← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ومع أنني لا أبخس الرجل ما اجتهد فيه، إلا أن ما ذهب إليه المفسرون في تفسير الآية أقرب إلى ضحى العقول، وهو واضح الفهم دون تزيد. ٥ - رأيه في سر التعبير بكلمة الدخان: ولعلّ مما وفق فيه الأستاذ أشار إلى سرّ التعبير بكلمة دخان في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] فهو يرى أن التعبير بكلمة دخان، دون هباء أو هواء أو بخار، لأن الهباء دقائق صلبة، والبخار دقائق سائلة، والهواء دقائق غازية. أما الدخان فإنه يشير إشارة قوية، إلى أن مادة السماء الأولية قبل خلقها كان لها من الصفات الهامة ما يشبه صفات الدخان العادي، الذي يتصاعد من النيران .. فكانت حاوية لدقائق أنواع المادة الثلاثة، من صلبة وسائلة وغازية (١). ٦ - عند قوله تعالى: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ذهب في تفسيرها مذهبًا آخر وهو أن الطواعية هنا إنما تعبر عن مدى الانسجام والتعاون والتلاؤم بين السماء والأرض، فيما يحقق مصالح الناس في الأرض، ويستدل بآيات التسخير مثل قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ [إبراهيم: ٣٣] الخ. ولبعد هذا عن موطن الاستدلال أرى أن ما ذكره المفسرون أقرب إلى فهم الآية. ٧ - تكلفه واغرابه في تفسير الستة أيام: فهو يفسر الأيام بالحوادث، ولم يكتف بهذا بل يستخرج ذلك من القرآن نفسه. أما يومًا السماوات فهي حادثة الرتق وحادثة الفتق. وأما أيام الأرض الأربعة فهي: ١ - حادثة رتقها مع النجوم. ٢ - حادثة فتقها عنها. أما اليومان الآخران فهما: أ- إتمام خلقها مع القمر.

стр. 597

ب - فتق القمر عنها. هذا هو تأويل الأستاذ للستة أيام، وهو تأويل كما نراه، فضلًا على ما فيه من تكلف وبعد، ومخالفة للمألوف، فإنه مع ذلك إنما يقوم على أمور ظنية، لم تصل إلى درجة الحقيقة حتى الآن. ونحن نكتفي بما أخبرنا به الله، من أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، دون أن نجزم برأي في معنى هذه الأيام. ومقاديرها، كما نؤمن بما جاء في التنزيل بأن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقهما الله، دون تزيد في أمور تدور ما بين الوهم والشك، ولعلها لا تصل إلى درجة الظن. ب - كلامه عن آيات النجوم والكواكب والضياء والنور: ١ - تفسيره للمصباح: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] يرى الأستاذ أن المصباح ليس ما تعارف عليه الناس، وإنما هو شيء آخر. وأن قوله تعالى ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، ليس المقصود به مضاعفة هذا النور كما يرشد إليه سياق الآية. ومن المفيد أن أنقل بعض عباراته في تفسير هذه الآية، يقول: (ومثل هذا اللمعان والتلألؤ الذي يصف تعالى به سطح الزجاجة الداخلي، يشاهده الناس في الأحجار الكريمة الشفافة الصافية كالماس واللؤلؤ، ذات الكثافة العليا نوعًا، إذ يرون في داخلها نقطًا عديدة تسطع وتلمع، كأنها مصادر ضوء قوي. وسبب ذلك أن الأشعة التي تصل إلى داخل الماس يتكرر انعكاسها كليًا، مرات متوالية في داخلها فيتراكم بعضها على بعض في نقط عديدة ثم تنبعث إلى الخارج، فترى كأنها

стр. 598

صادرة عن مصادر ضوئية ينشأ منها اللمعان. فيكون إذًا وصفه تعالى الضوء اللامع المتلالئ من سطوع ولمعان زجاج المصباح، يقول ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، إشارة إلى أن هذا اللمعان ينبعث من تراكم أضواء عديدة منعكسة انعكاسًا كليًا، أي أنوار فوق بعض تتجمع في نقط مختلفة، داخل الزجاج قبل انبعاثها إلى الخارج، وأنه تعالى يخاطب بهذه الإشارة أهل الخبرة بحال الضياء. ولما كان الزجاج في اللغة معناه كلّ حجر شفاف، فنرى أن صورة المصباح المقصود في هذه الآية الكريمة على حسب وصفه تعالى، إنما هي شعلة فتيل كاملة الاحتراق والإضاءة، موضوعة في فجوة داخل حجر شفاف سميك من الأحجار الثمينة الطبيعية، ذات الكثافة العالية كالماس أو اللؤلؤ. التي كان العرب يعرفونها ولا يعرفون سبب لمعانها. ولا يجوز فهمه على أنه مصباح كالقناديل المعروفة لدى الجمهور، والمصنوعة من الزجاج العادي، لأن مثل هذا الزجاج لا تسمح كثقافته ولا سمكه، بحدوث ظاهرة اللمعان والسطوع المقصود في الآية) (١). وأعتقد أنه لا داعي لمثل هذا البعد في التأويل، وأن الآية واضحة الأهداف ظاهرة المقصد، فالمصباح هو المصباح الذي يعرفه الناس، والمثل الذي جاءت به الآية مثل من واقع الناس، وإن قوله ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ تبعًا لهذا، إنما يقصد به مضاعفة هذا النور وقوة إشعاعاته. وانطلاقًا من تفسير الضياء والنور وما بينهما من فارق، يقول الأستاذ حنفي: (إن الله تعالى أطلق على رسالته الضياء تارة والنور تارة أخرى. فالحالة الأولى (الضياء) هي الضوء الحسي الذاتي قبل وقوعه على الأجسام المظلمة وانعكاسه منها - قبل تبليغها للناس - والحالة الثانية (النور) وهي الضوء الحسي الذي ينعكس من الأجسام المظلمة بذاتها، بعد وقوعه عليها - بعد تبليغها للناس -. وهذا تكلف في التأويل لا أخال سياق الآيات يساعده. وما دام التعبير بالضياء

стр. 599

والنور كليهما تعبيرًا مجازيًا، فلا داعي إذًا لكل هذا. نعم تلتمس مثل هذه الفروق إذا كان التعبير عن أشياء محسوسة، تعبيرًا حقيقيًّا وكانا مجتمعين، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. ٢ - تفسيره للنجم الثاقب: وحينما يعرض لقول الله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ - ٣] يقول إن هذه الآية تفيد حركة النجم. مع أن هناك آية أخرى من كتاب الله وهي قوله ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، تفيد الثبوت والسكون، وهذا تناقض بين الآيتين، ولكنه تناقض ظاهري، ثم يحل لنا هذا الإشكال في رأيه بآية أخرى، وهي قول الله تعالى في سورة طه ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤] ووجه الاستدلال كما يصوره أن السماوات وصفت بالعلو. فالنجوم التي ترى ثابتة إنما هي متحركة في الواقع ونفس الأمر، ولكن بُعدها عنا يجعلنا نراها كأنها ثابتة. والعجب كل العجب مما ظنه الأستاذ تناقضًا، فإن قول الله تعالى (علامات) تابع للآية التي قبلها، وهي قوله تعالى في سورة النحل ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: ١٥، ١٦] والاهتداء بالنجم لا يستلزم كونه ثابتًا أو متحركًا ولا مانع أن تكون الهداية بالنجم حال تحريكه وسيره، وبخاصة إذا كان هذا السير في طريق ثابت دون تحول أو تغير. حتى في هذه الحالة نفسها يكون معروفًا لدى السيارة فلا داعي لكل هذا، مع أن ما استدل به المؤلف لإزالة التناقض الظاهري الذي زعمه بعيد كلّ البعد. ٣ - تفسيره (المعراج): وعند حديثه عن النجوم والكوكب والسراج، يعرض لقول الله تعالى، وهو يخاطب نبيه عليه وآله الصلاة والسلام ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا

стр. 600

وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] ويقول إنما وصف الرسول بالسراج المنير، إشارة إلى أن هذه الرسالة إنما هي من الله وليست مفتراة منه. وهذه عبارته (والسراج المنير - بحسب تخصيصه تعالى معنى النور - معناه المضيء وضوءه مكتسب ومعكوس، وتسميته تعالى رسوله الأمين سراجًا منيرًا مقصود بها أنه إنما يبلغ رسالة هدى تهدي إلى طريق الحق، كما يهدي الضوء إلى سلوك الطريق، وإن هذه الرسالة منزلة عليه غير مفتراة منه وهو يبلغها، تشبيهًا بالضوء الذي يقع على أجسام غير مضيئة، ثم ينعكس من سطوحها ولا يكون ناشئًا منها) (١). والذي أراه والله أعلم - أن هذا الوصف للوسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام إنما يدل على أمرين اثنين: الأول: كونه ﷺ سراجًا في ذاته ولا غرابة في هذا، فهو الرسول طهارة وإشراقًا وقوة يقين، فهو كامل الأوصاف الخَيِّر في نفسه. الثاني: أنَّ الله ﵎ جعله مفتاحًا لهداية الناس، في وقت خيّم فيه الظلام. وهذا يؤخذ من قوله تعالى: (منيرًا) فإن من المعلوم أن النور إنما يحتاج إليه وقت الظلمة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا ما أفهمه من الآية دون حاجة لتأويلٍ لا يتفق مع ما للرسول عليه وآله الصلإة والسلام، من قدر ومكانة وعلو منزلة وجاه، نسأل الله أن يجزيه خير ما يجزي نبيًّا عن أمته. ج- تفسير آيات الشهب والحجارة: إذا كان صاحب (التفسير العلمي)، قد حمل آيات خلق السماوات والأرض فوق ما تحمل، فإنه في تفسير آيات العذاب، لم يكتف بهذا المسلك الذي سلكه، بل أمعن إغرابًا فلم يقم للغة ولا للسياق ولا لأقوال المفسرين وزنًا، وتناسى ما ذكره في مقدمته عن شروط التفسير. وهذه أمثلة من تفسيره:

стр. 601

١ - آيات إهلاك قوم لوط: فعند تفسيره لآيات إهلاك قوم لوط يقول: (إنه ليس في الآية ما يدل على أن مواطنهم قلبت رأسًا على عقب، وإنما نزلت هذه الحجارة فهدمت مساكنهم .. ) والمعقول أن المعنى المقصود، أنه تعالى أمطر على القرية الحجارة فدمرت مبانيها، فانهارت وسقط كلّ جزء عال فيها على الأرض فتجمعت في أسافلها. أما قلب القرية فليس في الآية ما يدل عليه أو يرجحه) (١). وقد حذر العلامة الآلوسي في تفسيره العظيم، من مثل القول الذي ذهب إليه الأستاذ؛ لأنه مخالف لدلالات الآية. ونقول للأستاذ الفاضل: ولم تستبعد هذا وهو صريح لفظ الآية؟ والمنقول والمعقول لا يأبيان قلب هذه القرى وجعل عاليها سافلها. ثم يعلل الأستاذ حنفي تأثير تلك الحجارة مع صغرها، بأنها كانت تشتمل على خام أكسيد الحديد، ذي اللون الأحمر، الذي يكسبها صلابة وسرعة في الوصول إلى أهدافها، مستدلًا على هذا بما جاء في بعض الروايات، بأن في تلك الحجارة خطوطًا حمراء، ويقول الله تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي معلمة بهذه المخطوط التي تثبت وجود الحديد فيها (٢). ولا ندري ما الذي أحوج الأستاذ إلى مثل هذا التكلف، ما دام الحدث بحد ذاته خارقًا لمألوف الناس، بعيدًا عما عهدوه، وإذا كان التفسير العلمي يمكن أن يقبل في الآيات التي تتحدث عن الخلق، وبعض ظواهر الكون، فلا يجوز أن نقحم هذا التفسير، لما هو من قبيل الآيات أو المعجزات، فإن ذلك يخرج قطعًا عن مدى الاعتدال ومنطقه المعقول والمقبول.

стр. 602

٢ - الصيحة: ويفسر الأستاذ الصيحة بأنها، إما صرير البيوت المنهارة أو صراخهم وأنينهم وصياحهم .. كأنه يريد أن يقول أخذتهم الصيحة التي هي صوت الأماكن المهدمة أو أصواتهم هم .. ولا أظن المعنى يستقيم على كلا الاحتمالين. فالصيحة التي عبر عنها بالرجفة تارة أو بالصاعقة أخرى، وهي التي يقول عنها بعضهم صيحة جبريل، هي التي أخذت بها الأمم المكذبة كثمود ومدين وغيرهما. ٣ - تفسيره للطير الأبابيل: ويستمر الأستاذ في نشر غرائبه، ضاربًا صفحًا عن كلّ ما تعارف عليه الناس، من وسائل التخاطب فيما بينهم وعن منهجه الذي ذكره في مقدمته، وهو عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٣ - ٤] يذكر رأي الجمهور، وهو أن هذه الحجارة من سجيل، ورأي الشيخ محمد عبده، وهو أنَّها كانت تحمل الميكروبات، ويذهب إلى رأي الجمهور. ثم يخالف الجميع كما يقول، فهو يرى أنه لم يكن هناك طير يحمل هذه الحجارة، وإنما المقصود بالطير الحجارة نفسها؛ لأنَّها كثيرة كالطير. ولأن هذه الحجارة كانت من السرعة بحيث لا يقوى الطير على إيصالها لأهدافها، أي على قذفها بهذه السرعة الهائلة حتى تدمر وتتبر. ولا أظن أن قول الأستاذ بحاجة إلى تعليق، ذلك أنه لا يستسيغه حتى أطفال العلم .. كان من الممكن أن يقول القرآن، وأرسل عليهم طيرًا أبابيل حجارة من سجيل. أما وقد قال ما قال في هي التي ترمي يا ترى؟ ؟ فهناك رام ومرمي به، أما المرمي فهم أصحاب الفيل، وأما المرمي به فالحجارة، فما فائدة قول الله تعالى: (ترميهم)؟ الحق إنها مسؤولية العلماء الذين يغضون الطرف عن كلّ كتاب وكاتب. وما أكثر إغرابات الأستاذ وتناقضاته!

стр. 603

٤ - تفسيره الشهب بالحجارة: ثم يستمر الأستاذ في حديثه، ليأتينا بكل جديد على عادته. فالحجارة التي رمى بها قوم لوط، والحجارة التي رمه بها أبرهة، إنما هي نوع واحد. وقد لا نجد ابتكارًا وكبير استغراب في هذا، ولكن الذي يدعو إلى الدهشة أنه حينما يتعرض للشهب التي يرجم بها الشياطين حين استراقهم السمع، أعدت للمسرفين الظالمين إنسًا وجنًا. فهذه الحجارة إذن نوع أعده الله لكل عات، فكما أرسلت على قوم لوط وأصحاب الفيل فهي كذلك يرمى بها مسترقو السمع)، ويبرهن على هذا بأن الله قال: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قال: فكلمة شهاب تعني جسمًا مظلمًا غير مشتعل، وإنما يكتسب اشتعاله عند اختراقه جو الأرض بسبب الاحتكاك، ولهذا وصف الشهاب بالرصد للمستمعين. أما الهاربون فقد وصف الشهاب لهم بأنه ثاقب ومبين. فكلمة قبس كانت ضرورية في قول الله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ لأنه يريد أن يقول: شهابٌ من نارٍ، ولو قال شهاب فحسب، فإنه يفهم منه أنه ليس فيه نار). سامح الله الأستاذ فيما ذهب إليه. واللغة التي يعول عليها في فهمه للقرآن تطرح قوله وتنبذه وترفضه وتلفظه، فهذا الراغب وهو من هو، كما حدث عنه الأستاذ في مقدمته، يعرف الشهاب بأنه شعلة من نار. ويقول صاحب (روح المعاني) إنه قد يكون قبسًا وقد لا يكون. والآيات بمجموعها لا تساعد مطلقًا على ما ذهب إليه. إن حكمة الله تظهر في كلّ شيء، ولا يضيرها أن خفيت على بعض الناس، ولعل من أسرار الحكمة هنا أن الله جعل الحجارة من طين، لمن خلق من الطين، بينما جعل شهب النار لمن خلقوا من جنسها. ثم هناك تساؤل لا بد منه: إذا كان ما يرمى به الشياطين، هو نفسه ما رمى به قوم لوط وأصحاب الفيل، فلم يكون محرقًا للشيطان إحراقًا غير محرق لغيره؟ ؟ . ولم كانت تعبيرات القرآن بالشهاب تارة وبالحجارة تارة أخرى؟ ؟ لقد كان من الخير للأستاذ (حنفي)، أن لا يجنف عن

стр. 604

طريق مدلولات الألفاظ وظاهرها، وأن يحنف إلى المعاني الظاهرة المقبولة، ولكنه سامحه الله لم يفعل .. د - على أنه لا ينبغي أن يفهم مما تقدم ، أن الكتاب كله ليس فيه إلا هذه الإغرابات والمتناقضات، بل والحق يقال، إنه يحوي كثيرًا من الفوائد العلمية بتوضيح دقائق التعبير القرآني. ويلاحظ أن الرجل بذل جهدًا مشكورًا في إبراز عظمة كتاب الله. وسأنقل هنا شيئًا من هذا الجهد مما يسمح به المقام. ١ - تفسيره لقول الله تعالى: (ووضع الميزان): فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] يقول: فيكون قوله تعالى: (ووضع الميزان) إشارة قوية إلى أنه تعالى، بعد رفع الأجرام، عادل وساوى بين تأثير قوى التجاذب الرابطة لها، وتأثير حركاتها المكتسبة، فحفظها بذلك من السقوط، بتأثير القوى الرابطة، ومن التفرق بتأثير القوى الرافعة). ٢ - ما المقصود بالليل والنهار: وحينما يتعرض للآيات التي ذكر فيها الليل والنهار، مثل قول الله تعالى: ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] يقرر ما يلي: (إن الليل والنهار عندما يذكران في القرآن، إما أن يقصد بهما الزمن نفسه، أو لازمهما من الضوء والظلمة، أو مكانهما وهو الأرض، أو سبب وجودهما وهي الأرض لليل، والنجوم للنهار. فقول الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾، ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ لا يعقل أن يقصد به الزمن نفسه، وإنما يقصد به مكانهما. أي يولج مكان الليل في مكان النهار، في سطوح الأرض المنحنية ويخلص من هذا

стр. 605

إلى دوران الأرض حول نفسها. كما يقرر أن الله تعالى ذكر في آية الأعراف: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ بينما ذكر في آية الرعد: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣]، دون الجملة الأخيرة، ويرى أن سبب ذلك أن آية الأعراف، تكلمت عن مبدأ خلق السماوات والأرض، وهذه هي ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. أما آية الرعد فإنما تحدثت عن الأرض بعد خلقها وتهيئتها وهذه هي ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ذلك أن الأرض كانت أسرع دورانًا حين خلقها، ثم بدأت تخف حركتها، حتى استقرت إلى ما هي عليه الآن، أي تكمل دورتها في أربع وعشرين ساعة. ولهذا ذكرت جملة ﴿يطلبه حثيثًا﴾، عند بدء الخلق. وأقول إذا صح هذا علميًّا، فإنه من الدقائق القرآنية التي يبرز الإعجاز العلمي في صورة واضحة مشرقة، والتي أظهر مكنونها الأستاذ شكر الله له. كما يقرر أن قول الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أن أصل السلخ فصل الجلد عن اللحم، وتلك إشارة إلى أن ضوء النهار، إنما يغشي ظاهر الأرض، غير ممتد إلى باطنها، كما هو الحال في الجلد بالنسبة إلى اللَّحم. ٣ - الفرق بين السبح والجري: وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أنه لا معنى لسبح الليل والنهار باعتبارهما زمانين، بل إن المقصود سببهما من أرض ونجوم: ثم يعرض لمعنى دقيق في الآيات، وهو هل الجري والسبح شيء واحد؟ وإذا كان كذلك فلمَ التكرار في الآيات، ويرى أن معناهما مختلف. فالسبح إنما هو الحركة السريعة الذاتية، والجري الحركة السريعة ذاتية أو غير ذاتية. فالسبح إذن هو حركة هذه الأجرام المنبعثة منها، أما الجري فهو حركتها لمستقر أو أجل مسمى، وهو نهايتها. فهي

стр. 606

سابحة جارية. سابحة بمعنى أنَّها تدور حول نفسها، جارية إلى أجلها الذي قدره الله لها. مثل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. ٤ - معنى التسخير: (ومن دقائق التعبير في الآيات، الفرق بين تسخير الشمس والقمر وتسخير النجوم في قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، فإن تسخير هذه الأربعة الأولى، جاء بصيغة غير صيغة تسخير النجوم لأنَّها إنما سخرت لنا. أما النجوم فتسخيرها لأمر خاص بها). ٥ - تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]: وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٩]، يرى أن المقصود (بالخنس) المذنبات، كما يرى أن في قول الله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ تعبيرًا دقيقً زائدًا على ما ذكره البلغاء، من استعارة لطيفة، حيث يقول: (ولما كان هذا الضوء يحدث بدخول ضياء الشمس في الطبقة الهوائية ثم بانعكاسه منها، كان حدوثه شبيهًا بعملية التنفس، التي يدخل بها الهواء في الأجسام في الرئتين شهيقًا، ثم يخرج منها زفيرًا. لذلك عبر تعالى مجازًا عن حدوثه بالتنفس. وليس وجه الشبه بين ضياء الشمس المعكوس من الهواء على الأرض قبل طلوع الشمس، وعملية التنفس مقصورًا على حركة الدخول ثم الخروج، بل إن بينهما تشابها آخر قويًّا، وهو أن هواء الشهيق يفقد بعضًا منه وهو الأوكسجين، الذي يمتصه الجسم ولا ينعكس في الزفير منه سوى بعضه الآخر. وكذلك ضياء الشمس قبل الشروق، فإن بعض أضوائه الجزئية، ينفذ خلال الهواء إلى الفضاء الخارجي، حين ينعكس البعض الآخر من هذه الأضواء الجزئية على الأرض) (١).

стр. 607

٦ - الفرق بين المد والبسط في استعمال القرآن: ويفرق بين ما ورد في قول الله تعالى عن مد الأرض وبسطها، مثل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] حيث قصد بمد الأرض زيادة طول سطحها، يجعل بعضها مرتفعًا على بعضه الآخر قليلًا أو كثيرًا. وقصد ببسطها زيادة سطحها طولًا وعرضًا وإحداث أراضٍ راسية مبسوطة فيها (١) كما يستعرض الآيات التي وردت في المد، ويستخلص منها أن المد ذكر في أكثر من آية (فتارة ذكر معطوفًا على حوادث إتمام بناء السماء، وتارة على السماء تامة البناء، وثالثة على السماء المسخرة بالجري بعد فترة من بنائها، وفي هذا إشارة إلى ما حدث للأرض من مدود في أزمنة مختلفة، ونتيجة لهذه تم تكوينها كما هي عليه الآن). ٧ - البعد بين المشرقين: وعند قوله تعالى: ﴿يَاليْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨]، يقول: (فانظر كيف مثل الله تعالى أعظم بعد يتمناه الكافر يوم القيامة، بينه وبين قرينه الشيطان، بأعظم بعد يحدث فعلًا للناس على الأرض، بين مكانين في الفضاء، فأشار بذلك إلى أمرين هامين: أولهما: أنَّه إنما مثل بأمر حقيقي واقع، ليس بشيِء فوضي غير واقع. ثانيهما: أنَّه أوضح خاصة هندسية هامة لفلك الأرض) (٢). ثالثًا: ملحوظات حول التفسير: إن لنا عليه بعض المآخذ في هذه التفسيرات العلمية. فهو مثلًا ينكر تفسير الرواسي بالجبال، في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ١٠]. ويفسر الرواسي بسطحها المتجمد، مع أن هناك آيات كثيرة تشير إلى أن المقصود

стр. 608

بالرواسي الجبال. كما يذكر أن قول الله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ في الآية نفسها إنما يشير إلى خلق القمر منها. وهذا تأويل أبعد ما يكون عن روح الآية ونصها. ويرد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، فيعد المرعى مكان الرعي من هواء وتربة خصبة وغير ذلك. كما يرى في قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾ أن تقديم المفعول إنما هو إشارة إلى أن الجبال التي نراها الآن، ليس هي أول ما وجد في هذه الأرض .. وإلا لقال (وأرسى جبالها). وأكتفي بما ذكرته عن هذا الكتاب وعلى كلّ حال فالكتاب محاولة جديدة في عصر العلم والتقدم المادي، أراد منه كاتبه بحسن نية، أن يقرب معاني القرآن العلمية لذوي الثقافة الحديثة، حتى يكونوا على بينة من كتابهم، الذي لن يذوقوا طعم النصر، ولن يشموا رائحته، دون الرجوع إليه، وتحكيمه في شؤون حياتهم كلها، ولم يحالفه التوفيق في كثير مما ذهب إليه.

стр. 609

المبحت السادس رأينا في التفسير العلمي ظهر لنا مما سبق أن هناك رأيين في التفسير العلمي يظهر تعارضهما: أحدهما يقف منه موقف المنكر والمستنكر. والآخر يسهب فيه إلى حد التكلف، الذي يخرج بآيات القرآن عن مدلول ألفاظها. فالرأيان كما أعتقد فيهما إفراط وتفريط. والذي أختاره في هذا الموضوع أوجزه فيما يلي: أ- إن التفسير العلمي ضرورة تتطلبها هذه الفترة الزمنية التي نعيشها، شريطة أن يتوفر لذلك ذوو الاختصاص. ب - إن القول بأن التفسير العلمي فيه غض من قدر الصحابة رضوان الله عليهم لا إخاله متفقًا مع منطق الواقع ومسلمات العقل. ج- إنَّ القرآن ليس ديوان شعر، كما أن سوره وآياته ليست قصائد وأبياتًا يقولها الشاعر في ظرف معين، وإنما القرآن كتاب الله ما دامت الإنسانية. وإذًا فلا بد من أن تكون فيه الجدة دائمًا، وهو الذي لا تنقضي عجائبه، ولذا فإن الله ﵎، لا إله إلا هو يفتح لمن أراد أبوابًا في فهم هذا الكتاب. من كلّ ما سبق فإن التفسير العلمي إذا تواهر له مناخه الصالح، واستجمع الشروط فلا مانع منه أبدًا، وهذه الشروط كما أرتئيها: ١ - موافقة اللغة موافقة تامة بحيث يطابق المعنى المفسر المعنى اللغوي. ٢ - عدم مخالفة صحيح المأثور عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام أو ماله حكم المرفوع. ٣ - موافقة سياق الآيات بحيث لا يكون التفسير نافرًا عن السياق.

стр. 610

٤ - التحذير من أن يتعرض التفسير العلمي لأخبار وشؤون المعجزات أو اليوم الآخر. ٥ - أن لا يكون التفسير حسب نظريات وهمية متداعية، بل لا بد أن يكون حسب الحقائق العلمية الثابتة. ونحن نرى أن الخروج عن هذه الشروط، يعرض المفسر لخطر وخطل لا تحمد عقباهما. فمن مخالفة اللغة مثلًا، ما رأينا لبعضهم من تفسير الطير بالحجارة في قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] وتفسير (الغثاء الأحوى) بالفحم الحجري، ومن مخالفة صحيح المأثور ما رأيناه لبعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، حيث فسروا الدخان في الآية بما يدل على نهاية الأرض. ومن مخالفة السياق ما رأيناه من تفسير بعضهم قول الله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٧ - ٩]، بأنها إشارة إلى الكهرباء، وهي حديث عن الأشعة، وهذا رأي بعيد غير مقبول، لأن الآيات تتحدث عن يوم القيامة، وما أعد من عذاب للمجرمين. وأما تعرض التفسير العلمي لأخبار الغيب، فكما رأيناه لبعضهم من تفسير قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٥]، بأن ذا يقصد به ما بين نفختي الصور وأن المدة ألف سنة. وأما التفسير حسب النظريات المتداعية الواهية فكما نراه عند بعضهم من تفسير (الخلق) حسب نظرية دارون في التطور. وهذا الذي ذهبت إليه قرره كثير من العلماء: علماء الدين، وعلماء الطبيعة. وأنقل هنا نصين اثنين، أحدهما لأحد علماء الأزهر وهو أستاذنا الشيخ محمد الصادق عرجون، والآخر للأستاذ محمد أحمد الغمراوي أستاذ الكيمياء بكلية الصيدلة سابقًا. يقول فضيلة الأستاذ محمد الصادق عرجون: (فالبحث عن حقائق الموجودات سماوية أو أرضية، هو في نظر القرآن، مهمة الإنسان ما دام على ظهر هذه الأرض؛ لأنه وسيلة إلى استخلاص أكبر قسط من المنافع المادية والروحية، التي يحيا بها حياة طيبة، يغمره فيها الإيمان بجلال الخلاق العظيم .. إن الجانب الكوني

стр. 611

في آيات القرآن الحكيم - وهو جانب مهم جدًّا؛ لأنه عماد الدلائل الإلهية على وجود الله تعالى، وتوحيده وباهر قدرته وواسع علمه، ولطيف حكمته وسائر ما يجب له تعالى من الكمال - في حاجة ماسة إلى إعادة النظر فيه للتفسير والبيان بأسلوب علمي يبرز عن طريق ملاحظة الظواهر الكونية حجة الله على خلقه، ويكشف عما في الآيات من أسرار وحقائق ناط الله بها كثسرًا من منافعنا ومصالحنا في الدين والدنيا، وقد أشار إليها القرآن، وبدأ العلم يكشف عنها الحجب، ولكن على شرط أن نحذر، فلا نخضع القرآن لنظريات لا تزال في مهب التجارب، وقد تعصف بها فتصبح من قبيل الأساطير، فنقول إنها تفسير لآيات القرآن، كما صنع ذلك بعض المتحمسين، وبعض المخدوعين ببريق العلم التجريبي. والقرآن كتاب الله الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، فهو لا يخضع لأسلوب حديث ولا أسلوب قديم، وإنما تفسره الحقائق والبراهين، التي يحققها البحث العلمي المستند إلى الأصول الإسلامية وقضايا العقول المستقيمة) (١) يقول الغمراوي: (وقبل أن نورد الأمثلة الإيضاحية يجب أن نتنبه إلى أمرين الأول: أنَّه لا ينبغي في فهم الآيات الكونية من القرآن الكريم أن نعدل عن الحقيقة في المجاز إلا إذا قامت القرائن الواضحة تمنع من حقيقة اللفظ وتحمل على مجازه، إن مخالفة هذه القاعدة الأساسية الأصلية البسيطة قد أدى إلى كثير من الخطأ في التفسير وسنرى أن من أعجب العجائب أن المطابقة بين آياته وآيات الفطرة تكون أتم وأيسر كلما أخذنا بتلك القاعدة في فهم آيات القرآن. هذا واحد. أما الأمر الثاني فهو أنه ينبغي ألا نفسر كونيات القرآن إلا باليقين الثابت من العلم لا بالفروض ولا بالنظريات التي لا تزال موضع فحص وتمحيص. إن الحقائق هي سبيل التفسير الحق وهي كلمات الله الكونية التي ينبغي أن يفسَّر بها نظائرها من

стр. 612

كلمات الله القرآنية، أما الحدسيات والظنيات فهي عرضة للتصحيح والتعديل إن لم يكن للإبطال في كلّ وقت، فسبيلها أن تعرض على القرآن بالقاعدة السابقة ليتبين مبلغ قربها منه أو بعدها عنه وعلى مقدار ما يكون بينها وبينه من اقتراب يكون مقدار حظها من الصواب) (١). ويقول: (إن القرآن عربي، فعلى الناظر فيه أن يلتزم معاني كلماته، كما كان يفهمها العرب حين تنزل بها الوحي، وأن يلتزم قواعد العربية في الناحيتين النحوية والبلاغية كما قعدها العلماء. والقرآن حقٌّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فعلى الناظر فيه ألا يطابق إلا بينه وبين ما ثبت أنه حقٌّ لا شك فيه، وهذا يخرج النظريات العلمية والنفسية، وما إليها من ميدان التطبيق. اللهم إلا أن تعرض تلك النظريات على القرآن، مع الدقة في الفهم والمطابقة، في وافقه منها كان القرآن مؤكدًا لها وما خالفه منها كان القرآن شاهدًا عليها بالبطلان. والقرآن من عند الله، فمستحيل أن تتناقض آياته فيما بينها، أو مع ما يثبت في العلوم الكونية أنه حقٌّ. فحقائق العلوم ويقينياتها - لا نظرياتها - هي التي تفسر بها الآيات الكونية في القرآن. وكل فهم لآيات القرآن يؤدي إلى تناقض بينها، أو بينها وبين حقٌّ ثابت في العلم هو فهم خطأ لا محالة، ينبغي أن يجتنب، وإن اشتهر وسار بين الناس. ثم بعد ذلك على الباحث عن معاني القرآن وعجائبه، أن يتبع المنطق الصارم في استنباطه وعجائبه وتطبيقاته، خصوصًا في المطابقة بين آياته وبين حقائق الفطرة كما ثبت في علوم الفطرة أو العلوم الطبيعية كما يسميها الناس) (٢).

стр. 613

المبحث السابع نماذج من التفسير العلمي ولما كانت بعض التفسيرات العلمية توافرت لها الشروط السابقة، فجاءت معقولة مقبولة، وبعض آخر لم تتوافر له هذه الشروط فجاءت مفككة مخلخلة الجوانب، يظهر فيها التكلف، فإنه لا بد من التمثيل لهذين النوعين: أولًا: نماذج مقبولة: ١ - خلق الإنسان: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. يقول المفسرون القدامى، إنه قدم السمع على البصر، وأفرد السمع لأفضليته ولأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع، فإذا جاءت حقائق العلم تثبت أن حاسة السمع يمنحها الله للطفل قبل حاسة الإبصار، وأن السمع إنما يدرك به شيء واحد، وهو الأصوات، بينما يدرك بالبصر أكثر من شيء كالألوان والأشكال، وكان هذا لا يتعارض مع مفهوم الآية ومنطوقها، ولا يعارض أثرًا عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، في المانع أن يقبل تفسيرًا علميًّا للآية فيكون إعجازًا قرآنيًا خالدًا. ويقول تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]. والمفسرون القدامى يعدون هذه الظلمات الثلاث: ظلمة البطن والرحم والمشيمة، فإذا جاء علم التشريح، ليثبت بما لا يقبل الريبة، أن هذه الظلمات إنما هي أغشية ثلاثة، تحيط بالطفل غشاء فوق غشاء، وهذه الأغشية لا تظهر بالعين. المجردة وهي:

стр. 614

أ - المتبارى. ب - الخربوتي. ج - اللفائفي. أو كما يقول: (توماس إيدن) هي (الكوريون وهو الغشاء الخارجي، يليه الميزودورم فالأمنيوس) (١). أفلا يكون ما أثبته العلم في العصر الحديث، مطابقًا لما جاء في كتاب الله، حجة على البشر جميعًا ليستجيبوا لله وللرسول ﷺ ؟ ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. فإذا لاحظنا لفظ الآية، نجد أنه عبر فيها باسم المصدر وهو (نبات) دون المصدر (إنبات) ولا أرى ذلك إلا لحكمة بالغة رائعة، تلك التي أظهرها العلم الحديث وهي أن هذا الإنسان إنما هو من عناصر الأرض. وأشار إلى ذلك بأوجز عبارة، وكلمة (إنبات) لا تفيد هذا المعنى. ومن قبيل هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] حيث جاءت دقة التعبير بجعل هذه النطفة، وهي الحيوان المنوي في قرار مكين وهو الرحم. والقرار بهذه الصفة عرف تماما وصفه في عصر العلم. جاء في كتاب (بين الإسلام والطب) للدكتور حامد الغوابي قوله في القرار المكين): وهو رحم المرأة، وحقًّا إنه لقرار مكين، إذ تربطه ألياف قوية في موضعه وتثبته أربطة متينة في جوسقه (بيته الصغير)، ويحمله حوض من عظام متينة، ففوقه

стр. 615

الحجبتان (العظمتان فوق العانة. وعلى جانبيه الحرقفتان (العظم الجانبي في الحوض) وعظام العجز (أسفل العمود الفقري) والعصعص (أسفل العجز) من خلف له سنادات، ثم أنه ليغطى من أعلى بالمثانة ومن أسفل بالمستقيم) (١). ثم يقارن بين هذه الآية ومثيلتها من سورة الحج فيقول: (وقد يسأل سائل: لماذا قال الله تعالى في الآية الكريمة السابقة، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ ثم في هذه الآية الكريمة يقول ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ فنجيب بأن الله سبحانه هنا يبين أدوار النشاة بتسلسل متبوع (من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة)، ليبين الأطوار التي يمر بها الإنسان. فالنطفة تمر بأطوار، والعلقة لا تبلغ المضغة إلا بعد أن تنقسم في أدوار، أما في الآية السابقة، فقد أرانا الله نصيب كلّ دور، ووقت كلّ طور فجاء بالعطف بالفاء ليبين قصر الدور ويالعطف بـ (ثم) ليبين التعقيب مع التراخي، أي طول هذا الطور) (٢). ويقول تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] يقول المفسرون القدامى (على أن نسوي بنانه أي أصابعه التي هي أطرافه، وآخر ما يتم به خلقه. أو على أن نسوي بنانه ونضم سلامياته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض، كما كانت أولًا من غير نقصان ولا تفاوت) (٣). بينما يأبى العلم الحديث إلا أن ينقاد للقرآن، فيما أخبر به حيث يقرر (أن الأصابع لها مميزات خاصة، لا تتشابه ولا تتقارب. وهذه المميزات لم تعرف لأول مرّة إلا في القرن الماضي، أي بعد نزول الآية باثني عشر قرنًا ونصف تقريبًا. ففي سنة ١٨٨٤ م استعملت رسميًا في إنجلترا طريقة الاستعراف والتعرف بواسطة بصمات الأصابع، في الناس جميعًا، تجد أن بشرة جلدها مغطاة بخطوط بارزة تتفتح بها مسام العرق. وإذا نظر أي إنسان في

стр. 616

يده، وجد هذه المخطوط على أصابعه. وهي نماذج شخصية أي أنه لا يوجد يدان متماثلتان تمامًا) (١). ويقول تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٥، ٢٦]. ولله أن يخلق ما يشاء، ولكم تساءلت في نفسي؛ لم خصت النخلة يا ترى، دون التين مثلًا، مع أن تلك البلاد يكثر فيها التين؟ ولله أن يخلق ما يشاء كما قلت، لكن إذا أتى العلم ليكشف عن وجه الإعجاز، فإنما ذلك رحمة من الله وفضل. وقد أثبت العلم أخيرًا أن للبلح تأثيرًا على خفض ضغط الدم عند الحوامل، وله تأثير على تسهيل الولادة. وقد قدم الدكتور عبد العزيز شرف رئيس المركز القومي للبحوث في مصر - بحثًا عن البلح (أثبت فيه أن البلح يقوي انقباض عضلات الرحم، وخصوصًا في الشهور الأخيرة من الحمل) ويقول الدكتور شرف، إنه استرشد في بحثه بهذه الآية القرآنية ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. ٢ - خلق الكون: قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. هذه الآية من كتاب الله وهي تعبر بهاتين الكلمتين (الرتق والفتق)، بقي معناها سرًّا مكنونًا إلى هذا العصر. فبعد أن تقدم علم الانسان عن هذا الكون، عرف أن هذه الأرض، إنما انفصلت من المجموعة الشمسية. وفي إشارة الآية إذًا إعجاز علمي دقيق. ولا ينافي هذا ما ورد عن ابن عباس ﵄ (من أن السماوات كانت رتقًا لا تمطر فقتقها الله بالمطر، والأرض رتقا لا تنبت ففتقها بالنبات) ذلك لأن هذه إحدى روايتين عن ابن عباس. والرواية الثانية التي رواها عنه كثير من التابعين هي أنهما كانتا شيئًا واحدًا (٢). على الرواية الأولى، فإن ذلك لا

стр. 617

ينفي ما وصل إليه العلم، لا لأنَّها رواية غير مرفوعة للرسول عليه وآله الصلاة والسلام فحسب، بل لاحتمال أن تكون هناك مرحلتان: الأولى فصل الأرض عن السماوات. والثانية فتق كلّ منهما على حدة بالمطر والإنبات. كلمتا بنيان وبناء: ومما يدعو إلى الدهشة التي تأخذ بالآلباب، تعبير القرآن بكلمتي (بناء وبنيان) حيث استعملت كلمة البنيان، لما تعارفه الناس على الأرض. قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، وقال تعالى: ﴿قَالوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]، بينما استعملت كلمة البناء للسماء ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]. ترى أهذا مجرد تعبير لا يحمل معه معاني أُخر؟ لو كان ذلك في كلامنا لرضينا. ولكنها كلمات الله المحكمة المنزلة من لدن حكيم خبير. ألا ينبغي أن يدفع ذلك العلماء للبحث والتمحيص، ليتبينوا الفرق بين بنيان الأرض المتلاحم الأجزاء، وبناء السماء المتباعدة أجزاؤه ولكنها مع تباعدها مترابطة ترابط البناء، بما خصها الله من نظام محكم، اهتدى العلماء فيما بعد إلى سره ومعرفته، وأطلقوا عليه اسم الجاذبية (١). ألا إنها آيات الله، يرى الناس من إشعاعاتها كلّ يوم ما يزيدهم نورًا .. وهكذا نجد عبارات القرآن من الدقة والإيجاز في التعبير لا من حيث اللغة فحسب، بل في مجال العلم ومقاييسه وموازينه: نجد هذا في القرآن كثيرًا، كالرجع والصدع والسبح والبسط والمد. وسيأتي لذلك كله بحث إن شاء الله في الجزء الثالث، عندما أتكلم عن المفسرين ومناهجهم.

стр. 618

٣ - تكوين المطر: يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]. يقول الأستاذ رشيد رشدي العابري ﵀: (لحصول المطر عوامل ثلاثة لا غيرها، إذا توافرت لها لا بد من نزول المطر وإن نقص عامل واحد منها فلا إمكان لحصوله. وتلك العوامل هي: أ - التبخر حتى يؤدي إلى تكوين سحاب. ب - وصول الهواء إلى درجة الإشباع بكمية البخار. ج - التكاثف. وهذا الترتيب على التعاقب لا مفر منه لتكوين المطر. ولكن الآية قد جاءت بوصف موجز مدهش للالباب، إذ عبرت بكلمة (يزجي سحابًا) عن عملية التبخر. ثم عبرت عن تشبع الهواء ببخار الماء، بقوله على سبيل التعاقب (ثم يؤلف بينه). إذ إن درجة الإشباع كما ذكرناها آنفًا، تتوقف على تساوي تبادل الجزئيات. ومن ناحية أخرى أنه لا يحصل التشبع إلا بالتعادل والتآلف، بين ضغطي بخار الماء وبخار الهواء، أو الاتحاد بين نوعي الكهربائية وائتلافها كما قد سبق بيانه. وعلى ذلك فإن أصدق وأصح وأبلغ تعبير لهذه الظاهرات، هو التأليف الذي وضفه العلم بالتشبع وليس لها تفسير آخر. ثم جاءت بقولها: (ثم يجعله ركامًا) على سبيل التعاقب أيضًا فأبلغ تعبير للتكاثف الذي هو الركام بأنه (سحاب كثيف). ويقصد بالسحاب الكثيف البخار، والذي قد تشبع الهواء به فتكاثف. ثم تقول الآية ... (فترى الودق) - أي المطر (يخرج من خلاله). فعندما بينت الآية العوامل الثلاثة لحصول المطر، فصلت بينها بكلمة (ثم) للترتيب والتراخي (لأن كلا من عوامل التبخر والتشبع والتكاثف التي ذكرناها آنفًا، يستغرق وقتًا مهما كان ضئيلًا، وبعدها

стр. 619

بكلمة (فترى الودق) بحرف الفاء السببية والتعقيبية. أي أنَّها تقول بعدما تتوافر العوامل الثلاثة فلا بد أن يحصل المطر فورًا. فهذا الترتيب الطبيعي الثلاثي لحصول المطر، لم يحققه العلم، ولم يطلع عليه العلماء على الوجه العلمي الآنف الذكر، قبل ما ينوف على ثلاثة عشر قرنًا) (١). وهذه جوهرة أخرى من جواهر الإعجاز القرآني، صافية في مزنها متلألئة في بريقها، ننقلها من كتاب قيم لعالم مؤمن: أما الكتاب فهو (سنن الله الكونية) وهي مذكرات كتبها المؤلف لطلاب كلية أصول الدين، وأما الكاتب فهو الأستاذ الغمراي الذي مر ذكره من قبل. وأما الجوهرة فهي قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠] حيث يقول الأستاذ: (وتستطيع - بعد أن عرفت العوامل المتعددة التي لا بد من تعاونها على تكوين المطر - أن تدرك شيئًا من سر الحجة في هذا السؤال العجيب. ولكن الإشارة التي أردنا أن نلفت النظر إليها هي قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ والناس طبعًا يسلمون بالقدرة الإلهية على قلب العذب أجاجًا. ويظنون أن هذا يكون عن طريق الخوارق، ولا يتساءلون - هل في سنن الله ما يسمح بهذا؟ . ولو تساءلوا وتطلبوا الجواب في العلم، لوجدوه قريبًا، ولعرفوا أن عذوبة الماء، الذي يسقيهم الله إياه من السحاب هي بمحض رحمة الله، إن الماء طبعًا عذب بطبيعته. وماء المطر معروف أنه أنقى المياه، ولكن طبيعة تكونه من السحاب، تعرضه لأن ينقلب أجاجًا لا ينتفع به الإنسان. إن الهواء كما تعرف أربعة أخماسه آزوت أو نيتروجين، والآزوت كما تعرف أيضًا لا يكاد يتحد في المادة بشيء، ولا بالأوكسجين الذي يكاد يتحد بكل شيء. لكن الكيماويين وجدوا أنهم يستطيعون بالكهربائية، أن يحولوا الآزوت غير الفعال

стр. 620

إلى آزوت فعال، يتحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية، كما وجدوا أنهم يستطيعون أن يحملوا الآزوت على الاتحاد بالأوكسجين، بامرار الشرر الكهربائي، في مخلوط منها. ومن هذا الاتحاد ينشأ بعض أكاسيد للآزوت، قابل للذوبان في الماء. وإذا ذاب فيه اتحد به، وكوّن حامضين آزوتيين، أحدهما حامض الآزوتيك، أو ماء النار، كما كان يسميه القدماء. وإليه يصير الحامض الثاني. وقليل من حامض الآزوتيك في الماء كاف لإفساد طعمه. أظنك الآن قد بدأت تدرك الطريق، الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر ماءً أجاجًا، من غير خرق لأي سنة من سنن الله، فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكون به المطر. وكل الذي يلزم - أن يتعدل التفريغ الكهربائي، ويتكرر في الهواء تكرارًا، يتكون به مقدار كاف من تلك أكاسيد الآزوتية، يذوب في ماء السحاب، ويحوله حامضيًا لا يسيغه الناس. وهذا هو موضع المن من الله تعالى على الناس، أنه يكيف التفريغ بالصورة التي ينزل بها المطر ولا يؤج بها الماء) (١). هذا هو الإعجاز العلمي في الآية كما أبانت عنه، بعبارة موجزة وكما وضحه الأستاذ الغمراوي ويقيني أنه قد وفق وأجاد. الإعجاز البياني في الآية: وهناك نوع آخر من الإعجاز في الآية، وهو إعجاز بياني، كان من حقه أن لا يذكر هنا، لأن هذا الفصل قد خصص للاتجاه العلمي - لكن ذكر الآية هنا، هو الذي أوحى به، وهو في قول الله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. حيث حذفت اللام بينما أثبتت في التي قبلها، أعني قول الله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، وقد عرض الإمام الزمخشري ﵀ لهذه النكتة، على

стр. 621

طريقته في فنقلته (فإن قلت: لم أدخلت اللام على جواب (لو) في قوله ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، ونزعت منه هنا؟ قلت: إن (لو) لما كانت داخلة على جملتين، معلقة ثانيتهما بالأولى، تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كإن، ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقًا، من حيث إفادتها في مضموني جملتيها، أن الثاني امتنع لامتناع الأول. افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علمًا على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علمًا على ذلك فإذا حذفت بعدما صارت علمًا مشهورًا مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه، وصار مألوفًا ومأنوسًا به، لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء بمعرفة السامع) (١). وهناك وجه آخر ذكره الزمخشري، وملخصه أن الآية الأولى كانت في المطعوم، وهي قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] وهذه في المشروب، والمطعوم مقدم على المشروب. والذي يظهر لي والله أعلم - أن ذكر اللام وحذفها كان لسرٍّ بديع. ذلك أن التأكيد إنما يأتي حيث يستوجبه المقام. ولما كان ظن الناس أنّ قدرتهم على الحرث وحفظ مزروعاتهم، أمر في متناول أيديهم وهو من السهولة بمكان، وليس كذلك إنزال المطر، أكد الأول ولم يؤكد الثاني. لأن إنزال المطر عذبًا ليس في طاقتهم قطعًا. لذا لم يكن في حاجة إلى تأكيد. ٤ - البرازخ المائية: وآخر النماذج من نماذج التفسير العلمي ما فسر به قول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠]. قال الزمخشري ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر المالح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين المائين في مرأى العين). بينهما برزخ حاجز من قدرة الله

стр. 622

تعالى. ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة) (١). والذي قاله لم يخرج عنه المفسرون القدامى. ولكن الأستاذ العابري ﵀، بعد أن ذكر أقوال المفسرين في الآية وشرح ما أثبته التحليل العلمي عن المحيطات والمضائق والبزازخ المائية قال (٢): (وعلى ضوء التحليل العلمي الحديث الذي سبق تلخيصه، نعود إلى تدبر الآية الكريمة، فيظهر لنا مفهومها منسجمًا مع الحقائق المتوصل اليها، في برزخي مضيق باب المندب، ومضيق هرمز، أكثر من البرازخ المائية الأخرى وذلك لأمرين: الأول: أنَّ الآية التي عقبت الآية المذكورة مباشرة، وهي ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ تدلنا على تحديد الموضع، إذ يكثر اللؤلؤ والمرجان (بدرجة هائلة في البحر الأحمر وخليج البصرة وخليج عُمان من المحيط الهندي، حيث تعيش الحيوانات المرجانية واللؤلؤية في المياه الحارة. بينما ينعدمان تقريبًا حوالي مضيق جبل طارق، ومضيق البسفور والدردنيل، حيث المناطق المعتدلة التي لا تعيش فيها تلك الحيوانات. الثاني: أنَّ الآيات القرآنية التي جاءت بإحداث تاريخية أو ظواهر طبيعية، هي التي وقعت في الجزيرة العربية أو حواليها غالبًا. وذلك للفت أنظار المخاطيين بالقرآن عند أول نزوله، وهم العرب المجاورون لسواحل البحر الأحمر وخليج البصرة من المحيط الهندي، وإثارة الرغبة الشديدة للتعمق في معاني الآيات التي تنطوي عليها الألفاظ، والوصول إلى حقيقة الغرض منها. فإذا تفكر المتأمل المتدبر في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ يتجه تفكيره حتمًا إلى إزاحة النقاب عن المفهوم المتضارب من التقاء البحرين واختلاطهما، ثم وجود برزخ بينهما، فلا يتجاوز أحدهما الآخر.

стр. 623

ويعد أن يستنير بالمعلومات التي توصلت إليها الأبحاث العلمية، على الحياة المائية المتولدة في البحرين الملتقيين بواسطة البرزخ المائي، مثل (باب المندب) (١). يتضح له أن تلك الحياة قد انفصلت في البحر الأحمر عن الهندي، بوجود ذلك البرزخ الذي كان حاجزًا بسطحه إلى عمق ٢٠٠ متر. فتغيرت الحياة في كل منها، فلا يتماثلان، ولا يبغي أحدهما بمواليده وأملاحه وتياراته وحرارته، على الآخر بما يغايره في تلك النواحي. فيتجلى مفهوم الآية بنور التدقيق والبحث العلمي الصحيح. هذه نماذج من التفسير العلمي، وهي كما رأينا لا تصطدم مع الآيات القرآنية في روحها أو نصها، ولا تتعارض مع السياق، ولا تناقض مفاهيم اللغة أو مدلولات الألفاظ، كما لا تخالف أثرًا صحت روايته. ولو أن التفسير العلمي كله يسير على هذا المنوال، فيحمل معه شواهد صحته، لكن ثروة علمية هائلة، يسدي أصحابها للمسلمين وغيرهم عملًا جليلًا، من شأنه أن يميط اللثام عن مكنون الآيات القرآنية، ويحكم الصلة بينها وبين آيات الله في الكون، ليكون حجة على العقول والقلوب. ثانيًا [*]: نَمَاذجِ يَظْهَرُ فِيهَا التَكَلُّف: ولكنَّ بعض منْ سلكوا هذا المسلَك قديمًا وحديثًا، لم يلزموا أنفسهم بالنهج الذي رأيناه ومثلنا له، فخرجوا - وإن كان ذلك منهم بحسن نية - عن المدار الحقيقي، والمسار الذي تسير فيه الآيات، وهذه أمثلة مِن هذا النوع: ١ - نقل السيوطي ﵀، أن في القرآن علومًا كثيرة أوصلها بعضهم إلى خمسين ألفًا ونيفٍ. فقد قالوا: إن في كلّ حرف من القرآن أربعة أنواع من

стр. 624

العلم. واستخرج بعضهم العلوم من كلمات وردت في القرآن، كالحياكة والنجارة والحدادة، وأعتقد أن هذا تكلف ظاهر، تنبو عنه آيات القرآن في رفعتها. ٢ - أما المحدثون فإن لهم من التكلفات، وعليهم من المآخذ أشياء كثيرة. فمن ذلك ما ذكروه في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، بأن المقصود به الهواء وهو كما ترى ظاهر التكلف. وقد قالوا في تفسير قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، بأن المقصود بالكلمات هنا، إنما هي سعة الكون والمادة فيه، ولا أظن النفس تطمئن إلى مثل هذا التفسير. والأنكى من هذا أنهم أرادوا تفسير الآيات التي وردت في يوم القيامة، كتسيير الجبال ودكها، وتسخير البحار وتفجيرها، تفسيرًا يخضع لظواهر العلم. مع أن هذه الآيات وردت في يوم، تتغير فيه القوانين الطبيعية، والسنن المألوفة فكان من الخير عدم التعرض إلى مثل هذا. ويكفي أن نطبق قواعد العلم وقوانينه على دنيانا. ومن هذا القبيل ما فسروا به قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، بأن اليوم مقدار دورة أحد الكوكب حول نفسه، فدورة الأرض مثلًا تتم في أربع وعشرين ساعة. ودورة الشمس تتم في سنة كاملة. وهناك كواكب لا تتم دورتها إلا في ألف سنة. ونحن إذ نسلم بأن هناك كواكب قد تحتاج لإتمام دورتها إلى آلاف السنين أو كثر لكن لا نسلم بجعل هذا تفسيرًا لهذه الآية. فقد ورد قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، والآية التي ذكروها أعتقد أن سياقها يوضح معناها. وهذا نص الآية ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ كأنه يقول لهؤلاء والله أعلم بحقائق كتابه، لم هذه العجلة؟ إن الله ليملي لكم، وما ترونه بعيدًا فإنه قريب عند الله.

стр. 625

فالزمن الذي ترونه متطاولًا ليس كذلك في حساب الله ﵎. وأخيرًا أمثل لهذا النوع بما ذكره الأستاذ محمد محمود إبراهيم أستاذ الجيولوجيا وهندسة التعدين في كلية الهندسة في جامعة القاهرة، في كتابه (إعجاز القرآن)، حيث يذكر تحت عنوان نهاية الأرض، هذه الآيات ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤] حيث يستدل بهذه الآيات على نهاية الأرض، ومجيء الساعة. عجيب هذا الاستدلال. ولكن الأعجب منه أن الأستاذ مصطفى محمد الطير (١)، حينما يناقش المؤلف يقول: إن الآية الأولى فقط، هي التي تدل على ما ذهب إليه الأستاذ: أما الآيتان الثانية والثالثة، فإن سياقها لا يدل على ذلك. والحقيقة أن الآيات الثلاثة لا تدل على هذا المعنى، ولا أدري كيف غاب عن الأستاذ الفاضل أن الآية الأولى لا يأبى سياقها فحسب ما ذهب إليه المؤلف، بل إن ما ورد فيها من مأثور يأبى ذلك أيضًا. وأعني به ما ورد عن ابن مسعود ﵁ عن مسروق قال: (كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود. فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء، فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن فيها كهيئة الزكام. فقال عبد الله: وجلس وهو غضبان يأ أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أحكم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم - الله أعلم. فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارًا قال: (اللهم سبعًا كسبع يوسف - وفي رواية لما دعاء ﷺ فجعل أحدهم ينظر إلى السماء فيرى كهيئة الدخان. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَائِدُونَ﴾. فقال عبد الله: أفيكشف عذاب الآخرة؟ ! ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ

стр. 626

الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٦]، فقال: (البطشة الكبرى يوم بدر). وللحديث روايات كثيرة مطولة أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما). هذا ما روي عن ابن مسعود ﵁ وهو يدل بنصه وسياقه على أن التفسير الذي ذهب إليه الأستاذ محمد محمود إبراهيم، والذي ارتضاه الأستاذ مصطفى محمد الطير يتعارض كليًا مع هذا النص الذي له حكم المرفوع. خاتمة: وأكتفي بما ذكرته من هذه النماذج. على أن للبحث صلة في الباب الثاني إن شاء الله. ومن الإنصاف أن أقرر هنا أن الذين جنحوا إلى التفسير العلمي، حتى هؤلاء الذين لم يحالفهم التوفيق في بعض ما تطرقوا إليه، إنما خاضوا غمار هذه الأبحاث، انطلاقًا من إيمانهم بهذا القرآن، بأنه كتاب الإنسانية الخالد. ووقوفًا في وجه كلّ أفاك وخراص يريد النيل من قدسية هذا الكتاب. والحق أن كثيرًا من هذه الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، بذل مؤلفوها جزاهم الله خيرًا كلّ جهد لكي يكونوا موضوعيين في أبحاثهم. فحالفهم التوفيق إلى حد بعيد ومن هذه الكتب: ١ - (الإسلام في عصر العلم)، للأستاذ محمد أحمد الغمراوي، وقد جمعه بعض أصدقاء الغمراوي بعد وفاته ﵀. ٢ - (بصائر جغرافية) للأستاذ رشيد العابري ﵀. ٣ - كتاب (من الآيات الكونية في القرآن) للدكتور محمد جمال الدين الفندي أستاذ الطبيعة في كلية العلوم بالقاهرة، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ولجنته التنفيذية العليا. وهذه الكتب في رأيي جمة الفوائد قليلة الهفوات، يجد القارئ فيها فوق ما لها من متعة، كثيرًا من التساؤلات التي تكمن في داخل نفسه. وهذا بالطبع غير كتب

стр. 627

التفسير التي نهجت هذا النهج، والتي سأعرض لها في الباب الثاني إن شاء الله. وهناك بعض الكتب لم يلتزم أصحابها موضوعًا معينًا، جمعوها متفرقات من هنا وهناك. فجاءت مزيجًا فيها ما يشتهى وما ليس كذلك ويغلب عليهم أنهم غير متخصصين فيما كتبوا فيه. كما فعل الأستاذ علي فكري في كتابه (القرآن ينبوع العلوم والعرفان) وقد جعله في ثلاثة أجزاء ضمنها جميع العلوم من طب وفلك وصحة وجغرافية وتاريخ وكهرباء وطيران وملاحة ورياضة. ولم يذكر العلوم التشريعية والفلسفية لأن لها كتبها الخاصة بها. ويقول في آخر الجزء الثاني: (إن كلّ ماله في هذا الكتاب هو جمعه). فهو إلى المتعة أقرب منه إلى الفائدة. وخلاصة القول على ضوء ما تقدم كله، أنني لست مع هؤلاء الذين يريدون أن يستنبطوا العلوم كلها من فواتح السور، بضم بعضها إلى بعض، أو من بعض الكلمات الواردة في القرآن، وبأن في القرآن عشرات الآلاف من العلوم كما فعل الأقدمون، ولا مع هؤلاء المحدثين الذين يريدون أن يطوعوا آيات القرآن للنظريات الحديثة في علم الكون، فيثبتوا من قريب أو من بعيد، وبيسر وتكلف، أنه ما من نظرية إلا والقرآن قد أشار إليها وتحدث عنها، كهذا الذي سُئل: هل ذكرت الفنادق في القرآن؟ فقال نعم أفلا تقرأ قول الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]. لقد أفرط هؤلاء والإفراط لا يحمد، ولا تحمد عقباه، ولكن في الوقت نفسه، فإني لا أرى مسوغًا لما ذهب إليه الفريق الآخر، الذين أبوا وبكل ما أوتوا من قوة، أن تفسير الآيات تفسيرًا تجلى فيه بعض دقائق الكون وقوانين العلم، بحجة أنَّ القرآن كتاب هداية. وهداية القرآن لا ينازع فيها أحد، ولكن ما الذي يمنع - ودقة القرآن في تعبيره وسلامته في حقائقه لا يخالف فيها هؤلاء - أقول ما المانع أن نبحث عن هذه الدقة، وهي التي تحدثنا عن الكون وأصل خلقه وما بث فيه، وعن الحياة ونشأتها، وعن الإنسان في أطواره والأدوار التي مر بها؟ لا أرى مانعًا

стр. 628

من ذلك، ما دمنا نقف على صخرة صلبة لا تقوى على خلخلتها كلّ الزوابع والعواصف التي تثور من حولها. وإن العلماء لمدعوون ليقوموا بواجبهم نحو كتاب الله، فيظهروا ما فيه من أسرار الكون، ويحولوا بذلك بين الناس وبين هؤلاء الذين هم من أنصاف العلماء أو أرباعهم، وقد تصدروا لتفسير القرآن فكان الخبط والخلط والإسراف. إن القرآن العظيم المجيد، الحكيم، الكريم، سيبقى في مجده، وحكمته وعظمته يمد الحياة بأسراره، وبخاصة إذا هيأ الله من يكشف عن أستاره. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢].

стр. 629

الفَصْل الخَامِس الاتجاه الموضوعي في التفسير وفيه تمهيد ومبحثان: المبحث الأول: ألوان التفسير الموضوعي المبحث الثاني: نشأة التفسير الموضوعي ومنهج البحث فيه

стр. 630

الفَصْل الخَامِس الاتجاه الموضوعي في التفسير معناه ودلالاته الطريقة التي ألفها الناس في التفسير قراءة وتدريسًا وتأليفًا، وهي ما نجده في كتب التفاسير الكثيرة، أن يبدأ بتفسير القرآن آية آية، سورة سورة. والقرآن كما نعلم نزل منجمًا، فربما ينزل الموضوع الواحد منه في أكثر من نجم، حسب ما تقتضيه الضرورة ويتطلبه الظرف. وهذه هي الطريقة التي اشتهرت عند الناس، وهي تفسير تحليلي يقف به المفسر عند كلّ آية من الآيات. وبالطبع سيتحدث المفسر عن الموضوع الواحد في أكثر من موضع حسب وروده في الآيات الكريمة. وقد ذكر العلماء للتفسير الموضوعي تعريفات منها: ١ - ما ذكره الكومي: أنَّه جمع الآيات القرآنية المتفرقة في سور القرآن والمتعلقة بالموضوع الواحد لفظًا أو حكمًا وتفسيرها حسب المقاصد القرآنية (١). ٢ - وعرفه الفرماوي بما عرفه به الكومي ولكنه توسع في التعريف، حيث قال: (جمع الآيات القرآنية ذات الهدف الواحد، والتي اشتركت في موضوع واحد وترتيبها حسب نزولها، ما أمكن مع الوقوف على أسباب نزولها وتناولها بالشرح والبيان والتعليق والاستنباط وإفرادها بالدرس المنهجي الموضوعي) (٢). ٣ - وعرفه آخر بأنه (علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر) (٣).

стр. 631

٤ - وعرفه الدكتور عبد الستار بأنه علم يبحث في قضايا القرآن الكريم المتحدة معنى أو غاية عن طريق جمع آياتها المتفرقة، والنظر فيها على هيئة مخصوصة وبشروط مخصوصة، لبيان معناها واستخراج عناصرها وربطها برباط جامع) (١). وهذه تعريفات قريبٌ بعضها من بعض، تتحدث عن جمع الآيات القرآنية المتحدثة عن موضوع معيّن. المبحث الأول: ألوان التفسير الموضوعي ١ - الموضوع القرآني: والطريقة المشتهرة للتفسير الموضوعي أن تُجّمَع الآيات القرآنية في الموضوع الواحد، وقد تكون هذه الآيات مكية وقد تكون مدنية، فإذا أردنا أن نتحدث عن البر والأبرار، تتبعنا هذا الموضوع في آي القرآن الكريم، فنتحدث عن الأبرار في سورة الانفطار وسورة الإنسان، وغيرهما من السور المكية، ثم تحدثنا عن البر في السور المدنية، في الزهراوين وغيرهما، ونقف عند كلّ نجم في السور القرآنية الكريمة وهكذا الحديث عن الإنفاق وتحرير الإنسان من الرق، والربا، والصلاة. تلكم هي الطريقة المشتهرة في التفسير الموضوعي. ٢ - السورة القرآنية: ولقد اختلفت كلمة الكاتبين فذهب بعضهم إلى أن هناك وحدة موضوعية في كلّ سورة من سور القرآن الكريم، فالسورة مهما تعددت القضايا التي تحدثت عنها إلا أنَّها ينتظمها جميعها موضوع واحد، وهذه هي التي تسمى الوحدة الموضوعية. وهناك من ذهب غير هذا المذهب، فرأى أن هذا الاتجاه، قد يشوبه شيء من التكلف فرأى أن كلّ سورة من سور القرآن، وإن لم يكن فيها وحدة موضوعية،

стр. 632

فإن فيها وحدة عضوية، بمعنى أن ما في السورة الكريمة من موضوعات وقضايا يتمم بعضه بعضا، ولعل هذا أقرب إلى الحق. على أن هناك سورًا قرآنية كريمة ليس من الصعب أن ندرك الوحدة الموضوعية فيها كسورة يوسف ﵊ وقصار السور. ونحن نرى أن هناك من تكلف في إبراز الوحدة الموضوعية في كلّ سورة من سور القرآن، أفلا يكفينا أن يكون في كلّ سورة وحدة عضوية؟ سورة الكهف مثلًا، كان فيها الحديث عن أصحاب الكهف، وعن الرجلين، اللذين جعل الله لأحدهما جنتين، وما تبع هذا من الحديثا عن المال والبنين، وقصة موسى ﷺ مع العبد الصالح، وقصة ذي القرنين، وبدراسة هذه الموضوعات والقصص ندرك أن سورة الكهف تحدثت عن مقومات الشخصية المسلمة وعناصرها، وهي العقيدة والعبادة وقد مثل هذه أصحاب الكهف، والعلم الذي مثلته قصة موسى مع العبد الصالح، والجهاد الذي مثلته قصة ذي القرنين. وهكذا يكفينا أن نجلي الوحدة العضوية في سور القرآن الكريم، وهكذا الحديث عن المفردات القرآنية في سور القرآن الكريم، فتتبعها في السور القرآنية حسب نزولها. ٣ - المصطلح القرآني أو اللفظة القرآنية: وهذا اللون - كما ذكروا - يخص بالمصطلحات والمفردات، فالباحث يختار لفظة من ألفاظ القرآن، ويتتبعها من خلال الآيات والسور، بحيث يجمع اللفظة بكل اشتقاقاتها وتصاريفها، ثم يحيط بتفسيرها مستنبطًا الدلالات واللطائف في ورود هذه اللفظة على ما وردت عليه. على أن الذي أطمئن إليه أن ما هو حري أن يسمى تفسيرًا موضوعيًا هو اللون الأول، وهو أن يؤخذ الموضوع الواحد حسب آي القرآن الكريم.

стр. 633

المبحث الثاني: نشأة التفسير الموضوعي ومنهج البحث فيه . إذا كان هذا الاتجاه يبدو ظاهرًا أنه من مواليد هذا العصر، فإننا إذا أنعمنا النظر نجد في العصور السابقة أساسًا له، وأرى في قول رسول الله ﷺ وهو ينبه أصحابه حينما سألوه (أينا لم يظلم نفسه؟ ) وهم يقرأون قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] قال: (أما سمعتم قول العبد الصالح، ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. أرى في هذا القول الكريم لفتة لضم آيات القرآن الكريم بعضها إلى بعض، حينما نريد فهمه وتفسيره، ولا نعْدم مثل هذا في آثار الصحابة - رضوان الله عليهم -. وهذا ابن عباس ﵄ وقد سأله رجل فقال: أنّي أجد أشياء تختلف علي، فقد قال الله ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال الله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] وقال الله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقال الله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد كتموا في هذه الآية .. فأجابه ابن عباس بقوله: قولُه ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، وقوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الثانية. وإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، عند ذلك يقول المشركون تعالوا نَقُلْ ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيختم الله على أفواههم وتنطق أيديهم، عند ذلك يعرفونَ أن الله لا يكتم عنده حديث (١). وقد جاء الأئمة بعد ذلك فألف كثير منهم في موضوعات خاصة كأقسام، ومجاز القرآن، وتشبيهات القرآن وغير ذلك، على أنه والحق يقال إنما نطلق على مثل هذه تفسيرًا موضوعيا تجوزًا، فبذرة التفسير الموضوعي إذن قديمة قدم نزول القرآن

стр. 634

الكريم، وعناية العلماء به. إن الأقدمين لم تكن لهم حاجة كبيرة لدراسة موضوعات القرآن الكريم على هذا النحو، فهم حفاظ القرآن الكريم ودرايتهم بالثقافة الإسلامية واضحة عميقة ولذا فإن لديهم القدرة على ربط ما تفيده الآية المتعلقة بموضوع معين بما يوضحها من معلوماته الخاصة بالموضوع نفسه (١)، أما في العصر الحديث فالحاجة ماسة لتجديد أساليب الدعوى لمجاراة الحالة الراهنة التي نعيش فيها، فقد توالت النكبات بالأمة وبالمسلمين وكانت الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين من كلّ حدب وصوب، وهذا دفع العلماء إلى أن يقاوموا الضلال، والظلم بأقلامهم وأفكارهم، فكتب مثلًا الشيخ شلتوت (القرآن والمرأة) و (القرآن والقتال) وكتب عزة دروزة (اليهود في القرآن) وكتب العقاد (المرأة في القرآن) فكانت هذه بواكير لتأصيل مدرسة التفسير الموضوعي. إن القرآن الكريم دعوة عالمية تهدف إلى تطهير العادات وتوضيح العقائد وإلغاء العنصرية وإحقاق الحق والعدل، ولهذا فقد دعا سبحانه إلى فهم القرآن وتدبره ودراسته دراسة تكشف للناس ما فيه من تشريعات ومبادئ تشعرهم بما للقرآن من اتصال بالنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية - والحربية والسلوك الأخلاقي، وطلاب العلم - كما يرى بعضهم - لا يمكنهم الوصول إلى هذا الغرض من كتب التفسير التحليلي، فهي لن تعينهم على الوصول إلى أهداف الموضوعات القرآنية ولذا كانت الحاجة ماسة إلى هذا العلم. منهج البحث في التفسير الموضوعي: ولزامًا على الذي أراد أن يسلك هذا الاتجاه، أن يقوم أولًا بجمع الآيات في الموضوع الواحد، وقبل أن يصدر حكمه أو يستخرج أحكامها، يجب عليه:

стр. 635

١ - أن يرتبها حسب ترتيب النزول. ٢ - أن يدرس كلّ نجم منها على حدة. ٣ - أن يلحظ الظرف الذي نزل فيه كلّ نجم. ٤ - معرفة الناسخ والمنسوخ منها. ٥ - دراسة الآيات حسب سياقاتها. ٦ - قراءة تفسير الآيات وما يدور حولها من معانٍ وأقوال مأثورة وقضايا علمية. ٧ - الإطلاع على الدراسات والأبحاث القرآنية المعاصرة الخاصة بالموضوع. ٨ - استخلاص الدلالات والعبر واللطائف وبيان الأبعاد المعاصرة للموضوع. هذا هو المنهج القويم الذي لا بد أن يسلكه المفسرون الذين يسيرون في هذا الاتجاه. ولكن ميزة التفسير الموضوعي في هذا العصر إنما هي اتساع رقعته من جهة، وعرضه موضوعات تدعو إليها الحاجة من جهة أخرى. بعض من كتب في هذا الاتجاه مدرسة الإمام محمد عبده والتفسير الموضوعي: وإذا كنا قد رأينا من قبل أن لمدرسة الأستاذ الإمام أثرًا في كلّ اتجاه من اتجاهات التفسير، فإن هذا أيضًا يصدق على التفسير الموضوعي. لقد كانت وحدة الموضوع إحدى مزايا هذه المدرسة. ونلمح هذا واضحًا في تفسير المنار حينما نمر بموضوع من الموضوعات، وإن كانت سمة التفسير الموضوعي لم تظهر منفردة عن التفسير التحليلي.
следующие страницы →