← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي، فكأن ماله عين ماله. ثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة، فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها. ثالثها: التكافل في الأمة، واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين كما قلنا في آيات أخرى. ثم قال في قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال، وتعريف بقيمته، فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله. وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال. فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول، حتى صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع. ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة، فعندما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات في التزهيد في الدنيا، فإنه يُرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب، فيختار أقله سعيًا وأخفه مؤونة وأبعده عن الشرف. على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء، لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها، بل إن خطباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا، وقطعوهم عن الآخرة، فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم علمهم بما يعظون به غيرهم (١). والواجب على المسلم العارف بالإسلام، أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة. أهـ.

стр. 737

ولعمر الحق إنها لإشارات بديعة، تلك التي يشير إليها الإمام ينبغي على المسلمين أن يجعلوها أمام أعينهم دائمًا، ولكن واقع المسلمين لا يزال على ما كان عليه، بعيدًا عن روح الإسلام وهدي القرآن! ! . وهكذا يبين الأستاذ مواطن الهداية القرآنية، وذلك من أجل قيام المجتمع المسلم وتنظيمه وتكافله، على قواعد متينة راسخة من تشريعات القرآن، التي تنظم الحياة كلها، وقد أبان لنا الشيخ علاقة الهداية بالعقل والوجدان، ومآل الهداية في الدارين، وهو بذلك يكشف لنا عن مدى حرصه على إبراز هداية القرآن في سعادة الإنسان، وقد كتب ذلك كله بأسلوب مشرف، وبلاغة واضحة نابعَيْن من عقل وقلب استنارا بنور القرآن. ٦ - دحضه الشبهات: والأستاذ لا يكتفي بهذا الموقف، أعني موقف البيان لهداية القرآن، بل إلى جانب هذا الموقف نرى له موقفًا آخر، فهو لا يدع فرصة تمر، إلا وينافح عن الدين فيها بكل ما آتاه الله من بيان وحكمة، مطاردًا الشبه الباطلة والترهات التي يشيعها أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا، مما قد التبس على بعض المفسرين، ويكفي الأستاذ فخرًا رده على (فرح انطون) وتصديه لـ (هانوتو) وزير خارجية فرنسا، وسأكتفي بإيراد بعض الأمثلة: أ- يعقب الأستاذ على تفسيره لآيات القتال في سورة البقرة بقوله: (وما قررناه أبطل ما يهذي به أعداء الإسلام، حتى من المنتمين إليه من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين إنه ليس دينًا إلهيًا، لأن الله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء، وإن العقائد الإسلامية خطر على المدنيَّة - فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين) (١).

стр. 738

ب- ويتناول فرية الغرانيق فيدحض زيفها ويهدم أركانها. يقول: .. قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوَّأ من نفوسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا ... وهو يلعب بأهله وبغلب أهواءهم بحيَلِهِ حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى باسه. وهو الشاب الذي لا يهرم والعامل الصبور الذي لا يسأم وإنما يعرض بوجهه عن الأغبياء ... ثم لا ينفك يرحمهم .. فإذا واتاهم وقد وهت سننهم ... صاح بهم صائحٍ، فغلق بالباطل مكانه) (١). وهي قطعة أدبية نادرة في سياق رد الأباطيل إلى أن يقول: (عصمة الرسل في التبليغ عن الله) أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة .. ومع ذلك لم يعدم الباطل في الدين أعوانا، يجملون على هدمه وتوهين ركنه. أولئك عشاق الروايات الباطلة وعبدة النقل. نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... ﴾ [الحج: ٥٢] ... إلخ، ثم يسوق الروايات التي استدل بها على قصة الغرانيق. وملخص هذه الفرية أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، كان يتلو سورة (النجم) فلما بلغ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] ألقى الشيطان في قراءته: (وإنها لهي الغرانيق العُلى وإن شفاعتهن لترتجى). ثم بعد ذلك يظهر زيف هذه الروايات بقوله: (قال القسطلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القِصَّة وسندها غير واحد من الأئمة، حتى قال ابن إسحق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة، وكفى في إنكار حديث، أن يقول فيه ابن اسحق إنه من وضع الزنادقة .. وقال القاضي عياض إن هذا

стр. 739

حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب .. وقال الإمام أبو بكر بن العربي ... إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له). وبعد أن أبطل هذه القصة بالأدلة النقلية من أقوال الأئمة كما رأينا، أبطلها كذلك من الناحية العقلية. ثم يعقّب على ذلك بقوله: (أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلةً من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها الخ ما سبق، فقد ذهب عليه -كما قال في الإبريز- إن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها، لا يقبل على أي وجه جاء. وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها. هذا لو فرض اتصال الحديث فما ظنك بالمراسيل؟ وإنما الخلاف بالاحتجاج بالمرسل، وعدم الاحتجاج به، فيما هو من قبيل الأعمال، وفروع الأحكلام، لا في أصول العقائد، ومعاقد الإيمان بالرسل، وما جاءوا به فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له. هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم، فلا يعتد بذكرها في بعض كتب العسير، وإن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في باطله، لا تنفخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه .. ) (١). ثم يبدأ في تفسير الآيات، فيفسرها تفسيرًا يقوم على وحدة الموضوع أولًا، ومعطيات اللغة ثانيًا، ومسلمات العقل ثالثًا، وبعد ذلك ما يتفق مع مقام الأنبياء جميعًا ﵈. ومن أعماق قلبي، أرجو أن يهيء الله لهذه الأمة، إمامًا ينافح عن كتاب الله كما نافح عنه هذا الإمام. وبودي أن أنقل كل ما كتب، لأن كل كلمة فيه تستحق أن تقدر قدرها، ولكنه يطول. قال ﵀:

стр. 740

(لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآيات- يحكي قدرًا قدر للمرسلين كافة، لا يعدونه ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي اسمهم، فلو صح ما قال أولئك المفسرون، لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم فخلط في الوحي المنزل إليهم ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته الخ .. وهذا من أقبح ما يتصور متصور، في اختصاص الله تعالى لأنبيائه واختيارهم من خاصة أوليائه فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده). وبعد بيان مستفيض عن صلة الآية بما قبلها وما بعدها، وهو بيان يعين كثيرًا على فهم الآية يقول: (فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعًا، يجب أن نفسر الآية، وذلك يكون على وجهين: الأول: أن يكون (تمنى) بمعنى قرأ، (والأمنية) بمعنى القراءة، وهو معنى قد يصح، وقد ورد استعمال اللفظ فيه .. غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل على المعنى المفهوم من قولك (ألقيت في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحمله لفظه، ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه. وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق، يتبعون الشبهة ويسعون وراء الريبة، فالإلقاء بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال، يصح أن ينسب إليه، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي، إلا إذا حدث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم، قام في وجهه مشاغبون، يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس، ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل. ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين، ولا بهزء

стр. 741

المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجادلة، فينسخ الله تلك الشبه، ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها. وقد وضع الله هذه السنة في الناس لتمييز الخبيث من الطيب يفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجادلة فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جدلهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتوا العلم، ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه، فيعلموا أنه الحق من ربك فيصدقوا به، وتطمئن له قلوبهم .. ). ثم يذكر المعنى الثاني، وملخصه أن التمني على معناه المعروف، وأن الأنبياء كانوا يتمنون اهتداء أقوامهم. والرسول ﵌ كان له المقام الأعلى في ذلك، مما يشهد له آيات القرآن الكثيرة، وأنه ما من رسولا ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، ووسوس في صدور الناس فثاروا في وجهه وصدوه عن قصده. وإلقاء الشيطان فيها، يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم. لكن الله غالب على أمره، فيمحق ما ألقاه الشيطان في قلوب المؤمنين، ويبقى ذلك ، في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به (١). جـ - وكما أبطل الأستاذ الإمام قصة الغرانيق، بهذا البيان الذي لا يدع مجالًا لصاحب ريب، ولا يترك فرصة لذي شبهة، كر على مسألة أخرى، لا تقل في خطورتها عن مسألة الغرانيق، ذلك لأنها تتعلق مباشرة بشخص رسول الله ﷺ ، من حيث عصمته، وعظمة خلقه. وهي من المسائل التي خدع بها بعض الكاتبين قديمًا، وأستغلها الحاقدون على الإسلام حديثًا. ويأبى الله إلا أن يهيء لهذا الدين، من ينفي عنه زيغ الضالين، وضلال المغضوب عليهم.

стр. 742

وهذه المسألة هي زواجه من السيدة زينب بنت جحش ﵂. والمعلوم أن رسول الله ﵌، أراد من زواج زيد بزينب، على الرغم من الفوارق البعيدة بينهما، مقاصد نبيلة أهمها: إذابة الفوارق في المجتمع المسلم الجديد. ولكن هذا الزواج لم يكتب له دوام التوفيق، فطلق زيد زينب ونزل في ذلك قرآن، وأمر رسول الله ﵌ أن يتزوجها، وذلك لتقرير حكم شرعي كانت الجاهلية تنفر منه، وهو جواز زواج المتبني مطلقة متبناه. ولكن الذين لا يميزون بين صحيح الروايات وسقيمها، اختلط عليهم الأمر فنقلوا روايات تخل بعصمته عليه وآله الصلاة والسلام. وقد بين الأئمة زيفها كما رأينا في تفسير الحافظ ابن كثير ﵀ وأبي بكر بن العربي ﵀، صاحب أحكام القرآن، الذي نقل عنه الإمام كثيرًا مما كتبه، وقد أعجب بما كتب. ويستغل أعداء الإسلام مثل هذه الفرية ليشوهوا بها جمال هذا الدين ونبيه. ولا نجد دينًا كالإسلام، وكتابًا كالقرآن، وشخصية كالرسول الكريم ﷺ ، حاول المغرضون والموتورون أن يقيموا الحجب بين الناس وشمس هدايتهم وإشراقهم، ولكنه الإسلام تتحطم على صخرته الصلبة كل المطاعن والشبه والدسائس. ولقد أحسن الشاعر محمود غنيم في قوله: هي الحنيفة عين الله تكلؤها ... فكلما حاولوا تشويهها شاهوا يقول الأستاذ الإمام: (ولو كان للجمال سلطان على قلبه ﷺ ، لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في رواثه ونضرة جدته، وقد كان يراها، وليس بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكلنه لم يرغبها لنفسه، ورغبها لمولاه. فكيف يمتد نظره إليها، ويصيب قلبه سهم حبها، بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده، أنعم عليه بالعتق والحرية) (١). وبعد كلام كثير حول تفسير الآية ورد الشبهات يقول: (أما والله لولا ما أدخله الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية، ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة، شيء مما يرمون إليه، فإن نص

стр. 743

الآية ظاهر جلي، لا يحتمل معناه التأويل، ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه، هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه، بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة، عند فتح مكة وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم) (١). ثامنًا [*]: المدارس التي تأثر بها الشيخ في تفسيره: هذا هو جانب من تفسير الأستاذ الإمام يوضح منهجه، وهو بحق تشع في جنباته الحكمة وغزارة العلم، كما تظهر فيه فطرة المسلم. وإذا كانت النماذج التي أوردتها من تفسيره، لا تظهر تأثره بعوامل خارجية، وإنما تظهر علمه وفهمه وفقهه للدين، فإن هناك جانبًا آخر، يظهر فيه بوضوح تأثر التفسير بمدارس مختلفة، بل ربما قد تبدو متناقضة وأهم هذه المدارس: ١ - الصوفية وبخاصة الإمام الغزالي ﵀. ٢ - السلفية وبخاصة ابن تيمية ﵀. ٣ - المعتزلة وأبو مسلم ﵀ بخاصة. ٤ - الحضارة الأوروبية. وسنرى لكل واحدة من هذه المدارس، أثرًا غير خاف، وهذه الآثار تتفاوت قوة وضعفًا: ١ - مدرسة التصوف: إن أهم أثر كان في حياة الشيخ الأولى هو التصوف، فصلته بالشيخ درويش خضر، وما بثه هذا في نفس الشيخ، كان له أطيب النتائج في حياته، كما رأينا من

стр. 744

كلام الأستاذ نفسه، وبعد أن اتصل بالأفغاني لم يحاول هذا الأخير أن يقتلع جذور التصوف من قلب الشيخ، لكنه هذبه ونظمه ليكون خالصًا من التشويش والسلبية ولقد مرت حياة الشيخ بمراحل متعددة ذات آثار مختلفة في الفكر والسياسة والاجتماع. ومع هذا كله فلقد بقي للتصوف في نفس الأستاذ جذوره وآثاره. وإن هذه الآثار لتبدو في مظاهر متعددة في التفسير وغير التفسير. ويغلب على الظن أن لحجة الإسلام الغزالي الأثر الكبير في ذلك (١). يذكر العلامة جمال الدين القاسمي ﵀، أنه لما جاء مصر والتقى بالأستاذ الإمام حبّب إليه اختصار كتاب (الإحياء) ليستفيد منه الناس، وكان القاسمي سريعًا في تلبية الطلب، وتنفيذ تلك الرغبة. فاختصره في كتاب سمّاه (موعظة المؤمنين). وهذا الطلب من الأستاذ الإمام لم يكن في أول حياته طبعًا. وهذا يدلنا على تأثره بهذا الكتاب من ناحية، واهتمامه بالنواحي الروحية من ناحية. وسنجد في ثنايا التفسير ما يثبت ذلك. يقول في شرح معنى التوبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في سورة البقرة، إنها محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب. والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه، وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي، بعد مقارفة الذنب، يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية، ويحدث في روحه انفعالًا مما فعل، وندمًا على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه، من العقوبة في الدنيا والآخرة. هذا أثر التوبة في النفس وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه، وتمحو أثره السيء، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فمن علامة التوبة النصوح: الإتيان بأعمال تشق على النفس، ما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي

стр. 745

يحدثه الذنب وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة، سواء كان الذنب مع الله تعالى، أو مع الناس، ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر ذنبًا يباهي به، أن يجيء معرفًا بالذنب، معتذرًا عنه، وهذا ذل يشق على النفس لا محالة) (١). وهذا الكلام لا يشك قارئه بأنه تسرب للإمام، من أحياء المتصوفين وعلى وجه الخصوص من إحياء أبي حامد. وعند تفسير الإمام لقصة آدم، يذكر في تفسير الملك والشيطان، أن الأول داعية الخير، والثاني داعية الشر. ويعلق السيد رشيد رضا على هذا التفسير، بأنه موافق لما ذهب إليه الإمام الغزالي، ويأتي بجملة من كلامه مؤيدة لما ذهب إليه. ولا أود هنا أن أناقش المقارنة التي عقدها بين الكلامين، فلذلك موضع آخر إن شاء الله، إلا أن ما أسجله هنا أن الإمام ليس وحده هو الذي تأثر بالغزالي، بل إن السيد رشيد رضا كذلك قد تأثر. ويقول الأستاذ الإمام عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] في سورة البقرة يصح أن يكون من قرب الوجود، فإن الذي لا يتحيز ولا يتحدد تكون نسب الأمكنة وما فيها إليه واحدة، فهو تعالى قريب بذاته من كل شيء إذ منه كل شيءٍ إيجادًا وإمدادًا وإليه المصير) (٢). ويقول السيد رشيد رضا معلقًا على هذا التفسير (وهذا الذي قاله من الحقائق العالية، وعليه السادة الصوفية فقد قال أحد العلماء في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي إذا بلغت روحه الحلقوم، إنه القرب بالعلم. وكان أحد كبار الصوفية حاضرًا فقال: لو كان هذا هو المراد لقال تعالى، في تتمة الآية ولكن لا تعلمون، ولكنه لم ينف العلم عنهم وإنما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ وليس من شأن العلم أن يبصر، فينبغي هنا إبصاره وإنما ذلك شأن الذات. انتهى بالمعنى وهذا مذكور

стр. 746

بنصه في كتاب اليواقيت والجواهر للشعراني .. هذا ما كتبته من التعليق على كلمة شيخنا في قرب الوجود وطبع أولًا واطلع هو عليه. ثم استشكله بعض إخواننا السلفيين، بأنه مخالف لمذهب السلف، فإنهم يتأولون، أو يفسرون القرب بالعلم كالمتكلمين ويقولون إن الله تعالى فوق عباده، بائن من خلقه مستوٍ على عرشه، وعبارة الأستاذ على إجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين ومن وافقهم من السلفيين) (١). ولا بد لنا أن نبني أمرًا على ما ذكره السيد محمد رشيد رضا من تعليق على كلمة الأستاذ الإمام، ألا وهو أن الأستاذ الإمام قد أخذ من معين مدرسة التصوف، وأكثر من الإفادة من كتب حجة الإسلام، ولكنه في نهاية الأمر استطاع أن يستقل بفهمه ورؤيته للمسائل الشرعية دون تعصب أو تقليد، وهذا ما دعا رشيدًا لأن يقول: وعبارة الأستاذ على إجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين، ومن وافقهم من السلفيين فهل كان هذا الأخذ من المدرسة السلفية باستقلال كما كان من مدرسة المتصوفة؟ هذا ما سيأتيك نبؤه بعد حين. ٢ - المدرسة السلفية: لقد تأثر الأستاذ بهذه المدرسة كثيرًا، ويبدو هذا جليًّا في المظاهر التالية: أ- عقيدة السلف: لقد صرح الأستاذ الإمام بأنه على طريقة السلف في فهم آيات الصفات، وأن هذه الطريقة تلتقي وطريقة الخلف، إذ لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها، فبعد أن بين الطريقتين وما تمتاز به كل منهما، قال: وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله وصفاته وعالم الغيب، وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين لأنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها لأن الله لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى) (٢).

стр. 747

فالأستاذ الإمام ﵀ يرى أن طريقة السلف لا تتصادم مع طريقة الخلف بل تجتمعان، فهو يسلم ويفوض، ومن جهة أخرى يفهم الآيات على طريقة التأويل ليحمل عليها فائدة. وههنا لا بد من إيضاح أمر وهو أنه قد شاع وجود طريقتين في فهم الصفات الخبرية: طريقة السلف وطريقة الخلف، فمن تبع الأولى تبرأ من الثانية، ومن تمسك بالثانية خالف الأولى، وهذا كلام يخلو من الدقة، إذ إن الطريقتين قد أخذ من معينهما السلف، فكما أن الإثبات والتفويض والتسليم نهج قد اتبعوه، فكلذلك التأويل قد سار عليه كبار الصحابة والتابعين ولذا لا يصح ألبتة أن ينسب إلى السلف طريقة ومذهب ويسلب عنه الآخر. وفوّض وسأكتفي بإيراد مثال واحد على التفويض في شأن الملائكة، لأنني سأناقش بعض تأويلاته لاحقًا إن شاء الله. يقول عند تفسيره لقول الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]: "ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به، ما أنبأنا به في كتابه، من أن علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات. ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء ومن أي شيء خلقوا، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم. هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا، وهو ما يبعد فهمه، أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال، وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال، فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس، إلى أن يبعث الله الناس. كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في معناه إلى الله. والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في علمنا، هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى، ولا يضيع منها نقير ولا قطمير) (١).

стр. 748

ب- محاربته للبدع: ويظهر هذا باعتباره مقصدًا من مقاصد تفسيره، كلما سنحت له فرصة لذلك. فمثلًا ينعى على هؤلاء الناس الذين يظنون أن الموالد من الدين، وهم يغمضون أعينهم عن كل ما فيها من منكرات. يقول (وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها الموالد. ومن العجيب أن يتبع الفقهاء في استحسانها الأغنياء، فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة، زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال، لنشر علم أو إزالة منكر أو إغاثة منكوب، لضنوا به وبخلوا -ولا يرون ما يكون فيها من المنكرات منافيًا للتقرب إلى الله تعالى، كان كرامة الشيخ الذي يحتفلون بمولده، تبيح المحظورات وتحل للناس التعاون على المنكرات .. ويَرى كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات والقباب العظيمة التي يضربونها، وينصبون فيها الموائد المرفوعة، ويوقدون الشموع الكثيرة احتفالًا باسم صاحب المولد، ويهنئ بعضهم بعضًا، بهذا العمل الشريف في عرفهم) (١). وذكر الأستاذ الإمام عند شرح مفاسد الموالد أن بعض كبار الشيوخ في الأزهر دعوه مرة للعشاء عند أحد المحتفلين فأبى، فقيل له في ذلك فقال: (إنني لا أحب أن أكثر سواد الفاسقين) (٢). كما نجد مثل هذا التنديد بالبدع وهو يبين أنواع الشرك، عند تفسير الآية ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (٣). جـ- محاربته للتقليد والتعصب المذهبي: يذكر السيد رشيد رضا في مقدمة كتابه تاريخ الأستاذ الإمام، أن الأستاذ

стр. 749

كان يجمع بين الصلاتين دونما عذر، وهذه كبيرة عند المقلدين (١)، وإذا نظرنا في تفسيره ﵀، فسنجد أنه لا يكتفي بعدم التعصب لمذهب معين، وإنما يهاجم التقليد والتعصب، وينعى على أصحابهما. يظهر هذا جليًّا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] حيث يرجح بالأدلة رأى ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله (٢). كما نراه عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] يذكر أنه قرأ خمسة وعشرين تفسيرًا فلم تشف غليله. ويفسر الآية على أنها تبيح التيمم للمسافر مع وجود الماء (٣). وقد أوضح الأستاذ رأيه في مسألة الاتباع والتقليد بقوله (ولكن رؤساء التقليد حالوا بين المسلمين وبين كتاب ربهم، بزعمهم أن المستعدين للاهتداء به قد انقرضوا، ولا يمكن أن يخلفهم الزمان، لما يشترط فيهم من الصفات والنعوت التي لا تتيسر لغيرهم، كمعرفة كذا وكذا من الفنون الصناعية، والإحاطة بخلاف العلماء في الأحكام، والذي يعرفه كل واقف على تاريخ الصدر الأول من المسلمين، هو أن أهل القرنين الأول والثاني، لم يكونوا يقلدون أحدًا، أي لم يكونوا يأخذون بآراء الناس وأقوال العلماء بل كان العامي منهم على بينة من دينه (٤). يعرف من أين جاءت كل مسألة يعمل بها من مسائله، إذ كان علماء الصدر الأول ﵃، يلقنون الناس الدين، ببيان كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﵌ (٥). وكان الجاهل

стр. 750

بالشيء يسأل عن حكم الله فيه، فيجاب بأن الله تعالى قال كذا، أو جرت سنّة نبيه على كذا، فإن لم يكن عند المسؤول فيه هدى كتاب أو سنة، ذكر ما جرى عليه الصالحون، وما يراه أشبه بما جاء في هذا الهدى أو أحال على غيره. ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام، واستخراج الفروع من أصولها، ومنهم الأئمة الأربعة -كانوا يذكرون الحكم بدليله، على هذا النمط، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين (عليهم الرضوان) على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين، ما لم يعرف دليله ويقتنع به، ثم جاء من العلماء المقلدين في القرون الوسطى (١)، من جعل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل، مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان كذلك أو أولى. ثم خَلفَ خَلفٌ أعرق منهم في التقليد، فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب والسنة، وعدوا من يحاول فهمها والعمل بها زائغًا. وهذه غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادًا من دون الله، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله) (٢). ثم نقل الأستاذ عن الأئمة الأربعة ﵃، النهي عن الأخذ بقولهم من غير معرفة دليلهم، والأمر بترك أقوالهم لكتاب الله أو سنة رسوله ﵌، إذا ظهرت مخالفة لهما أو لأحدهما. وبعد ذلك يواصل استعراض مواقف المتأخرين، فيقول (وهناك قول آخر للمتأخرين مبني على أن الأمة جاهلة لا تعرف من الدين شيئًا لا من أصوله ولا من فروعه، ولا سبيل إلى تكفير هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام، ولا إلى إلزامهم معرفة العقائد الدينية من دلائلها، والأحكام الشرعية بادلتها وعللها. فلا مندوحة إذن عن القول

стр. 751

بجواز التقليد في الأصول، وهي ما يجب اعتقاده في الله وصفاته، وفي الرسالة والرسل، وفي الإيمان بالغيب وهو ما فصله النص القطعي، والتقليد في الفروع العملية بالأولى. وهذا القول مخالف لإجماع سلف الأمة، وما قاله إلا الذين يحبون إرضاء الناس، بإقرارهم على ما هم عليه من الجهل، وإهمال ما وهبهم الله من العقل، لينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والمراد أن قلوبهم أي عقولهم، لا تفقه الدلائل على الحق، وأعينهم لا تنظر الآيات نظر استدلال، وأسماعهم لا تفهم النصوص فهم تدبر واعتبار، فهذه صفات المقلدين) (١). ثم يختتم حديثه بقوله: (والقول الوسط بين القولين، هو أنه يجب النظر في إثبات العقائد بقدر الإمكان، ولا يشترط فيه تأليف الأدلة على طريق المنطق ولا طريق المتكلمين. وإن أفضل الطرف وأمثلها في ذلك، هو طريق القرآن الحكيم، في عرض الكائنات على الأنظار، وإرشادها إلى وجه الدلالة فيها على وحدانية مبدعها وقدرته وحكمته .. وأما فرض الأمة جاهلة، وإقرارها على ذلك اكتفاء باسم الإسلام، وما يقلد به الجاهلون أمثالهم من الأحكام، فهو من القول على الله بغير علم ولا سلطان. وقد قرنه تعالى جمع الشرك في التحريم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام فمنها ما لا يسع أحدًا التقليد فيه،

стр. 752

وهي ما علم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أجمع عليه من كيفياتها وفروضها، فإن أدلتها وأعمالها متواترة. وتلقينها مع ما ورد في فوائدها من الآيات والهدي النبوي، يجعل المسلم على بصيرة فيها، وفقه يبحث على العمل ولا أسهل منه. ومنها فروع دقيقة مستنبطة من أحاديث غير متواترة، لم يطلع عليها جميع المسلمين. وقد مضت سنة السلف الصالح في مثلها، بان من بلغه حديث منها، بطريق يعتقد به ثبوته عمل به. ولم يوجبوا على أحد، ولو منقطعًا لتحصيل العلم، أن يبحث عن جميع ما روي من هذه الآحاد ويعمل بها ... فمثل هذه الفروع يعذر العاصي بجهلها بالأولى، ويجب عليه التحري في قبول ما يبلغه منها، فلا يقبل رواية كل أحد، ولا يسلم كل ما في الكتب لكثرة الموضوعات والضعاف فيها .. فتبين مما شرحناه أنه لا عذر لأحد في التقليد المحض) (١). وهذا النص يعد آية ظاهرة في بيان موقف الأستاذ الإمام من التعصب المذهبي والتقليد، وجميع آرائه في هذا الباب تفهم في ضوء هذا النص. موازنة تستحق التقدير: ابتلي المسلمون بخلافات جانبية كثيرة، واحتدم بينهم الجدل وقوي النزاع حول مسائل فرعية، وشكليات هي أقرب إلى القشور منها إلى اللباب. والذي يحز في النفس، ويصيب القلب بسهام الألم، أن هذه الخلافات وذلك النزاع، يعيشه المسلمون، وأعداؤهم يتربصون بهم من كل جانب، ويبيتون لهم كل عظيمة سوءًا وغدرًا. ومن أقوى الأمثلة على هذه الخلافات ما رأيناه بين المتسلفة والمتصوفة من جهة، وبينهم وبين أصحاب المذاهب من جهة أخرى، لقد عشت هذا الخلاف كما عاشه كثيرون غيري في مصر، وليست مصر وحدها. فهذه بلاد الشام وكثير من

стр. 753

بلاد العالم الإسلامي تعيش هذا الخلاف، والتفرق منذ أمد بعيد. والمضحك المبكي أن الذين يقومون على هذا الخلاف، ويغذونه هم من أساتذة التوجيه الإسلامي، الذين يوجه المسلمون إليهم أنظارهم، ينتظرون منهم الخير. حتى لقد وصل الخلاف إلى مستوى الكتب تؤلف للجدل والتراشق بالتهم، بل إلى مستوى الأشرطة وجميع وسائل الاتصال الفكري المعاصر، حتى إنهم قد نقلوا هذا الخلاف إلى بلاد الغرب ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد حاولت جاهدًا يومًا، وتجشمت المشاق لإقناع زعماء كل من الفئتين، بأن ينبذوا ذلك ظهريًا، أو أن يتناسوه على الأقلّ، وأن يوجهوا نشاطهم لما فيه الخير لهذه الأمة، التي تفرقت شملًا، وتصدعت بنيانًا، ولكن عبثًا يحاول المحاولون. قال لي أحدهم لقد حاكمت الغزالي غيابيًا. قال: ولكنه خفف الحكم عليه، واكتفى بتجريده من لقب حجة الإسلام! ومقابل هذا طلع علينا أحد أساتذة كلية الشريعة في جامعة دمشق بكتاب عنوانه (اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الدين الإسلامي)، وكتاب آخر اسمه (باطن الإثم) جنّد فيهما جهده للطعن في كل من لم يتمذهب أو يتصوف. هذا واقعنا وهو يستحق المعالجة والحكمة، وكان من الممكن أن يجتمع المسلمون على ما اتفقوا عليه، وهو كثير، ويعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه وهو قليل. وأنه بإمكان أي إنسان يريد الخير لأمته، أن يأخذ الحكمة أيًا كان صاحبها، وأن يكون متصوفًا وسلفيًا في الوقت نفسه، ما دامت غاية التصوف تهذيب الروح وغاية السلفية سلامة العقيدة، فهما يلتقيان في طريق واحد، ولكن شريطة أن يُنحَّى الغلو والتطرف جانبًا. وخير مثال لهذا الطراز من الناس الذبن سلكوا تلك الطريقة الفضلى، مفسرنا ﵀، فلقد استطاع أن ينهل من مورد المتصوفة، وأن يرتشف من نمير السلفية، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وإنما هي جداول تلتقي معًا. لقد استطاع محمد عبده أن يرتفع فوق هذه الخلافات، فأعطى بذلك درسًا

стр. 754

لهؤلاء المتزمتين ينبغي أن يعتبروا به. لقد رأينا كيف تأثر بالسلفية، ونقلت نصوصًا من كلامه، كان فيها واضح المنهج قريبًا من أفهام الناس، وهو مع ذلك كله يوفق بين السلفية والتصوف منصفًا كليهما. ومن الخير أن أقتطف بعض عباراته عن التصوف، ليتبين فيها حسن إدراكه لطبيعة هذا الدين. وهو إدراك يستحق الإعجاب، ويستدعي التقدير، يقول: (اشتبه على بعض الباحثين، السبب في سقوط المسلمين، في الجهل العميم ... وظنوا أن التصوف من أعظم الأسباب لسقوط المسلمين في الجهل بدينهم، وبعدهم عن التوحيد، الذي هو أساس عقائدهم، وليس الأمر عندنا كما ظنوا ... ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام، فكان له شأن كبير، وكان الغرض منه في أول الأمر تهذيب الأخلاق، وترويض النفس بأعمال الدين وجذبها إليه، وجعله وجدانًا لها وتعريفها بأسراره وحكمه بالتدرج. ابتلي الصوفية في أول أمرهم بالفقهاء الذين جمدوا على ظواهر الأحكام المتعلقة بالجوارح، والتعامل، فكان هؤلاء ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين، ويرمونهم بالكفر. وكانت الدولة والسلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إليهم، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل .. فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره زمنًا طويلًا، ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة، لا يقصد مجرد الاطلاع على حالهم، والوقوف على أسرارهم، وبعد الفتنة يأخذونه رويدًا رويدًا. ثم إنهم جعلوا للشيخ (المُسلِّك) سلطة خاصة على مريديه، حتى قالوا: يجب أن يكون المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، لأن الشيخ يعرف أمراضه الروحية وعلاجها. فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر معالجته أو تتعذر. فلا بد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة، حتى لو أمره بمعصية لكان عليه أن يعتقد أنها لخيره، وأن فعلها نافع له ومتعين عليه فكان من قواعدهم التسليم المحض والطاعة العمياء.

стр. 755

وقالوا إن الوصول إلى العرفان المطلق، لا يكون إلا بهذا ثم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم، والعناية بزيارتها لأجل تذكر سلوكهم ومجاهدتهم وأحوالهم ومشاهدتهم، لأن التذكر من أسباب القدوة، والتأسي هو طريق التربية القويم عندهم وعند غيرهم. فظهر من هذا الإجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا، وأنهم كانوا يريدون الخير المحض ... ولكن ماذا كان أثر ذلك على المسلمين؟ كان منه أن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات، يسمونها ذكرًا، يتبرأ منها كل صوفي، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا دينيًا، مع الاعتقاد بان لهم سلطة غريبة تعلو الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة الله تعالى، بها يديرون الكون، ويتصرفون فيه كما يشاءون، وأنهم قد تكفَّلوا بقضاء حاجة مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا. وهذا الاعتقاد هو عين اتخاذ الأنداد، وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف من الصحابة وأئمة التابعين والمجتهدين. وزادوا على هذا شيئًا آخر، هو أظهر منه قبحًا وهدمًا للدين، وهو زعمهم أن الشريعة شيء والحقيقة شيء آخر، فإذا اقترف أحدهم ذنبًا فأنكر عليه منكر، قالوا في المجرم إنه من أهل الحقيقة، فلا اعتراض عليه وفي المنكر إنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه. كأنهم يرون أن الله تعالى أنزل للناس دينين، وأنه يحاسبهم بوجهين، ويعاملهم معاملتين -حاشا لله- نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة، ومرادهم به أن في كلام الله ورسوله ما يعلو أفهام العامة، بما يشير إليه من دقائق الحكم والمعارف، التي لا يعرفها إلا الراسخون في العلم .. فهذا ما يسمونه علم الحقيقة لا سواه، وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها ... هكذا كان القوم: الصوفيون الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر، وبعد ما فسد التصوف وانقلب من حال إلى حال مناقضة لها، وضعف الفقه، فصار مناقشة لفظية في عبارات

стр. 756

كتب المتأخرين، اتفق المتفقهة الجامدون والمتصوفة الجاهلون، وأذعن أولئك إلى هؤلاء واعترفوا لهم بالسر والكرامة، وسلموا لهم بما يخالف الشرع والعقل، على أنه من علم الحقيقة. فصرت ترى العالم، الذي قرأ الكتاب والسنة والفقه يأخذ العهد من رجل أمي، ويرى أنه يوصله إلى الله تعالى! ! فإن كان كتاب الله وسنة رسوله ﵌، وما فهم الأئمة واستنبط الفقهاء منهما، كل ذلك لا يفيد معرفة الله تعالى المعبر عنها بالوصول إليه، فلماذا شرع الله هذا الدين والناس أغنياء عنه بأمثال هؤلاء الأميين وأشباه الأميين؟ ! (١). هكذا فهم الأستاذ الإمام التصوف، وهكذا أفاد منه وجمع بينه وبين مذهب السلف، فكان جامعًا بين خيرين ينطلقان من معين واحد. ٣ - مدرسة المعتزلة: لقد كان للمعتزلة أثر لا يُنكر في تاريخ الفكر الإسلامي بخاصة والإنساني بعامة، وفي نمو هذا الفكر كذلك. والمعتزلة هي الفرقة التي كانت نشأتها دينية لا تشوبها شوائب السياسة. ولقد ازدهرت فكرة الاعتزال بسبب تأييد بعض الخلفاء، وكان لهذا التأييد رد فعل سيء فيما بعد، ومن المرجح أن خصوم المعتزلة قد لعبوا دورًا غير يسير في تشويه آرائهم وأفكارهم، إلا أن مما لا مرية فيه، أن العقل كان الحكم الأول عند هؤلاء، وليس معنى هذا أنهم تنكروا للنص تنكرًا كليا وكان لهذا أثرٌ سيء على الدين، مع أن لهم مواقف دفاعية من الظلم أن ينكرها المنكرون، وإن كان من مأخذ فإنما هو تفخيم سلطة العقل، وتوسيع دائرة حكمه، حتى حافوا به على النص. وعلى كل حال فلقد حوصرت أفكار الاعتزال، وضيق عليها الخناق، حتى تلاشت أو كادت وبقيت كذلك إلى أن جاء الأستاذ الإمام، فانتزع سلالتها ليبثها في آرائه التفسيرية، واستل نزعتها ليقدمها إلى قرائه ومستمعيه آراء علمية بثوب جديد.

стр. 757

إن إقرارنا بأن الأستاذ الإمام قد تأثر بمدرسة المعتزلة، لا يعني أنه كان معتزليًا، ولا يعني كذلك أنه كان من أعيان مفسري المعتزلة، ولذا فليس من المقبول أن نعدّه من المعتزلة. إن تأثر الأستاذ بمدرسة الاعتزال يبدو في أكثر من مظهر، ويتضح في أكثر من وجه، وللتعرف على تلك المظاهر أورد الأمور التالية: أولًا: الصبغة العقلية في تفسيره وتركه بعض المأثور في كثير من المواضع. ثانيًا: تأثره في بعض مواضع التفسير بابن بحر (١). ثالثًا: مسألة السحر وما يتصل بها. أولًا: الصبغة العقلية: إن ما يقرره الأستاذ في كثير من المواضع، يلمح القارئ فيه تحكيم العقل، مع أن ذلك يبدو مخالفًا لما صح من المأثور، كما نرى ذلك واضحًا في تفسيره لسورة الفاتحة. حيث يقول: (وإني أرجح أنها أول ما نزل على الإطلاق، ولا أستثني قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾) ثم يعلل ذلك تعليلًا يبدو مقبولًا لأول وهلة من الوجهة العقلية، حيث يقول: (ومما يدل على ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون، سواءً كان كون إيجاد، أم كون تشريع، أن يظهر سبحانه الشيء مجملًا، ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجيًا. وما مثل الهدايات الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع أصولها، ثم تنمو بالتدريج حتى تبسق فروعها بعد أن تعظم دوحتها، ثم تجود عليك بثمرها. والفاتحة مشتملة

стр. 758

على مجمل ما في القرآن، وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها) (١). وهذا كلام -مخالف للروايات الصحيحة، من أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ [العلق: ١ - ٥] (٢)، وإذا صحت الرواية فلا ينبغي أن يُعدلَ عنها فإن فيه تحميل الفاتحة ما لا تحمل، وهذا ما يعترض به الأستاذ الإمام كثيرًا على غيره من المفسرين، ولكن الصبغة العقلية قد أخذت من الشيخ مأخذها في تحديد أول ما نزل. وفي السورة نفسها عند تفسير (المغضوب عليهم والضالين) يقول الأستاذ: (فالمغضوب عليهم، هم الذين خرجوا عن الحق بعد علمهم به، والذين بلغهم شرع الله تعالى ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه، انصرافًا عن الدليل ورضا بما ورثوه من القليل ووقوفًا عند التقليد وعكوفًا على هوى غير رشيد، وغضب الله عقوبته وانتقامه ... ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضًا، لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون منها إلى مطلوب، ولا يهتدون فيها إلى مرغوب، ولكن فرق بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم، وبين من لم يظهر له الحق، فهو تائه بين الطرق، لا يهتدي إلى الجادة الموصلة منها، وهم من لم تبلغهم الرسالة، أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين) (٣). أقول: إن حديث عدي بن حاتم الذي ورد فيه (أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالين هم النصارى) والذي أخرجه الترمذي في جامعه (٢٩٥٣) وأخرجه ابن حبان (٦٢٤٦) و (٧٢٠٦) وأخرجه أحمد (٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩) والطبراني (١٧/ ٢٣٧)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٣٩ - ٤١ - ٣٤١) وأخرجه الطيالسي (١٠٤٠).

стр. 759

ومعظم أسانيد هذا الحديث مروية من طريق سماك بن حرب. قال الترمذي بعد إيراده: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب، فإذا علمنا هذا وعلمنا أن سماكًا قال في شأنه ابن معين حينما سئل عنه: ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيره وهو ثقة، وكان الثوري يضعفه بعض الضعف، وقال النسائي: ليس به بأس وفي حديثه شيء، وقال صالح بن محمد: يُضَعَّف، وقال ابن خراش: في حديثه لين. وقال النسائي: كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن. ومن هنا أدركنا أن هذا الإسناد عليه إشكال لا يزيله تحسين بعض المحدثين له كما صنع ابن حجر -رحمه الله تعالى- اعتمادًا على الشواهد والمتابعات وذلك أن الشواهد التي تذكر ليست تفسيرًا للآية الكريمة والمتابعات لا تصح، وعلى فرض تجاوزنا وسكوتنا عن هذه الإشكالية، تبقى مسألة أخرى، وهي: هل بعض المرفوعات للنبي ﷺ في ذكره أن المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى تفسير للآية بحيث لا تقبل مخالفته، ومثل ذلك الآثار الموقوفة على الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن تابعهم من التابعين؟ في ظني أن الأمر فيه سعة، وليس بالصورة الضيقة التي يظنها بعض الناس من أن التفسير قد اقتصر على اليهود والنصارى، بحيث لا يتجاوزهم إلى من هو أسوأ منهم. وعلى أي حال فإن تفسير الشيخ ﵀ لا يخالف الآثار المروية في ذلك ولا يعد في هذا المثال متأثرًا بالعقل، وإنما ذكرناه ها هنا لندرك بيان الفرق فيما يكون فيه الشيخ متأثرًا بالصبغة العقلية وما لا يكون كذلك. وتظهر هذه النزعة العقلية أيضًا، عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] من سورة البروج. فلقد ضرب الإمام صفحًا عن كل الروايات التي وردت في تفسيرهما (١) -كما رأينا ذلك سابقًا- وكذلك عند تفسير قول الله تعالى:

стр. 760

﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، حيث فسر الفجر بأنه جنس لتنفس النهار الذي يطرد الليل. والليالي العشر بأنها الليالي التي يغالب ضوء القمر فيها الظلمة (١)، وهو تفسير عقلي، على أن بعض المفسرين السابقين ذكر ما هو قريب من هذا (٢). وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] يقول: إنها خير من ألف شهر، لأنه قد مضى على الأمم آلاف الشهور وهم يختبطون في ظلمات الضلال، فليلة يسطع فيها نور الهدى، خير من ألف شهر من شهورهم الأولى ... ) (٣). واختصارًا لما سبق أقول: نحن لا ننكر على الأستاذ تفسيره ما دام لم يرد فيه أثر ثابت عن رسول الله ﷺ ، فالتفسير العقلي تفسيران: تفسير خالف المأثور كما مثلنا له في أول ما نزل، وتفسير لم يخالف المأثور بحيث يلغيه وينحيه، بل يزيد في بيانه كما رأينا في تفسيره الليالي العشر، وعليه فالنوع الأول يرد ولا يقبل؛ لما تقرر في أصول التفسير من أن التفسير بالمأثور يقدم على غيره إذا كان صحيحًا، والنوع الثاني يقبل ما دام في حدود اللغة والسياق إذا كان فيه إغناء للمعنى. ثانيًا [*]: تأثره بأبي مسلم: إن تأثر الشيخ بأبي مسلم، وهو مفسر من مفسري المعتزلة، واضح المعالم في مواضع كثيرة. فعند تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، يقول: (والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره، أن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم. أي ما ننسخ من آية نقيمها دليلًا على نبوة نبي من الأنبياء، أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها، أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها، فإننا بما لنا من القدرة الكاملة

стр. 761

والتصرف في الملك، نأتي بخير منها، في قوة الإقناع وإثبات النبوة، أو مثلها في ذلك) (١) وهذا نفس ما ذهب إليه ابن بحر حيث عد الآية هي الرسالة، كما نقله عنه الرازي وغيره (٢). لكن من الإنصاف هنا أن نذكر أن الأستاذ لم يسر مع أبي مسلم في إنكاره النسخ بل إنه أثبته ولكن لا بهذه الآية، وإنما بآية أخرى وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ وهذا موطن غرابة كذلك. فإن آية النحل التي أثبت بها النسخ مكية باتفاق، ولم يكن نسخ حين ذلك. فسياق آية النحل يقضي بأن يكون المراد بها الرسالة، ويؤيد هذا ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢] وليس هذا موطن تفصيل هذا الموضوع، فمن أراده فلينظر في كتابنا (إتقان البرهان). وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]: يقول بأن المراد بـ (عقدت أيمانكم) عقد النكاح، وهذا ما ذهب إليه أبو مسلم ﵀ (٣). ثالثًا: مسألة السحر بعامة وسحر النبي ﵌ بخاصة: والسحر أحد الأمور الكثيرة التي احتدم فيها الجدل بين العلماء وبخاصة أهل السنة والمعتزلة. فبينما يقول أحدهم أن للسحر حقيقة ووجودًا يقول آخرون أنه لا حقيقة له، وإنما هي حيل وشعبذات وتمويهات. وكتب التفسير وكتب الكلام غنية بأدلَّة كل من الفريقين ورد كل فريق على الآخر. والذي يهمنا هنا هو أن نتعرف رأي الإمام في هذه المسألة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] يبين

стр. 762

معنى السحر ومادته اللغوية، ثم يقول ... (ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون، فيسمون العمل بها سحرًا، لخفاء سببه ولطف مأخذه. ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة. وقد قال المؤرخون: إن سحرة فرعون، قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي، بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى) (١). وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] يتكلم عن معنى النفث والعقد، ويبين أن المقصود بهذا إنما هم النمامون (ثم يتعرض لما قيل في سحر النبي عليه وآلة الصلاة والسلام فيقول: (ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه ﵇، حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا، وهو لا يفعله. ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئًا يقع، وهو لا يقع فيخيل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه. وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة، ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به. وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر. وقد جاء القرآن بصحة السحر. فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح، في نظر المقلد بدعة نعوذ بالله، يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه ﷺ . ويستمر في شرح هذه المسألة، فيبين أن القرآن مقطوع به، فلا ينبغي أن يعدل عنه، وأن الحديث على فرض صحته فهو آحاد، لا يؤخذ به في العقائد أولًا، وهو يفيد الظن ثانيًا).

стр. 763

وبعد ذلك يرى أن نفي السحر عنه ﷺ لا يستلزم نفي السحر عن غيره. ولكنه يعود فينفي السحر بقوله: (وماذا علينا لو فهمنا من السحر الذي يفرق بين المرء وزوجته، تلك الطرق الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته والزوجة عن زوجها ... وقد يكون ذكر المرء وزوجته من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد، أن يتمكنوا من التفريق بين المرء وزوجه وسياق الآية لا يأباه) (١). يقول صاحب الظلال بعد أن أورد أحاديث سحر النبي ﷺ : (ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ، ولا تستقيم مع الاعتقاد بأن كل فعل من أفعاله ﵌، وكل قول من أقواله سنة وشريعة، كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول ﷺ أنه مسحور، وتكذيب المشركين فيما كانوا يدعونه من هذا الإفك، ومن ثم تستبعد هذه الروايات، وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة، والمرجع هو القرآن، والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد، وهذه الروايات ليست من المتواتر، فضلًا على أن نزول هاتين السورتين في مكة هو الراجح مما يوهن أساس الروايات الأخرى) (٢). والذي أدين الله تعالى به هو أن السحر لا يمكن أن يكون له تأثير حقيقي في شخص سيدنا رسول الله ﷺ ، وإنما الروايات التي جاءت في هذا المقام يمكن الإفادة منها في تصوير مدى حقد وضيق اليهود على النبي ﷺ . وهل يبعد عن اليهود مثل هذا العمل وقد استطاع الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام، أن يفوت عليهم كل ما يبيتونه لهذا الدين ونبيه وأهله، من سوء

стр. 764

ومكر وخديعة وهم من هم في ذلك كله هل يبعُد عنهم أن يبذلوا كل ما يستطيعون لإيذاء النبي الكريم، إذ إن السحر حرفتهم. والخلاصة أن تأثر الأستاذ بالمعتزلة واضح المعالم، حتى لقد عَدّ بعض الفضلاء مدرسته امتدادًا لمدرسة المعتزلة، يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود ﵀: (وكل من نهج المنهج العقلي في الدين في العصر الحاضر، إنما هو تابع من أتباع المعتزلة، ولا مناص من الإقرار بأن مدرسة الشيخ محمد عبده، إنما هي مدرسة اعتزالية في مبادئها وأصولها، وهي مدرسة اعتزالية في غاياتها وأهدافها، ذلك أنها تضع قضايا الدين في ميزان عقلها، فتنفي وتثبت حسبما تقتضيه الأهواء والنزعات) (١) وأنا مع أستاذي الفاضل، لكن لا إلى الحد الذي ذهب إليه، ذلك أننا رأينا كيف تأثر الأستاذ بطريقة السلف، وتحكيم العقل يختلف عند أصحاب هذه المدرسة بين واحد وآخر، وكونه قد تأثر في بعض آرائه بمدرسة الاعتزال، لا يعني أنه كان معتزليًا، ولا يعني أن مدرسته كانت كذلك في غاياتها وأهدافها، وأنها كانت تفسر النصوص حسبما تقتضيه الأهواء والنزعات، بل إن من كبار رجال هذه المدرسة كما سنرى إن شاء الله تعالى، من وقف عند حدود النص، ضاربًا بآراء المعتزلة عرض الحائط في كثير من الأمور. ٤ - الحضارة الأوروبية: عاش الغرب تاريخًا طويلًا والكنيسة تسيطر على عقله وضميره وواقع حياته فالسلطان لها في الأخلاق والسياسة والعلم وجميع شؤون الحياة، ولم يكن من السهل أن ينشر عالم من العلماء آراءه ونظرياته إذا كانت تصطدم مع ما تقرره الكنيسة. فكم من عالم عُذِّب ونُكِّل به؛ لأنه أثبت خطأ بعض النظريات العلمية،

стр. 765

التي تبنتها الكنيسة على أنها كلمة السماء. فكان أمرًا لا بد منه أن يحصل الصراع بين العلماء والكنيسة، أو بين العلم والدين. وأخيرًا انتصر العلماء وانحسرت سلطة الكنيسة، اللهم إلا عند بعض الضمائر، وبدأت فتنة الناس بالعلم، فلا يؤمنون إلا بما تثبته تجارب العلم. وكان طبيعيًا أن يتأثر شرقنا الإسلامي بهذا المد الجارف. ولقد عاش الأستاذ الإمام ﵀ في هذه الحقبة الزمنية الخطيرة، التي انتثرت فيها نظريات داروين، التي تقول بتطور الأشياء كلها، لتستأصل فكرة الثبات التي كانت تتبناها الكنيسة، وقد كانت له أسفار ورحلات إلى أوروبا، التقى فيها بعض رجال الفكر والعلم، ولقد تأثر الأستاذ ببعض هؤلاء العلماء، وبعض تلك النظريات في الاجتماع (١) والتطور والدين، ولكن لا كما يتأثر غيره من الناس، الذين حلت هذه النظريات محل العقيدة في قلوبهم، وإنما أراد أن يوفق بينها وبين الدين، ولقد بدت آثار ذلك في تضييقه لنطاق الخوارق، وفي تفسيره بعض الغيبيات، وفي تقريراته عن أصل الإنسان وتطوره، وتأويله لبعض المعجزات وتفسيرها تفسيرًا علميًّا. وسأحاول أن أتتبع ذلك في نماذج من تفسيره. أ- تأويلاته في قصة آدم: لعل من أهم ما يلفت النظر في تفسير الإمام، ذلك المسلك الذي سلكه في تأويل هذه الآيات ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فعند ذكر الملائكة يقول: (وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال، من إنماء نبات وخلقة حيوان، وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة، بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات، لم يكن إلا بروح خاص، نفخه الله في

стр. 766

البذرة، فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي، سمي في لسان الشرع ملكًا. ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف سمى هذه المعاني القوى الطبيعية. فالحقيقة واحدة، والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودًا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب، يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، ولا يعلم إلا الله علام يختلف الناس. وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب، وقد اعترف بما غُيب عنه، لو قال أصدق بغيب أعرف أثره، وإن كنت لا أقدره قدره، فيتفق مع المؤمنين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي، ويحظى بما يحظى به المؤمنون. يشعر كل من فكر في نفسه، ووازن بين خواطره، عندما يهم بأمر فيه وجه للحق، أو الخير، ووجه للباطل أو الشر، بأن في نفسه تنازعًا، كان الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى. فهذا يورد وذلك يدفع وواحد يقول افعل، وآخر يقول لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرًا، لا يبعد أن يسميه الله ملكًا. فإذا صح الجري على هذا التفسير، فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن الله تعالى، لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوة الروحانية، التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصًا بنوع من أنواع المخلوقات، لا يتعداه ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإنسان، وأعطاه قوة يكون بها مستعدًا للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها في عمارة الأرض، وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود، الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير واستثنى من هذه القوى قوة واحدة، عبر عنها بإبليس، ولو أن نفسًا مالت إلى قبول هذا التأويل، لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق).

стр. 767

ثم يقول بعد ذلك في ثنايا تفسيره لقصة آدم: - (وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب -مذهب الخلف- هكذا: أن إخبار الملائكة .. هو عبارة عن تهيئة الأرض .. لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها. وسؤال الملائكة عن جعل الخليفة ... هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك. وتعليم آدم الأسماء كلها، بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها، وتنصلهم في الجواب، تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودًا لا يتعدى وظيفته. وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له، ينتفع بها في ترقية الكون، بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود، تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر، ويصح أن يراد بالجنة الراحة والنعيم ... وبآدام نوع الإنسان ... وبالشجرة معنى الشر والمخالفة ... وبسكنى الجنة والهبوط منها أمر التكوين ... والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية، التي قال فيها سبحانه ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، فأولها طور الطفولة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي، للتنبيه على الشمول، وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورًا وإناثًا هكذا، وأمرهما بالأكل حيث شاءا، عبارةٌ عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير. والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر. وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني، وهو طور التمييز، هما المراد بقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. ووسوسة الشيطان وإذلاله لهما عبارة عن تلك الروح الخبيثة، التي تلابس النفوس البشرية، فتقوى فيها داعية الشر. أي أن إلهام التقوى والخير، أقوى في فطرة الإنسان، أو

стр. 768

هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه، والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء، بالخروج عن الاعتدال الفطري. وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته، فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة، من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق، والتجاؤه إليه في الشدّة، وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إلى المخرج من الضيق والتفلت من شرك البلاء بعد ذلك الاعتبار والالتجاء ... فحاصل القوى أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة: طور الطفولة وهو طور نعيم وراحة. وطور التمييز الناقص، وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء، وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا، التي منها كل شيء، وإليها يرجع الأمر كله، فهكذا كان الإنسان في أفراده مثالًا للإنسان في مجموعه ... وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار وهو منتهى الكمال، وأعني به طور الدين الإلهي والوحي السماوي، الذي به كمال الهداية الإنسانية) (١). هذا ملخص ما ذكره الإمام في تفسير قصة آدم، ولقد شعر ﵀ بأن تفسيره هذا سيثير عليه كثيرين. فبدأ يدافع عن نفسه، كما دافع عنه صاحب المنار. ونقل مقالة كتبها الإمام بيده يبين فيها أنه لم ينكر وجود الملائكة، ولم يقل إنهم قوى غير عاقلة، وإنما قصد التقريب لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالدين. ثم ينعى في آخر كلمته على هؤلاء الذين ظنوا به سوءًا، وحملوا كلامه على غير محمله، وهو أعرف منهم بالله وأرسخ منهم إيمانًا. مناقشة هذا التأويل: هذا أسلوب في التهجم ما كنا نرضاه من الإمام ﵀. وأنا أحسن الظن به ولا أقول إنه ينكر وجود الملائكة، ولكن ليس معنى هذا أن يسلم له ما جاء به من هذا التأويل.

стр. 769

لقد أراد الإمام أن يقرب البعيدين عن الدين، ولكنه ﵀ نسي أنه بعمله هذا يقرب المتدينين من غيرهم كما قال الشيخ مصطفى صبري ﵀. ولقد قدم الإمام تنازلات كثيرة حينما فتح باب التأويل. هذه التنازلات رأينا لها أسوأ الأثر فيما بعد، وبخاصة عند هؤلاء الذين لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، بينما يعجبك قولهم في الحياة الدنيا. كنا نود من الإمام ﵀، أن يكتفي بما قاله السلف والخلف، في تفسير تلك الآيات. وألا يشتط فِي التأويل، وهو أعلم بسنن الله من كثير من الناس في مثل قول الله ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]. إن هذه الآيات التي أولها الإمام لا تحتمل هذا التأويل. وكما هي قطعية في ثبوتها فهي قطعية في دلالتها كذلك. نعم، إن قطعية الدلالة وإن لم تستفد من اللفظ نفسه، لكنها هنا تستفاد من أمر آخر وهو ذكرها في مواطن كثيرة. فلقد ذكرت هذه القصة في القرآن الكريم مرات كثيرة، ومثلها لفظ الملائكة. وقول الإمام بأن مجموع ما ورد في الملائكة فيه إيماء للخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، لا نرضاه منه ولا نسلمه له؛ ذلك أن عبارات القرآن غاية في الوضوح، بحيث يكون الخروج عن ظاهر معناها ذهابًا إلى الرمزية والإشارات الخفية التي يستنكرها أمثال الإمام. وإذا كانت أخبار الملائكة في القرآن يمكن أن يفهم منها ما هو أدق من عبارتها، فجائز أن يقال ذلك كذلك في آيات البعث ومعجزات الأنبياء وغير ذلك من الآيات! . وقوله بأن الذي لا يبالي بالتوقيف يسميها قوى طبيعية، وبأن الحقيقة واحدة وبأنه يحظى بما يحظى به المؤمنون قول خطير عجيب، وأعجب منه أن يصدر من الأستاذ الإمام. إن ألفاظ القرآن عربية واضحة محددة المفاهيم، وتعم الفوضى حينما تفقد

стр. 770

الألفاظ مفاهيمها ودلالتها، وهناك تفقد الحقيقة كل قيمة، وتعيش الإنسانية عيشة تعاسة وشقاء، كما رأينا عند السفسطائيين، لذا كان أول عمل قام به سقراط هو تحديد مفاهيم الألفاظ. والخروج عن تحديدها قد فتح الباب أمام الفرق الباطنية التي كان لها أسوأ الأثر في حياة المسلمين الفكرية والسياسية. وفي صحيح البخاري روي أن الرسول ﵌ قال: (قل ونبيك الذي أرسلت) (١). وهذه ليست أخطر مما نحن بصدده. وإذا أجزنا أن نسمي الملائكة قوى طبيعية فإن من الممكن أن يقول قائل (أنا لا أؤمن بأن الله هو الخالق كما تسمونه، وإنما أسميه الطبيعة، ولا أسمي رسولكم نبيًّا وإنما أسميه عبقريًا أو فيلسوفًا! ) وهذا باب إن فتح فلن تكون منه إلا معاول الهدم لهذا الدين. ويستحيل كذلك أن نسمي الخواطر الحسان ملائكة، والتمثيل الذي أورده الإمام في القصة، فضلًا على أنه يفتح أبواب التأويل للذين في قلوبهم مرض، وعلى رغم ما في الكثير منه من تكلف ظاهر، فإنه مخالف صراحة لكثير من النصوص. وعلى سبيل المثال: تمثيله سجود الملائكة لآدم ورفض إبليس بتسخير القوى الطبيعية وتحكم الإنسان فيها، مع أن سجود الملائكة قد ذكر كثيرًا في القرآن. وفي بعض الآيات تحديد لهوية إبليس بأنه من الجن، وهذه المحاورات الكثيرة في القرآن تنفي هذا التمثيل. وكون المقصود من آدم النوع البشري ومن الجنة الراحة والنعيم ينفيه مثل قول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]. لقد عد الكتاب والسنة الإيمان بالملائكة ركنًا من أركان الإيمان، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وفي مثل قول الرسول ﵌ ردًّا على سؤال

стр. 771

جبريل "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١). ولقد ورد في القرآن مثل قول الله ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٧] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٦]، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وفي السنة المطهرة عن تعاقب الملائكة بالليل والنهار (٢). والنصوص أكثر من أن تحصى وكلها لا تساعد، بل لا تسمح بأن يطلق على الملائكة معنى القوى الطبيعية. كما لا تسمح أن يحظى منكر الملائكة ولو للتسمية فقط، بما يحظى به المسلمون فضلًا على المؤمنين. ولقد كان جبريل ﵇ يتمثل أحيانًا بصفة إنسان، كما مر في الحديث السابق، وكان رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام يراه أحيانًا في صورته الحقيقية. ولا أود أن أسترسل فلقد كان تأويل الأستاذ بدعًا من التأويل، لما فيه من الخروج البين عن ظاهر الألفاظ من الآيات، بهذا المسلك، الذي ينم عن مدى تأثر الأستاذ بالحضارة الغربية التي لا تؤمن إلا بما هو في دائرة الحس، ومع مخالفتنا الشديدة للأستاذ الإمام، إلا أننا لا نرى سبيلًا أمامنا إلا إحسان الظن به، ولا نرضى الطعن فيه، وقد جاوز الدكتور فهد الرومي حدود المنطق والعقل حين قال: ماذا يريد الشيخ محمد عبده بهذا التأويل، وهذا المفهوم؟ هل يريد أن يؤكد لنا مرة أخرى تكذيبه للقرآن الكريم كما كذب قصصه بحملها على التمثيل لا على الحقيقة والواقع (٣). ثم يسترسل بكلام لا يليق بمقام الأستاذ الإمام ﵀ وهذا منزع لا نرضاه، فمن أراد أن يقوم آراء الآخرين، فلا يعتدي على حرمة دينهم ودائرة اعتقادهم.

стр. 772

ثم إنني على يقين أستند به إلى كل ما سطره الشيخ في كتبه بأنه يؤمن بوجود الملائكة كما يؤمن كل مسلم، لكن الذي أراده هنا -وكنا نود أن لا يكون- هو التمثيل: تمثيل ما ورد في الآيات الكريمات، فلا يجوز أن نفتئت على الشيخ وأن نتجاوز الحدّ، وما أعظمها كبيرة أن يقال: هل يريد الشيخ أن يكذب القرآن؟ ويعلم الله أننا نتمنى أن يكون عند الكثيرين ممن ينتسبون إلى العلم غيرة كغيرة الأستاذ الإمام على هذا الدين وكتابه، وعلى سنة النبي ﷺ ، وأن يكون لهم فهم يشبه فهمه لدين الله. ب- إحياء الموتى في تأويلات الإمام: ذكرت بعض الآيات إحياء بعض الموتى، كما ورد في سورة البقرة، وهذه مسألة خارقة للعادة. لذا رأينا الأستاذ قد أوَّلها تأويلًا يخرجها من نطاق الخوارق فقد قال عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] البعث هو كثرةُ النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها، وظن أنهم سينقرضون، بارك الله في نسلهم (١). وعند قوله تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] يقول: (والظاهر مما قدَّمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد، ولم يعرف قاتله، ليعرف الجاني من غيره. فمن غسل يده. وفعل ما رسم لذلك في الشريعة، بريء من الدم. ومن لم يفعل تثبت عليه الجناية. ومعنى إحياء الموت على هذا، حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك، بسبب الخلاف في قتل تلك النفس. أي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [االبقرة: ١٧٩] فالإحياء هنا بمعنى الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين (٢).

стр. 773

وهذا التأويل فضلًا على أنه خالف فيه جميع المفسرين، إلا أن مخالفتهم قد تحتمل أحيانًا. ولكن الأدهى من ذلك أنه مخالف لعبارة الآية وسياقها، فالعبارة والسياق يشيران إلى حادثة مخصوصة، حادثة قتيل اختلف الناس فيمن قتله، فهُرعوا إلى موسى ﵇، كي يخرجهم مما هم فيه من حيرة، بهدى الله وإرشاده، فكان بينهم وبينه ما كان من سؤال عن البقرة وصفاتها. وأخيرًا قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] وذبحوا البقرة، وأحيا الله بقدرته هذا القتيل، ومثل هذا الإحياء يحيى الله الموتى وكل تأويل للآية يصرفها عن ظاهر لفظها مردود تأباه اللغة إفرادًا وتركيبًا. وما استؤنس به مما جاء في التوراة لا ينهض دليلًا، حتى تصرف الآيات إلى غير ظاهرها. وما استدل به من الآيات على تأويل الإحياء غير مسلم به، ذلك لأن كل كلمة من الآيات يمكن أن يحدد سياقُها المعنى المقصود. والخلاصة أن مسلك الإمام في تأويل هذه الآية، مسلك وعر فيه خطر على كثير من معاني القرآن. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، يقول: (فمعنى موت أولئك القوم، هو أن العدو نكّل بهم، فأفنى قوتهم وأزال استقلال أمتهم، حتى صارت لا تعد أمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها. فأكل من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ... ومعنى حياتهم هو عودة الاستقلال إليهم (١). وهذا الذي قاله، وإن كان له أصل فيما نقله ابن كثير عن عطاء حيث نقل عنه أن هذا مَثَل، إلا أنه يعكس لنا بوضوح الأرضية التي يقف عليها، والقاعدة التي ينطلق منها في تفسيره ﵀. جـ- فكرة التطور في تفسير الشيخ: لا يشك أحد في أن فكرة التطور، كانت وليدة بعض النظريات كنظرية داروين.

стр. 774

ولقد جعل هؤلاء التطور في كل شيء، فالإنسان لم يخلق هكذا، وإنما تطور في مراحل عديدة، حتى غدا إنسانًا عاقلًا منتصب القامة، وسلوكه الاجتماعي قد تطور كذلك، ومن ثم فعقائده الدينية مرت بمراحل كثيرة، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. ومفسرنا ﵀ يظهر أنه استهوته فكرة التطور هذه، سواء أكان تطورًا في العقيدة أم في خلق الإنسان نفسه، فعبر عنها في مواضع كثيرة، فمثلًا ربط اختلاف رسالات الرسل وتعاقبها بتطور الإنسانية، فالإنسانية حسبما يرى حسية في زمن موسى، فكانت رسالة سيدنا موسى حسية. ثم تطورت من الحس إلى العاطفة، فكانت رسالة سيدنا عيسى عاطفية ثم تطورت من الحس والعاطفة إلى العقل، فكانت رسالة سيدنا محمد ﵌ عقلية. يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود: (ورأيي أن الإنسانية لم تتطور هذا التطور، وأن الإنسانية أينما سرنا، وعند أي فرد رأينا، وفي أي مجتمع شاهدنا، فإنما يتمثل فيها جوانب ثلاثة: الحس والعاطفة والعقل، ولكن فكرة التطور وأن الإنسانية متطورة، انتهت بأن أصبحت مسيطرة على الكثيرين، فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدت كثيرًا من القضايا (١). وأقول: إن المتدبر للقرآن يتبين أن أصول دعوة الأنبياء واحدة، كما تنطق بذلك كثير من الآيات، ويتبين أن شبهات المعاندين، ابتداء من قوم نوح ﵇، إلى المعاندين في عهده ﵌، تكاد تكون واحدة. مما يجعلنا نجزم بأنه لا وجود أبدًا لنظرية التطور في العقيدة، نعم قد يكون هناك اختلاف في الفروع يحتمله تعاقب الزمن، وإلا فكيف نفسر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦]. كذلك عند تفسيره لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ

стр. 775

وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. يقول: (وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء به نكرة فندعها على إبهامها. فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من البشر أبًا، كان ذلك غير وارد على كتابنا، كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من الشيء الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه) (١). ثم يذكر صاحب المنار أن للإمام رأيين في هذه المسألة: أحدهما أن ظاهر هذه الآية، يأبى أن يكون المراد بالنفس الواحدة آدم أي سواء كان هو الأب لجميع البشر أم لا، لما ذكره الإمام من معارضة المباحثِ العلمية والتاريخية له، ومن تنكير ما بثه منها ومن زوجها. وثانيهما: أنه ليس في القرآن نص أصولي قاطع على أن جميع البشر من ذرية آدم، والمراد بالبشر هنا هذا الحيوان الناطق البادي البشرة المنتصب القامة، الذي يطلق عليه لفظ الإنسان، وعلى هذا الرأي لا يرد على القرآن، وما يقوله بعض الباحثين، ومن اقتنع بقولهم، من أن للبشر عدة آباء، وترجع إليهم سلائل كل صنف منهم. وأقول إن أبوة آدم يكاد يكون مجمعًا عليها من قبل الناس جميعًا، والمسلمين بخاصة والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة، وكفيلة بدحض الشبهات التي ترد على هذه المسائل مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. والمراد بالناس هنا ليسوا قريشًا فقط، فإن دعوته ﵌ عامة كما نعلم وفي القرآن الكريم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وفي الحديث الصحيح أنه يوم يقف الناس لرب العالمين يذهبون إلى
следующие страницы →