جبريل "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١). ولقد ورد في القرآن مثل قول الله ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٧] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٦]، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وفي السنة المطهرة عن تعاقب الملائكة بالليل والنهار (٢). والنصوص أكثر من أن تحصى وكلها لا تساعد، بل لا تسمح بأن يطلق على الملائكة معنى القوى الطبيعية.
كما لا تسمح أن يحظى منكر الملائكة ولو للتسمية فقط، بما يحظى به المسلمون فضلًا على المؤمنين. ولقد كان جبريل ﵇ يتمثل أحيانًا بصفة إنسان، كما مر في الحديث السابق، وكان رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام يراه أحيانًا في صورته الحقيقية.
ولا أود أن أسترسل فلقد كان تأويل الأستاذ بدعًا من التأويل، لما فيه من الخروج البين عن ظاهر الألفاظ من الآيات، بهذا المسلك، الذي ينم عن مدى تأثر الأستاذ بالحضارة الغربية التي لا تؤمن إلا بما هو في دائرة الحس، ومع مخالفتنا الشديدة للأستاذ الإمام، إلا أننا لا نرى سبيلًا أمامنا إلا إحسان الظن به، ولا نرضى الطعن فيه، وقد جاوز الدكتور فهد الرومي حدود المنطق والعقل حين قال: ماذا يريد الشيخ محمد عبده بهذا التأويل، وهذا المفهوم؟ هل يريد أن يؤكد لنا مرة أخرى تكذيبه للقرآن الكريم كما كذب قصصه بحملها على التمثيل لا على الحقيقة والواقع (٣).
ثم يسترسل بكلام لا يليق بمقام الأستاذ الإمام ﵀ وهذا منزع لا نرضاه، فمن أراد أن يقوم آراء الآخرين، فلا يعتدي على حرمة دينهم ودائرة اعتقادهم.
стр. 772
ثم إنني على يقين أستند به إلى كل ما سطره الشيخ في كتبه بأنه يؤمن بوجود الملائكة كما يؤمن كل مسلم، لكن الذي أراده هنا -وكنا نود أن لا يكون- هو التمثيل: تمثيل ما ورد في الآيات الكريمات، فلا يجوز أن نفتئت على الشيخ وأن نتجاوز الحدّ، وما أعظمها كبيرة أن يقال: هل يريد الشيخ أن يكذب القرآن؟ ويعلم الله أننا نتمنى أن يكون عند الكثيرين ممن ينتسبون إلى العلم غيرة كغيرة الأستاذ الإمام على هذا الدين وكتابه، وعلى سنة النبي ﷺ ، وأن يكون لهم فهم يشبه فهمه لدين الله.
ب- إحياء الموتى في تأويلات الإمام:
ذكرت بعض الآيات إحياء بعض الموتى، كما ورد في سورة البقرة، وهذه مسألة خارقة للعادة. لذا رأينا الأستاذ قد أوَّلها تأويلًا يخرجها من نطاق الخوارق فقد قال عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] البعث هو كثرةُ النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها، وظن أنهم سينقرضون، بارك الله في نسلهم (١).
وعند قوله تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] يقول: (والظاهر مما قدَّمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد، ولم يعرف قاتله، ليعرف الجاني من غيره. فمن غسل يده. وفعل ما رسم لذلك في الشريعة، بريء من الدم. ومن لم يفعل تثبت عليه الجناية. ومعنى إحياء الموت على هذا، حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك، بسبب الخلاف في قتل تلك النفس. أي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [االبقرة: ١٧٩] فالإحياء هنا بمعنى الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين (٢).
стр. 773
وهذا التأويل فضلًا على أنه خالف فيه جميع المفسرين، إلا أن مخالفتهم قد تحتمل أحيانًا. ولكن الأدهى من ذلك أنه مخالف لعبارة الآية وسياقها، فالعبارة والسياق يشيران إلى حادثة مخصوصة، حادثة قتيل اختلف الناس فيمن قتله، فهُرعوا إلى موسى ﵇، كي يخرجهم مما هم فيه من حيرة، بهدى الله وإرشاده، فكان بينهم وبينه ما كان من سؤال عن البقرة وصفاتها. وأخيرًا قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] وذبحوا البقرة، وأحيا الله بقدرته هذا القتيل، ومثل هذا الإحياء يحيى الله الموتى وكل تأويل للآية يصرفها عن ظاهر لفظها مردود تأباه اللغة إفرادًا وتركيبًا. وما استؤنس به مما جاء في التوراة لا ينهض دليلًا، حتى تصرف الآيات إلى غير ظاهرها. وما استدل به من الآيات على تأويل الإحياء غير مسلم به، ذلك لأن كل كلمة من الآيات يمكن أن يحدد سياقُها المعنى المقصود. والخلاصة أن مسلك الإمام في تأويل هذه الآية، مسلك وعر فيه خطر على كثير من معاني القرآن.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، يقول: (فمعنى موت أولئك القوم، هو أن العدو نكّل بهم، فأفنى قوتهم وأزال استقلال أمتهم، حتى صارت لا تعد أمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها. فأكل من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ... ومعنى حياتهم هو عودة الاستقلال إليهم (١).
وهذا الذي قاله، وإن كان له أصل فيما نقله ابن كثير عن عطاء حيث نقل عنه أن هذا مَثَل، إلا أنه يعكس لنا بوضوح الأرضية التي يقف عليها، والقاعدة التي ينطلق منها في تفسيره ﵀.
جـ- فكرة التطور في تفسير الشيخ:
لا يشك أحد في أن فكرة التطور، كانت وليدة بعض النظريات كنظرية داروين.
стр. 774
ولقد جعل هؤلاء التطور في كل شيء، فالإنسان لم يخلق هكذا، وإنما تطور في مراحل عديدة، حتى غدا إنسانًا عاقلًا منتصب القامة، وسلوكه الاجتماعي قد تطور كذلك، ومن ثم فعقائده الدينية مرت بمراحل كثيرة، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.
ومفسرنا ﵀ يظهر أنه استهوته فكرة التطور هذه، سواء أكان تطورًا في العقيدة أم في خلق الإنسان نفسه، فعبر عنها في مواضع كثيرة، فمثلًا ربط اختلاف رسالات الرسل وتعاقبها بتطور الإنسانية، فالإنسانية حسبما يرى حسية في زمن موسى، فكانت رسالة سيدنا موسى حسية. ثم تطورت من الحس إلى العاطفة، فكانت رسالة سيدنا عيسى عاطفية ثم تطورت من الحس والعاطفة إلى العقل، فكانت رسالة سيدنا محمد ﵌ عقلية. يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود: (ورأيي أن الإنسانية لم تتطور هذا التطور، وأن الإنسانية أينما سرنا، وعند أي فرد رأينا، وفي أي مجتمع شاهدنا، فإنما يتمثل فيها جوانب ثلاثة: الحس والعاطفة والعقل، ولكن فكرة التطور وأن الإنسانية متطورة، انتهت بأن أصبحت مسيطرة على الكثيرين، فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدت كثيرًا من القضايا (١).
وأقول: إن المتدبر للقرآن يتبين أن أصول دعوة الأنبياء واحدة، كما تنطق بذلك كثير من الآيات، ويتبين أن شبهات المعاندين، ابتداء من قوم نوح ﵇، إلى المعاندين في عهده ﵌، تكاد تكون واحدة. مما يجعلنا نجزم بأنه لا وجود أبدًا لنظرية التطور في العقيدة، نعم قد يكون هناك اختلاف في الفروع يحتمله تعاقب الزمن، وإلا فكيف نفسر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦].
كذلك عند تفسيره لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
стр. 775
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. يقول: (وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء به نكرة فندعها على إبهامها. فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من البشر أبًا، كان ذلك غير وارد على كتابنا، كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من الشيء الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه) (١).
ثم يذكر صاحب المنار أن للإمام رأيين في هذه المسألة: أحدهما أن ظاهر هذه الآية، يأبى أن يكون المراد بالنفس الواحدة آدم أي سواء كان هو الأب لجميع البشر أم لا، لما ذكره الإمام من معارضة المباحثِ العلمية والتاريخية له، ومن تنكير ما بثه منها ومن زوجها.
وثانيهما: أنه ليس في القرآن نص أصولي قاطع على أن جميع البشر من ذرية آدم، والمراد بالبشر هنا هذا الحيوان الناطق البادي البشرة المنتصب القامة، الذي يطلق عليه لفظ الإنسان، وعلى هذا الرأي لا يرد على القرآن، وما يقوله بعض الباحثين، ومن اقتنع بقولهم، من أن للبشر عدة آباء، وترجع إليهم سلائل كل صنف منهم.
وأقول إن أبوة آدم يكاد يكون مجمعًا عليها من قبل الناس جميعًا، والمسلمين بخاصة والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة، وكفيلة بدحض الشبهات التي ترد على هذه المسائل مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣].
والمراد بالناس هنا ليسوا قريشًا فقط، فإن دعوته ﵌ عامة كما نعلم وفي القرآن الكريم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وفي الحديث الصحيح أنه يوم يقف الناس لرب العالمين يذهبون إلى
стр. 776
آدم، ويقولون أنت أبو البشر ... (١).
فهذه نصوص صريحة، في أن للبشر أبًا واحدًا، وأنه آدم ﵇، ولا يمكن أن يراد من الناس الذين أرسل إليهم النبي ﵌ في الآية الكريمة، ولا من البشر الذين يذهبون إلى آدم في الحديث، قريش أو فئة أخرى فقط. وإن ما يقوله الباحثون لا يعدو أن يكون ظنًّا وتخمينًا، ونظريات لا تصل إلى درجة القطع ولم تتعد حدود الظن. والمسلم ينبغي أن يقف من النص القرآني موقف حزم ويقين، دون التفات إلى تخرصات المتخرصين ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، فلا يجوز إذن أن يكون النص القرآني أسيرًا لمثل هذه النظريات الهزيلة، نقول: إن ثبتت هذه النظرية فلا تعارض القرآن، وإن ثبت عكسها كذلك، فإنها لا تعارض القرآن أيضًا، وهكذا نؤرجح النص القرآني، فيكون تحت رحمة هذه الأقوال والظنون، إن النص القرآني ينبغي أن يكون هو الأصل، وإن كل نظرية لا تنسجم معه يجب أن نردها غير مبالين ولا خائفين. ولكن أناسًا فتنوا بهذه الحضارة فجعلوها أصلًا يتحاكمون إليه وذلك لعمر الحق هزيمة في حق أنفسهم أخف منها هزيمة حزيران في القرن الماضي سنة ١٩٦٧ وما بعد حزيران وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
د- تأويله لبعض المعجزات وبعض ما خرج عن مألوف الناس:
إن بعض الناس عشاق لكل ما ليس بمألوف، تستهويهم الخوارق، حتى ولو كانت نسيج خرافة أو ناتج خيال. وعلى العكس من هؤلاء، أناس نفروا من ذلك كله، تارة بالإنكار وأخرى بالتأويل. والحد الوسط بين هؤلاء وأولئك، أن يرد كل ما لا يصح، وأن يقبل ما تثبت صحته، دون مخرج أو تأويل. والأستاذ الإمام ﵀ كان من هؤلاء الذين يريدون حصر هذه الخوارق وتضييق نطاقها. ونحن
стр. 777
إذ نوافقه في بعض ما ذهب إليه كإنكاره أن يكون الرزق الذي وجده زكريا عند مريم ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف أو الصيف في الشتاء، نحن معه في هذا، لأنه ليس عندنا نص صحيح فيه من كتاب أو سنّة، ولكننا لا نتفق معه فيما ذهب إليه من تأويل نصوص لا يُمارى فيها وسأذكر هنا بعض الأمثلة:
١ - خلق عيسى ﵇ ومعجزاته:
يقول في تفسيره لقول الله : ﴿قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧]، ونحن معاشر المؤمين نقول: إن تلك الأشياء المعبر عنها بالفلتات، إما أن يكون لها سبب خفي، وحينئذ يجب أن تهدي هؤلاء الجاحدين إلى أن بعض الأشياء يجوز أن يأتي من غير طريق الأسباب المعروفة، فلا ينكروا كل ما يخالفها، لاحتمال أن يكون له سبب خفي لم يقفوا عليه، لا ينزل أمر عيسى في الحمل به من غير واسطة أب عن ذلك، وإما أن تكون قد وجدت في الواقع ونفس الأمر خارقة لنظام الأسباب. ونحن نرى علماء الغرب وفلاسفته، متفقين على إمكان التولد الذاتي، أي تولد الحيوان من غير حيوان أو في الجماد، وهم يبحثون ويحاولون أن يصلوا إلى ذلك بتجاربهم وإذا كان تولد الحيوان من الجماد جائزًا فتولد الحيوان من حيوان واحد أولى بالجواز، وأقرب إلى الحصول، نعم إنه خلاف الأصول، وإن كونه جائزًا لا يقتضي وقوعه بالفعل، ونحن نستدل على وقوعه بالفعل، بخبر الوحي الذي قام الدليل على صدقه.
ويمكن تقريب هذه الآية الإلهية من السنن المعروفة في نظام الكائنات بوجهين:
- الأول: أن الاعتقاد القوي الذي يستولي على القلب، ويستحوذ على المجموع العصبي يحدث في عالم المادة من الآثار، ما يكون خلاف المعتاد. فكم من سليم اعتقد أنه مصاب بمرض كذا، وليس في بدنه شيء من جراثيم هذا المرض، فولد له اعتقاده الجراثيم الحية، وصار مريضًا، وكم من امرئ سقي الماء القراح أو نحوه، فشربه معتقدًا أنه سم ناقع فمات مسمومًا به. والحوادث
стр. 778
في هذا الباب كثيرة، أثبتتها التجارب، وإذا اعتبرنا بها في أمر ولادة المسيح نقول إن مريم لما بشرت بأن الله تعالى سيهب لها ولدًا بمحض قدرته، وهي ما هي عليه من صحة الإيمان وقوة اليقين، انفعل مزاجها بهذا الاعتقاد انفعالًا، فعل في الرحم فعل التلقيح، كما يفعل الاعتقاد القوي في مزاج السليم فيمرض أو يموت، وفي مزاج المريض فيبرأ. وكان نفخ الروح الذي ورد في سورة أخرى متممًا لهذا التأثير.
- الثاني: وهو أقرب إلى الحق وإن كان أخفى وأدق:
ويقدم لهذا الوجه مقدمة ملخصها أن المخلوقات قسمان: أجسام كثيفة وأرواح لطيفة، وأن اللطيفة تؤثر في الكثيفة. ويمثل للطيفة بالريح والكهرباء والماء، وهذه أرواح تفعل الأعاجيب، مع أنها غير مدركة ولا مريدة فكيف بالأرواح العاقلة المريدة. فلا شك أنها أعظم أثرًا، ثم يقول: (إن الله المسخّر للأرواح المنبثقة في الكائنات، قد أرسل روحًا من عنده إلى مريم فتمثل لها بشرًا، ونفخ فيها فأحدثت النفخة التلقيح في رحمها، فحملت بعيسى ﵇، وهل حملت إليها تلك النفخة مادة أم لا؟ الله أعلم) (١).
ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
(نقف عند لفظة الآية، وغاية ما يفهم منها أن الله تعالى، جعل فيه هذا السر، ولكن لم يقل إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع. وقد جرت سنّة الله تعالى، أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء، عند طلب قومهم لها، وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك فقد جاء به. وكذلك يقال في قوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. فإن قصارى ما تدل عليه العبارة، أنه
стр. 779
خصّ بذلك وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي ﵌ بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم. وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل، فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك) (١).
وأول ما يلفت النظر في أقوال الأستاذ ﵀، قوله بأن علماء الغرب يحاولون التوليد الذاتي. فلقد كان يحسن الظن بنظرياتهم، ولعل له عذره في ذلك (٢)، أما ما لا يعذر فيه، فهو محاولته تفسير ولادة عيسى تفسيرًا علميًّا، وإخضاع هذه المعجزة لمقياس العقل ومنطق الحس، وكان في غنى عن ذلك كله، فلقد كان مولد عيسى صفعة للمادية والماديين. ومريم ﵍ نفسها، قد أبدت العجب والدهشة من مثل هذا الأمر، لولا أن قيل لها: ﴿قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، إذا كان الأمر كذلك فلم نجهد أنفسنا في هذه التأويلات التي لا طائل تحتها، والتي لا تثبت أمام العلم الذي أردنا أن نستند إليه في مثل هذه الأمور؟ وكان حريًا بالأستاذ أن يقف عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠]. ولا داعي لهذين الوجهين في تأويل الآية، وكان من الخير له أن يكتفي بوجه واحد، وهو أن خلق عيسى معجزة.
بقي هنا أن يقال: هل خرجت إلى حيز الوجود تلك المعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇؟ ولقد كنت أوثر عدم الخوض في هذه المسألة، لأنها لا يندرج تحتها فائدة ما، ولكن مفسرنا ﵀، مع أن من منهجه عدم الخوض في مثل هذه الأمور، خرج هنا عما رسم لنفسه، وقرر أنه ليس هناك نص يفيد حدوث هذه المعجزات بالفعل، مع أن مجرد ذكر هذه المعجزات في أكثر من موضع، دليل
стр. 780
على حُدوثها فعلًا والناس دائمًا عشاق لما هو غير مألوف لهم. فحينما يقول عيسى ﵇ أنا أفعل كذا وكذا من هذه الأمور الغريبة، أيعقل ألا يطلبوا منه ذلك؟ وهذا موسى ﵇ حينما قال لفرعون، وهو من هو في عتوه واستكباره، ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] فيقول فرعون دون تمهل أو تريث ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وأما قول الإمام ﵀ بأن المعجزات تجري على أيدي الأنبياء، حينما يطلبها منهم أقوامهم فهذا صحيح. ولا يمنع هذا من أن هناك معجزات للأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يطلبها أحد من أقوامهم. ومع أنه لا يفيده في مدعاه، فإن تحديد نوع المعجزة، إنما يكون حسب مشئية الله وحكمته، فليس فرعون الذي حدد المعجزة لموسى ﵊، وكذلك يقال في معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٢ - الاعتقاد بنزول عيسى بن مريم ﵉:
يذكر عند تفسير قول الله : ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]. أن للعلماء طريقتين في تفسيرها: إحداهما وهي المشهورة، أنه رفع حيا بجسمه وروحه، ثم ينزل في آخر الزمان، ويردها، ويذكر الطريقة الثانية دونما رد كأنما هي رأيه. يقول:
(والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر، وهو الإماتة العادية وأن الرفع يكون بعده، وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه، فإن الروح هي حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير، والإنسان إنسان لأن روحه هي هي، ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان: أحدها أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي؛ لأن المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث
стр. 781
متواتر. وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه على الأرض، بغلبة روحه وسر رسالته على الناس، وهو ما غلب في تعاليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم، والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها وما شرعت لأجله. وكل ذلك مطوي في القرآن الذي حجبوا عنه بالتقليد، الذي هو آفة الحق، وعدو الدين في كل زمان، فزمان عيسى على هذا التأويل، هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية، لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر) (١).
وسئل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له فقال: (إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح، التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها) (٢).
وهذا مسلك خطر جدًّا، فالأحاديث في نزول سيدنا عيسى ﵇ والدجال، أحاديث صحيحة صريحة، وليست من الآحاد في شيء، ثم دعوى أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في شؤون العقائد دعوى للعلماء فيها خلاف، فمحور الأمر كله يدور على صحة الحديث. وأخطر من هذا المسلك مسلك التأويل لهذه الأحاديث. وهذا قريب من تأويل الباطنية وما كان ينبغي له أن يخوض مثل هذا الخوض. وإذا فتح باب التأويل على هذا المنوال، فإن جميع النصوص سيلحق بها هذا الظن، وللناس مشارب مختلفة، فمن يمنع كل واحد إذن أن يؤول كل ما لم يقتنع به، أو ما له هوى في تأويله من أجل أن يوافق مذهبه وهواه؟ ؟ .
٣ - تأويله لحادثة الفيل:
يقول في تفسيره لسورة الفيل:
(وفي اليوم الثاني، نشأ في جند الحبشة داء الجدري والحصبة. وقد فعل ذلك
стр. 782
الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط. فذعر الجيش وصاحبه، وولوا هاربين، وأصيب الحبشي ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة، وأنملة أنملة حتى انصدع صدره ومات في صنعاء، هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به، وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة، نشأت من حجارة يابسة، سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح. فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض، أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض -وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد، دخل مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه. وأن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر. وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب، لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يُحصي عدَدها إلا بارئُها .. وهذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله، إلا بتأويل إن صحت رواياته) (١).
ولا أدري بم يفسر الأستاذ ﵀ الحجارة، التي أرسلها الله على قوم لوط وما هو نوع الميكروب الذي كانت تحمله، ومثل ذلك ريح عاد وصيحة ثمود؟ .
والحق أن مذهب الأستاذ ومسلكه في تضييق نطاق الخوارق، وتأثره بالفلسفات المادية، وافتتانه بمعطيات الحضارة الغربية، التي تفسر كل شيء تفسيرًا ماديًا حتى التاريخ، كل ذلك واضح من خلال مواضع كثيرة في تفسيره، وبخاصة تفسير هذه السورة. إن الميكروبات حينما تظهر، لا تفرق بين عربي وحبشي، فإذا ابتلي بها قوم دون آخرين فذلك لا شك شأن إلهي، وإن لم تدركه عقولنا، فحري بنا إذن أن نبقي مثل هذه الشؤون الإلهية الخاصة كما جاء بها الشرع، وألا نحاول أن نخضعها
стр. 783
للقوانين المادية؛ ذلك لأن هذا التفسير إن كان يخدمنا من جهة، فإنه أكثر هدمًا من جهات أخرى.
وكلما أمعنَّا في الانحياز إلى جانب المادة في تفسير النصوص، فإننا بذلك نزيد أعداءنا تمكينًا في انقضاضهم على عقائدنا، فنحن حينما نريد أن نثبتها بالعلم، وقد مكن لهم فيه أكثر منا، يكون نفيهم لها أشد.
تلكم بعض نماذج من تفسير الأستاذ، رأينا عليها مسحة الحضارة الغربية، وصبغة التأويل واضحة جلية. مما يؤكد ما ذهبت إليه من قبل.
تاسعًا: تقويم التفسير:
لقد كان الأستاذ رائد الفكر في هذا العصر، ولقد كانت مدرسته في التفسير مَنْهَلًا لا لأتباعه فقط، بل لجميع المدارس التي جاءت من بعده، ولا عجب في ذلك، فشخصيته ومركزه وثقافته تخوله كل ذلك، ولا يقلل من شأن تفسيره تلك المؤثرات التي تأثر بها، فهذه طبيعة الإنسان بل طبيعة تفكير يكمل بعضه بعضًا، ولقد استطاع الأستاذ ﵀ أن يخترق هذه الأسوار التقليدية، التي كانت تحول بين كثير من المسلمين وبين فهم القرآن وكيفية الاستفادة منه.
وإذا كان قد بدأ في تفسيره معتدلًا في تأثره بمدرستي الصوفية والسلفية، فإنه كان مبالغًا في تأثره بالمعتزلة كما رأينا. ولكنه كان مغاليًا متطرفًا في تأثره بالحضارة الغربية وفلسفتها. ولقد كانت سيئات هذا التأثر أكبر من حسناته فيما بعد.
ونحن إذ نقدر هذا التفسير، وندعو الله لصاحبه بالرحمة والمغفرة، فإنني كنت أود أن لا ينساق وراء روايات ضعيفة، وإنكار روايات صحيحة أو تأويلها، وألا يخرج بالعقل عن نطاق دائرته، الأمر الذي لقي من المستشرقين استحسانًا بل إعجابًا، وكان له في نفوسهم صدى عميق الأثر، وقد عدوه القوة الوحيدة التي يمكن أن تخترق جدار المحافظين المسلمين. وقد وضح (جب) المستشرق
стр. 784
الإنجليزي وأحد مستشاري وزارة الخارجية حقيقة الدور الذي تلعبه مدرسة محمد عبده إذ يقول: (إن في كل البلاد الإسلامية حركات معينة، تختلف قوة واتساعًا، ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها، وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشعبها نحو تحقيق هذا الهدف) (١) ويثني على الشيخ محمد عبده وتلاميذه، الذين يمتزجون بالصفوف الأوروبية) (٢).
ونحن أكثر منه ثناء وأشد منه حبًا، لا من أجل ما قصده (جب) ولكن من أجل ما قصده الشيخ نفسه، فلقد كان ﵀ ذا قصد نبيل، يظهر في محاولته تيسير فهم القرآن من أجل أن يحكمه المسلمون في شؤون حياتهم كلها، ولكن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.
وسيبقى الأستاذ حيًّا في مدرسته في التفسير، التي لا زالت تمد المسلمين بغذاء فكري ومنهج قويم في فهم القرآن، لولا بعض الهفوات، وحبذا لو جمع تفسيره على حدة، ليسهل على الدارسين مطالعته.
ولقد تتلمذ في مدرسة الأستاذ، أعلام من رجال العلم في حياته، وبعد وفاته، وإن اختلفوا فيما بينهم قوة وضعفًا ومنهجًا وأسلوبًا، إلا أنهم يشدهم أصل واحد، هو ارتباطهم بهذه المدرسة، ومن الإنصاف أن نقرر هنا أن تقديرهم للشيخ، لم يصل بهم إلى درجة التعصب لآرائه، فكثيرًا ما يخالفونه ويستدركون عليه، وعليه فلقد بقيت شخصيتهم العلمية، دون أن تذوب أو تتلاشى. ولعل ذلك يرجع إلى روح البحث العلمي من جهة، وإلى نفس الشيخ ومسلكه من جهة أخرى. فكم من مبتلين بآفة التبعية والتقليد، يدافعون عن كل باطل ممن اتبعوه، وهو يزين لهم ذلك ويحببه.
ويحسن بنا هنا أن ننبه على أمر، ألا وهو أن بعض الباحثين، قد قوم هذه
стр. 785
المدرسة برجالاتها المختلفين تقويمًا واحدًا، فهو يعد رجال هذه المدرسة متفقين في كل صغيرة وكبيرة.
وهذا ضرب من التحكم لا نرتضيه، فقد جمع هذه المدرسةَ أصولٌ وجذور انتموا إليها، وعلى أساسها انطلقوا مثل الاتجاه الهدائي والاجتماعي، وترك التقليد، لكنهم قد اختلفوا في أصول وفروع أخرى، فعلى سبيل المثال قد عدّ الدكتور فهد الرومي محمد فريد وجدي من هذه المدرسة، ثم نقل رأيه في مسألة القضاء والقدر، وأنه يقول بالجبر، وبعد هذا نقل رأي أرباب هذه المدرسة القائلين بالاختيار، ونسب إليهم التناقض والاضطراب (١).
وهذا كلام مضطرب ومتناقض، وإلا فيلزمنا عليه أن ننسب التناقض والاضطرات إلى مدرسة الحنفية التي تعددت الآراء فيها حتى أصبحت مذاهب وفهومًا متعددة، وأهل مدرسة الرأي وغيرها من المدارس الفقهية والكلامية وإلى المدرسة السلفية كذلك.
من أجل هذا آثرت أن يكون حديثي عن رجالات هذه المدرسة منفصلًا غير متداخل كما صنع الرومي، فألزمهم التناقض والمروق من الدين والفساد الفكري حتى كاد يخرجهم من ربقة الإسلام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالحديث عن هؤلاء الأعلام كل على حدة يعطينا تصورًا عن شخصية كل واحد منهم، ومدى عمقها وتأثيرها، وتأثرها وإنتاجها من الشخصيات الأخرى، وهذا أقرب للعدل والإنصاف العلمي من الطريقة الأخرى، وكنا نود أن يكون الدكتور فهد بعيدًا عن هذا الغلو الذي سلكه في كتابه.
وسأحاول إن شاء الله أن أتتبع رجال هذه المدرسة، ومناهجهم في التفسير واحدًا واحدًا، وإن من أبرز هؤلاء وألصقهم بالأستاذ، وهو الذي حفظ لنا تراثه وأول من ناداه بالإمام، السيد محمد رشيد رضا.
стр. 786
٢ - صاحب المنار - محمد رشيد رضا
هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني البغدادي الأصل والحسيني النسب (١). ولد سنة ١٢٨٢ هـ (١٨٦٥ م) في القلمون على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي تبعد عن طرابلس الشام زهاء ثلاثة أميال، وهو من أسرة كريمة اشتهرت علمًا وصلاحًا ونسبًا. وخير ما يعطينا صورة عن شخصيته وحياته، تلك الترجمة التي كتبها بقلمه عن نفسه في كتابه (المنار والأزهر) عام ١٣٥٣ هـ -١٩٣٤ م، أي في آخر سني حياته، وقد نقل هذه الترجمة كاملة، أمير البيان شكيب أرسلان ﵀ في كتابه (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة).
نشأ قليل الرغبة في اللعب، شديد الحياء، وقد نفعه حياؤه من ناحية الأدب وصيانة العرض واللسان، فلم ينطق بشيء من كلام المجون والفحش، ولم يجهر بقراءة شيء مما في الكتب منه، ولم يسمح لأحد أن يتكلم معه بشيء، مما يتسامح به الأدباء من ذلك، وإلى جانب ذلك كله كان نادر الذكاء، وقد وصف نفسه بالذكاء، وأبرز جوانبه سرعة الفهم والقدرة على التعبير عما يفهمه، وقوة الاستحضار لما يقرأ أو يسمع، إلا أنه ضعيف الاستعداد للحفظ ولا سيما للجزئيات كالأعلام والأرقام والحوادث الجزئية التي لا تضبطها قاعدة كلية أو، غرض عام، ويُعنى من التاريخ بفلسفة الحوادث وأسبابها ونتائجها العامة دون التفاصيل الجزئية لأحداثه.
أقول: إن مثل هذه الشخصية التي اهتمت بكليات الأمور وأحداثها العامة، هي التي يمكن أن تقدم للأمة الخير، وتنتفع الأمة بجهودها، وهي التي تقدم الجديد والخير للناس، على العكس من ذلك، تلك الشخصية التي تمكنت من دقائق
стр. 787
الأمور وصغائرها حتى غدت الغاية في حياتها، فتناست هموم الأمة فتناساها الناس. وإذا نظرنا نظرة فاحصة في التاريخ، وجدنا العظماء من أمثال الشافعي وأبي حنيفة مرورًا بالغزالي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية إلى عصر المنار هم الذين يتوارثون ويورثون الخير النافع للناس.
نشأته العلمية:
تعلم مبادئ القراءة في بلده، ثم دخل المدرسة الرشيدية في طرابلس حيث تلقى مبادئ العلوم الشرعية والعقلية واللغوية، ثم دخل المدرسة الوطنية عام (١٣٠٠ هـ ١٨٨٣ م) وكان فيها نخبة من العلماء، وكانت الغاية من تلك المدرسة الجمع بين العلوم الدينية والعلوم العصرية، وكان الذي يديرها ويشرف عليها، عالمًا شهيرًا، هو الشيخ حسين الجسر، صاحب الرسالة الحميدية، وقد تلقى عنه السيد رشيد العلوم العربية والشرعية والعقلية، كما تلقى فقه الشافعية والحديث على الشيخ محمود نشابة، وهو من تلاميذ الشيخ الباجوري - رحمهما الله - ودرس على الشيخ عبد الغني الرافعي ﵀ قليلًا من (نيل الأوطار) للشوكاني، واستفاد كثيرًا من معاشرته في العلم والأدب والتصوف كما درس بعض علوم الحديث على الشيخ الصالح محمد القاوقجي.
هؤلاء هم بعض أشياخ رشيد، توسموا فيه جميعًا اليقظة الفكرية وقوة العارضة في الحديث، فكانت عنايتهم به خاصة، حتى إن الشيخ الجسر كان يقول لبعض المدرسين الذين كان يجلس إليهم رشيد في بعض الأحيان، يستمع منهم ويناقشهم: (دعوا هذا، إنه لا يقدر أحد أن يقرأ له غيري) ولقد قال له يومًا في أثناء شرح الدرس (لا تسألني في الدرس عن شيء، فإن كل ما أعرفه أقوله، ولا يبقى عندي غيره).
ومما يدلنا على قوة شخصيته، أن الشيخ الجسر خصه دون زملائه الطلاب، فأهداه كتاب (الرسالة الحميدية) ثم سأله رأيه فيه، فأجاب: إن الحاجة إليها
стр. 788
لشديدة، ولم يسبق مولانا أحد إلى مثلها في الدفاع عن الإسلام، ولكن لي عليها أنكم توردون المسألة القطعية في العلم، ككروية الأرض ودورانها بعبارة فرضية تدل على شككم فيها، قال الشيخ الجسر: أنت تعلم تعصب الجاهلين بهذه العلوم في بلادنا، فلا نترك لهم مجالًا للقيل والقال. فقال السيد رشيد: إذا كان مثلكم في ثقة الأمة بدينه وعلمه لا يجرؤ على التصريح بالحقائق فممن نرجو ذلك؟ وكنت أود لو جعلتم لكل مسألة أو موضوع في الرسالة عنوانًا، فهي كمقالة واحدة لا أبواب فيها ولا فصول، ولا عناوين تسهل المطالعة والمراجعة، قال الشيخ: هذا كما قيل في الكلام المنسجم إنه كالماء الجاري، وإنه آخذ بعضه برقاب بعض. فقال رشيد: إذن لماذا جعل الله القرآن سورًا مفصلة منفصلة، ولم يجعله جملة واحدة؟ ).
ولقد استطاع رشيد أن يلم بمسائل العلوم المختلفة، وأن يكون له فيها قدم راسخة، ففي العلوم العقلية، يقرأ كثيرًا من كتب الكلام، كما يقرأ في علوم المنطق شرح القطب على (الرسالة الشمسية)، وهو في هذا الفن شيء يذكر، وقرأ من كتب الغزالي في هذا المجال كتابي (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) و (محك النظر) في المنطق. وفي العلوم النقلية لا يكتفي بالوقوف عند ظاهر الأحاديث مثلًا، بل نراه يمحص أسانيدها، والذي فتح له الباب - كما يقول - شرح الإحياء للزبيدي ﵀ ولهذا كان أول من استحضر كتاب (ميزان الاعتدال) من الهند إلى طرابلس. ولقد ظهر أثر تلك الثقافة الواسعة في تفسيره فيما بعد.
عبادته وتصوفه:
نشأ في حجر العبادة، فألفها وجدانه، ونشطت فيها أعضاؤه من الصغر فخفت عليه في الكبر، وكان من سن المراهقة، يذهب إلى المسجد في السحر ولا يعود إلا بعد ارتفاع الشمس. وقد اتخذ لنفسه حجرة خاصة في المسجد للعبادة والمطالعة. يقول: (كانت تلذ لي صلاة التهجد تحت الأشجار في بساتيننا الخالية
стр. 789
وأفكر في صدق من قال (أهل الليل في ليلهم أنعم من أهل اللهو في لهوهم)، وقول آخر: (لو يعلم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف). (نعم إن للبكاء من خشية الله، وتدبر كتابه في صلاة الليل، حيث يعلم المصلي أنه لا يسمع صوته أحد إلا الله، لذة روحية تعلو كل لذات الضحك واللهو على اختلاف أسبابها ... وكنت أقرأ ورد السحر ... وكنت إذا بلغت قوله في الجيمية:
ودموع العين تسابقني ... من خوفك تجري كاللجج
ولم يكن حضرني البكاء، أسكت فلا أقرأ البيت حياء من الله تعالى أن أكذب عليه ولما اشتغلت بالسنّة، وعلمت أن قراءة هذا الورد وأمثاله من البدع ... تركت قراءته، واستبدلت بها قراءة القرآن. وكنت أواظب على قراءة دلائل الخيرات ... ثم تركتها بعد اشتغالي بكتب السنّة، كما تركت ورد السحر، واستبدلت وردًا آخر في الصلاة على النبي ﷺ ، ليس فيه شبهة بدعة من توقيت وجهر، وصيغ منكرة ومضاهاة للشعائر الموهمة للمأثور عن الشارع).
وقد حبب إليه التصوف كتاب الإحياء، الذي درسه عدة مرات، وكان يقرأ للناس فكان له أثر كبير في دينه وخلقه وعلمه وعمله. يقول الشيخ في بيان هذا الأثر:
(وللإمام الغزالي قدس الله روحه فضل عليّ في هذا، فإنه كان قد علق بنفسي من كلامه في شرح عجائب القلب، ما ضربه من المثل للفرق بين العلم الذي يصل إلى القلب أو النفس عن طريق الحواس، والعلم الذي يتفجر منه بتطهيره من الصفات المذمومة والأفكار الرديئة، حتى يكون كالمرآة الصقيلة بأن مثل الأول كالماء الذي يجري من السواقي المحفورة إلى حفرة أو بئر يجتمع فيه مع ما يحمله في طريقه من الغثاء والوحل، ومثل الثاني كماء الينبوع الدي يتفجر من الصخر النظيف. فقد كنت أتحرى أن يكلون قلبي طاهرًا ونفسي زكية لأكون مستعدًا للعلم الإلهامي). وقد درس كثيرًا من كعب المتصوفة، كما حفظ بعض قصائدهم، وقد
стр. 790
طلب من الشيخ الصالح أبي المحاسن القاوقجي أن يسلكه الطريق على أسس من الرياضة الروحية والمجاهدة لأنه لا يريد الاكتفاء بقراءة الأوراد وحضور اجتماع ذكرها. فأجابه الشيخ: (إنني لست أهلًا لما تطلب، فهذا بساط قد طوي وانقرض أهله). ثم سلك طريق السادة النقشبندية، وحافظ على أورادها.
ولم يكن الشيخ في تصوفه انعزاليًا عن الناس، بل أفاده التصوف الجرأة، فهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبدو أن الشيخ قد وهبه الله منذ نشأته، حرية في التفكير، وحبًّا للبحث عن الحق، وصلابة في الدفاع عن رأيه، فلقد تأثر بكتب السنّة كثيرًا، حتى إنه ليرد على كثير من البدع، التي كانت منتشرة في ذلك الوقت. كما تأثر بقراءة كتاب (الزواجر) لابن حجر الهيتمي ﵀، فحارب بدع البناء على القبور وتعظيمها، وله في ذلك حوادث شهيرة. كل ذلك في حداثة سنه، وهو لم يطلع بعد على كتب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى. بل كان لا يرتاح لهما، لأنه كان متأثرًا بما كتب ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية، وبقي كذلك إلى أن قرأ كتابًا في طرابلس للشهاب الألوسي وهو (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين) فتطلعت نفسه لدراسة كتبهما.
على أن السيد محمد رشيد، لم يقصر كل همه على القول من تعليم للناس ومحاربة للبدع، بل إنه شارك قلمه لسانه، فكانت له رسائل وقصائد وأهمها (المقصورة الرشيدية) التي عارض فيها مقصورة ابن دريد، وهي تزيد على أربعمائة بيت، وقد أُعجبَ بها بعض فحول الشعراء، كالبارودي وحافظ إبراهيم رحمهما الله، كما ألف كتاب (الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية)، وقد ردّ فيه على الشيخ أبي الهدى الصيادي، كما ذكر فيه كثيرًا من المسائل العلمية. هذا هو رشيد كما عرفته بلاد الشام، عالم عرف بجرأته في الحق، وبفكره الحر وإجادته في الكتابة، وهذه هي المرحلة الأولى من حياته قبل رحيله إلى مصر.
стр. 791
السفر إلى مصر:
لقد رحل الشيخ رشيد إلى مصر، ولكن رحيله كان يختلف عن رحيل الكثيرين إليها، فهؤلاء إنما يرحلون طلبًا للعلم، ومن أجل الحصول على الشهادة. أما هو فقد رحل عالمًا مجازًا بل مؤلفًا. ومن هنا فتتلمذه للشيخ محمد عبده في رأيي وإن صحت تلك الكلمة، إنما هو تتلمذ احترام وتقدير، لا تلقٍ وتعليم. وأستاذية الشيخ له قد تكون أستاذية توجيه فقط. وفي مصر كانت حياة رشيد حافلة بالنشاط والكتابة والتأليف والخصومات الكثيرة. فقد أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي (١)، وأصبح مرجع الفتيا في التاليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة. ولما أعلن الدستور العثماني سنة (١٣١٦ هـ -١٨٩٩ م) زار بلاد الشام، واعترضه في دمشق وهو يخطب على منبر الجامع الأموي، أحد أعداء الإصلاح. فكانت فتن عاد على أثرها إلى مصر، وأنشأ مدرسة (الدعوة والإرشاد). ثم قصد سورية في أيام الملك فيصل بن الحسين، وانتخب رئيسًا للمؤتمر السوري فيها، وغادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها سنة (١٩٢٠ م- ١٣٣٧ هـ) فأقام في وطنه الثاني مصر مدة، ثم رحل إلى الهند والحجاز وأوروبا، وعاد فاستقر بمصر إلى أن توفي فجأة في سيارة كان راجعًا فيها من السويس إلى القاهرة في ٢٣ جمادى الأولى عام ١٣٥٤ هـ الموافق ٢٢ أغسطس سنة ١٩٣٥ م ودفن فيها.
وقد قال الأستاذ الأكبر محمد مصطفى المراغي في حفل التأبين للسيد محمد رشيد رضا ﵀ ورضي عنه - كان فقيد الإسلام السيد محمد رشيد رضا محيطًا بعلوم القرآن، وقد رزقه الله عقلًا راجحًا في فهمه، ومعرفة أسراره وحكمه، واسع الاطلاع على السنة وأقضية الصحابة وآراء العلماء، عارفًا بأحوال المسلمين في الأقطار الإسلامية، ملمًا بما في العالم من بحوث جديدة، وبما يحدث من
стр. 792
المعارك بين العلماء وأهل الأديان، فهو ممن أوتي الحكمة ورزق الخير الكثير ... من الحق أن نعد السيد رشيد من المجدّدين، وأن نعده من المجاهدين في إحياء السنّة، ومن الحقّ أن نعتبر بما كان للسيد رشيد من أناة وصبر في إحياء البحث والقراءة، والتأليف والفتوى والمناظرة، ومن الحق أن نذكر أن هذه الأعمال الصالحة قام بها احتسابًا وأداها في سبيل الله (١).
آثاره ومؤلفاته (٢):
١ - تفسير القرآن الكريم، الشهير (بتفسير المنار)، فسر فيه إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١] (٣).
٢ - التفسير المختصر المفيد، وهو كالمتن لتفسير المنار.
٣ - مجلة المنار.
٤ - تاريخ الأستاذ الشيخ محمد عبده.
٥ - نداء للجنس اللطيف (حقوق النساء في الإسلام).
٦ - الوحي المحمدي.
٧ - المنار والأزهر.
٨ - ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد.
٩ - ذكرى المولد النبوي.
стр. 793
١٠ - مختصر ذكرى المولد النبوي.
١١ - الوحدة الإسلامية.
١٢ - يسر الإسلام وأصول التشريع العام.
١٣ - الخلافة أو الإمامة العظمى.
١٤ - الوهابيون والحجاز.
١٥ - السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة.
١٦ - خطاب عام فيما يجب على المسلمين لبيت الله الحرام وحرم رسول الله ﷺ .
١٧ - مناسك الحج وأحكامه وحكمه.
١٨ - المسلمون والقبط.
١٩ - تفسير الفاتحة والكوثر والكافرون والإخلاص والمعوذتين في مجموعة.
٢٠ - رسالة في الصلب والفداء.
٢١ - شبهات النصارى وحجج الإسلام.
٢٢ - محاورات المصلح والمقلد.
٢٣ - خلاصة السيرة المحمدية وحقيقة الدعوة الإسلامية وكليات الدين وحكمه.
٢٤ - الربا والمعاملات في الإسلام.
٢٥ - المسلمون والقبط والمؤتمر المصري.
٢٦ - إبطال حكومة الترك لشريعة الإسلام.
стр. 794
تفسير القرآن الحكيم
كانت تسطير على رشيد رضا ﵀ النزعة الإصلاحية، ولقد نمت تلك النزعة حينما اطلع في بلده على بعض أعداد من مجلة العروة الوثقى، التي كان يقرأ فيها تفسيرًا لآيات من الكتاب العزيز، تتجلى فيها هداية القرآن، بما لم يره في تفسير من قبل، ولقد لخص أهداف تلك المجلة بقوله:
١ - بيان سنن الله تعالى في الخلق، ونظام الاجتماع البشري، وأسباب ترقي الأمم وتدنيها وقوتها وضعفها.
٢ - بيان أن الإسلام دين سيادة وسلطان جمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
٣ - أن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم، فهم إخوة لا يجوز أن يفرقهم نسب ولا لغة ولا حكومة.
من هنا أيقن الرجل أن لا صلاح لهذه الأمة إلا بفهم القرآن، وهذا لا يأتي إلا بتفسير يلائم أوضاع العصر، وظروف الحياة، لذا نراه في أول يوم وطئت قدمه أرض مصر, يتصل بالشيخ محمد عبده، ليعرض عليه اقتراحه بتفسير القرآن، وتأخذ هذه المسألة دورًا من النقاش، وأخيرًا يقتنع الشيخ، ويبدأ بإلقاء دروسه في تفسير القرآن في الجامع الأزهر، وكان الشيخ رشيد، يدون لنفسه أفكار الأستاذ الإمام في التفسير، وعندما أنشئت مجلة المنار، بدأ رشيد ينثر دروس الشيخ في التفسير، بعد عرضها عليه وإقراره لها.
منهجه في التفسير:
وبعد أن توفي الأستاذ ﵀، شعر رشيد بعبء المسؤولية، وأنه لا بد من أن يتحمل وحده تبعة تأليف تفسير للقرآن، على أن يودعه دروس الإمام. ونجد رشيدًا في تفسيره هذا، لم يلزم نفسه بنهج الإمام وطريقته، بل كان له نهج آخر، عبر عنه بقوله:
стр. 795
(وإني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه رحمه الله تعالى، بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنّة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها أم في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات والجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفي بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوي حجتهم على خصومهم من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس. وأستحسن للقارئ أن يقرأ الفصول الاستطرادية الطويلة وحدها، في غير الوقت الذي يقرأ فيه التفسير، ليتدبر القرآن والاهتداء به في نفسه، وفي النهوض بإصلاح أمته وتجديد شباب ملته - الذي هو المقصود بالذات منه - وأسأله أن يخصني والأستاذ بدعواته الصالحة (١).
وهكذا ولد هذا التفسير، وهنا مسألة مهمة لا بد من بيانها، وهي: ما جاء في أجزاء المنار الأولى، منسوبًا للشيخ محمد عبده، أهو له بالفعل؟ أم أن الشيخ رشيدًا كان له فيه شيء من التحوير والتبديل والزيادة والنقص؟ .
لقد رأيت لبعض الكاتبين كلامًا في هذا الموضوع، يفهم منه التشكيك في هذه المسألة، وهذا في رأيي لا يصح أبدًا، فرشيد كان ﵀ أمينًا، وهو الذي حفظ لنا تراث الأستاذ، وهو الذي كان يخالفه أو يستدرك عليه، ولقد بلغت أمانته أنه بعد أن توفي الإمام حيث رأى أن من الأمانة ألا يعزو إليه ما كتبه عنه، أو حفظه منه حفظًا وصار يكثر من القول: (قال ما معناه)، أو (ما مثاله)، أو (ما ملخصه).
يقول ﵀ عند تفسير سورة الفاتحة: (كان غرضنا الأول من كتابة تفسير الفاتحة، ونشره في المنار هو بيان ما نستفيده من دروس شيخنا الأستاذ الإمام مع شيء مما يفتح الله به علينا بالاختصار، فلذلك اختصرنا فيما كتبناه أولًا، ثم لما طبعنا تفسير الفاتحة على حدته مرة ثانية زدنا فيه بعض زيادات، وكان بدا لنا أن
стр. 796
نجعل هذا التفسير مطولًا مستوفى، ولهذا زدنا في تفسير الفاتحة هنا زيادات كثيرة كما نبهنا على ذلك في المقدمة (١).
ثم يقول (إن ما أوردناه أولًا في تفسير الفاتحة من تلخيص لما فهمناه من دروس شيخنا ومما قرأناه في الكتب، ثم ما زدناه عليه في أصله ... ) (٢).
ويقول بعد تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران: ١٦٨]: (وأقول: إنه ذكر في المسألة كلامًا - أي الشيخ محمد عبده - آخر لم أكتبه في وقته ولم أفرغ له بعد حتى نسيته) (٣).
ويقول عند قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]، (ثم تكلم الأستاذ عن استشكال بعض المتكلمين لتعذيب الجلود مع أن العصيان لم يكن بها ولم أكتب ما قاله ولا أتذكره) (٤).
تقويمه لكتب التفسير:
يقول الشيخ رشيد رضا: (كان من سوء حظ المسلمين، أن أكثر ما كتب في التفسير، يشغل قارئه عن هذه المقاصد العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن بمباحث الإعراب وقواعد النحو، ونكت المعاني ومصطلحات البيان. ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتكلمين وتخريجات الأصوليين، واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات، وما مزجت به خرافات الإسرائيليات، وقد زاد
стр. 797
الفخر الرازي صارفًا آخر عن القرآن وهو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية، وغيرها من العلوم الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده، كالهيئة الفلكية اليونانية وغيرها، وقلده بعض المعاصرين (١)، بإيراد مثل ذلك من علوم هذا العصر وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما نسميه تفسير الآية فصولًا طويلة بمناسبة كلمة مفردة، كالسماء والأرض من علوم الفلك والنبات والحيوان تصدُّ قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن (٢).
هذا هو تقويم صاحب المنار لكتب التفسير، قديمها وحديثها، وذلكم هو حكمه على المفسرين، وسنحاول من خلال تتبعنا لمنهجه في تفسيره - الذي يحوي آلاف الصفحات، في اثني عشر مجلدًا لاثني عشر جزءًا من القرآن - معرفة ما إذا كان قد وقع فيما وقع فيه هؤلاء.
طريقته في التفسير:
ليس في طريقة الشيخ ما يلفت الانتباه، فهو مثل كثير من المفسرين، بعد أن يذكر عن السورة ما يخصها من بعض الوجوه، كمكيتها أو مدينتها، وعدد آياتها ومناستها لما قبلها، يأخذ الآية أو الآيات ويفسرها على حدة، وهكذا إلى نهاية السورة. ولكن الجديد في طريقة الشيخ، أنه يأتي بخلاصة للسورة في آخرها، عدا سورة البقرة فقد أوردها في أولها، وهذه الخلاصة ربما تنتظم أبوابًا وفصولًا.
وعلى سبيل المثال، فإنه يأتي بخلاصة لسورة الأعراف، تتضمن ستة أبواب يكتب كل باب في سطر.
فالباب الأول: توحيد الله تعالى إيمانًا وعبادة وتشريعًا وصفاته وشؤون ربوبيته.
الثاني: الوحي والكتب والرسالة والرسل.
стр. 798
الثالث: الآخرة والبعث والجزاء.
الرابع: أصول التشريع وبعض قواعد الشرع العامة.
الخامس: آيات الله وسننه في الخلق والتكوين.
والسادس: سنن الله تعالى في الاجتماع والعمران البشري، وشؤون الأمم، المعبر عنه في عرف عصرنا بعلم الاجتماع.
وكذلك خلاصة سورة (براءة) تحتوي على خمسة أبواب في خمسة عشر فصلًا:
فالباب الأول: في صفات الله تعالى وشؤونه في خلقه وأحكامه وسننه فيها.
الثاني: في مكانة محمد ﷺ ، وخاتم النبيين عند ربه، وفي هداية دينه وحقوقه على أمته.
الثالث: في دين الإسلام، وما في السورة من حججه وأصوله وصفات أهله.
الرابع: في المسائل المالية والعسكرية والسياسية وما فيها من أحكام القتال.
الخامس: في شؤون الكفار والمنافقين وحكم الإسلام عليهم وسياسته فيهم.
خصائص تفسير المنار:
والناظر في تفسير المنار، يدرك لأول وهلة يسر عبارة الشيخ وسهولة أسلوبه، ولا عَجَبَ في ذلك، فقد أعطي حظًّا وافرًا في فن الكتابة، لذا ظهر على تفسيره طابع الأسلوب الأدبي، وإلى جانب هذا، مادة علمية غزيرة، يظهر من خلالها التحقيق. وإذا كان بعض الناس قد منحه الله قوة في التعبير، وكان بعيدًا عن الجو العلمي، وبعضهم على العكس تمامًا فإن رشيدًا قد مَنَّ الله عليه بهما مجتمعتين. ويظهر في هذا التفسير بكل جلاء ووضوح الخصائص التالية:
١ - العناية بالتحقيقات اللغوية.
٢ - بيانه لحكمة التشريع ورده لبعض المأثور.
стр. 799
٣ - استشهاده بآراء المتكلمين في آيات العقيدة ومناقشتهم.
٤ - ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات، ووقوعه فيما هو أخطر منها.
٥ - استقلال الشخصية.
٦ - بيانه لسنن الله في العمران والاجتماع.
٧ - دفاعه عن الإسلام.
٨ - عنفه على مخالفيه في الرأي.
٩ - كثرة التفريعات والاستطرادات.
١ - العناية بالتحقيقات اللغوية:
ليس عجيبًا أن يعنى المفسر بعلوم اللغة، وفروعها المتعددة، فهي الوسيلة لفهم القرآن وتدبره. ولقد أدرك صاحب المنار هذا. لذا رأينا في تفسيره كثيرًا من الأبحاث اللغوية، سواء كان ذلك في متونها أم مركباتها، إعرابية أم أسلوبية.
يقول الشيخ (١): (لا يتعظ الإنسان بالقرآن، فتطمئن نفسه بوعده، وتخضع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاف حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ، مع النظر في بعض النحو، كنحو ابن هشام، وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر. وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة، يؤهله لفهم القرآن.
قال الإمام أبو بكر الباقلاني- من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن، بدون أن يمارس البلاغة بنفسه، فهو كاذب مبطل).
والمباحث اللغوية في تفسير المنار، إنما تنم عن سعة اطلاع، ورسوخ قدم، ورفعة ذوق، فمن حيث متون اللغة نقرأ للشيخ رشيد كثيرًا من التحقيقات اللغوية، التي لا تظهر فيها سمة النقل وحده، بل تبدو فيها آثار شخصيته العلمية الواضحة.
стр. 800
١ - فعند تفسيره قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] يقول (١): (وليخش) أمر من الخشية، وهي كما في المعاجم: الخوف، وقال الراغب هي خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وأقول: إن القيد الذي ذكره لا يظهر في كل الشواهد التي وردت من هذا الحَرْف في القرآن وكلام العرب، فلم يكن عند عنترة خوف مشوب بتعظيم، ولا علم فيما عبر عنه بقوله:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
فإذا كان بين الخوف والخشية فرق، فالأقرب عندي أن تكون الخشية هي الخوف في محل الأمل، ومن دقق النظر في الآيات التي ورد فيها حرف الخشية، يجد هذا المعنى فيها، ولعل أصل الخشية مادة: خشت النخلة، تخشو، إذا جاء تمرها دقلًا (رديئًا) وهي مما يرجى منها الجيد.
٢ - وعند تفسيره قول الله : ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، يورد ما قاله الشيخ محمد عبده، من أن (لعل) تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، ثم يعقب عليه بقوله (٢): (إن ما ذكره من الإعداد صحيح ولكنه غير مطرد. والتحقيق أن الترجي عبارة عن كون الشيء مأمولًا بما يذكر من سببه، غير مقطوع به لذاته، بل يتبع قوة أسبابه مع انتفاء الموانع، ويتعلق تارة بالمتكلم، وتارة بالمخاطب، وتارة بالمتكلم عنه، وتارة بغيرهم، فتأمل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١] وقوله حكاية عن قوم موسى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشعراء: ٤٠] وقوله: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)﴾ [غافر: ٣٦] وقوله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ
стр. 801
قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤]. وقد علم أن هذا مقطوع بعدم وقوعه عند الله، ولكن الرجاء فيه متعلق بموسى وهارون أي ﴿قولا له قولًا لينًا﴾ راجين به أن يتذكر أو يخشى لا قولًا غليظًا منفرًا.
وتأتي (لعل) للإشفاق وإفادة التحذير من أمر وقعت أسبابه، فكان بها مظنة الوقوع كقوله تعالى لرسوله ﵌: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢].
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] ينقل أقوال علماء اللغة في معنى (الذرء) (١) ويعقب عليها بقوله: (فإذا تأملت مع هذه الأقوال استعمال القرآن لهذا الحرف في النبات والحيوان والإنسان خاصة، علمت أن الذرء في أصل اللغة، بمعنى خلق ذلك أي إيجاده، كما أن أصل معنى الخلق التقدير، ويسند إلى الله تعالى بمعنى إيجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافًا، ولهذا عطف الذرء والبدء على الخلق في حديث الدعاء (أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق وذرأ وبرأ) (٢).
وبعد ذلك يفسر المقصود بالقلب، ثم ينتقل إلى توضيح معنى الفقه، فيقول: (أما الفقه فقد فسروه بالعلم بالشيء والفهم له، وكذا بالفطنة، كما في جل المعاجم أو كلها، وقالوا: فقه: (كعلم وفهم وزنًا ومعنى). وقالوا فقه (ككرم وضخم) فقاهة، أي صار الفقه وصفًا وسجية له، وقال الراغب: الفقه هو التوصل بعلم شاهد إلى علم غائب. قال السيوطي بعد نقله: فهو أخص من العلم. وقال ابن الأثير في النهاية: إن اشتقاقه من الشق والفتح، أي هذا
стр. 802
معناه الأصلي، فهو كالفقء بالهمزة، وهي تتعاقب مع الهاء لاتحاد مخرجهما وذكر الحكيم الترمذي هذا، واستدل به على أن الفقه بالشيء، هو معرفة باطنه والوصول إلى أعماقه، فمن لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها لا يسمى فقيهًا.
وذكر أصحاب المعاجم، أن اسم الفقه غالب على علم فروع الشريعة، أي من العبادات والمعاملات، وهو اصطلاح حادث لا يفسر به ما ورد في الكتاب والسنّة من هذه المادة. والتحقيق أنهم لم يكونوا يسمون كل من يعرف هذه الفروع فقيهًا، كما ترى عبارة الغزالي الآتية، ولغيره ما هو أوضح منها، فقد اشترطوا فيه معرفته بدلائلها وذكر الغزالي في (بيان ما بدل من ألفاظ العلوم)، أن لفظ الفقه تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها ..
قال: ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك عليه قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وما يحصل به الإنذار والتخويف، هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك ليس به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام، يقسى القلب وينزع الخشية منه، كما نشاهد الآن من المتجردين له، . وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وأراد به معاني الإيمان دون الفتوى. وروي عن أبي حنيفة تفسيره بمعرفة النفس ما لها وما عليها.
وأقول: ذكرت هذه المادة في عشرين موضعًا من القرآن، تسعة عشر منها تدل على أن المراد به نوع خاص من دقة الفهم والتعمق في العلم، الذي يترتب عليه الانتفاع به، وأظهره نفي الفقه عن الكفار والمنافقين، لأنهم لم يدركوا كنه المراد مما نفي فقهه عنهم، ففاتهم المنفعة من الفهم الدقيق، والعلم المتمكن
стр. 803
من النفس، ومنه قول قوم شعيب لنبيهم: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] وإن تراءى لغير الفقيه أنه ليس منه، فإنهم كانوا يفهمون كل ما يقول فهمًا سطحيًا ساذجًا، لأنه يكلمهم بلغتهم، ولكن لم يكونوا يبلغون ما في أعماق بعض الحكم والمواعظ من الغايات البعيدة لعدم تصديقهم إياه، وعدم احترامهم له، ولأنه مخالف لتقاليدهم وأهوائهم الصادة لهم عن التفكير فيه والاعتبار به. أما الموضع العشرون فهو قوله تعالى حكاية عن نبتّه موسى ﵇:
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨]، وهو لا ينافي ما ذكر؛ لأن فصاحة اللسان الداعية إلى الدين والواعظ المنذر تعين على تدبر ما يقول وفقهه.
٤ - وفي تفسير الركون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] من سورة هود يظهر لنا تضلعه ﵀ في إمامة اللغة، فهو ناقد ومقوّم بل راسم منهج في التعامل مع الألفاظ اللغوية إلى حد الاجتهاد اللغوي، يقول (١):
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي ولا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين، ولا من غيرهم، فتجعلوهم ركنًا لكم تعتمدون عليهم فتقروهم على ظلمهم، وتوالوهم في سياستكم الحربية أو أعمالكم المالية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، فالركون من ركن البناء وهو الجانب القوي منه، ومنه قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠] , والسند بمعنى الركن، وقد اشتق منه: (سند إلى الشيء، كركن إليه، واستند إليه)، وفسره الفيروز أبادي في قاموسه بالتبع للجوهري بالميل إلى الشيء والسكون له، وهو تفسير بالأعم، كعادتهم،
стр. 804
وفسره الزمخشري بالميل اليسير، وتبعه البيضاوي وغيره من المفسرين، الذين يعتمدون عليه في تحريره للمعاني اللغوية، لدقة فهمه وذوقه وحُسن تعبيره وإنه لكذلك، وقتما يخطئ في اللغة إلا متحرفًا إلى شيوخ المذهب (المعتزلة)، أو متحيزًا إلى فئة من رواة المأثور من الصحابة والتابعين، أو نقلة اللغة. وشيوخ المذهب يخطئون في الاجتهاد، وفئة الروايات تخطئ في اعتماد الأسانيد الضعيفة والإسرائيليات، ورواة اللغة يفسرون اللفظ أحيانًا، بما هو أعم منه أو يلازمه أو بغير ذلك من قرائن المجاز في بعض كلام العرب، ولا يعنون أن ذلك هو حد اللفظ المعروف بحقيقته. وقد فسر بعضهم الركون بالميل والسكون إلى الشيء، وهو من تساهلهم، ولكنهم قد ذكروا في مادته، ما يدل على هذا التساهل، ويؤيد ما حققناه).
٥ - وتظهر دقته في فهمه وغوصه في أعماق معاني الألفاظ، وهو يفرق بين معنى الإجابة والاستجابة، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] من سورة الأنعام (١). فبعد أن ينقل ما قيل في الفرق بينهما يقول: (وقال الراغب: والاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها وهذا من دقائق تحديده للمعاني رحمه الله تعالى، ولكنه لم يحط به.
وحقيقة الجواب والإجابة كما يؤخذ من قوله: قطع الصوت أو الشخص الجوب أو الجوبة، وهي المسافة بين البيوت أو الحفرة ووصوله إلى الداعي، أي المستلزم للشروع والمضي فيها. وعند الإمكان، وغايته الإجابة التامة عند عدم المانع، فالسين والتاء على معناهما، ومن دقق النظر في استعمال الصيغتين في القرآن الكريم، يظهر له أن أفعال الإجابة كلها، قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال كله، بالفعل حقيقة أو ادعاء، دفعة واحدة،
стр. 805
ومنه الإجابة بالقول، كقولك: نعم، وبلى، ولبيك، ولك ذلك، وأن الاستجابة قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال بالقوة أو التهيؤ والاستعداد له، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، فهو قد نزل في تهيؤ المؤمنين للقتال في حمراء الأسد بعد أحد، أو بالفعل التدريجي، كاستجابة دعوة الدين التي تبدأ بالقبول بالشهادتين، ثم تكون سائر الأعمال بالتدرج وشواهده كثيرة، والاستجابة من الله القادر على كل شيء، إنما يعبر بها في الأمور التي تقع في المستقبل، ويكون الشأن فيها أن تقع بالتدريج، كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار، وبالمغفرة وتكفير السيئات وإيتاء ما وعد الله به المؤمنين في الآخرة، قال تعالى بعد حكاية هذا الدعاء بذلك عن أولي الألباب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وكاستجابته للمؤمنين في بدر بإمدادهم بالملائكة تثبتهم، كما في سورة الأنفال، ومن ذلك استجابته لأيوب وذي النون وزكريا ﵈، كما في سورة الأنبياء. كل ذلك مما يقع بالتدريج في الاستقبال. وأما قوله تعالى لموسى وهارون، حين دعوا على فرعون وملئه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] فهو تبشير لهما بأنه تعالى قد قبلها بالفعل، وهذا من الإجابة القولية، جاءت بصيغة الماضي للإيذان بتحقق مضمونها في المستقبل، حتى كأنها أجيبت وانتهى أمرها. وهذا المعنى تؤديه مادة الإجابة دون مادة الاستجابة. ولو ذكرت هذه المسألة بصيغة الحكاية، لعبر عن إعطائهما ما سألا بلفظ الاستجابة، كما قال في شأن كل من أيوب وذي النون وزكريا.
٦ - ومن ذلك بيانه لمعنى (ذرية) يقول:
إن الذرية من مادة ذرأ المهموزة، أي خلق، كما أن البرية من مادة برأ. وقيل من مادة ذرو، فأصلها ذروية وقيل هي من الذر وأصلها فعلية كقمرية.
стр. 806
قال الراغب: والذرية أصلها الصغار من الأولاد، وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويستعمل للواحد والجمع. وأصله الجمع، وقال الأستاذ الإمام: يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله (بعضها من بعض) ظاهر على الأول. ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران، ويصح أن يكون بمعنى أنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وهو استعمال معروف. أقول: وهؤلاء الذين يشبه بعضهم بعضًا من هذه الذرية هم الأنبياء والرسل، قال تعالى في سياق الكلام على إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٧] (١).
٧ - ويبين معنى الإدلاء في قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيقول: إن الإدلاء بمعنى الإلقاء، وقالوا: إنه في الأصل إلقاء الدلو، واختير هذا التعبير لأنه يشعر بعدم الروية. هذا ما اقتصر عليه الأستاذ الإمام، وفي التفسير الكبير للإمام الرازي: إلقاء الدلو يراد به إخراج الماء.
وإلقاء المال إلى الحكام يراد به الحكم للملقى، وذكر وجهًا آخر بعيدًا. والضمير في قوله تعالى (بها) قيل إنه يرجع إلى الأموال، والمعنى لا تلقوها إليهم بالرشوة، وقالوا: إن الرشوة رشاء الحكم، وقيل: إن المراد ولا تلقوا بحكومة الأموال إلى الحكام. والفريق من الشيء: الجملة والطائفة منه.
стр. 807
والإثم فسره بعضهم بشهادة الزور وبعضهم باليمين الفاجرة، وهو أعم من ذلك وإن صح ما ذكروه في سبب نزول الآية وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن جبير ((أن عبد الله ابن أشوع الحضرمي وأمرأ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة، فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به، فنزلت) والمراد بالعلم في قوله (تعلمون) ما يشمل الظن، وهو احتراس عمن يأكل معتقدًا أنه حقه، ولذلك أمثلة وفروع لا تحصى، ذكر الأستاذ الإمام منها في الدرس: ما إذا علم زيد أن أباه أودع له وديعة كذا عند فلان الذي مات فطالب ولد الميت بذلك، وكان هذا يعتقد أن أباه تركه تراثًا فمن حكم له به منهما لا يقال إنه أكله بالإثم.
وذكر الأستاذ الإمام في تفسير الآية ما عليه المسلمون في هذا العصر ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام والإدلاء إلى الحكام، حتى إن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والإيذاء وإن أضر بنفسه أهـ.
أقول: وكم من ثروة نفدت، وبيوت خربت، ونفوس أهينت، وجماعة فرقت، وما كان لذلك من سبب إلا الخصام، والإدلاء بالمال إلى الحكام، ولو تأدب هؤلاء الناس بآداب الكتاب الذي يتتسبون إليه؛ لكان لهم من هدايته ما يحفظ حقوقهم، ولمنع تقاطعهم وعقوقهم. ويحل فيهم التراحم والتلاحم، محل التزاحم والتلاحم، وإنك ترى من أذكيائهم ممن يزعم أنهم عن هدى الدين أغنياء، وقد عموا عما أصابهم بتركه من الأرزاء، فهم بالفسق يتنابذون ويتحاسدون، ويتنافذون ويتنافدون ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (١).
стр. 808
٨ - وبين معنى الإحصان في قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] قال: والإحصان من الحصن، وهو المكان المنيع المحمي، ففيه معنى المنع الشديد، ويقال: حصنت المرأة (بضم الصاد) حصنا وحصانة أي عفت فهي حاصن وحاصنة وحصان وحصناء (بالفتح فيهما) قال الشاعر (١):
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
ويقال: أحصنت المرأة إذا تزوجت. لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته ويقال: أحصنها أهلها إذا زوجوها، ومن شأن المتزوجة أن تحصن نفسها فتكتفى بزوجها عن التطلع إلى الرجال؛ لأجل حاجة الطبيعة، وتحصن زوجها عن التطلع إلى غيرها من النساء، فعلى المرأة المعول في الإحصان. حتى قيل: إن لفظ المحصنة (بفتح الصاد) اسم فاعل نطقت به العرب على خلاف عادتها فقد روى عن ابن الأعرابي أنه قال (كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف: أحصن، وألفج إذا ذهب ماله، وأسهب إذا كثر كلامه) وروى مثله عن الأزهرى. وعن ثعلب أن المرأة العفيفة يقال لها محصنة (بفتح الصاد) ومحصنة (بكسرها) وأما المرأة المتزوجة فيقال لها: محصنة بالفتح لا غير. وجماهير السلف والخلف، ومنهم أئمة الفقه المشهورون، على أن المراد بالمحصنات ههنا المتزوجات. وقيل: هن الحرائر، وقيل: عام في الحرائر والعفائف والمتزوجات. وقد يقال: هن الحرائر المتزوجات وسيأتي عن الأستاذ الإمام ما يرجحه (٢).
٩ - ومن ذلك بيانه لمعنى المنخنقة والموقوذة. يقول: (قال صاحب القاموس: (خنقه خنقًا (ككتف) وخنقًا فهو خنق أيضًا (أي ككتف) وخنق ومخنوق كنخقه فاختنق. وانخنقت الشاة ننفسها) وقد روى ابن جرير في تفسير المنخنقة أقوالًا
стр. 809
عن مفسري السلف في هذا المعنى، فعن السدى أنها التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت.
وعن ابن عباس والضحاك، التي تختنق فتموت، وعن قتادة: التي تموت في خناقها.
وفي رواية عن الضحاك: الشاة توثق فيقتلها خناقها، وفي رواية أخرى عن قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هي التي تختنق، إما في وثاقها أو بإدخال رأسها في المواضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت، وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره؛ لأن المنخنقة هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها. ولو كان معنيًا بذلك أنها مفعول بها لقيل (والمخنوقة) حتى يكون معنى الكلام ما قالوا أ. هـ، وهو المختار عندنا لأنه هو المعنى اللغوي المنطبق على حكمة الشارع.
ويغلط من يقول إن فعل الانخناق هنا مما يسمونه فعل المطاوعة، كما قال الصرفيون في مثل كسرته فانكسر، ولتوهم من لا ذوق له في اللغة أن هذه الصيغة لا تجيء إلا لما كان أثرًا لفعل فاعل مختار ككسرته فانكسر، والصواب أن هذه فلسفة باطلة. وأن العربي القح إنما يقول انكسر الشيء إذا كان يعلم أنه أنكسر بنفسه أو يجهل من كسره، إلا إذا كان المقام مقام تعبير عن شيء تعاصى كسره على الكاسرين ثم انكسر بفعل أحدهم، وهذا لا يتأتى إلا في بعض المواد.
وأرى ذوقي يوافق في مادة الخنق ما يفهم من عبارة القاموس من أن مطاوع خنق هو اختنق من الافتعال، وأن انخنق لا يفهم منه إلا ما كان بفعل الجيوان بنفسه كما قال ابن جرير.
ويؤيد هذا الفهم الذي جزم ابن جرير بأنه هو الصواب الجمع به بين هذه الزوائد.
стр. 810
في سورة المائدة بتن حصر المحرمات في الأربعة الأولى منها. فالمنخنقة بهذا المعنى من قبيل ما مات حتف أنفه من حيث إنه لم يمت بتذكية الإنسان له لأجل أكله، فهي داخلة في عموم الميتة بالمعنى الشرعي الذي بيناه في تفسيرها، وإنما خصها بالذكر؛ لأن بعض العرب في الجاهلية كانوا يأكلونها، ولئلا يشتبه فيها بعض الناس؛ لأن لموتها سببًا معروفًا، وإنما العبرة في الشرع بالتذكية التي تكون بقصد الإنسان لأجل الأكل، حتى يكون واثقًا من صحة البهيمة التي يريد التغذي بها، ولو أراد تعالى بالمنخنقة المخنوقة بفعل الإنسان لعبر بلفظ المخنوقة أو الخنيق؛ لأنه حينئذ يفيد أن الخنق وإن كان ضربًا من التذكية بفعل الفاعل لا يحل، ويفهم منه تحريم المنخنق بالأولى، بل يفهم هذا من لفظ الميتة أيضًا كما تقدم. فالعدول إلى صيغة المنخنقة لا تعقل له حكمة إلا الإشعار بكون المنخنقة في معنى الميتة).
ويقول في معنى (الموقوذة): (وهي التي ضربت بغير محدد حتى انحلت قواها وماتت.
قال في القاموس: الوقذ شدة الضرب. قال شارحه: وفي البصائر للمصنف الموقوذة هي التي تقتل بعصا أو بحجارة لاحد لها فتموت بلا ذكاة أ. هـ. وشاة وقيذ وموقوذة والوقذ أيضًا: الشديد المرض، المشرف على الموت، وما نقله ابن جرير من أقوال مفسري السلف موافق لهذا، وهو أن الوقيذ: ما ضرب بالخشب أو العصا، وكانوا يأكلونها في الجاهلية، والوقذ محرم في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان وقد قال ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن شداد بن أوس فلما كان الوقذ محرمًا حرم ما قتله به، ثم إن الموقوذة تدخل في عموم الميتة الشرعية على الوجه الذي فسرناها به أخذًا من مجموع النصوص، فإنها لم تذك تذكية شرعية