← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث (٢)

стр. 702

حقوق الطبع محفوظة ١٤٣٧ هـ -٢٠١٦ م الطبعة الأولى رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية ١٤٨٨/ ٤ / ٢٠١٥ ٢٢٢ عباس، فضل حسن التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث/ فضل حسن عباس. طـ ١ - عمان- دار النفائس للنشر والتوزيع-٢٠١٥ () ص. الواصفات: التفسير// المفسرون// القرآن الكريم/ تنويه مهم تحت طائلة المسائلة القانونية يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بأنواع النشر كافة. دار النفائس للنشر والتوزيع -الأردن العبدلي -مقابل مركز جوهرة القدس ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠ فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١ Email: alnafaes@hotmail.com www.al-nafaes.com

стр. 703

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمَة: اللهم لك الحمد كما نقول وخيرًا مما نقول، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمدًا يوافي نعمك ويكافئ مزيدك، اللهم صلِّ على سيدنا محمد خاتم رسلك، وخيرتك من خلقك، وصفوتك من عبادك، البشير النذير والسراج المنير، وسلم تسليمًا كثيرًا أفضل صلاة وأزكى تسليم، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آل محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. وارضَ اللهم عن أصحابه الأبرار واجزهم عن دينك وكتابك خير الجزاء، واشمل اللهم التابعين وأئمتنا وعلماءنا وشيوخنا برحمتك ورضاك. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، واجعل ذلك خالصًا لوجهك الكريم زادًا لنا يوم ينفد الزاد ولا يسأل حميم حميمًا .. أما بعد فمن نعم الله ﵎ التي لا تُحصى أن وفقنا وجعلنا دعاة للخير، وهذا هو القسم الثالث الذي أتناول فيه مناهج المفسرين في العصر الحديث، فلقد أتم الله علينا النعمة وله الشكر والمنة بإتمام القسمين الأولين اللذين ضمنتهما: الجزء الأول: القسم الأول: نشأة التفسير وأساسياته، والقسم الثاني اتجاهات التفسير. ولقد ترددت كثيرًا في كيفية ترتيب هذا الجزء، أأتحدث عن المفسرين من حيث أزمنتهم، أم من حيث أمكنتهم أم من حيث مدارسهم، وآراؤهم، أم من حيث الترتيب الذي سلكوه في تفاسيرهم، أم من حيث الإيجاز والإطناب، أم من حيث إتمامهم لتفاسيرهم وعدم إتمامها، كل هذه كانت خواطر، وكان المسلك الذي هديت إليه راجيًا - من الله أن يكون صوابًا - الحديث عن المفسرين من حيث مدارسهم والصبغة التي عرفت بها تفاسيرهم، فقسمت هذا الباب إلى مدارس أربع.

стр. 704

الأولى: المدرسة العقلية الاجتماعية، وأعني بها مدرسة الإمام محمد عبده أو مدرسة المنار، وسنتحدث فيها عن: ١ - الأستاذ محمد عبده. ٢ - الأستاذ محمد رشيد رضا. ٣ - الشيخ عبد القادر المغربي. ٤ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي. ٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي. ٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت. ٧ - الأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى. الثانية: المدرسة العلمية الكونية، وأعني مدرسة الشيخ طنطاوي جوهري. وسنتحدث فيه عن تفسيره جواهر التفسير. الثالثة: المدرسة التربوية الوجدانية، وأعني بها مدرسة ظلال القرآن للأستاذ الشهيد سيد قطب، ونتحدث فيه عن تفسيره في ظلال القرآن. أما المدرسة الرابعة فهي مدرسة الجمهور، ونعني بمدرسة الجمهور تلك التي لم تسترسل ولم تغال في تحكيم العقل، حتى إنها لترد بعض ما صح من الأحاديث والآثار - كما رأينا في مدرسة المنار - وتلك التي لم تغال في تفسير آي القرآن الكريم بما جاء في العلم الحديث، سواء أكان من النظريات العلمية أم من الحقائق، وليس معنى هذا أن مدرسة الجمهور لم تعرض لهذين النهجين، بل إنها لم تغال تلك المغالاة التي رأيناها في مدرسة المنار، ومدرسة الشيخ طنطاوي جوهري كما أننا لا نجد لها تلك الخصائص التي وجدناها في مدرسة التربية الوجدانية، ونعني مدرسة الظلال، وإن كان في بعضها كثير من آثار هذه المدرسة. وعلى هذا فإن جل التفاسير في العصر الحديث، يمكن أن نصنفها من هذه

стр. 705

المدرسة أعني مدرسة الجمهور ... ولما كان هذا التصنيف قد يصعب لكثرة هذه التفاسير فقد رأيت تيسيرًا للأمر ومن الله التيسير، وتسهيلًا على القارى أن نقسم التفاسير في هذه المدرسة إلى أنماط، وأن نميز كل نمط من غيره على الترتيب التالي: أولًا: تفاسير منهجية: أراد منها مؤلفوها أن تدرس لطلاب الجامعات ويمثل هذا النمط التفسير الوسيط الذي صدرت منه عدة أجزاء للأستاذين: الأستاذ الفاضل مربي الأجيال الدكتور أحمد السيد الكومي ﵀، والأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في هذه الأيام، الذي كان مدرسًا في كلية أصول الدين، ثم صدر هذا التفسير بعد ذلك دون أن يكون للأستاذ الكومي ﵀ أيّ ذكر، وهذا مما يؤسف له. ثانيًا: تفاسير تقليدية، وهذه التفاسير منها ما هو موجز طبع مع المصحف الشريف، ومنها تفاسير مطولة، وهذه ليست سواء، فمنها ما أطال المفسر فيه النفس، ومنها ما هو دون ذلك، فمن التفاسير الموجزة: ١ - تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي الذي كتبه عام ١٣٢١ هـ. ٢ - تفسير العلامة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية سابقًا، ﵀. ٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀. ومن التفاسير المطولة: ١ - تفسير القاسمي للشيخ محمد جمال الدين القاسمي ﵀. ٢ - التحرير والتنوير لابن عاشور ﵀. ٣ - تفسير الشنقيطي (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) للشيخ محمد أمين الشنقيطي ﵀.

стр. 706

٤ - تفسير القرآن بالقرآن لعبد الكريم الحظيب ﵀. ٥ - تفسير الشيخ محمد أبو زهرة ﵀. ٦ - تفسير الدكتور وهبي الزحيلي. ثالثأ: النمط الدعوي في التفسير، وقد جاء جلها مقالات في الصحف والمجلات ونتحدث إن شاء الله في هذا النمط عما يلي: ١ - تفسير الشيخ ابن باديس ﵀. ٢ - تفسير الشيخ حسن البنا ﵀. ٣ - تفسير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق ﵀. ٤ - تفسير الشيخ إبراهيم الجبالي ﵀. ٥ - تفسير أبي الأعلى المودودي ﵀. ٦ - تفسير الشيخ النورسي ﵀. ٧ - تفسير الشيخ سعيد حوى ﵀. ٨ - تفسير الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀. ٩ - تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة ﵀. ١٠ - تفسير الشيخ محمد محمود الصواف ﵀. رابعًا: تفسير ألقاها أصحابها دروسًا على أشرطة ثم فرغت وسنتكلم عن: ١ - تفسير الشيخ الشعراوي ﵀. ٢ - تفسير الشيخ عبد الحميد كشك ﵀. خامسًا: تفاسير خالف أصحابها المفسرين من حيث الترتيب، حيث لم يبدءوا تفاسيرهم حسب ترتيب المصحف الشريف، بل حسب ترتيب النزول كما ادعوا وسنتحدث عن تفاسير ثلاثة:

стр. 707

١ - التفسير الحديث للأستاذ محمد عزة دروزة ﵀. ٢ - بيان المعاني لعبد القادر ملا حويش ﵀. ٣ - معارج التفكر للأستاذ عبد الرحمن حبنكة الميداني ابن العلامة - المجاهد الشيخ حسن حبنكة رحمه الله تعالى. كما سأتحدث إن شاء الله عن بعض الموضوعات القرآنية التي كثرت فيها الآراء واختلفت حولها أقوال العلماء، مثل اختلافهم في ذي القرنين ويأجوج ومأجوج وغيرهما من القضايا، وكثير من هذه القضايا ذكرها الكاتبون ذكرًا مستقلًا. سادسًا: بعض تفاسير الفرق من غير أهل السنة، وسأتحدث عن: ١ - تفسير الميزان للطباطبائي ﵀. ٢ - تفسير الشيخ محمد حسين فضل الله ﵀ وهما من تفاسير الشيعة. كما سنختار بعض تفاسير الإباضية، وقد تكون هناك تفاسير غير ما ذكرت، وسأحاول أن أسير على هذا الترتيب الذي ذكرت، لكنني قد أخرج عنه فأقدم أو أؤخر حسب المادة الموجودة المتوافرة، والله ولي التوفيق. ومن الله وحده أستمد العون وعليه وحده أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل. وسأتحدث في هذا الجزء، من هذه المدرسة عن: ١ - تفسير القاسمي. ٢ - التفسير الوسيط. ٣ - تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي. ٤ - صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسنين مخلوف. ٥ - تفسير الشيخ السعدي. ٦ - تفسير ابن باديس.

стр. 708

٧ - تفسير الشيخ حسن البنا. ٨ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين. والله أسأل أن يوفق لإتمامه كما أتم القسمين السابقين، إن ربي قريب مجيب، سميع الدعاء. والله ولي التوفيق، ومن الله وحده أستمد العون وعليه وحده أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم تسليمًا كثيرًا وبارك على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عنه الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فضل حسن أحمد عباس الجمعة/ الرابع عشر من ربيع الثاني ١٤٢٧ هـ الثاني عشر من شهر أيار سنة ٢٠٠٦ م

стр. 709

الفصل الأول المدرسة العقلية الاجتماعية سنتناول في هذا الفصل مناهج المفسرين التالية أسماؤهم: ١ - الإمام الشيخ محمد عبده. ٢ - السيد محمد رشيد رضا. ٣ - الشيخ عبد القادر المغربي. ٤ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي. ٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي. ٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت. ٧ - الأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى.

стр. 710

١ - الإمام الشيخ محمد عبده . أولًا: موجز عن تاريخ حياة الإمام: يشاء الله أن يكون لأفراد من الناس أثر كبير وشأن عظيم، وربما يكون هذا نتيجة لعوامل متعددة: كالاستعداد الفطري، وتوافر الظروف، وإتاحة الفرص. ومن هؤلاء الأفراد كان الشيخ المفسر الإمام محمد عبده، والده عبده بن حسن خير الله، تركماني الأصل من قرية محلة نصر بمركز شبراخيت بمديرية البحيرة، بمركز السنطة، مديرية الغربية. وتردد على حصة بشير (مركز طنطا). وهناك تزوج بامرأة، يقال إن نسبها يتصل بعمر بن الخطاب ﵁. ومن هذين الأبوين ولد الشيخ الإمام محمد عبده عام ١٨٤٩ م/ ١٢٦٦ هـ. ثم عاد والده إلى محلة نصر حيث كبر الطفل وترعرع، وقد أولاه أبوه عناية خاصة، فتعلم القراءة والكتابة في البيت. وحفظ الغلام القرآن على معلم خاص به في عامين اثنين. ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بطنطا عام (١٢٧٩ هـ ١٨٦٢ م) حيث أتقن تجويد القرآن في عامين وكان آنذاك في الخامسة عشرة، ولكنه صمم بعد ذلك على ترك الدراسة والرجوع إلى بلده، ليعمل مزارعًا، وذلك لأنه لم يتمكن من استيعاب شيء من الدروس. ولكن رغبة والده كانت على العكس من ذلك، لذا نراه يرغم ولده على الرجوع إلى طنطا، على الرغم أنه كان قد مضى على زواج محمد عبده أربعون يومًا. وهنا تتدخل العناية الإلهية، فقد هيأ الله له رجلًا صالحًا من أخوال أبيه هو الشيخ درويش خضر - وكان متصوفًا ملمًا ببعض أنواع العلوم - وهو الذي استطاع أن يحبّب للشيخ طلب العلم. فعاد إلى طنطا تدفعه الرغبة، وكل همه أن يزداد علمًا. فقضى أربع سنين أتم خلالها الدراسة في الجامع الأحمدي.

стр. 711

ثم انتقل إلى الأزهر الشريف سنة (١٨٦٦ م -١٢٨٣ هـ) واستمر فيه حتى حصل على الشهادة العالمية سنة (١٨٧٧ م -١٢٩٤ هـ) عين بعدها مدرسًا للتاريخ في مدرسة دار العلوم، ومدرسًا للعلوم العربية في مدرسة الألسن الخديوية. وقد التقى في أثناء دراسته في الأزهر الشيخ جمال الدين الأفغاني، وصاحبه عام (١٢٨٧ هـ -١٨٧٠ م) وكان من أقرب المقربين إليه. وعندما نفي الشيخ جمال الدين، عزل الشيخ محمد عبده من عمله، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في قريته. ثم استصدر رياض باشا عفوًا له من الخديوي عام (١٨٨٠ م -١٢٩٧ هـ)، وعينه محررًا في الجريدة الرسمية، فرئيسًا لتحريرها في نهاية العام، وساعده مركزه على الكتابة فكان في كتاباته يطالب بالإصلاح الاجتماعي والسياسي. وحينما حدثت الثورة العرابيّة، كان له دور بارز فيها، على الرغم من أنه لم يكن بادي الأمر مقتنعًا بهذا الأسلوب في الإصلاح، وعندما فشلت الثورة حوكم مع من حوكم، ونفي إلى سورية فأقام فيها نحو سنة. ثم سافر إلى باريس بدعوة من الشيخ الأفغاني، فأصدر هناك مجلة (العروة الوثقى)، ولكن هذه المجلة لم تعمر طويلًا، مما اضطر الشيخ أن يستقر بعد تطواف في بيروت، وكان له هناك نشاط واسع في المساجد والمدارس الدينية. وعاد في سنة (١٨٨٨ م - ١٣٠٥ هـ) من منفاه، بعد أن عفا عنه الخديوي توفيق، وعين في سلك القضاء، وترقى فيه حتى أصبح مستشارًا بمحكمة الاستئناف. ثم عين عضوًا في مجلس إدارة الأزهر، الذي أسس بفضل سعيه عند الخديوي عباس، ثم صدر أمر بتعيينه مفتيًا للديار المصرية، وعضوًا في مجلس شورى القوانين في عام (١٨٩٩ م - ١٣١٧ هـ) وكان قد تعلم اللغة الفرنسية وهو ابن أربع وأربعين، وسافر إلى أوروبا عدة مرات، وقد قام بعد عودته من المنفى بنشاط علمي واسع في دروسه بالأزهر، وفتاويه في العالم الإسلامي، ومحاضراته ومقالاته ومراسلاته ومجالسه. ثم انتقل إلى رحمته تعالى في الحادي عشر من

стр. 712

تموز عام ١٩٠٥ م، في الثامن من جمادى الأولى ١٣٢٣ هـ في مدينة الإسكندرية، ودفن في القاهرة. ثانيًا: العوامل التي أثرت في تكوين شخصيته: كان الشيخ ﵀ ذا شخصية قوية فذة تمتاز بميزات في أكثر من جانب: الجانب العلمي والجانب الإصلاحي، والجانب الأخلاقي والروحي، كل هذه كانت واضحة في شخصية الشيخ. فلا بد أن نبحث إذن عن تلك العوامل التي أثرت في تلك الشخصية إيجابًا أو سلبًا، قريبة أو بعيدة. مباشرة كانت تلك العوامل أو غير مباشرة، وعلى ضوء الدراسة لحياة الشيخ وتاريخه، سأحاول أن ألم ببعض تلك المؤثرات متجنبًا الإسهاب والإطناب ما استطعت. نشأ الشيخ في أسرة متوسطة الحال كما أسلفت. وكان أبوه قد تزوج بعد أمه فعاش ذلكم الجو الاجتماعي الخاص، وكان أبوه قد ترك موطنه الأصلي، نتيجة للظلم والاضطهاد والتعسف، وكان هذا وذاك من العوامل الأولى التي تفتحت عيونه عليها. ولعل هذه الأسباب وغيرها كانت من أهم الحوافز التي جعلت الشيخ يندفع فيما بعد في دعوته الإصلاحية للمجتمع الذي يعيش فيه، على أن عامل الوراثة كذلك ينبغي ألا يهمل أثره، فقد عرف عن والده الجرأة والصلابة والقسوة على من يعاديه. يقول الشيخ: (وكنت أعقل من صغري، ما كان عليه والدي من ثباته في عزيمته، وشدته في المعاملة، وقسوته على من يعاديه. وأخذت عنه هذه الصفات ما عدا القسوة، وأما والدتي فكانت منزلتها بين نساء القرية لا تقل عن مكان والدي، وكانت ترحم المسكين، وتعطف على الفقراء، وتعد ذلك مجدًا وطاعة لله وحمدًا) (١). وبعد أن ترك الشيخ جو القرية، ذهب إلى الجامع الأحمدي في طنطا، وكان لا

стр. 713

يزال غضًا سرعان ما يتأثر بما يحيط به، وكان أول هذه المؤثرات هنا، هو هذا الأسلوب في التدريس، الذي نقم عليه الشيخ، واستمرت تلك النقمة تلازمه طيلة حياته كلها. العامل الأول: أما أهم العوامل التي كان لها في نفس الشيخ الأثر القريب، ذو الفعل المباشر، اتصاله بالشيخ درويش خضر ﵀. فلقد استطاع هذا الشيخ بحق، أن ينتزع من نفس الأستاذ جميع تلك السلبيات، وأن يقتلع جذور تلك الرواسب، وأن يغرس الإيجابية والحيوية، وأن يفتح له الآفاق الروحية المشرقة، وهنيئًا لهؤلاء الذين جعلهم الله أبوابًا للخير، يفتحون مغاليق النفوس بما وهبهم الله من صفاء وإخلاص، وهنيئًا كذلك لأولئك الذين يقيض الله لهم، هذه الصفوة الخيرة - اللهم دلنا على من يدلنا عليك - ولقد كان الأستاذ شغوفًا بلقاء الشيخ، كلما سمح وقت أو سنحت فرصة. وإذا أردنا أن ندرك أثر الشيخ درويش في نفسه، فلنوازن بين ما يقوله عن دراسته في طنطا، وما يعترف به من أثر للشيخ درويش. يحدثنا عن أثر أسلوب التعليم في نفسه فيقول: (وقضيت سنة ونصفًا لا أفهم شيئًا، لرداءة طريقة التعليم. فأدركني اليأس من النجاح، وهربت من الدرس، واختفيت عن إخواني مدة ثلاثة شهور، ثم عثر علي أخي، وأخذني إلى المسجد الأحمدي، وأراد إكراهي على طلب العلم، وقلت له: قد أيقنت أن لا نجاح لي في طلب العلم، ولم يبق علي إلا أن أعود إلى بلدي وأشتغل بملاحظة الزراعة كما يشتغل الكثير من أقاربي. وانتهى الجدل بتغلبي عليه، وأخذت ما كان لي من ثياب ومتاع، ورجعت إلى محلة نصر على نية ألّا أعود إلى طلب العلم، وتزوجت على هذه النية فهذا أول أثر وجدته في نفسي، من طريقة التعليم في طنطا. وهي بعينها طريقته في الأزهر، وهو الأثر الذي يجده خمسة وتسعون في المائة، ممن لا يساعدهم القدر، بصحبة من لا يلتزمون هذه

стр. 714

السبل في التعليم) (١). ويصف أثر صحبة الشيخ في نفسه فيقول: (رأيتني أطير بنفسي في عالم غير العالم الذي كنت أعهده. واتسع لي ما كان ضيقًا، وصغر عندي من الدنيا ما كان كبيرًا، وعظم عندي من أمر العرفان والنزوع بالنفس إلى جانب القدس، ما كان صغيرًا، وتفرقت عني هموم النفس إلّا همًا واحدًا، وهو أن أكون كامل المعرفة وكامل أدب النفس. ولم أجد إمامًا يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي، إلّا ذلك الشيخ، الذي أخرجني في بضعة أيام، من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة - ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد ... وهو مفتاح سعادتي إن كانت لي سعادة في هذه الحياة الدنيا، وهو الذي رد لي ما كان غاب من غريزتي، وكشف لي ما خفي عني مما أودع في فطرتي) (٢). العامل الثاني: وإذا كان الشيخ درويش خضر هو المؤثر الخفي الذي غاب عن أذهان الناس، فإن هناك مؤثرًا ظاهرًا كان له صولة وجولة في حياة الشيخ، ألا وهو جمال الدين الأفغاني. وإذا كان الشيخ درويش، قد فتح قلب الأستاذ لآفاق الحياة الواسعة، واستطاع أن يسمو بروحه إلى مدارج الصفاء، فإن الشيخ جمال الدين كان له أثره في نمو فكره، واتساع مداركه لينظر إلى الحياة نظرة فيها الجدة والواقعية لا يشوبها الخيال، ولا يعتريها بعض ما يعتري المتصوفين، بل كانت فيها روحانية المتصوف وفكر الفيلسوف، وفقه المسلم. ومن الجميل أن يقدر الأستاذ محمد عبده للشيخ جمال الدين هذا الجميل،

стр. 715

فيقول: (إن أبي وهبني حياة يشاركني فيها علي ومحروس - وهما أخوان له كانا مزارعين - والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها، محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين). ولقد أدرك جمال الدين ذكاء الشيخ، وقوة شخصيته وعلو همته، فكان يقول "أي ملك في جلدك؟ " وحينما أخرج من مصر خرج وهو مطمئن إلى أنه قد خلف وراءه من ورث علمه وإصلاحه (١). العامل الثالث: من تلك المؤثرات في شخصية الشيخ، كان ذلك التطواف وتلك الرحلات في البلدان الأوروبية، حيث اطلع على نظمها وأساليب الحياة فيها، والتقدم العلمي الذي وصلت إليه، فكان لذلك كله أثر غير خاف في منهجه الاصلاحي والعلمي. تلك أهم العوامل القريبة التي كان لها أثرها الكلي في حياة الشيخ، وربما كانت هناك عوامل أخرى نابعة من ثقافته الخاصة، كدراسته عن المعتزلة وغيرهم، ممن لهم أثر في التراث الإسلامي. ثالثًا: آراء الشيخ في الإصلاح: أما نزعته في الإصلاح، فتتجلى في مظاهر متعددة، فكتابته في الصحف والمجلات، وتكوينه الجمعيات المختلفة، خيرية أو ثقافية، وما كان يصدره من فتاوى، وما كان له من جهد شخصي في إغاثة المنكوبين وإغاثة البؤساء، كل ذلك إنما يدل على شفافية نفس الشيخ، وحرصه على نهضة أمته، وحب الخير لها، وتخليصها من استبداد الحاكم وسلطان الأجنبي. وكان يرى أن هذا الإصلاح وتلك التوعية، لا ينبغي أن تكون طفرة، بل لا بد فيها من التؤدة والحكمة، ومن هنا لم يكن يؤمن بالعنف، والوصول عن طريق الثورات. لذلك لم يكن من مؤيدي الثورة العرابيّة في بدايتها - كما أسلفت -، وإن انخرط فيها بعد ذلك.

стр. 716

وكان يدعو إلى إصلاح الأزهر بالطريقة التي رآها مناسبة. وتمت بعض الخطوات في حياته، إلا أن آماله سرعان ما تبددت، حين اصطدم بالواقع الصلب. وكان يعتقد أنه لا ينبغي أن نثور على كل جديد، فإن من هذا الجديد ما هو ضروري للأمة، ولو كان مستعارًا حيث يقول الشيخ: (ويمكننا أن نعرف كثيرًا من شؤون الإسلام وتاريخه من الكتب الإفرنجية، فإن فيها ما لا نجده في كتبنا، إن العالم المسلم، لا يمكن أن يخدم الإسلام من كل وجه يقتضيه حال هذا العصر، إلا إذا كان متقنًا للغة من اللغات الأوروبية، تمكنه من الاطلاع على ما كتب أهلها في الإسلام وأهله، من مدح وذم وغير ذلك من العلوم) (١). وقد ساعده على نشاطه الإصلاحي تبوؤه لمناصب حساسة في الحكومة، ويستحسن أن أنقل هنا كلمة للشيخ توضح مقاصده وغايته من الإصلاح: (ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه. وأنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في الكون، وداعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عليها، في أدب النفس والإصلاح والعمل .. والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كان في المخاطبات الرسمية، أم في المراسلات بين الناس - وكانت أساليب الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق وتنكره لغة العرب: الأول ما كان مستعملًا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رث خبيث غير مفهوم، ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته، والنوع الثاني: ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون في الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعى فيه السجع، وإن كان

стр. 717

باردًا، وتلاحظ فيه الفواصل، وأنواع الجناس وإن كان رديئًا في الذوق، بعيدًا عن الفهم، ثقيلًا على السمع، غير مؤد للمعنى المقصود، ولا ينطبق على آداب اللغة العربية .. ولا يزال هذا النوع موجودًا في عبارات المشايخ. وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعًا في عمى عنه، ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر على البال من مدة تزيد على عشرين قرنًا. دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم، وإن وجبت طاعته، من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل. جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد. ولم أكن في كل ذلك الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع، غير أني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة. ولا أبرح أدعو إلى عقيدتي في الدين، وأطالب بإتمام الصلاح في اللغة وقد قارب، أما أمر الحكومة والمحكوم، فتركنه للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمة من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنون الطوال. فهذا الغرس هو الذي ينبغي أن يعنى به الآن والله المستعان، أصبت نجاحًا في كثير مما عنيت به، وأخفقت في كثير مما وجهت عزيمتي إليه، ولعل لذلك أسبابًا، بعضها ما غرز في طبعي وشيء منها احتف حولي، وطائفة من أصالتي في الرأي أو خطلي) (١) وكلمة الشيخ هذه يشعر قارئها، ويحس المتأمل فيها، بأنها كانت نفثة أخرجها الشيخ من فؤاده، وكانت عصارة ألم فيه اليأس تارة، والأمل أخرى. على أن نزعة الشيخ وآراءه في الإصلاح، كانت مثار نقاش وجدل بين خصومه ومؤيديه، في حياته وبعد وفاته.

стр. 718

رابعًا: الشيخ في رأي النقاد: إن رضا الناس غاية لا تدرك، وكلما عظم صيت الإنسان وازدادت شهرته كثرت آراء الناس فيه، ولقد كان شيخنا من هذا القبيل، وإذا كان بعض الناس تختلف فيهم الآراء بعد رحيلهم عن الدنيا، فإن الأستاذ أدرك اختلاف الناس فيه في حياته، وسأعرض هنا لآراء خصومه ومؤيديه في حياته وبعد وفاته. أما في حياته فلقد كان للشيخ آراؤه في الإصلاح والسياسة ومن هنا تعددت الجهات التي تخاصمه، وتناصبه العداء من أنجل آرائه. وأهم هذه الجهات: ١ - علماء الأزهر: لقد وضع الشيخ برنامجًا إصلاحيًا للأزهر إدارة وتدريسًا، ولكن هذا سبب نقمة كثيرين عليه، وخاصة بعد إصداره لبعض الفتاوى، وأهمها فتوى جواز التعاون مع الكفار، وجواز استثمار الأموال في صناديق التوفير، وجواز لبس البرنيطة. ولقد كانت خصومة الأزهر عنيفة على الشيخ. ذلك لأن وضع الأزهر في ذلك الوقت، كان يمكنه من ذلك العنف وتلك الشدة. على أن بعض ما رمى به الشيخ في ذلك الوقت، كان من قبيل الافتراء والدسائس، يروي الأستاذ الطناحي في تقديمه لكتاب دروس من القرآن الكريم، حديثًا حدث به الأستاذ إبراهيم الهلباوي ﵀، وكان من زملاء الإمام في الدراسة: (لعلك تعجب إذا قلت لك: إنني كنت من أعدى أعداء الشيخ محمد عبده وإنني تسببت مرة للشيخ محمد عبده في (علقة حامية) من الطلاب. وذلك أن السيد جمال الدين الأفغاني حضر إلى مصر في نحو سنة ١٨٧١ م، وكانت سنه لا تزيد على الثانية والثلاثين، وأخذ يلقي دروسًا في العلوم الدينية والأدبية والفلسفية، بروح جديدة وأسلوب جديد، لم يعهده الأزهر وطلابه، فكان طبيعيًا أن ينقم عليه شيوخ الأزهر، وأتباعهم من الطلاب المنافقين. وكنت وقتئذ في السابعة عشرة من عمري، ومن أشد الطلاب كرهًا لجمال الدين وتلاميذه، وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده، حتى وصل بي طيش الصبا والشباب

стр. 719

إلى أن توجهت إلى أستاذنا الشيخ عليش، وهو جالس بمسجد الإمام الحسين، وادعيت على الشيخ محمد عبده، أنه يصلي العصر بغير وضوء. كانت سنه في ذلك الوقت في نحو الثانية والعشرين، فأرسل معي جمعًا من الطلاب، فوجدناه يصلي، فقطعنا صلاته، وأخذناه عنوة إلى الشيخ عليش، وهناك أمر بتعذيبه فانهلنا عليه ضربًا موجعًا .. ) كما أنه يذكر في نفس التقديم كيف أن الشيخ قد روج عليه بعض العلماء، بأنه تارك للصلاة، ويروي على ذلك قصتين: إحداهما في بيت أحد وجهاء الريف، والأخرى في بيت أحمد باشا تيمور. وكيف أن الله أظهر زيف تلك الدعاوى. وأقول والألم يعتصر في نفسي: إنني سمعت حين كنت طالبًا في الأزهر كثيرًا مما يشابه ما نقله الأستاذ الطناحي. ٢ - الأدباء والمفكرون: ومن هؤلاء رئيس الحزب الوطني المرحوم مصطفى كامل، الذي كان يرى أنه لا يمكن أن يتم أي إصلاح في مصر، إلا بعد جلاء الإنجليز. يقول أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح (١): وحاربه في السياسة الحزب الوطني لأنه لا يرى رأي الأستاذ في إصلاح التعليم أولًا بل بالجلاء أولًا. ولا يرى رأيه في الاعتماد على الشعور، ولا يرى رأيه في مسألة الإنجليز (٢)، بل بمخاصمتهم العنيفة.

стр. 720

أما بعد وفاته فعلى الرغم من كثرة مؤيديه الذين يعدونه إمامًا وعلمًا من أعلام النهضة، فقد رأينا من يهاجمه، وقد يصل هذا إلى درجة التشنيع. يقول الأستاذ مصطفى صبري (١): (أما النهضة الإصلاحية المنسوبة إلى الشيخ محمد عبده، فخلاصتها أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين فقرّب كثيرًا من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات، ولم يقرّب اللادينيين إلى الدين خطوة، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر، بواسطة شيخه جمال الدين الأفغاني، كما أنه شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر). بينما نرى الدكتور محمد البهي، الذي أعجب بالشيخ، حتى جعل إهداء كتابه (الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي) للشيخ تقديرًا وتعظيمًا له، يدافع عن الأستاذ في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي)، وينكر على أحمد أمين مقارنته بين الثميخ وبين أحمد خان في الهند. يقول: (لقد كانت توجد في مصر سلطتان: سلطة الاحتلال وسلطة محلية، وهي سلطة الخديوي. بينما كانت توجد في الهند سلطة واحدة هي سلطة الاحتلال الإنجليزي. فهناك نوع من المفارقة بين الهند ومصر، وبالتالي بين موقف محمد عبده، وموقف السير سيد أحمد خان. فالممالأة للسلطة القائمة هناك كانت واضحة، لتحقيق منفعة شخصية أو لتحقيق خدمات للاستعمار. أما التفاهم هنا في مصر مع ممثل السلطة المحتلة، فكان للوقاية أو للحيلولة دون استمرار تنفيذ الخطة الموضوعة، لتصفية أوقاف المسلمين، وتوجيهها وجهة أخرى غير التي وقفت من الخيرين). ويحسن هنا أن نثبت بعض فقرات لكاتب حديث هو الدكتور محمد محمد

стр. 721

حسين (١): (وظهر بين هاتين النزعتين (الغربية والإسلامية)، اتجاه ثالث يرمي إلى التوفيق بين الإسلام وبين حضارة الغرب، وتزعم الشيخ محمد عبده هذا الاتجاه الجديد، الذي عرضه لسخط المتفرنجين والداعين بدعوة الإسلام كليهما - كما يقول كرومر - وإن كان سخط الأولين أقل من سخط الآخرين، وحقيقة الأمر في حركة الشيخ محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني، الذي اقترن اسمه في الشطر الأول من حياته، لا تزال تشاج إلى مزيد من الوثائق، التي توضح موقفهما، وتزيل ما يحيط به من غموض ومن تناقض، فيما اجتمع حولهما من أخبار، فبينما ينزله رشيد رضا، ومعه كل أتباع الشيخ محمد عبده الذين ازداد عددهم على الأيام منزلة الاجتهاد في الدين، ويرفعونه إلى أعلى درجات البطولة والإخلاص الذي لا تشوبه شائبة، كان كثير من علماء الشريعة المعاصرين له، يتهمونه بالمروق من الدين والانحراف به، وتسخيره لخدمة العدو. فإذا تركنا هؤلاء وهؤلاء ممن قد يجد الطاعنون سبيلًا إلى رميهم بالتحيز والمحاباة أو التحامل والتزمت، وجدنا كثرة من النصوص في كتب ساسة الغرب ودارسيه، تصور رأيهم فيه وفي مدرسته وتلاميذه، ومكانه من الفكر الحديث، وهي جميعًا تتفق على تمجيده والإشادة به، وبما أداه للاستعمار الغربي من خدمات، بإعانته على تخفيف حدة العداء بينه وبين المسلمين، وهو عداء يستتبع آثارًا سياسية تضر بمصالحه، وتهدد بإذكاء الثورات التي لا تفتر ولا تنقطع). وإلى جانب ذلك كله نجد إشارات صريحة، لأحد كبار رجال الماسونية في مصر - ومن المعروف أنها دعوة تخدم اليهودية العالمية - تؤكد أن جمال الدين الأفغاني هو مؤسس (محفل كوكب الشرق) ورئيسه، كما تؤكد أن محمد عبده كان عضوًا في هذا المحفل إذ يقول: (وقد ظهرت الماسونية في سورية في مظهر الإخلاص والمحبة، أثناء الحوادث

стр. 722

العرابية سنة ١٨٨٢ م فإن الإخوان المصريين والمهاجرين الذين جاءوا إلى سورية، قابلهم إخوانهم بالترحيب العظيم، ودعوهم إلى محافلهم ومنازلهم، وكان الأفاضل الشيخ محمد عبده وإبراهيم بك اللقاني وحسن بك الشمسي، وجماعة المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني وغيرهم، يحضرون معنا في محفل لبنان ويخطبون، فيشنفون أسماع السوريين بخطبهم النفيسة وأحاديثهم الطليّة. ونال الأستاذ محمد عبده رتبة البلح والصدف، من المندوبّ الأمريكي الذي حضر إلى محفل لبنان). ومما يؤكّد أن الأستاذ كان يسعى إلى تقريب الإسلام من الحضارة الغربية ما سبق من نصوص ومما يؤكد ويزيد ذلك أن الشيخ رشيد رضا - وهو أكثر تلاميذ محمد عبده محبة له - قد أيّدها في كنابه (تاريخ الأستاذ الإمام). ومهما يكن من أمر في حقيقة حركة محمد عبده فمن الواضح في آثاره الأدبية - وأكثرها مقالات صحيفة - أنها تنقسم إلى قسمين ظاهرين: اتجه في أحدهما إلى تدعيم الدعوة للجامعة الإسلامية، بينما اتجه في القسم الثاني إلى تقريب الإسلام من الحضارة الغربية والتفكير الغربي الحديث). وقد زاد عن حد المألوف بعضهم حين قال: كان عبده أول - أو من أول - من أحيا الرابطة الوطنية، وأنكر الحكم الديني، وأسس جمعيات تقارب الأديان، وكان تلامذته مثل سعد زغلول وقاسم أمين وعلي عبد الرازق معاول هدم لركائز الحياة الإسلامية. وإحلال التصورات، والقيم الصليبية في ديار المسلمين، بل ورفعها إلى مكانة الصدارة) (١). هذه بعض الآراء التي قيلت في الشيخ ﵀ وقد ذكرها أصحابها بتجرد دون قصد الإساءة من يخالفهم الفهم والفكر، ولكننا وجدنا في هذه الأيام من يحاول تصيُّد الأقوال والآراء ليبني عليها أسوارًا من سوء الظن بأئمة الإسلام، وهو

стр. 723

أمر نرفضه، ونترفع ونرفع غيرنا أن يقعوا فيه، وهو باب إن فتح، فتح معه الشر كله ولذا كان المنهج الأوفق محاكمة الشيخ في ضوء آثاره، وإنتاجاته، وهو منهج القرآن ومن سار عليه من الصحابة وعلماء الأمة، وهو ما سأحدثك عنه إن شاء الله. رأيي في الشيخ: وإبان هذا التصارع حول شخص كان له شأن في التاريخ، أرى لزامًا على أن أبدي ما أرتئيه. فأنا لست مع هؤلاء الذين يرمون الشيخ بعدم العلم - كما ذهب إلى هذا الأستاذ مصطفى صبري - ولا أؤيدهم بأن ما ظهر من انحراف وإلحاد كان الشيخ سببه. وما استدل به هؤلاء، من أن فريد وجدي قد تأثر بالأستاذ الإمام في تأويل آيات البعث وقصص القرآن وعدّها من المتشابه، يدحضه تزعم الشيخ رضا حملة الرد على تأويلات فريد وجدي. أما ما اتُّهم به الشيخ من تعاون مع الاحتلال، فالذي أعتقده أن الشيخ لم يكن في يوم ما صنيعة للمحتلُ يُنَفِّذ أغراضه ويعمل بتخطيط منه لتثبيت سلطانه. ولكن كان للشيخ رأيه في هذا التعاون الذي كان يظن أنه سينقلب خيرًا على الأمة. فإن لم تكن النتائج كما ظن، فإن ذلك لا يعدو أن يكون خطأ في الاجتهاد. ولعل بعض عبارات الشيخ التي تقدمت تؤيد ما ذهبت إليه. أما المحفل الماسوني الذي كان عضوًا من أعضائه، فلا ريب أن الشيخ قد خدع وغرر به، ذلك أن الماسونية لم تكن لها صورة واضحة في ذلك الزمن كما هي الآن. ففي وقتنا هذا لا يشك أحد في غايات الماسونية وأهدافها، وبأن الانتساب إليها محاربة لله ورسوله. أما محاولاته للتوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، فإن وضع المسلمين الفكري السياسي في ذلك الوقت، إذا قورن بأوضاع الأوروبيين من جهة، وثقافة الشيخ ورحلاته إلى أوروبا، وحرصه على نهوض أمته من جهة ثانية، كانت دافعًا لهذه المحاولات. إن جمود المسلمين في ذلك الوقت، ورفضهم العودة حتى إلى

стр. 724

مصادر دينهم، جعل الشيخ يجتهد فيما دعا إليه، ولا محذور في تصوره ما دامت مصادر هذا الدين ستحتفظ للمسلمين بشخصيتهم، ولن تذوب وتتلاشى هذه الشخصية أمام الحضارة الأخرى. وأما كون الشيخ قد أنكر الحكم الديني، فهي تُهم عارية عن الدليل دافعها تعصب أعمى، وأما كون تلامذته كانوا معاول هدم لأركان الحياة الإسلامية، لتحل محلها القيم الصليبية، فهذا غير مسلم، وإن صح عن بعضهم أنه كان يريد أن يثبت بعض أفكار الغرب مثل علي عبد الرازق في كتابه (أصول الحكم) فهذا كان بعد وفاة الشيخ بأكثر من عشرين سنة ولا ذنب للشيخ فيه. وعلى كل حال، فلقد اجتهد الشيخ وللمجتهد أجر واحد إن أخطأ، نعم أنا لست معه في تلك الحملات الشعواء، وتلك الكلمات التي كان يرمي بها الأزهر والأزهريين، كما أن كثيرًا من اجتهاداته كان لها آثار عكسية. ولكن مع هذا كله فسيبقى الشيخ علمًا ورمزًا لنقطة تحول أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى ما يحيق بهم من أخطار، سواء أكان هؤلاء من خصومه أم مؤيديه. كما سيبقى إمامًا لمدرسة من مدارس الوعي الإسلامي. ولقد ذهب إلى جوار ربه وأفضى إلى ما قدم ﵀. خامسًا: آثار الشيخ العلمية: إن أول ما دبجه يراع الشيخ كان رسالة صغيرة تسمى (رسالة الواردات) تظهر فيها نزعته الفلسفط والصوفية، وذلك سنة ١٣٧٣ هـ، أي بعد اتصاله بالشيخ جمال الدين بعامين، ولم تطبع تلك الرسالة في حياته. وفي سنة ١٢٩٢ هـ ظهر للشيخ كتاب آخر، وهو حاشية على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية، لصاحبها عضد الدين الأيجي، صاحب كتاب المواقف (١). بدأت طباعة تلك الحاشية سنة

стр. 725

١٣٢٢ هـ في حياته، أي قبل وفاته بعام واحد، مع حاشية أخرى لعبد الحكيم السيلكوتي وقد انتهت طباعتها بعد وفاته في شعبان ١٣٢٣ هـ أي بعد وفاته بثلاثة أشهر، ويظهر للقارئ لأول وهلة تأثر الشيخ بالتصوف عند قرائته لأول تلك الحاشية (١)، كما يظهر علم الشيخ في فنون اللغة، وهو يناقش الجلال الدواني، فيما كتب على الطريقة الأزهرية المعروفة. وهذا رد على هؤلاء الذين يتهمون الشيخ بأن بضاعته في العلم مزجاة. كما يظهر من تلك الحاشية، ما علق في ذهن الشيخ من آثار فلسفية، ومعرفة بالمذاهب الكلامية وآراء الفرق المختلفة. وهذان الكتابان كانا من إنتاج الشيخ قبل حصوله على الشهادة العالمية. وفي أثناء نفي الشيخ إلى بيروت وعودته من هذا المنفى، حظيت المكتبة الإسلامية بألوان من الثقافة الدينية واللغوية فمنها: ترجمة رسالة الرد على الدهريين، ورسالة التوحيد التي كانت جديدة في أسلوبها، وتختلف اختلافًا كليًا عن حاشيته على العقائد، وإن كان موضوعهما واحدًا. وشرح البصائر النصيرية و (الإسلام والنصرانية) في رده على فرح أنطون الصليبي. وقد فسر جزء (عم) لطلاب مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، وشرح نهج البلاغة، ومقامات بديع الزمان، وشرح ودرّس كتابي دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة للإمام عبد القاهر الجرجاني ﵀. ولعل آخر تلك الآثار وأخيرها وأدومها أثرًا، دروس التفسير التي ألقاها الشيخ في بضع سنين قبل وفاته، التي كانت شيئًا جديدًا في موضوعه وأسلوبه، كما كانت نواة لمدرسة وارفة الظلال في فهم القرآن وتفسيره.

стр. 726

سادسًا: مدرسته في التفسير: إن أهم ما اشتهر به الشيخ، تفسير القرآن الكريم، لا من حيث الأسلوب، ولا من حيث المنهج الذي نهجه فحسب، ولكن من حيث آراؤه التي بثها في تفسيره كذلك. ومع أن الشيخ كان يرى أن إصلاح المسلمين إنما يكون نتيجة فهمهم للقرآن. فالمعروف أن السيد رشيد رضا، هو الذي كان يُلح عليه كثيرًا ليفسر القرآن. وهذا الإلحاح ربما يكون نتيجة لثقته بأستاذه، ولأنه اطّلع على تفسيراته لبعض آيات وسور قصيرة. وقد أجاب الشيخ على اقتراح السيد رشيد رضا بقوله: (إن القرآن لا يحتاج إلى تفسير كامل من كل وجه، فله تفاسير كثيرة، أتقن بعضها ما لم يتقنه البعض الآخر، ولكن الحاجة شديدة إلى تفسير بعض الآيات، ولعل العمر لا يتسع إلى تفسير كامل، ثم إن الكتابة لا تفيد القلوب العمي، وإنما تفيد القلوب المتيقظة العالمة بوجه الحاجة إليها) (١) ... ولكن الشيخ استجاب أخيرًا لاقتراح السيد رشيد رضا، فبدأ يفسر القرآن في الجامع الأزهر، واستمر مدة تزيد على ست سنين، وصل فيها إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]. ولقد كان الشيخ يؤمل أن يتم تفسيره فهو يذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ .. ﴾ [آل عمران: ٤٧] أنّ هناك معاني سيتطرق إليها عند تفسيره لسورة مريم، ولكن اختاره الله إلى جواره قبل أن يصل إليها، وتفسيرات الشيخ وإن اختلفت أزمنتها وأمكنتها، وإن استرسل في بعضها أكثر من بعضها الآخر، فإنها يجمعها طابع واحد كما سنبين ذلك إن شاء الله. لقد فسر الشيخ أول ما فسر جزء عم. وهذا التفسير تظهر عليه سمات الاختصار

стр. 727

وعدم التعرض للمسائل اللغوية إلا قليلًا. وكان للشيخ تفسير لبعض الآيات والسور، يظهر منه اختلافه عن تفسير الجزء السابق. فسورة العصر التي فسرها الشيخ في الجزائر، يبدو تفسيرها أوسع منه في جزء عم، وهناك موضوعات قرآنية تطرق لها الشيخ على حدة، كمسألة الغرانيق وقصة زواج زيد بزينب وغيرهما. وهذه وإن كانت تعطينا فكرة كاملة عن منهج الشيخ وآرائه، فإن الذي يعطينا فكرة أتم وأشمل تفسيره للأجزاء الخمسة الأولى الذي دوِّن في تفسير المنار. في سنة ١٨٩٢ م جيء بأحد العلماء لإلقاء دروس في التفسير في قصر القبة، وبعد إلقائه لتلك الدروس وإخفاقه فيها قال في حقه الأستاذ أحمد شفيق باشا: (إنه كان كثير الإسهاب في إيراد أقوال المفسرين، وإيراد بعض الآراء والروايات الغريبة وفي ذات يوم تحدث عن (إرم ذات العماد) فذكر أنها مدينة شيدت طوبة من ذهب وأخرى من فضة، وأنها معلقة بين السماء والأرض، ثم توسع في ذلك وعرض إلى علم الفلك بأسلوب يثير الإشفاق والضحك ... ) وفي تلك الحقبة الزمنية كان الأستاذ صاحب طريقة جديدة في التفسير، واتجاه تجريدي في فهم كتاب الله ، ولا شك أن اتجاهه في التفسير كان خطوة فذة جبارة، ذات أثر قوي لا في تأويل نصوص القرآن فحسب، بل في حركة المسلمين للتخلص مما هم فيه من واقع سيء. سابعًا: منهجه في التفسير: منح الله الإمام فكرًا ثاقبًا، ومنَّ عليه بعقيدة راسخة، وهيأ له اكتساب ثقافة متشعبة الأطراف متعددة الألوان. وهذه كلها عملت على تكوين منهجه في فهم كتاب الله. لقد كان الأستاذ يرى أن كتب التفسير على كثرتها، وعلى رغم إجلاله لأصحابها على ما حوته من فوائد، لا تفي بالمقصود. وذلك لأن كل مفسر كان يسيطر على كتابه تخصصه وميله، ومع أن هذا هو رأي الشيخ فإنه لم يكن ليهجر تلك الكتب، وينفر من أصحابها، بل كان كثير الاطلاع عليها، حتى إنه ليذكُرُ عند

стр. 728

تفسير بعض الآيات، أنه قرأ خمسة وعشرين تفسيرًا (١)، ليطلع على ما كنبه الأوائل. ومع هذا فقد يكون له رأيه الخاص، دون أن يتأثر بأحد فقد قصد إلى تجلية معاني القرآن للمسلمين، دون حواجز وعقبات تحول بينهم وبين قطوفه الدانية. وقد كتب كل من الشيخ محمد رشيد رضا، والمستشرق جولدزيهر، والدكتور محمد حسين الذهبي، والدكتور محمد البهي، والدكتور عبد الله شحاته في وصف منهج الشيخ محمد عبده، وجمع تلك الكتابات عبد الغفار عبد الرحيم في كتابه: الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير، وكان له رأي في وصف منهج الإمام، وجميع ما كتب يعود لأصول واضحة في منهجه في تفسير كتاب الله، وإن اختلفت التعبيرات والألفاظ في وصف المنهج، حيث اختصر بعضهم ما توسع فيه الآخرون وبيَّن بعضهم ما أجمله الآخرون. والذي أراه أن منهج الإمام يتضح في الخصائص التالية: ١ - نظرته للسورة القرآنية على أنها وحدة كاملة: يعد الأستاذ الآية بل السورة بل القرآن كله وحدة تامة. فلم يكن يرضى بتجزئة السور والآيات الكريمة كما رأينا عند بعضهم، من تجزئتهم للآية الواحدة، وأنها تشتمل على ناسخ ومنسوخ في الوقت نفسِه. وهذه ضرورية في تجلية معاني القرآن، حتى لا يكون القرآن خليطًا متنافرًا لا تربط بين آياته رابطة. يقول الأستاذ عثمان أمين (٢): إن الإمام كان يميل في التفسير إلى أخذ آيات القرآن جملة، ويرى أنه إذا كنا بحاجة إلى معرفة أسباب النزول في آيات الأحكام، فإن معرفة الوقائع والحوادث

стр. 729

التي نزل فيها الحكم يعين على فهمه، ولا بد في التفسير من الذوق السليم، وما يتبعه من لطف الوجدان ودقة الشعور، اللذين هما مدار المعقل والتأثر والفهم والتدين. ومقتضى هذا أن ينفذ المفسر إلى روح القرآن). وبالإضافة إلى هذا، فقد دفع الأستاذ الإمام شبهات المستشرقين إلى الوراء حيث كانت ردوده العملية عبر هذا المنهج على تُهَمِهِم الجوفاء، من كون القرآن لا ترابط بين سوره ولا التئام بين آياته. ٢ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب: فهو يقدم المادة للقارئ والمستمع، بعيدة عن التقعر في الألفاظ، بعيدة كذلك عن الجفاف في المعاني بحيث يتقبلها القلب والعقل. فلنستمع إلى الشيخ عند تفسيره لسورة البروج، فبعد أن عرف البروج وتكلم عن اليوم الموعود وشاهد ومشهود قال: (أقسم سبحانه أولًا، بما فيه غيب وشهود وهو السماء ذات البروج. فإن كواكبها مشهود نورها مرئي ضوءها. معروفة حركاتها في طلوعها ومغيبها تحبس الضر. والسماء ما علاك مما نسميه بهذا الاسم وفيه البروج تشاهدها، ولكن فيها غيب لا تعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب وما أودع الله فيها من القوى، وما أسكنها من الملك أو غيره. كل ذلك غيب لا تدركه حواسنا، وإن وصل إلى الاعتقاد بشيء منه عقلنا. ثم أقسم جل شأنه بما هو غيب صِرف، وهو اليوم الموعود. لأنه أخبرنا بأنه سيكون، وعما يكون فيه من حوادث البعث والحساب والعقاب والثواب، ولكن شيئًا من ذلك لا يمكن أن نشهده في حياتنا هذه. وبعد ذلك أقسم بما هو شهادة صِرفة، وهو الشاهد أي صاحب الحس فإنه مرئي. والمشهود هو ما وقع عليه الحس. فكأنه جل شأنه، أقسم بالعوالم كلها، مع هذا التقسيم البديع، ليلفتك إلى ما فيها من العظم والفخامة، لتعتبر بما حضرك، وتبذل الوسع في درك ما استتر عنك، وتستعد لما يستقبلك) (١).

стр. 730

وهذا الأسلوب البديع وذلك التقسيم المنطقي يخلفان أثرًا في نفس القارئ يتفاعل مع الآيات الكريمة. ومع هذا فإننا نرى الأستاذ في بعض الأحيان يحلق بنا في أجواء علم الكلام والمسائل الفلسفية، ولكن بمقدار ما لذلك من صلة في الموضوع الذي يتحدث عنه، فلكل مقام مقال، ولكل سياق من الموضوعات عبارات وألفاظ، فقد لا يحسن الأسلوب السهل اليسير في مكان كما يحسن في آخر، وقد يجذب الأسلوب الجزل الرصين القراء في مكان، ويدفعهم عن القراءة في مكان آخر، فنراه مثلًا عند تفسير سورة الإخلاص يقول: (الأحد هو الواحد الذي لا كثرة في ذاته، فهو ليس بمركب من جواهر مختلفة؛ فليس بمادي، ولا هو من أصول متعددة غير مادية، كما يزعم بعض أرباب الأديان من أنه أصلان فاعلان، أو أنه ثلاثة أصول تعتبر واحدًا، وهي متعددة، سواء عقل ذلك أم لم يعقل، فإن الله بريء منه؛ لأن العقلاء أجمعت على موجد العالم وهو الله واجب الوجود. ووجوب الوجود يستلزم ببداهة العقل وحدة الذات، لأن التعدد في الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى الأجزاء، فلا يكون المجموع المسمى بالله، أو موجد العالم واجب الوجود. وكذلك الأفراد نفسها لا يكون كل واحد واجب الوجود، لأنه يختلف عن الآخر بميزة، وذلك المميز غير ما يشتركان فيه من الوجود، فيكون كل منهما مركبًا، والمركب غير واجب كما ذكرنا. فلم يبق إلا أن يكون واجب الوجود واحدًا فالله أحد) (١) ... وهذا الكلام ربما يبدو غريبًا بعيدًا عن أفهام كثير من الناس الآن. لكننا إذا تصورنا العصر الذي كتب فيه نجد أنه لا بعد فيه ولا غرابة، وهذا القول لا نراه من الأستاذ إلا حينما تدعو إليه الحاجة. ٣ - عدم تجاوزه النص في مبهمات القرآن: أما منهج الأستاذ في مبهمات القرآن الكريم، فإنه يقوم أول ما يقوم على دقة في

стр. 731

الفهم، وذلك بالوقوف عند حدود ما ذكره القرآن. فلو كان فيما وراء ذلك حكمة وفائدة، لما أغفلها النص، وهذا المنهج وإن رأيناه عند بعض المفسرين قديمًا، إلا أنه كان للأستاذ الفضل الأكبر في إحيائه حديثًا، وتتجلى لك تلك البراعة في مقدرة الشيخ على ترك ما أبهم القرآن بل الدعوة إلى هذا المنهج لا التطبيق فحسب، إذا تأملت معي الحبارات الآتية: يقول عند قوله تعالى ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]: (وأصحاب الأخدود قوم كافرون، ذوو بأس وقوة، أصابوا قومًا مؤمنين غاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، وأكرهوهم أن يرتدوا إليه فأبوا، فشقوا لهم شقًا في الأرض وحشوه بالنار، وجاءوا بالمؤمنين واحدًا واحدًا وألقوهم في النار ... أما تعيين أصحاب الأخدود. وأين كانوا ومن هم أولئك المؤمنون وأين كان منزلهم من الأرض فقد كثرت فيه الروايات .. غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار، وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة، وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء، حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات، وإنما الذي عليه هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولًا. ولو علم الله خيرًا في أكثر من ذلك لتفضل علينا به) (١). وكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في سورة البقرة يذكر ما قاله (الجلال)، وما جاء في التوراة عن العدد الذي قتل ثم يقول (والقرآن لم يعين العدد. والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه) (٢). وعند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] يقول: ونسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن) (٣).

стр. 732

وكذلك عند تفسير الرجز في قول الله : ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] يقول: (ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز، كما هو شأننا في كل ما أورده القرآن - وقال المفسر - يعني به الجلال - وغيره: إنه الطاعون، واحتج بعضهم عليه بقوله تعالى (من السماء) - وهو كما تراه - والرجز هو العذاب وكل نوع منه رجز. وقد ابتلى الله بني إسرائيل بالطاعون غير مرة، وابتلاهم بضروب أخرى من النقم، في إثر كل ضرب من ضروب ظلمهم وفسوقهم. ومن أشد ذلك تسليط الأمم عليهم، وحسبنا ما جاء في القرآن عبرة وتبصرة فنعين ما عينه ونبهم ما أبهمه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (١). وهكذا نجد الأستاذ الإمام بهذا المنهج الحكيم يجلي العبارة القرآنية ويوصد أبوابًا طالما دخل منها إلى التفسير ما يشوهه من الأساطير والخرافات. ٤ - محاربته الإسرائيليات: وما دمنا قد عرضنا لرأي الأستاذ في مبهمات القرآن، فلا بد أن نعرض لموقفه من الإسرائيليات، وهو الذي عرف عنه حرصه وعمله الجاد على تنقية جو التفسير من هذه الإسرائيليات، وأكتفي هنا بنقل تلك العبارة الجامعة، التي تظهر بحق عظمة ذلك الرجل، لا من حيثُ موقفه من هذه الإسرائيليات فحسب، ولكن من حيث موقفه من المفسرين الذين نقلوا في كتبهم مثل هذه الأشياء. يقول: (وقد قلت لكم غير مرة، إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء، وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المفسرين والمؤرخين، فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات، إلا بعد التحرّي والبحث واستخراج الآثار. فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها

стр. 733

لحسن قصدهم، ولكننا لا نعوّل على ذلك، بل ننهى عنه، ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته) (١). ٥ - حرصه على بيان هداية القرآن الكريم إن تعرية التفسير من المبهمات والإسرائيليات التي تعودها كثير من الناس، بل ظنوها هي التفسير كله، يزيل تلك الحواجز التي تحول بين المسلم وبين هداية القرآن. يقول الأستاذ الإمام: (والتفسير الذي قلنا إنه يجب على الناس معرفته على أنه فرض كفاية، هو الذي يذهب فيه المفسر إلى فهم المراد من القول وحكمة التشريع، في العقائد والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله: (هدى ورحمة) وغيرها من الأصناف ... فالمقصد الحقيقي ... هو الاهتداء بالقرآن، وهذا هو الغرض الأول الذى أرمي إليه في قراءة التفسير) (٢). ولقد أصبح واضحًا غرض الأستاذ من تفسيره، وبانت غايته منه. والقارئ يلمح ذلك في أكثر المواضع من هذا التفسير، فلا نكاد نجد آية من الآيات إلا ويحاول أن يبين ما فيها من هداية الناس. وهداية القرآن ذاتها في غاية الوضوح والكمال. فكيف إذا هيأ الله لهذا الكتاب غيورًا ذا فهم، يجعله قريب المنال من الناس، ويرد عنه كيد كل ماكر، وانحراف كل زائغ، والأستاذ إذ يتصدى لهذا كله، لا يركب مركبًا صعبًا وإنما هو أهل ذلك كله. وخير ما يعطينا صورة واضحة عن ذلك نماذج نختارها من تفسيره. أ - أقسام الهداية: عند تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، يقسم الهداية إلى أقسام أربعة:

стр. 734

الأول: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم. الثاني: هداية الحواس والمشاعر، وهي متممة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيها الحيوان الأعجم. الثالث: هداية العقل .. الرابع: هداية الدين .. يغلط العقل في إدراكه، كما تغلط الحواس. وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية، ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال .. إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة (الدين) وقد منحه الله إياها (١)، وفيما قرره الأستاذ ﵀ هنا توضيح وتفصيل لما ذكره في رسالة التوحيد، من أن العقل والوحي أثران من آثار الله، وآثار الله لا بد أن ينسجم بعضها مع بعضها الآخر، وليس معنى هذا أن الإمام يعد هداية الدين وهداية العقل ندَّين، بل هو يبين أن هداية العقل لاتصل في بيانها إلى هداية الدين. ب- نتائج الهداية: يقول عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] يقول (٢): فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى، يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات، ويعدهم السعادة في الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه مؤمن بأن الله يخلفه، فيكون كالتعب في الكسب، لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع، وإذا قال قائل إن الدِّينَ يقيد حرية الإنسان، ويمنعه بعض اللذات التي يقدر على التمتع بها، ويحزنه الحرمان منها، فكيف يكون هو المأمن من

стр. 735

الأحزان، ويكون باتباعه الفوز وبتركه الخسران؟ فجوابه أن الدين لا يمنع من لذة، إلا إذا كان في إصابتها ضرر على مصيبها، أو على أحد إخوانه من أبناء جنسه، الذين يفوتهم من منافع تعاونهم، إذا آذاهم أكثر مما يناله بالتلذذ بإيذائهم، لو تمثلت لمستحل اللذة المحرمة مضارها، التي تعقبها في نفسه وفي الناس، وتصور ما لها من التأثير في فساد العمران، لو كانت عامة وكان صحيح العقل معتدل الفطرة، لرجع عنها متمثلًا بقول الشاعر الأخير في لذة من بعدها كدر) فكيف إذا كان مع ذلك يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن هذه المحرمات تدنس الروح، فلا تكون أهلًا لدار الكرامة في يوم القيامة؟ ) ويظهر لنا حرص الشيخ على بيان هداية القرآن وأنها لا تتناقض مع لذات الإنسان التي لا تعقب ضررًا وهو في ذلك حريص شديد الحرص على إقناع القارئ بروح دعوية خالصة. جـ- هداية القرآن في الأموال: يقول عند تفسير قول الله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ [النساء: ٥] (١): أمرنا الله تعالى في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم، وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن. وأتى في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين، أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ، وكل امرأة صداقها، إلا إذا كان أحدُهما سفيهًا، لا يحسن التصرف في ماله، فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه، ويجب أن تحفظوه له إلى أن يرشد. وإنما قال (أموالكم) ولم يقل أموالهم، مع أن الخطاب للأولياء، والمال للسفهاء الذين في ولايتهم، للتنبيه على أمور: أحدها: أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه، وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه. فبذلك تكون إضاعة مال السفيه

стр. 736

مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي، فكأن ماله عين ماله. ثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة، فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها. ثالثها: التكافل في الأمة، واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين كما قلنا في آيات أخرى. ثم قال في قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال، وتعريف بقيمته، فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله. وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال. فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول، حتى صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع. ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة، فعندما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات في التزهيد في الدنيا، فإنه يُرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب، فيختار أقله سعيًا وأخفه مؤونة وأبعده عن الشرف. على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء، لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها، بل إن خطباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا، وقطعوهم عن الآخرة، فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم علمهم بما يعظون به غيرهم (١). والواجب على المسلم العارف بالإسلام، أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة. أهـ.

стр. 737

ولعمر الحق إنها لإشارات بديعة، تلك التي يشير إليها الإمام ينبغي على المسلمين أن يجعلوها أمام أعينهم دائمًا، ولكن واقع المسلمين لا يزال على ما كان عليه، بعيدًا عن روح الإسلام وهدي القرآن! ! . وهكذا يبين الأستاذ مواطن الهداية القرآنية، وذلك من أجل قيام المجتمع المسلم وتنظيمه وتكافله، على قواعد متينة راسخة من تشريعات القرآن، التي تنظم الحياة كلها، وقد أبان لنا الشيخ علاقة الهداية بالعقل والوجدان، ومآل الهداية في الدارين، وهو بذلك يكشف لنا عن مدى حرصه على إبراز هداية القرآن في سعادة الإنسان، وقد كتب ذلك كله بأسلوب مشرف، وبلاغة واضحة نابعَيْن من عقل وقلب استنارا بنور القرآن. ٦ - دحضه الشبهات: والأستاذ لا يكتفي بهذا الموقف، أعني موقف البيان لهداية القرآن، بل إلى جانب هذا الموقف نرى له موقفًا آخر، فهو لا يدع فرصة تمر، إلا وينافح عن الدين فيها بكل ما آتاه الله من بيان وحكمة، مطاردًا الشبه الباطلة والترهات التي يشيعها أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا، مما قد التبس على بعض المفسرين، ويكفي الأستاذ فخرًا رده على (فرح انطون) وتصديه لـ (هانوتو) وزير خارجية فرنسا، وسأكتفي بإيراد بعض الأمثلة: أ- يعقب الأستاذ على تفسيره لآيات القتال في سورة البقرة بقوله: (وما قررناه أبطل ما يهذي به أعداء الإسلام، حتى من المنتمين إليه من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين إنه ليس دينًا إلهيًا، لأن الله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء، وإن العقائد الإسلامية خطر على المدنيَّة - فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين) (١).

стр. 738

ب- ويتناول فرية الغرانيق فيدحض زيفها ويهدم أركانها. يقول: .. قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوَّأ من نفوسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا ... وهو يلعب بأهله وبغلب أهواءهم بحيَلِهِ حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى باسه. وهو الشاب الذي لا يهرم والعامل الصبور الذي لا يسأم وإنما يعرض بوجهه عن الأغبياء ... ثم لا ينفك يرحمهم .. فإذا واتاهم وقد وهت سننهم ... صاح بهم صائحٍ، فغلق بالباطل مكانه) (١). وهي قطعة أدبية نادرة في سياق رد الأباطيل إلى أن يقول: (عصمة الرسل في التبليغ عن الله) أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة .. ومع ذلك لم يعدم الباطل في الدين أعوانا، يجملون على هدمه وتوهين ركنه. أولئك عشاق الروايات الباطلة وعبدة النقل. نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... ﴾ [الحج: ٥٢] ... إلخ، ثم يسوق الروايات التي استدل بها على قصة الغرانيق. وملخص هذه الفرية أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، كان يتلو سورة (النجم) فلما بلغ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] ألقى الشيطان في قراءته: (وإنها لهي الغرانيق العُلى وإن شفاعتهن لترتجى). ثم بعد ذلك يظهر زيف هذه الروايات بقوله: (قال القسطلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القِصَّة وسندها غير واحد من الأئمة، حتى قال ابن إسحق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة، وكفى في إنكار حديث، أن يقول فيه ابن اسحق إنه من وضع الزنادقة .. وقال القاضي عياض إن هذا

стр. 739

حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب .. وقال الإمام أبو بكر بن العربي ... إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له). وبعد أن أبطل هذه القصة بالأدلة النقلية من أقوال الأئمة كما رأينا، أبطلها كذلك من الناحية العقلية. ثم يعقّب على ذلك بقوله: (أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلةً من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها الخ ما سبق، فقد ذهب عليه -كما قال في الإبريز- إن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها، لا يقبل على أي وجه جاء. وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها. هذا لو فرض اتصال الحديث فما ظنك بالمراسيل؟ وإنما الخلاف بالاحتجاج بالمرسل، وعدم الاحتجاج به، فيما هو من قبيل الأعمال، وفروع الأحكلام، لا في أصول العقائد، ومعاقد الإيمان بالرسل، وما جاءوا به فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له. هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم، فلا يعتد بذكرها في بعض كتب العسير، وإن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في باطله، لا تنفخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه .. ) (١). ثم يبدأ في تفسير الآيات، فيفسرها تفسيرًا يقوم على وحدة الموضوع أولًا، ومعطيات اللغة ثانيًا، ومسلمات العقل ثالثًا، وبعد ذلك ما يتفق مع مقام الأنبياء جميعًا ﵈. ومن أعماق قلبي، أرجو أن يهيء الله لهذه الأمة، إمامًا ينافح عن كتاب الله كما نافح عنه هذا الإمام. وبودي أن أنقل كل ما كتب، لأن كل كلمة فيه تستحق أن تقدر قدرها، ولكنه يطول. قال ﵀:

стр. 740

(لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآيات- يحكي قدرًا قدر للمرسلين كافة، لا يعدونه ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي اسمهم، فلو صح ما قال أولئك المفسرون، لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم فخلط في الوحي المنزل إليهم ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته الخ .. وهذا من أقبح ما يتصور متصور، في اختصاص الله تعالى لأنبيائه واختيارهم من خاصة أوليائه فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده). وبعد بيان مستفيض عن صلة الآية بما قبلها وما بعدها، وهو بيان يعين كثيرًا على فهم الآية يقول: (فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعًا، يجب أن نفسر الآية، وذلك يكون على وجهين: الأول: أن يكون (تمنى) بمعنى قرأ، (والأمنية) بمعنى القراءة، وهو معنى قد يصح، وقد ورد استعمال اللفظ فيه .. غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل على المعنى المفهوم من قولك (ألقيت في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحمله لفظه، ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه. وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق، يتبعون الشبهة ويسعون وراء الريبة، فالإلقاء بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال، يصح أن ينسب إليه، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي، إلا إذا حدث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم، قام في وجهه مشاغبون، يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس، ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل. ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين، ولا بهزء
следующие страницы →