون المحدثون على إبراز تلك الميزة للعقيدة، فهم لا يألون جهدًا كلما سنحت فرصة، أن يبينوا أن الإسلام دين العقل، الذي لا يتناقض مع مسلماته، ولا يختلف مع مقدماته ونتائجه حتى لقد بالغ بعضهم في ذلك، فكان من جملة المآخذ عليه، كما سيظهر ذلك عند الحديث عن منهج الإمام في التفسير إن شاء الله.
٢ - عدم التعقيد وسهولة العرض ويسره:
وتلك هي في الحقيقة سنة القرآن، وطريقته وهو يعرض أمور العقيدة. لقد ذكر القرآن الألوهية والبعث وأخبار الأنبياء، وكان في ذلك كله داني القطوف سهل المسلك ميسر المعنى، فعرض قضية الوجود في ذكره لصحائف الكون، كأنما هي لوحة فنية تأخذ بالألباب. والرائع في ذلك أن الصحائف الكونية التي عرضها القرآن، ليست وليدة البيئة التي نزل فيها، ولا هي مما عرفته تلك البيئة فحسب كأطلال الشعراء ورسوم الديار والوحوش والفيافي، مما تحدث عنه الشعراء، بل كان عرض القرآن وحديثه شاملًا لهذا الكون كله، بما فيه من طبقات علوية ويابسة وماء. كل هذه المشاهد جاءت أدلة على عظمة الخالق ووحدانيته وقدرته (١).
وهذه أدلة البعث كما عرضها القرآن تخاطب العقل والعاطفة معًا، فتقنع العقل وتلهب العواطف والمشاعر ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ
стр. 527
مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. وكما ورد في آخر سورة يس وفي سورة الأعراف.
والملاحظ في هذه الأدلة القرآنية لإثبات العقيدة أنها ليست جافة تجريدية، وإنما هي كلها مما له صلة بهذا الإنسان، بل هي من أعظم النعم عليه. وإذا أردنا أن ندرك بوضوح مدى الفرق بين تلك الأدلة وأدلة المتكلمين فما علينا إلا أن نقرأ كتابًا كمواقف العضد، أو مقاصد السعد، أو طوالع البيضاوي أو مفاتح الرازي، فإننا سنجد الفرق الهائل بين كلا النوعين من الأدلة. فهذا ابن رشد في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة) (١) بعد أن يستعرض طرق البحث في إثبات وجود الله، ويذكر طريقة الحشوية التي تعتمد على السمع، وطريقة المتصوفة التي تعتمد على الإشراق، وطريقة الأشاعرة والمعتزلة التي تعتمد على العقل المجرد، يرد هذه الطرق ويقول: (إن خير طريقة هي الطريقة التي اتبعها القرآن، من حيث نبه إلى وجود أشياء لم تكن، وإلى الإبداع والتناسق بين الأشياء. فمن القسم الأول يمكن أن نكون دليلًا نسميه (دليل الاختراع)، ومن الثاني دليلًا نسميه (دليل العناية) والقرآن إذ يوجه العقول لكيفية الاستفادة من تلك الأدلة يحذرها من الخرافة والظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، والتقليد الذي يحول بينها وبين الوصول إلى الحق.
ولقد رأينا المفسرين المحدثين، يحرصون على المنهج القرآني، في عرض مسائل العقيدة، ويتجنبون المناهج الأخرى، فينحون باللائمة على علماء الكلام، وعلى المفسرين الذين سلكوا في تفاسيرهم مسالك المتكلمين ولست بصدد مناقشة هذه القضية.
стр. 528
وظهر هذا جليًّا في أكثر التفاسير ابتداءً من تفسير الإمام إلى تفسير الظلال. فلم يعد فيها تلك الأقيسة الاقترانية والاستثنائية، وتلك الأدلة والمسائل التي ترجع فيما ترجع لتعقيدات الفلسفة وأحاجيها وألغازها.
٣ - الرد على الشبهات والافتراءات:
أصيب الإسلام في هذا العصر بنكبات كثيرة، اجتمعت عليه، من أقطار الدنيا المختلفة شرقها وغربها. ولقد كان أعداء الإسلام يسلكون طريقًا، خططوا له ما وسعهم التخطيط، ودبروا وبيتوا ما أمكنهم ذلك. فحاولوا أولًا أن يحولوا بين المسلم وبين سلوكه القويم في عبادته وحياته كلها. فلما كان لهم ما أرادوه، انتقلوا نقلة أخرى وهي زعزعة عقيدته، وإحلال الشبهات والأفكار الغريبة مكان تلك العقيدة، ليتنكر المسلم لدينه، ومن المؤلم أن الكتل الكبرى في هذا العالم وهي -الكاثوليك والبروتستانت والشيوعية واليهودية والوثنية- هذه الخمس على اختلافها، وعلى ما بينها من بغضاء وشحناء، تعمل جاهدة لمحو معالم الإسلام عن ظهر هذه الأرض، ولكن بعد محوها من قلوب المسلمين لذلك كان لزامًا على مفسري القرآن في هذا العصر أن يشمروا عن سواعدهم، ويدفعوا بكل ما عندهم من طاقة وقوة، أمدهم بهما القرآن، الذي لا ينضب معينه، من أحل القضاء على هذه الشبهات، ورد تلك المطاعن، والحيلولة بينها وبين التسرب إلى قلوب المسلمين، فليس غريبًا أن نراهم يلاحقون هؤلاء المضللين والمضللين، فيردوا على هؤلاء الذين أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم.
فها هو صاحب المنار مثلًا يرد على منكري الوحي، ومثيري الشبهات حول نبوة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وحول ما في القرآن من أحكام وقيم. كما يرد على الفرق التي غذاها الاستعمار كالقاديانية والبهائية.
وهذا هو صاحب الظلال يرد نظرية دارون في خلق الإنسان، ونظرية فرويد الذي يزعم أن الانسان يتمرغ في أوحال الجنس ويرجع الظواهر الإنسانية كلها إلى هذا.
стр. 529
كما يرد نظرة الشيوعية للإنسان، ونظرات الغربيين المختلفة التي أراد المسلمون أن يقتبسوها عنهم.
وهذا هو الأستاذ أحمد مظهر العظمة يرد الشبهات التي أثارها الشيوعيون حول الساعة وغيرها من الأمور.
ولا ننسى أن الأستاذ الإمام محمد عبده ﵀ قبل هؤلاء جميعًا، رد كثيرًا من تلك الشبهات والمطاعن. سواء أكانت من الغربيين كوزير خارجية فرنسا، أم من العرب غير المسلمين كفرح أنطون، وكتابه (الإسلام والنصرانية) خير شاهد على ذلك.
وبعد فلقد كان كل مفسر يرد كل ما صادفه في طريقه، ومع ذلك كله فلقد كانت المؤثرات قوية عنيفة على الشباب المسلم، ذلك لأن لتلك المؤثرات دولًا من ورائها. وما الشيوعية والوجودية والماسونية والصهيونية، إلا حلقات ومظاهر لتلك المؤثرات. والأمر جد خطير. وليس من مخرج إلا هذا القرآن، تُوضَّح حججُه، لتزيل ما يحيك في الصدور من تلك اللجج ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. لقد بذل المفسرون من الجهد ما استطاعوا ولكن أعداءنا يعرضون هذه الشبهات كل يوم في أثواب جديدة، مع أنها هي هي في جوهرها حتى من أيام (يوحنا الدمشقي). وهذه ميزة من أعظم الميزات التي تميز بها الاتجاه العقدي في التفسير.
٤ - تضييق نطاق الخلافات الداخلية:
تمتلئ كتب التفسير القديمة بالخلافات بين المعتزلة وأهل السنة وغير هؤلاء وأولئك، من أصحاب المذاهب والفرق الإسلامية. ولقد تلاشت هذه أو كادت ولكن شيئًا واحدًا رأينا له أثره على المحدثين، وهو خلاف بعض الفرق، وبخاصة في آيات الصفات، وما يتصل بها من الموضوعات الأخرى.
стр. 530
إن كثيرًا من مفسري العصر الحديث، يؤكدون سلفيتهم في تفسير القرآن، ولذا تجدهم يظهرون ذلك في تفاسيرهم، كما فعل صاحب المنار، ولعل هذه المسألة هي من أهم المسائل التي عولجت بعنف وشدة من كلا الطرفين. فهؤلاء يتهمون أولئك بالتجسيم، وأولئك يصفونهم بأنهم جهمية معطلة. ووصل التراشق بين الفريقين إلى ما هو أبعد من ذلك. فهذا عالم، ممن يشهد لهم، بالعلم والصلاح، وهو الشيخ محمود السبكي ﵀ يؤلف كتابًا خاصًّا في تلك المسألة (اتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات) ردًّا على سؤال تلقاه (ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله له جهة، وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص، ويقول ذلك هو عقيدة السلف، ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد .. أهذا صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلًا أيكفر ذلك القائل ... وما قولكم فيما يقوله بعض الناس من أن القول: نفى الجهات الست عن الله تعالى باطل، لأنه يلزم عليه نفي وجود الله تعالى؟ أفيدونا مأجورين مع بيان مذهب السلف والخلف في مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)، وحديث الجارية (١). ويجيب الشيخ ﵀ منكرًا على هؤلاء مبينًا مذهب السلف والخلف، وينقل إجابات على مثل هذا السؤال لبعض علماء الأزهر، كالعلآمة الشيخ محمد بخيت المطيعي ﵀ مفتي الديار المصرية، والشيخ اللبان وغيرهما، ولا يكتفي بذلك بل يأتي لكل آية من آيات الصفات، كالاستواء واليد والوجه والفوقية والذهاب والمجيء والنزول، وما ورد في الأحاديث من ذكر القدم والرجل ويأتي بأقوال المفسرين في كل صفة ابتداءً من ابن جرير، فمرورًا بابن الجوزي السلفي، ثم الرازي المتكلم إلى الشيخ محمد عبده.
стр. 531
وهذا العمل يعكس لنا بحق وصدق مدى التأثير، الذي كان يسيطر على النفوس في هذه المسألة، ولا زال عند بعض من الناس. وما كان جديرًا بمثل هذه المسائل أن تنال من جهد العلماء وأوقاتهم، وأن تثير فيهم بواعث التعصب وكوامن التشدد، لا لأنها أمور لا تستحق البحث، فاستغفر الله من ذلك، ولكن لأننا إذا جرينا على الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن، وعرفنا أن الصحابة رضوان الله عليهم، لم تثر في نفوسهم تلك الآيات أدنى ريبة وأقل شك ولو وجد لنقل عنهم. ولكنهم فهموا تلك الآيات فهم بيان يتفق مع أساليبهم في الكلام، وطرائقهم في التعبير.
لقد نهى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام عن الجدل في كل ما لا يجدي، ومن ذلك أن يفكر المسلم في ذات الله. ولقد بلغ الرسول في هذا النهي. أقصى مراتب الحكمة، التي يمكن لمخلوق أن يتوصل اليها. فهذه الفلسفة اليونانية حينما سلكت ذلك المسلك، وقعت في حمأة الخيال، وتردت في أوحال الشذوذ. ولعل من الأسباب التي جعلت الغرب يتمرغ في أوحال الإلحاد، ويتنكس تلك النكسات، اقتفاءه الفلسفة اليونانية في أبحاثها، حيث ضلال الطريق. ولعل وصية الرسول الكريم ﵌ بعدم المراء في الدين، كانت الحصن الواقي للمسلمين، ردحًا من الزمن غير قصير، كي يحتفظوا بحرارة العقيدة كامنة في قلوبهم، تمدهم بشعلة الحق وإشعاعات النور. إن كلا الفريقين من العلماء سلفهم وخلفهم، هدفه سياج تلك العقيدة بأسلاك شائكة، حتى لا يحوم حولها مشكك.
٥ - أبراز خصائص العقيدة:
إن مزج العقيدة بركام الفلسفات القديمة وبمعطيات الفكر الحديث، عكر وردها، وشوه كثيرًا من مفهوماتها وتصوراتها. فها هم الفلاسفة قديمًا يحاولون جادين أن يوفقوا بين مسلمات القرآن في العقيدة، ومقررات الفلسفة اليونانية. وهذا هو ابن سينا وقد حاول التوفيق فأخضع مسلمات القرآن المحكمة، لخلط الفلسفة
стр. 532
وخبطها، ولكن لم يحالفه التوفيق في توفيقه. ورحم الله أستاذنا الدكتور حمودة غرابة، الذي بين مواضع الخطأ في تلك العملية، ودعا الله أن يغفر لابن سينا الذي أنكر النعيم الجسماني. وها هم الذين تأثروا بالفكر الغربي الحديث، يحاولون المحاولة القديمة نفسها، فكان لزامًا أن تعرض العقيدة القرآنية عرضًا جديدًا، وأن تبين خصائصها بعيدًا عن ركام الفلسفات ومعطيات الفكر الغربي. وهذا يقتضي جدة في العرض والمنهج معًا. ومن أهم هذه الخصائص للعقيدة أنها:
خصائص العقيدة:
١ - ربانية، فهي تختلف عن عقائد البشر جميعًا، لأنها من وضع الإنسان.
وربانية العقيدة ترتفع بها عن مجال الشك ومواطن الشبهة.
٢ - وهي كذلك عالمية لم تأت لشعب دون شعب ولا لأمة خاصة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
٣ - وهناك خصائص أخرى تنبثق عن هاتين كالثبات. إذ أن هذه العقيدة لا تتطور. بل الذي يتطور هو حياة الناس في ظل تلك العقيدة. وهي تتسع لذلك كله ولا تنثلم ولا تنخرم قاعدة من قواعدها.
٤ - والشمول فهي لم تهمل شيئًا من علاقات الإنسان بخالقه، أو بالكون الذي يعيش فيه، كما أنها لم تهمل أصلًا من أصول الخير التي تربط الإنسان بالماضي السحيق أو المستقبل الآتي.
٥ - ومن خصائص هذه العقيدة كذلك الواقعية فهي لم تكلف العقل البشري ما لا يطيق تصوره، ويستطيع إدراكه، وهي تبتعد به عن مجال الخيال وميادين الخرافة.
٦ - ومن خصائصها الإيجابية: فالله هو الخالق الرازق المدبر لأمر هذا الكون، وإليه يرجع الأمر كله، وليس كما تصوره أرسطو ومن على شاكلته من أنه
стр. 533
صدر عنه هذا العالم صدور المعلول من علته، ثم ترك هذا العالم وشأنه.
ومن هنا انعكست تلك الإيجابية في العقيدة على المسلم، فلا يكون سلبيًا في حياته كلها.
٧ - ومن أهم خصائص تلك العقيدة التوازن. فلم تكن النظرة للإنسان على أنه جسم ترابي أو روح علوي. ولم تخاطب عواطفه وحدها أو عقله فحسب، بل عدته وحدة لا ينبغي أن يطغى فيها عنصر على عنصر، فكانت فريدة في ذلك التوازن. كما أنها وازنت في اعتقاد الإنسان بين مشيئة الله المطلقة وبين ثبات السنن الكونية من جهة، ومشيئة العبد المقيدة من جهة أخرى، إلى غير ذلك من التوازن الدقيق الذي تنفرد به هذه العقيدة.
وبعد، فتلك هي أهم مميزات الاتجاه العقدي في التفسير. وقد رأينا أن العقيدة الإسلامية في نصها وروحها وفي توجيهاتها ومقرراتها، وفي مقدمتها ونتائجها، إنما هدفت في ذلك كله إلى سعادة الإنسان في دنياه وآخرته، وإلى إشعاره بعبوديته لله، وسيادته على هذا الكون، والبعد بالإنسان عن الخرافات والخزعبلات وتلك أهداف لا ريب واسعة، ممتدة الأطراف متعددة الجوانب ومن ثم فهي تستاهل وتستوجب مزيدًا من البحث والتقدير.
стр. 534
المبحث الثالث نماذج من أقوال المفسرين في هذا الاتجاه
ويحسن أن أورد الآن بعض النماذج مما كتبه المفسرون في هذا الاتجاه لتلقي ضوءًا على ما ذكرته آنفًا:
١ - يقول صاحب المنار (١) (الإسلام دين العقل والفكر) تقرأ الكتاب المقدس فلا تجد فيه كلمة (العقل، ولا ما في معناها .. لا لأن هذه المادة لم تذكر في كتب العهدين مطلقًا، بل لأنها لم ترد فيها أساسًا لفهم الدين ودلائله والاعتبار به، ولا أن الخطاب بالدين موجه إليه وقائم به وعليه، وكذلك أسماء التفكر والتدبر والنظر في العالم التي هي من أعظم وظائف العقل. أما ذكر العقل باسمه وأفعاله في القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة، وأما ذكر أولى الألباب أي العقول ففي بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولي النهي .. فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه (٢) .. كذلك آيات النظر العقلي والتفكر كثيرة في الكتاب العزيز، فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين، هم أهل النظر والتفكر والتعقل والتدبر، وأن الغافلين عن الدين يعيشون كالأنعام، لا حظ لهم منه إلا الظواهر التقليدية. التي لا تزكي الأنفس ولا تثقف العقول، ولا تصعد بها في معارج الكمال بعرفان ذي الجلال والجمال .. وقد صرح بعض حكماء الغرب بما لا يختلف فيه عقلان في الأرض، من أن التفكر هو مبدأ ارتقاء البشر وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه. ولقد كانت التقاليد الدينية قد حجرت حرية التفكر، واستقلال العقل على البشر، حتى جاء الإسلام فأبطل في كتابه هذا الحجر وأعتقهم من هذا الرق. وقد تعلم أهل الغرب هذه الحرية من المسلمين
стр. 535
ثم نكس هؤلاء المسلمون على رؤوسهم، فحرموها على أنفسهم إلا قليلًا منهم، حتى عاد بعضهم يقلدون فيها من أخذوها عن أجدادهم. وقد اعترف علماء الغرب لعلماء سلفنا بسبقهم، وإمامتهم لهم فيها، وفي ثمراتها ونقل شيخنا الأستاذ الإمام طائفة من أقوالهم في كتاب (الإسلام والنصرانية).
ويقول عند تفسيره لقول الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
(وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان يكمل التوحيد في الإيمان، وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلًا وأكثرهم جهلًا .. نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي، المفصح عن وجود الله وكماله وجلاله وجماله إلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال، لكن لا يفهمه الذين هم عن السمع معزولون، وللعلم معادون، الواهمون أن معرفة الله تقتبس من الجدليات النظرية والأقيسة المنطمية، دون الدلائل الوجودية الحقيقية. ولو كان زعمهم حقيقة لا وهمًا، لكان الله سبحانه استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر الدور والتسلسل، وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك، والمطر وتأثيره في الحياة وغير ذلك من المخلوقات التي أرشدنا القرآن إلى النظر فيها واستخراج الدلائل والعبر منها.
стр. 536
إلا أنّ لله كتابين -كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلًا وهو القرآن- وإنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك، بما أوتينا من العقل. فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون) (١).
٢ - يقول صاحب الظلال عند تفسيره لمطلع سورة الأنعام: (إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة، إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري، بدليل (الخلق) ودليل (الحياة) ممثلين في الآفاق والأنفس .. ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابًا جدليًا لاهوتيًا أو فلسفيًا، ولكن خطابًا موحيًا موقظًا للفطرة، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء وحركة التدبير والهيمنة، في صورة التقرير لا في صورة الجدل، وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله، ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه.
ووجود السماوات والأرض وتدبيرها وفق هذا النظام الواضح، ونشأة الحياة وحياة الإنسان في قمتها وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه .. كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق. ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله .. والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها تقريرها، وليست هي قضية وجود الله. فلقد كانت المشكلة دائمًا في تاريخ البشرية، هي عدم معرفة الإله الحق بصفاته الحق، ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود الله.
أما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد، فهي مواجهة قوية لا يجد الملحدون إزاءها إلا المماحلة والمغالطة والالتواء. إن وجود هذا الكون ابتداء بهذا النظام الخاص، يستلزم بمنطق الفطرة البديهي، وبمنطق العقل الواعي على السواء أن يكون وراءه خالق مدبر .. فالمسافة بين الوجود والعدم، مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها، إلا بتصور إله ينشيء ويخلق ويوجد هذا الوجود.
стр. 537
والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة، فيريدون ملأها بالمكابرة.
ويقولون إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود .. ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف (الروحية) المدافع عنها في وجه (المادية)، وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين (من المسلمين) واستأنسوا بأقواله لدينهم، كأنما ليؤازروا دين الله بقول عبد من العبيد .. هذا الفيلسوف هو (برجسون) .. اليهودي! إنه يقول: (إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم، وإن فرض الوجود بعد العدم، ناشيء من طبيعة العقل البشري، الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو .. ).
فإلى أي منطق يستند برجسون إذًا في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم؟ إلى العقل؟ إنه لا يدعي هذا. وإن كان يقول، إن حدس المتصوفة كان دائمًا يجد إلهًا، ولا بد أن يصدق هذا الحدس المطرد، (الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو الله إنما هو الحياة) فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه برجسون إذًا في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم؟ لا ندري! .
إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون. لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور، لتعليل مجرد وجود الكون، فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود .. ولكنه وجد محكومًا بنواميس لا تتخلف، محسوبًا فيها كل شيء بمقاييس، قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافًا منها بعد التدبر الطويل؟ .
كذلك نشأة هذه الحياة، والمسافة بينها وبين المادة أيًا كان مدلول المادة، ولو كان هو الإشعاع لا يمكن تعليلها إلا بتصور إله خالق مدبر. يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه، وتسمح بكفالة الحياة أيضًا بعد وجودها.
والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرد الحياة .. وأصله من طين .. أي من مادة هذه الأرض وجنسها ولا بد من إرادة مدبرة تمنحه الحياة، وتمنحة خصائص الإنسان عن قصد واختيار.
стр. 538
وكل المحاولات التي بذلها الملحدون، لتعليل نشأة الحياة باءت بالفشل .. وذلك من جهد مستميت، لملء الفجوة بين المادة الهامدة والحياة النابضة. بقصد الاستغناء عن الإله الذي ينشئ الحياة في الموت) (١).
ويعقد الأستاذ ﵀ فصلًا عن الإيمان بالغيب، عند تفسيره لقول الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٦٠] يقول فيه:
(إن القرآن الكريم .. يقرر أن هناك عالمًا للغيب، وعالمًا للشهادة. فليس كل ما يحيط بالإنسان غيبًا، وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولًا.
إن هناك سننًا ثابتة لهذا الكون، يملك الإنسان أن يعرف منها القدر اللازم له حسب طاقته، وحسب حاجته للقيام بالخلافة في هذه الأرض. وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية، وعلى تسخير قوى الكون، وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة .. والى جانب هذه السنن الثابتة في عمومها، مشيئة الله الطليقة، لا تقيدها السنن وإلا كانت من عملها، وهناك قدر الله الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها، فهي ليست آلية بحتة، فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها، وإن جرت وفق السنن التي أودعها الله إياها. وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها (غيب) لا يعلمه أحد علم يقين، وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون (والاحتمالات) وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضًا. وإن ملايين الملايين من العمليات، لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة، وكلها (غيب) بالقياس إليه، وهي تجري في كيانه. ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله وهو لا يعلمها.
إن العقلية الإسلامية عقلية (غيبية عملية)، لأن (الغيبية) هي (العملية) بشهادة (العلم) والواقع. أما التنكر للغيب فهو (الجهلية) التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة.
стр. 539
إن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون، الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله، وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل .. فلا يفوت المسلم (العلم) البشري في مجاله، ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة، وهي أن هنالك غيبًا لا يطلع عليه أحد إلا من شاء الله بالقدر الذي يشاء.
والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها (الفرد)، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل فمن ذلك الحيز الصغير المحدود، الذي تدركه الحواس -والأجهزة- التي هي امتداد الحواس- وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان. وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة في حياته على الأرض.
لقد كان الإيمان بالغيب، الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمية، ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان -كجماعة الماديين في كل زمان- يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقري إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ويسمون هذا تقدمية وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة هي صفة ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ .. والحمد لله على نعمائه .. والنكسة للمنتكسين والمرتكسين.
والذين يتحدثون عن (الغيبية) و (العلمية)، يتحدثون كذلك عن الحتمية التاريخية، كأن كل المستقبل مستيقن! والعلم في هذا الزمان يقول: إن هناك (احتمالات) وليست هنالك حتميات، ولقد كان ماركس من المتنبئين بالحتميات، ولكن أين نبؤات ماركس اليوم؟ لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في إنجلترا نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي، ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر. فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفًا صناعيًا، في روسيا والصين وما إليها! ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية؟ ولقد تنبأ (لينين) وبعده (ستالين) (١)، بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي، وها هو ذا
стр. 540
خليفتهما (خروشوف)، يحمل راية (التعايش السلمي)! ولا نمضي طويلًا مع هذه الحتميات التنبؤية، فهي لا تستحق جدية المناقشة. إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة. هي حقيقة الغيب وكل ما عداها احتمالات. وإن هناك حتمية واحدة، هي وقوع ما يقضىِ به الله ويجري به قدره. وقدر الله غيب لا يعلمه إلا هو. وأن هنالك مع هذا وذاك سننًا للكون ثابتة يملك الإنسان أن يتعرف اليها، ويستعين بها في خلافة الأرض، مع ترك الباب مفتوحًا لقدر الله النافذ، وغيب الله المجهول، وهذا قوام الأمر كله .. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١).
وعند تفسيره لقول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠، ١١] من سورة الأعراف، يرد على الوجودية والداروينية.
فعند تفسير الآية الأولى، يرد على الوجودية بقوله: (إن مسألة الوجودية الكبرى هي هذا التصور النكد الخبيث .. تصور الوجود الكوني -بل الوجود الجماعي للبشرية ذاتها- معاكسًا في طبيعته الوجود الفردي الإنساني متجهًا بثقله الساحق إلى سحق هذا الوجود الإنساني، إنه تصور بائس لا بد أن ينشئ حالة من الانزواء والانكماش والعدمية، أو ينشئ حالة من الاستهتار والتمرد والفردية. وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني، والبؤس النفسي والعقلي، والشرود في التيه. تيه التمرد أو تيه العدم .. وهما سواء وهي ليست مأساة (الوجودية) وحدها من مذاهب الفكر الأوروبي ... إنها مأساة الفكر الأوروبي كله- بكل مذاهبه
стр. 541
واتجاهاته- بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها. المأساة التي يضع الإسلام حدًّا لها، بعقيدته الشاملة التي تنشيء في الإدراك البشري، تصورًا صحيحًا لهذا الوجود وما وراءه من قوة مدبرة.
إن (الإنسان) هو ابن هذه الأرض، وهو ابن هذا الكون. لقد أنشأه الله من هذه الأرض ومكنه فيها، وجعل فيها أرزاقًا ومعايش ويسر له المعرفة التي تسلم مفاتيحها وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان، تساعده حيث يتعرف إليها على بصيرة وتيسر حياته) (١).
ويرد على الداروينية عند تفسير الآية الثانية يقول:
(وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم ﵇، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء الكائن خصائصه ووظائفه المستقلة، كان مصاحبًا لخلقه. وأن الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقيًا في وجود الإنسان، من تطور الأنواع، حتى انتهت إلى الإنسان كما تقول الداروينية.
ووجود أطوار مترقية من الحيوان تتبع ترتيبًا زمنيًا، بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء، هو مجرد نظرية (ظنية وليست يقينية) لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنًّا! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها، وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها.
على أنه -على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور- ليس هناك ما يمنع من وجود (أنواع) من الحيوان في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض، ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة، بحيث لا تسمح لها بالحياة. ولكن هذا (لا يحتم) أن يكون بعضها (متطورًا) من بعض.
стр. 542
وحفريات داروين وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا. لا تستطيع أن تثبت في يقين مقطوع به -أن هذا النوع تطور تطورًا عضويًا من النوع الذي قبله، من الناحية الزمنية وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها- ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعًا أرقى من النوع الذي قبله زمنيًا .. وهذا يمكن تعليله كما قلنا ..
وعندئذ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة في الزمن، الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع. وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية، وتفرد الإنسان من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيين المحدثين -وفيهم الملحدون بالله كلية- للاعتراف به، دليل مرجح على تفرد النشأة الإنسانية، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي) (١).
الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة:
للأستاذ الشيخ كتيب قيم بعنوان العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم تحدّث فيه عن أركان الوحدانية التي قسمها إلى أقسام ثلاثة:
١ - الوحدانية في الذات وتحدث معها عن وحدانية الصفات.
٢ - الوحدانية في الخلق والتكوين.
٣ - الوحدانية في العبادة.
وسأكتفي ببعض ما ذكره الشيخ عند حديثه عن القسم الأول: "يذكر الشيخ أن المسلمين مقرون أن الله تعالى غير خلقه وهذا أصل يتفق عليه الجميع من غير نكير، ولا اختلاف فيه عند أهل القبلة، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا
стр. 543
يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٣، ٢٤]، وهو سبحانه العليم الحكيم والسميع البصير، وهذه الأسماء، وأن تشابهت في الاسم مع صفات الناس كالقدرة والإرادة فإن حقيقة هذه المعاني التي تنسب إلى الله تعالى غير ما هو معروف عند العباد فما يضاف إليه سبحانه غير ما يضاف إلى الناس، وما يضاف إلى الله يليق بالخالق، هذا هو معنى وحدانية الذات في نظر الذين يقفون عند النصوص القرآنية- ويستأنسون لفهمهم بالأحاديث النبوية التي رويت عن طريق الثقات ...
إن أهل القبلة جميعًا متفقون على وحدانية الذات الإلهية وأنها لا تشبه الحوادث سواء في ذلك الذين يؤولون ظواهر القرآن، أو لا يأخذون بظواهر الألفاظ من غير تخريجها على مجاز مشهور ولو كان يبدو بادي الرأي، والذين يأخذون بظاهر اللفظ من غير التفات للمجاز ولو كان مشهورًا، وعبارات القوم تومئ إليه إذ الجميع يتجهون إلى التنزيه المطلق وإن اختلفت العبارات وتباينت الإشارات" (١).
ويعرض الشيخ لموضوع المتشابه الذي جاء في القرآن في آية آل عمران (٢): ويتحدث عن أهل التأويل وأهل التفويض، ويقول "إن غير الظاهرية من العلماء يرون أن في القرآن متشابها ويخوضون في بيانه خوضًا كبيرًا، ولا يهمنا مما خاضوا فيه إلا كلامهم في التنزيه وما تتصف به الذات العليّة، فقد ورد ذكر الوجه مضافًا إلى الله ﷻ وذكرت اليد مضافة إلى ذات الله، وكذلك العين ... ومن العلماء من يقول إن ما ذكره الله في القرآن وما ذكره عنه النبي ﷺ يؤخذ كما هو من غير تأويل ولا تفسير، بل يؤخذ اللفظ. ومن هؤلاء طائفة من الحنابلة، وقد تشدد في الأخذ بنظرهم ابن تيمية وادعى أن ذلك هو قول السلف
стр. 544
الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويعجب الشيخ أبو زهرة لهذا القول إذ إن من الحنابلة من ينكر أن يكون ذلك مذهب السلف (١) ويستنكر قول الذين يزعمون ذلك، ومن هؤلاء ابن الجوزي فقد أخذ عليهم أنهم سموا الإضافات صفات، فاعتبروا الاستواء صفة وأنهم حملوا العبارات على ظاهرها، وأنهم أثبتوا العقائد بأدلة غير قطعية، وأخذ عليهم أنهم اعتبروا ذلك هو علم السلف، فتبين أن علم السلف غير ذلك، وإليك قوله ﵁، وقد حصر أغلاطهم في سبعة مواضع:
الأول: أنهم سموا الأخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة، فإنه قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وليس لله صفة تسمى الروح، فقد ابتدع من سمى المضاف صفة.
والثاني: أنهم قالوا هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا نحملها على ظواهرها.
فواعجبا! لا يعلمه إلا الله تعالى أي ظاهر له، وهل ظاهر الاستواء إلا القعود؟ وظاهر النزول إلا الانتقال؟
والثالث: أنهم أثبتوا لله صفات بأخبار آحاد وصفات الحق ﷻ لا تثبت إلا بما تثبت به الذات من أدلة قطعية.
والرابع: أنهم لم يفرقوا في الإثبات بين خبر مشهور كقوله ﷺ : "ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا" وبين خبر لا يصح كقوله: "رأيت ربي في أحسن صورة".
والخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي ﷺ وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا.
стр. 545
والسادس: أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع كقوله: "من أتاني يمشي أتيته هرولة"، قالوا ضرب مثلًا للأنام.
والسابع: أنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحسّ، فقالوا: ينزل بذاته، وينتقل ويتحول بذاته.
ثم قالوا: لا كما نعقل، فغالطوا من يسمع، وكابروا الحس والعقل (١).
ويسترسل ابن الجوزي فيرد هذه الأقوال، ويرد نسبتها إلى السلف، ونسبتها إلى الإمام أحمد خاصة ويقول في ذلك: رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ... رأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، سمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فاثبتوا له صورة ووجها زائدًا على الذات، وعينين وفمًا ولهوات وأضراسًا، وأضواء لوجهه ويدين وأصابع، وكفًّا وخنصرًا وإبهامًا، وصدرًا وفخذًا وساقين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس.
وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحدث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا: إنها صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة، مثل يد على نعمة وقدرة، ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف ولا ساق غلى شدة، بل. قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يحمل على حقيقته إن أمكن، فإن صرف صارف حمل على المجاز، ثم يتحرجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون: نحن أهل السنة وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام وقد نصحت التابع والمتبوع.
стр. 546
وقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر وهو أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر القدم الجارحة، ومن ثم قال: استوى بذاته المقدسة، فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيات، وينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم نقرأ الأحديث ونسكت ما أنكر أحد عليكم، وإنما حملكم إياه على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل السلفي الصالح ما ليس فيه.
هذا كلام ابن الجوزي وهو حنبلي، ونلاحظ أنه لم يوافق على ما يأتي:
أ- لم يوافق على أن مذهب السلف هو تفسير الألفاظ الواردة في القرآن والحديث، الدالة بظاهرها على الجوارح كاليد والوجه والقدم على معانيها الظاهرة، بل صرفها إلى معان مجازية، فاليد تطلق على النعمة والقدرة، والوجه على الذات العلية، ويعتبر ذلك مجازًا مشهورًا، وقد صرف إليه صارف من العقل، واستحالة ذلك على الذات العلية.
ب- لم يوافق على أن تفسير هذه الألفاظ بظواهرها هو مذهب الإمام أحمد الذي يتبعونه ويدعون عليه في نظره ما لم يقل.
ج- إنه بالبداهة يرى أن صرف الألفاظ إلى ظواهرها يؤدي إلى الحكم بأنه محسوس وأنه جسم كالأجسام.
د- ولا يرى أن ذلك التفسير هو التفويض، إنما التفويض هو الوقوف عند النص لا يحاول أن يتعرف المراد منه لأن الذي يفسره تفسيرًا حسيًا لا يفوض، بل إنه يفسر، وإن كان لا يؤول.
стр. 547
هـ- ويرى أنهم بادعائهم أن لله يدًا ليست كأيدينا، ووجهًا ليس كوجهنا، وعينًا ليست كعيوننا، إنما يخرج اللفظ عن ظاهره لأن ظواهر الألفاظ في دلالتها على الأيدي المحسوسة، والعين المحسوسة، فصرفها من المحسوس إلى غيره تأويل وتفسير.
وننتهي من هذا إلى أن ابن الجوزي يرى أنه إذا أطلقت هذه الألفاظ على غير المعاني المحسوسة سواء أكانت المعاني معلومة أم كانت مجهولة، فإنها قد استعملت في غير ظاهرها ولا تكون مستعملة في ظواهرها.
وإن ابن الجوزي بهذا ينفي أن يكون مذهب السلف هو الأخذ بظواهر الألفاظ، ولكن ابن تيمية ومن نهج منهاجه يرون أن ذلك هو مذهب السلف، وذلك لأنه يرى أن العبارات المروية عن الأئمة الأعلام هي إلى التفويض أقرب منها إلى التفسير، فالإمام مالك يروي عنه أنه قال في قوله تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وهذه الكلمة تدل على التوقف، وأنه يرى الأخذ بكون الاستواء معلومًا ولكن الكيف هو المجهول.
وقد روي عن الإمام أحمد أنه لما سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم، قال: "نؤمن بها ولا كيف".
ولقد روى الخلال في سنده عن الإمام أحمد أنهم سألوه عن الاستواء فقال: "استوى على العرش كيف شاء، وكما شاء وبلا حد ولا صفة يبلغها واصف".
وهذا بلا شك تفويض وتنزيه، ولكن ليس فيه تخريج للفظ على الظاهر، ولا غير الظاهر.
وروي أن الامام أحمد: فسر بالمجاز.
стр. 548
وفي الحق أن بعض السلف توقفوا ولم يفسروا لا بالظاهر ولا بالمؤول، وهذا ينطبق على قراءة الوقف في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. ويكون قوله تعالى: من بعد ذلك: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] يطلقون الإيمان إطلاقًا، ويفوضون الأمر تفويضًا.
وبعض السلف كانوا يفسرون بالمجاز المشهور الواضح، وهو إطلاق اليد بمعنى القدرة أو النعمة ونحو ذلك، ولا يعد ذلك تأويلًا، بل هو تفسير، لأن التأويل لا يكون باستعمال المجاز المشهور، إذ الاستعمال في المجاز المشهور أخذ للفظ بظاهره، لا بما وراء الظاهر.
ولقد قرر سعد الدين التفتازاني أنه إذا كان النص لا يحتمل إلا مجازًا واحدًا وجب الأخذ به، لأن ذلك يكاد يكون هو المتبادر، إذ تعين المعنى المجازي.
ويظهر أنه يرجح مسلك التفسير، فقد قال في "شرح المقاصد" "ومنها ما ورد به ظاهر الشرع وامتنع حمله على معانيه الحقيقية مثل الاستواء- في قوله تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
واليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
والعين في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
عند الجمهور إنها مجازات:
فالاستواء مجاز عن الاستيلاء، وتصوير لعظمة الله تعالى.
واليد مجاز عن القدرة.
والوجه عن الوجود.
والعين عن البصر.
стр. 549
ومعنى تجري بأعيننا أنها تجري بالمكان المحوط بالكلاءة والعناية والحفظ والرعاية، يقال فلان بمرأى من الملك ومسمع، إذا كان بحيث تحوطه عنايته، وتكتنفه رعايته.
"وفي كلام المحققين من علماء البيان أن قولنا: الاستواء مجاز عن الاستيلاء، واليد واليمين عن القدرة، والعين عن البصر، ونحو ذلك، إنما هو لنفي وهم التشبيه والتجسيم، فهي تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية".
هذا موقف العلماء من رأي السلف، وبيان رأي الخلف.
والغزالي يتجه إلى أن رأي السلف هو التفسير بالمجاز ولا يعتبر ذلك إخراجًا للفظ عن معناه الظاهر، بل إنه رضى الله عنه يميل إلى أن الظاهر هو هذا المجاز الواضح وينقل الشيخ نصًّا للإمام الغزالي من كتابه "إلجام العوام عن علم الكلام" ثم يقول، ونرى أن الغزالي لا يرى أن السلف فوضوا تفويضًا مطلقًا ابتداء ولا فسروا الألفاظ بظواهرها، بل إنه يبين المعاني المستحيلة على الله تعالى التي تتنافى مع التقديس وتنزيه الذات العلية عن مشابهة الحوادث، ويمنع العامي الذي تخفى عليه المعاني المجازية من أن يخوض، ولكن يفتح الباب لذوىِ الأفهام، ويقرر أن هذه المعاني إذا خفيت على العامي، أو دقت عن مداركه، فإنها لا تخفى على الرسول ولا سائر الأنبياء ولا الصديقين أي أهل المعرفة والإدراك الصحيح، ويقرب المعاني التي تتفق مع التقديس تقريبًا يدركه طلاب الحقيقة.
وإذا كان ابن الجوزي قد نفى أن يكون مذهب السلف هو التفسير بظواهر الألفاظ، تفسيرًا لا يتفق مع التشبيه فالغزالي قد قرر أن السلف فهموا المعاني المجازبة، وقرر أن الذين لا يفهمون هذه المعاني التنزيهية عليهم أن يفوضوا ولا يخوضوا، وقال لهم: "ليس هذا بعشك فادرجي".
ويهذا يكون قد قسم الناس قسمين:
стр. 550
قسم يدرك ويفهم.
وقسم يعسر عليه أن يدرك ويفهم الأمور على حقيقتها.
وهذا يكتفي الغزالي منه بنفي المعاني المشبهة غير المنزهة، ثم يمنعه من بعد ذلك من الخوض، وكأنه يعتبر ذلك من علم الخاصة، وليس من علم العامة الذي لا يسع مسلمًا أن يجهله، كما قرر الشافعي.
وإن ذلك النظر بلا ريب نظر سليم، لا مجال لرفضه، ولكن قد يقول قائل: إن مؤدي كلامك أن الراسخين في العلم هم الذين يفسرون، ويؤولون هذه المعاني تأويلًا يتفق مع التنزيه، وهذا يتفق مع قراءة الوصل في قوله تعالى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧].
من غير وقوف عند لفظ الجلالة، ولكن على قراءة الوقوف عند لفظ الجلالة لا يستقيم المعنى، لأن المعنى أن يكون العالم بهذا التشابه هو الله وحده، وهذا التفسير يجعل للراسخين علمًا.
ونقول في الجواب عن ذلك: إن المتشابه ليس مقصورًا على الألفاظ التي توهم التشبيه أو ليس المراد من التأويل هو التفسير، بل المراد به على قراءة الوقوف عند لفظ الجلالة معرفة المآل، ولا يعرف المآل يوم القيامة إلا الله تعالى، فهو وحده علام الغيوب، وقد قال تعالى:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣].
هذا نظر العلماء في العبارات التي وردت في القرآن والسنة توهم التشبيه والذي ينتهي إليه النظر هو ما يأتي:
стр. 551
أولًا: اتفاق العلماء على أن الله تعالى منزه عن أن يكون متصفًا بما تتصف الحوادث به، فليس لديه يد كأيدي الناس ولا عين كعيونهم ولا وجه كوجوههم.
ثانيًا: اتفاق العلماء على أن العامة لا يصح أن يخوضوا في تأويل هذه الآيات ولا تفسيرها، ولكن عليهم أن يؤمنوا بأن الله تعالى منزه عن أن يكون له ما يشبه الآدميين وسائر الحوادث، ولكن المعنى المجازي ليس عليهم أن يطلبوه لأنه ليس إلا من علم الخاصة الذي لا يطالب به العامة، ولا يطالب به إلا من يطيق إدراكه، ويكفي من العامي التنزيه الإجمالي.
ثالثًا: أننا نرى أن السلف لم يفسروا بظواهر الألفاظ، فلم يقولوا إن لله يدا لا نعلمها، ولا إن لله عينًا لا نعلمها، ونظرنا في ذلك مستمد من كلام ابن الجوزي والغزالي، وأن بعضهم كان يفسر هذه الألفاظ بما يتفق مع التنزيه، ونستبعد أن يكون مثل علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر وابن عباس، وغيرهم من علية العلماء يفهمون من قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أن لله يدًا.
وخلاصة القول: أن وحدانية الذات الإلهية وعدم مشابهتها للحوادث ركن من أركان الوحدانية لا يسع مسلمًا أن يجهله، ولا يعتبر موحدًا من لا يؤمن به.
إسهام الشيخ محمد السماحي:
أما أستاذنا فضيلة الشيخ محمد السماحي، فلقد أسهم في هذا الاتجاه إسهامًا مشكورًا طيبًا، وها هو في تفسيره الموضوعي لبعض موضوعات القرآن، وعند كلامه عن الألوهية، يذكر ما ورد في شأن الإنسان والحيوان والنبات والسموات والأرض من آيات. ثم يجمل هذه الأدلة التي أشار إليها القرآن مبينًا قطعيتها، رادًا جميع الشبهات التي يمكن أن ترد عليها مبينًا أن طريقة القرآن ومنهجه لا تدانيهما طريقة أو منهج آخر. وهذه هي الأدلة التي أجملتها:
١ - دليل الحياة من العناصر الميتة نباتية وحيوانية.
стр. 552
٢ - دليل تركيب الخلايا وتعاونها بعضها مع بعض في تكوين كائن حي وتخصيص كل خلية في عمل خاص، بعد أن كانت كل خلية مستقلة بنفسها وتتوالد بالانقسام.
٣ - دليل الزوجية في النبات والحيوان، والتوالد من زوجين، كل زوج مشابه لزوجه في الجنسية والنوعية، ومتلائم معه في التكوين المادي، منجذب إليه بالغريزة، متجاوب معه في العاطفة بالتراحم والتعاطف، متلائم معه في التكوين النفسي والغريزي والعاطفي.
٤ - دليل العلق المكون من نطفة الرجل (الخلية الذكرية)، وبويضة الأنثى (الخلية الأنثوية) واشتمال كل منهما على نصف حاملات الوراثة، بعد أن كان كل منهما في خلية، حاملة لكل حاملات الوراثة، انشطرت شطرين، كل شطر حمل نصفها، ويتكاملان بالتلقيح، ويبتدئ التفاعل بينهما بالامتزاج، في المكان الصالح لتكوين الجنين، سواء أكان في رحم الأم، أم في بويضة تنفصل عن الأم، ثم تنمو بالانقسام إلى أن يتكون الجنين.
٥ - تنوع الأنواع من النبات والحيوان تنوعًا يؤدي إلى قيام كل نوع بمهمته الخاصة به في الحياة، لا يؤديها نوع آخر، والكل يتعاون في تكميل سلسلة الحياة المتشابكة الحلقات.
٦ - تكوين العناصر من الذرات، وتكوين الذرات من النواة المشحونة بشحنة كهربائية موجبة، والإلكترونات المشحونة بشحنة كهربائية سالبة.
٧ - قابلية العناصر إلى أن تكون المواد المختلفة بالتركيب تارة، وبالتحليل تارة ثانية.
٨ - التدبير في معزل عن المؤثرات الطبيعية في النبات والحيوان.
стр. 553
٩ - التدبير المترابط في النظام العام بين الكائنات جميعها علويها وسفليها، وتأثر بعضها ببعض حتى كأن العالم وحدة متحدة القصد والغاية.
١٠ - الإنسان سيد هذا الوجود، خلقه في أحسن تقويم، وخلافته في الأرض في تسخير كل شيء له، فركب الماء والهواء، واستخدم الحديد والنار، واستعان بالمغناطيسية والكهربائية واكتشف العناصر وركبها وحللها، واكتشف الذرة وذللها.
وأكتفي بهذه النماذج .. ولعلي أكون قد وفقت في انتقائها واختيارها.
ومن كل ما تقدم ندرك أن الاتجاه العقدي في التفسير كان كسابقه، حيث عالج ما أملته روح العصر ومشكلات المادة والماديين. إلا أن قضايا العقيدة أكبر خطرًا من غيرها، ومن هنا كان هذا الاتجاه في رأيي، أبرز ما ينبغي أن توجه له عناية المفسرين، إذ ليس عبثًا أن ينزل القرآن في ثلاث عشرة سنة، يعالج هذا الجانب، وأن أكثر آيات القرآن جاءت لبناء العقيدة وستبقى أدلة القرآن ومنهجه في هذا المجال فصل الخطاب على مدى الأجيال.
стр. 554
الفصل الرابع الاتجاه العلمي في التفسير
وفيه تمهيد وسبعة مباحث:
المبحث الأول: موقف العلماء المسلمين من التفسير العلمي وأدلتهم (المانعون)
المبحث الثاني: المانعون من المحدثين
المبحث الثالث: المثبتون للتفسير العلمي
المبحث الرابع: موقف مدرسة الإمام الشيخ محمد عبده من التفسير العلمي
المبحث الخامس: التفسير العلمي للآيات الكونية للأستاذ حنفي أحمد
المبحث السادس: رأينا في التفسير العلمي
المبحث السابع: نماذج من التفسير العلمي
стр. 555
الفصل الرابع الاتجاه العلمي في التفسير
تمهيد:
القرآن الكريم كتاب الله ووثيقة السماء الخالدة، أنزله ليكون موعظة وشفاء وهدى ورحمة وبرهانًا ونورًا ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
فالقرآن كتاب الإنسانية كلها، ونوره سيبقى يشع ما دامت الحياة، لتهدى به قلوبٌ غلفٌ، وتفتح به عيونٌ عميٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وكما جاء القرآن دعوة صريحة للإيمان الصحيح، ومكارم الأخلاق، فإنه جاء كذلك دعوة صريحة للعلم والنظر والتفكر، ويكفي أن أول ما تلألأ من آياته، كان الأمر بالقراءة باسم الرب الذي خلق، الرب الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، ولا نجد كتابًا سماويًا أو أرضيًا، كرم العلم والعلماء، ودعا في مواضع كثيرة منه، للتزود من منهل هذا العلم كهذا القرآن، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
ومن عظيم شأن هذا القرآن وعجيب أمره أنه جعل دعوته للعلم مفتوحة للبشر جميعًا، لم يفرق بين غني وفقير، ورجل وامرأة أحرارًا كانوا أو مملوكين. ولقد ظهر أثر ذلك في وقت مبكر في ظل حكومة القرآن. وإذا بهذه الأمة المنطوية على
стр. 556
نفسها، المنحصرة في مضاربها تفجر طاقات الكون، وهي تجوب آفاق الأرض التي جعلها الله لها ذلولًا، لتمشي في مناكبها غير معتدية أو سالبة، وإنما هي فاتحة للعقول قبل البلاد، لقد نمت دعوة القرآن للعلم، فأحيت أمة من أجداثها، وإذ بهذه الأمة الأمية، والتي منّ الله عليها بالهداية، يصبح كل بيت من بيوتها، ومسجد من مساجدها، موئلًا للعلم، يأتيه الناس على اختلاف لغاتهم وأديانهم من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم. هذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان، ولا يشك فيها عدو.
وهناك بَدَهِيَّة أُخرى، وهي أن هذا القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلى رغم اكتشاف كثير من المجاهيل، وعلى رغم تقدم الإنسان في مضمار العلم، وآفاق الكون الفسيحة -لا يتعارض مع المسلمات الصحيحة التي وصل إليها الإنسان فضلًا عن أن يناقضها. وهذه البدهية التي لا يختلف فيها اثنان كذلك، نجد مع كل أسف بعضًا ممن ينتسبون لهذه الأمة بأسمائهم فحسب، ممن رانت نخالات الأفكار الغربية على عقولهم، يمارون فيها، لأنهم حجبوا بالهوى وأسروا بالتقليد.
والخلاصة أن القرآن بدعوته المفتوحة للعلم، بنى حضارة شامخة سعدت بها الإنسانية حينًا من الزمن، وأن هذا القرآن لن يناقضه علم كوني صحيح. وإذا كان هذا كله ليس محل خلاف وجدل، فإن هناك قضية أخرى، اختلفت فيها كلمة العلماء قديمًا وحديثًا، ولكن خلافهم هذا منبعث من حرصهم على هذا القرآن وناشئ عن إجلالهم له، ودفع كل شبهة تقوم حوله. هذه القضية هي: هل ينبغي أن تفسر آيات القرآن تفسيرًا علميًّا حسب ما توصل إليه الإنسان من نتائج؟ وبعبارة أخرى هل في آيات القرآن إشارات لقضايا العلوم الكونية ودقائقها؟ .
هذا التساؤل يتطلب مني أن أعرض لآراء العلماء المانعين والمثبتين، مثبتًا أدلتهم مناقشًا لها مبديًا ما أراه بعد ذلك.
ولما كانت انطلاقة التفسير الحديث إنما بدأها الإمام الشيخ محمد عبده، فمن الواجب أن أعرض لرأي مدرسته في التفسير العلمي، وفي المرحلة التالية أورد بعض النماذج من هذا التفسير معلقًا عليها حسب ما أرتئيه في الموضوع.
стр. 557
المبحث الأول موقف العلماء المسلمين من التفسير العلمي وأدلتهم (المانعون)
أكثر علماء المسلمين لا يرون مانعًا من تفسير القرآن تفسيرًا علميًّا. فرأيهم أن آيات القرآن فيها من دقائق العلوم ما لا يحصى، ولنضرب مثلًا ببعض هؤلاء.
- فحجة الإسلام الغزالي ﵁، ممن ذهب إلى هذا الرأي ودافع عنه بحزم وقوة، يقول: (إن العلوم كلها، داخلة في أفعال الله وصفاته. وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته.
وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارات إلى مجامعها. والمقامات في التعمق في تفصيلاتها راجعة إلى فهم القرآن. ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك، بل كل ما أشكل فيه على النظار، واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات، ففي القرآن رموز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بدركها، فكيف يفي بذلك ترجمته وتفسير ظاهره) (١)؟
أما الإمام الرازي فإنه ينعى على ما اعترض عليه لإيراده في تفسير ما أورد. يقول: (وربما جاء بعض الجهال والحمقى، وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم البيئة والنجوم وذلك خلاف المعتاد. فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل، لعرفت فساد ما ذكرته .. إن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة، بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار، وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم. وذكر هذه الأمور في أكثر السور، وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزًا لما ملأ الله كتابه منها ... ) (٢).
стр. 558
ويأتي الإمام السيوطي بعد هذين العلمين، في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) بالعجيب مما قاله ونقله عن الفريق الأول، الذين توغلوا في التفسير العلمي إلى حد بعيد.
رأي المانعين:
وعلى العكس من هذا الرأي، نرى إمامًا من أئمة الفكر الإسلامي هو أبو إسحاق الشاطبي يعارض هذا الرأي معارضة شديدة، في كتابه (الموافقات) حيث يقول: (ما تقرر من أمية الشريعة، وأنها جارية على مذاهب أهلها -وهم العرب- ينبني عليه قواعد: منها أن كثيرًا من الناس تجاوزا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات والمنطق وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها. وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح. وإلى هذا فإن السلف الصالح -من الصحابة والتابعين ومن يليهم- كانوا أعرف بالقرآن، وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى) (١).
وإذا تركنا القدامى إلى المحدثين، فإننا نجد أتباعًا لكل من الفريقين. فممّن تأثر برأي الشاطبي المرحوم الشيخ أمين الخولي ووقف مع هذا الرأي وارتضاه الأستاذ الشيخ محمد حسين الذهبي.
ونذكر ممن ارتضى الرأي الأول في التفسير العلمي المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه (إعجاز القرآن) والأستاذ عبد الوهاب حمودة ﵀، إذ يقول: (والرأي الذي نميل إليه، هو أننا في حاجة شديدة إلى أضواء العلم، تكشف لنا عن حكم وأسرار جاءت بها الآيات الكريمة، ولا ضرر من عدم قصر فهمه على ما كان عند العرب في علمها، ومألوف معارفها، لأن القرآن أنزل للناس
стр. 559
كافة، يأخذ منه كل على قدر استعداده وحاجته، ما دام ذلك لا يتنافى مع ما قصّه القرآن من الهداية، وما يهدف إليه من الإرشاد. فكم من حكمة فيه إذا ما مستها يد العلم أسفرت أسرارها، فظهرت أنوارها عن سر إعجازها وسحر بيانها .. ) ثم يذكر أمثلة عن بعض مدلولات الآيات التي يستعان على فهمها بشتى العلوم حتى يقول: (فالحق أن كل ما يساعد من العلوم على الكشف عن الأسرار الكونية والدلالة على قدرة الصانع الحكيم، والإبانة عن مبلغ آياته ونعمه، ولا يتعارض مع أسلوب اللغة، ومألوف تعبيرها، من غير إغراب ولا تكلف، ولا إغراق في التأويل وإسراف في التحديد، فهو مما يجوز أن يستخدم في فهم آيات القرآن الكريم، فهو لا تفنى عجائبه ولا تحصى أسراره) (١).
ولا بد من أن نعرض لأدلة الفريقين: فمن الواضح أن الإمام الشاطبي، كانت ركيزته في قوله، التي استند اليها، أمية الشريعة ونزولها إلى أميين، كما استند إلى أن الصحابة والتابعين لم يثبت عنهم شيء من هذا اللون في التفسير.
أدلة القائلين بالتفسير العلمي:
أما أدلة القائلين بالتفسير العلمي -فلقد نقلها الشاطبي نفسه ورد عليها- كما يأتي:
أولًا: يقول الإمام الشاطبي: إن الأمة التي أرسل فيها النبي ﷺ أمّة أميّة، وهذا ما أرشد إليه القرآن الكريم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة: ٢] بل إن الله وصف نبيه ﷺ فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ويقول النبي ﷺ : (نحن أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) (٢). وإذا كانت الأمّة أميّة، فإن الشريعة التي نزلت فيها أميّة كذلك.
стр. 560
ثانيًا: إن العرب الأميين الذين نزل فيهم القرآن الكريم، وتحداهم الله أن يأتوا بمثله كان لهم معرفة ببعض العلوم كعلم النجوم، قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وكعلم الأنواء وهو ما يتصل بالرياح ونزول المطر، وبعض مسائل الطب الناشئة عن تجربة، وقضايا الأخلاق وما يتصل بها مما نجده في كتاب الله ﵎.
ثالثًا: لقد جدت علوم بعد القرآن الكريم على هذه الأمة لم تكن معروفة لدى الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك كعلوم الطبيعيات والفلسفة، والفلك، إلى غير ما هنالك من علوم، وحينما تحدى القرآن الكريم العرب أن يأتوا بمثله، إنما تحداهم بما كان معلومًا عندهم، ولا يجوز أن يكون قد تحداهم بما ليس كذلك، إذ لو تحداهم بشيء منه لقالوا: (كيف تتحدانا بشيء لا نعرفه ومن هنا فلا تقوم الحجة عليهم، ويستدل بمثل قول الله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
رابعًا: يرى الإمام الشاطبي ﵀ بعد هذه المقدمات أنه لا يجوز لأحد أن يفسر آي القرآن الكريم، بما لم يكن معروفًا عند الصحابة مما جدّ فيما بعد.
يقول: (إن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح، والى هذا فإن السلف الصالح -من الصحابة والتابعين ومن يليهم- كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى، سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر، لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة: إلا أن ذلك لم يكن، فدلّ على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء ممّا زعموا،
стр. 561
نعم تضمن علومًا هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا) (١).
ثم يناقش الشاطبي أدلة الفريق المعارض الذي يرى جواز تفسير آيات القرآن تفسيرًا علميًّا، ويرد عليهم فيقول: (وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونحو ذلك، وبفواتح السور -وهي ما لم يعهد عند العرب- وبما نقل عن الناس فيها، وبما حكي من ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره أشياء.
فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها بما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية.
وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعهد الجُمّل الذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصجاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى وغير ذلك، فيها على ما ادعوه، وما ينقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز ان يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار -في الاستعانة على فهمه- على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فيه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه، والله أعلم وبه التوفيق).
ذلكم هو الإمام الذي اقترن اسمه بهذه القضية، فلا نجد أحدًا قديمًا وحديثًا يعرض لهذه القضية، دون أن يذكر أول ما يذكر رأي هذا الإمام.
стр. 562
المبحث الثاني المانعون من المحدثين
والعلماء المحدثون الذين منعوا تفسير آي القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، لم يخرجوا عما قاله الإمام الشاطبي، ومن هؤلاء الشيخ أمين الخولي زوج الدكتورة بنت الشاطئ -رحمهما الله- وقد نقله عنه وارتضاه الشيخ محمود حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون)، أما أبرز أولئك المانعين فهو الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق وهو إمام ذو عقلية فذّة ﵀.
الشيخ محمود شلتوت
يقول الشيخ: (وأما الناحية الثانية، فإن طائفة أخرى، هي طائفة المثقفين الذين أخذوا بوافر من العلم الحديث، وتلقنوا أو تلقفوا شيئًا من النظريات العلمية والفلسفية وغيرها، أخذوا يستندون إلى ثقافتهم الحديثة ويفسرون آيات القرآن على مقتضاها.
نظروا في القرآن فوجدوا الله يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتأولوها على نحو زين لهم أن يفتحوا في القرآن فتحًا جديدًا، ففسروه على أساس من النظريات العلمية المستحدثة، وطبقوا آياته على ما وقعوا عليه من قواعد العلوم الكونية وظنوا أنهم بذلك يخدمون القرآن، ويرفعون من شأن الإسلام، ويدعون له أبلغ دعاية في الأوساط العلمية والثقافية.
نظروا في القرآن على هذا الأساس، فأفسد ذلك عليهم أمر علاقتهم بالقرآن، وأفضى بهم إلى صور من التفكير لا يريدها القرآن، ولا تتفق مع الغرض الذي من أجله أنزله الله، فإذا مرّت آية فيها ذكر للمطر، أو وصف للسحاب، أو حديث عن الرعد أو البرق، تهللوا واستبشروا. وقالوا: هذا هو القرآن يتحدث إلى العلماء الكونيين ويصف لهم أحدث النظريات العلمية عن المطر والسحاب وكيف ينشأ
стр. 563
وكيف تسوقه الرياح، وإذا رأوا القرآن يذكر الجبال أو يتحدث عن النبات والحيوان وما خلق الله من شيء قالوا: هذا حديث القرآن عن علوم الطبيعة وأسرار الطبيعة، وإذا رأوه يتحدث عن الشمس والقمر والكواكب والنجوم، قالوا: هذا حديث يثبت لعلماء الهيئة والفلكيين أن القرآن كتاب علمي دقيق! .
ومن عجيب ما رأينا من هذا النوع أن يفسر بعض الناظرين في القرآن قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١] بما ظهر في هذا العصر من الغازات السامة، والغازات الخانقة التي أنتجها العقل البشري بعيدًا عن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾.
ويعرض الشيخ بعض الآيات التي فسرت ببعض النظريات العلمية، ثم يقول:
إن هؤلاء في عصرنا الحديث لمن بقايا قوم سالفين فكروا مثل هذا التفكير ولكن على حسب ما كانت توحي به إليهم أحوال زمانهم، فحاولوا أن يخضعوا القرآن لما كان عندهم من نظريات علمية أو فلسفية أو سياسية.
ولسنا نستبعد -إذا راجت عند الناس في يوم ما نظرية (داروين) مثلًا- أن يأتي إلينا مفسر من هؤلاء المفسرين الحديثين فيقول: إن نظرية داروين قد قال بها القرآن منذ مئات السنين (١).
ومن الأدلة التي استند إليها الشيخ محمود شلتوت في ردّ التفسير العلمي:
١ - إن الله لم ينزل القرآن ليكون كتابًا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف.
стр. 564
٢ - إنها تحمل أصحابها والمغرمين بها على تأويل القرآن تأويلًا متكلفًا يتنافى مع الإعجاز، ولا يسيغه الذوق السليم.
٣ - إنها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الأخير، فقد يصح اليوم في نظر العلوم ما يصبح غدًا من الخرافات.
فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة، لعرضناه للتقلب معها وتحمل تبعات الخطأ فيها، ولوقفنا أنفسنا بذلك موقفًا حرجًا في الدفاع عنه.
فلندع للقرآن عظمته وجلالته، ولنحفظ عليه قدسيته ومهابته، ولنعلم أن ما تضمنه من الإشارات إلى أسرار الخلق وظواهر الطبيعة إنما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر، ليزداد الناس إيمانًا مع إيمانهم، وحسبنا أن القرآن لم يصادم -ولن يصادم- حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول (١).
الأستاذ محمود شاكر
وبعد أن تحدثنا عن علمين من أعلام الأمة قديمًا وحديثًا، يجدر بنا أن نتحدث عن رأي عالم آخر من علماء اللغة والأدب، ذي باع طويل وقدم راسخة في هذا، وهو الأستاذ محمود محمد شاكر، صاحب الكتب المفيدة والمقالات العميقة في مادتها، والمنافح عن لغة القرآن الكريم.
وإن كان رأي الأستاذ يختلف عن سابقيه، فإن هناك روابط تربط آراءهم بعضها ببعض، عرفنا رأي الشاطبي ومن بعد الشيخ شلتوت رحمهما الله وقد نقلنا عنهما منعهما التفسير العلمي.
أما الأستاذ محمود شاكر فهو يفرق بين قضيتين:
стр. 565
الأولى: أن تفسر آي القرآن الكريم بحقائق العلم الثابتة لا بنظرياته.
الثانية: أن تكون هذه الحقائق العلمية والدقائق الكونية وجهًا من وجوه الإعجاز وقع بها التحدي.
فيرى أن لا مانع من القضية الأولى، وهي أن يكون القرآن الكريم أشار في بعض آياته إلى حقائق ودقائق تشريعية وتاريخية، وعلمية، وكونية، وبهذا يختلف عن سابقيه، ولكنه يرى بعد ذلك أن هذه الحقائق والدقائق ليست من وجوه الإعجاز لأنها لم يقع بها التحدي وإنما التحدي كان بأسلوب القرآن ونظمه، كان بما يعرفه العرب، الإعجاز -إذن- الذي وقع به التحدي، هو ما كان بلغة القرآن نظمًا وأسلوبًا، ونتيجة ما قاله الأستاذ محمود شاكر أن حقائق التشريع ودقائق العلم، يصح أن تكون دليل صدق على أن القرآن الكريم كتاب الله، وعلى أن الذي جاء به من عند الله سيدنا محمد رسول الله حقًّا ﷺ .
وهكذا يفرق الأستاذ محمود شاكر بين أن نأخذ من القرآن الكريم بعض القضايا، فذلك أمر لا محذور فيه، وبين أن نجعلها وجهًا من وجوه الإعجاز (١).
ذلكم أبرز ما قيل في منع تفسير القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، وبناءً عليه إنكار أن يكون ذلك وجهًا من وجوه الإعجاز، وننتقل الآن للحديث عن المثبتين وما استدلوا به لما ذهبوا إليه.