← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قال الراغب: والذرية أصلها الصغار من الأولاد، وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويستعمل للواحد والجمع. وأصله الجمع، وقال الأستاذ الإمام: يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله (بعضها من بعض) ظاهر على الأول. ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران، ويصح أن يكون بمعنى أنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وهو استعمال معروف. أقول: وهؤلاء الذين يشبه بعضهم بعضًا من هذه الذرية هم الأنبياء والرسل، قال تعالى في سياق الكلام على إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٧] (١). ٧ - ويبين معنى الإدلاء في قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيقول: إن الإدلاء بمعنى الإلقاء، وقالوا: إنه في الأصل إلقاء الدلو، واختير هذا التعبير لأنه يشعر بعدم الروية. هذا ما اقتصر عليه الأستاذ الإمام، وفي التفسير الكبير للإمام الرازي: إلقاء الدلو يراد به إخراج الماء. وإلقاء المال إلى الحكام يراد به الحكم للملقى، وذكر وجهًا آخر بعيدًا. والضمير في قوله تعالى (بها) قيل إنه يرجع إلى الأموال، والمعنى لا تلقوها إليهم بالرشوة، وقالوا: إن الرشوة رشاء الحكم، وقيل: إن المراد ولا تلقوا بحكومة الأموال إلى الحكام. والفريق من الشيء: الجملة والطائفة منه.

стр. 807

والإثم فسره بعضهم بشهادة الزور وبعضهم باليمين الفاجرة، وهو أعم من ذلك وإن صح ما ذكروه في سبب نزول الآية وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن جبير ((أن عبد الله ابن أشوع الحضرمي وأمرأ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة، فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به، فنزلت) والمراد بالعلم في قوله (تعلمون) ما يشمل الظن، وهو احتراس عمن يأكل معتقدًا أنه حقه، ولذلك أمثلة وفروع لا تحصى، ذكر الأستاذ الإمام منها في الدرس: ما إذا علم زيد أن أباه أودع له وديعة كذا عند فلان الذي مات فطالب ولد الميت بذلك، وكان هذا يعتقد أن أباه تركه تراثًا فمن حكم له به منهما لا يقال إنه أكله بالإثم. وذكر الأستاذ الإمام في تفسير الآية ما عليه المسلمون في هذا العصر ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام والإدلاء إلى الحكام، حتى إن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والإيذاء وإن أضر بنفسه أهـ. أقول: وكم من ثروة نفدت، وبيوت خربت، ونفوس أهينت، وجماعة فرقت، وما كان لذلك من سبب إلا الخصام، والإدلاء بالمال إلى الحكام، ولو تأدب هؤلاء الناس بآداب الكتاب الذي يتتسبون إليه؛ لكان لهم من هدايته ما يحفظ حقوقهم، ولمنع تقاطعهم وعقوقهم. ويحل فيهم التراحم والتلاحم، محل التزاحم والتلاحم، وإنك ترى من أذكيائهم ممن يزعم أنهم عن هدى الدين أغنياء، وقد عموا عما أصابهم بتركه من الأرزاء، فهم بالفسق يتنابذون ويتحاسدون، ويتنافذون ويتنافدون ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (١).

стр. 808

٨ - وبين معنى الإحصان في قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] قال: والإحصان من الحصن، وهو المكان المنيع المحمي، ففيه معنى المنع الشديد، ويقال: حصنت المرأة (بضم الصاد) حصنا وحصانة أي عفت فهي حاصن وحاصنة وحصان وحصناء (بالفتح فيهما) قال الشاعر (١): حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ويقال: أحصنت المرأة إذا تزوجت. لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته ويقال: أحصنها أهلها إذا زوجوها، ومن شأن المتزوجة أن تحصن نفسها فتكتفى بزوجها عن التطلع إلى الرجال؛ لأجل حاجة الطبيعة، وتحصن زوجها عن التطلع إلى غيرها من النساء، فعلى المرأة المعول في الإحصان. حتى قيل: إن لفظ المحصنة (بفتح الصاد) اسم فاعل نطقت به العرب على خلاف عادتها فقد روى عن ابن الأعرابي أنه قال (كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف: أحصن، وألفج إذا ذهب ماله، وأسهب إذا كثر كلامه) وروى مثله عن الأزهرى. وعن ثعلب أن المرأة العفيفة يقال لها محصنة (بفتح الصاد) ومحصنة (بكسرها) وأما المرأة المتزوجة فيقال لها: محصنة بالفتح لا غير. وجماهير السلف والخلف، ومنهم أئمة الفقه المشهورون، على أن المراد بالمحصنات ههنا المتزوجات. وقيل: هن الحرائر، وقيل: عام في الحرائر والعفائف والمتزوجات. وقد يقال: هن الحرائر المتزوجات وسيأتي عن الأستاذ الإمام ما يرجحه (٢). ٩ - ومن ذلك بيانه لمعنى المنخنقة والموقوذة. يقول: (قال صاحب القاموس: (خنقه خنقًا (ككتف) وخنقًا فهو خنق أيضًا (أي ككتف) وخنق ومخنوق كنخقه فاختنق. وانخنقت الشاة ننفسها) وقد روى ابن جرير في تفسير المنخنقة أقوالًا

стр. 809

عن مفسري السلف في هذا المعنى، فعن السدى أنها التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت. وعن ابن عباس والضحاك، التي تختنق فتموت، وعن قتادة: التي تموت في خناقها. وفي رواية عن الضحاك: الشاة توثق فيقتلها خناقها، وفي رواية أخرى عن قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هي التي تختنق، إما في وثاقها أو بإدخال رأسها في المواضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت، وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره؛ لأن المنخنقة هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها. ولو كان معنيًا بذلك أنها مفعول بها لقيل (والمخنوقة) حتى يكون معنى الكلام ما قالوا أ. هـ، وهو المختار عندنا لأنه هو المعنى اللغوي المنطبق على حكمة الشارع. ويغلط من يقول إن فعل الانخناق هنا مما يسمونه فعل المطاوعة، كما قال الصرفيون في مثل كسرته فانكسر، ولتوهم من لا ذوق له في اللغة أن هذه الصيغة لا تجيء إلا لما كان أثرًا لفعل فاعل مختار ككسرته فانكسر، والصواب أن هذه فلسفة باطلة. وأن العربي القح إنما يقول انكسر الشيء إذا كان يعلم أنه أنكسر بنفسه أو يجهل من كسره، إلا إذا كان المقام مقام تعبير عن شيء تعاصى كسره على الكاسرين ثم انكسر بفعل أحدهم، وهذا لا يتأتى إلا في بعض المواد. وأرى ذوقي يوافق في مادة الخنق ما يفهم من عبارة القاموس من أن مطاوع خنق هو اختنق من الافتعال، وأن انخنق لا يفهم منه إلا ما كان بفعل الجيوان بنفسه كما قال ابن جرير. ويؤيد هذا الفهم الذي جزم ابن جرير بأنه هو الصواب الجمع به بين هذه الزوائد.

стр. 810

في سورة المائدة بتن حصر المحرمات في الأربعة الأولى منها. فالمنخنقة بهذا المعنى من قبيل ما مات حتف أنفه من حيث إنه لم يمت بتذكية الإنسان له لأجل أكله، فهي داخلة في عموم الميتة بالمعنى الشرعي الذي بيناه في تفسيرها، وإنما خصها بالذكر؛ لأن بعض العرب في الجاهلية كانوا يأكلونها، ولئلا يشتبه فيها بعض الناس؛ لأن لموتها سببًا معروفًا، وإنما العبرة في الشرع بالتذكية التي تكون بقصد الإنسان لأجل الأكل، حتى يكون واثقًا من صحة البهيمة التي يريد التغذي بها، ولو أراد تعالى بالمنخنقة المخنوقة بفعل الإنسان لعبر بلفظ المخنوقة أو الخنيق؛ لأنه حينئذ يفيد أن الخنق وإن كان ضربًا من التذكية بفعل الفاعل لا يحل، ويفهم منه تحريم المنخنق بالأولى، بل يفهم هذا من لفظ الميتة أيضًا كما تقدم. فالعدول إلى صيغة المنخنقة لا تعقل له حكمة إلا الإشعار بكون المنخنقة في معنى الميتة). ويقول في معنى (الموقوذة): (وهي التي ضربت بغير محدد حتى انحلت قواها وماتت. قال في القاموس: الوقذ شدة الضرب. قال شارحه: وفي البصائر للمصنف الموقوذة هي التي تقتل بعصا أو بحجارة لاحد لها فتموت بلا ذكاة أ. هـ. وشاة وقيذ وموقوذة والوقذ أيضًا: الشديد المرض، المشرف على الموت، وما نقله ابن جرير من أقوال مفسري السلف موافق لهذا، وهو أن الوقيذ: ما ضرب بالخشب أو العصا، وكانوا يأكلونها في الجاهلية، والوقذ محرم في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان وقد قال ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن شداد بن أوس فلما كان الوقذ محرمًا حرم ما قتله به، ثم إن الموقوذة تدخل في عموم الميتة الشرعية على الوجه الذي فسرناها به أخذًا من مجموع النصوص، فإنها لم تذك تذكية شرعية

стр. 811

لأجل الأكل) (١). ١٠ - ومن ذلك بيانه لمعنى طوعت في قوله ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠] قال: فسروا طوعت بشجعت، وهو مأثور عن ابن عباس ومجاهد، وبوسعت وسهلت وزينت، ونحو ذلك من الألفاظ التي رويت عن مفسري السلف وعلماء اللغة، وكل منها يشير إلى حاصل المعنى في الجملة، ولم أر أحدًا شرح بلاغة هذه الكلمة في هذا الموضع ببعض ما أجد لها من التأثير في نفسي. وإنها لبمكان من البلاغة يحيط بالقلب، ولضغط عليه من كل جانب. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إنني أكتب الآن، وقلبي يشغلني عن الكتابة بما أجد لها فيه من الأثر والانفعال، إن هذه الكلمة تدل على تدريج وتكرار في حمل الفطرة على طاعة الحسد الداعي إلى القتل، كتذليل الفرس والبعير الصعب، فهي تمثل لمن يفهمها ولد آدم الذي زين له حسده لأخيه قتله، وهو بين إقدام وإحجام، يفكر في كل كلمة من كلمات أخيه الحكيمة، فيجد في كل منها صارفًا له عن الجريمة، يدعم ويؤيد ما في الفطرة من صوارف العقل والقرابة والهيبة. فَيَكِرُّ الحسد من نفسه الأمَّارة على كل صارف في نفسه القرامة، فلا يزالان يتنازعان ويتجاذبان، حتى يغلب الحسد كلا منهما ويجذبه إلى طاعته، فإطاعة صوارف الفطرة وصوارف الموعظة لداعي الحسد هو التطويع الذي عناه الله تعالى، فلما تم كل ذلك قتله. وهذا المعنى يدل عليه اللفظ، ويؤيده ما يعرف من حال البشر في كل عصر، بمقتضٍ، فنحن نرى من أحوال الناس واختبار القضاة للجناة، أن كل من تحدثه نفسه بقتل أخ له من أبيه القريب أو البعيد (آدم) يجد من نفسه صارفًا أو عدة صوارف تنهاه عن ذلك، فيتعارض المانع والمقتضى في نفسه زمنًا طويلًا أو قصيرًا حتى تطوَّع له نفسه القتل بترجيح المقتضى عنده على الموانع، فعند ذلك يقتل إن قدر، فالتطوع لا

стр. 812

بد فيه من التكرار، كتذليل الحيوان الصعب، وتعليم الصناعة أو العلم، وقد يكون التكرار لأجل إطاعة مانع أو صارف واحد، وقد يكون لإطاعة عدة صوارف وموانع، وأقرب الألفاظ التي قيلت إلى هذا المعنى كلمة التشجيع المأثورة، فهي تدل على أنه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة. ١١ - بيانه لمعنى يذر: (ذروا) أمر لم يرد في اللغة استعمال ماضيه ولا مصدره وهو بمعنى الترك والإهمال، فهو بوزن ودع الشيء يدعه ودعا، ومعناه. إلا أن هذا قد استعمل ماضيه ومصدره قليلًا، وذاك لم يستعمل منه إلا المضارع (يذر) والأمر (ذر) وتعدد ذكرها في التنزيل، وزعم الراغب في مفرداته أن معناه قذف الشيء لقلة الاعتداد به. وأورد من الشواهد عليه من القرآن ما هو ظاهر فيه، وأشار إلى شاهد واحد يخالفه في الظاهر ووعد ببيان دخوله في موضع آخر، ولعله يعني تفسيره للقرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ولم يقل: ويتركون ويخلفون، ولعله أجاب عنه بأن المراد: ويتركون أزواجًا هن عرضة للإهمال، وعدم الإنفاق عليهن فليوصوا لهن، وإلا كانوا هم المهملين لهن، والقاذفين بهن في بِيْدِ الإهمال والحاجة. ويرد عليه أيضًا قوله تعالى حكاية عن المخلفين في سورة الفتح ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: ١٥] وكل ما عداه من استعمال القرآن لهذه الكلمة يظهر فيه معنى الترك لعدم المبالاة والاهتمام. لا القذف كما عبر به، ومنه قوله تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا

стр. 813

وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٢]، ... إلخ (١). ١٢ - ومن ذلك التفرقة بين يعملون ويصنعون. قال الراغب: الصنع إجادة الفعل، فكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعًا، ولا ينسب إلى الحيوانات والجمادات كما ينسب الفعل، أ. هـ.، وقال غيره: الصنع أخص من العمل فهو ما صار ملكة منه، والعمل أخص من الفعل؛ لأنه فعل بقصد. وقال في الكشاف: كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير؛ لأن كل عامل لا يسمى صانعًا ولا كل عمل يسمى صناعة. حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه. وكان المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكلار كان أشد إثمًا من المواقع أ. هـ. والذي أفهمه أن معاصي العوام من قبيل ما يحصل بالطباع لأنه اندفاع من الشهوة بلا بصيرة، ومعصية العلماء بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف من قبيل الصناعة المتكلفة الفائدة للصانع فيها يلتمسها ممن يصنع له، وما ترك العلماء النهي عن المنكر وهم يعلمون ما أخذ الله عليهم من الميثاق إلا تكلفًا لإرضاء الناس، وتحاميًا لتنفيرهم منهم، فهو إيثار لرضاهم على رضوان الله وثوابه، والأقرب أن يكون من الصنع - لا من الصناعة، وهو العمل الذي يقدمه المرء لغيره يرضيه به (٢). عنايته بالقضايا البلاغية والإعرابية: وكما عني المفسر بتحقيق المفردات اللغوية، فإنه قد عني كذلك بمسائل البلاغة والإعراب، وقد يكون نصيب هذه أوفر، وذكرها في تفسيره أكثر، ففي المسائل البلاغية نجده يطنب ويسهب فلم يترك بحثًا من مباحث البلاغة إلا وتحدث فيه وأظهر تأثير القرآن فيه، فتحدث عن براعة خواتيم سوره وفواتحها، وبلاغته واختلافها، ومدى دقة التعبير وتحديد الحقائق فيه، وبلاغة التناسب بين سوره

стр. 814

وآياته وبلاغته في إيجازه، ومن ذلك: ١ - عند قوله تعالى ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] يقول: (قالوا إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار. بل التحسر والتحزن والاعتذارة فهو بمعنى الإنشاء وذلك أنها نذرت تحرير ما في بطنها لخدمة بيت الله والانقطاع لعبادته فيه، والأنثى لا تصلح لذلك عادة لا سيما في أيام الحيض) (١). ٢ - وبعد أن يفسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] يقول: (أقول: لا يبعد أن يكون في قوله تعالى بعد نفي الخلة والشفاعة. ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ تعريض بهؤلاء الملوك الذين يمنحون بالشفاعة غير المستحق ويمنعون المستحق، ويعاقبون بها البريء ويعفون عن المجرم، والمراد بالكافرين الكافرون بالنعم بقرينة السياق، وهم الذين لا ينفقون في سبل البر والخير. وقد قصر الظلم عليهم، كما أفادت الجملة المعرفة الطرفين تشنيعًا لحالهم، كأن كل ظلم غير ظلمهم ضعيف لا يعتد به؟ لأنهم ظلموا أنفسهم ودنسوها برذيلة البخل ومنع الحق، وظلموا الفقراء والمساكين وغيرهم من الأصناف الذين فرضت لهم الصدقة؛ بمنعهم مما فرضي الله لهم، وظلموا الأمة بإهمال مصالحها المعبر عنها بسبيل الله. وإن أمة يؤدي أغنياؤها ما فرضي الله عليهم لفقرائها ولمصالحها العامة لا تهلك ولا تخزى ولا شيء أسرج في إهلاك الأمة من فشو البخل ومنع الحق في أفرادها) (٢). ٣ - وعند قوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] يقول: (وقد ذكر حكم هذا الإنفاق في سبيل الله بعبارة تستفز النفوس، وأسلوب يحفز الهمم، ويبسط الأكف بالكرم، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا

стр. 815

حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فهذه العبارة أبلغ من الأمر المجرد، ومن الأمر المقرون ببيان الحكمة، والتنبيه إلى الفائدة، والوجه في اختيار هذا الأسلوب هنا على ما قرره الأستاذ الإمام: أن الداعية إلى البذل في المصالح العامة ضعيفة في نفوس الأكثرين، والرغبة فيه قليلة، إذ ليس فيه من اللذة والأريحية ما في البذل للأفراد، فاحتيج فيه للمبالغة في التأثير. يدفع الغني إلى بذل شيء من فضل مالِه لأفراد ممن يعيش معهم أمور كثيرة، منها: إزالة ألم النفس برؤية المعوزين والبائسين، ومنها اتقاء حسد الفقراء واكتفاء شر شرارهم، والأمن من اعتدائهم، ومنها التلذذ برؤية يده العليا، وبما يتوقعه من ارتفاع المكانة في النفوس، وتعظيم من يبذل لهم وشكرهم وحبهم، فإن السخي محبب إلى جميع الناس من ينتفع منهم بسخائه ومن لا ينتفع، وإذا كان البذل إلى ذوي القربي أو الجيران فحظ النفس فيه أجلى، وشفاء ألم النفس به أقوى، فإن ألم جارك وقريبك ألم لك، ويتعذر على الإنسان أن يكون ناعمًا بين أهل البؤس والضراء، سعيدًا بين الأشقياء، فكل هذه حظوظ للنفس في البذل للأفراد تسهل عليها امتثال أمر الله فيه وإن لم يكن مؤكدًا، وقد يكون فيها من الرياء وحب السمعة ما ينافي كونها قربة وتعبدًا. وأما البذل الذي يراد هنا - وهو البذل للدفاع عن الدين وإعلاء كلمته، وحفظ حقوق أهله - فليس فيه شيء من تلك الحظوظ التي تسهل على النفس مفارقة محبوبها (المال) إلا إذا كان تبرعًا جهريًا، يتولى جمعه بعض الحكام والأمراء أو يجمع بأمر الملوك والسلاطين، ولذلك يقل في الناس من يبذل المال في المصالح العامة لوجه الله تعالى، فلهذا كان المقام يقتضي مزيد التأكيد، والمبالغة في الترغيب، وليس في الكلام ما يدرك شأو هذه الآية في تأثيرها ولا سيما موقعها هذا بعد بيان سنة الله تعالى في موت الأمم وحياتها.

стр. 816

حسبك أنه تعالى جعل هذا البذل بمثابة الإقراض له وهو الغني عن العالمين الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وإنما يقترض المحتاج - وأنه عبر عن طلبه بهذا الضرب من الاستفهام، المستعمل للإكبار والاستعظام، فإنه إنما يقال: من ذا الذي يفعل كذا؟ في الأمر الذي يندر أن يقدم عليه أحد. يقال: من ذا يتطاول إلى الملك فلان؟ أو من ذا الذي يعمل هذا العمل وله كذا؟ إذا كان عظيمًا أو شاقًا يقل من يتصدى له قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧]. ولا يقال من ذا الذي يشرب هذه الكأس المثلوجة - وهجير الصيف متقد، والسموم تلفح الوجوه -؟ (١). ٤ - وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. قال: (ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر (غفور) له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات. والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدًّا، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق، وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود، والله أعلم) (٢).

стр. 817

٥ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال الأستاذ الإمام: جاءت فيه الباء لمعنى خاص لا يظهر فيما ذكروه هنا من معانيها، وإنما يفهمه العربي من الأسلوب، فإنك إذا قلت هنا كما قال الجلال تقطعت عنهم الأسباب لا ترى في نفسك الأثر الذي تراه عند تلاوة العبارة الأولى التي تمثل لك التابعين والمتبوعين، كعقد انفرط بانقطاع سلكه فذهبت كل حبة منه في ناحية. أقول وتوضيحه أن هؤلاء المقلدين قد كانوا مرتبطين في الدنيا، ومتصلًا بعضهم ببعض بأنواع من المنافع والمصالح، يستمدها كل من التابع والمتبوع من الآخر، فشبهت هذه المنافع التي حملت الرؤساء على قود المرؤوسين، والتابعين على تقليد المتبوعين بالأسباب، وهي في أصل اللغة الحبال كأنه يقول إن كل واحد منهم كان مربوطًا مع الآخرين بحبال كثيرة، فلم يشروا إلا وقد تقطعت هذه الحبال كلها، فأصبح كل واحد منبوذًا في ناحية لا يصله بالآخر شيء، وعلى هذا تكون الباء متعلقة بمحذوف حال من الفاعل، قال الأستاذ الإمام: ومن هذه الأساليب الخاصة قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدًا) و (سبحان الله)، فإذا فسرت ذلك بالتحليل والإرجاع إلى القواعد العامة، فقلت في الأول كفى الله شهيدًا، أو كفت شهادته، وفي الثاني تسبيحًا لله: لم يكن له تأثير الأول وموقعه من النفس، ومثل هذه الأساليب الخاصة توجد في كل لغة. ٦ - وعند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] قال: (مضت سنة القرآن الحكيم بأن يعلل الأحكام الشرعية ويبين حكمها بعد بيانها، وفي هذه الآيات تعليل بيان لما تقدم من أحكام النكاح. قال الأستاذ الإمام: قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الخ استئناف يأتي كأن قائلًا يقول: ما

стр. 818

هي حكمة هذه الأحكام وفائدتها لنا؟ وهل كلف الله تعالى أمم الأنبياء السابقين إياها أو مثلها فلم يبح لهم أن يتزوجوا كل امرأة وهل كان ما أمرنا به ونهانا عنه تشديدًا علينا أم تخفيفًا عنا؟ فجاءت الآيات مبينة أجوبة هذه الأسئلة التي من شأنها أن تخطر بالبال بعد العلم بتلك الأحكام، وقوله (ليبين) معناه أن يبين فاللام ناصبة بمعنى أن المصدرية كما قال الكوفيون: ومثله ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] أقول: ويجعل البصريون متعلق الإرادة محذوفًا واللام للتعليل أو العاقبة أي يريد الله ذلك التحريم والتحليل لأجل أن يبين لكم به ما فيه مصلحتكم وقوام فطرتكم. ولهم في هذه اللام أقوال أخرى. وقد حذف مفعول ليبين لتتوجه العقول السليمة إلى استخراجه من ثنايا الفطرة القويمة، وقد أشار الأستاذ الإمام إلى بعض الحكم في تحريم تلك المحرمات عقب سردها ورأينا أن نؤخر ذكرها فنجعله في هذا الموضع ليكون بيانًا لما وجهت إليه النفوس هنا بحذف المفعول، وإنما كتبنا عنه في مذكرتنا بيان عاطفة الأب السائقة إلى تربية ولده وهي تذكر بغيرها من مراتب صلات القرابة، وإننا نذكر ما يتعلق بهذا المقام بالإيجاز، ومحل الإسهاب فيه كتب الأخلاق) (١). ٧ - وعند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] قال: (نادى الله تعالى بهذه الآية جميع الناس، في سياق خطاب أهل الكتاب، لأن الحجة إذا قامت عليهم بشهادة الله تعالى بنبوة محمد ﷺ ووجب عليهم الإيمان به، فبالأولى تقوم على غيرهم، ممن ليس لهم كتاب ككتابهم، وذكر الرسول ههنا معرفًا لأن أهل الكتاب قد بشروا به، وكانوا ينتظرون بعثته. بعنوان أنه الرسول الكامل، الذي هو المتمم الخاتم. ومما يدل على أن اليهود كانوا ينتظرون من الله مسيحًا ونبيًّا بشر بهما أنبياؤهم، ما جاء في

стр. 819

أوائل الفصل الأول من إنجيل يوحنا، وهو أنهم أرسلوا بعض الكهنة واللاويين إلى يوحنا (يحيى ﵇ ليسألوه من هو، وكانت قد ظهرت عليه إمارات النبوة - فسألوه أأنت المسيح؟ قال لا، قالوا أأنت النبي؟ قال لا. والشاهد أنهم ذكروا له النبي بلام العهد. فلا شك أن يهود العرب ونصاراهم لما سمعوا هذه الآية في زمن التنزيل تذكر مجيء الرسول المعروف بصيغة التحقيق (قد) فهموا أن المراد به الرسول الذي بشرهم به موسى ﵇ في التوراة ... وعيسى في الإنجيل ... ومن لم يعرف شيئًا من أمر هذه البشارات يفهم من التعريف معنى آخر وهو صحيح ومراد وهو أن التعريف لإفادة أن هذا الرسول هو الفرد الكامل في الرسل لظهور نبوته، ونصوع حجته، وعموم بعثته، وختم النبوة والرسالة به، ومعنى كونه جاء الناس بالحق من ربهم أنه جاء بالقرآن الذي هو أبلغ بيان للحق، وأظهرت الآيات المؤيدة له، واختيار لفظ الرب هنا للإشعار بأن هذا الحق الذي جاء به يقصد به تربية المؤمنين وتكميل فطرتهم) (١). ٨ - وعند قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] أي كسبتم، وقيل من الجرح بمعنى الخدش أي أن من شأنها أن تجرح ما تصيده، و (مكلبين) اسم فاعل من التكليب، وهو تعليم الجوارح وتأديبها وإضراؤها بالصيد، وأصله تعليم الكلاب، غلب لأنه الأكثر، وقيل أنه من الكلب (يالتحريك) بمعنى الضراوة، يقال هو كلب (ككتف) بكذا، إذا كان ضاريًا به، وموضع (مكلبين) النصب على الحال، وكذلك جملة ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أو هي استئناف، أي أنتم تعلمونهن مما علمكم الله، أي مما ألهمكم الله إياه وهداكم إليه من ترويضها والانتفاع بتعليمها، وما ألهمكم ذلك الانتفاع إلا وهو ييح لكم. ونكتة هذه الجملة على القول بأنها حالية مراعاة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم؛ لأن إغفالها ينسيها ما تعلمت فتصطاد لنفسها، ولا تمسك على

стр. 820

صاحبها، وإمساكها عليه شرط لحل صدها، نص عليه في الجملة التي بعد هذه، وهذا التعليل الذي ألهمنيه الله تعالى أظهر مما قالوه من أنه المبالغة في اشتراط التعليم، وإذا كانت الجملة استئنافًا فنكتتها تذكير الناس بفضل الله عليهم بهدايتهم إلى مثل هذا التعليم، على سنة القرآن في مزج الأحكام بما يغذي التوحيد وينمي الاعتراف بفضل الله وشكر نعمه وغاية تعليم الجارح أن يتبع الصيد بإغراء معلمه أو الصائد به، ويجيب دعوته، وينزجر بزجره، ويمسك الصيد عليه) (١). ٩ - وعند قوله تعالى: ﴿قَال يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] يقول: (قال جمهور المفسرين: إن (يا ويلتا) كلمة تحسر وتلهف، وإنها تقال عند حلول الدواهي والعظائم، وقال في لسان العرب: والويل حلول الشر، والويلة الفضيحة والبلية. وقيل هو تفجع. وإذا قال القائل: يا ويلتاه! فإنما يعني وافضيحتاه! وكذلك تفسير ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩] أ. هـ. وهذا هو المعنى الصحيح. والألف في الكلمة بدل ياء المتكلم إذ الأصل: يا ويلتي والنداء للويلة لإفادة حلول سببها الذي تحل لأجله حتى كأنه دعاها إليه وقال: أقبلي فقد آن أوان مجيئك، فهل بلغ من عجزي أن كنت دون الغراب علمًا وتصرفًا؟ والاسستفهام للإقرار والتحسر، وأما الندم الذي ندمه فهو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعل فعله، إذا ظهر لَهُ أن فعله كان شرًّا له لا خيرًا. وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله تعالى، والتألم من تعدى حدوده، وقصد به الرجوع إليه. وهذا هو المراد بحديث (الندم توبة) رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم والبيهقي، وعلم عليه في الجامع الصغير بالصحة، وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة والتوبة من

стр. 821

إحداث البدعة لا تنجي مبتدعها من سوء أثرها، وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعًا (لا تقتل نفس ظلما إلًا كان على ابن آدم كفل (نصيب) من دمها لأنه أول من سن القتل). ١٠ - وعند قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا﴾ [النساء: ٤٣] يقول: (ولا جنبًا) عطف فيه قوله (ولا جنبًا) على قوله (وأنتم سكارى) والمعنى لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا، فجملة (وأنتم سكارى) حالية، فهي في حيز النصب، وفرق عبد القاهر في دلائل الإعجاز بين الحال المفردة والجملة الحالية، فمعنى جاء زيد راكبًا أن الركوب كان وصفًا له حال المجئ، فهو تابع للمجيء مقدر بقدره، ومعنى جاء وهو راكب: أن الركوبَ وصف ثابت في نفسه، وقد جاء هو في حال تلبسه به، وقد تكون الجملة الحالية غير وصف لذي الحال، كقولك جاء والشمس طالعة، وقد يتقدم مضمونها فعل ذي الحال الذي جعلت قيدًا له، وقد يتأخر عنه، وأما الحال المفردة، فيعتبر فيها مقارنة فعل الركوب، ولهذا قال بعض فقهاء الشافعية: من قال لله عَلَيَّ أن أعتكف صائمًا وجب عليه أن يصوم لأجل الاعتكاف، ولا يجزئه أن يعتكف في رمضان، ومن قال لله عليّ أن أعتكف وأنا صائم، لا يلزمه صوم لأجل الاعتكاف، بل يجزئه أن يعتكف في رمضان، لأن مضمون الجملة الحالية لا يشترط أن يكون مقارنًا لفعل ذي الحال، كما يشترط ذلك في الحال المفردة. هذا وإني لا أذكُر أني رأيت للمفسرين بيانًا لنكتة اختلاف الحالين في هذه الآية فلم لم يقل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا أو لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا أنتم جنب أو يجعل الأولى مفردة والثانية جملة؟ وهل يقع هذا الاختلاف في تعبير القرآن اتفاقًا، أو لمجرد التفنن في العبارة؟ كلا إن النكتة ظاهرة، لا تخفى على من كانت اللغة ملكة له، وقد تخفى عمن تكون صناعة عنده، لا يفهم دقائق نكتها إلا عند تذكر القواعد

стр. 822

الصناعية التي تدل عليها وتدبرها، ومن كانت له الملكة والصناعة قد يفهم المراد في الجملة، ويغفل عن إيضاحها بالقواعد الصناعية. إن التعبير بجمله (وأنتم سكارى) يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى أن يمتد إلى وقت الصلاة، فيفضي إلى آدائها في أثنائه، فالمعنى: احذروا أن يكون السكر وصفًا لكم عند حضور الصلاة، فتصلوا وأنتم سكارى، فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة، بل وفيما يقرب من وقتها، وليس المعنى لا تصلوا حال كونكم سكارى، وعلى هذا لا يرد الاعتراض الذي أورده الأستاذ الإمام وأجاب عنه بثلاثة أجوبة، وإنما كان يرد لو قال تعالى: (لا تقربوا الصلاة سكارى، أو يقال في دفعه هذا، والجواب الأول من تلك الأجوبة في معنى هذا، ولكنه ليس مأخوذًا من منطوق الآية ومدلول الجملة الحالية، وإنما فهمنا منه أنه مأخوذة من توقف الامتثال على اجتناب السكر قبل الصلاة، وصرح بأنه من باب الاحتياط. وأما نهيهم عن الصلاة جنبًا فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة، ولهذا لم يقل وأنتم جنب. فيا لله العجب من دقة عبارة القرآن الحكيم وبلاغتها واشتمالها على المعاني الكثيرة باختلاف التعبير فقد دلت الآية باختلاف الحالين على أن الشارع يريد صرف الناس عن السكر وتربيتهم على تركه بالتدريج لما فيه من الإثم والضرر ولا يريد صرفهم عن الجنابة لأنها من سنن الفطرة وإنما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا، فهذا النهي تمهيد لفرض الطهارة من الجنابة، وكونها شرطًا للصلاة وذلك النهي تمهيد لتحريم الخمر البتة في سياق إيجاب الفهم والتدبر لما في الصلاة من الأذكار والتلاوة) (١). ١١ - وعند قوله ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] يقول: وفي الجملة مباحث لفظية ومعنوية يتضح بها ما فيها من البلاغة.

стр. 823

(الأول) أن في الكلام التفاتًا من الخطاب إلى الغيبة لأن ما قبله خطاب منه سبحانه للمكلفين، والتفاتًا آخر من التكلم إلى الغيبة وإلا لقال: ثم رددنا أو رددناهم على الالتفات - الخ ونكتة الالتفات تفهم من المباحث الأخرى. (الثاني) أنه جعل فعل الرد مبنيًا للمفعول للدلالة على أن له تعالى رسلًا أخرى - والظاهر أنهم غير رسل الموت ورسل الحفظ - يردون العباد إليه بعد البعث عندما يحشرونهم بأمره للحساب والجزاء، وهي أظهر نكت الالتفات. (الثالث) ذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في قوله (ردوا) للكل المدلول عليه بأحد من قوله (إذا جاء أحدكم الموت)، وأن هذا هو السر في مجيئه بطريق الالتفات، والإفراد أولًا والجمع آخرًا، لوقوع التوفي على الإفراد، والرد على الجملة والمجموع. ونحن نرى أنه لا حاجة إلى تكليف القول برجوعه إلى الكل المدلول عليه بأحد. والالتفات عبارة عن جعل ضمير الخطاب الذي للجماعة ضمير غيبة لهم. (الرابع) أن هذا الرد يكون بعد البعث فكان الأصل أن يعبر عنه بفعل الاستقبال كما في آية الجمعة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ [الجمعة: ٨] وعبر هنا بالماضي لإفادة تحقق الوقوع حتى كأنه وقع وانقضى. (الخامس) من فوائد الالتفات من التكلم إلى الغيبة ذكر اسم الجلالة ووصفه بما وصف به، ولا يخفى أن تأثيره في النفس هنا أعظم من تأثير ضمير المتكلم. وينقل أبحاثًا أربعة عقدها السكاكي (١)، عند تفسير قول الله تعالى ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي

стр. 824

مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] تبيّن ما في هذه الآية من علم البيان وعلم المعاني ووضوح الألفاظ والمحسنات البديعية. وقضايا النحو لم تفت الشيخ في ثنايا تفسيره وإن كانت عنايته بها أقل من سابقتها. وسأضرب مثالًا واحدًا ليتبين للقارئ كيف أن الشيخ ﵀ قد غاص في معاني النحو، ولم يقف على ألفاظه الجامدة، وكيف جعل النحو أداة لبيان البلاغة فعند تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] يقول: (ومن مباحث اللفظ أن البصريين والكوفيين من النحاة اضطربوا في إعراب قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ لمجيئه على خلاف المعهود الشائع من اقتران معمول اسم التفضيل بالباء كقوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة القلم ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧] فكان أبعد إعرابهم له عن التكلف أن الباء حذفت منه اكتفاء باقترانها بمقابله المتصل به وهو قوله ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، ومخالفة المعهود في أساليب اللغة لا يكاد يقع في كلام بلغاء أهلها إلا لنكتة يقصدونها به. وكلام رب البلغاء ومنطقهم باللغات أولى بذلك. والنكت منها لفظي كالاختصار والتفنن في الأسلوب، ومنها معنوي وهو أعلى. وقد يكون من نكت مخالفة المعهود الكثير تنبيه الذهن للتأمل، كمن يريد إيقاف سالك الطريق في مكان منه لفائدة له في الوقوف، كما أرى الله تعالى نبيه موسى النار في الشجرة بجانب الطور، فحمل أهله على المكث فيه لما علمنا من حكمة ذلك. وقد بينا هذا النوع من النكت من قبل، وجعلنا منه عطف المرفوع على المنصوب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] أي وكذا الصابئون، أو والصابئون كذلك، خص هؤلاء بإخراجهم عن نسق من قبلهم في الإعراب؛ لأن الناس لم يكونوا يعرفون أنهم بقايا أهل كتاب، وقد يكون حذف الباء في قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧] للتنبيه إلى التأمل والتفكير في كون الله تعالى

стр. 825

أعلم بأحوالهم؛ لأنها هي المقصودة هنا بالذات، بدليل سابق الكلام ولاحقه، إذ هو فيهم. وما ذكر العلم بالمهتدين إلا لأجل التكملة والمقابلة، ولذلك عطف على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد، فتأمل. ولو جازت الإضافة هنا نحو: أفضل من حج واعتمر- لكان الكلام احتباكا تقديره هو أعلم من يضل ومن يهتدي، وهو أعلم بالضالين وبالمهتدين، فحذف من كل من المتقابلين ما أثبت نظيره في الآخر، وليس المانع من جواز الإضافة هنا كون صلة مَنْ فِعلًا مضارعًا لا ماضيًا، كالمثال الذي أوردناه ونظائره. بل المانع هو أن المضاف في مثل هذا الكلام من جنس المضاف إليه، وهو ممتنع في الآية؛ لأنه تعالى لا جنس له، ولو اقترن الموصول هنا بالجار فقيل: هو أعلم ممن يضل عن سبيله لجزمنا بالاحتباك (١). على أنه لا يفوتني أن أنبه على أمرين اثنين: ١ - أن الشيخ رشيد يأبى أن يقصر التفسير على ذكر النكتة البلاغية، أو أن تكون هي المقصود الأول من التفسير، لأن هذا ربما يخرح القرآن عن قصده الأساسي، وهو أنه كتاب هداية. ٢ - يرفض الشيخ رشيد أن نخضع القرآن أو أيّ قراءة متواترة لآراء النحويين ومذاهبهم، وينعى وينحي باللائمة على الذين نهجوا هذا النهج، فجعلوا القرآن تابعًا، وربما أولوا آية أو ردوا قراءة صحيحة؛ لأنها تخالف مذهب الكوفيين أو البصريين، وربما استندوا فيه إلى بيت من الشعر لم يُعرف قائله. فهم مفتونون بمذاهبهم، كما يقول صاحب المنار، عند تفسيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، حيث رد بعض النحاة قراءة حمزة ﵀ بجر الأرحام مع أنها متواترة (٢).

стр. 826

٢ - بيانه لحكمة التشريع ورده لبعض المأثور: لم يكن إطناب الشيخ في تفسير آيات الأحكام بأقل من إسهابه في مسائل اللغة، بل هو في هذه أكثر تعليقًا وأشد تحقيقًا. ذلك أن مسائل اللغة، ليس فيها خلاف كمسائل الفقه من جهة، ولا تلتصق بواقع الحياة العملية من جهة أخرى، ولما كانت آيات الأحكام قد جاءت في الأجزاء الأولى من القرآن، وهي الأجزاء التي هيئ للشيخ أن يفسرها، فإن من الممكن القول بأننا نستطيع أن نأخذ صورة وافية عن آيات الأحكام في تفسير المنار، وأول ما أقرره هنا أن منهجه في تفسيره لآيات الأحكام، تظهر فيه الميزات التالية: أ - حكمة التشريع وما يهدت إليه من سعادة الإنسان. فقلما يمر باية من آيات الأحكام، إلا ونجده ينبري لبيان ما تشتمل عليه من مصالح للفرد أو للجماعة، سواء أكانت روحية أم مادية، نجد هذا واضحًا في آيات الحج والصوم والقصاص وغيرها، وهو في أثناء ذلك كله يبين عظمة الإسلام، ويرد كل ما يعرض له في طريقه من شبهات ومطاعن، مبينًا لا صلاحية الأحكام فحسب، بل تفوقها على ما عداها. وهذا ليس في المعاملات وما يتصل بها من القانون المدني والجنائي وغيرهما فحسب، بل تظهر كذلك في العبادات كالوضوء والغسل وسائر العبادات وإليكم بيانه لحكم مشروعية الوضوء والغسل. يقول: ( ..... ولما بين فرض الوضوء وفرض الغسل، وما يحل محلهما عند تعذرهما أو تعسرهما، تذكيرًا بهما ومحافظة على معنى متعبد فيهما، وهو التيمم - بين حكمة شرعهما لنا مبتدئًا ببيان قاعدة من أعظم قواعد هذه الشريعة السمحة فقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] أي مما يريد الله ليجعل عليكم فيما شرعه لكم في هذه الآية - ولا في غيرها أيضًا - حرجًا ما، أي أدنى ضيق وأقل مشقة، لأنه تعالى غنى عنكم، رؤوف رحيم بكم، فهو لا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والنفع لكم، ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] من القذر

стр. 827

والأذى، ومن الرذائل والمنكرات والعقائد الفاسدة فتكونوا أنظف الناس ابدانًا وأزكاهم نفوسًا وأصحهم أجسامًا وأرقاهم أرواحًا ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالجمع بين طهارة الأرواح وتزكيتها، وطهارة الأجساد وصحتها، فإنما الإنسان روح وجسد، لا تكمل إنسانيته إلا بكمالهما معًا. فالصلاة تطهر الروح وتزكي النفس لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتربي في المصلي ملكة مراقبة الله تعالى وخشيته لدى الإساءة. وحبه والرجاء فيه عند الإحسان، وتذكره دائمًا بكماله المطلق فتتوجه همته دائمًا إلى طلب الكمال (١)، والطهارة التي جعلها الله تعالى شرطًا للدخول في الصلاة، ومقدمة لها، تطهر البدن، وتنشطه، فيسهل بذلك العمل على العامل من عبادة وغير عبادة، فما أعظم نعمة الله تعالى على الناس بهذا الدين القويم! وما أجدر من هداه الله إليه بدوام الشكر له عليه! ولذلك ختم الآية بقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] أي وليعدكم بذلك لدوام شكره فتكونوا أهلًا له ويكون مرجوًا منكم، لتحقق أسبابه، ودوام المذكرات به، فتعنوا بالطهارة الحسية والمعنوية، وتقوموا بشكر النعم الظاهرة والباطنة. وقد استعمل لفظ "الطهارة" في بعض الآيات بمعنى الطهارة البدنية الحسية وفي بعضها بمعنى الطهارة النفسية المعنوية، وفي بعض آخر بالمعنيين جميعًا بدلالة القرينة. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وقوله تعالى في النساء الحُيَّض ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن بعد انقطاع الدم ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وختم الآية بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والتطهر فيه شامل للطهارتين الحسية والمعنوية

стр. 828

أي المتطهرين من الأقذار والأحداث، ومن الفواحش والمنكرات، فالسياق قرينة على المعنى الأول، وذكر التوبة قرينة على المعنى الثاني، ويشير إليه السياق من حيث إن من أتى الحائض قبل أن تطهر وتتطهر يجب عليه التوبة. ومن المعنى الثاني خاصة قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] وقوله تعالى حكاية عن قول لوط ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أي من الفاحشة. ومنه قوله تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] أي طهراه من الوثنية وشعائرها ومظاهرها كالأصنام والتماثيل والصور. ومن الآيات التي استعملت الطهارة فيها بمعنييها قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. فإذا تاملت هذه الآيات وعرفت استعمال القرآن لكلمة الطهارة في معنييها، ترجح عندك أن الآية التي نفسرها من هذا القبيل، فذكر الطهارة بعد الأمر بالوضوء والغسل قرينة المعنى الأول، والسياق العام، وذكر إتمام النعمة بعد الطهارة التي ذكرت بغير متعلق قرينة المعنى الثاني مضمومًا إلى الأول. أما تفصيل القول في حكمة الوضوء والغسل - ويتضمن حكمة ما يجب من طهارة كل البدن والثياب من القذر- فيدخل في مسألتين، نبين فيهما فوائدهما الذاتية وفوائدهما الدينية. الفوائد الذاتية للطهارة الحسية: (الفائدة الأولى) ما أشرنا إليه آنفًا، من كون غسل البدن كله، وغسل أطرافه يفيد صاحبه نشاطًا وهمة، ويزيل ما يعرض لجسده من الفتور والاسترخاء؛ بسبب الحدث أو بغير ذلك من الأعمال التي تنتهي بمثل تأثيره، فيكون جديرًا بأن يقيم

стр. 829

الصلاة على وجهها، ويعطيها حقها من الخشوع ومراقبة الله تعالى، ويعسر هذا في حال الفتور والكسل، والاسترخاء والملل، أو الحر والبرد، ونزيد ذلك بيانًا فنقول: من المعروف عقلًا وتجربة أن الطهارة دواء لهذه العوارض؛ فهي بمقتضى سنة رد الفعل تفيد المقرور حرارة والمحرور ابترادًا، وتزيل الفتور الذي يعقب خروج الفضلات من البدن كالبول والغائط اللذين يضر احتباسهما، كاحتباس الريح في البطن، فالحاقن من البول، والحاقب من الغائط، والحازق من الريح، كالمريض. وكل منهم تكره صلاته كراهة شديدة، فمتى خرجت هذه الفضلات الضارّ احتباسها، يمثنعر الإنسان كأنه كان يحمل حملًا ثقيلًا وألقاه، ويشعر عقب ذلك بفتور واسترخاء. فإذا توضأ زال ذلك ونشط وانتعش، كذلك من مس فرجه أو قبل امرأة مس جسدها بغير حائل، يحصل له لذة جسدية في بعض الأحيان، وحدوث اللذة عبارة عن تثبه أو تهيج في العصب يعقبه فتور ما، بمقتضى سنة رد الفعل، والوضوء يزيل هذا الفتور الذي يصرف النفس باللذة الجسدية عن اللذة الروحية والعقلية، ولهذا اشترط بعض من قال بنقض الوضوء بمس ما ذكر أن يكون بلذة، واكتفى بعضهم بكونه مظنة اللذة. أما إذا بلغ الإنسان من هذه اللذة الجسدية غايتها بالوقاع أو الإنزال، فيكون ذلك منتهى تهيج المجموع العصبي الذي يعقبه بسنة رد الفعل أشد الفتور والاسترخاء والكسل، وضعف الاستعداد للذة الروحية بمناجاة الله وذكره، ولا يزيل ذلك إلا غسل البدن كله؛ فلذلك وجب الغسل عقب ذلك. واشترط بعضهم في الإنزال اللذة، ويحصل نحو هذا الضعف والفتور للمرأة بسببين آخرين وهما: الحيض والنفاس، فشرع لها الغسل عقبهما، كما شرع لها الغسل من الجنابة كالرجل. والظاهر أن سبب ما ورد في السنة من الأمر بالوضوء من أكل ما مسته النار كله هو ما فيه من اللذةلا، وخص منها لحم الإبل لأنهم كانوا يستطيبونه، أو لأنه يستثقل على المعدة فيضعف النشاط عقب أكله، ثم خفف النبي ﷺ عن الأمة في ذلك واكتفى بالحدث الذي هو غاية الأكل عن المبدإ، كما هو مذهب الجماهير، ومن

стр. 830

زال عقله بمرض عصبي أو غيره، كالإغماء والسكر وتناول بعض المخدرات والأدولة، لا ينشط بعد إفاقته إلا إذا أمسّ الماء بدنه بوضوء أو غسل، وإنني أرى هذا الدخان (التبغ والتنباك) الذي فتن به الناس في هذه الأزمنة، لو كان في زمن الشارع لأوجب الوضوء منه، إن لم يحرمه تحريمًا. ويقرب من الإغماء ونحوه النوم، ومهما اختلف الفقهاء في نقض الوضوء به هل هو لذاته أو لكونه مظنة لشيء آخر؟ وهل ينقض مطلقًا أو يشترط فيه الكثرة أو عدم تمكن المقعدة من الأرض؟ فالجماهير على وجوب الوضوء عقب النوم المعتاد. واعلم أن هذه الفائدة تحصل بالماء دون غيره من المائيات حتى ما يزيل الوسخ أكثر من الماء كالكحول، فلا تحصل عبادة الغسل بغير الماء لإنعاشه، وكونه أصل الأحياء كلها، وهذا الذي تعبر عنه الصوفية بتقوية الروحانية للعبادة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية. ولا ينافى روحانية المائية القطرة التي تقطر من الورد وغيره، بل تزيد المتطهر به طهارة وطيبًا وروحانية ومادة الماء معروفة. (الفائدة الثانية من فوائد الطهارة الذاتية): ما أشرنا إليه من كونها ركن الصحة البدنية، وبيان ذلك: أن الوسخ والقذارة مجلبة الأمراض والأدواء الكثيرة، كما هو ثابت في الطب، ولذلك نرى الأطباء ورجال الحكومات الحضرية يشددون في أيام الأوبئة والأمراض المعدية - بحسب سنة الله تعالى في الأسباب - في الأمر بالمبالغة في النظافة، وجدير بالمسلمين أن يكونوا أصلح الناس أجسادًا، وأقلهم أدواء وأمراضًا، لأن دينهم مبنى على المبالغة في نظافة الأبدان والثياب والأمكنة. فإزالة النجاسات والأقذار التي تولد الأمراض من فروض دينهم، وزاد عليها إيجاب تعهد أطرافهم بالغسل كل يوم مرة أو مرارًا، إذ ناطه الشارع بأسباب تقع كل يوم، وتعاهد أبدانهم كلها بالغسل كل عدة أيام مرة، فإذا هم أدوا ما وجب عليهم من ذلك تنتفي أسباب تولد جراثيم الأمراض عندهم، ومن تأمل تأكيد سنة السواك،

стр. 831

وعرف ما يقاسيه الألوف والملايين من الناس من أمراض الأسنان، كان له بذلك أكبر عبرة. ومن دقائق موافقة السنة في الوضوء لقوانين الصحة غير تقديم السواك، عليه تأكيد البدء بغسل الكفين ثلاث مرات، وهذا ثابت في كل وضوء فهو غير الأمر بغسلهما لمن قام من النوم، ذلك بأن الكفين اللتين تزاول بهما الأعمال يعلق بهما من الأوساخ الضارة وغير الضارة ما لا يعلق بسواهما، فإذا لم يبدأ بغسلهما يتحلل ما يعلق بهما، فيقع في الماء الذي به يتمضمض المتوضئ ويستنشق ويغسل وجهه وعينيه، فلا يأمن أن يصيبه من ذلك ضرر مع كونه ينافي النظافة المطلوبة. ومن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل جميع الأعضاء، اختبار طعم الماء وريحه، فقد يجد فيه تغيرًا يقتضي ترك الوضوء به. الفائدة الثالثة من فوائد الطهارة الذاتية: تكريم المسلم نفسه في نفسه وفي أهله وقومه الذين يعيش معهم، كما يكرمها ويزينها لأجل غشيان بيوت الله تعالى للعبادة بهداية قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ومن كان نظيف البدن والثياب كان أهلا لحضور كل اجتماع، وللقاء فضلاء الناس وشرفائهم، ويتبع ذلك أنه يرى نفسه أهلًا لكل كرامة يكرم بها الناس، وأما من يعتاد الوسخ والقذارة فإنه يكون محتقرًا عند كرام الناس، لا يعدونه أهلا لأن يلقاهم ويحضر مجالسهم، ويشعر هو في نفسه بالضعة والهوان، ومن دقق النظر في طبائع النفوس وأخلاق البشر رأى بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن، أو طهارة الجسد واللباس ؤطهارة النفس وكرامتها - ارتباطًا وتلازمًا. والطهارة في الآية تشمل الأمرين معًا كما تقدم، وكل منهما يكون عونًا للآخر. كما أن التنطع والإسراف في أي واحدة منهما يشغل عن الأخرى. وهذا هو سبب عدم عناية بعض الزهاد والعباد بنظافة الظاهر، وعدم عناية الموسوسين المتنطعين في نظافة الظاهر بنظافة الباطن، والإسلام وسط بينهما. يأمر بالجمع بين الأمرين منهما، وإن اشتبه ذلك على بعض المحققين حتى هونوا أمر نظافة الظاهر في بعض كتبهم مع ذكرهم لأدلتها في تلك الكتب، والله تعالى يقول

стр. 832

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ولأجل هذا قال رسول الله ﷺ "الطهور شطر الإيمان" رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وله تتمة. وذلك أن الإنسان مركب من جسد ونفس وكماله إنما يكون بنظافة بدنه وتزكية نفسه. فطهور الجسم هو الشطر الأول الخاص بالجسد، وتزكية النفس بسائر العبادات هو الشطر الثاني، وبكلتيهما يكمل الإيمان بالأعمال المترتبة عليه. ويؤيد ذلك ما ورد عن تأكيد الأمر بالغسل يوم الجمعة والطيب ولبس الثياب النظيفية لأنه يوم عيد الأسبوع، يجتمع الناس فيه على عبادة الله تعالى فيطلب فيه ما يطلب في عيدي السنة. وورد في أسباب الأمر بالغسل فيه خاصة أن بعض الصحابة كانوا يتركون فيه أعمالهم قبيل وقت الصلاة، فتشم رائحة العرق منهم ولا تكون أبدانهم نظيفة. وفي بعض هذه الروايات أنهم كانوا يلبسون الصوف فإذا عرقوا علت رائحته، حتى شمها النبي ﷺ مرة وهو يخطب، فكان يأمرهم بالغسل والطيب، والثياب النظيفة لأجل هذا، رواه ابن جرير وغيره، وقد روى مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من عدة طرق أن النبي ﷺ قال: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أي بالغ مكلف، وحكى ابن حزم القول بوجوب غسل الجمعة عن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد، ولكن المالكية والشافعية على كونه سنة مؤكدة، والوجوب قول الشافعي في القديم ورواية عنه في الجديد، وعارض القائلون بأنه سنة حديث الوجوب بما يدل على أن المراد به التأكيد لصحة صلاة الجمعة ممن توضأ فقط. وقال الظاهرية أنه واجب لليوم وليس شرطًا لصحة صلاتها. وقال ابن القيم: إن أدلة وجوبه أقوى من أدلة وجوب الوضوء من لمس المرأة ومس الفرج والقيء والدم (١).

стр. 833

ب - عدم الالتزام بمذهب فقهي معين، وحملته على التقليد. فهو يصرح دائمًا بسلفيته، عليها يحيا وعليها يموت، وتأثره بابن تيمية وابن القيم لا يخفى على أحد، فلقد كان أكثر من الشيخ محمد عبده في هذا. ولو أنه كان يكتفي ببيان ما يراه في المسألة لكان هذا مقبولًا معقولًا، ولكنه سلك مسلكًا زائدًا على هذا، وهو رده أقوال مخالفيه، واصفًا إياهم بالمقلدين، ولو كانوا أعلامًا منصفين، ولهذا نجد في تفسيره كثيرًا من الآراء التي خالف فيها الجمهور، حتى لقد كان مغاليًا في حديثه عن التقليد والمقلدين، يدلك على هذا ما نقلناه عنه في حديثه عن الشيخ محمد عبده، وقد كان يجمع بين الصلوات، بأن مثل هذا العمل لا يرضي المقلدين، مع أن الجمع بين الصلوات مردود عند أهل السنة على اختلاف مذاهبهم وآرائهم. جـ - استعانته بما ورد من الأحاديث وآراء السلف في تفسيره لآيات الأحكام، مع رده لبعض ما أجمعت الأمة على صحته أحيانًا. نماذج من تفسيره لآيات الأحكام ١ - مخالفته لأئمة الأمصار وفقهاء المذاهب أ - مخالفته في آية الوصية: عند تفسيره آية الوصية في سورة البقرة، يذكر أقوال العلماء (١) وينقل عن الألوسي ﵀، ثم يرد عليه ويختم رده بقوله: (فما هذا الحرص على إثبات نسخها، مع تأكيد الله تعالى إياها، والوعيد على تبديلها، إن هذا إلا تأثير التقليد). رحم الله صاحب المنار وعفا عنه، ألكي لا يكون الشخص مقلدًا، ينبغي أن يقلد رأيه؟ وإن جمهورًا من الأئمة كأبي حنيفة والشافعي قد قالوا بنسخ هذه الآية الكريمة، أفيعدّ هؤلاء مقلدين؟ وإذا كانوا كذلك، فمن المجتهد؟ ومن الذي قلدوه؟ .

стр. 834

ثم يحاول صاحب المنار أن يضعف الحديث (لا وصية لوارث)، بحجة أن الشيخين لم يروياه مسندًا لعدم ثقتهما به، وأن البخاري قد رواه موقوفًا عن ابن عباس ﵄، وأنه لا يعقل أن ينسخ القرآن بالحديث، لأن هذا الحديث ربما لم يقله الرسول ﷺ ، أو قاله رأيًا. وعجيب هذا من السيد وأعجب منه أنه رد أحاديث رواها الشيخان أنفسهما، ولكنه صحح أحاديث لم يروياها، كما سنرى، والقول بأن الشيخين لم يخرجاه لعدم ثقتهما به قول مردود، لأن من المعلوم أنهما لم يلتزما بإخراج جميع الصحيح. وأما رواية البخاري له موقوفًا على ابن عباس، فإن الحافظ قال في (الفتح) (١): إن له حكم المرفوع لأنه في تفسيره -أي ابن عباس- إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير. ولكن الشيخ تناسى هذا القول أو أغفله، والأغرب من ذلك قوله (بأن الرسول ﵌ ربما لم يقله أو قاله رأيًا). وهذا غير وارد لأن العلماء جزاهم الله خيرًا، قد بينوا لنا ما قاله الرسول ﷺ وما لم يقله، والرسول الكريم لا يمكن أن يقول رأيًا في الدين، وعلى التسليم بذلك، فإما أن يقره الوحي أو يرده. وبعد: فحديث (إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) (٢) تلقته الأمة بالقبول، وأجمع جمهور الأئمة على صحته. يقول الشافعي ﵁ (٣):

стр. 835

(وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أهل العلم من بالمغازي من قريش وغيرهم، لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح (لا وصية لوارث ولا يقتل مؤمن بكافر) ويأثرون عمن حفظوا عنه، ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد، كذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين (١)، ولعلم الله أن أنوار النبوة تنادي على صحة هذا الحديث. ٢ - مخالفة الجمهور في معنى الإحصان: نجده يخالف الجمهور في تحديد من ينطبق عليها معنى الإحصان، فهو يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]: (ثم قيدوا المحصنات هنا بقيد آخر هو كونهن أبكارًا، لأنهم يعدون من تزوجت محصنة، وإن آمت بطلاق أو موت زوجها، والوصف لا يفيد ذلك، فإن المحصنة بالزواج هي التي لها زوج يحصنها، فإذا فارقها لا تسمى محصنة بالزواج كما أنها لا تسمى متزوجة، كذلك المسافر إذا عاد من سفره لا يسمى مسافرًا والمريض إذا برئ لا يسمى مريضًا، وقد قال بعض الذين خصوا المحصنات بالأبكار، إنهن قد أحصنتهن البكارة، ولعمري إن البكارة حصن منيع، لا تتصدى صاحبته لهدمه بغير حقه، وهي على سلامة فطرتها وحيائها، وعدم ممارستها للرجال. وما حقه إلا أن يستبدل به حصن الزوجية، ولكن ما بال الثيب التي فقدت كل واحد من الحصنين، تعاقب أشد العقوبتين، إذ حكموا عليها بالرجم؟ هل يعدون الزواج السابق محصنًا لها، وما هو إلا إزالة لحصن البكارة، وتعويد لممارسة الرجال، فالمعقول الموافق لنظام الفطرة، هو أن يكون عقاب الثيب التي تأتي الفاحشة دون عقاب المتزوجة وكذا دون عقاب البكر أو مثله في الأشد. وقد بلغني أن بعض الأعراب في اليمن، يعاقبون بالقتل كلًّا من

стр. 836

البكر والمتزوجة إذا زنتا، ولا يعاقبون الثيب بالقتل ولا بالجلد، لأنهم يعدونها معذورة طبعًا، وإن لم تكن معذورة شرعًا). وما ذكره يبدو مقبولًا من الجهة العقلية، لكنه مخالف لظاهر الأحاديث، إلا أن يقال بأن من رجمن في حياته ﵌، كن ذوات أزواج، فهن المقصودات بالنص وقد وعد ﵀ أن يتم هذا البحث في سورة النور، حيث قال: (ولا أذكر أنني رأيت حديثًا صريحًا في رجم الأيِّم الثيب، وسأتتبع جميع الروايات عند تفسير آية النور وأحرر المسألة من كل وجه، إن أنسأ الله في العمر) ولكن الله أراد غير ذلك. فرحم الله الشيخ وغفر له وأيًا ما كان الأمر، فإن الشيخ رشيدًا قد خالف الجمهور فيما ذهب إليه، ولا ندري هل ما ذكره ينطبق على الرجل كذلك إن ذهبت زوجته بطلاق أو موت؟ . وبعد مراجعتي الأحاديث التي ذكر فيها الرجم، يظهر لنا أن الغامدية عند رجمها لم تكن ذات زوج، والحق ما أجمع عليه العلماء خلافًا لما قرره. الشيخ رشيد ﵀. على أن الأستاذ مصطفى الزرقا ﵀ ذهب في كنابه المدخل الفقهي (١) مذهب الشيخ رشيد، والأستاذ الزرقا ﵀ على الرغم من كونه حنفيًا لكنه قد يخالف المذهب، يقول ابن عابدين الحنفي في حاشيته في تعليقه على كلام صاحب الدر المختار (واعلم أنه لا يجب بقاء النكاح لبقائه) أي الإحصان، فلو نكح في عمره مرة ثم طلق وبقي مجردًا وزنى رجم) يقول ابن عابدين (قوله واعلم) ذكر هذه المسألة في الدرر، قوله (فلو نكح في عمره مرة) أي ودخل بها، قوله (ثم طلق) عبارة الدرر: ثم زال النكاح وهي أعم لشمولها زوال النكاح بموتها أو ردتها أو نحو ذلك) (٢).

стр. 837

ويظهر أن هذا أمر مجمع عليه بين الأئمة. ٣ - عند تفسيره آية التيمم في سورة النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] يرى أن التيمم مباح للمسافر مع وجود الماء، وهذا القول لم يسبق إليه، اللهم إلا ما ذكره صديق حسن خان في بعض كتبه، والمعروف أن صديق حسن خان يسير على نهج الشوكاني، يظهر هذا في تفسيره، فهو اختصار لتفسير الشوكاني فتح القدير، ومع أن الشوكاني في السيل الجرَّار لا يرى هذا الرأي والمجمع عليه عند العلماء وأئمة الأمصار وفقهائها أن التيمم إنما يباح عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، قال الشيخ الأستاذ الإمام: المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء فعلى كل هؤلاء التيمم فقط. هذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب من وراء القرآن، يجعلها بالتكلف حجة له منطبقة عليه. وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرًا، فلم أجد فيها غناء، ولا رأيت قولًا فيها يسلم من التكلف، ثم رجعت إلى المصحف وحده فوجدت المعنى واضحًا جليًّا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره، وهو لا يحتاج عند من يعرف العربية مفرداتها وأساليبها إلى تكلفات فنون النحو وغيره من فنون اللغة، عند حافظي أحكامها من الكتب، مع عدم تحصيل ملكة البلاغة -إلى آخر ما أطال به في الإنكار على المفسرين الذين عدوا الآية مشكلة لأنها لم تنطبق على مذاهبهم انطباقًا ظاهرًا سالمًا من الركاكة، وضعف التأليف والتكرار، التي يتنزه عنها أعلى الكلام وأبلغه. وإذا كان ﵀ قد راجع خمسة وعشرين تفسيرًا رجاء أن يجد فيها قولًا لا تكلف فيه، فأنا لم أراجع عند كتابة تفسيرها إلا روح المعاني وهو آخر التفاسير المتداولة تأليفًا، وصاحبه واسع الإطلاع فإذا به يقول (الآية من معضلات القرآن) ووالله أن

стр. 838

الآية ليست معضلة ولا مشكلة وليس في القرآن معضلة إلا عند المفتونين بالروايات والاصطلاحات وعند من اتخذوا المذاهب المحدثة بعد القرآن أصولًا للدين يعرضون القرآن عليها عرضًا، فإذا وافقها بغير تكلف أو بتكلف قليل فرحوا وإلا عدوها من المشكلات والمعضلات على أن القاعدة القطعية المعروفة عمن أنزل عليه القرآن ﷺ وعن خلفائه الراشدين ﵃: أن القرآن هو الأصل الأول لهذا الدين، وإن حكم الله يلتمس فيه أولًا، فإن وجد فيه يؤخذ، وعليه يعول، ولا يحتاج معه إلى مأخذ آخر، وإن لم يوجد التمس من سنة رسول الله ﷺ ، على هذا أقر النبي ﷺ معاذًا حين أرسله إلى اليمن، وبهذا كان يتواصى الخلفاء والأئمة من الصحابة والتابعين، وقد رأى القارئ أن معنى الآية واضح في نفسه لا تكلف فيه ولا إشكال ولله الحمد. سيقول أدعياء العلم من المقلدين: نعم إن الآية واضحة المعنى كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم، ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين، ويعقل أن يخالفوها من غير معارض لظاهرها أرجعوها إليه. ولنا أن نقول لمثل هؤلاء -وإن كان المقلد لا يُحاجُّ لأنه لا علم له- وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلًا مشكلًا؟ وأي الأمرين أولى بالترجيح: آلطعن ببلاغة القرآن وبيانه لحمله على كلام الفقهاء، أم تجويز الخطأ على الفقهاء؛ لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر التي منها قصر الصلاة وجمعها وإباحة الفطر في رمضان، فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين؟ أليس من المجرب أن الوضوء والغسل يشقان على المسافر الواجد للماء في هذا الزمان الذي سهلت فيه أسباب السفر في قطارات السكك الحديدية والبواخر؟ أفلا يتصور المنصف أن المشقة فيهما أشد على المسافرين على ظهور الإبل في مفاوز الحجاز وجبالها؟ هل يقول منصف إن صلاة الظهر أو العصر أربعًا في السفر أسهل من الغسل أو الوضوء

стр. 839

فيه؟ السفر مظنة المشقة، يشق فيه غالبًا كل ما يؤتى في الحضر بسهولة وأشق ما يشق فيه الغسل والوضوء، وإن كان الماء حاضرًا مستغنى عنه. وأضرب لهم مثلًا هذه الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، فإن الماء فيها كثير دائمًا وفي كل باخرة منها حمامات أو بيوت مخصوصة للاغتسال بالماء الساخن والماء البارد، ولكنها خاصة بالأغنياء الذين يسافرون في الدرجة الأولى أو الثانية، وهؤلاء الأغنياء منهم من يصيبه دوار شديد يتعذر عليه معه الاغتسال، أو خفيف يشق معه الاغتسال، ولا يتعذر، فإذا كانت هذه السفن التي يوجد فيها من الماء المعد للاستحمام ما لم يكن يوجد مثله في بيت أحد من أهل المدينة زمن التنزيل، يشق فيها الاغتسال أو يتعذر، فما قولك في الاغتسال في قطارات سكك الحديد أو قوافل الجمال والبغال؟ . إلا أن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأولى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام، واحتمال ربط قوله تعالى (فلم تجدوا ماء) بقوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر) بعيد بل ممنوع ألبتة، كما تقدم، على أنهم لا يقولون به في المرضى؛ لأن اشتراط فقد الماء في حقهم لا فائدة له؛ لأن الأصحاء مثلهم فيه، فيكون ذكرهم لغوا يتنزه عنه القرآن، ونقول إن ذكر المسافرين كذلك، فإن المقيم إذا لم يجد الماء يتيمم بالإجماع، فلولا أن السفر سبب الرخصة كالمرض لم يكن لذكره فائدة، والذنك عللوه بما هو ضعيف متكلف. وما ورد في سبب نزولها من فقد الماء في السفر أو المكث مدة على غير ماء لا ينافي ذلك. رووا (أنها نزلت في بعض أسفار النبي ﷺ وقد انقطع فيها عقد لعائشة فأقام النبي ﷺ على التماسه والناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال حبست رسول الله ﷺ والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء، فنزلت الآية فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الخضير إلى مضرب عائشة فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر) رواه الستة وفي رواية (يرحمك

стр. 840

الله تعالى يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهين إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجًا. فهذه الرواية وهي من وقائع الأحوال لا حكم لها في تغيير مدلول الآية، ولا تنافي جعل الرخصة أوسع من الحال التي كانت سببًا لها، ألا ترى أنها شملت المرضى، ولم يذكر في هذه الواقعة أنه كان فيها مرضى شق عليهم استعمال الماء، على تقدير وجوده، وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدًا للماء، ولا أن النبي ﷺ جعل التيمم فيها خاصًّا بفاقدي الماء دون غيرهم، ومثلها سائر الروايات المصرحة بالتيمم في السفر لفقد الماء التي هي عمدة الفقهاء، على أنها منقولة بالمعنى وهي وقائع أحوال مجملة لا تنهض دليلًا، ومفهومُها مفهومُ مخالفة، وهو غير معتبر عند الجمهور، ولا سيما في معارضة منطوق الآية. وإننا نرى رخصة قصر الصلاة قد قيدت بالخوف من فتنة الكافرين كما سيأتي في هذه السورة، ونرى هؤلاء الفقهاء كلهم لم يعملوا فيها بمفهوم هذا الشرط في كتاب الله! ! وروي في سبب النزول أيضًا: أن الصحابة نالتهم جراحة وابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك للنبي ﷺ فنزلت، وروي أيضًا: أنها نزلت فيمن اغتسل في السفر بمشقة وسيأتي. وإذا ثبت أن التيمم رخصة للمسافر بلا شرط ولا قيد، بطلت كل تلك التشديدات التي توسعوا في بنائها على اشتراط فقد الماء، ومنها ما قالوه من وجوب طلبه في السفر وما وضعوه لذلك من الحدود، كحد القرب وحد الغوث. وأذكر أنني عندما كنت أدرس شرح المنهاج في فقه الشافعية قرأت باب التيمم في شهرين كاملين لم أترك الدرس فيهما ليلة واحدة فهل ورد أن النبي ﷺ أو أحد الصحابة تكلم في التيمم يومين أو ساعتين؟ وهل كان هذا التوسع في استنباط الأحكام والشروط والحدود سعة ورحمة على المؤمنين أم عسرًا وحرجًا عليهم؟ وهو ما رفعه الله عنهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] العفوّ ذو العفو العظيم، ويطلق العفو بمعنى اليسر والسهولة، ومنه في التنزيل (خذ العفو) وفي الحديث (قد عفوت عن

стр. 841

صدقة الخيل والرقيق) أي أسقطتها تيسيرًا عليكم. ومن عفوه تعالى أن أسقط في حال المرض والسفر وجوب الوضوء والغسل. ومن معاني العفو محو الشيء، يقال: عفت الريح الأثر، ويقال: عفا الأثر (لازم) أي امَّحى، ومنه: العفو عن الذنب عفا عنه وعفا له ذنبه وعفا) (١). بقي بعد ذلك النظر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] من جهة ما تدل عليه من الأسباب المبيحة لتلك البديلة. ونحن في هذا المقام نريد أن نقف بأنفسنا أمام هذه الجملة من آية الطهارة، ناظرين في تلك الوقفة فقط إلى صلتها بالجملتين السابقتين لنتعرف -بمجرد النظر في الأسلوب- الأحوال التي تريد الآية أن تضع لها أحكامها من جهة الطهارة واستباحة الدخول في الصلاة، وبهذه النظرة نجد آية الطهارة تسوق شرطيات ثلاثًا: تخاطب المؤمنين أولًا، وتسوق لهم شرطيتين تبين فيهما حكم الحالة التي هم عليها بحسب الطبيعة والعادة، وهي حالة الإقامة، ووجود الماء والقدرة على استعماله، وترشدهم إلى أنهم إذا أرادوا الصلاة -وكانوا طبعًا على حالة من الحدث المنافي للصلاة- وجب عليهم أن يتطهروا طهارة صغرى إن كان الحدث أصغر، وهي الوضوء المذكور في الشرطية الأولى وهي قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وطهارة كبرى إن كان الحدث أكبر وهي الغسل المذكور في الشرطية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وظاهر أن الحكم في هاتين الحالتين لم يدخل في حيثياته سوى الاعتبارات الطبيعية الجارية علي الناس بحكم العرف والعادة، ولم ينظر فيها إلى طاري عليهم من مرض أو سفر، أو فقدان ماء، أو عجز عن استعماله، وبعد هذا صار من الحتم

стр. 842

استيفاء لأحكام هذه الأحوال الطارئة أن نعرفها، وأن نعرف أساس الحكم فيها من هذه الطوارئ، فجاءت الشرطية الثالثة تبين لنا الحكم في ظل تلك الطوارئ. ولما كان الأصل الذي عليه الناس هو صحتهم، وإقامتهم، ووجود الماء فيما بينهم، وعلى هذا الأصل جاء الحكم في الشرطيتين السابقتين، كان من الضروري أن تعرض الآية للأحوال الطارئة على هذا الأصل، وهي أحوال المرض والسفر، وعدم وجود الماء، فذكرت الشرطية الثالثة الحكم في الأحوال الثلاثة بعناوينها الخاصة فقالت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وعلى هذا يكون (المرض) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه دون أي اعتبار آخر معه، سواء صحبته إقامة أم سفر. أو وجود ماء أو فقده، أو حدث أصغر أو أكبر، ويكون (السفر) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه دون أي اعتبار آخر معه سواء صحبه مرض أو صحة، أو وجود ماء أو فقده في حدث أصغر أو أكبر، ويكون (فقد الماء) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه صحبته صحة أم مرض، إقامة أو سفر، في حدث أصغر أم أكبر، وبهذا تكون الشرطية الثالثة جاءت لبيان أحكام الحالات التي طرأت على ما هو الشأن في الناس من الإقامة، والصحة، ووجود الماء. هذا هو الذي نفهمه من الأسلوب القرآني بمجرد النظر فيه، وتتبع الأحوال التي دلت عليها العادة الجارية، وأشارت إلى ما يخالفها العناوين الخاصة التي ذكرت في تلك الشرطية من (المرض، والسفر، وعدم وجدان الماء) وبذلك يكون (المرض) مبيحًا للتيمم كيف كان، وعلى أي حال كان المريض، ويكون (عدم وجدان الماء) مبيحًا للتيمم كيف كان الفاقد له، وعلى أي حال كان، فالمريض يتيمم، والمسافر يتيمم، وفاقد الماء يتيمم، وكلها أسباب مستقلة مبيحة للتيمم. أما الجمهور فقد قالوا: إن المذاهب المعروفة عندنا لا تبيح التيمم للمسافر إلا عند فقد الماء، ولا يمكن أن يعقل ذلك من أرباب المذاهب كلها إلا إذا كان لديهم

стр. 843

أصل لذلك الحكم يجعلهم يقفون أمام الآية هذا الموقف الذي وقفوه، وكانت به في نظرهم من المشكلات المعضلات، ولكن أي أصل هذا الذي يقف أمامهم قبل القرآن، ويجعلونه حكمًا على القرآن؟ قالوا: إن الأحاديث والروايات التي ذكرت السفر والتيمم فيه، كانت كلها مجمعة على أن القوم لم يكن عندهم ماء وهم على سفر، وأن التيمم أبيح لهم وهم على تلك الحال، ونحن نقول: أبيح لهم التيمم وهم على تلك الحال، وهل منعوا منه وهم على سفر مع وجود الماء؟ لم يرد ذكر حالة مثل هذه، وليست الإباحة في الحالة التي وقعت لهم مانعة من الإباحة في مثل تلك الحالة إذا وقعت، ولم يوجد نص قولي يعم الأحوال كلها، ويحدد ما يباح التيمم فيه للمسافر وما لا يباح، فأكل ما ورد وقائع أحوال لا عموم لها ولا تدل على انتفاء الحكم في غيرها. قالوا: إن ذكر السفر هنا لدفع توهم أنه مرخص بذاته، كما عرف له ذلك في الصلاة والصوم، وكأنه يقول إن السفر في هذا الباب ليس مرخصًا بذاته، ولا أثر له في إباحة التيمم إلا إذا عدم الماء كالمقيم سواء بسواء، ولعلهم يقولون بمثل ذلك في المرض ويمنعون تيمم المريض متى كان الماء موجودًا، وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء، ونحن نقول: كان يكفي الاقتصار على عدم وجود الماء، فيعم الأحوال كلها، ويفهم ذلك الذي تقولون من مجرد الاقتصار على عدم الماء، ومن المعلوم أن الرخصة لا تثبت لحالة خاصة إلا إذا نص عليها، وما لم ينص عليها يعمها الحكم دون استثناء، ثم كيف يقبل أن المرض لا يبيح التيمم، وعندئذ يقولون دفعًا لهذا: إن المراد بعدم الوجدان عدم القدرة على استعماله والانتفاع به، ويكون بذلك عدم الوجدان مستعملًا في حقيقته ومجازه، فإن قالوا: دل على هذا الاستعمال قاعدة نفي الحرج وما أباحه الله من الرخص في حالة المرض، قلنا: وبمثل هذا يقال في السفر، فقد أباح الله فيه -كما أباح في المرض- الإفطار في رمضان، وقصر الصلاة والجمع بين الصلوات، وما إلى ذلك من سائر الرخص التي رتبها الشارع عليهما معًا.

стр. 844

ولقد رأى الشيخ شلتوت ﵀ رأي صاحب المنار مع أنه يخالفه في أحيان كثيرة يقول ﵀: ولا يقال إن هناك فرقًا بين الحدث الأصغر والأكبر، لأن إباحة التيمم تشملهما معًا للمريض وللمسافر، وقد جمع القرآن بينهما في قوله سبحانه ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وليس من المقبول ولا من المعقول أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون أن التيمم مباح مع وجود الماء للمسافر، وأن يكون هذا موقفهم من عمرو بن العاص ﵁، سامح الله الشيخ رشيدًا ومن بعده الشيخ شلتوت رحمهما الله تعالى ومعهما الشيخ محمد عبده. وإذا كان قول الشيخ رشيد في المسألة السابقة -أعني قضية الرجم، ورأيه أن الإحصان يشترط له دوام الزواج- أقول إذا كان في هذا الرأي وجاهة، فإن ما قاله في هذه المسألة، وهي مسألة تيمم المسافر مع وجود الماء، فيه شيء من الغرابة، ومع أن الشيخ أطال النفس في دفاعه عن رأيه، وهو رأي الإمام الشيخ محمد عبده، فإن كل ما ذكره لا يخلو من مناقشة، وما أبعد الفرق بين قصر الصلاة المباح للمسافر، وبين تيممه مع وجود الماء، فقصر الصلاة رخصة ذكرت في كتاب الله تعالى، وبينها سيدنا رسول الله ﷺ ، ومع ذلك يجوز للمسافر أن يتم الصلاة عند أكثر الأئمة إلا أن القصر أفضل، أما التيمم فهو عبادة بديلة عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، والمتتبع لغزوات الرسول ﷺ ، وأحوال الصحابة ﵃، كما أنبأت عنها السير والأخبار يدرك أنهم كانوا يتوضئون ويغتسلون، وما كانوا يتيممون مع وجود الماء ونستدل هنا بما كان من عمرو بن العاص ﵁ حينما أجنب وتيمم لعدم قدرته على استعمال الماء البارد، وعجب الصحابة، فأخبروا النبي ﷺ فأقره على عمله، ولو كان التيمم مباحًا مع وجود الماء ما كان في القضية غرابة مع أن إسلام عمرو ﵁، كان متأخرًا (هاجر إلى

стр. 845

رسول الله ﷺ مسلمًا في أوائل سنة ثمان) (١) وتيممه كان في غزوة ذات السلاسل وهي سنة ثمان، فلو كان الأمر كما يقول الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد، ومن بعدهما الشيخ محمود شلتوت -رحمهم الله تعالى- لكان الأمر طبيعيًا أن يتيمم عمرو دون أن يجد الصحابة فيه شيئًا من الغرابة، فيرفعوا أمره إلى سيدنا رسول الله ﷺ ، ويدافع عمرو عن نفسه بأنه خشي على نفسه، ولو كان الأمر كما قال الشيخ رشيد لكان الرسول ﷺ قد بينه لهؤلاء، وأخبرهم بأن السفر يبيح لهم التيمم، لكن شيئًا من هذا لم يحدث. والحق أن إباحة التيمم للمسافر مع وجود الماء لا نتفق فيها مع ما ذهب إليه صاحب المنار ولا يسعنا كذلك إلا أن نوافق جمهور العلماء فيما ذهبوا إليه والله ورسوله أعلم. ٤ - مخالفته فيما حرم من الأطعمة: يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٢) (الآية وردت بصيغة الحصر القطعي. فهي نص قطعي في حِل ما عدا الأنواع الأربعة، التي حصر التحريم بها فيها، وقد بينا في تفسير آية المائدة أن المنخنقة والموقوذة والمتردية وأكيلة السبع، التي تموت بذلك، ولا تدرك تذكيتها قبل الموت، من نوع الميتة، فهي تفصيل لها لا أنواع حرمت بعد ذلك حتى تعد ناسخة لآية الأنعام، وتحريم الخبائث لا يدل على محرمات أخرى في الطعام غير هذه، فيجعل ناسخًا للحصر فيها، فإن لفظ الخبائث، يشمل ما ليس من الأطعمة كالأقذار، وأكل أموال الناس بالباطل وكل شيء رديء. قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فليس في القرآن ناسخ لهذه الآية، وما في
следующие страницы →