← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٤ - وعرفه الدكتور عبد الستار بأنه علم يبحث في قضايا القرآن الكريم المتحدة معنى أو غاية عن طريق جمع آياتها المتفرقة، والنظر فيها على هيئة مخصوصة وبشروط مخصوصة، لبيان معناها واستخراج عناصرها وربطها برباط جامع) (١). وهذه تعريفات قريبٌ بعضها من بعض، تتحدث عن جمع الآيات القرآنية المتحدثة عن موضوع معيّن. المبحث الأول: ألوان التفسير الموضوعي ١ - الموضوع القرآني: والطريقة المشتهرة للتفسير الموضوعي أن تُجّمَع الآيات القرآنية في الموضوع الواحد، وقد تكون هذه الآيات مكية وقد تكون مدنية، فإذا أردنا أن نتحدث عن البر والأبرار، تتبعنا هذا الموضوع في آي القرآن الكريم، فنتحدث عن الأبرار في سورة الانفطار وسورة الإنسان، وغيرهما من السور المكية، ثم تحدثنا عن البر في السور المدنية، في الزهراوين وغيرهما، ونقف عند كلّ نجم في السور القرآنية الكريمة وهكذا الحديث عن الإنفاق وتحرير الإنسان من الرق، والربا، والصلاة. تلكم هي الطريقة المشتهرة في التفسير الموضوعي. ٢ - السورة القرآنية: ولقد اختلفت كلمة الكاتبين فذهب بعضهم إلى أن هناك وحدة موضوعية في كلّ سورة من سور القرآن الكريم، فالسورة مهما تعددت القضايا التي تحدثت عنها إلا أنَّها ينتظمها جميعها موضوع واحد، وهذه هي التي تسمى الوحدة الموضوعية. وهناك من ذهب غير هذا المذهب، فرأى أن هذا الاتجاه، قد يشوبه شيء من التكلف فرأى أن كلّ سورة من سور القرآن، وإن لم يكن فيها وحدة موضوعية،

стр. 632

فإن فيها وحدة عضوية، بمعنى أن ما في السورة الكريمة من موضوعات وقضايا يتمم بعضه بعضا، ولعل هذا أقرب إلى الحق. على أن هناك سورًا قرآنية كريمة ليس من الصعب أن ندرك الوحدة الموضوعية فيها كسورة يوسف ﵊ وقصار السور. ونحن نرى أن هناك من تكلف في إبراز الوحدة الموضوعية في كلّ سورة من سور القرآن، أفلا يكفينا أن يكون في كلّ سورة وحدة عضوية؟ سورة الكهف مثلًا، كان فيها الحديث عن أصحاب الكهف، وعن الرجلين، اللذين جعل الله لأحدهما جنتين، وما تبع هذا من الحديثا عن المال والبنين، وقصة موسى ﷺ مع العبد الصالح، وقصة ذي القرنين، وبدراسة هذه الموضوعات والقصص ندرك أن سورة الكهف تحدثت عن مقومات الشخصية المسلمة وعناصرها، وهي العقيدة والعبادة وقد مثل هذه أصحاب الكهف، والعلم الذي مثلته قصة موسى مع العبد الصالح، والجهاد الذي مثلته قصة ذي القرنين. وهكذا يكفينا أن نجلي الوحدة العضوية في سور القرآن الكريم، وهكذا الحديث عن المفردات القرآنية في سور القرآن الكريم، فتتبعها في السور القرآنية حسب نزولها. ٣ - المصطلح القرآني أو اللفظة القرآنية: وهذا اللون - كما ذكروا - يخص بالمصطلحات والمفردات، فالباحث يختار لفظة من ألفاظ القرآن، ويتتبعها من خلال الآيات والسور، بحيث يجمع اللفظة بكل اشتقاقاتها وتصاريفها، ثم يحيط بتفسيرها مستنبطًا الدلالات واللطائف في ورود هذه اللفظة على ما وردت عليه. على أن الذي أطمئن إليه أن ما هو حري أن يسمى تفسيرًا موضوعيًا هو اللون الأول، وهو أن يؤخذ الموضوع الواحد حسب آي القرآن الكريم.

стр. 633

المبحث الثاني: نشأة التفسير الموضوعي ومنهج البحث فيه . إذا كان هذا الاتجاه يبدو ظاهرًا أنه من مواليد هذا العصر، فإننا إذا أنعمنا النظر نجد في العصور السابقة أساسًا له، وأرى في قول رسول الله ﷺ وهو ينبه أصحابه حينما سألوه (أينا لم يظلم نفسه؟ ) وهم يقرأون قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] قال: (أما سمعتم قول العبد الصالح، ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. أرى في هذا القول الكريم لفتة لضم آيات القرآن الكريم بعضها إلى بعض، حينما نريد فهمه وتفسيره، ولا نعْدم مثل هذا في آثار الصحابة - رضوان الله عليهم -. وهذا ابن عباس ﵄ وقد سأله رجل فقال: أنّي أجد أشياء تختلف علي، فقد قال الله ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال الله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] وقال الله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقال الله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد كتموا في هذه الآية .. فأجابه ابن عباس بقوله: قولُه ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، وقوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الثانية. وإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، عند ذلك يقول المشركون تعالوا نَقُلْ ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيختم الله على أفواههم وتنطق أيديهم، عند ذلك يعرفونَ أن الله لا يكتم عنده حديث (١). وقد جاء الأئمة بعد ذلك فألف كثير منهم في موضوعات خاصة كأقسام، ومجاز القرآن، وتشبيهات القرآن وغير ذلك، على أنه والحق يقال إنما نطلق على مثل هذه تفسيرًا موضوعيا تجوزًا، فبذرة التفسير الموضوعي إذن قديمة قدم نزول القرآن

стр. 634

الكريم، وعناية العلماء به. إن الأقدمين لم تكن لهم حاجة كبيرة لدراسة موضوعات القرآن الكريم على هذا النحو، فهم حفاظ القرآن الكريم ودرايتهم بالثقافة الإسلامية واضحة عميقة ولذا فإن لديهم القدرة على ربط ما تفيده الآية المتعلقة بموضوع معين بما يوضحها من معلوماته الخاصة بالموضوع نفسه (١)، أما في العصر الحديث فالحاجة ماسة لتجديد أساليب الدعوى لمجاراة الحالة الراهنة التي نعيش فيها، فقد توالت النكبات بالأمة وبالمسلمين وكانت الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين من كلّ حدب وصوب، وهذا دفع العلماء إلى أن يقاوموا الضلال، والظلم بأقلامهم وأفكارهم، فكتب مثلًا الشيخ شلتوت (القرآن والمرأة) و (القرآن والقتال) وكتب عزة دروزة (اليهود في القرآن) وكتب العقاد (المرأة في القرآن) فكانت هذه بواكير لتأصيل مدرسة التفسير الموضوعي. إن القرآن الكريم دعوة عالمية تهدف إلى تطهير العادات وتوضيح العقائد وإلغاء العنصرية وإحقاق الحق والعدل، ولهذا فقد دعا سبحانه إلى فهم القرآن وتدبره ودراسته دراسة تكشف للناس ما فيه من تشريعات ومبادئ تشعرهم بما للقرآن من اتصال بالنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية - والحربية والسلوك الأخلاقي، وطلاب العلم - كما يرى بعضهم - لا يمكنهم الوصول إلى هذا الغرض من كتب التفسير التحليلي، فهي لن تعينهم على الوصول إلى أهداف الموضوعات القرآنية ولذا كانت الحاجة ماسة إلى هذا العلم. منهج البحث في التفسير الموضوعي: ولزامًا على الذي أراد أن يسلك هذا الاتجاه، أن يقوم أولًا بجمع الآيات في الموضوع الواحد، وقبل أن يصدر حكمه أو يستخرج أحكامها، يجب عليه:

стр. 635

١ - أن يرتبها حسب ترتيب النزول. ٢ - أن يدرس كلّ نجم منها على حدة. ٣ - أن يلحظ الظرف الذي نزل فيه كلّ نجم. ٤ - معرفة الناسخ والمنسوخ منها. ٥ - دراسة الآيات حسب سياقاتها. ٦ - قراءة تفسير الآيات وما يدور حولها من معانٍ وأقوال مأثورة وقضايا علمية. ٧ - الإطلاع على الدراسات والأبحاث القرآنية المعاصرة الخاصة بالموضوع. ٨ - استخلاص الدلالات والعبر واللطائف وبيان الأبعاد المعاصرة للموضوع. هذا هو المنهج القويم الذي لا بد أن يسلكه المفسرون الذين يسيرون في هذا الاتجاه. ولكن ميزة التفسير الموضوعي في هذا العصر إنما هي اتساع رقعته من جهة، وعرضه موضوعات تدعو إليها الحاجة من جهة أخرى. بعض من كتب في هذا الاتجاه مدرسة الإمام محمد عبده والتفسير الموضوعي: وإذا كنا قد رأينا من قبل أن لمدرسة الأستاذ الإمام أثرًا في كلّ اتجاه من اتجاهات التفسير، فإن هذا أيضًا يصدق على التفسير الموضوعي. لقد كانت وحدة الموضوع إحدى مزايا هذه المدرسة. ونلمح هذا واضحًا في تفسير المنار حينما نمر بموضوع من الموضوعات، وإن كانت سمة التفسير الموضوعي لم تظهر منفردة عن التفسير التحليلي.

стр. 636

الشيخ محمود شلتوت: كان أول من دعا صراحة -فيما أعلم- إلى هذا الاتجاه الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ﵀. وهو علم من أعلام هذه المدرسة. فالشيخ شلتوت يرى أن الطريقة المثلى لتفسير القرآن: (أن يعمد المفسر أولًا إلى جميع الآيات التي وردت في موضوع واحد، ثم يضعها أمامه كمواد يحللها ويفقه معانيها، ويعرف النسبة بين بعضها وبعض، فيتجلى له الحكم، ويتبين المرمى الذي ترمي إليه الآيات الواردة في الموضوع، وبذلك يضع كل شيء موضعه ولا يكره آية على معنى لا تريده، كما لا يغفل عن مزية من مزايا الصوغ الإلهي الحكيم، وهذه الطريقة في نظرنا هي الطريقة المثلى، خصوصًا في التفسير الذي يراد إذاعته على الناس، بقصد إرشادهم إلى ما تضمنه القرآن من أنواع الهداية، والى أن موضوعات القرآن ليست نظريات بحتة، يشتغل بها الناس، من غير أن يكون لها مثل واقعية، فيما يحدث للأفراد والجماعات من أقضية، ويتصل بحياتهم من شؤون) (١). ويصدر الشيخ تفسيرًا لموضوعين من موضوعات القرآن: ١ - القرآن والمرأة: يستعرض فيه الآيات التي وردت في شأنها، سواء تلك التي تدل على حصافتها وحسن تدبيرها أو سياستها وفراستها، كما كان من شأن أم موسى عليها وعلى نبينا صلاة الله وسلامه. وبنت الشيخ الكبير التي كلمت أباها بشأنه حينما قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وملكة سبأ، كما تحدث عما للمرأة من حقوق التملك والتصرف والتعلم وغير ذلك مما ورد في القرآن الكريم.

стр. 637

٢ - القرآن والقتال: استعرض فيه آيات القتال سواء تلك التي تبين أسبابه أو وسائله. وخلص من ذلك إلى هاتين النتيجتين: أسباب القتال أولًا كما يبينها القرآن (رد العدوان، وحماية الدعوة، وحرية الدين) (١) وأغفل الأستاذ ﵀ تحرير الإنسان من عبادة العباد. أما وسائله فتتلخص في (تقوية الروح المعنوية في الأمة وإعداد القوى المادية والتنظيم العلمي للحرب) (٢). العقاد وآخرون: ولقد جرى على هذا المنهج كثيرون، فكتبوا موضوعات خاصة. فكتب المرحوم العقاد (الإنسان في القرآن) و (المرأة في القرآن). وكتب الأستاذ البهي الخولي (آدم). وكتب الأستاذ أبو الأعلى المودودي (الربا في القرآن) وكتب الأستاذ أبو زهرة عن العقيدة لمجمع البحوث، ثم توالت الكتب في هذا الموضوع. الشيخ محمد محمد السماحي: من خير ما كتب في هذا الاتجاه والحق يقال، ما كتبه الأستاذ محمد محمد السماحي، لطلاب الدراسات العليا شعبة التفسير كلية أصول الدين. فلقد كتب في موضوعات خطيرة مهمة: الألوهية والرسالة. وكان موضوعيًا موفقًا فيما كتب. ففي موضوع الألوهية مثلًا عرض للآيات التي وردت في خلق الإنسان والحيوان، والنبات والسماوات والأرض كل على حدة. حسب نزولها. وهو يقف عند كل نص قرآني، يجلي ما فيه من حقائق، ويبين ما فيه من حكمة وإبداع.

стр. 638

يقول في مقدمة هذا البحث: : (إنك إذا نظرت في كل هذه الأدلة جملة، تجدها تدهشك حقًّا، إنها تمشت مع العلم تمشيًا دقيقًا، وتمشت مع التربية النفسية تمشيًا أدق، وراعت الظروف التي كانت نزلت فيها، والظروف المستقبلية لهذا الدين الخالد، فوسعت عقليات الشعوب من عهد الرسول ﷺ ، وإلى عصر الذرة والصواريخ واكتشاف الفضاء، وكأنك وأنت تقرؤها ويبعث بيانها في نفسك مغزى الأدلة وأهدافها، تقرأ كتابًا قد نزل لعصرنا هذا، في جوه المشبع بالعلم على سعة آفاقه، وحقًّا: إنه الكتاب الخالد، والرسالة العامة الخالدة إلى يوم القيامة) (١). وفي موضوع الرسالة يقسم البحث إلى أطوار وأدوار متعاقبة -ويأتي لكل دور من الآيات بما يناسبها حسب نزولها. فبعد أن يتكلم عن الدعوة والأمر بالإنذار يتحدث عن الدعوة في طور الاستدلال، ذاكرًا بعض الأدلة التي جاء بها القرآن، على أنه من عند الله أنزل على رسوله الكريم عليه وآله الصلاة والسلام، ثم يتكلم عن الدعوة في دور المعارضات والشبهات وضرب الأمثال والاقتراحات. ثم يتكلم عن عصر التحدي. . وهكذا يتدرج في هذا البحث الشائق فجزاه الله خيرًا ورحمه الله رحمة واسعة، وأرجو أن يوفقني الله لإخراج هذا البحث ونشره، ليفيد محبو الدراسات القرآنية منه. هذا وقد كثرت التأليفات في هذا اللون، ولكن -والحق يقال- ليست كلها سواء، وأن كنا نشكر لمؤلفيها جميعًا، فكلَّ بذل ما عنده، ولكن بعض هذه المؤلفات فيها ثراء وغنية، ويجد القارئ جهدًا طيبًا لأصحابها على حين نجد أن هناك كتبا تحدثت عن الموضوع بصفة عامة. ومن المفيد أن نذكر بعض هذه الكتب بإيجاز، ليفيد القارئ منها وعلى الله قصد السبيل.

стр. 639

كتُبٌ ألّفت في هذا الاتجاه: ١ - التفسير الموضوعي للقرآن الكريم/ أحمد السيد الكومي: لعل الأستاذ الكومي ﵀ هو أول من ألف كتابًا يحمل اسم التفسير الموضوعي وقد أفاد كثيرون ممن جاءوا بعده منه، فهو يذكر في مقدمة كتابه أنواع التفسير التي هي: التفسير التحليلي، والتفسير الإجمالي، والتفسير الموضوعي، والتفسير المقارن، وذكر أن العصر الحاضر في حاجة إلى التفسير الموضوعي، إذ عن طريقه نصل إلى الحقيقة بأسهل الوسائل (١). وتحدَّث عن نشأة التفسير الموضوعي مبينًا أن بذوره كانت منذ زمن الرسول ﷺ وذلك في تفسيره القرآن بالقرآن، وعرض إلى جهود العلماء منذ القدم إلى عصرنا الحاضر التي تناولت بعض الموضوعات القرآنية، وبعض العلوم المختصة بالقرآن الكريم. وانتقل للحديث عن ألوان طرق التفسير الموضوعي، فذكر له طريقتين: الأولى: التفسير الموضوعي للسورة القرآنية، وهي أن ننظر إلى السورة القرآنية على أنها وحدة متكاملة هدفها واحد. الثانية: التفسير الموضوعي للموضوع القرآني، فإذا ما أطلقت جملة (التفسير الموضوعي) فلا يفهم منها إلا بحث موضوع من موضوعات القرآن الكريم على مستوى القرآن جميعه (٢). والتفسير الموضوعي لا بد فيه من جمع آيات الموضوع وترتيبها وتفسيرها (٣).

стр. 640

والموضوعات التي عرض لها القرآن مجملة في عشرة موضوعات رئيسة هي: ١ - عرض القرآن للألوهية في وضعها الحقيقي وجلى عنها ما أسدلته عليه الأوهام من أستار حجبت نورها عن أن يصل إلى الفطرة الإنسانية. ٢ - عرض للحياة الآخرة، وقد صورها تصويرًا يجعلها نتيجة حتمية. ٣ - عرض القرآن للرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين اصطفاهم الله من بين خلقه. ٤ - عرض القرآن لأولئك الذين هم واسطة بين الله تعالى والناس، قد جعلهم الله خلقًا آخر يقومون بوحي الله تعالى إلى الرسل وهم الملائكة. ٥ - تحدث القرآن عن التشريعات للفرد والمجتمع. ٦ - عرض القرآن الكريم للمعاملات الاجتماعية بما يتفق مع شؤوننا الخاصة، ومصالحنا العامة. ٧ - عرض القرآن الكريم للأخلاق التي هي كمل الخصال، وأسمى السجايا والصفات. ٨ - حديث القرآن الكريم الخاص بالعبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها. ٩ - موقف القرآن من أهل الكتاب. ١٠ - إباحة القرآن للطيبات من الرزق وتحريمه الخبائث. وقد تحدث أستاذنا عن منهج القرآن في عرض موضوعاته، فتناول موضوع الخمر في القرآن الكريم، وجمع الآيات ذات الصلة بهذا الموضوع ورتبها وفسرها، وبين حكم الخمر في القرآن الكريم، وحكمة القرآن في التدرج في تحريمه (١)،

стр. 641

وتناول كذلك موضوع القتال والجهاد فجمع الآيات المتعلقة بالموضوع، ورتبها وفسرها، بينما تدرج القرآن الكريم في تشريع القتال للمسلمين (١). وعرض الأستاذ لموضوع الأسرة، حيث قسمه إلى عناصر، جمع تحت كل عنصر الآيات القرآنية المتعلقة به وفسرها وبين معانيها، وهذه العناصر هي: - اهتمام الإسلام بالأسرة. - حقوق كل من الزوجين على الآخر. - حقوق الأبناء على الآباء وحقوق الآباء على الأبناء. - علاج مشكلات الأسرة التي منها الطلاق. ومن الموضوعات التي عرض إليها الكاتب الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور، واستخلاف آدم ﵊ في الأرض، وموضوع البعث، وعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد رأينا كيف ذكر أستاذنا الكريم ﵀ الأمثلة للون الثاني من ألوان التفسير الموضوعي وهو ما يتعلق بالموضوعات القرآنية، ولم يمثل للون الأول وهو الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، وكأني به يرجح أن يكون المقصود بالتفسير الموضوعي، تلك الموضوعات التي عرض لها القرآن الكريم. ٢ - الفتوحات الربانيّة في التفسير الموضوعي/ الحسيني محمد أبو فرحة . أفاد الكاتب مما كتبه أستاذنا الكومي، وقد قسم كتابه إلى قسمين تحدث في القسم الأول عن معنى التفسير الموضوعي ونشأته ومنهجية البحث فيه، ومدى الحاجة الماسة في هذا العصر لهذا المنهج أو اللون من ألوان التفسير، وكان ذلك

стр. 642

بإشارات موجزة (١). وتحدث في القسم الثاني عن الموضوعات التي عرض لها القرآن الكريم، وأجملها في ثمانية موضوعات رئيسة هي: الأول: الإلهيات. الثاني: النبوات. الثالث: السمعيات. وهذه تنطوي تحت علم التوحيد. الرابع: العبادات. الخامس: المعاملات. وهذه تتعلق بعلم الفقه. السادس: الأخلاق. السابع: المواعظ. الثامن: القصص القرآني. بدأ الشيخ أبو فرحة الحديث عن الموضوع الأول، وهو وحدانية الله تعالى، حيث جمع الآيات التي تتصل بهذا الموضوع ورتبها في ثلاث مجموعات، جاعلًا لكل مجموعة عنوانات فرعية، أوصلها بمجموعها إلى خمسة عشر عنوانًا، ثم فسر الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع. . وهكذا فعل بالموضوعات الأخرى. لقد عالج الشيخ أبو فرحة تلك الموضوعات باختصار، ثم إنه لم يستقريء كل الآيات في أي موضوع من الموضوعات التي تناولها بالبحث، وهذا ما ذكره هو بنفسه، يقول وهو يتحدث عن موضوع الوحدانية: (ومن هنا فقد بلغت الآيات التي

стр. 643

تتحدث عن نفي الشريك، وإثبات التوحيد حدًا من الكثرة تجعل الإحاطة بها وتصنيفها شيئًا مرهقًا للغاية ولذلك سأقتصر على ذكر ما يكفي لتصوير أطراف هذا الموضوع وهو مع ذلك كسر) (١). ٣ - المدخل إلى التفسير الموضوعي/ عبد الستار فتح الله سعيد . يبدأ المؤلف كتابه بتعريف تفسير القرآن وبداية نشأته وتطوره، ويذكر أنواع التفسير والتي هي: التفسير التحليلي، والإجمالي، والمقارن، والموضوعي، ويبدأ بتعريف التفسير الموضوعي، ويذكر أنواعه: التفسير الموضوعي العام، والتفسير الموضوعي الخاص. ويحدثنا عن: أ- نشأة التفسير الموضوعي وتطوره في العهد النبوي، وفي عهد الصحابة والتابعين إلى العصر الحاضر. ب- أسباب ظهور التفسير الموضوعي وتطوّره وأهميته وفوائده والحاجة الملحة إليه في هذا العصر. جـ- منهجية البحث في التفسير الموضوعي وخطوات هذه المنهجية إجمالًا. ويتناول الكاتب بعد ذلك خمسة نماذج للتفسير الموضوعي، فيتحدث عن موضوعات هي: ١ - الموضوع الأول: الوحدانية والتوحيد، ويقسمه إلى خمسة فصول: الأول: أسماء الله تعالى وصفاته، والثاني: موقف القرآن من الوحدانية والتوحيد، والثالث: الربوبية والألوهية وصلتهما بالتوحيد، والرابع: التوحيد عقيدة شاملة، والخامس: أساليب القرآن في الحديث عن الوحدانية والتوحيد، وهذه الأساليب هي: أسلوب الخبر المجرد، وأسلوب الخبر المؤكد، وأسلوب المطلب كالاستفهام التقريري، وأسلوب الأمثال، وأسلوب المحاورة وأسلوب القصة، وغيرها.

стр. 644

٢ - الموضوع الثاني: المعية في القرآن الكريم، حيث ذكر أنواع المعية وهي: - معية الله تعالى لعباده. - معية العباد لله تعالى. - معية الناس لما حولهم من الأحياء والأشياء. وقد جمع الآيات المتعلقة بكل نوع ورتبها وفسرها. ٣ - الموضوع الثالث: التبعية في القرآن، وقد بين معنى التبعية، وجمع الآيات القرآنية التي تتعلق بهذا الموضوع، والتبعية نوعان تبعية محمودة تتمثل في اتّباع الوحي الإلهي واتّباع الرسل ﵈، واتّباع الصالحين. وتبعية مذمومة تتمثل: ١ - اتّباع الذات بالباطل. ٢ - اتّباع الإنسان غيره بالباطل. ٤ - الموضوع الرابع: العلم والعلماء: وهذا الموضوع ورد كثيرًا في كتاب الله تعالى، ولذا فقد جمع الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع، وتبعًا لذلك قسم الموضوع إلى فصول هي: أ- شرف العلم في القرآن. ب- العلم تكليف قرآني. جـ- أقسام العلم في ضوء القرآن، وهي: العلم المطلق المحيط وهو علم الله تعالى، والعلم المحدود وهو علم المخلوقات جميعًا، وتحدث عن علم الملائكة، وعلم الرسل عليهم الصلاة والسلام. ٥ - الموضوع الخامس: ويتحدث عن الآخرة ومشاهدها: وهذا موضوع واسع في كتاب الله تعالى، قسمه الشيخ إلى فصول تناول تحت كل فصل طائفة من آيات

стр. 645

الله، يرتبها ويفسرها ويبين معانيها. ٤ - المدرسة القرآنية/ محمد باقر الصدر: هذا الكتاب أصله محاضرات ألقاها الشيخ محمد باقر الصدر ﵀ على تلاميذه عام (١٣٩٩ هـ)، في تفسير القرآن الكريم، حيث تحدث عن نوعي التفسير: التجزيئي التحليلي للقرآن الكريم، والمنهج التوحيدي أو الموضوعي، وبين أفضلية التفسير الموضوعي على التفسير التحليلي، وفائدة وأهمية هذا اللون من ألوان التفسير، والحاجة الماسة له وذلك لمجاراته تطورات الحياة البشرية، ومعالجته للواقع وما يطرأ من مسائل تحتاج إلى بيان حكم القرآن فيها. . ثم ذكر أوجه الاختلاف بين المنهج الموضوعي في التفسير والمنهج التحليلي، وبين علاقة كل من المنهجين في الواقع وما يترتب على ذلك من فوائد. يقول -رحمه الله تعالى- عن التفسير التحليلي: (ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي عن النحو المكتمل وساعد على اكتسابه حالة تشبه الحالات التكرارية، حتى نكاد نقول إن قرونًا من الزمن متراكمة مرت بعد تفاسير الطبري والرازي والطوسي، لم يحقق فيها الفكر الإسلامي مكاسب حقيقية جديدة) (١). رحم الله شيخنا، فإن التفسير التحليلي جاء ليعالج احتياجات الناس في العصور التي ساد فيها وانتشر، كما جاء التفسير الموضوعي ليعالج احتياجات هذا العصر الحاضر. . لقد جاءت كتب التفسير في كل عصر لتحقق مكاسب حقيقية جديدة للفكر الإسلامي، وما أصاب الأمة الإسلامية من جمود لم يكن بسبب التفسير التحليلي. وانتقل الشيخ بعد ذلك إلى الدراسة التطبيقية، فتناول موضوعين من الموضوعات القرآنية هما:

стр. 646

الموضوع الأول: سنن التاريخ في القرآن الكريم: وقد جمع الشيخ الآيات المتعلقة بهذا الموضوع مستقرئًا للشواهد التاريخية من أجمل الوصول إلى السنة التاريخية، وبعد جمعه للآيات وتفسيرها وتحليلها يتوصل إلى ثلاث حقائق في الموضوع هي: الأولى: الاطراد في هذه السنن. الثانية: ربانية السنة التاريخية. الثالثة: حقيقة اختيار الإنسان وحرية إرادته. الموضوع الثاني: عناصر المجتمع في القرآن الكريم: حيث بدأ الشيخ الموضوع بطرح أسئلة عدة عن المجتمع في نظر القرآن، وتحدث عن خلافة آدم ﵊ في الأرض من خلال الآيات القرآنية، وحدد عناصر المجتمع. إن الشيخ ﵀ لم يستقرئ جميع الآيات القرآنية التي تحدثت عن تكوين المجتمع، واقتصر على دراسة مجموعة من الآيات. فوائد هذا الاتجاه والمآخذ عليه فوائد هذا الاتجاه: وإذا كان التفسير الموضوعي هكذا فإن له من الفوائد ما لا يخفى: أ- إنه يجمع آيات القرآن بعضها إلى بعضها الآخر في الموضوع الواحد فيدرك ما بينها من انسجام وترابط. ب- ومن فوائد هذه الطريقة كذلك أن فيها تيسيرًا على الناس، حيث تقدم لهم صنوف المائدة القرآنية سهلة ميسرة تهضمها عقولهم دون عناء.

стр. 647

جـ- القضاء على التعارض والاضطراب، الذي ربما يحدث عند بعض الناس في فهمهم لآيات كتاب الله. د- إنه يتسق مع روح العصر الذي اعتاد الناس فيه أن تقدم لهم المعارف البشرية، بشكل يظهر فيه طابع الإيجاز، بأقرب الطرق وأبسط الوسائل. المآخذ على هذا الاتجاه: ولكن مع هذه المزايا كلها، فإن لهذه الطريقة مآخذ تقوى وتضعف وتزيد وتنقص تبعًا للمفسر نفسه. فمن المعلوم أن طريقة التفسير التي اعتدناها، تهيّئ لنا معرفة الإعجاز القرآنية في ألفاظه إفرادًا وتركيبًا، وينتقل فيها الذهن من روضة إلى روضة، والتفسير الموضوعي يحرمنا من ذلك كله. ولكن هذه المآخذ لا يشعر بها الجميع بالطبع، وأما ذوو الاختصاص وحدهم يدركون ذلك. أما أخطر ما في هذا الاتجاه فهو أن لا يحسن المفسر عمله، ولا يتنبه إلى أمر مهم جدًّا، وهو أن القرآن الكريم نزل في ظروف ليست كلها سواء، لذا نراه قد تدرج في الأحكام، فإذا أغفل المفسر هذه الناحية وجمع الآيات كلها بعضها إلى بعضها الآخر دون نظر وتمحيص وتحديد للظرف الذي نزلت فيه كل آية، فإنه يقع ويوقع في مزالق سحيقة في نتائجها السيئة الخطيرة. فمثلًا وردت آيات الخمر وآيات الربا في أكثر من موضع، فإذا جاء أحد الناس وجمع آيات الخمر فوجد أن منها ما يحرم السُكر في حالة الصلاة، وأن منها ما يدل على أن فيها نفعًا، وأن منها ما يأمر بالاجتناب، فأصدر حكمًا بأن الخمر ليس قطعي التحريم، فإن ذلك قطعًا من الدواهي الكبرى. وإذا جاء آخر وجمع آيات الربا، فوجد أن منها آيات مطلقة في تحريمها للربا وآيات مقيدة كتلك التي تقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] وقال: أنا أحمل المطلق على المقيد، فلا أحرم الربا إلا إذا كان

стр. 648

أضعافًا مضاعفة، ويدعي أن هذا هو حكم الله، فإن ذلك يقينًا من أعظم الثغرات التي يدخل منها الطاعنون وأصحاب الأهواء. وهكذا نستطيع أن نقول في كل موضوع من موضوعات القرآن، فآيات القتال وردت فيها آيات مقيدة مثل قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] ومنها آيات مطلقة مثل قول الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] ولا شك إن كلا من الآيتين نزلت في ظرف غير الذي نزلت فيه الأخرى. هذه المخاطر في التفسير الموضوعي ينبغي أن ينبه عليها خوفًا مما لها من نتائج سيئة وعواقب ضارة. كلمة أخيرة: ولقد أحس بعض العلماء بضرورة دراسة التفسير الموضوعي في الكليات والجامعات الإسلامية، فرأينا بعض المؤتمرات لهذه الكليات، توصي بهذا النوع من الدراسة. والواقع أن هذه الطريقة أفضل بكثير من الطريقة التي اتبعها بعض المفسرين في تفاسيرهم، حيث فسروا القرآن لا كما عهدناه في المصحف وإنما حسب نزوله وسأعرض لهذا في الباب الثالث إن شاء الله. فطريقة هؤلاء لا توصل إلى المقصود الذي توصل إليه دراسة التفسير الموضوعي والذي ارتأيته أن يجمع بين الطريقتين في التفسير: أعني التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي، فنوفي الموضوع حقه في جهة، ونحلل ألفاظ الآيات من جهة أخرى فلا يحرم القارئ من كلا الهدفين، وكلاهما مفيد لا يستغنى عنه. إن القرآن الكريم كما هو معجزة في لفظه، فهو معجزة في معناه، معجز في تدرجه لتربية نوع الإنسان. ومن هنا -فإذا أحسنت صياغة التفسير الموضوعي، وتجنبت أخطاره التي أشرت إليها من قبل- فإنه يكون ذا أثر عظيم، لا في التعليم

стр. 649

والتثقيف فحسب، وإنما في تربية الوجدانات والمشاعر، وهي تسير مع القرآن خطوة بعد خطوة. وسيجد القارئ وهو يتتبع آيات القرآن كما أنزلها الله، آثار هذا الإعجاز: فهذه قصة آدم، وردت في عدة سور وكان أولها نزولًا ما جاء في سورة (ص)، وآخرها ما جاء في سورة (البقرة)، والناظر في هذه القصة في سورها التي وردت فيها حسب ترتيب النزول، يجد العجب العجاب وهو أنه لا تكرار أبدًا، وإن كل سورة جاءت بجديد في هذه القصة -وهكذا الموضوعات القرآنية- فسورة الأعراف زادت على ما ذكرته سورة (ص)، حيث بينت المداخل التي دخل إبليس إلى آدم منها من أجل خديعته. وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. كذلك سورة (طه) بينت شيئًا جديدًا عن طبيعة الجنة التي كان فيها آدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، وتأتي سورة الحجر لتبين تفصيلًا آخر عن الطين الذي خلق منه آدم ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. وهكذا كل سورة من سور القرآن، في هذا الموضوع وفي المواضع كلها. من هنا كان خطر التفسير الموضوعي وشأنه العظيم، فنحن اليوم أمام موضوعات كثيرة مختلفة تمس واقعنا السياسي، والاقتصادي والفكري. وقبل ذلك كله الخلقي والعسكري فنحن أحوج ما نكون إذًا إلى تجلية هذه الموضوعات، على أساس من هدي القرآن ومنهجه. وحكمته في إسعاد هذه الأمة، نحن في حاجة إلى هذه الموضوعات لتثقف عقولنا وتهذب نفوسنا، وتردّ شبهًا يحوم بها حولنا الخصوم، وتكون لنا منهاج حياة.

стр. 650

الفَصْلُ السَّادِس التفسيرات المنحرفة وفيه تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: أسباب التفسيرات المنحرفة: الاستشراق والاستغراب. المبحث الثاني: مدرسة الإمام والانحرافات في التفسير. المبحث الثالث: دعوة مشبوهة. المبحث الرابع: نماذج من التفسيرات المنحرفة ومناقشتها.

стр. 651

الفَصْلُ السَّادِس التفسيرات المنحرفة تمهيد: أطلق أستاذنا الذهبي على هذا النوع من التفسير، التفسير الإلحادي (١) كما أطلق عليه الأستاذ مصطفى الطير التفسير المَرَضيّ (٢). ولقد آثرت أن لا أذكر هنا كلمة اتجاه، جريًا على عادتي في الفصول السابقة ذلك لأن هناك بعض التفسيرات لم يكن الانحراف اتجاهًا لأصحابها، وإنما جاء نتيجة لبعض أسباب، ربما أعرض لها فيما بعد إن شاء الله. والقرآن منذ أنزله عالم الغيب والشهادة، بوساطة الروح الأمين على قلب الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، منذ ذلك الوقت وجه إليه مرضى القلوب التهم والمطاعن، وألقوا فيه الشبهات، وحال بعضهم أن يعارضه -كما قيل- لكن ذلك كله لم يقو على الحياة والحركة، بل لم يلبث أن تلاشى كتلك الفقاعات التي تطفو فوق الماء، وهذا شأن الزبد يذهب جفاء، وإذا كان كل هذا من هؤلاء العرب الأقحاح، قد تحطم على صخرة القرآن الصلبة -والمفترون لم تفسد سليقتهم- فمن الطبيعي أن يكون أقرب إلى التحطم والزوال ما جاء به وافتراه غير هؤلاء ممن فسدت طبائعهم وأذواقهم. والقرآن -وقد تكفل الله بحفظه- لا يطمع أحد أن يغير فيه أو يبدل وكل الذي يطمع فيه هؤلاء ما سجله القرآن نفسه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. وصدق الله، ومن أصدق من الله حديثًا، ومن أصدق من الله قيلًا.

стр. 652

وها نحن نرى أنه قد جندت مواهب أفسدها التعصب، وعقول لعب بها الهوى، وأفئدة ملأها الحقد، وأقلام أغرت أصحابها المطامع، جندت كل هذه لتنال من القرآن، فرأينا قديمًا من يريد أن ينال من أسلوب القرآن، وعقائده، وأحكامه، والتاريخ يعيد نفسه. وفي هذا العصر الذي هجمت فيه ثقافة الغرب، رأينا هذه الأقلام تنبعث من جديد، لا لتنال من أحكام القرآن وتشريعاته فحسب، ولكن من لغة القرآن وأسلوبه وقصصه كذلك. المبحث الأول أسباب التفسيرات المنحرفة: الاستشراق والاستغراب ١ - المستشرقون: ربما يتساءل بعض الناس لماذا ذكرت المستغربين، ولم أذكر المستشرقين، مع أن التراث الإسلامي، والفكر الإسلامي، عانى كثيرًا من أولئك المستشرقين، ومع أننا -والحق يقال- لا ننكر ما لهم من إيجابيات، إلا أن هذه الإيجابيات كادت تغطيها هذه السلبيات الكثيرة، ولقد حفلت المكتبة الإسلامية بالحديث عن المستشرقين ما لهم وما عليهم، ليس في التفسير وحده، بل في فروع المعرفة الإسلامية وما أكثرها، ولا ننسى مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر، وسيمر معنا إن شاء الله الحديث عن بعض هؤلاء المستشرقين وكتبهم. أما هذا الفصل فحديثي فيه عن المستغربين الذين كانوا يفكرون بعقول بعيدة عن بيئتهم وتراثهم، والله نسأل أن يقينا شر المستغربين والمستشرقين، فهما وجهان لعملة واحدة، وقد يكون أثر هؤلاء المستغربين أكثر ضررًا من آثار المستشرقين، لأن المستشرقين والحق يقال كانت لبعضهم جهود في البحث لا ينبغي أن تنكر، أما المستغربون فهم إنما يعزفون لحون غيرهم دون أن يكون لهم جهد يذكر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 653

٢ - المستغربون وشبهاتهم: لقد شهدنا أقلام من يسمون كبار الكتاب، تعرض لهذا القرآن، فهذا هو الدكتور طه حسين يوجه المطاعن لأسلوب القرآن، وهذا فريد وجدي يزعم أن معجزات القرآن من قبيل المتشابه، وأخيرًا هذا الدكتور محمد خلف الله يصدر كتابه (الفن القصصي في القرآن) بإشراف الشيخ أمين الخولي، فيتهم القرآن والأنبياء ﵈، والصحابة رضوان الله عليهم. يتهم القرآن برواية الأساطير، والأنبياء ﵈ يجعلهم أبطال روايات غرامية، وأما الصحابة فيرميهم بالجهل. كل هذا في حقبة زمنية متقاربة. ولكن ترى هل نال ذلك شيئًا من قدسية القرآن؟ ولا وألف لا. لقد ابتلي المسلمون بهؤلاء النفر الذين تتلمذوا على يد الغربيين، فانسلخوا من أمتهم، وتنكروا لحضارتهم، وفقدوا مقومات وجودهم، وبهرتهم حضارة الغرب ومدنيته، فأصبحوا يرددون مزاعم أساتذتهم من المستشرقين عن الإسلام وكتابه الكريم. فهذا الدكتور طه حسين، يخرج كتابه (في الشعر الجاهلي)، مرددًا فيه أقوال المستشرقين، وبخاصة اليهود، أمثال (جولد زيهر)، و (مرجليوث) وأقوال المبشرين أمثال (سيل) الإنجليزي. ولا يكتفي الدكتور بإنكاره لبعض ما جاء في القرآن مثل قصة سيدنا إبراهيم ﵇ وبناء الكعبة، بل يتجاوز ذلك إلى الطعن في أسلوب القرآن مكيه ومدنيه. وقد قيض الله كثيرًا من العلماء والباحثين، فردوا أباطيله وفندوا مفترياته، أمثال العالم الفاضل الشيخ محمد عرفه ﵀ وجزاه خير الجزاء (١). وجاء بعد طه حسين، فريد وجدي الذي زعم أن معجزات الأنبياء في القرآن إنما هي من قبيل المتشابه، وقد انبرى له صاحب المنار وغيره من العلماء (٢) فردوا عاديته عن هذا الدين القويم جزاهم الله خيرًا.

стр. 654

افتراءات أبي زيد الدمنهوري: ومن بعد هذا وذاك، جاء أبو زيد الدمنهوري، في كتابه (الهداية والعرفان)، -وما هو بالهداية ولا بالعرفان- ليؤول معجزات الأنبياء تأويلًا بعيدًا عن اللغة وصحيح المأثور، وسليم المنطق. فمعجزات عيسى ﵇ يؤولها بأنها كانت ليس كما يفهمها الناس، وإنما المقصود بها أمور عقلية روحية. وهو ينحرف بقول الله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩] عن معناه فيقول: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهالة وظلماتها إلى خفة العلم ونوره، (الأكمه) من ليس عنده نظر (الأبرص) المتلون بلون الفطرة. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أعلمكم التدبير المنزلي (١). والأعجب من هذا أنه لا يكتفي بإنكار معجزات الأنبياء ﵈، بل ينكر معجزات الرسول عليه وآله الصلاة والسلام كالإسراء والمعراج (٢). ثم جاء من بعد هؤلاء جميعًا محمد أحمد خلف الله، في كتابه (الفن القصصي في القرآن) مدعيًا أن في القرآن أساطير، وأن القصص القرآني لا ينبغي أن نفهمه على أنه حقائق ثابتة، قصد القرآن إلى تقريرها، وإنما هي أنماط من الخيال الخصب والفن المدبج، لما تعارف عليه الناس في عصر نزول القرآن، أو جاءت تحكي ما عرفه السابقون. وهذا عن أخطر ما قيل وما يمكن أن يقال عن هذا القرآن الذي نزل بالحق وقص

стр. 655

أنباءه بالحق. وهذه الرسالة، التي ثار عليها العلماء وَرُدَّت أكثر من مرة، ولكنها ظهرت إلى الوجود بعد ذلك، لا يكاد يخلو موضوع من موضوعاتها من سقطات وانحرافات وقد استُفْتَى علماء الأزهر بشأن مؤلف هذه الرسالة، والمشرف عليها المقر بما جاء فيها فأفتوا بتكفيرهما، وأهم ما جاء في ذلك الاستفتاء ما يلي (١): ١ - إن الحرية الفنية تقتضي عدم التقيد بالصدق العقلي، ولا بتصوير الحقائق تصويرًا صادقًا، بل قد يتقول القرآن ما لم يحصل ولن يحصل. ٢ - إن تاريخ الأنبياء الوارد في القرآن، لا ينبغي أن يؤخذ على أنه حقائق. ٣ - إن القصص القرآني قد يكون لتصوير واقع نفسي لا لحوادث حصلت، وأنه حرب أعصاب، لا أقل ولا أكثر. ٤ - إن القرآن يشتمل على الأساطير، وما فيها من حوادث ملفقة أو مكذوبة. ٥ - إنّ مصادر القصص القرآني هي كتب الأديان الأخرى، والحكايات الشعبية والأفراد العاديين من الناس، والخلط والمزج بين عناصر القصص الشائعة في عدة أمم. ولقد رد عليه الأستاذ أكبر الشيخ محمود شلتوت ﵀، في الكتاب الذي وجهه إليه وزير المعارف (التربية والتعليم). هؤلاء نفر ممن يعلنون إسلامهم، أرادوا أن ينالوا من القرآن في أسلوبه وقصصه ومعجزاته، ولكن ما هدفوا إليه ذهب أدراج الرياح هباء، ويقيت قدسية القرآن في أسلوبه وأنبائه وقصصه. وإذا تركنا هؤلاء إلى غيرهم، وجدنا فئة أخرى، أرادت أن تنال من القرآن في نظمه وتشريعاته وأحكامه، وهؤلاء ليسوا أقل تأثرًا ممن سبقهم بالمستشرقين

стр. 656

والمبشرين بل كانوا أسرع إجابة وأكثر تهافتًا، لقد زعم هؤلاء أن أحكام القرآن يمكن أن تترك لولي الأمر، ينفذ ما شاء ويترك ما شاء، وإن مثل قول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، إنما يدل على تكرار العمل، فمن سرق أو زنى مرة واحدة لا يقام عليه الحد (١). ولقد طلع أخيرًا على المسلمين بعض المنتسبين إلى العلم ممّن يزعم حلّ الربا إذا لم يكن أضعافًا مضاعفة، وجواز الفدية لمن كان قادرًا على الصوم، ولا يريد أن يصوم. كل هذا وغيره يذهب أدراج الرياح. وستبقى أحكام القرآن وتشريعاته منار الإنسانية كلها، والمنهل العذب الذي لن يجد الناس غيره، مرويًا لظمئهم الفكري والروحي والسياسي والاجتماعي. المبحث الثاني مدرسة الإمام والانحرافات في التفسير هذه أفكار مسمومة خرج أصحابها بهذه المطاعن، ولكنها لم تأخذ شكل التفسير إذا استثنينا كتاب أبي زيد الدمنهوري. وهناك كتب أراد أصحابها أن يلبسوها صبغة التفسير، وقبل أن أتعرض لها لا بد من الإشارة إلى أثر مدرسة الأستاذ الإمام في هذا النمط من التفسير. فلقد رأينا لهذه المدرسة آثارًا في اتجاهات التفسير على اختلافها، فهل يا ترى كان لها أثر كذلك في ظهور التفسير المنحرف؟ . هذا تساؤل أود أن أجيب عنه. لا يشك أحد بأن للشيخ محمد عبده ومدرسته أعظم الأثر في تقريب فهم القرآن من القلوب، وتنقية التفسير من كثير من الشوائب، والابتعاد به عن جو الخرافات

стр. 657

والإسرائيليات والتعصب للمذاهب الفقهية والكلامية، وتنقيته من كثير من المصطلحات العلمية، التي يدق فهمها على كثير من الناس، وإلباسه ثوبًا جديدًا يتناسب مع أسلوبه وموضوعيته مع مدركات الناس في هذا العصر. ولكن مع تلك الحسنات كلها، فلقد كان لهذه المدرسة هفوات وكبوات، خرجت بالنص القرآني عن معناه الظاهر، إلى تأويلات بعيدة وتفسيرات غريبة، وذلك كتأويل بعض الآيات التي تحدثت عن الملائكة بالقوى الطبيعية، حتى مجرد التسمية بهذا الاسم، يعد غريبًا عن معنى الآية ومضمونها. وكتأويل سجود الملائكة لآدم بتسخير القوى، وكتأويل مولد عيسى ﵇، بأنه تأثير حصل لمريم نتيجة اعتقاد خاص، ومن هذا القبيل تأويل الرجوم بالحجج عند المراغي الأكبر (١)، وتأويل الخطفة والشهاب الثاقب والشهاب الرصد عند المراغي الأصغر (٢)، وتأويل الدابة عند الشيخ عبد الجليل عيسى، مما سأعرض له مفصلًا إن شاء الله في الجزء الثالث. ولا ننسى تأويل قصة البقرة، الذي ذهب إليه الأستاذ الإمام وصاحب المنار. ولقد استند صاحب الفن القصصي فيما ذهب إليه إلى بعض عباراتهما. هذا كله يجعلني أخلص إلى النتيجة التالية وهي أن لهذه المدرسة أثرًا في ما رأيناه من انحراف في التفسير فيما بعد. وهذا الانحراف، وإن لم يكن هدفًا عند هذه المدرسة، وإن كان كثير من رجالها قد حاربوه حربًا لا هوادة فيها، إلا أن هؤلاء المنحرفين كانوا أقل ما في الأمر، يتسترون ببعض آراء تلك المدرسة، والحق أن مدرسة الأستاذ الإمام مع ما لها من فضل، إلا أنها قد شجعت كثيرين ممن نشك في دوافعهم وأهدافهم على أن يذهبوا هذه المذاهب الشاذة في تفسير القرآن. وليس معنى هذا أن انحراف هؤلاء، كان نتيجة لبعض آراء تلك المدرسة التي

стр. 658

صدعت بها، فإن كثيرين منهم قد تأثروا بعوامل ودوافع لا تقرها تلك المدرسة، وإنما هذه الدوافع كانت أثرًا مباشرًا لذلك اللبن الآسن، الذي أرضعه هؤلاء في حضانة الجامعات الأوروبية، أو نتيجة لشهوة الشهرة التي سيطرت عليهم. فمن الطراز الأول تلك الرسالة التي تقدم بها منصور فهمي، لنيل شهادة الدكتوراه من جامعات فرنسا، وكان موضوعها (المرأة المسلمة). وفي هذه الرسالة يظهر التعصب والحقد من جهة، والجهل والغباء من جهة أخرى. إذ كشف الكاتب عن حقيقته، فاتهم الرسول عليه وآله الصلاة والسلام تهمًا يردها كثير من علماء الغرب المنصفين. ومن الطراز الثاني ما رأيناه من علي عبد الرازق، حينما أصدر كتابه (الإسلام وأصول الحكم) سنة ١٩٢٥ م، متأثرًا بما أصدرته الحكومة التركية في ذلك الوقت، مسوّغة إنهاء الخلافة في سنة ١٩٢٤ م، ولقد كان لكتاب علي عبد الرازق ضجة في الأوساط الإسلامية، كما كان له أثر سيّء فيما بعد. والغريب أن هؤلاء الذين ينحرفون في منهجهم سرعان ما تتاح لهم الفرص فيما بعد، ليشغلوا المراكز الخطيرة الحساسة، وليتملكوا بعض زمام هذه الأمة. قيود مزعومة: على أن هؤلاء لم يفتُروا عن التشكيك، والمحاولات الجادة لتحريف هذا الكتاب، والنيل من قدسيته، بدافع من الدوافع الخبيثة ولكنهم يصورونها غيرة على القرآن. فهذا رجاء النقاش يكتب بكل قحة، تحت عنوان مثير للدهشة (حرروا القرآن من هذه القيود)! ونبحث عن تلك القيود فماذا نجد؟ حقًّا لا نجد إلا ما يبعث على الاستغراب، هذه القيود في نظره نوعان: قيود شكلية وقيود أساسية أما القيود الشكلية فهي كتابة المصحف بالرسم العثماني، وعدم وجود تفسير عصري، وأما الأساسية التي هي أعمق وأبعد أثرًا من سابقتها، فهي الاستفادة من المسرح

стр. 659

والموسيقا والفن، لكن علماءنا جامدون -كما يقول- بعكس رجال الكنيسة في الغرب، الذين استفادوا من تلك الوسائل. نعم ينبغي أن نحرر القرآن فنكتبه حسب قواعد الخط الحديثة. وينبغي أن نحرر القرآن فلا نقراه إلا على ألحان الموسيقى، وينبغي أن تمتلئ مساجدنا بالصور والرسوم. كل هذا حتى تكون نظرتنا للقرآن نظرة عصرية فيؤثر في نفوسنا. لا بد أن نفعل ذلك، ولو أدى هذا إلى ثورة، كتلك التي قام بها لوثر في عالم المسيحية. هذا ما يرجوه رجاء النقاش (١). ونحن إذ ندعو الله أن يحول بين ما كتبه، وبين أن ينقش في عقول الناشئة نوجه إليه الأسئلة التالية: أولًا: كيف أحدث القرآن هذا الانقلاب الهائل، في نفوس أولئك الأميين الذين لم يعرفوا القراءة والكتابة، وكيف امتد هذا الأثر فيما بعد، إلى هؤلاء الذين عرفوا أنواعًا من المخطوط المتعددة؟ . إن القرآن مؤثر ببيانه وأسلوبه، وفصاحة مفرداته ويلاغة تراكيبه، وتأثيره الجذاب في جرس لفظه وسمو معناه. وإن كتابة القرآن لم تكن في يوم من الأيام عائقًا أو عقبة دون الأخذ بمجامع القلوب، ولكن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ثانيًا: ماذا يقصد الكاتب بالتفسير العصري؟ ! . نحن على يقين بأنه لم تتح له الفرصة، ويعبارة أدق، لم يتح لنفسه الفرصة للاطلاع على الثروة التفسيرية التي بذل أعلام الأمة فيها جهدهم، وهي خالية من التعقيدات والخرافات، ويقيني لو أنه اطلع على أي تفسير من هذه التفاسير الكثيرة في المكتبة الإسلامية لأراح نفسه وغيره. ثم لا أدري من أين أتى بهذا التفسير للبرق، بأنه صراع بين ملائكة الخير وملائكة الشر. ونحن نعرف الملائكة بأنهم جميعًا من عناصر خيرة، ولم يقل أحد إن هناك ملائكة يسمون ملائكة الشر.

стр. 660

ثالثًا: كأن الكاتب لم يسمع نهي الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، عن تلحين القرآن كما تفعل الأعاجم. إن موسيقا القرآن الربانية ستبقى وحدها، ذات الأثر العميق الخالد في النفوس والقلوب، ولن يصل هؤلاء أبدًا إلى الغاية التي يريدونها. وستبقى قدسية القرآن دون أن ينال منها أحد ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. رابعًا: هل نسي الكاتب أن الثورة التي قام بها لوثر، إنما كانت نتيجة تأثره بالإسلام إلى أبعد الحدود. إن مثل هذه الدعوات، إنما تصدر عن تخطيط رهيب، ومكر سيّء، لهذا الدين، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ويصدق عليها قول الله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤]. وقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. المبحث الثالث دعوة مشبوهة وهذه شقشقة من كاتب آخر، وهو إبراهيم عامر، لا تقل عن سابقتها، فإنه من أجل استكشاف الذات، ومن أجل تعصير الإسلام، ومن أجل أن يظهر الإسلام بصورة جديدة في أعين الناس يطور معناه، من أجل ذلك كله، يوجه الكاتب دعوة إلى علماء الأزهر، ليقوموا بإعداد تفسير عصري تاريخي اجتماعي. ولكن مع الأسف الشديد، فإن مثل هذه المحاولة، التي غفل عنها علماء الأزهار، قد سبقهم إليها الكاتب الفرنسي (مكسيم رودنسون) في كتابه (محمد) و (الإسلام والرأسمالية) (١).

стр. 661

تلك دعوة الكاتب، وهي وإن كانت تظهر هويته بصراحة ووضوح، إلا أنه يكشف لنا عن هويته، بكلام أكثر صراحة حينما يقول: (إن للدين سببًا إنسانيًا. وإن لكل دين جانبين إيمانيًا ودنيويًا، ومن ثم فللقرآن -الذي دون بعد نزوله بفترة هذان الجانبان، الأول باعتباره كلامًا موحى به، والثاني باعتباره مشتملًا على تنظيم الحياة لمن نزل عليهم. ويمعن أكثر فأكثر، وهو يكشف عن هويته حينما يقول: (إن للدين دورًا في حياة الإنسان ما ظل الإنسان يموت، لأنه يبشره بحياة بعد الموت، يثير في نفسه القدرة على تقبل بؤس الحياة وشقائها. وإذا كان للدين هذا الأثر فإن له معنى تاريخيًا). وبعد ذلك يحاول تطبيق نظريته هذه على القرآن في مواضع متعددة فيقول: فكون أول آيات القرآن نزولًا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، فإن لهذا معنى تاريخيًا. وكون الصوم كان في أول المحرم، ثم صار في رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فإن لهذا معنى اجتماعيًا. وكذلك كون الصلاة في أوقات يعينها اختلاف دورة الشمس، وكون الحج إلى الكعبة، التي كانت الأسواق التجارية على مقربة منها، كل هذا يدل على هذه المعاني التاريخية الاجتماعية. وهكذا يمضي الكاتب في تلك الشقشقات، تظهر أهدافه تارة، وما يخفيه في صدره أكبر وأعظم. الدوافع الحقيقية لتلك الدعوة: هذه الأقوال لا تدل على جهل صاحبها في الدين فحسب، وإنما تدل كذلك على مدى تأثره وارتباطه، بتلك النظريات المادية بعامة واليسارية بخاصة. إنها النظريات التي طغت على كثير من مثقفينا في هذا الظرف العصيب، وتلك المرحلة الصعبة التي تمر بها أمتنا، ولا أظن أن الكاتب نسي أو تناسى أن الفرنسي الذي استشهد به، والذي قال عنه إنه سبق علماء الأزهر، بمحاولة تفسير عصري للقرآن، هو شيوعي يهودي. وبالطبع فعلماء الأزهر بل وكل مسلم، مهما كان علمه يعجز -ولكن عن غير ضعف- أن يفسر القرآن تفسيرًا تبث فيه اليهودية والشيوعية

стр. 662

أغراضهما، من أجل النيل من هذا الدين. ونحب أن نطمئن الكاتب إلى أن القرآن الذي أنزله عالم الغيب والشهادة والذي يعلم السر في السماوات والأرض، لا يمكن تعصيره، لأنه نزل ملائمًا لكل عصر، ولا تطوير معناه لأن معانيه ملازمة للجدة دائمًا. فهو خير مصلح للبشرية على اختلاف أزمنتها وأمكنتها، والتفسير التاريخي الاجتماعي الذي يريده الكاتب، لا يجرؤ مسلم يؤمن حق الإيمان بالله واليوم الآخر، وبقدسية القرآن، على القيام به كما يبتغيه الكاتب. ذلك أن الكاتب ينطلق من أرضية معينة ونظريات معينة. تلك النظريات التي تفسر كل شيء تفسيرًا ماديًا، فالتاريخ مثلًا ينبغي أن يفسر تفسيرًا ماديًا، فإذا قيل إن المسلمين انتصروا على الروم. قال هؤلاء نعم إن تفسير ذلك قوة المسلمين عدة، وكثرتهم عددًا، وحرصهم على المادة التي سيغنمونها، والاضطراب الداخلي في صفو أعدائهم، وهكذا يسوّغ هؤلاء حوادث التاريخ. كل ذلك ليطمسوا معالم القوة الروحية، وعامل العقيدة والدوافع الإيمانية والعناية الربانية، ولم يكتف هؤلاء بهذا التفسير المادي للتاريخ، بل تجاوزوا ذلك إلى الدين نفسه. وهذا ليس غريبًا بالطبع، فالدين ظاهرة تاريخية لها سبب إنساني كما يزعمون، فالإسلام ثورة قام بها النبي ليحارب الإقطاع ويقضي عليه، والقرآن إذن جاء من أجل هذا، وافترض ما افترض على الناس من أجل هموم مادية كما يسمونها. فالصيام له معناه التاريخي والاجتماعي، بل الاقتصادي، والحج إلى مكة حيث الأسواق التجارية، والزكاة قصد منها تفتيت الثروة. وهكذا يقولون فيما شرعه القرآن ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] ولعل الكاتب يعبر عن ذلك كله بهذه الجملة الموجزة (ما ظل الإنسان يموت فهو بحاجة إلى الدين، لأنه يثير في نفسه القدرة على تحمل البؤس والشقاء). وهذا تمامًا يتفق مع العبارة القائلة (الدين أفيون الشعوب) والإنسان بحاجة إلى الدين إذن لأمر مادي يتصل برغبته.

стр. 663

على أن الشيوعي الفرنسي الذي كان المثل الأعلى لهذا الكاتب من أخطر أعداء الإسلام وخصومه، فبعد هذه الدعوة بأقل من ربع قرن كانت ضجة في مصر لا من علماء الأزهر فحسب، بل ضجة شعبية من المثقفين على اختلاف مشاربهم، من أجل كتب هذا اليهودي التي كانت تدرس في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وهكذا نجد مثل هؤلاء الكتاب لا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يعرفون العدو من غيره. رد حاسم: لا يا هؤلاء! إن القرآن ليس كما وصفتم، وإلا فكيف تفسرون لنا تلك الظاهرة، إذا كان القرآن ثورة على الغني والثروة، فكان ينبغي إذًا أن ينضوي كل من ليس ثريًا تحت رايته من أول يوم، ولكن لم يكن ذلك بل رأينا الفقراء والأغنياء في حزبه سواء. والحج إنما افترضه الله من أجل معاني روحية واجتماعية، وإنها دعوة إبراهيم ﵇، من قبل أن تقوم عكاظ وغيرها. وإن الإنسان بحاجة إلى الدين لا لأنه يموت، وإنما هو بحاجة إليه من أجل أن يحيا. لا يا هؤلاء! لا تجرّدوا الإنسان من سمو الروح ومشاعر الخير التي فطره الله عليها، فتجعلوا منه جهازًا ديناميكيًا لا تحركه إلا دوافع المادة وعوامل المنفعة ونزوات الشهوات. إن في تاريخ المسلمين ودينهم، من الحقائق، ما يجعل تلك النظريات نوعًا من الهراء، لا تساوي الحبر الذي كتبت به. وأخيرًا أود أن أقف مع الكاتب عند هذه الجملة التي جاءت في كلامه (إن للقرآن في تصوري معنيين أو دلالتين. إنه مجموع (كلام الله) المنزل على نبيه ورسوله محمد بن عبد الله، والذي دون في فترة لاحقة في المصحف. وهو في الوقت ذاته الدستور الذي يتضمن مبادئ وقواعد تنظم حياة البشر الاقتصادية

стр. 664

والسياسية والاجتماعية والعقائدية. كما ينظم قيمهم الأخلاقية ومعايير العلاقات فيما بين بعضهم بعضًا. وهو بالدلالة الأولى قد فسر التفسير الكافي أو الأقرب إلى الكفاية، لكنني أظن أنه لم يفسر بدلالته الثانية بما يكفي حتى الآن. أما أولًا: فإن قوله: إن للقرآن دلالتين كلام ليس له دلالة، فلا أدري ما الفرق بين الدلالة الأولى والثانية. فالكلام ألفاظ لها معانيها، والقرآن هو كلام الله المتضمن ما فيه سعادة البشر وليس المسلمين فقط. فلا يمكننا إذًا أن نقول إنَّ هناك معنيين يختلف أحدهما عن الآخر، أو ينفرد أحدهما عن الآخر: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ولكن هدف الكاتب من وراء ذلك، هو ما عبر عنه بوجود ظاهرتين للدين: إيمانية ودنيوية والدنيوية تخضع للظروف التاريخية والاجتماعية، فإذا تغيرت الظروف وتغيرت النظم، وتبدلت القيم واختلفت الموازين، فلا بد أن تغير نتيجة لذلك هذه المعاني الدينية. وهذا معنى قوله بوجوب تعصير الإسلام وتجديده، وتطوير معناه، وكأنه ظن أن الإسلام نظرية كنظريات داروين، أو ماركس أو لينين أو سارتر، ونسي أن الإسلام في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، هو فوق النظريات والتجديد والتعصير والتطوير. وأما ثانيًا: فإن القرآن لم يدون بعد نزوله بفترة، لقد حفظ القرآن في الصدور، ودون في حياة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. فليطمئن الكاتب لهذا إن أراد الاطمئنان. ولا أدري لم حشر هذه العبارة هنا، مع أن المقام لا يقتضيها ولا يتطلبها. وأما ثالثًا: فلا أدري كيف توصل الكاتب، إلى هذا الحكم الذي أطلقه دفعة

стр. 665

واحدة. وهو: أن القرآن قد فسر بالدلالة الأولى، تفسيرًا كافيًا أو أقرب إلى الكفاية بينما لم يفسر بالدلالة الثانية. نحن أولًا لم نسلم أن هناك دلالتين اثنتين، وعلى فرض صحة ما قاله، فكيف يدعي أن القرآن لم يفسر دستورًا للحياة. أغلب الظن بل اليقين أن الكاتب لم يطلع على ما كتب من تفسير للقرآن. سواء كان تفسيرًا تحليليًا لآيات القرآن وسوره، أم موضوعيًا لموضوعاته المتعددة المتنوعة. أما إذا أراد أن القرآن لم يفسر تفسيرًا حسب النظريات التي يريدها، كتفسير مكسيم رودنسون الذي أشاد به، فهذا صحيح، لم يفسر القرآن مثل هذا، ولن يفسر كذلك، اللهم إلا إذا خلا الوجود من العلماء، الصادعين بالحق القائمين على أمر هذا الدين، ولن تخلو منهم الحياة ما دامت، حتى يأتي أمر الله. وبعد فتلك أمثلة من الهوى المتبع، والحقد المبطن حينًا، والمكشوف حينًا آخر، دبجتها أقلام مسمومة باسم الغيرة على الدين. المبحث الرابع نماذج من التفسيرات المنحرفة ومناقشتها والآن لا بد من أن أضع على مشرحة الفكر وبساط البحث، بعض الكتب التي تتصل بهذا الموضوع ونتائجه. أ- رسالة الفتح: هكذا سماها كاتبها، وما هي كذلك، فإنها هراء من القول، وفتح لأبواب من الهزل والسخرية، ولأول وهلة يحكم القارئ على كاتبها بالسقم العقلي والخفة والطيش اللذين يعوزهما أدنى درجات الحكمة والمهارة في العرض والسلامة في المنطق لذا لن أقف عندها كثيرًا، وإنما أشير إشارات خاطفة إلى بعض ما جاء

стр. 666

فيها من هذيان. فمثلًا: من الصفاقة المضحكة ما يقوله من أن عصابة الماسون بعد الجيل الثالث، حرفوا معاني القرآن، ووضعوا الأشعار، ودونوا الأحاديث المكذوبة، ووضعوا المعجمات وقد بقي هذا الانحراف وتلقته الأمة جيلًا بعد جيل. إذًا الأحاديث مكذوبة! ومعاني الشعر مصطنعة! والمعجمات كلها بنيت على الخطأ والتحريف منذ الأساس! ويلزم من هذا بالطبع، أن معاني الكلمات التي تعارفنا عليها إنما هي من وضع الماسونية! فلو جاء أحد قبل ألف سنة يخاطبنا، ما كنا لنفهم حديثه. فليس معنى (رجل)، هو ما تعارفنا عليه من أنه البالغ أشده من ذكور بني آدم! . وهكذا يقال في (المرآة) و (الكتاب) و (القرآن). هكذا معنى رسالة الفتح. فقد يكون معناها الأساسي مثلًا: (دهاليز التخريف) أو (جهالات أحمق). الكاتب وحده إذًا هو الذي يعرف معاني الكلمات. وهل يدعي أحد أن معاني اللغة كلها محرفة غير صحيحة، اللهم إلا أن يكون مأفونًا. ثم أليست اللغة، وهي -وسيلة التخاطب بين الناس- قوالب من الألفاظ لها معانيها، وهذه القوالب التي حفظها القرآن وأشعار العرب، لا زالت كما هي فقهًا وبلاغة ووضعًا، وإذا كانت معاني اللغة كلها محرفة غير صحيحة، فليست هناك إذًا حقيقة من الحقائق، إذ لا يمكن أن يثبت شيء. ويمضي الكاتب في ترهاته التي لا تستدعي الإشفاق عليه إلّا بقدر ما تستدعي الضحك منه، يعرض نماذج من ذلك الجهل المركب، فهو يزعم أن كلمة (بقرة) التي وردت في سورة يوسف، في رؤيا الملك ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف: ٤٣] معناها الطير، ولكنها حرفت في الجيل الثالث، واصطلح الناس على هذا التحريف إلى يومنا هذا. وحجته أن البقر لا يأكل بعضه بعضًا، أما الطير فذلك فيه ممكن أما بقرة بني إسرائيل التي أمروا بذبحها، فهي عنده (دجاجة). هذا العلم الذي وصل للمؤلف أراد أن يبرهن عليه بأن البقر لا يأكل

стр. 667

بعضه، ونسي أنها رؤيا، ولم يهده الله إلى "سورة الأنعام" التي ذكر فيها البقر بجانب الإبل تارة والغنم تارة أخرى، وذلك في قول الله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] وقوله في شأن اليهود ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] أفيفسر البقر هنا بالطائر كذلك، وذلك لا يستقيم أبدًا؟ اللهم إلا أن أراد بالإبل الحمام، وبالغنم العصافير، وذلك أمر ليس بعيدًا عنه. ولم يكتف المؤلف بإنكار حقائق اللغة، بل يتجاوز ذلك إلى إنكار الأشخاص. فهو حينما يذكر الصحاح و (لسان العرب) يقول: (ولمن سموه بابن منظور). وماذا بقي إذًا، إذا لم يكن هناك حقائق لغوية وتاريخية من السهل أن يدعي كل واحد أنه ليس هناك من يسمى بـ (عمر بن الخطاب) أو (بالرشيد) أو (بقطز) أو (بصلاح الدين). وكما أنكر اللغة والأشخاص، فإنه أراد كذلك أن يهدم الآثار التاريخية كلها. وذلك حينما زعم أن قبيلة ثمود التي أرسل لها صالح ﵇، كانت مساكنهم بلاد النوبة جنوب مصر، وقد ورثهم الفراعنة الذين فجروا الذرة، وشقوا مجرى النيل، مع أن الثابت أن مساكن ثمود كانت في الحجر بين بلاد الشام والحجاز، وثبت أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، حدث صحابته بذلك وهو في طريقه إلى تبوك، وطلب منهم أن يجدوا في السير. فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين) ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي) (١).

стр. 668

وثالثه الأثافي عند الكاتب، إنكاره الإسراء إلى بيت المقدس، وإنكاره الصلة بين مكة والقدس، مما يجعلنا نوقن بأنه مدفوع من قبل أعداء الله وأعداء هذه الأمة: يهود الذين وقع الأقصى في قبضتهم، وقد مكنهم من هذا وجود أمثال هذا الكاتب في صفوف المسلمين وهذا تفسيره لسورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١] (أسرى): (أوفى وأنهى) (المسجد): (القرآن): (المسجد الأقصى: (سدرة المنتهى)، ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ وهذه الآيات التي رآها (أرواح القدس السبعة، جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومناة واللات والعزى) فانظر كيف خلط بين الملائكة المقربين، وبين الأصنام التي كان يتقرب إليها العرب في جاهليتهم! ثم يدعي أن إسراء النبي ﷺ إلى فلسطين من باب الخيال والخرافة. وهكذا يستمر في ضلاله وخلطه إلى أبعد الحدود. ويقيني أن هذا وأمثاله، ما كانوا ليجرؤوا على مثل ذلك، لولا اللين والتهاون في شأن هو أعظم شؤون الأمة، ويحضرني ما حدث في زمن سيدنا عمر ﵁، حينما رفع إليه الزبرقان بن بدر رضي اله عنه شكوى على الحطيئة من أجل بيت من الشعر، قاله فيه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكَاسِي فأدبه سيدنا عمر التأديب اللائق به. وإذا كان الحطيئة قد نال من شخص مسلم، فما بالنا بمن أراد أن يهدم الإسلام كتابًا ولغة وتاريخًا وآثارًا وعقائد وأحكامًا. أليس هذا من أعظم الحرب على الله ورسوله؟ أليس هذا من أعظم الإفساد الذي تُوعِّد فاعلوه بخزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة؟ ! ثم أليس من أعظم المصائب أن ينشر مثل هذا، في كنانة الله مصر الإسلام والأزهر؟ ! . ب- محاولة لفهم عصري للقرآن طلع الطبيب مصطفى محمود، الذي نسأل الله له تمام الهداية بمحاولته العصرية

стр. 669

لفهم القرآن. وإذا كان الذين ينحرفون في التفسير، بعضهم ينحرف من حيث الاستناد إلى الآثار المروية، وبعضهم ينحرف من حيث صرف المعاني عن مدلولاتها اللغوية، وفريق ثالث حمل معاني القرآن لتوافق هوى في نفسه، فإن صاحب الفهم العصري، كان انحرافه من هذه الحيثيات مجتمعة. وليس عجيبًا أن نجد مثل هذا التحريف لمعاني القرآن، لكنني أعجب حقًّا من قول الأستاذ مصطفى الطير بأنه يعز عليه أن يضعه في التفسيرات المريضة، لأنه أجاد في أكثر ما كتب، واحتوى كتابه على كثير من الفضائل والمحاسن. فلقد أعجبه أسلوب الكاتب الجذاب. وما كان ينبغي لهذا العالم الفاضل أن يصدر منه مثل هذا، والله يقول: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]. وسأتتبع فصول هذا الكتاب، ليتبين لنا ما فيه من تأويل فاسد ومنزلقات خطيرة. المعمار القرآني: في أثناء كلام الكاتب تحت هذا العنوان: "المعمار القرآني" ينتقل بين موضوعات كثيرة معلقًا حينًا ومستنتجًا حينًا، ومتحدثًا عن نفسه وطفولته وبيته حينًا آخر، ولن تعنيني الجزئيات والخصوصيات، فلن أناقش منها شيئًا، لكنني أتتبع المؤلف فيما يبدو لي خروجًا عن حق من مخالفة سنة، أو شطط في تأويل، أو إغراب في رأي. يحدثنا أنه نشأ في بيت لا إرغام فيه على التدين والمذاكرة، فكل يتحمل نتيجة عمله، فلم تكن أسرته كتلك (الأسر المتزمتة) التي تحشر العلم والدين حشرًا في عقول أطفالها بالكرباج والعصا) (١). وهنا لا بد أن أتدخل لتصحيح خطأ لأقول للكاتب، إنه ليس تزمتًا أن تعوَّد الناشئة لتعيش في جو التدين،

стр. 670

وهذا رجل التربية الأول رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، والذي كان حريصًا على أن يؤدب أمته، يقول معلمًا لأولياء الأمور كيف يعاملون أبناءهم: (مروهم بالصلاة أبناء سبع، واضربوهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) (١) أفيكون هذا تزمتًا؟ ! مخيّر أو مسيّر: وتحت عنوان (مخيّر أو مسيّر)، يعالج المؤلف مسألة من أخطر المسائل، وأكثرها تعقيدًا، وهي ليست مشكلة الفكر الإسلامي فحسب، بل مشكلة الفكر الإنساني المتدين، منذ أن كانت له كتب سماوية وفلسفات أرضية، إنها مشكلة القدر. ومن الإنصاف أن أعترف بأن المؤلف قد وفق إلى حد في بعض ما قاله ولكن هناك ملاحظات لا بد من تسجيلها هنا. يعلل المؤلف نهي الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، عن الخوض في القدر (لأنه يعلم أن المعضلة من المعضلات الفلسفية العالية التي لا يتيسر الرد عليها بعلوم عصره، وأن الجدل سوف ينزلق إلى متاهة يضيعون فيها. ولذا فضّل الإيمان بالقلب على الثرثرة العقلية العقيمة، وهي وصية لا تنسحب تمامًا على عصرنا، الذي دخلت فيه الفلسفة الجامعات، وأصبحت درسًا ميسرًا، يتلقاه ابن العشرين كل يوم. وبذلك أصبح السؤال مطروحًا بشدة، وفي حاجة إلى جواب ورد شافٍ من الفلسفة، ومن الدين. ومن صميم القرآن ذاته) (٢). وهنا نتساءل هل كانت مسألة القدر من المسائل العلمية التي تحتاج إلى المختبرات الكيميائية أو آلات التشريح؟ بالطبع لا. هل ما ورد في القرآن من ذكر القدر، يكفي المؤمنين ليشقوا طريقهم في الحياة، وهم يعلنون إيمانهم بكل ما جاء
следующие страницы →