نعم تضمن علومًا هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا) (١).
ثم يناقش الشاطبي أدلة الفريق المعارض الذي يرى جواز تفسير آيات القرآن تفسيرًا علميًّا، ويرد عليهم فيقول: (وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونحو ذلك، وبفواتح السور -وهي ما لم يعهد عند العرب- وبما نقل عن الناس فيها، وبما حكي من ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره أشياء.
فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها بما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية.
وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعهد الجُمّل الذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصجاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى وغير ذلك، فيها على ما ادعوه، وما ينقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز ان يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار -في الاستعانة على فهمه- على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فيه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه، والله أعلم وبه التوفيق).
ذلكم هو الإمام الذي اقترن اسمه بهذه القضية، فلا نجد أحدًا قديمًا وحديثًا يعرض لهذه القضية، دون أن يذكر أول ما يذكر رأي هذا الإمام.
стр. 562
المبحث الثاني المانعون من المحدثين
والعلماء المحدثون الذين منعوا تفسير آي القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، لم يخرجوا عما قاله الإمام الشاطبي، ومن هؤلاء الشيخ أمين الخولي زوج الدكتورة بنت الشاطئ -رحمهما الله- وقد نقله عنه وارتضاه الشيخ محمود حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون)، أما أبرز أولئك المانعين فهو الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق وهو إمام ذو عقلية فذّة ﵀.
الشيخ محمود شلتوت
يقول الشيخ: (وأما الناحية الثانية، فإن طائفة أخرى، هي طائفة المثقفين الذين أخذوا بوافر من العلم الحديث، وتلقنوا أو تلقفوا شيئًا من النظريات العلمية والفلسفية وغيرها، أخذوا يستندون إلى ثقافتهم الحديثة ويفسرون آيات القرآن على مقتضاها.
نظروا في القرآن فوجدوا الله يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتأولوها على نحو زين لهم أن يفتحوا في القرآن فتحًا جديدًا، ففسروه على أساس من النظريات العلمية المستحدثة، وطبقوا آياته على ما وقعوا عليه من قواعد العلوم الكونية وظنوا أنهم بذلك يخدمون القرآن، ويرفعون من شأن الإسلام، ويدعون له أبلغ دعاية في الأوساط العلمية والثقافية.
نظروا في القرآن على هذا الأساس، فأفسد ذلك عليهم أمر علاقتهم بالقرآن، وأفضى بهم إلى صور من التفكير لا يريدها القرآن، ولا تتفق مع الغرض الذي من أجله أنزله الله، فإذا مرّت آية فيها ذكر للمطر، أو وصف للسحاب، أو حديث عن الرعد أو البرق، تهللوا واستبشروا. وقالوا: هذا هو القرآن يتحدث إلى العلماء الكونيين ويصف لهم أحدث النظريات العلمية عن المطر والسحاب وكيف ينشأ
стр. 563
وكيف تسوقه الرياح، وإذا رأوا القرآن يذكر الجبال أو يتحدث عن النبات والحيوان وما خلق الله من شيء قالوا: هذا حديث القرآن عن علوم الطبيعة وأسرار الطبيعة، وإذا رأوه يتحدث عن الشمس والقمر والكواكب والنجوم، قالوا: هذا حديث يثبت لعلماء الهيئة والفلكيين أن القرآن كتاب علمي دقيق! .
ومن عجيب ما رأينا من هذا النوع أن يفسر بعض الناظرين في القرآن قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١] بما ظهر في هذا العصر من الغازات السامة، والغازات الخانقة التي أنتجها العقل البشري بعيدًا عن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾.
ويعرض الشيخ بعض الآيات التي فسرت ببعض النظريات العلمية، ثم يقول:
إن هؤلاء في عصرنا الحديث لمن بقايا قوم سالفين فكروا مثل هذا التفكير ولكن على حسب ما كانت توحي به إليهم أحوال زمانهم، فحاولوا أن يخضعوا القرآن لما كان عندهم من نظريات علمية أو فلسفية أو سياسية.
ولسنا نستبعد -إذا راجت عند الناس في يوم ما نظرية (داروين) مثلًا- أن يأتي إلينا مفسر من هؤلاء المفسرين الحديثين فيقول: إن نظرية داروين قد قال بها القرآن منذ مئات السنين (١).
ومن الأدلة التي استند إليها الشيخ محمود شلتوت في ردّ التفسير العلمي:
١ - إن الله لم ينزل القرآن ليكون كتابًا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف.
стр. 564
٢ - إنها تحمل أصحابها والمغرمين بها على تأويل القرآن تأويلًا متكلفًا يتنافى مع الإعجاز، ولا يسيغه الذوق السليم.
٣ - إنها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الأخير، فقد يصح اليوم في نظر العلوم ما يصبح غدًا من الخرافات.
فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة، لعرضناه للتقلب معها وتحمل تبعات الخطأ فيها، ولوقفنا أنفسنا بذلك موقفًا حرجًا في الدفاع عنه.
فلندع للقرآن عظمته وجلالته، ولنحفظ عليه قدسيته ومهابته، ولنعلم أن ما تضمنه من الإشارات إلى أسرار الخلق وظواهر الطبيعة إنما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر، ليزداد الناس إيمانًا مع إيمانهم، وحسبنا أن القرآن لم يصادم -ولن يصادم- حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول (١).
الأستاذ محمود شاكر
وبعد أن تحدثنا عن علمين من أعلام الأمة قديمًا وحديثًا، يجدر بنا أن نتحدث عن رأي عالم آخر من علماء اللغة والأدب، ذي باع طويل وقدم راسخة في هذا، وهو الأستاذ محمود محمد شاكر، صاحب الكتب المفيدة والمقالات العميقة في مادتها، والمنافح عن لغة القرآن الكريم.
وإن كان رأي الأستاذ يختلف عن سابقيه، فإن هناك روابط تربط آراءهم بعضها ببعض، عرفنا رأي الشاطبي ومن بعد الشيخ شلتوت رحمهما الله وقد نقلنا عنهما منعهما التفسير العلمي.
أما الأستاذ محمود شاكر فهو يفرق بين قضيتين:
стр. 565
الأولى: أن تفسر آي القرآن الكريم بحقائق العلم الثابتة لا بنظرياته.
الثانية: أن تكون هذه الحقائق العلمية والدقائق الكونية وجهًا من وجوه الإعجاز وقع بها التحدي.
فيرى أن لا مانع من القضية الأولى، وهي أن يكون القرآن الكريم أشار في بعض آياته إلى حقائق ودقائق تشريعية وتاريخية، وعلمية، وكونية، وبهذا يختلف عن سابقيه، ولكنه يرى بعد ذلك أن هذه الحقائق والدقائق ليست من وجوه الإعجاز لأنها لم يقع بها التحدي وإنما التحدي كان بأسلوب القرآن ونظمه، كان بما يعرفه العرب، الإعجاز -إذن- الذي وقع به التحدي، هو ما كان بلغة القرآن نظمًا وأسلوبًا، ونتيجة ما قاله الأستاذ محمود شاكر أن حقائق التشريع ودقائق العلم، يصح أن تكون دليل صدق على أن القرآن الكريم كتاب الله، وعلى أن الذي جاء به من عند الله سيدنا محمد رسول الله حقًّا ﷺ .
وهكذا يفرق الأستاذ محمود شاكر بين أن نأخذ من القرآن الكريم بعض القضايا، فذلك أمر لا محذور فيه، وبين أن نجعلها وجهًا من وجوه الإعجاز (١).
ذلكم أبرز ما قيل في منع تفسير القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، وبناءً عليه إنكار أن يكون ذلك وجهًا من وجوه الإعجاز، وننتقل الآن للحديث عن المثبتين وما استدلوا به لما ذهبوا إليه.
стр. 566
المبحث الثالث المثبتون للتفسير العلمي
الأقدمون:
إن أكثر علماء الأمة ومنهم علماء الكلام وجمهور المتصوفة لا يرون مانعًا من تفسير القرآن تفسيرًا علميًّا فرأيهم أن آيات القرآن فيها من دقائق العلوم ما لا يحصى، وسنذكر لكم بعض هؤلاء.
١ - الإمام الغزالي:
حجة الإسلام الغزالي ﵁ ممن ذهبوا إلى هذا الرأي ودافع عنه بحزم وقوة، يقول: (إن العلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارات إلى مجامعها، والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن، ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك، بل كل ما أشكل فيه على النظارة واختلف الخلائق في النظريات، والمقولات ففي القرآن رموز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بدركها، فكيف يفي بذلك ترجمته وتفسير ظاهره (١).
٢ - الإمام الرازي:
ينعى الإمام الرازي على من اعترض عليه لإيراده في تفسيره ما أورد من مسائل العلم وقضايا الكون، يقول: (وربما جاء بعض الجهال والحمقى، وقال: إنك، أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم وذلك خلاف المعتاد، فيقاله لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل، لعرفت فساد ما ذكرته .. إن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة، بأحوال السماوات
стр. 567
والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور، وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزًا لما ملأ الله كتابه منها .. ) (١).
ويأتي الإمام السيوطي بعد هذين العلمين، في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) بالعجيب مما قاله ونقله عن هذا الفريق، الذين توغلوا في التفسير العلمي إلى حد بعيد، فينقل عن أبي الفضل المرسي وعن غيره، كثيرًا مما فيه مبالغة ومغالاة.
ومنهم الحكيم داود الأنطاكي المتوفى عام (١٠٠٨ هـ)، حيث نقل عنه الرافعي ﵀ تفسير قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] (٢). وغير أولئك كثير، ونكتفي بهؤلاء الأئمة ﵏.
стр. 568
المبحث الرابع موقف مدرسة الإمام الشيخ محمد عبده من التفسير العلمي
وقبل أن أبدي رأيي في هذا الموضوع، لا بد أن أعرض لموقف مدرسة الأستاذ الإمام من التفسير العلمي، لكونه ﵀ إمام النهضة التفسيرية في هذا العصر.
قرأت لكثير من الأساتذة الفضلاء ما يفيد أن مدرسة الأستاذ وقفت موقفًا سلبيًا، بل موقف المعارض من التفسير العلمي. واستدلوا بأن الشيخ رشيدًا في مقدمة تفسير (المنار) لم يرض عن هذا الاتجاه ولكننا إذا دققنا في الأمر وأنعمنا النظر فيه، وجدنا هذا القول تعوزه الدقة فلقد كان لهذه المدرسة السبق في هذا اللنهج، أعني التفسير العلمي.
يقول الأستاذ محمد أحمد الغمراوي (واللطيف البديع أن كبير المفسرين المحدثين، الإمام الشيخ محمد عبده ﵀، فسر بناء السماء طبق قانون الجاذبية، فكان فتحًا في التفسير، وفتوى عملية تبيح تفسير الآيات الكونية في القرآن، طبق ما ثبت أو يثبت على أيدي علماء الفطرة من الحقائق الخاصة والعامة (١) نعم إن الأستاذ الإمام ومن نهج نهجه، لم يفرغوا كل جهدهم للبحث في التفسير العلمي، ولكن مع ذلك كانت لهم لفتات وإرشادات ومباحث في هذا اللون من التفسير، وسأعرض لبعض ما قالوه:
أ- يقول الأستاذ في تفسير جزء عم عند قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ السماء اسم لما علا وارتفع فوق رأسك. وأنت إنما تتصور عند سماعك لفظ (السماء)، هذا الكون الذي فوقك فيه الشمس والقمر وسائر الكواكب تجري في مجاريها، وتتحرك في مدارتها. هذا هو السماء وقد بناه الله أي رفعه وجعل كل كوكب من الكواكب منه بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة جدران تحيط
стр. 569
بك. وشد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة، كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينهما مما تتماسك به) (١).
ويقول عند قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ وطأها وجعلها فراشًا، كما قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وليس في ذلك دليل على أن الأرض غير كروية، كما يزعم بعض الجاهلين، والذي طحاها هو الله).
ويقول عند قول الله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾: (انشقاق السماء مثل انفطارها وهو فساد تركيبها واختلال نظامها، عندما يريد الله خراب هذا العالم، الذي نحن فيه وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجز إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر، فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره) (٢).
ب- ويقول السيد رشيد رضا وهو يتحدث عن الإعجاز العلمي: قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ وكانوا يقولون فيه إنه تشبيه لتأثير الرياح الباردة في السحاب، بما يكون سببًا لنزول المطر، بتلقيح ذكور الحيوان لإناثه. ولما اهتدى علماء أوروبا إلى هذا، وزعموا أنه مما لم يسبقوا إليه من العلم، صرح بعض المطلعين على القرآن منهم بسبق العرب إليه قال مستر (اجنيري) المستشرق الذي كان أستاذ اللغة العربية في مدرسة أوكسفورد في القرن الماضي: (إن أصحاب الإبل قد عرفوا أن الريح تلقح الأشجار والثمار، قبل أن يعلمها أهل أوروبا بثلاثة عشر قرنًا). نعم إن أهل النخيل من العرب، كانوا يعرفون التلقيح، إذ كانوا ينقلون بأيديهم اللقاح من طلع ذكور النخل إلى إناثها. ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن الرياح تفعل ذلك. ولم يفهم المفسرون
стр. 570
هذا من الآية بل حملوها على المجاز) (١).
ثم يقول وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ إن هذه الآية أكبر مثال للعجب بهذا التعبير: أن العناصر التي يتكون منها النبات، مؤلفة من مقادير معينة، في كل نوع من أنواعه، بدقة غريبة لا يمكن ضبطها، إلا بأدق الموازين المقدرة من أعشار الجرام والملليجرام. وكذلك نسبة بعضها إلى بعض في كل نبات. أعني أن هذا التعبير بلفظ (كل) المضاف إلى (شيء)، الذي هو أعم الألفاظ العربية، الموصوف بالموزون - تحقيق لمسائل علمية فنية، لم يكن شيء منها يخطر ببال بشر قبل هذا العصر، ولا يمكن بيان معناها بالتفصيل إلا بتصنيف كتاب مستقل) (٢).
ويقول كذلك في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] إلى قوله ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فهو موافق لما ثبت في الهيئة الفلكية، مخالف لما كان يقوله المتقدمون. ومنه الآيات المتعددة الواردة في خراب العالم عند قيام الساعة، وكون ذلك يحصل بقارعة تقرع الأرض قرعًا وتصخها فترجها، وتبس جبالها بسًا فتكون هباء منبثًا، وحينئذ تتناثر الكوكب والنجوم، وعلى إثبات ما تقرر في الهيئة الفلكية العصرية في ذلك، وفي نظام الجاذبية العامة. ويجد القارئ تفصيل هذا في عدة مواضع من هذا التفسير. فهذا النوع من المعارف التي جاءت في سياق بيان آيات الله وحكمه، كانت مجهولة للعرب، أو لجميع البشر في الغالب، حتى إن المسلمين أنفسهم، كانوا يتأولونها ويخرجوها عن ظواهرها لتوافق المعروف عندهم في كل عصر من ظواهر وتقاليد، أو نظريات العلوم والفنون الباطلة، فإظهار ترقي العلم لحقيقتها المبينة فيه ما يدل على أنها موحى بها من الله تعالى) (٣).
стр. 571
فالشيخ رشيد قد عرض إذًا للتفسير العلمي، بهذه الأدلة التي ذكرناها وبدليل ما ذكره هو من قوله أنه سيعرض للتفسير العلمي في كثير من مواضع تفسيره، وإذًا فلم يقف منه موقف المعارضة كما قيل.
جـ- عرض الشيخ عبد القادر المغربي -وهو علم من أعلام مدرسة الإمام- للتفسير العلمي في تفسيره جزء تبارك.
د- أما الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي ﵀، فعلى الرغم من أنه وقف من هذا التفسير موقف المعارضة في مقدمته لكتاب (الإسلام والطب)، للمرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل، إلا أنه لم يستطع إهمال هذا اللون من التفسير. وسأعرض للحديث عنه وعن سابقه إن شاء الله في الباب التالي عند ذكر منهج المفسرين.
فمدرسة الإمام إذًا قد أسهمت في هذا اللون من التفسير. والوحيد من رجالها الذي لم نجد له آثارًا في هذا اللون، هو الشيخ شلتوت ﵀.
مناقشة ما ذهبوا إليه:
ولنبدأ بمناقشة المانعين وقد عرفنا أن من أبرز هؤلاء وأسبقهم الشاطبي ﵀ وتتلخص دعواه في: -
أمية العرب أمية الشريعة لذا لا يجوز لنا أن نفسر الآيات بما لم يكن معروفًا عند الذين نزل القرآن فيهم، وقد ذكرنا خلاصة لأقواله من قبل، فارجعوا إليها إن شئتم. ونناقش دعوى الشاطبي ﵀ بتقرير ما يلي:
١ - ينبغي أن لا ننسى أن القرآن الكريم وإن نزل في العرب لكنه لم ينزل لهم وحدهم، وإنما نزل للناس جميعًا ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وقال النبي ﷺ : (أعطيت خمسًا لم يُعطهن أحد قبلي
стр. 572
كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ... الحديث) (١) والنصوص في ذلك كثيرة، فالقرآن الكريم والشريعة -إذن- لا ينبغي أن نضيق دائرتها لنحصرها في الأمة الأمية وحدها.
٢ - إن قول الشاطبي ﵀ إن الشريعة أمية جدير بالمناقشة، إذ لا يلزم من أمية الأمة، أمية التشريع، فهذه الشريعة التي أكرمنا الله بها نجدها -ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين- تفوق كل ما وصل إليه الإنسان المتمدين في مجالات الحياة وأنواع التشريع، فليست أمة الشريعة وأمية الأمة سواء.
٣ - ليس معنى كون الأمة أمية أنها ستبقى كذلك، فلقد أكرم الله الإنسانية بهذا الدين، وبهذا الكتاب الخالد، وبهذا النبي العظيم عليه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم، لتسعد الإنسانية وتصعد، وتنهض الأمة بأعباء هذه الرسالة الخالدة، فينقطع دابر الجهل، وتصل إلى أسرار هذا الكون الذي سخره الله لنا سماءه وأرضه وفي ذلك آيات كثيرة منها قول ربنا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] فليس من منطق التاريخ أن تظل الأمة أمية في عصورها كلها. ثم ماذا نقول عن أولئك الذين دخلوا في الإسلام من غير الأميين، كيف يتأتى لهم في مجالات حياتهم، أن تكون الشريعة التي يدينون بها ويخضعون لها أمية لا تتسق مع أوضاعهم، ولو كان ذلك مقبولًا لرفض أئمة المسلمين وعلماؤهم ومفكروهم جميع العلوم والمعارف التي تتنافى مع هذه الأمية.
إن الواقع والتاريخ يشهدان لغير ذلك، لقد هضم المسلمون أنواع المعارف جميعها فأنتجت لهم نوعًا من المعرفة المتصلة بكيانهم، وهي التي
стр. 573
صارت فيما بعد جزءًا من هذا الدين.
٤ - إن دعوى تفسيرنا للقرآن بما لم يكن معلومًا لسادتنا الصحابة رضوان الله عليهم، أمر لا يجوز لأنه فيه انتقاصًا من قدر الصحابة رضوان الله عليهم كما يقول الشيخ ﵀ دعوى غير جائزة، بل هي مردودة تردها نصوص هذا الدين الحنيف، فنحن نعلم أن الله ﵎ أوجب على المسلمين أن يتدبروا القرآن الكريم، ولذا لم يفسر منه سيدنا رسول الله ﷺ إلا آيات قليلة، ليعيش المسلمون دائمًا على مادته، ولو وجب علينا أن نقف عند ما وقف عنده الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكن أي معنى للتدبر، صحيح يجب أن نهتدي بما وصلوا إليه، ولكن ليس معنى هذا أن نحرم على أنفسنا كل ما يفتح الله به من حقائق في فهم هذا الكتاب المبين.
ونرجو أن لا يفهم أحد أننا نفتح الباب على مصراعيه، ليتطاول الناس فيما لا ينبغي لهم، وأن نفسر آي القرآن الكريم تفسيرًا يقوم على الظن والحدس وأن نلهث وراء كل قول وخلف كل نظرية، إن ذلك أمر لا يجوز أبدًا، ولقد نقلنا من قبل ما قاله كثير من العلماء في هذا المعنى، ولسنا مع كثير ممن فسروا آي القرآن الكريم تفسيرًا بعيدًا عن لغته، بعيدًا عن سياق آياته.
يقول الأستاذ محمد رجب البيومي:
نحن الآن في عصر تقدمت فيه الفتوح العلمية تقدمًا مدهشًا، ففي كل يوم جديد طارف تحمله انتصارات العقل البشري، فتسير به الصحف اليومية مقرظة مادحة، والمجلات العلمية مفصلة شارحة، وقد تطوع رهط من أولى العلم والثقافة، فأخذوا يدرسون آيات الكتاب الكونية دراسة هادية، ويحاولون أن يستشفوا من خلالها أقباسًا وضيئة، تشير إلى ما جد من مخترع واستحدث من مكتشف، على حين قام فريق آخر من أولي العلم أيضًا يناهض هذا الاتجاه ويحاربه ويرى أن تظل نصوص القرآن بعيدة عما يراد لها من التوجيه والاستدلال، ولا نريد أن نعجل
стр. 574
بالحكم في هذه القضية الدقيقة، قبل أن نستعرض أدلة أولئك وهؤلاء، ليطمئن القارئ إلى وجه يرضيه! .
يذهب الذين يريدون أن يفسر القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، تؤيده النظريات المستحدثة إلى أدلة واضحة محددة، فهم يرون أن القرآن ليس للعرب فقط حتى يكون إعجازه بلاغيًا يلمس الفصحاء وحدهم ويدركه من فهموا أسرار البيان العربي من ذكر وحذف- ووصل وفصل، ولكنه إعجاز بشري يشمل الناس كافة من آسيويين وأوروبيين وأمريكيين وأفريقيين، وهؤلاء العجم من غير العرب يستطيعون أن يفهموا نواحيه العلمية والنفسية والاجتماعية فلو اقتصر الإعجاز القرآني على الوجه التشريعي أو البلاغي لفات هؤلاء جميعًا أن يروا أقباسًا وضيئة من نور الله، كما أن القرآن ليس خاصًّا بجيل واحد من الأجيال، فنحصر تفسيره فيما يروى عن الصحابة والسلف من أقوال، ومن حق كل جيل أن يفهم منه ما يمتد إليه بحثه العلمي والنفسي والاجتماعي من استنباط وقياس! ! فإذا حاول أبناء القرن العشرين أن يجدوا في بعض آياته تعضيدًا لما سطعت به الفتوح العلمية من حقائق، فإنهم بذلك يزدادون إيمانًا ويقينًا، وهذا كسب كبير للنصوص الدينية في عهد يفيض بالشكوك ويمتلئ بالإلحاد! ! على أن هؤلاء الملاحدة المتشككين لا يجدون حجة يستطيلون بها على المؤمنين إذا وجدوا الحقائق العلمية تؤيد ما يتشككون فيه من هدي كريم، فنخرس ألستتهم أمام الحجج الساطعة، ويجد كتاب الله له من النظريات الثابتة أسسًا تدعمه وأركانًا وطيدة تقويه وتعليه! ! .
هذه هي أهم ما يحتج به أنصار التفسير العلمي للقرآن من أقوال وقد بسطها العالم المتمكن الغيور الأستاذ محمد أحمد الغمراوي غير مرة في أعداد مختلفة من الرسالة (١)، وجاء كتابه العلمي النفيس (في سنن الله الكونية) تطبيقًا عمليًا لما يرتئيه، وقد احتاط احتياطًا مفيدًا حين وضع القيود المحكمة لهذا التفسير العلمي
стр. 575
فقال نقلًا عن الرسالة (١) (وقبل أن نورد الأمثلة التوضيحية، يجب أن ننبه إلى أمرين مهمين، الأول أنه لا ينبغي في فهم القرآن الكريم أن نجدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا قامت القرائن الواضحة تمنع من حقيقة اللفظ، وتحمل على مجازه، لأن مخالفة هذه القاعدة الأصلية قد أدى إلى كثير من الخلط في التفسير.
أما الأمر الثاني فهو أنه ينبغي ألا نفسر كونيات القرآن إلا باليقين الثابت من العلم، لا بالنظريات ولا بالفروض، لأن الحقائق هي سبيل التفسير الحق، هي كلمات الله الكونية ينبغي أن يفسر بها نظائرها من كلمات الله القرآنية، أما الحدسيات والظنيات فهي عرضة للتصحيح والتعديل، إن لم يكن للإبطال في أي وقت).
وإذن فهذان قيدان مفيدان وضعهما الأستاذ الغمراوي ليحول دون الشطط في التأويل والجموح في التطبيق، وقد جاء الأستاذ الأكبر محمد مصطفى المراغي ﵁ بقيد ثالث نضيفه إليها حين قال: (يجب ألا نجر الآية إلى العلوم كي نفسرها، ولا العلوم إلى الآية كذلك، ولكن إن اتفاق ظاهر الآية مع حقيقة علمية ثابتة فسرناها بها) (٢) ويمكن القارئ أن يأخذ هذا القيد مستشفًا من خلال القيدين السابقين إلا أنني آثرت أن أسجله صريحًا واضحًا، ليكمل التوجيه المحتوم لمن يتعرض إلى كتاب الله بتفسير علمي رشيد، في ضوء هذه التوجيهات الصريحة قطع العلماء من المتفقهين شوطًا حميدًا في تفسير بعض الآيات الكونية والطبية -فضلًا عن النفسية والاجتماعية، فجاءوا بما يجب ويروق مما لا يتطرق إليه التعسف والافتعال وأصبح القارئ المثقف يجد تفسيرًا علميًّا شافيًا لأمثال قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩، ١٠] وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا
стр. 576
فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وإذا كانت بعض الآيات الكونية لا تزال في دور التطبيق الصريح فإن أكثر الآيات الطبية قد وجدت من العلم نصيرًا مجددًا، فأصبح من الإعجاز العلمي للقرآن أن نقرأ قول الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] ونحو ذلك مما انبسط فيه مجال القول للمتخصصين، فكان إحدى معجزات القرآن الكريم.
أما الفريق الآخر ممن لا يرون أن نجذب التفسيرات العلمية إلى آيات الكتاب، فيذهبون إلى أن القرآن قد خاطب العرب أول من خاطب من الناس، وهم قوم أميون لا يحتاجون في فهم النصوص الصريحة إلى التغلغل في العلوم الكونية، والرياضيات الهندسية، وقد واجههم القرآن بما في مقدورهم أن يستوعبوه من الكلام، فأدى رسالته معهم على أحسن وجه يتاح، إذ فهموا مبادئه ودرسوا شرائعه دون أن تكون بهم حاجة إلى نظرية علمية، أو فلسفة كونية فعلى المفسرين أن يفهموا من القرآن ما فهمه العرب الأوائل، إذ أن كتاب الله لسان هداية، ومنار توجيه، أنزله الله على نبيه ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا ليتحدث عن أسرار البرق والرعد والمطر والرياح، ولا ليحدد مواضع الشمس والقمر والنجوم والبحار والجبال ... ثم إن النظريات العلمية في الكون لا تستقر على حال فقد تثبت القضية الكونية لدى جيل من الأجيال، حتى تصبح أمرًا بدهيًا لا يجوز فيه الاختلاف، ثم يدور الزمن فيجد من النظريات ما يقلب الأولى رأسًا على عقب، فإذا فسرنا القرآن بمقتضى النظر العلمي فإننا نجعله ميدانًا للتأويل المتناقض المضطرب حتى ليجوز أن نتخذ من الآية الواحدة دليلًا للإثبات في زمن، والنفي
стр. 577
في زمن آخر، ومثل ذلك عبث بالغ يجب أن يتنزه عنه كتاب الله.
ومما جعل الآذان تصغي كثيرًا إلى هذا الفريق أن أناسًا ممن لا يجمعون بين النظر الصائب والعلم الصحيح قد دفعهم حب الابتكار إلى تفسير بعض الآيات تفسيرًا بدائيًا لا يستند إلى دليل، فحين يظهر مكتشف ما من المكتشفات يسارع هؤلاء السطحيون، فيقتطعون من كتاب الله ما يوهم صاحب النظر المتسرع أنه يسير مع المكتشف الحديث، ثم يَملَؤون الصحف هراء بتمحلاتهم الكاذبة، وافتئاتهم المقيت، ويدعون عند ذلك أن كتاب الله قد ألقى إليهم بأسراره، فهم قديرون على أن يستنبطوا منه قضايا العلم الحديث، وينسون أنهم في تمحلهم الكاذب يخبطون خبط عشواء! ! .
تجد أحد هؤلاء يتحدث عن التصوير الشمسي فيستدل بقول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥].
أو يتحدث عن الأثير فيستدل بقول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] أو يتحدث عن القمر الصناعي فيستدل بقول الله ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] أِو يلم بآلة التسجيل الهوائي للأصوات فيستشهد بقول الله ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أو يشير إلى تحطيم الذرة فيقرأ قول الله ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وربما تجرأ هؤلاء الأدعياء فكتبوا المؤلفات المتتابعة تحت عنوان (بين العلم والقرآن) وظنوا أنهم بتسرعهم العاجل يقاربون بين العلم والدين! ! وأذكر أن فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت قد كتب في الرسالة (١) ردًّا مسهبًا ضافيًا يفند به ما ذهب إليه هؤلاء الأدعياء من تعسف مقيت، فبسط الحجج المقنعة على فساد نظرهم الطائش واستدل بالنقل والعقل على شططهم الكريه، ثم قال في ختام حديثه: (فلندع للقرآن عظمته وجلالته ولنخلع عليه قدسيته ومهابته،
стр. 578
ولنعلم أن ما تضمنه من الإشارة إلى أسرار الخلق، وظواهر الطبيعة، إنما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر ليزداد الناس إيمانًا مع إيمانهم، وحسبنا أن القرآن لم يصادم ولن يصادم حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول).
وكلام الأستاذ الأكبر -كما هو واضح جلي- موجّه إلى من يهجمون على التأويل دون دراسة فاحصة فلا يربطون الآيات بعضها ببعض، أو يلتفتون إلى أسباب النزول وأسرار البيان أو يحكمون السياق الأسلوبي للقرآن، بل يندفعون وراء الحدس الظني والخيال الوهمي ثم يجترئون فيطبقون ويؤولون! ! أما من يتقيدون بالنهج الصحيح في التزام اليقين الثابت من العلم، والصريح الواضح من الآية دون أدنى تكلف يدعو إلى الاعتساف والشطط، فما نظن إلا أن الأستاذ الأكبر يوافق سلفه الأستاذ الأكبر المراغي على منحاه في تفسير ظاهر الآية بالحقيقة العلمية دون تكلف أو افتعال لأن كتاب الله كما يقول الأستاذ شلتوت (لم يصادم ولن يصادم حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول) هذان رأيان متقابلان وبالنظر إلى أدلة كل رأى على حدة، نجد أن الذين ينادون بابتعاد القرآن عن التفسير العلمي مصيبون كل الإصابة، إذا كان التفسير قائمًا على الظن الوهمي، أو التعسف التأويلي، أما إذا كان مستندًا إلى الصريح من القول معتمدًا على اليقين الثابت من العلم، فلا يمنع إطلاقًا أن نستضيء بشعاع العلم في إيضاح حقائق الذكر الحكيم، وإذا كان القرآن كتاب هداية وإرشاد، فإن آياته العلمية لا تحول دون هذه الهداية المبتغاة! بل تؤكدها وتدعو إليها الجاحدين، أما من يقول: إنه نزل في أمة أمية لا تعرف النظر العلمي فنحن نردّ عليه بأنه لم ينزل لأمة واحدة أو قرن واحد، بل لجميع الأمم في شتى القرون المتعاقبة ليأخذ كل جيل من هديه ما يناسب استعداده الذهني والنفسي ولن يضير اللهر المترقرق أن يرتوي منه غلام ناشئ أو شاب مكتمل، ولن تجد حجة لمن يدعون تناقض العلم واضطرابه لأننا في هذا التفسير المرتقب لن نأخذ بغير اليقين الثابت مما صححته الأجيال المتعاقبة دون أن نكر عليه بالنقض والتفنيد، وسنتمسك بالقيود الملزمة التي فرضها العلماء على أنفسهم وسجلناها مركزة في صدر
стр. 579
هذا المقال، وقد التفت المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي إلى هذه الناحية من الإعجاز العلمي، فأيد ما ذهب إليه العالم التركي مختار باشا في كتابه (سرائر القرآن)، ونقل قدرًا منه في الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب (١) ثم قال الرافعى (٢):
(ولعل متحققًا لهذه العلوم الحديثة لو تدبر القرآن الكريم وأحكم النظر فيه، وكان بحيث لا تعوزه أداة الفهم ولا يلتوي عليه أمر من أمره، لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم وإن لم تبسط أنباءها، وتدل عليها وإن لم تسمها بأسمائها، بلى، وإن في هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعونًا على تفسير بعض معاني القرآن والكشف عن حقائقه، وإن فيها لجامًا ودربة لمن يتعاطى ذلك، يحكم بها من الصواب ناحية، ويحرز من الرأي جانبًا، وهي تفتق له الذهن، وتواتيه بالمعرفة الصحيحة على ما يأخذ فيه، وتخرج له البرهان وإن كان في طبقات الأرض وتنزل عليه الحجة وإن كانت في طبقات السماء! ! ).
ومما يدور حول هذه المعاني ما كتبه الأستاذ الأكبر المراغي في مقدمة كتاب (الإسلام والطب الحديث) لعبد العزيز إسماعيل وكنت أوثر أن أنقل بعض حديثه لولا أنه ليس تحت يدي الآن.
على أن هذه الدعوى المخلصة إلى النظر في كتاب الله على ضوء من العلم الحديث يجب أن ننتفع انتفاعًا واعيًا بما اصطدمت به عند التطبيقات الأولى في الغابر والحاضر من أخطاء لنحيد عنها في دورها التطبيقي الجديد، فنحن نجد أن تفسير الفخر الرازي قد أثقل إثقالًا بالآراء الكونية والعلمية التي فاض بها القرن الخامس من الهجرة فجاء في كثير من صفحاته بعيدًا عن الجو القرآني حتى قال فيه بعض الباحثين: إنه يجمع كل شيء غير التفسير! ! وأنا أعتقد أن الرازي قد كتبه لخاصة تلاميذه فأتخمه إتخامًا حال دون ازدهاره بالقياس إلى غيره. على جودة
стр. 580
حكمه وصائب رأيه، كما نجد أن المسألة قد كررت في صورة مكبرة حين جاء الأستاذ طنطاوي جوهري- فملأ تفسيره الضخم بمئات المسائل العلمية التي تتحدث عن مظاهر الكون حديث الكيميائي والطبيعي والفلكي والجغرافي والنباتي، فهو ينتهز كلمة عابرة كالرعد أو الأرض أو النحل أو النمل ليفيض في دقائق علمية تعرض خواص هذه الأشياء دون أن تدعو إليها حاجة التفسير المعقول للكتاب الكريم! ، ولقد سُجل رد الشيخ رشيد على الإمامين الرازي وطنطاوي جوهري رحمهما الله تلميحًا في مقدمة الجزء الأول من التفسير، وتصريحًا في مجلة المنار (١) حيث يقول من حديث طويل: (ثم توسع المؤلف -يعني الشيخ طنطاوي جوهري- في هذا التفسير الذي يرجو أن يجذب طلاب فهم القرآن إلى العلم، ومحبي العلم إلى هدي القرآن في الجملة، والإقناع بأنه يحث على العلم لا كما يدعى الجامدون من تحريمه له، أو صده عنه، فهو لم يعن تبيان معاني الآيات كلها، وما فيها من الهدى والأحكام بقدر ما عني من سرد المسائل العلمية وأسرار الكون وعجائبه، ولا يمكن أن يقال: إن كل ما أورده فيه يصح أن يسمى تفسيرًا له، ولا أنه مراد الله تعالى من آياته، وما أظن أنه هو يعتقد هذا). وإن ما وجه إلى المتبحرين في مسائل الفلسفة والعلم لأدنى مناسبة واهية كالفخر الرازي والشيخ طنطاوي جوهري من ناحية، والى المتكلفين أوجه التأويل عن طريق الكناية والمجاز من ناحية ثانية، ليدعونا دعوة صادقة إلى أن نتجنب كل خطأ وقع فيه أولئك وهؤلاء حتى يكون التفسير المنتظر صائب النظر صادق الإقناع، فيشفي النفوس المريضة ويرشد الأبصار الحائرة ويدعو إلى صراط مستقيم).
ونحن مع الأستاذ فيما ذهب إليه من أن التفسير لا ينبغي أن يؤخذ على علاته أو يزاوله كل أحد، نمثل لهذا بكتاب (الآيات الكونية) للأستاذ حنفي أحمد الذي سنناقشه في المبحث الآتي.
стр. 581
المبحت الخامس التفسير العلمي للآيات الكونية للأستاذ حنفي أحمد (١)
كثيرون هؤلاء الذين دفعهم عامل إخلاصهم لقرآنهم، مشفوعًا بروح البحث العلمي، ممن سلكوا نهج صاحب (الجواهر) الشيخ طنطاوي ﵀، وتأثروا به فحري بهم أن يكونوا من رجال مدرسته العلمية في تفسير القرآن، ولكني آثرت هذا الكتاب، أعني (التفسير العلمي .. ) عند الحديث عن الاتجاه العلمي، لأنه ليس تفسيرًا تامًّا لكتاب الله تعالى.
والأستاذ حنفي كما يتضح لنا من خلال كتابه هذا، من ذوي الغيرة على دينه وعقيدته، ملم بقضايا العلم الكوني حديثه وقديمه، كما يتميز بسعة الاطلاع على أقوال المفسرين ﵏، على اختلاف عصورهم وبيئاتهم، ولا بد قبل كل شيء من أن نتبين المنهج الذي رسمه الأستاذ في بحثه.
أولًا: منهج الأستاذ في بحثه:
يقول الأستاذ (٢): (وتقوم طريقة البحث في هذه الكتاب، على الطريقة المتبعة في البحوث العلمية. فقد بدأت أولًا بحصر جميع الآيات المختلفة، عن الكائنات المنبثة في السور المختلفة من الكتاب العزيز، ثم رتبتها وقسمتها على حسب موضوعاتها، واقتبست منها ما يتطلبه البحث. فوقعت بذلك في خمسة أبواب أو موضوعات أصلية وهي:
١ - الخلق العام للسماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما.
стр. 582
٢ - الخلق الخاص بالأرض التي يسكنها الناس وإعدادها للحياة.
٣ - خلق النبات والحيوان.
٤ - خلق الإنسان.
٥ - حوادث فناء العالم بقيام الساعة.
وقد صدرت هذه الأبواب، بمقدمة هامة موجزة، يحتاج إليها كثير من القراء، وجعلتها في فصلين:
أولهما: عن رسالة القرآن والآيات الكونية.
والثاني: عن وسائل البحوث الفلكية وبعض نتائجها الهامة.
وجعلت كل باب في فصول متعددة، وبعض الفصول في مباحث، وذلك تيسيرًا للبحث.
وقد استعنت في هذه المرحلة، (بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن) الذي وضعه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ثم انتقلت بعد هذه المرحلة إلى إثبات معاني الآيات المقتبسة، بعد ترتيبها في كل موضوع حسب إيضاح المفسرين، مع النقل الحرفي في بعض الأحيان، من مشهور التفاسير المتداولة، كتفسير (الجلالين) (وأبي السعود) و (الفخر الرازي) وغيرها من التفاسير المعتمدة.
واستعنت عند الحاجة في تحقيق معاني الألفاظ، بمعجمات اللغة كأساس البلاغة للزمخشري وغيره، ويكتاب (المفردات في غريب القرآن) للإمام الراغب الأصفهاني. وهو معجم نفيس في استجلاء معاني ألفاظ الكتاب العزيز.
فتم بذلك إثبات معاني الآيات وفق مقتضيات اللغة، ومتواتر المنقول عن غرائبها، وهو الشرط الأول الذي يجب أن يستوفيه، كل من يتصدى للنظر والبحث في كلام الله، الذي بينته في الفصل الأول من المقدمة. ثم عقبت بعد ذلك على
стр. 583
إيضاح المفسرين في كل موضوع، بتعليق يتم نواحي البحث، ويوضحها ويلقي ضوءًا ساطعًا على المقاصد والغايات وحين الخلاف في الرأي رجعت إلى العقل، ودعمت الرأي بالدليل، في نطاق القاعدة الأساسية للتفسير، وهي (الأخذ بظاهر المعنى، ما لم يمنع منه مانع من العقل أو النقل، في حدود المعاني المحتملة للألفاظ والآيات، دون نقص أو زيادة).
وبعد أن أتممت بالتعليق استجلاء معاني الآيات، في حدود ألفاظها وعلى ضوء العلم، وضعت هذه المعاني على هيئة قضايا -مقررة أو ظنية- مستنبطة من نصوص الآيات أو من ربط بعضها ببعض، أو بعبارة أخرى وضعتها في صورة موجزة محدودة تبين ما تحتويه الآيات من علم جزئي أو كلي، منزل عن الكائنات، لكي يسهل مقابلتها بنظائرها من قضايا العلم.
وأخيرًا عقدت في كل فصل أو باب، مقابلة بين القضايا القرآنية والقضايا المناظرة لها، مما أثبتته أحدث البحوث العلمية من حقائق ونظريات علمية. ثم بينت ما بين هذه وتلك من الاتفاق أو التعارض -إن وجد- ثم ما تدل عليه هذه المقابلة من وجوه الإعجاز في الآيات الكونية. ونظرًا إلى كثرة صحائف هذا الكتاب، ولتيسير الإطلاع عليه جعلته في جزأين: الأول منها يشمل المقدمة والبابين الأول والثاني، والثاني: منها يشمل الأبواب الثلاثة الأخيرة) (١).
ولكن الذي بين أيدينا إنما هو الجزء الأول فقط، وكنا نرجو أن يصدر الجزء الثاني كي ننظر فيه، وننبه على ما لعلّه يقع فيه من ثغرات وأخطاء
تقسيمه للآيات الكونية والقضايا المستنبطة منها:
والأستاذ يقسم الآيات الكونية إلى قسمين، فبعد أن يعرفنا أن الآيات الكونية، هي التي جاءت تتحدث عن خلق العالم، وما فيه من إبداع ونظام، وقد وجه القرآن
стр. 584
أنظار الناس إليها، هذه الآيات سميت الآيات الكونية، لأنها تتحدث عن هذا الكون المادي، يقسم هذه الآيات إلى قسمين: قسم يوضح المنهج الإلهي والسنن الحكيمة في إيجاد الخلق وإنشاء الحوادث، وقسم يتحدث عن المخلوقات، ويصف نظام إيجادها الحكيم وأحوالها، وفقًا لأحكام سنته، وتنفيذًا لإرادته ومشيئته، ويصف ما فيها من رحمات ونعم للعباد. ولا يخفى أن الآيات الكونية من القسم الثاني، هي موضوع البحث في معظم الأبواب بجزأي الكتاب (١).
ثم يبين أنواع القضايا المستنبطة من القرآن عن الكائنات (٢) صراحة أو إشارة، بعد استخلاص معانيها من التعليق وإيضاح المفسرين. وهذه القضايا كما يقول:
أ- منها ما كانت مقدماتها وافية وأدلتها قاطعة، فنسميها القضايا المقررة.
ب- أما ما كانت مقدماتها غير وافية وأدلتها غير قطعية قيطلق عليها (القضايا الظنية)، وهي ما غلب عليها الظن فارتفعت عن درجة الاحتمال إلى ترجيح معنى ما.
جـ- وهي قضايا ذات معان محتملة، وليس فيها ما يرجح معنى على آخر. فيجدر بها أن تسمى كما يقول قضايا محتملة:
ويمثل لكل واحد من هذه الأنواع فيمثل للنوع الأول، بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] فإنه يستنبط من قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أن السماء قبل تكوينها كانت مادة دخانية، وأنه تعالى كونها وخلقها منها .. ويأتي بأمثلة متعددة لهذا النوع الذي إما أن يكون وصل إليه العلماء عن طريق صحيح، وأشار إليه القرآن، أو علم صحيح بينه القرآن صراحة. أما القضايا الظنية المأخوذة من صريح النص، فيمثل لها بقضية نشوء الأرض والكوكب من النجوم، وأما
стр. 585
القضايا الظنية المأخوذة من إشارات في نصوص الآيات، فيمثل لها بورود ذكر النجوم في القرآن، أكثر بكثير من ذكر الكواكب ويبني على ذلك نتائج منها، أن النجوم أكثر عددًا وأعظم شأنًا في السماء من الكواكب.
وأما القضايا المحتملة المأخوذة من صريح النص، فيمثل لها بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. (وفي اللغة لفظ) (موسعون)، إما مشتقة من أوسع (اللازم) بمعنى جعل الشيء واسعًا، وإما من أوسع (المتعدي) بمعنى التوسيع والزيادة في الشيء. فبناء على ذلك يكون معنى قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أنه تعالى بنى السماء وجعلها واسعة، أو أنه بناها، وأنه يوسع ويزيد في سعتها. ومن هذا يتضح أن للآية معنين محتملين، لا ترجح أحدهما على الآخر. ولكن قد يوجد في آيات أخرى ما يرجح أحدهما أو يرجحهما معًا (١).
تقديره لجهود السابقين ودعوته إلى تفسير علمي:
والأستاذ إذ يعترف للعلماء بجهودهم في البحث -كالأستاذ محمد الغمراوي في كتابه (سنن الله الكونية) والأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري- إلا أن الأستاذ حنفي يأخذ على أستاذه صاحب الجواهر، أنه كان يسهب. يقول: (وأستاذنا المرحوم الشيخ طنطاوي، في تفسيره الواسع للقرآن، الذي أفاض وأسهب فيه، وبين كثيرًا من العلوم المختلفة التي تشير إليها الآيات الكونية، لولا أنه ﵀ قد زاد في هذا البيان، حتى جاوز حدود معاني الآيات، ولم يحاول الجمع بينها، فخفي بذلك كثير من حقيقته، ومقدار العلم المنزل فيها، على كل حال فقد كان ﵀ من المجتهدين، والله لا يضيع أجر المحسنين) (٢) وهو لا ينسى أن يقدر للمفسرين السابقين جهدهم في تفسير الآيات الكونية، ويعتذر عن عدم إيفائهم الموضوع حقه، (فلم يجمعوا الآيات الكونية مثلًا، ليستنبطوا منها معانيها كما فعلوا
стр. 586
في آيات الأحكام. فليس ذلك عن قصور فيهم، وإنما يرجع إلى عدم توفر الإمكانات العلمية عن هذا الكون عندهم، وعند غيرهم من للناس، ومع هذا كله فرغم تقدم العلم في عصرنا، فلا زالت آيات القرآن غير موضحة دقائقها العلمية عن هذا الكون، اللهم إلا طرفًا يسيرًا منها. ويرجع السبب في ذلك إلى وراثة العقيدة التي كانت ولا تزال سائدة في الأذهان، بأن القرآن رسالة هداية وإرشاد، ولا شأن لها بالوصول إلى العلوم الكونية، وأن حديثه عن الكائنات لا يحتاج في فهمه، إلا لمجرد التعقل والخبرة العادية، وأنه بذلك لا يحوي دقائق أو تفاصيل عن طبائع الكائنات، تتطلب علمًا خاصًّا لإبانتها ودركها، ولأن الحديث عن الكون جاءت آياته مفرقة بين السور القرآنية، مخالفًا لما هو معروف لديهم في تصنيف الكتب العلمية (١).
لذلك كله أصبح ضروريًا أن يتعاون في تفسير القرآن، العالمون بأسرار الشريعة وفقه اللغات وبلاغتها، والعلماء الأخصائيون (٢) في مختلف العلوم، والنظر في خلق الله العجيب لبناء صرح إيمان قوي ثابت (٣). ذلك لأن القرآن جاء معجزًا في بلاغة أسلوبه وسمو معانيه وجوامع كلمه. وجاء معجزًا بما قصه من سير الأنبياء والمرسلين السابقين، التي ما كان يعلمها سوى علماء أهل الكتاب. وجاء معجزًا بما تضمن من تشريعات حكيمة ومثل عليا، تتفق مع إطباح البشر في كل مكان وزمان، تكميلًا لفطرتهم وضمانًا لسعادتهم وجاء معجزًا بما حوى من آيات العلم والمعرفة الصحيحة، عن الجانب المادي من الكون، مما لم يكن للناس علم به قبل نزوله أو بعده، حتى جاء العلم الحديث بوسائل بحثه الدقيق، المستندة إلى
стр. 587
الخبرة والمشاهدة منذ أكثر من قرنين من الزمان، فكشف عن كثير منها وأماط اللثام عن حقائقها، ولم تتعارض حقائقه معها في شيء ما).
(ولما كان القرآن كتابًا للناس جميعًا، يأخذ كلّ بقدر ما منحه الله من فهم وعلم وحكمة)، لذلك جاء أكثر الأنباء الدقيقة عن الكائنات بطريق الإشارة لكيلا يستعصي فهمها على العوام، وقصد بالخطاب فيها ذوو البصائر من العلماء، وجاء ما فيها صريحًا من ظاهر الآيات لمناسبته لعقول كافة الناس. وهذه وتلك بلاغة وحكمة في التبليغ، لا تجدهما في كتاب آخر) (١).
شروط المفسر كما يراها:
هذا، وينقل عن الإمام الغزالي ﵁ فصلًا في شروط التفسير، ثم يستخلص منه حقائق أذكر هنا بعضها قال:
"ثالثًا: يقوم تفسير ظاهر القرآن على شرطين:
١ - أن يلتزم المفسر حدود المعاني اللغوية للألفاظ، مع عدم التأثر برأي خاص، أو ميل مع الهوى.
٢ - أن يراعي ما في القرآن من الغرائب التي هي دلائل الإعجاز، والتي لا تعرف إلا بالسماع والنقل، مثل: (الإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتدرج في البيان وغيرها.
رابعًا: لا يفي تفسير ظاهر القرآن وترجمة ألفاظه، بفهم معانيه الدقيقة وما فيه من أسرار، ولا تنكشف هذه المعاني الدقيقة إلا للراسخين في العلم، كلّ إلى حد بقدر ما وهب من علم وفهم وما أوتي من حكمة) (٢).
стр. 588
نبذة موجزة للقواعد والنظريات التي توصل إليها العلماء:
ولقد أحسن المؤلف صنعًا، حينما عقد فصلًا خاصًّا ضمنه النتائج العلمية لأبحاث الفلك والجيولوجيا، قديمها وحديثها، بقدر ما يتطلبه بحثه في تفسير الآيات، وذلك لكي يسهل على القارئ الاستعانة بهذه النتائج، ومقابلتها مع القضايا القرآنية المستنبطة، فتكلم مثلًا في هذا الفصل عن:
أ- علم الفلك القديم كما تكلم في علم الفلك الحديث، عن السدم وأقسامها والمجرات الشمسية، وعن الوسائل العلمية في العلوم الفلكية، وطريقة استخراج النتائج بواسطتها، وعن أهم هذه النتائج لقياس الأبعاد للقمر والشمس والنجوم في المجرة، وأبعاد المجرات الخارجية كذلك.
ب - تقديره درجة حرارة سطوح الأجرام السماوية، وهي السيارات التي في المجموعة الشمسية كالقمر وعطارد والزهرة والمشتري له.
ج- التركيب الكيميائي لسطوح النجوم والسيارات.
د - الإضاءة الذاتية والإشعاع الكلي لسطوح النجوم والسيارات.
هـ - تقدير الأحجام والأوزان.
و- أشكال وحركات الأجرام الالتفافية حول محاورها .. إلى آخر هذه التتائج مارًا بسرد نظريات النشوء لهذا الكون.
ز - تكوين الكرة الأرضية والعوامل التي أثرت عليها.
مأخذ على المؤلف:
على أن هناك مأخذًا لا بد من الإشارة إليه. لأنه في رأي يشكل خطرًا من نفسيات المؤلفين ينعكس على نفسيات القراء. لقد ذكر المؤلف نبذة عن تاريخ الفلك، مبتدئًا بقدماء المصريين وأهل بابل إلى اليونان، ثم قفز قفزة كبيرة حيث
стр. 589
تجاهل كلّ ما للمسلمين وحضارتهم من جهود طيبة مشكورة في هذا المضمار. من إبداع، مما شهد به علماء العصر الحديث، سواء أكان من ناحية الوسائل التي اتبعت، أم من حيث النتائج التي توصل إليها، مما كان له الأثر الكبير في النهضة الحديثة)، ولكن كثيرًا من المؤلفين مع كلّ أسف، لا يلقون بالًا لتلك الحقبة الذهبية في تاريخ الإنسان، متأثرين في ذلك بهؤلاء الذين أسرتهم العصبية الجنسية والطائفية، فاتهموا العقلية العربية المسلمة، بأنها عقلية حافظة ناقلة فحسب، ليس من شأنها أن تبدع أو تنتج، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. ومهما يكن من أمر فلقد كان لزامًا على المؤلف أن يذكر ما أسهمت به أمته في تراث الإنسانية العلمي، ولكنه سامحه الله لم يفعل.
وبعد هذه الإلمامة عن منهج المؤلف، لا بد من استعراض بعض النماذج كي نتبين من خلالها طريقة الرجل وموضوعيته في البحث، والتزامه بالنهج الذي رسمه.
ثانيًا: نماذج من التفسير:
يذكر المؤلف عند هذه الآيات أقوال بعض المفسرين، ثم يتبعها بتعليق على تلك الأقوال:
أ- آيات خلق السماوات والأرض:
١ - تفسيره قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يقول: (وكنا نرى أن المثل معناه كلّ ما يشبه غيره في صفة واحدة أو أكثر. فيكون معنى الآية، أنه تعالى خلق من جنس الأرض التي يسكنها الناس أرضين تشبه السماوات السبع في صفة أو أكثر. وبما أنه خصص السماوات بالعدد (سبعة)، فالراجح أن يكون هذا العدد، هو أحد أوجه المثلية المقررة بينهما. وقد ذكر المفسرون آراء مختلفة عن مكان
стр. 590
الأرضين دون أن يذكروا ما يدعمها من الشواهد.
ونرى أن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، الذي معناه وخلق من جنس الأرض مثلهن، مع قوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، يفيد أنه تعالى خلق سبع سماوات من غير جنس الأرض. وعلى هذا الاعتبار، يكون معنى الآية أن الله تعالى خلق سبع سماوات غير أرضية، وخلق أرضين متعددة منها الأرض، التي يسكنها الناس، تشبه السماوات السبع في بعض الصفات، وليس في كلّ الصفات لأنَّها مختلفات في الجنس على الأقل. والصفات التي يمكن أن تشترك فيها السماوات السبع غير الأرضية والأرضون، مع اختلافها في الجنس، ولا تدل عليها الآية صراحة كثيرة منها:
أ - التركيب الكيميائية من حيث نوع العناصر وحدها أو مع النسبة بينهما.
ب - وطريقة الخلق والنشوء.
ج - والشكل.
د - والعدد وطريقة الانتشار في الفضاء.
هـ - والحركة أو السكون وغير ذلك (١).
هذا الذي ذكره الأستاذ تعليقًا على إيضاح المفسرين في هذه الآية، وهو بلا ريب يحتاج إلى الضاح، لما فيه من إبهام وغموض. إن الأستاذ لم يزد على ما قاله المفسرون القدامى، بل والحق يقال، إن ما ذكروه أكثر وضوحًا وأظهر معنى.
٢ - رأيه في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]: وليته يقف عند هذا الحد، ولكننا نراه يذهب إلى ما هو أبعد من هذا وأكثر غرابة، وأشد بعدًا عن العقل والنقل، وذلك في تفسيره قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهو
стр. 591
يرى أن هذه الآية إنما تتحدث عن مرحلة خاصة، وهي ما بين نفختي الصور المشار إليهما بقول الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨] فالألف سنة هي ما بين النفختين.
والعجيب أنه ينقل هذا عن المفسرين كما يقول، ولم يذكر لنا المفسر الذي نقل عنه، ولا التفسير الذي نقل منه. ويرجح هذا القول معللًا له بتعليلات عقلية كما يقول.
وهذه عبارته، (وحيث إن العقل يقضي بأن العالم الحي من العباد، ينقطع تدبيرهم وتصريفهم لشؤونهم بين النفختين؛ لأنهم يكونون وقتئذٍ أمواتًا فلا تكون لهم شؤون تصرف، وأن العالم غير الحي من سماوات وأرضين، مسخر ولا ينقطع تدبير وتصريف أمره ما دام في الوجود، بل إنه يكون مستمرًا في صورة هدم كيانه وبنائه من جديد بعد النفخة الأولى، فلهذه الأسباب يرجح لدينا أن المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ .... ﴾. إلى آخر الآية هو انقطاع وتوقف تدبير الخلق العاقل لشؤونهم، في الفترة بين النفختين حيث يكونون أمواتًا، وأن فترة هذا التوقف التي قدرها الله بألف سنة من سني الدُّنيا، هي مقدار الزمن بين النفختين) (١). وما ذكره المؤلف بعيد كلّ البعد، عما تشير إليه الآية - والله أعلم بمراده - لا لأنه مخالف لما ذكره المفسرون، فإن الله ييسر فهم كتابه لمن شاء وربما يصل المتأخر إلى مكنون آية غفل عنه المتقدم، ولكن لأن ما ذكره مخالف للسياق والمأثور. فسياق الآية أولًا، لا يشير من قريب أو بعيد إلى أن هذا العروج، وذلك اليوم إنما هو بين النفختين، بل على العكس من ذلك. إن سياق الآيات في شؤون هذه الحياة من تدبير الله أمر هذا الخلق، وهو ما يدل على عظمة الخالق، وأما المأثور فقد ورد في صحيح الإمام مسلم ﵁ عن أبي هريرة - رضي
стр. 592
الله عنه - (أن بين النفختين أربعين) (١) وعند ابن مردويه (إنها أربعون سنة) (٢). فلا أدري بعد ذلك كله كيف استساغ المؤلف مثل هذا التأويل، مع مخالفته للسياق والمأثور؟ ! ).
٣ - رأيه في السماء الدنيا والسماوات السبع: وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ [الحجر: ١٦] يخطئ المفسرين الذين عدّوا السماء الدنيا، هي التي فيها الكواكب والنيرات وهي ذات الزينة، ويقول: (إن السماء الدينا هي الطبقات العليا، من جو الأرض، لأن كلّ ما علا فهو سماء).
وأنا غير مطمئن إلى ما ذهب إليه لأن هناك آيات كثيرة تدل على تزيين السماء، كآية فصلّت ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢]، وآية المُلْك ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. وآية الصافات ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦]. ولا أظن عَدّ الطبقات العليا من جو الأرض سماءً قولًا تساعده الآيات القرآنية، فإن الله يقول عن السماء ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٨]. وإذا كانت هذه الطبقات السماء الدنيا، والقمر أكثر منها بعدًا، فيمكن عده إذًا في سماء ثانية، وهذا ما لا أتصوره أبدًا مع أن الأستاذ ذكر قبل قليل، وهو ما نقلناه من أن، السبع سماوات غير أرضية، وهي مختلفة عن الأرض في الجنس على الأقل (٣)، ثم إن الآيات التي ذكرناها تشهد كلها بأن السماء الدنيا هي المزينة بالكواكب.
وما دمنا في ذكر الحديث عن السماوات والأرض وما فيهما، فلا بد أن نعرض لآراء الأستاذ، وبخاصة تلك التأويلات البعيدة، التي يريد أن يخضع بها القرآن لاحتمالات وظنون. السماوات السبع كما يقول إنما هي النجوم، ولم يبين لنا أي تلك النجميات هي التي اكتسبت اسم السماوات، وأما الأرضون فإنما هي الكوكب.
стр. 593
والحق أن المتدبر لآيات القرآن، يدرك دونما أدنى شك، أن النجوم شيء وإن السماوات شيء آخر. فقد ذكرت النجوم في القرآن دونما تحديد لها، ولا كذلك السماوات فقد ذكرت بأنها سبع، والحق أن تفسير السماوات السبع بالكواكب أو مداراتها، كما ذكره المفسرون الأقدمون، وهو ما تشير إليه نظرية بطليموس، تفسير لم يساعده الواقع. فإذا جاء الأستاذ حنفي، وقال: أنا أعتبر الكواكب إنما هي الأرضون، وأما السماوات فهي النجوم اللامعة المضيئة بذاتها) (١) .. فإنا نقول له - إن هذا بعيد كلّ البعد عن معنى الآي الحكيم.
ولقد اختلفت كلمة العلماء المحدثين في السماوات السبع، ويعجبني ما قاله الأستاذ رشيد رشدي العابري ﵀، وهو ممن جمعوا إلى عقيدتهم التي منّ الله بها عليهم، معلومات قيمة في علم الفلك الحديث، يقول حول موضوع السماوات السبع مفندًا ما شاع عند الناس من أن المقصود بها الكواكب السيارة: (وكل نظرية ومنها النظرية المدّية في كيفية تكوين العالم الشمسي، إن لم تحقق علميًّا بحيث تكون قطعية الثبوت، فإنه لا يجوز الركون إليها في تفسير آيات القرآن الكريم. ومن العلماء المعاصرين الذين يعتبرون حجة في آرائهم الفرعية، قد فندوا النظرية المذكورة وكم من نظرية جاءت قبل هذه النظرية المدّية اعتبرها العلماء تفسيرًا لكيفية تكوين المجموعة الشمسية، ولكنها لم تلبث أن تهاوت واندثرت فحلت محلها نظرية أخرى، لم تلبث أن سقطت وهكذا) (٢).
ويظهر أن السماوات السبع، من الأمور التي لم يمكن الله الإنسان من معرفة كنهها حتى الآن. وها هم العلماء يكتشفون جديدًا في كلّ يوم في هذا العالم العلوي من شموس ومجرات ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ويستمر الأستاذ حنفي في حديثه عن تفسير آيات السماوات والأرض، وعن
стр. 594
مبدأ خلقهما، ومعنى طواعيتهما، كذلك عن معنى قول الله تعالى ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، فيرى أن السماوات خلقت قبل الأرض، وأن معنى قول الله تعالى ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾، إنما هو التقدير دون الإيجاد، وهذا ما تاباه آيات القرآن. ولعل في آيات سورة فصلت ابتداء من قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ما يبين ذلك.
٤ - رده أقوال المفسرين في معنى ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩]: ثم يرد قول المفسرين عند قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٩]. ويقول (إنهم أولوا الآية دون حاجة)، ثم يأتي برأيه هو. ولا أدري أيهما كان أكثر إمعانًا في التأويل هو أم هم هذا ما ستتبينه إن شاء الله تعالى من عباراته.
يقول: (أما قوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ فقد أول المفسرون ظاهره دون مبرر. وقالوا إن معناها أنه تعالى أحدث الليل والنهار على الأرض وأنه إنما نسبها إلى السماء لأنَّها سبب فيهما. وإنا نرى الأخذ بظاهر الآية؛ لأنه لا يوجد ما يدعو إلى تأويلها وعملًا بالقاعدة المتفق عليها في التفسير، أي أن ما أغطش ليله وأخرج ضحاه، إنما هو أجرام السماوات بعد تسويتها .. والخلاصة أن قوله (وأغطش ليلها) إشارة قوية إلى أنه تعالى جعل الأجرام المسواه تتجمع أجزاؤها وتنكمش، حتى أصبحت كثيفة غير شفافة، فصار بذلك ليلها مظلمًا. وذلك بعد أن كانت غازية مخلخلة شفافة (١)، ثم يقول عند (وأخرج ضحاها) (فقد اتفق أهل اللغة على أن وقت الضحى، هو الوقت من النهار بعد ارتفاع الشمس، بعد الشروق بنحو ثلث ساعة إلى ما قبل الزوال. وقالوا إن الضحى أصل معناه ضوء الشمس عند امتداد النهار، وأن الوقت سمي به. وقال المرحوم الشيخ محمد عبده، (الضحى هو ضوء الشمس
стр. 595
في شباب النهار .. ).
أ- وبعد أن شرح كيف يتغير لون الشمس من الأحمر إلى الأبيض وأسباب ذلك يقول: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ معناه: أنَّه تعالى أخرج من أجرام السماء غير الأرضية المظلمة المسواه، ومع إغطاش ليلها، ضوءًا متغير الألوان حتى صار مثل ضوء الشمس في وقت الضحى، ليشير بذلك إشارة قوية محدودة، إلى أنه أخرج منها ضياءً متدرجًا في ألوانه، كما يخرج ضوء الشمس الواصل إلى الأرض من خلال الهواء، متدرجًا في ألوانه من الأحمر في بدء الشروق، إلى الأبيض اللامع الساطع في وقت الضحى، وتكون الأجرام في أثناء ذلك قد أصبحت نجومًا).
ب - بعد أن تكلم عن تغير ألوان المعادن والأحجار، بارتفاع درجة حرارتها من الأحمر حتى الأبيض في الدرجات العليا، يقول بانيًا على تلك الحقيقة (يكون في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ إشارة قوية إلى أنه تعالى. رفع درجة حرارة أجرام السماوات المظلمة الغازية، تدريجيًا مع إغطاش ليلها، فصار يخرج منها أولًا ضوء أحمر برتقالي، ثم أصفر وأخيرًا أبيض ساطع كضوء الشمس في وقت الضحى، فأصبحت نجومًا مكونة من لهب مستعرة، أي غازات في درجة حرارة مرتفعة .. ).
ج- ثم يتكلم عن الجمع بين الإغطاش والضحى بواو المعية، يقول: (لذلك نرى أن الجمع بين العمليتين بواو المعية، إشارة قوية إلى أن عملية إغطاش ليل الأجرام، تسبب عنها إخراج الضحى من الأجرام. أي أن زيادة كثافتها وتقلصها، أدى إلى رفع درجة حرارة الأجرام تدريجيًا حتى صارت نجومًا، يخرج منها ضوء متدرج في ألوانه) (١).
стр. 596
ومع أنني لا أبخس الرجل ما اجتهد فيه، إلا أن ما ذهب إليه المفسرون في تفسير الآية أقرب إلى ضحى العقول، وهو واضح الفهم دون تزيد.
٥ - رأيه في سر التعبير بكلمة الدخان: ولعلّ مما وفق فيه الأستاذ أشار إلى سرّ التعبير بكلمة دخان في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] فهو يرى أن التعبير بكلمة دخان، دون هباء أو هواء أو بخار، لأن الهباء دقائق صلبة، والبخار دقائق سائلة، والهواء دقائق غازية. أما الدخان فإنه يشير إشارة قوية، إلى أن مادة السماء الأولية قبل خلقها كان لها من الصفات الهامة ما يشبه صفات الدخان العادي، الذي يتصاعد من النيران .. فكانت حاوية لدقائق أنواع المادة الثلاثة، من صلبة وسائلة وغازية (١).
٦ - عند قوله تعالى: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ذهب في تفسيرها مذهبًا آخر وهو أن الطواعية هنا إنما تعبر عن مدى الانسجام والتعاون والتلاؤم بين السماء والأرض، فيما يحقق مصالح الناس في الأرض، ويستدل بآيات التسخير مثل قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ [إبراهيم: ٣٣] الخ. ولبعد هذا عن موطن الاستدلال أرى أن ما ذكره المفسرون أقرب إلى فهم الآية.
٧ - تكلفه واغرابه في تفسير الستة أيام: فهو يفسر الأيام بالحوادث، ولم يكتف بهذا بل يستخرج ذلك من القرآن نفسه. أما يومًا السماوات فهي حادثة الرتق وحادثة الفتق. وأما أيام الأرض الأربعة فهي:
١ - حادثة رتقها مع النجوم.
٢ - حادثة فتقها عنها.
أما اليومان الآخران فهما:
أ- إتمام خلقها مع القمر.
стр. 597
ب - فتق القمر عنها.
هذا هو تأويل الأستاذ للستة أيام، وهو تأويل كما نراه، فضلًا على ما فيه من تكلف وبعد، ومخالفة للمألوف، فإنه مع ذلك إنما يقوم على أمور ظنية، لم تصل إلى درجة الحقيقة حتى الآن. ونحن نكتفي بما أخبرنا به الله، من أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، دون أن نجزم برأي في معنى هذه الأيام. ومقاديرها، كما نؤمن بما جاء في التنزيل بأن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقهما الله، دون تزيد في أمور تدور ما بين الوهم والشك، ولعلها لا تصل إلى درجة الظن.
ب - كلامه عن آيات النجوم والكواكب والضياء والنور:
١ - تفسيره للمصباح:
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] يرى الأستاذ أن المصباح ليس ما تعارف عليه الناس، وإنما هو شيء آخر. وأن قوله تعالى ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، ليس المقصود به مضاعفة هذا النور كما يرشد إليه سياق الآية.
ومن المفيد أن أنقل بعض عباراته في تفسير هذه الآية، يقول: (ومثل هذا اللمعان والتلألؤ الذي يصف تعالى به سطح الزجاجة الداخلي، يشاهده الناس في الأحجار الكريمة الشفافة الصافية كالماس واللؤلؤ، ذات الكثافة العليا نوعًا، إذ يرون في داخلها نقطًا عديدة تسطع وتلمع، كأنها مصادر ضوء قوي. وسبب ذلك أن الأشعة التي تصل إلى داخل الماس يتكرر انعكاسها كليًا، مرات متوالية في داخلها فيتراكم بعضها على بعض في نقط عديدة ثم تنبعث إلى الخارج، فترى كأنها
стр. 598
صادرة عن مصادر ضوئية ينشأ منها اللمعان. فيكون إذًا وصفه تعالى الضوء اللامع المتلالئ من سطوع ولمعان زجاج المصباح، يقول ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، إشارة إلى أن هذا اللمعان ينبعث من تراكم أضواء عديدة منعكسة انعكاسًا كليًا، أي أنوار فوق بعض تتجمع في نقط مختلفة، داخل الزجاج قبل انبعاثها إلى الخارج، وأنه تعالى يخاطب بهذه الإشارة أهل الخبرة بحال الضياء. ولما كان الزجاج في اللغة معناه كلّ حجر شفاف، فنرى أن صورة المصباح المقصود في هذه الآية الكريمة على حسب وصفه تعالى، إنما هي شعلة فتيل كاملة الاحتراق والإضاءة، موضوعة في فجوة داخل حجر شفاف سميك من الأحجار الثمينة الطبيعية، ذات الكثافة العالية كالماس أو اللؤلؤ. التي كان العرب يعرفونها ولا يعرفون سبب لمعانها. ولا يجوز فهمه على أنه مصباح كالقناديل المعروفة لدى الجمهور، والمصنوعة من الزجاج العادي، لأن مثل هذا الزجاج لا تسمح كثقافته ولا سمكه، بحدوث ظاهرة اللمعان والسطوع المقصود في الآية) (١).
وأعتقد أنه لا داعي لمثل هذا البعد في التأويل، وأن الآية واضحة الأهداف ظاهرة المقصد، فالمصباح هو المصباح الذي يعرفه الناس، والمثل الذي جاءت به الآية مثل من واقع الناس، وإن قوله ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ تبعًا لهذا، إنما يقصد به مضاعفة هذا النور وقوة إشعاعاته.
وانطلاقًا من تفسير الضياء والنور وما بينهما من فارق، يقول الأستاذ حنفي: (إن الله تعالى أطلق على رسالته الضياء تارة والنور تارة أخرى. فالحالة الأولى (الضياء) هي الضوء الحسي الذاتي قبل وقوعه على الأجسام المظلمة وانعكاسه منها - قبل تبليغها للناس - والحالة الثانية (النور) وهي الضوء الحسي الذي ينعكس من الأجسام المظلمة بذاتها، بعد وقوعه عليها - بعد تبليغها للناس -.
وهذا تكلف في التأويل لا أخال سياق الآيات يساعده. وما دام التعبير بالضياء
стр. 599
والنور كليهما تعبيرًا مجازيًا، فلا داعي إذًا لكل هذا. نعم تلتمس مثل هذه الفروق إذا كان التعبير عن أشياء محسوسة، تعبيرًا حقيقيًّا وكانا مجتمعين، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
٢ - تفسيره للنجم الثاقب:
وحينما يعرض لقول الله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ - ٣] يقول إن هذه الآية تفيد حركة النجم. مع أن هناك آية أخرى من كتاب الله وهي قوله ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، تفيد الثبوت والسكون، وهذا تناقض بين الآيتين، ولكنه تناقض ظاهري، ثم يحل لنا هذا الإشكال في رأيه بآية أخرى، وهي قول الله تعالى في سورة طه ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤] ووجه الاستدلال كما يصوره أن السماوات وصفت بالعلو. فالنجوم التي ترى ثابتة إنما هي متحركة في الواقع ونفس الأمر، ولكن بُعدها عنا يجعلنا نراها كأنها ثابتة.
والعجب كل العجب مما ظنه الأستاذ تناقضًا، فإن قول الله تعالى (علامات) تابع للآية التي قبلها، وهي قوله تعالى في سورة النحل ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: ١٥، ١٦] والاهتداء بالنجم لا يستلزم كونه ثابتًا أو متحركًا ولا مانع أن تكون الهداية بالنجم حال تحريكه وسيره، وبخاصة إذا كان هذا السير في طريق ثابت دون تحول أو تغير. حتى في هذه الحالة نفسها يكون معروفًا لدى السيارة فلا داعي لكل هذا، مع أن ما استدل به المؤلف لإزالة التناقض الظاهري الذي زعمه بعيد كلّ البعد.
٣ - تفسيره (المعراج):
وعند حديثه عن النجوم والكوكب والسراج، يعرض لقول الله تعالى، وهو يخاطب نبيه عليه وآله الصلاة والسلام ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا
стр. 600
وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] ويقول إنما وصف الرسول بالسراج المنير، إشارة إلى أن هذه الرسالة إنما هي من الله وليست مفتراة منه. وهذه عبارته (والسراج المنير - بحسب تخصيصه تعالى معنى النور - معناه المضيء وضوءه مكتسب ومعكوس، وتسميته تعالى رسوله الأمين سراجًا منيرًا مقصود بها أنه إنما يبلغ رسالة هدى تهدي إلى طريق الحق، كما يهدي الضوء إلى سلوك الطريق، وإن هذه الرسالة منزلة عليه غير مفتراة منه وهو يبلغها، تشبيهًا بالضوء الذي يقع على أجسام غير مضيئة، ثم ينعكس من سطوحها ولا يكون ناشئًا منها) (١).
والذي أراه والله أعلم - أن هذا الوصف للوسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام إنما يدل على أمرين اثنين:
الأول: كونه ﷺ سراجًا في ذاته ولا غرابة في هذا، فهو الرسول طهارة وإشراقًا وقوة يقين، فهو كامل الأوصاف الخَيِّر في نفسه.
الثاني: أنَّ الله ﵎ جعله مفتاحًا لهداية الناس، في وقت خيّم فيه الظلام.
وهذا يؤخذ من قوله تعالى: (منيرًا) فإن من المعلوم أن النور إنما يحتاج إليه وقت الظلمة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا ما أفهمه من الآية دون حاجة لتأويلٍ لا يتفق مع ما للرسول عليه وآله الصلإة والسلام، من قدر ومكانة وعلو منزلة وجاه، نسأل الله أن يجزيه خير ما يجزي نبيًّا عن أمته.
ج- تفسير آيات الشهب والحجارة:
إذا كان صاحب (التفسير العلمي)، قد حمل آيات خلق السماوات والأرض فوق ما تحمل، فإنه في تفسير آيات العذاب، لم يكتف بهذا المسلك الذي سلكه، بل أمعن إغرابًا فلم يقم للغة ولا للسياق ولا لأقوال المفسرين وزنًا، وتناسى ما ذكره في مقدمته عن شروط التفسير. وهذه أمثلة من تفسيره: