فيها من هذيان.
فمثلًا: من الصفاقة المضحكة ما يقوله من أن عصابة الماسون بعد الجيل الثالث، حرفوا معاني القرآن، ووضعوا الأشعار، ودونوا الأحاديث المكذوبة، ووضعوا المعجمات وقد بقي هذا الانحراف وتلقته الأمة جيلًا بعد جيل. إذًا الأحاديث مكذوبة! ومعاني الشعر مصطنعة! والمعجمات كلها بنيت على الخطأ والتحريف منذ الأساس! ويلزم من هذا بالطبع، أن معاني الكلمات التي تعارفنا عليها إنما هي من وضع الماسونية! فلو جاء أحد قبل ألف سنة يخاطبنا، ما كنا لنفهم حديثه. فليس معنى (رجل)، هو ما تعارفنا عليه من أنه البالغ أشده من ذكور بني آدم! . وهكذا يقال في (المرآة) و (الكتاب) و (القرآن). هكذا معنى رسالة الفتح. فقد يكون معناها الأساسي مثلًا: (دهاليز التخريف) أو (جهالات أحمق). الكاتب وحده إذًا هو الذي يعرف معاني الكلمات.
وهل يدعي أحد أن معاني اللغة كلها محرفة غير صحيحة، اللهم إلا أن يكون مأفونًا. ثم أليست اللغة، وهي -وسيلة التخاطب بين الناس- قوالب من الألفاظ لها معانيها، وهذه القوالب التي حفظها القرآن وأشعار العرب، لا زالت كما هي فقهًا وبلاغة ووضعًا، وإذا كانت معاني اللغة كلها محرفة غير صحيحة، فليست هناك إذًا حقيقة من الحقائق، إذ لا يمكن أن يثبت شيء.
ويمضي الكاتب في ترهاته التي لا تستدعي الإشفاق عليه إلّا بقدر ما تستدعي الضحك منه، يعرض نماذج من ذلك الجهل المركب، فهو يزعم أن كلمة (بقرة) التي وردت في سورة يوسف، في رؤيا الملك ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف: ٤٣] معناها الطير، ولكنها حرفت في الجيل الثالث، واصطلح الناس على هذا التحريف إلى يومنا هذا. وحجته أن البقر لا يأكل بعضه بعضًا، أما الطير فذلك فيه ممكن أما بقرة بني إسرائيل التي أمروا بذبحها، فهي عنده (دجاجة). هذا العلم الذي وصل للمؤلف أراد أن يبرهن عليه بأن البقر لا يأكل
стр. 667
بعضه، ونسي أنها رؤيا، ولم يهده الله إلى "سورة الأنعام" التي ذكر فيها البقر بجانب الإبل تارة والغنم تارة أخرى، وذلك في قول الله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] وقوله في شأن اليهود ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] أفيفسر البقر هنا بالطائر كذلك، وذلك لا يستقيم أبدًا؟ اللهم إلا أن أراد بالإبل الحمام، وبالغنم العصافير، وذلك أمر ليس بعيدًا عنه.
ولم يكتف المؤلف بإنكار حقائق اللغة، بل يتجاوز ذلك إلى إنكار الأشخاص. فهو حينما يذكر الصحاح و (لسان العرب) يقول: (ولمن سموه بابن منظور).
وماذا بقي إذًا، إذا لم يكن هناك حقائق لغوية وتاريخية من السهل أن يدعي كل واحد أنه ليس هناك من يسمى بـ (عمر بن الخطاب) أو (بالرشيد) أو (بقطز) أو (بصلاح الدين).
وكما أنكر اللغة والأشخاص، فإنه أراد كذلك أن يهدم الآثار التاريخية كلها. وذلك حينما زعم أن قبيلة ثمود التي أرسل لها صالح ﵇، كانت مساكنهم بلاد النوبة جنوب مصر، وقد ورثهم الفراعنة الذين فجروا الذرة، وشقوا مجرى النيل، مع أن الثابت أن مساكن ثمود كانت في الحجر بين بلاد الشام والحجاز، وثبت أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، حدث صحابته بذلك وهو في طريقه إلى تبوك، وطلب منهم أن يجدوا في السير. فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين) ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي) (١).
стр. 668
وثالثه الأثافي عند الكاتب، إنكاره الإسراء إلى بيت المقدس، وإنكاره الصلة بين مكة والقدس، مما يجعلنا نوقن بأنه مدفوع من قبل أعداء الله وأعداء هذه الأمة: يهود الذين وقع الأقصى في قبضتهم، وقد مكنهم من هذا وجود أمثال هذا الكاتب في صفوف المسلمين وهذا تفسيره لسورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١] (أسرى): (أوفى وأنهى) (المسجد): (القرآن): (المسجد الأقصى: (سدرة المنتهى)، ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ وهذه الآيات التي رآها (أرواح القدس السبعة، جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومناة واللات والعزى) فانظر كيف خلط بين الملائكة المقربين، وبين الأصنام التي كان يتقرب إليها العرب في جاهليتهم! ثم يدعي أن إسراء النبي ﷺ إلى فلسطين من باب الخيال والخرافة. وهكذا يستمر في ضلاله وخلطه إلى أبعد الحدود.
ويقيني أن هذا وأمثاله، ما كانوا ليجرؤوا على مثل ذلك، لولا اللين والتهاون في شأن هو أعظم شؤون الأمة، ويحضرني ما حدث في زمن سيدنا عمر ﵁، حينما رفع إليه الزبرقان بن بدر رضي اله عنه شكوى على الحطيئة من أجل بيت من الشعر، قاله فيه:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكَاسِي
فأدبه سيدنا عمر التأديب اللائق به. وإذا كان الحطيئة قد نال من شخص مسلم، فما بالنا بمن أراد أن يهدم الإسلام كتابًا ولغة وتاريخًا وآثارًا وعقائد وأحكامًا. أليس هذا من أعظم الحرب على الله ورسوله؟ أليس هذا من أعظم الإفساد الذي تُوعِّد فاعلوه بخزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة؟ ! ثم أليس من أعظم المصائب أن ينشر مثل هذا، في كنانة الله مصر الإسلام والأزهر؟ ! .
ب- محاولة لفهم عصري للقرآن
طلع الطبيب مصطفى محمود، الذي نسأل الله له تمام الهداية بمحاولته العصرية
стр. 669
لفهم القرآن. وإذا كان الذين ينحرفون في التفسير، بعضهم ينحرف من حيث الاستناد إلى الآثار المروية، وبعضهم ينحرف من حيث صرف المعاني عن مدلولاتها اللغوية، وفريق ثالث حمل معاني القرآن لتوافق هوى في نفسه، فإن صاحب الفهم العصري، كان انحرافه من هذه الحيثيات مجتمعة.
وليس عجيبًا أن نجد مثل هذا التحريف لمعاني القرآن، لكنني أعجب حقًّا من قول الأستاذ مصطفى الطير بأنه يعز عليه أن يضعه في التفسيرات المريضة، لأنه أجاد في أكثر ما كتب، واحتوى كتابه على كثير من الفضائل والمحاسن. فلقد أعجبه أسلوب الكاتب الجذاب. وما كان ينبغي لهذا العالم الفاضل أن يصدر منه مثل هذا، والله يقول: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]. وسأتتبع فصول هذا الكتاب، ليتبين لنا ما فيه من تأويل فاسد ومنزلقات خطيرة.
المعمار القرآني:
في أثناء كلام الكاتب تحت هذا العنوان: "المعمار القرآني" ينتقل بين موضوعات كثيرة معلقًا حينًا ومستنتجًا حينًا، ومتحدثًا عن نفسه وطفولته وبيته حينًا آخر، ولن تعنيني الجزئيات والخصوصيات، فلن أناقش منها شيئًا، لكنني أتتبع المؤلف فيما يبدو لي خروجًا عن حق من مخالفة سنة، أو شطط في تأويل، أو إغراب في رأي. يحدثنا أنه نشأ في بيت لا إرغام فيه على التدين والمذاكرة، فكل يتحمل نتيجة عمله، فلم تكن أسرته كتلك (الأسر المتزمتة) التي تحشر العلم والدين حشرًا في عقول أطفالها بالكرباج والعصا) (١). وهنا لا بد أن أتدخل لتصحيح خطأ لأقول للكاتب، إنه ليس تزمتًا أن تعوَّد الناشئة لتعيش في جو التدين،
стр. 670
وهذا رجل التربية الأول رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، والذي كان حريصًا على أن يؤدب أمته، يقول معلمًا لأولياء الأمور كيف يعاملون أبناءهم: (مروهم بالصلاة أبناء سبع، واضربوهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) (١) أفيكون هذا تزمتًا؟ !
مخيّر أو مسيّر:
وتحت عنوان (مخيّر أو مسيّر)، يعالج المؤلف مسألة من أخطر المسائل، وأكثرها تعقيدًا، وهي ليست مشكلة الفكر الإسلامي فحسب، بل مشكلة الفكر الإنساني المتدين، منذ أن كانت له كتب سماوية وفلسفات أرضية، إنها مشكلة القدر. ومن الإنصاف أن أعترف بأن المؤلف قد وفق إلى حد في بعض ما قاله ولكن هناك ملاحظات لا بد من تسجيلها هنا.
يعلل المؤلف نهي الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، عن الخوض في القدر (لأنه يعلم أن المعضلة من المعضلات الفلسفية العالية التي لا يتيسر الرد عليها بعلوم عصره، وأن الجدل سوف ينزلق إلى متاهة يضيعون فيها. ولذا فضّل الإيمان بالقلب على الثرثرة العقلية العقيمة، وهي وصية لا تنسحب تمامًا على عصرنا، الذي دخلت فيه الفلسفة الجامعات، وأصبحت درسًا ميسرًا، يتلقاه ابن العشرين كل يوم. وبذلك أصبح السؤال مطروحًا بشدة، وفي حاجة إلى جواب ورد شافٍ من الفلسفة، ومن الدين. ومن صميم القرآن ذاته) (٢).
وهنا نتساءل هل كانت مسألة القدر من المسائل العلمية التي تحتاج إلى المختبرات الكيميائية أو آلات التشريح؟ بالطبع لا. هل ما ورد في القرآن من ذكر القدر، يكفي المؤمنين ليشقوا طريقهم في الحياة، وهم يعلنون إيمانهم بكل ما جاء
стр. 671
به القرآن؟ هل دخول الفلسفة إلى الجامعات، من شأنه أن يحل المشكلات العويصة، كمشكلة النفس والروح والمشكلة الأخلاقية وغيرها؟ . لقد زادت الفلسفة هذه المشكلات إشكالًا. ولا نظن أبدًا أن نهي الرسول الكريم ﷺ كان للأسباب التي ذكرها الكاتب، بالنسبة لصحابته فقط. وإنما تنسحب تلك الوصية على كل مؤمن من ذكر أو أنثى ما دام القرآن تُتَفيّأ ظلاله.
لقد نهى الرسول الكريم مثلًا عن التفكير في ذات الله، أفيمكن القول إنّ هذا النهي كان مؤقتًا، لأن الفلسفة لم تدخل الجامعات؟ وهل تدنت أوروبا الحديثة إلا حينما ورثت أوحال الفلسفة اليونانية، التي شغلت حيزًا من التفكير في ذات الله. وقد بحثت مسألة القدر بحثًا مستفيضًا في فلسفة الإغريق وما جاء بعدها من فلسفات مسيحية وإسلامية، فهل أجدى ذلك شيئًا؟ أود أن أقول للكاتب هنا: إنّ الرسول الكريم ﷺ وهو الحريص على أمته- حينما بينهى عن أمر فإنه يعلم يقين العلم أنّ مثل هذا ليس من شأنه أن تسعد به الأمة من جهة، أو تصل من بحثه إلى حل تجتمع عليه من جهة أخرى. ومن أراد تقريرًا علميًّا لهذا، فتلك كتب علماء الكلام والفلاسفة مليئة بل متخمة ببحث هذه القضية.
ويبدأ المؤلف بتقديم الحلول لمسألة القدر، ويركز على ما يسميه حرية الضمير. وبمقتضى هذه الحرية كما يقول: (جعل الله من ضمير الإنسان ونيته وسريرته، منطقة محرمة وقدس أقداس، لا يدخلها قهر أو جبر، وقطع على نفسه عهدًا بأن تكون هذه المنطقة حرامًا لا يدخلها جنده) (١). وهذا القول مع ما يبدو فيه من جرأة على الله، لست بصدد مناقشته هنا، كل ما أود أن أثبته أن علماءنا الأقدمين، أثبتوا هذا الرأي وهم يتحدثون عن معنى الكسب، ورأينا منهم من يعلن أن هذا الكسب، إنما هو من فعل الإنسان نفسه (٢).
стр. 672
وإذا كان ما توصل إليه الكاتب هنا، قد سبق إليه، فإن بعض النتائج التي أثبتها تستحق الدهشة، لأنها نتائج غريبة لا تتفق مع التصور الإسلامي. والآيات التي استشهد بها، ينبو سياقها عن المعنى الذي أراد، يقول الكاتب: (وحتى لا تكون لأحد أعذار في أفعاله، فيقول لحظة الحساب فعلت كذا وكذا تحت تأثير العرف والتقاليد والبيئة والمجتمع والتربية. . . الخ حسم الله الموضوع فقال في القرآن: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وفي آية ثانية: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] كما يستشهد بآيتين أخريين: إحداهما ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] والأخرى ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.
هذا ما قاله الكاتب، واعتقادي أن هذا قول خطير لا من حيث الناحية الموضوعية والتدقيق العلمي فحسب، وإنما من حيث النتائج التي تترتب عليه كذلك:
فأولًا: لا أدري ما وجه الصلة وسر الربط بين عدم العذر في لحظة الحساب، وبين ما استشهد به من آيات، وبخاصة الآية الأخيرة التي جاء قبلها ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ يقينًا أقحمها الكاتب إقحامًا. والآيات التي قبلها كل واحدة منها لها سببها، ومع أن العبرة ليست بخصوص السبب، لكن إيرادها هنا، ليس حلًا حاسمًا من قبل الله، لعدم الإعذار في لحظة الحساب.
وثانيًا: الذي نفهمه من كلام الكاتب، ويفهمه كل واحد: أن من يقترف عملًا بتأثير البيئة والمجتمع والعرف والتقاليد والتربية، وغير ذلك من العوامل المؤثرة في سلوك الانسان ونهجه، فإنه لا يحاسب عما اقترفه، ترى أيتفق هذا مع التصور الإسلامي روحًا ونصًا؟ وأي الناس أولى من الأباء والإخوة والعشيرة من أن يكون لهم تأثير على مسلك الإنسان. فهل قال القرآن لهؤلاء لا تثريب عليكم ما دمتم
стр. 673
فعلتم ذلك كله، بتأثير آبائكم أولي الفضل عليكم؟ الحق أن القرآن قال عكس هذا، ألم ينعَ القرآنُ على الذين اعذروا بتقليد الآباء، فسفههم ورد حججهم، وإذا كان للعرف والتقاليد والأخلّاء والأصدقاء أثر في ذلك، فَلِمَ قال القرآن وهو يحدثنا عن مشهد من مشاهد يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَاليْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
لقد طلب الإسلام من كل مسلم أن يتمرد على البيئة والعرف والتقاليد. حتى الوالدين فلا يطيعهما في شركهما، إن تعذر التوافق التام بين هذه كلها وبين دينه، وعليه أن يختار إما هذه كلها وإما الإسلام ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] ثم ألم يجعل القرآن الكريم، ذنب المستضعفين الذين كانت جريمتهم بعوامل التأثير ألم يجعل القرآن ذنب هؤلاء وعقويتهم، تمامًا كعقوبة الذين أضلّوهم ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]. وهذا كثير في كتاب الله وسنة رسوله عليه وآله الصلاة والسلام، فكيف يمكننا بعد ذلك أن نتمشى مع الكاتب أو نسكت عليه فيما قال؟ وبعد هذا يعلم بطلان قوله: (إن ما يدور في القلب هو موضوع المحاسبة بالدرجة الأولى، وليس ما يجري على مسرح الفعل).
فعلماؤنا جزاهم الله خيرًا، قرروا أن العمل لكي يكون مقبولًا عند الله، وصاحبه غير محاسب، لا بد أن يَصْلُح ظاهرًا وباطنًا. فهل يكفي لصحة الصلاة أن أُحسن نيتها، دون الالتزام بما لها من شروط وأركان؟ . ولقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ (١)، عن كبار الأئمة، أن هذا الدين مبني على هذين الأصلين: أمّا الأصل الأول فيشير إليه قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيّات) وأما
стр. 674
الأصل الثاني فيشير إليه الحديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد).
ويظهر واضحًا في عبارات المؤلف عدم الدقة في التعبير. وهذا لا ريب ينشر الاضطراب والتشويش في أجواء نفوس القراء، فمثلًا: يمزج بين الروح والنية، وهو يتحدث عن الضمير والسريرة. فيعدّ الروح قدس أقداس، وحرمًا محرمًا لا يدخلها جبر وقهر (١) ولا يرغم الله جنده على اقتحامها. والروح كما نعلم قسيمة الجسم، وهي بهذا المعنى الذي نعرفه لا تتناسب مع ما أورده من عبارات، ومن هذا قوله: (ولعدم الجبر والقهر، أخفى الله نفسه في الإنجيل، وأخفى نفسه في القرآن، لأنه لم يرد أن يلجمنا بالتجلي القاطع الفاصل، فيقهرنا عبى الإيمان قهرًا) (٢). ومعلوم أن هذه الكتب إنما أنزلها الله ليعرفه عباده، معرفة صحيحة تليق بجلاله، فليس من الدقة والأحكام أن يقال إن الله أخفى نفسه في هذه الكتب! .
ومن عباراته: إن الله جعل من التوراة والإنجيل والقرآن كتبًا يمكن أن نؤمن بها ويمكن أن نشك فيها. وقال عن قرآنه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (٣). ولكننا حينما نتأمل أول سورة في القرآن بعد الفاتحة، نجد هذه الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. فإذا بحثنا عن معنى هذه الآية، وما فيها من روعة الصورة البيانية والجمال الفني، وجدنا ما يأخذ اللب.
يقول الزمخشري موضحًا وكاشفًا لتلك الروعة: (فإن قلت لم آخر الظرف هنا، وقدمه في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ويجيب بما معناه بأن قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (إنما قصد به، أنها ليست كخمر الدنيا التي فيها تلك الصفة، أما قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فليس المراد نفي الريب عنه، وإثباته في غيره من الكتب، وإنما المقصود: نفي الريب بحيث ينبغي أن لا يقع. فكأنه يقول: هذا القرآن ليس من شأنه أن يرتاب فيه
стр. 675
أحد (١). هذا ما يقوله القرآن، فكيف يمكن أن نقول نحن غير ذلك؟ .
والأعجب من هذا قوله: إن الله يقول عن قرآنه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. والقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، لم ترد فيه هذه العبارة عنه، فلا أدري كيف تسرع المؤلف ونسبها فجعلها خاصة بالقرآن. وهذه هي الآية الكريمة التي وردت فيها هذه العبارة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ومن هذه الآية نتبين أن هذه العبارة ليست عن القرآن، وأن الضمير في قوله (به) إنما هو للمثل.
ومن هذه العبارات قوله: (إن الله يريد للإنسان ما يريد لنفسه) (٢) ومن كان له أدنى معرفة بالدين، يدرك مما جاء فيه عن الإرادة، إن عبارته تعوزها الدقة التعبيرية كما يعوزها المنهج العلمي، فليست إرادة الله تابعة لإرادة الإنسان، فما أكثر ما يريده الإنسان، ولكن الله يريد غيره. يقول الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ويقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام: (أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خير) (٣). ويقول أيضًا: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) (٤).
ويستمر في حديثه عن موضوع القدر، فيفسر الآية الكريمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]، بقوله (ومعنى هذا أن الله يدع القلب حرًّا، فتكون لكل إنسان سريرة هو حر فيها. ولكنه يقيم سلطانه
стр. 676
بين المرء وقلبه، فهو يحول بين المرء وقلبه بالتمكين والإحباط لطفًا ورحمة ليقي أحباءه السيئات، وليقدم التيسيرات لكل حسب ضميره ونيته ومبادراته، (إما لليسرى وإما للعسرى. .) وسياق الآية كما يتدبره المتدبر بعيد عما ذهب إليه، ولا ينسجم ما قاله مع نص الآية إذ ينبغي أن تؤخذ الآية دون بتر وتجزئة. وهذه هي الآية الكريمة من سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ففي الآية أمر صريح بوجوب الاستجابة لله وللرسول، وذلك أنه لا يدعوهم إلا لما فيه الحياة الكريمة، وهو يحثهم على المسارعة وعدم التسويف، من قبل أن تذهب الفرصة، ويفوت الأوان، فيحال بينهم وبين ما يريدون عمله وتنفيذه، بشتى الأسباب من موت وغيره، ثم يأتي دور المحاسبة على هذا التقصير ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ولعل ما يساعد على هذا المعنى الآية التالية: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
ولقد طوّف المؤلف كثيرًا وهو يتحدث عن القدر، فوفق حينًا وأخطأ حينًا، وختم هذا الفصل بقوله: (بهذه الكلمات التي تضيء كالومض الخفي، يعطي القرآن المفتاح لأكبر المشكلات استعصاء في الفلسفة. . مشكلة الجبر والاختيار).
ولعل هذا القول لا يتفق مع ما قدره في هذا الفصل من أن نهي الرسول الكريم ﷺ أصحابه -رضوان الله عليهم- عن أن يخوضوا في القدر كان نهيًا مؤقتًا، لأن الفلسفة لم تدخل الجامعات بعد. فالقرآن وحده إذًا -كما يعترف المؤلف- هو الذي يحل كل مشكلة مستعصية. وفهمنا للقرآن نصًّا وروحا ولفظًا ومعنى، لا يداني فهم الصحابة -رضوان الله عليهم-، وقد أشرق فيهم نور النبوة، ونالوا بركة الوحي وها هي الفلسفات قد دخلت الجامعات، فهل حلّت هذه المشكلات؟ إنها لم تزد الأمور إلا تعقيدًا.
стр. 677
قصة الخلق:
وفصل آخر يعقده المؤلف في كتابه يتحدث فيه عن (قصة الخلق)، جدير بنا أن نوليه اهتمامنا، ذلك لأنه لا تقل فيه المخاطر والمآخذ والمزالق والانحرافات عن سابقه، يقدم لهذا الفصل بكلمة عن نظريات العلم في أصل الخلق، وينفذ من خلال ذلك إلى نظرية داروين، ويخلص إلى القول: (بأن داروين قد أحسن ووفق فيما توصل إليه، من اكتشاف وشائج القربى بين المخلوقات جميعها، فها هي ذي نفس عضلات الأذن، التي كانت تحرك آذان أجدادنا الحمير (١)، وقد تليفت وضمرت حينما لم تعدلها وظيفة، هذا الجانب الذي أصاب فيه داروين، ولكن هناك جانبًا آخر من نظريات لم يحالفه فيه التوفيق، وهو أنه اعتبر تحول هذه المخلوقات، تحولًا ينبع من داخلها، فهو تحول ذاتي) (٢). ويرد المؤلف على دارون في هذا الجانب، بأن (هنا عقل الفنان المبدع الذي يجمل مخلوقاته، نلمس آثاره في ورق الشجر وألوان الزهر، وهو الذي يحول هذه المخلوقات).
ونحن أولًا إذ نرفض مثل هذا الإطلاق على الله جل وعلا، لأنه إطلاق ينبع من أرضّيتنا وبيئتنا، وحصيلتنا اللغوية. ولا يجوز بحال أن نتجاوز الحد، فنطلق على الله ما لم يطلقه على نفسه، فنصفه بالعقل تارة، والفنان تارة، والمهندس تارة، وما يشبه تلك العبارات تارة ثالثة. ولقد بحث علماء الكلام هذه المسألة، وقرروا هذا بكل وضوح وصراحة.
أما نظرية داروين، وبخاصة الجزء الذي رأى المؤلف أنه صواب يتفق مع العلم، لبعض التشابهات بين المخلوقات، فهذا ما ينبغي أن نجعله في مجال النظرية، وذلك لعدم أهليته دخول أفنية العلم وميادين الحقائق، وجامعات اليقين، وإذا كان المؤلف قد رد الجزء الأخير من هذه النظرية، كما فعل كثيرون قبله،
стр. 678
وبخاصة من يعرفون بأصحاب (الداروينية الحديثة)، فإن آخرين ردوا كذلك جزءها الأول، ووجهوا لذلك نقدهم اللاذع، وأبطلوا بالعلم كثيرًا من نتائجه التي توصل إليها. وليس هذا المجال مجال حديث عن نظرية داروين، كل ما أريد أن أقوله هنا أنه لا يجوز أبدًا أن نجعل هذه النظرية أصلًا (١)، ننطلق منه، لنؤول آيات القرآن الحكيم. وفي القرآن حل لكل المشكلات المستعصية كما يعترف المؤلف لكن إذا كانت مشكلات ولدتها الحقائق العلمية الثابتة.
والتشابه بين المخلوقات في بعض الأمور، ليس دليلًا على أنها من عائلة واحدة وإلا فكيف يفسر: أن ما بين الإنسان وبين القرود العليا من تشابه، أكثر مما بين القرود أنفسها؟ وكيف تفسر: عدم استطاعة هذه الفئة العليا من القرود كما يقولون أن تتكلم، وهلا أجريت عملية لبتر هذا الغشاء الذي يحول بينها وبين التكلم. القرآن يحل ذلك كله، والله تعالى يقول: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣].
وينطلق المؤلف من هذه التقريرات التي بنيت على الأوهام ليقحم القرآن إقحامًا لا يليق به، ويؤول الآيات تأويلًا تنفر عنه روعة البيان القرآني والوحدة الموضوعية في كتاب الله، لا في السورة فحسب بل في الآية نفسها، (والقرآن يقدم المسائل العلمية) كما يقول، (لا كما يعرضها آينشتاين)، وإنما يقدمها بالإشارة والرمز والمجاز والاستعارة. وقد يفوت فهمها على المعاصرين، ولكن التاريخ والمستقبل سوف يشرحها فيما بعد) (٢) ويستدل لذلك من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهذا يثبت أنه ليس للكاتب صلة بالثقافة الدينية، وبفهم الكتاب والسنة، فإن هذه الجملة القرآنية لا تدل على ما أراد، بل هي حديث عن المتشابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
стр. 679
إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. فلا يجوز إذن أن نطلق العبارات جزافًا، ونقول: الله يقول عن كلامه كذا.
ومن الآيات التي يستدل بها المؤلف على مدعاه، قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أي أنه سوف يشرحه ويبينه في مستقبل الأعصر والدهور (١) ما أبعد هذا عما ترشد إليه الآية من غير تكلف، ولا أدري كيف ساغ المؤلف مثل هذا الفهم، والآية واحدة من مقطع قرآني فيبه الإشفاق على الرسول الكريم، وفيه الوعد الذي لا بد أن يتحقق. إنها مجموعة أفضال ومنن من الله على مصطفاه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] أيمكن أن نقطع الروابط بين هذه الآيات، لنأخذ الأخيرة منها على حدة، فنؤولها هذا التأويل ونحن نتلمّس علاقة ووشيجة للتشابه بين الأجناس لنقول بوحدة أصلها فما بالنا نمحو ذلك كله في الوحدة الموضوعية لكتاب الله، إن هذا لشيء عجيب! .
ويبدأ المؤلف بتطبيق منهجه الذي رسمه على الآيات القرآنية، فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، (والعرجون هو فرع النخل القديم اليابس لا خضرة فيه ولا ماء ولا حياة وهو تشبيه حرفي للقمر الذي لا خضرة فيه ولا ماء ولا حياة) (٢).
وإذا كان تشبيهًا حرفيًا بهذا المعنى الذي قصده، فلقد فاته أن يوفق بين درجة الحرارة في العرجون وفي القمر.
ويمعن المؤلف في الإغراب رادًا أقوال أئمة التفسير، حينما يعرض لقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. فهو يرى أن القرآن هنا يقدم فكرة الحركة الخفية من وراء السكون الظاهر: (وتشبيه الجبل
стр. 680
بسحابة هو تشبيه يقترح على الذهن تكوينًا ذريًا فضفاضًا مخلخلًا، وهو ما عليه الجبل بالفعل، فما الأشكال الجامدة إلا وهم. وكل شيء يتألف من ذرات، وما يقوله المفسرون القدامى من أن هذه الآية، تصف ما يحدث يوم القيامة هو تفسير غير صحيح لأن يوم القيامة هو يوم اليقين والعيان القاطع.
ولا يقال في مثل هذا اليوم (ترى الجبال تحسبها). فلا موجب لشك في ذلك اليوم) (١).
ترى هل يريد أن يقول المؤلف إنه تشبيه حرفي كذلك. والجبل ذرات متماسكة راسية شامخة جعلها الله أوتادًا في هذه الأرض، والتشبيه الذي جاء في الآية الكريمة ليس تشبيه الجبال بالسحاب، وإنما الآية صريحة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾. ولو أن المؤلف اكتفى باحتمال الوجه الذي ذهب إليه كما فعل غيره لكان ما ذهب إليه مقبولًا. أما وقد خَطَّأ المفسرين جميعًا، الذين فهموا الآية على أنها مشهد من مشاهد يوم القيامة. فإن ذلك يصعب علينا أن نقبله منه. فهذا الشيخ طنطاوي جوهري ﵀، يذكر أن الآية تحتمل المعنيين، فبالنظر لما قبلها وهو نفخ الصور، يرجح أنها من حوادث يوم القيامة، وبالنظر لما بعدها من صنع الله المتقن يقوى احتمال كونها في الدنيا، ولم يجرؤ على القول بأن ما ذهب إليه المفسرون غير صحيح، وأما استدلاله بجملة (تحسبها) فهو استدلال ليس في موضعه. ذلك لأن هذه الجملة تبرز هذه الصورة إبرازًا كأنه محسوس ملموس. والقول بأنه لا موجب للشك في ذلك اليوم، قول لا بد من مناقشته، فسياق الآية أولًا: لا يفيد معنى الشك في جملة (تحسبها)، وإنما هو استحضار لصورة لا بد واقعة، فهي صورة تؤثر في أعماق النفس كأنه يقول: ترى الجبال، يخيل ويهيأ لك أنها جامدة. ولكنها في الحقيقة سريعة في حركتها، وهي تمر مر السحاب، فليس المجال مجال شك.
وأما ثانيًا: فلقد استعملت هذه اللفظة نفسها في القرآن الكريم، في مشهد آخر
стр. 681
من مشاهد القيامة، وفي سياق أدل على الشك من سياق تلك الآية التي معنا، وهذه الآية هي قول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨].
ونسير مع المؤلف وهو يحدثنا عن قصة خلق آدم، بفنون من القول، يمزج فيه بين بتر الآيات وتأويلها تأويلًا يبعدها عن أهدافها وغاياتها، كل هذا الانحراف وقع فيه المؤلف، وذلك لأنه اعتقد صحة نظريات، فأراد أن ينزل عليها آيات القرآن. وخلاصة ما ذكره (أن الله حينما خلق آدم في الجنة، وأمر الملائكة أن يسجدوا فسجدوا إلا إبليس، أراد إبليس أن يغوي آدم، فلما أكل من الشجرة رده الله إلى مستنقعات الطين، وبدأ هناك رحلة طويلة، من الأميبا إلى الإسفنج، إلى الحيوانات الرخوية إلى الحيوانات القشرية إلى الفقريات، إلى الأسماكِ إلى الزواحف إلى الطيور، إلى الثدييات إلى أعلى رتبة آدمية، بفضل الله وهديه وإرشاده (١). ولقد استمرت تلك الرحلة خمسة آلاف مليون سنة، وعاد آدم جديد على هذه الأرض كآدم الذي كان من قبل في الجنة. إذًا كان آدمان: آدم الصورة والمثال: وهو الذي كان في الجنة فعصى ربه. وآدم الأرض: وهو الذي مر بتلك المراحل كلها). ولم يحدثنا المؤلف عن حواء أمرّت بما مر به آدم كذلك؟ . وقد حشد لهذا القول كثيرًا من النصوص، جاء بها لتوافق ما قرره. ومن هذه النصوص قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].
هذه بعض نصوص استشهد بها المؤلف مستدلًا على ما ذهب إليه، ومعلنًا أن لنا
стр. 682
وجودًا سابقًا على وجودنا هذا أما الشجرة فيرى أنها (رمز للجنس) والموت اللذين تلازما في قصة البيولوجيا) (١) وأكرر هنا أن النظرية التي جعلها أصلًا ليطابقه القرآن، إنما هي نظرية أبى العلم أن يمنحها هويته، لتدخل في نطاقه. والآيات التي ذكرها حينما ننعم النظر فيها، نجدها بعيدة عن المعنى الذي أراده وقصده.
فالآية الأولى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ يرى كثير من المفسرين أن التراخي فيها تراخ رتبي لا زمني، والتراخي في الرتبة من الأساليب التي لا يستطيع أحد أن ينكرها، حتى إن عُدَّ هذا التراخي زمنيًا فإنّ ما قاله المؤلف غير صحيح حينما ذكر أن آدم مر بهذه الأزمنة الطويلة إلى أن تكامل خلقه. وقد يدلّ حرف التراخي على أيام أو ساعات فحسب. وفي القرآن شواهد كثيرة لهذا. وهذه من المغيبات التي لا ينبغي أن نقول فيها بمجرّد الظن.
وأما الآية الثانية ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ فلقد تجاهل المؤلف ما جاء عقبها ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمقصود بالإنسان هنا جنسه (هذا النوع الإنساني) وسواء عددنا الاستثناء منقطعًا أم متصلًا، فإن الآية لا تساعده على ما أراد، وتنفر من تأويله الذي ذهب إليه. وللمفسرين في الآية أقوال وجيهة، فيرى بعضهم: أن معنى ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (الهرم) الذي يدرك بعض الناس مثل قوله تعالى ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ويكون معنى الآية: ثم رددناه إلى تلك الحالة التي تغير فيها شكله وقوامه، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فإن لهم من الأجر في حال هرمهم، مثل الذي كان لهم في حال الشباب والقوة فيكون الاستثناء متصلًا ويكون (الذين آمنوا)، ممن ردوا إلى أسفل سافلين، إذا أدركهم الهرم. ويرى بعضهم أن (أسفل سافلين)، إنما هي الدركات من العذاب يوم القيامة. فيكون المعنى، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ولكننا رددناه إلى جهنم لما كفر وأعرض، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر عظيم،
стр. 683
فليسوا ممن رُدّ إلى تلك الدركات، ويكون الاستثناء منقطعًا. وعلى كل حال، فإن تأويل (أسفل سافلين) بالأميبا فما بعدها، تأباه الآية سياقًا ونصًّا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ فإن هذا الإجمال في الآية، بينته وفصلته آية أخرى هي آية سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، وآيات كثيرة فصلت هذا الإجمال مثل آية سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، فلا يعقل أن تكون الأطوار هذه، ما ذكره المؤلف مع وجود هذا البيان والتفصيل في كتاب الله.
بقي أن يقال: إن قول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لا يساعد ذلك التأويل الذي ذهب إليه، لأن المماثلة التي قال إنها وشيجة من وشائج القربى. مماثلة في غير ما ذهب إليه فتلك مخلوقات لها طبائعها وأنظمتها والظروف الملائمة لها. فهناك صلات قوية بين هذه المخلوقات في أسس الحاجة والتنظيم، وليست إذا وشيجة قربى.
أما وجودنا الروحي الذي تحدث عنه، واستدل له بآية الأعراف، فأمر لا نسلمه له ذلك لأن الآية تقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم تقل من (آدم نفسه). وهذه إشارة إلى ما زود به الإنسان من الفطرة السليمة كما ذهب إليه أكثر أئمة التفسير. ولو كان لنا وجود سابق على وجودنا هذا لتذكرناه، أو تذكرنا بعضه لأن وجودنا اللاحق لا ينسينا وجودنا الدنيوي، كما نص القرآن الكريم نفسه.
أما آية آل عمران (١) فإن قصارى ما تفيده: أن الله أخذ الميثاق على النبيين حينما
стр. 684
أرسلهم إلى أقوامهم أن يؤمنوا بالرسول الكريم وينصروه إذا أدركوه ويطلبوا من أقوامهم الإيمان به ونصرته عند بعثته.
وأما آية الأنعام وهي قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] فإنه عليه وآله الصلاة والسلام أول مسلمي هذه الأمة، ولا داعي أن نغرب في التأويل، ونغرق في البعد عن ظاهر الآيات المحكمات.
بقيت كلمة أخيرة في هذا الموضوع، وهي أن تأويله للشجرة، بأنها (رمز للجنس)، لا إخال مفهوم الزوجية نفسه يعينه على هذا التأويل، فالله يقول: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فما معنى أن يكون المقصود من الشجرة (اللقاء الجنسي) بعد أن كانت زوجًا له بنص القرآن.
ومن أعجب ما استنتجه المؤلف هنا (أن القرآن خاطب آدم وحواء، بألف التثنية قبل الأكل من الشجرة فقال: (فكلا)، وخاطبهما بواو الجماعة بعد الأكل، (لأن اللقاء الجنسي -وهو الأكل من الشجرة- أدى إلى التكاثر)، فهم عجيب والله، وأعجب منه أن يقبله من عرف لغة القرآن، وتذوق أساليب العربية. ولقد كنا نود من المؤلف، أن يقتصر على كلمته الأخيرة في الشجرة، وهي أنها من أمور الغيب ومن المبهمات التي لو علم الله في بيانها خيرًا لنا لبينها. ونقول للمؤلف إن ألف التثنية كانت لآدم وحواء، وأما (واو) الجماعة فلهما ولإبليس، بدليل قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وليت المؤلف كان يقف عند كل آية ليصل نهايتها ببدايتها، وآخرها بأوّلها، وليته كذلك كان يسترشد بهذا القرآن، وعقله ونفسه خاليان من كل نظرية تؤثر عليه، في مسيرة فهمه للنص، لكنه لم يفعل. إن قصة آدم عليه وعلى نبينا وأنبياء الله صلوات الله وسلامه، كما يبيّنها القرآن دون تمحل أو تكلف، بيّنة الأهداف واضحة المقصد والغاية. إنها قصة آدم واحد لا آدمين، إنه هو هو الذي أسكنه الله في الجنة، وأهبطه إلى الأرض ليستأنف حياة
стр. 685
الإنسان، بما فيها من جهد وكدح وراحة ونصب. فليس هناك آدم المثال وآدم الأرض. وحينما نستعرض آيات القرآن متدبرين، فإنه لا يسعنا إلّا أن نقرر هذا. لقد خلق الله آدم كما تقول الآيات من عنصرين، أحدهما: أرضي: وهو ذلك الطين الذي كان حمأً مسنونًا، فصلصالًا كالفخّار، وأما العنصر الآخر، فهو الروح. وإذًا فمنذ اللحظة الأولى التي تكامل فيها خلقه، هُيِّئ بما يستلزمه هذان العنصران. أعني هذه الاستعدادات الفطرية التي هي نتيجة لا بد منها، تستلزمها طبيعة هذين العنصرين. وها هو القرآن يحدثنا عن آدم في الجنة، وقد طمأنه الله بأن لا يخشى غائلة الجوع وحياة العرى، ومشقة الظمأ وحرارة الضحوة، أفليست هذه كلها تستلزمها طبيعة الجسم الترابي والعنصر الأرضي. ثم هذا هو القرآن يحدثنا كذلك، عن هذه الاستعدادات الفطرية، التي يطلق عليها بعض العلماء الغرائز، وهي: الجنس وحب التملك، وحب البقاء، والتدين. نقرأ هذا في قول الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] كل هذا يدلنا على الاستعداد الجنسي. أما الحرص على البقاء وحب التملك، فيشير إليهما قول الله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. ﴿وَقَال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وأما التدين فيظهر في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
هذه هي الأمور الفطرية التي زود بها آدم في الجنة، بعضها يستلزمه الجسم وبعضها تستلزمه الروح. أفبعد هذا كله، يمكننا القول إن هناك آدمين، آدم المثال، وآدم الأرض؟ وهل آدم المثال يمكن أن يخشى الجوع، ويخاف العري، ويزعجه الظمأ، وتضيره الضحوة، ويقلقه الفناء. إن آدم هذا الذي تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، هو الذي أهبطه الله إلى الأرض. سواء أكان هذا الإهباط ماديًا أم معنويًا في أول ما تتطلبه الأرض وليس يتلاءم ويتناسب مع كرم الله، ولطف الله وحكمة الله،
стр. 686
أن يحوله بعد أن أعلن توبته من هذا الخلق السوي الذي سجد له الملائكة إلى الأميبا، مرورًا بالمراحل المختلفة التي تتنافى مع الإنسانية كل التنافي. ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
هذا هو آدم في القرآن. فإذا جاء بعد ذلك من يدعي، وقد بهرته النظريات وأسرت عقله - أنه ينبغي أن تؤول الآيات حتى لا تتنافى مع تلك المقررات فإنا نرفض قوله أيا كان، ومن هنا فأنا أسأل الله الرحمة للأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار، الذي يشعر القارئ لكتابه قصص الأنبياء، وكأنه متخوف من مثل تلك النظريات حينما يتكلم عن قصة آدم، حيث يقرر أنّه إن صحّت تلك النظريات فلا تنافي بينها وبين القرآن. ونحن نقول: (لا، القرآن هو الحجة والمهيمن على كل ما عداه، سواء أكان ذلك قبله، كالكتب السماوية أم بعده من النظريات، وهو أحرى بالهيمنة على هذه من غيرها).
النعيم والعذاب:
وإذا تركنا قصة الخلق إلى آيات البعث والعذاب والنعيم، رأينا المؤلف يحكي لنا أقوال بعض السابقين، من أن آيات النعيم والعقاب، ليست على حقيقتها. ولعل المرجئة هم أول فرقة من الفرق الإسلامية التي قالت هذا القول (١). لقد كان المؤلف يدور حول عبارة لا نختلف معه فيها، وهي أن الله لا يعذب حبًا في العذاب، وإنما يعذب لأنه حكم عدل. لكننا نخالف المؤلف فيما اتبعه من وسائل، وفيما حشده من نصوص أخرجها عن سياقها، وذهب بها بعيدًا عن مراميها ومقاصدها. ومن هذه النصوص التي استشهد بها المؤلف، قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]. فلقد كان سبب إعراضه عن الدين
стр. 687
- كما يقول - أنه يكره الخمر والعسل، وهذا لا نعتقده مسوغًا حقيقيًّا، ولن نناقشه فيه، ولكن المهم عندنا أنه يقول: (إن هذا مثل وليس حقيقة) ونسي أن المثل هذا ليس هو الذي شبه مضربه بمورده، وإنما المقصود بالمثل هنا: الحال والصفة. فكأن الله يقول: (صفة الجنة التي وعدها المتقون) وحالها وشأنها كذا وكذا). وأما ما قاله المؤلف من أن هذا ما يناسب البدوي في الصحراء، فإن القرآن أنزل للناس جميعا على مدى العصور. وهل يجد إنسان القرن العشرين، خيرًا من هذا متعة للنفس وللجسم، والعجيب أنه يضرب مثلًا لهذا بسؤال الطفل عن اللذة الجنسية، فيقال له: إنها شيء مثل السكر، مع ما بينهما من فرق عظيم، وما أعظم الفرق كذلك، بين ما حكاه القرآن، وبين ما مثل به هو، والقرآن حق.
ويستدلّ بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦]، على أن المقصود من هذه الأخبار، إنما هو التخويف ليس إلا، ولكن: يا ترى كان تخويفًا يقصد منه التهويل فحسب، أم أن هناك تخويفًا لا يخرج عن الحقيقة، حتى في حياتنا هذه؟ . ولعل الآية تفسر نفسها: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] وهكذا شأن عباد الله يرجون رحمته، ويخافون عذابه، وما أبعد ما ضربه مثلًا، من قول الرجل لطفله: نظف أسنانك حتى لا تأكلها الفئران. فإن مثل هذا القول، لا يجيزه الشرع ولا علماء التربية المحدثون. أما الإسلام، فإنه لا يجيزه بحال من الأحوال لأنه كذب، فكيف يصح أن نقول: إن آيات القرآن هي من هذا القبيل، والرسول عليه وآله الصلاة والسلام علمنا وهو المربي الأول أن ننشئ أطفالنا على الصدق. فها هو يقول للمرأة التي قالت لولدها: (تعال أعطك) أما أنك لو لم تعطه شيئًا لكتبت عليك كذبة) (١). فكيف ينهانا الرسول ﷺ عن مثل هذا مع أطفالنا، ثم نقول إن آيات القرآن إنما هي من هذا القبيل؟ !
стр. 688
وآية أخرى يستدل بها المؤلف على ما ذهب إليه وما ارتآه (فكل الغاية هي تقريب تلك المعاني المستحيلة بقدر الإمكان. وكل ما جاء عن الجنة والجحيم ما هو إلا ألوان من ضرب المثال، وألوان من التقريب وألوان من الرمز) (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وما أبعد هذه الآية عن الموطن الذي أرادها فيه. لقد نزلت ردًّا على هؤلاء الذين أرادوا أن ينالوا من القرآن، وهو يضرب العنكبوت والذباب مثلًا، ولكنها عادته هداه الله وسامحه.
ومثل هذا قوله: إن العذاب في الشخص في المكان، مستدلًا بقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] إن أمامنا اثنين يتعذب الواحد منهما ضعف الآخر، مع أنهما في نفس المكان. ومعنى هذا أن العذاب في الشخص وليس في المكان ذاته) (٢).
والآية كما ينبئ عن معناها سياقها ولفظها - والله أعلم بمراده - إنه حينما يدخلها مستحقوها تقول أخراهم لأولاهم، أي من أجلهم فاللام للتعليل لا للتبليغ ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ يقول هؤلاء الأتباع المستضعفون، عن المتبوعين المستكبرين إنهم سبب ضلالهم، فهم يستحقون ضعفين من العذاب لأن لهم جريمتين اثنتين:
١ - جريمة الضلال.
٢ - جريمة الإضلال.
إنهم ضلوا وأضلوا، ولكن الله يقول لهؤلاء المستضعفين ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ فكما ضل هؤلاء وأضلوا فهما جريمتان اثنتان، فأنتم كذلك لكم جريمتان:
١ - جريمة الضلال.
٢ - وجريمة الاستضعاف والرضا بالذل.
стр. 689
فليس هؤلاء وحدهم الذين يستحقون العذاب المضاعف، بل أنتم مثلهم كذلك. هذا ما نفهمه من الآية، دون أن نقحمها في متاهات التأويل وغيابات الباطن، ولم يكتف المؤلف بتأويلاته هذه بل نراه هنا يستشهد بكثير من الإسرائيليات ككلام أشعيا في العهد القديم.
وكان ينبغي للمؤلف أن يقف عند ما جاء به القرآن. ولقد وصف الله نفسه بأنه رحيم، وبأنه شديد العقاب. وهذا ينبغي ألا نغفل عنه. أما أن الله لا يعذب، وإن عذب فإنما عذابه رحمة، وأنه أدخل عذابه في نطاق رحمته، في قوله تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فذلك من الشطحات التي وددنا للمؤلف أن يتجنبها. فأكثر العمومات التي وردت في القرآن مخصصة، ثم لم لا نكمل الآية فنعرف من يستحق هذه الرحمة ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
الحلال والحرام:
وإذا تركنا ما يتعلق بالعقيدة من مسائل القدر، وقصة الخلق والنعيم والعقاب، وجئنا إلى أحكام الحلال والحرام، وجدنا المؤلف كعادته يشتط ويغرب، ولا يقل ما كتبه هنا خطورة عما كتبه في الفصول السابقة. فهو يؤول الآيات تأويلًا لا يليق بها، فالعقبة في قول الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ هي النفس (١)، وقتل النفس الذي جاء على لسان موسى ﵇ مخاطبًا بني إسرائيل ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] معناها الهزيمة أي فاهزموا أنفسكم وانتصروا عليها (٢).
ومثل هذا تعودنا أن نسمعه منه، والآيات من تأملها أدنى تأمل يرد سياقها
стр. 690
ولفظها هذا التأويل. لكن موطن الخطر ما ذكره في أول هذا الفصل، عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] حيث يقول: (لو أخذنا الآية بظاهر حروفها، دون أن يكون جوهر القضية واضحًا في الذهن، فسوف نجد أن الحياة الطبيعية في زمننا - زمن الميني جيب .. والديكولتيه، والجابونيز والصدر العريان، والشعر المرسل، والباروكات الذهب أمر صعب، والسير في شارع مثل عماد الدين أو فؤاد أو سليمان باشا، سيرًا مطابقًا لحروف الآية هو الأمر العسير - ونحن نرى وجهًا فنهتف بالقلب إعجابًا (الله) ونقصد الخالق الذي صوّر وليس المخلوق، فلا تكون هذه النظرة حلالًا فقط .. وإنما تكتب لنا حسنة .. وهي نظرة لا يقدر عليها إلا متصوف عابد. ء وغض البصر ليس فقط غض البصر عما يتعرى من الجسد، وإنما هو غض البصر، عما في يد الناس من مال ونعمة، وهو الحياء والترفع عن النزول بالنفس إلى مواطن الشهوة والحسد والحقد والغيرة) (١).
ومثل هذا القول فضلًا على مخالفته للآيات الصريحة والسنة الصحيحة، فإنه في الحقيقة لا ينسجم مع طبيعة الأشياء، ذلك أن من المعلوم أنه لا بد من اعتبار الوسائل في كل محرم أو واجب، والإسلام حينما حرم النظرة، فإنه لم يأمر الناس بأن يضع كل على وجهه برقعًا، فيتخبط في سيره، ومن هنا جاء التعبير بكلمة (من). إن المجتمع الذي أراده القرآن، هو الذي يمكن أن تحيا في هذه الآية حياة واقعية عملية. وليس هذا القول غريبًا من المؤلف أو بدعًا من الأقوال، فلقد قاله الكثيرون قبله، محاولين أن يوجدوا لأنفسهم المسوّغ الذي يسمح لهم بمثل هذا. وأذكر هنا كلمة لمنصور فهمي (٢): (واتجهت حيث يقع بصري على هذا الخلق الفتان، لم أختلس النظرات اختلاسًا، وإنّما رأيت أن أشبعها حسنًا، غير مكترث بما
стр. 691
قد يأخذني به الناس من تلك النظرات، لأني كنت حينئذ طاهر النية أمام الله، فلا يخجلني أن أتمتع متاعًا ظاهرًا بجمال فتاة لا تكاد تبلغ الرابعة عشرة)، ثم يخاطب قسًا كان يجلس بجانبه، وهو يقرأ كتابًا صامتًا متعبدًا (ليت شعري أي العبادات كانت إلى الله أقرب يا صاحبي القس؟ أعبادة رجل يرى الله في الكتاب؟ أم عبادة من كان يعجب بالمصور الأكبر في صورة بديعة صوّرها)؟ ! .
إنه الاستهتار بالقيم، وإنه الضعف أمام الفتن والمغريات، وإنه الخداع الذي يحاول فيه أحدهم أن يتقمص أكثر من شخصية واحدة، ولكن نقول لمثل هؤلاء: إن الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا ينهى عن الشيء إلا وهو يعلم مغبة ضرره، وما يحدثه من قلق واضطراب داخل النفس وخارجها. إن النظرة سهم من سهام الشيطان، لا بد وأن يفتك بصاحبه، ونحن في واقعنا المشاهد، نرى أنه قد دمرت بيوت، وهدمت أسر، وانتهكت أعراض وحرمات، كل ذلك من جراء نظرة جموح رعناء، ملكت صاحبها فجعلته أسير الشهوة والشر، يسلم زمامه للشيطان. لقد أمرنا الله ورسوله ﷺ أن نتجنب كل هذه المزالق ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وهكذا يستمر المؤلف في الفصول اللاحقة، يبتر آية حينًا، ويكثر من نقل الإسرائيليات حينًا، وتارة ثالثة يهرع لتأويلات المتصوفة، مع أنه يعيب على البهائية تأويلهم لآيات القرآن، ويرى أنه لا بد أن يفسر القرآن تفسيرًا، لا يخرج اللفظ عن مدلوله اللغوي، وليته التزم هذا. إن الرجل لا يملك عدة المفسر، مع أننا ندرك من خلال كلماته أنه يحاول الفهم. قال لي قائل وأنا أكتب هذا الفصل: ينبغي أن يشجع مثل هذا، ألا تكفي هذه النقلة العظيمة التي انتقلها من الكفر إلى الإيمان فكفّر عن خطيئته؟ ، قلت: إذا كان الرجل صادق التوبة - وهذا ما أرجوه له، وما اقتنع به - فإنه لا يضره كلمة حق تقال له، بل ينبغي أن برحب بها. ذلك أنه ليس هناك مجاملة على حساب الدين، ورحم الله عمر وقد سجل التاريخ له صلابته في
стр. 692
الحق مع جبلة بن الأيهم، إننا نرجو بصدق للطبيب الكاتب أن يفهم الإسلام صافيًا، نصًّا وروحًا غير متأثر بمؤثرات داخلية أو خارجية (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل).
ومن هذه الإلمامة، ندرك أن التفسيرات المنحرفة لم يسلم منها اتجاه من اتجاهات التفسير، بيانيًا كان أو فقهيًا أو عقديًا.
بعد أن كتبت هذا بما يزيد عن عشرين سنة، ذكرت بعض الصحف عن هذا الكاتب أنه من البهائية، وإذا صح هذا فهي الطامة الكبرى، وللبهائية والقاديانية تأويلات كثيرة منحرفة كنت أود أن لا أذكر شيئًا منها، لكن قد يقال لم لا يذكر شيء قليل لينبه الناس على خبط أولئك وانحرافاتهم وخروجهم عن الجادة وبعدهم عن الحقيقة؟
وأقول: إنّ هناك كتبًا كثيرةً كتبها ذوو الغيرة ردّوا فيها الشبهات الكافرة التي أثارتها هاتان الفرقتان المرتدتّان عن دين الله: القاديانية والبهائية، لذا ضربتُ صفحًا عن الحديث عن هؤلاء.
خاتمة:
هذا ما يسّره الله لنا في هذا القسم الثاني، وهو الحديث عن اتجاهات المفسّرين في العصر الحديث، ويليه - إنْ شاء الله - القسم الثالث الذي أرجو الله أن يعين على إتمامه، وفيه أتحدّث عن مناهج المفسرين بادئًا بالحديث عن مدرسة المنار. ومن الله وحده العون. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
стр. 693
قَائِمَةُ الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ
١ - الإسرائيليات في التفسير الحديث، محمد حسين الذهبي، نشر مجمع البحوث.
٢ - اتجاه التفسير، مصطفى محمد الطير، بحث مقدم لمجمع البحوث.
٣ - إتحاف الكائنات، في تأويل الآيات المتشابهات، الشيخ محمود السباعي.
٤ - الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، مصطفى الحلبي القاهرة.
٥ - أثر القرآن في تطور النقد الأدبي، د. محمد زغلول سلام.
٦ - أحكام القرآن، أبو بكر محمد عبد الله، ابن العربي، عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
٧ - الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي.
٨ - إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، شركة مصطفى البابي، ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م.
٩ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود العمادي، مطبعة محمد عبد اللطيف.
١٠ - أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، طبعة المنار.
١١ - الإسلام في عصر العلم، الأستاذ محمد الغمراوي، دار الكتاب الحديثة.
١٢ - الإعجاز البياني للقرآن، بنت الشاطئ، د. عائشة عبد الرحمن، دار المعرفة مطبعة المعارف، مصر.
١٣ - إعجاز القرآن، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٩، ١٩٧٣.
١٤ - إعجاز القرآن، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن القاسم الباقلاني، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٣.
١٥ - إعجاز القرآن الكريم، د. فضل حسن عباس وابنته سناء، دار النفائس.
١٦ - الأمالي، الشريف المرتضى.
١٧ - البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطبعة السعادة.
١٨ - البداية في التفسير الموضوعي، د. عبد الحي الفرماوي، ط ٣، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٤ م.
١٩ - البرهان في علوم القرآن، بدر الدين أبو عبد الله الزركشي، عيسى الحلبي، القاهرة.
٢٠ - البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن، ابن الزملكاني.
٢١ - بصائر جغرافية، رشيد رشدي العابري، المطبعة الأهلية، بغداد، ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م.
٢٢ - البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف، ط ٢، دار المعارف، مصر.
٢٣ - البلاغة فنونها وأفنانها وعلم المعاني، د. فضل حسن عباس، دار النفائس.
٢٤ - البيان القرآني، د. محمد رجب البيومي، مجمع البحوث الإسلامية، ١٣٩١ هـ/ ١٩٧١ م.
стр. 694
٢٥ - البيان والتبيين، عمرو بن بحر أبو عثمان الشهير بالجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجليل.
٢٦ - التبيان في أقسام القرآن، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، ابن قيم الجوزية، مطبعة مكة المكرمة.
٢٧ - بين الطب والإسلام، د. حامد الغوابي، دار الكتاب للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦٧ م.
٢٨ - تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة.
٢٩ - تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم، تحقيق: سيد صقر، القاهرة، مكتبة ومطبعة عيسى البابي الحلبي.
٣٠ - التحرير والتنوير، (تفسير ابن عاشور)، ابن عاشور.
٣١ - تحفة الفقهاء، علاء الدين السمرقندي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ.
٣٢ - التصوير الفني في القرآن، سيد قطب، دار الشروق.
٣٣ - التفسير البياني للقرآن، بنت الشاطئ، د. عائشة عبد الرحمن، القاهرة، دار المعارف.
٣٤ - تفسير جزء تبارك، عبد القادر المغربي، مطبعة العارف.
٣٥ - تفسر جزء عمّ، الإمام محمد عبده، مطبعة دار الشعب.
٣٦ - مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، مطبعة عبد الرحمن محمد، القاهرة.
٣٧ - التفسير العلمي للآيات الكونية، حنفي أحمد، دار المعارف.
٣٨ - تفسير القرآن، الشيخ محمود شلتوت، دار القلم.
٣٩ - تفسر القرآن العظيم، ابن كثير أبو النداء إسماعيل، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
٤٠ - تفسير المراغي، الشيخ أحمد المراغي، مطبعة مصطفى الحلبي.
٤١ - تفسير القرآن الحكيم (المنار)، الشيخ محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، ط ٢.
٤٢ - التفسير الموضوعي، أحمد السيد الكومي.
٤٣ - التفسير والمفسرون، د. محمد حسين الذهبي.
٤٤ - تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار المعرفة، بيروت، ط ١٣٩٥، ٢ هـ / ١٩٧٥ م.
٤٥ - تلخيص البيان في مجازات القرآن، الشريف الرضيّ.
٤٦ - التمهيد لما في الوطأ من المعاني والأسانيد، يوسف بن عبد البر، ت: محمد الفلاح، ط ٢، الملكة المغربية، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
٤٧ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يوسف بن عبد الرحمن المزي، مؤسسة الرسالة.
٤٨ - الثقات، أبو حاتم البستي.
٤٩ - تحت راية القرآن، الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، المطبعة الرحمانية.
٥٠ - ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، للرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني، القاهرة، دار المعارف.
стр. 695
٥١ - جامع الأصول، ابن الأثير الجزري.
٥٢ - جامع البيان في تفسير القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، مطبعة بولاق، ١٣٢٧ هـ القاهرة.
٥٣ - جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي.
٥٤ - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، القاهرة، دار الكتب.
٥٥ - الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي، د. محمد البهي.
٥٦ - الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم.
٥٧ - حاشية الشيخ زاده علي البيضاوي، الشيخ زادة. محيي الدين بن مصلح، دار الكتب العلمية، ط ١.
٥٨ - الحيوان، لأبي عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ، مطبعة الحلبي، ١٩٣٨ م.
٥٩ - خطوات التفسير البياني، د. محمد رجب البيومي، مجمع البحوث الإسلامية، السنة الثالثة، ١٣٩١ هـ / ١٩٧١ م.
٦٠ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، السمن الحلبي، ت: د. أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٧ م.
٦١ - دراسات في مناهج المفسرين، د. إبراهيم خليفة، ١٤٣٥ هـ، جامعة الأزهر.
٦٢ - دراسة أدبية لنصوص من القرآن، د. محمد المبارك، دار الفكر المعاصر، ١٩٧٣ م.
٦٣ - الدستور القرآني في شؤون الحياة، محمد عزة دروزة، ١٩٨١ م.
٦٤ - رسائل الرافعي، جمع وترتيب محمود أبو ريّة، طبعة عيسى البابي الحلبي سنة ١٣٦٩ هـ.
٦٥ - الرعاية لحقوق الله، الحارث المحاسبي.
٦٦ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود الآلوسي، المطبعة المنبرية، القاهرة.
٦٧ - سبل الهدى والرشاد، محمد بن يوسف الصالحي.
٦٨ - سنن الترمذي، الإمام الترمذي، طبعة البابي الحلبي.
٦٩ - سنن أبي داود، أبو داود السجستاني مطبعة السعادة.
٧٠ - السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، مجلس دائرة المعارف العثمانية.
٧١ - سنن الله الكونية، محمد أحمد الغمراوي.
٧٢ - سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة البابي الحلبي وشركاه.
٧٣ - سير أعلام النبلاء، الإمام أبو عبد الله شمس الدين الذهبي، ت: الشيخ شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة.
٧٤ - السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا، ط ٢، ١٣٥٥ هـ/ ١٩٥٥ م، مطبعة البابي الحلبي.
стр. 696
٧٥ - شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي.
٧٦ - صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار القلم، ط ١، ١٤٠١١ هـ/ ١٩٨١ م.
٧٧ - صحيح مسلم، الإمام مسلم بن الحجاج القشيري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث.
٧٨ - صحيح مسلم بشرح النووي، الإمام زكريا بن شرف الدين النووي، ١٣٤٩ هـ.
٧٩ - الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد، ط ١، دار صادر بيروت، ١٩٦٨ م.
٨٠ - على هامش التفسير، الشيخ عبد القادر المغربي، دار المعارف، القاهرة.
٨١ - الطراز، ليحيى بن حمزة العلوي اليمني.
٨٢ - العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم، الإمام محمد أبو زهرة، مجمع البحوث في القاهرة.
٨٣ - العقيدة المحمدية الكبرى، ابن الجوزي.
٨٤ - العمدة في صناعة الشعر ونقده، ابن رشيق القيرواني، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط ٤.
٨٥ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، مطبعة البابي الحلبي، القاهرة.
٨٦ - الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني، الساعاتي، ط ١، ١٣٥٥ هـ.
٨٧ - الفتوحات الربانية في التفسير الموضوعي، الحسيني محمد أبو فرحة.
٨٨ - فصول في أصول التفسير، د. محمد بن سليمان الطيار، تقديم: محمد الفوزان، الرياض، دار البشير، ط ١، ١٩٩٣.
٨٩ - فضائل القرآن، أبو عبيد القاسم بن سلام.
٩٠ - الفن القصصي في القرآن، محمد أحمد خلف الله، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
٩١ - فيض القدير، شرح الجامع الصغير، محمد عبد الرؤوف المناوي، ط ١، ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٨ م، المكتبة التجارية الكبرى.
٩٢ - في ظلال القرآن، سيد قطب، ط ٥.
٩٣ - القرآن العظيم هدايته وإعجازه، الشيخ محمد الصادق عرجون، مكتبة الكليات الأزهرية.
٩٤ - قصص القرآن، صدق حدث وسموّ هدف، د. فضل حسن عباس، دار النفائس.
٩٥ - قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، د. فضل حسن عباس، دار البشير، ١٩٨٧ م.
٩٦ - القول السديد في علم التوحيد، الشيخ محمود أبو دقيقة، مطبعة العلوم.
٩٧ - الكامل في اللغة والأدب، لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد، ت: محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
٩٨ - الكشاف، تفسير الزمخشري، الإمام محمود بن عمر الزمخشري، مطبعة الاستقامة، ١٩٤٦ م.
٩٩ - الكشف عن مناهج الأدلة، أبو الوليد محمد بن رشد، مطبعة الإنجلو المصرية.
١٠٠ - الكشف عن وجوه القراءات، مكي بن أبي طالب.
стр. 697
١٠١ - لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم المعروف بالخازن، مصطفى البابي، القاهرة.
١٠٢ - مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم.
١٠٣ - مجاز القرآن، أبو عبيدة، معمر بن المثنى، مكتبة الخانجي، القاهرة.
١٠٤ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي، مطبعة القدسي.
١٠٥ - مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم، ط ١، ١٣٩٨ هـ.
١٠٦ - محاولة لفهم عصري للقرآن، د. مصطفى محمود، طبعة بيروت.
١٠٧ - المدخل إلى التفسير الموضوعي، د. عبد الستار فتح الله سعيد.
١٠٨ - المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي، د. محمد يوسف موسى، القاهرة، سنة ١٩٥٤ م.
١٠٩ - المدرسة القرآنية، الإمام محمد باقر الصدر.
١١٠ - مذكرات في التفسير الموضوعي، محمد محمد السماحي.
١١١ - المرأة بين البيت والمجتمع، البهي الخولي، ط ١، دار الكتاب.
١١٢ - مسند الإمام أحمد، الإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، ودار صادر بيروت، ط ١، ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩ م.
١١٣ - معجم الأدباء (إتحاف الأريب بمعرفة الأديب)، ياقوت الحموي.
١١٤ - مناقب الإمام الشافعي، البيهقي.
١١٥ - مناهج التجديد، الشيخ أمين الخولي، دار المعارف، ١٩٦٠ م.
١١٦ - مناهج التفسير، عبد العظيم الغباشي.
١١٧ - مناهج المفسرين، د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة.
١١٨ - معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، دار المعارف، القاهرة.
١١٩ - مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.
١٢٠ - مقدمة جامع التفاسير، الراغب الأصفهاني، مطبوعة مع كتاب تنزيه القرآن، عن المطاعن، القاهرة، المطبعة الجمالية.
١٢١ - مقدمة في أصول التفسير، تقي الدين أبو العباس، ابن تيمية، المطبعة السلفية، القاهرة.
١٢٢ - من هدي القرآن، الإمام محمود شلتوت.
١٢٣ - المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، محمود خطاب السبكي.
١٢٤ - من بلاغة القرآن أحمد أحمد بدوي، طبعة نهضة مصر.
١٢٥ - الموافقات، الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، المكتبة التجارية، القاهرة.
١٢٦ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمد بن أحمد الذهبي، عيسى البابي الحلبي.
١٢٧ - النبأ العظيم، د. محمد عبد الله دراز، مطبعة السعادة، مصر.
стр. 698
١٢٨ - نهاية السول، جمال الدين أبو محمد عبد الرحمن الإسنوي، حلية محمد علي صبيح.
١٢٩ - النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير الجزري.
١٣٠ - وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي.
١٣١ - الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا، المكتب الإسلامي.
١٣٢ - وفيات الأعيان، ابن خلكان، طبعة البابي الحلبي.
١٣٣ - أعداد متفرقة من المجلات التالية:
- مجلة الأزهر.
- مجلة التمدن الإسلامي.
- مجلة الرسالة.
- مجلة الفتح.
- مجلة المنار.
- مجلة الهلال.
- مجلة الوعي الإسلامي، العدد ٤٤ - ١٩٦٨، العدد ١٥ - ١٩٦٦.
стр. 699
التفسير والمُفَسِّرون
أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث
المفسرون
مدارسهم ومناهجهم
الجزء الثاني
الأستاذ الدكتور فضل حسن عبَّاس
دار النفائس
للنشر والتوزيع
стр. 700
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 701
التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث (٢)
стр. 702
حقوق الطبع محفوظة
١٤٣٧ هـ -٢٠١٦ م
الطبعة الأولى
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية
١٤٨٨/ ٤ / ٢٠١٥
٢٢٢
عباس، فضل حسن
التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث/ فضل حسن عباس. طـ ١ - عمان- دار النفائس للنشر والتوزيع-٢٠١٥
() ص.
الواصفات: التفسير// المفسرون// القرآن الكريم/
تنويه مهم
تحت طائلة المسائلة القانونية يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بأنواع النشر كافة.
دار النفائس
للنشر والتوزيع -الأردن
العبدلي -مقابل مركز جوهرة القدس
ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن
هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠
فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١
Email: alnafaes@hotmail.com
www.al-nafaes.com
стр. 703
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدِّمَة:
اللهم لك الحمد كما نقول وخيرًا مما نقول، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمدًا يوافي نعمك ويكافئ مزيدك، اللهم صلِّ على سيدنا محمد خاتم رسلك، وخيرتك من خلقك، وصفوتك من عبادك، البشير النذير والسراج المنير، وسلم تسليمًا كثيرًا أفضل صلاة وأزكى تسليم، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آل محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. وارضَ اللهم عن أصحابه الأبرار واجزهم عن دينك وكتابك خير الجزاء، واشمل اللهم التابعين وأئمتنا وعلماءنا وشيوخنا برحمتك ورضاك. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، واجعل ذلك خالصًا لوجهك الكريم زادًا لنا يوم ينفد الزاد ولا يسأل حميم حميمًا .. أما بعد فمن نعم الله ﵎ التي لا تُحصى أن وفقنا وجعلنا دعاة للخير، وهذا هو القسم الثالث الذي أتناول فيه مناهج المفسرين في العصر الحديث، فلقد أتم الله علينا النعمة وله الشكر والمنة بإتمام القسمين الأولين اللذين ضمنتهما: الجزء الأول: القسم الأول: نشأة التفسير وأساسياته، والقسم الثاني اتجاهات التفسير.
ولقد ترددت كثيرًا في كيفية ترتيب هذا الجزء، أأتحدث عن المفسرين من حيث أزمنتهم، أم من حيث أمكنتهم أم من حيث مدارسهم، وآراؤهم، أم من حيث الترتيب الذي سلكوه في تفاسيرهم، أم من حيث الإيجاز والإطناب، أم من حيث إتمامهم لتفاسيرهم وعدم إتمامها، كل هذه كانت خواطر، وكان المسلك الذي هديت إليه راجيًا - من الله أن يكون صوابًا - الحديث عن المفسرين من حيث مدارسهم والصبغة التي عرفت بها تفاسيرهم، فقسمت هذا الباب إلى مدارس أربع.
стр. 704
الأولى: المدرسة العقلية الاجتماعية، وأعني بها مدرسة الإمام محمد عبده أو مدرسة المنار، وسنتحدث فيها عن:
١ - الأستاذ محمد عبده.
٢ - الأستاذ محمد رشيد رضا.
٣ - الشيخ عبد القادر المغربي.
٤ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي.
٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي.
٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت.
٧ - الأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى.
الثانية: المدرسة العلمية الكونية، وأعني مدرسة الشيخ طنطاوي جوهري.
وسنتحدث فيه عن تفسيره جواهر التفسير.
الثالثة: المدرسة التربوية الوجدانية، وأعني بها مدرسة ظلال القرآن للأستاذ الشهيد سيد قطب، ونتحدث فيه عن تفسيره في ظلال القرآن.
أما المدرسة الرابعة فهي مدرسة الجمهور، ونعني بمدرسة الجمهور تلك التي لم تسترسل ولم تغال في تحكيم العقل، حتى إنها لترد بعض ما صح من الأحاديث والآثار - كما رأينا في مدرسة المنار - وتلك التي لم تغال في تفسير آي القرآن الكريم بما جاء في العلم الحديث، سواء أكان من النظريات العلمية أم من الحقائق، وليس معنى هذا أن مدرسة الجمهور لم تعرض لهذين النهجين، بل إنها لم تغال تلك المغالاة التي رأيناها في مدرسة المنار، ومدرسة الشيخ طنطاوي جوهري كما أننا لا نجد لها تلك الخصائص التي وجدناها في مدرسة التربية الوجدانية، ونعني مدرسة الظلال، وإن كان في بعضها كثير من آثار هذه المدرسة.
وعلى هذا فإن جل التفاسير في العصر الحديث، يمكن أن نصنفها من هذه
стр. 705
المدرسة أعني مدرسة الجمهور ... ولما كان هذا التصنيف قد يصعب لكثرة هذه التفاسير فقد رأيت تيسيرًا للأمر ومن الله التيسير، وتسهيلًا على القارى أن نقسم التفاسير في هذه المدرسة إلى أنماط، وأن نميز كل نمط من غيره على الترتيب التالي:
أولًا: تفاسير منهجية: أراد منها مؤلفوها أن تدرس لطلاب الجامعات ويمثل هذا النمط التفسير الوسيط الذي صدرت منه عدة أجزاء للأستاذين: الأستاذ الفاضل مربي الأجيال الدكتور أحمد السيد الكومي ﵀، والأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في هذه الأيام، الذي كان مدرسًا في كلية أصول الدين، ثم صدر هذا التفسير بعد ذلك دون أن يكون للأستاذ الكومي ﵀ أيّ ذكر، وهذا مما يؤسف له.
ثانيًا: تفاسير تقليدية، وهذه التفاسير منها ما هو موجز طبع مع المصحف الشريف، ومنها تفاسير مطولة، وهذه ليست سواء، فمنها ما أطال المفسر فيه النفس، ومنها ما هو دون ذلك، فمن التفاسير الموجزة:
١ - تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي الذي كتبه عام ١٣٢١ هـ.
٢ - تفسير العلامة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية سابقًا، ﵀.
٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀.
ومن التفاسير المطولة:
١ - تفسير القاسمي للشيخ محمد جمال الدين القاسمي ﵀.
٢ - التحرير والتنوير لابن عاشور ﵀.
٣ - تفسير الشنقيطي (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) للشيخ محمد أمين الشنقيطي ﵀.