← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

صدقة الخيل والرقيق) أي أسقطتها تيسيرًا عليكم. ومن عفوه تعالى أن أسقط في حال المرض والسفر وجوب الوضوء والغسل. ومن معاني العفو محو الشيء، يقال: عفت الريح الأثر، ويقال: عفا الأثر (لازم) أي امَّحى، ومنه: العفو عن الذنب عفا عنه وعفا له ذنبه وعفا) (١). بقي بعد ذلك النظر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] من جهة ما تدل عليه من الأسباب المبيحة لتلك البديلة. ونحن في هذا المقام نريد أن نقف بأنفسنا أمام هذه الجملة من آية الطهارة، ناظرين في تلك الوقفة فقط إلى صلتها بالجملتين السابقتين لنتعرف -بمجرد النظر في الأسلوب- الأحوال التي تريد الآية أن تضع لها أحكامها من جهة الطهارة واستباحة الدخول في الصلاة، وبهذه النظرة نجد آية الطهارة تسوق شرطيات ثلاثًا: تخاطب المؤمنين أولًا، وتسوق لهم شرطيتين تبين فيهما حكم الحالة التي هم عليها بحسب الطبيعة والعادة، وهي حالة الإقامة، ووجود الماء والقدرة على استعماله، وترشدهم إلى أنهم إذا أرادوا الصلاة -وكانوا طبعًا على حالة من الحدث المنافي للصلاة- وجب عليهم أن يتطهروا طهارة صغرى إن كان الحدث أصغر، وهي الوضوء المذكور في الشرطية الأولى وهي قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وطهارة كبرى إن كان الحدث أكبر وهي الغسل المذكور في الشرطية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وظاهر أن الحكم في هاتين الحالتين لم يدخل في حيثياته سوى الاعتبارات الطبيعية الجارية علي الناس بحكم العرف والعادة، ولم ينظر فيها إلى طاري عليهم من مرض أو سفر، أو فقدان ماء، أو عجز عن استعماله، وبعد هذا صار من الحتم

стр. 842

استيفاء لأحكام هذه الأحوال الطارئة أن نعرفها، وأن نعرف أساس الحكم فيها من هذه الطوارئ، فجاءت الشرطية الثالثة تبين لنا الحكم في ظل تلك الطوارئ. ولما كان الأصل الذي عليه الناس هو صحتهم، وإقامتهم، ووجود الماء فيما بينهم، وعلى هذا الأصل جاء الحكم في الشرطيتين السابقتين، كان من الضروري أن تعرض الآية للأحوال الطارئة على هذا الأصل، وهي أحوال المرض والسفر، وعدم وجود الماء، فذكرت الشرطية الثالثة الحكم في الأحوال الثلاثة بعناوينها الخاصة فقالت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وعلى هذا يكون (المرض) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه دون أي اعتبار آخر معه، سواء صحبته إقامة أم سفر. أو وجود ماء أو فقده، أو حدث أصغر أو أكبر، ويكون (السفر) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه دون أي اعتبار آخر معه سواء صحبه مرض أو صحة، أو وجود ماء أو فقده في حدث أصغر أو أكبر، ويكون (فقد الماء) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه صحبته صحة أم مرض، إقامة أو سفر، في حدث أصغر أم أكبر، وبهذا تكون الشرطية الثالثة جاءت لبيان أحكام الحالات التي طرأت على ما هو الشأن في الناس من الإقامة، والصحة، ووجود الماء. هذا هو الذي نفهمه من الأسلوب القرآني بمجرد النظر فيه، وتتبع الأحوال التي دلت عليها العادة الجارية، وأشارت إلى ما يخالفها العناوين الخاصة التي ذكرت في تلك الشرطية من (المرض، والسفر، وعدم وجدان الماء) وبذلك يكون (المرض) مبيحًا للتيمم كيف كان، وعلى أي حال كان المريض، ويكون (عدم وجدان الماء) مبيحًا للتيمم كيف كان الفاقد له، وعلى أي حال كان، فالمريض يتيمم، والمسافر يتيمم، وفاقد الماء يتيمم، وكلها أسباب مستقلة مبيحة للتيمم. أما الجمهور فقد قالوا: إن المذاهب المعروفة عندنا لا تبيح التيمم للمسافر إلا عند فقد الماء، ولا يمكن أن يعقل ذلك من أرباب المذاهب كلها إلا إذا كان لديهم

стр. 843

أصل لذلك الحكم يجعلهم يقفون أمام الآية هذا الموقف الذي وقفوه، وكانت به في نظرهم من المشكلات المعضلات، ولكن أي أصل هذا الذي يقف أمامهم قبل القرآن، ويجعلونه حكمًا على القرآن؟ قالوا: إن الأحاديث والروايات التي ذكرت السفر والتيمم فيه، كانت كلها مجمعة على أن القوم لم يكن عندهم ماء وهم على سفر، وأن التيمم أبيح لهم وهم على تلك الحال، ونحن نقول: أبيح لهم التيمم وهم على تلك الحال، وهل منعوا منه وهم على سفر مع وجود الماء؟ لم يرد ذكر حالة مثل هذه، وليست الإباحة في الحالة التي وقعت لهم مانعة من الإباحة في مثل تلك الحالة إذا وقعت، ولم يوجد نص قولي يعم الأحوال كلها، ويحدد ما يباح التيمم فيه للمسافر وما لا يباح، فأكل ما ورد وقائع أحوال لا عموم لها ولا تدل على انتفاء الحكم في غيرها. قالوا: إن ذكر السفر هنا لدفع توهم أنه مرخص بذاته، كما عرف له ذلك في الصلاة والصوم، وكأنه يقول إن السفر في هذا الباب ليس مرخصًا بذاته، ولا أثر له في إباحة التيمم إلا إذا عدم الماء كالمقيم سواء بسواء، ولعلهم يقولون بمثل ذلك في المرض ويمنعون تيمم المريض متى كان الماء موجودًا، وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء، ونحن نقول: كان يكفي الاقتصار على عدم وجود الماء، فيعم الأحوال كلها، ويفهم ذلك الذي تقولون من مجرد الاقتصار على عدم الماء، ومن المعلوم أن الرخصة لا تثبت لحالة خاصة إلا إذا نص عليها، وما لم ينص عليها يعمها الحكم دون استثناء، ثم كيف يقبل أن المرض لا يبيح التيمم، وعندئذ يقولون دفعًا لهذا: إن المراد بعدم الوجدان عدم القدرة على استعماله والانتفاع به، ويكون بذلك عدم الوجدان مستعملًا في حقيقته ومجازه، فإن قالوا: دل على هذا الاستعمال قاعدة نفي الحرج وما أباحه الله من الرخص في حالة المرض، قلنا: وبمثل هذا يقال في السفر، فقد أباح الله فيه -كما أباح في المرض- الإفطار في رمضان، وقصر الصلاة والجمع بين الصلوات، وما إلى ذلك من سائر الرخص التي رتبها الشارع عليهما معًا.

стр. 844

ولقد رأى الشيخ شلتوت ﵀ رأي صاحب المنار مع أنه يخالفه في أحيان كثيرة يقول ﵀: ولا يقال إن هناك فرقًا بين الحدث الأصغر والأكبر، لأن إباحة التيمم تشملهما معًا للمريض وللمسافر، وقد جمع القرآن بينهما في قوله سبحانه ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وليس من المقبول ولا من المعقول أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون أن التيمم مباح مع وجود الماء للمسافر، وأن يكون هذا موقفهم من عمرو بن العاص ﵁، سامح الله الشيخ رشيدًا ومن بعده الشيخ شلتوت رحمهما الله تعالى ومعهما الشيخ محمد عبده. وإذا كان قول الشيخ رشيد في المسألة السابقة -أعني قضية الرجم، ورأيه أن الإحصان يشترط له دوام الزواج- أقول إذا كان في هذا الرأي وجاهة، فإن ما قاله في هذه المسألة، وهي مسألة تيمم المسافر مع وجود الماء، فيه شيء من الغرابة، ومع أن الشيخ أطال النفس في دفاعه عن رأيه، وهو رأي الإمام الشيخ محمد عبده، فإن كل ما ذكره لا يخلو من مناقشة، وما أبعد الفرق بين قصر الصلاة المباح للمسافر، وبين تيممه مع وجود الماء، فقصر الصلاة رخصة ذكرت في كتاب الله تعالى، وبينها سيدنا رسول الله ﷺ ، ومع ذلك يجوز للمسافر أن يتم الصلاة عند أكثر الأئمة إلا أن القصر أفضل، أما التيمم فهو عبادة بديلة عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، والمتتبع لغزوات الرسول ﷺ ، وأحوال الصحابة ﵃، كما أنبأت عنها السير والأخبار يدرك أنهم كانوا يتوضئون ويغتسلون، وما كانوا يتيممون مع وجود الماء ونستدل هنا بما كان من عمرو بن العاص ﵁ حينما أجنب وتيمم لعدم قدرته على استعمال الماء البارد، وعجب الصحابة، فأخبروا النبي ﷺ فأقره على عمله، ولو كان التيمم مباحًا مع وجود الماء ما كان في القضية غرابة مع أن إسلام عمرو ﵁، كان متأخرًا (هاجر إلى

стр. 845

رسول الله ﷺ مسلمًا في أوائل سنة ثمان) (١) وتيممه كان في غزوة ذات السلاسل وهي سنة ثمان، فلو كان الأمر كما يقول الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد، ومن بعدهما الشيخ محمود شلتوت -رحمهم الله تعالى- لكان الأمر طبيعيًا أن يتيمم عمرو دون أن يجد الصحابة فيه شيئًا من الغرابة، فيرفعوا أمره إلى سيدنا رسول الله ﷺ ، ويدافع عمرو عن نفسه بأنه خشي على نفسه، ولو كان الأمر كما قال الشيخ رشيد لكان الرسول ﷺ قد بينه لهؤلاء، وأخبرهم بأن السفر يبيح لهم التيمم، لكن شيئًا من هذا لم يحدث. والحق أن إباحة التيمم للمسافر مع وجود الماء لا نتفق فيها مع ما ذهب إليه صاحب المنار ولا يسعنا كذلك إلا أن نوافق جمهور العلماء فيما ذهبوا إليه والله ورسوله أعلم. ٤ - مخالفته فيما حرم من الأطعمة: يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٢) (الآية وردت بصيغة الحصر القطعي. فهي نص قطعي في حِل ما عدا الأنواع الأربعة، التي حصر التحريم بها فيها، وقد بينا في تفسير آية المائدة أن المنخنقة والموقوذة والمتردية وأكيلة السبع، التي تموت بذلك، ولا تدرك تذكيتها قبل الموت، من نوع الميتة، فهي تفصيل لها لا أنواع حرمت بعد ذلك حتى تعد ناسخة لآية الأنعام، وتحريم الخبائث لا يدل على محرمات أخرى في الطعام غير هذه، فيجعل ناسخًا للحصر فيها، فإن لفظ الخبائث، يشمل ما ليس من الأطعمة كالأقذار، وأكل أموال الناس بالباطل وكل شيء رديء. قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فليس في القرآن ناسخ لهذه الآية، وما في

стр. 846

معناها من الآيات المؤكدة لها، ولا مخصص لعمومها، وما يريدُ الله نسخه أو تخصيصه، لا يجعله بصيغة الحصر المؤكدة، كل هذا التأكيد الذي نشرحه بعد. ولكن ورد في الأحاديث تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير الجوارح، وغير ذلك مما يأتي. ولذلك اختلفت أقوال مفسري السلف والخلف في الآية. ثم يورد ملخص المأثور فيها من الدر المنثور للسيوطي، وأقوال العلماء ويعقب على ذلك كله، فيرى أن تحريم لحوم الحمر الأهلية، إما كان عرضًا ويتكلف لذلك في الجمع بين أحد الأحاديث الصحيحة -وهو الذي رواه أنس بن مالك ﵁، قال: (أصبنا من لحوم الحمر، يعني يوم خيبر، فنادى منادي رسول الله ﷺ : الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس أو نجس) (١) وحديثين ضعيفين هما: ١ - أخرج أبو داود عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سنة، فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا سمان حمر، وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية -يعني الجلالة-) (٢). ٢ - أخرج الطبراني عن أم نصر المحاربية أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهلية فقال: أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر، فقال: نعم، فقال: فأصب من لحومها. يقول: حديث أنس شاهد يقوي حديث غالب بن أبجر لأنه بمعناه ولا معارض له، فيجعل شاذًا بمخالفته إياه، فلا يضره اضطراب سنده، إذا مع

стр. 847

عدم الطعن برجاله، وحديث أم نصر المحاربية يقوي ما ذكرناه، بتعليل حِل الحمر، بكونها تأكل الكلأ وورق الشجر، أي لا النجاسة، فالحديثان متفقان في المعنى، مع حديث أنس الذي هو عمدة القائلين بتحريم الحمر، وإنما يجمع بين هذه الأحاديث وبين الآية، بل الآيات القطعية اللفظ، والدلالة على الإباحة، بأن التحريم كان عارضًا، مؤقتًا، فيقصر على وجود العلة في كل زمان ومكان، ويباح في سائر الأحوال على الأصل ومقتضى النص القطعي) (١). ومن العجيب أن الشيخ وهو وافر البضاعة في الحديث، قوي العارضة في التمييز بين الغث والسمين، تناسى هنا الروايات الصحيحة الكثيرة التي وردت عن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وجابر والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى وزاهر الأسلمي ﵃ جميعًا، أنس وهو الحديث الصحيح شاهدًا لحديث غالب بن أبجر، مع أنه لا يصلح شاهدًا لاختلاف المعنى فيهما. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن حدث غالب أجمع الحفاظ على شذوذ متنه، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، واختلف العلماء كثيرًا في سنده، ففيه ضعف واضطراب. وكذلك حديث أم نصر أجمعوا على ضعفه، هذا وإن تحريم لحوم الحمر متفق عليه. قال الإمام النووي: (قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، لم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات ثالثتهما الكراهية) (٢). وذكر ابن حزم أنه نقل تحريم الحمر الأهلية عن النبي ﷺ عن طريق تسعة من الصحابة بأسانيد كالشمس. فهو نقل متواتر لا يسع أحدًا خلافه. ثم قال:

стр. 848

(فإن ذكر ذاكر أن ابن عباس أباحها قلنا: لا حجة في أحد على الرسول ﷺ ، فكيف وابن عباس قد أخبر بأنه متوقف فيها. فقد روى البخاري عنه أنه قال: (لا أدري أنهى عنه رسول الله ﷺ ، من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرم في يوم خيبر لحمر الحمر الأهلية) وإن ذكروا أن عائشة ﵂ أحلتها، واحتجت بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ... ﴾ قلنا لم يبلغها التحريم ولو بلغها لقالت به كما فعلت في الغراب، فقد حرمته، مع أنه ليس مذكورًا في الآية) (١). وقال ابن قدامة: (أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية. قال أحمد: خمسة عشر من أصحاب النبي ﷺ كرهوها. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها) (٢). ثم يذكر الشيخ رشيد في ثنايا تفسيره لهذه الآية أن ما ورد في أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، بلفظ النهي. من الأحاديث ليس نصًّا في التحريم لاحتماله الكراهة، وبعد أن يصحح ويضعف ما شاء ويؤول رواية أبي هريرة ﵁، التي جاء فيها لفظ التحريم، بأنها قد تكون رواية بالمعنى، وأن أبا هريرة قد فهم من النهي التحريم، بأنها قد تكون من مراسيله. ولا أدري أأدرك الشيخ رشيد أن في احتمالية كليهما طعنًا في الصحابة رضوان الله عليهم أم لا؟ وهل نحن أوعى باحاديث الرسول ﷺ من الصحابة؟ وحينما يقول الصحابي: حرم رسول الله كذا، فهل يبقى في ذلك ريب لمرتاب، وبخاصة إذا كانت هذه الأحاديث لا تحوم حولها الشكوك؟ ! . ثم ينقل صاحب المنار ما قاله الحافظ ابن حجر في الأحاديث ويعلق عليه بأنه كلام ساقط على جلالة قائليه (٣)، وهذا كلام لا يليق من صاحب المنار. على أن

стр. 849

الشوكاني ﵀ الذي يطلق عليه صاحب المنار لقب الإمام يقول: (وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور) (١). والذي يدور حوله صاحب المنار في هذه المسألة، هو أن الآية ليست منسوخة حتى يحرم غيرها، مع أنه لا أحد من أهل العلم، أو حتى من هو قريب منهم يقول بنسخها، ولكن صاحب المنار اضطرب كثيرًا في هذه المسألة فكتب عليها الصفحات الطوال، فتارة يضعف الروايات، وتارة يجمع بينهما وبين الآية، وأخرى ينال من الصحابة أو يشكك فيهم! ومع هذا كله تسقيط ورد لأقوال الأئمة الحفاظ. وأحب في نهاية المسألة أن أنقل فقرة مما قاله غير معلقٍ عليها، بل أدع هذا للقارئ: (والأرجح المختار عندنا، أن كل ما صح من الأحاديث في النهي عن طعام غير الأنواع الأربعة، التي حصرت الآيات محرمات الطعام فيها، فهو إما للكراهة، وإما مؤقت لعلة عارضة كما تقدم في الخبر. ما ورد منه بلفظ التجريم، فهو مروي بالمعنى لا بلفظ الرسول ﷺ ، وليس المراد من رد تلك الأحاديث بآية الأنعام من الصحابة وغيرهم، أنه لا يقبل تحريم ما حرمه الرسول ﵌، إذا لم يكن منصوصًا في القرآن بل معناه أنه لا يمكن أن يحرم ﷺ شيئًا نص القرآن المؤكد عليه. واعتبر هذا بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر، فسئل عن أكل القنفذ، فتلا الآية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ فقال شيخ عنده، سمعت أبا هريرة يقول: (ذكر عند النبي ﷺ فقال: (خبيثة من الخبائث) فقال ابن عمر: (إن كان رسول الله ﷺ قاله فهو كما قال) (٢). فقوله (إن كان) مشعر بشكه فيه، وأنه إن فرض أنه قاله وجب قبولُه ... لأن الله أمر باتباعه، ولكن بمعنى أنه خبيث غير محرم كالثوم والبصل، ويكثر في أحاديث

стр. 850

أبي هريرة الرواية بالمعنى والإرسال، لأن الكثير منها قد سمعه من الصحابة، وكذا من بعض التابعين، لا من النبي ﷺ ولهذا تكثر فيه العنعنة. وأخيرًا أنقل هنا كلمة الشيخ الشنقيطي المالكي في أضواء البيان. قال بعد كلام طويل تستحسن قراءته، ولن ننقله خشية الإطالة: قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه الجمهور من أن كل ما ثبت تحريمه بطريق صحيحة من كتاب أو سنة فهو حرام، ويزاد على الأربعة المذكورة في الآيات، ولا يكون في ذلك أي مناقضة للقرآن لأن المحرمات المزيدة عليها حرمت بعدها. وقد قرّر العلماء: أنه لا تناقض يثبت بين القضيتين إذا اختلف زمنهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها، وقد اشترط عامة النظار في التناقض: اتحاد الزمان لأنه إن اختلف جاز صدق كل منهما في وقتها، كما لو قلت: لم يستقبل بيت المقدس، قد استقبل بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما بعد النسخ، وبالثانية ما قبله، فكلتاهما تكون صادقة، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى أنه يشترط في تناقض القضيتين اتحادهما فيما سوى الكيف، أعني الإيجاب والسلب، من زمان ومكان، وشرط وإضافة، وقوة وفعل، وتحصيل وعدول، وموضوع ومحمول، وجزء وكل، بقولي: والاتحاد لازم بينهما ... فيما سوى الكيف كشرط علما والجزء والكل مع المكان ... والفعل والقوة والزمان إضافة تحصيل أو عدول ... ووحدة الموضوع والمحمول فوقت نزول الآيات المذكورة لم يكن حرامًا غير الأربعة المذكورة، فحصرها صادق قبل تحريم غيرها بلا شك، فإذا طرأ تحريم شيء آخر بأمر جديد فذلك لا ينافي الحصر الأول لتجدده بعده، وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى، وبه يتضح

стр. 851

أن الحق جواز نسخ المتواتر بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن منعه أكثر أهل الأصول. وإذا عرفت ذلك: فسنفصل لك إن شاء الله تعالى المحرمات التي حرمت بعد هذا، وأقوال العلماء فيها. فمن ذلك كل ذي ناب من السباع، فالتحقيق تحريمه لما قدّمنا من حديث أبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني من النهي عنها، وتحريمها، أما حديث أبي ثعلبة، فمتفق عليه، وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه مسلم في (صحيحه) عنه عن النبي ﷺ ، بلفظ: (كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام). والأحاديث في الباب كثيرة، وبه تعلم أن التحقيق هو تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. والتحقيق أن أكل كل ذي مخلب من الطير منهي عنه، ولا عبرة بقول من قال من المالكية وغيرهم: إنه لم يثبت النهي عنه، عنه ﷺ ، لما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث ابن عباس، أنه ﷺ : (نهى عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير) أ. هـ. فقرن في الصحيح بما صرح بأنه حرام مع أن كلًّا منهما ذو عداء وافتراس، فدل كل ذلك على أنه منهي عنه. والأصل في النهي التحريم، وبتحريم ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير. قال جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة وداود. وقد قدّمنا أنه الصحيح عن مالك في السباع، وأن مشهور مذهبه الكراهة، وعنه قول بالجواز وهو أضعفها، والحق التحريم لما ذكرنا. ومن ذلك الحمر الأهلية، فالتحقيق أيضًا أنها حرام، وتحريمها لا ينبغي أن يشكّ فيه منصف لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بتحريمها، وقد روى البخاري ومسلم تحريمها من حديث علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن

стр. 852

الأكوع، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وأبي ثعلبة الخشني ﵃، وأحاديثهم دالة دلالة صريحة على التحريم، فلفظ حديث أبي ثعلبة عند البخاري، ومسلم (١): (حَرَّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية)، وهذا صريح صراحة تامّة في التحريم، ولفظ حديث أنس عندهما أيضًا: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس)، في رواية لمسلم: (فإنها رجس من عمل الشيطان)، وفي رواية له أيضًا: (فإنها رجس) أو (نجس). قال مقيده عفا الله عنه: حديث أنس هذا المتفق عليه الذي صَرح فيه رسول الله ﷺ بأن لحوم الحمر الأهلية رجس، صريح في تحريم أكلها، ونجاسة لحمها، وأن علة تحريمها ليست لأنها لم يخرج خمسها، ولا أنها حمولة كما زعمه بعض أهل العلم، والله تعالى أعلم. ولا تعارض هذه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بما رواه أبو داود من حديث غالب بن أبجر المزني ﵁، قال: (أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرّمت الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية) أ. هـ. والجوال: جمع جالة، وهي التي تأكل الجلة، وهي في الأصل البعر، والمراد به هنا أكل النجاسات كالعذرة. قال النووي في (شرح المهذب): اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث. قال الخطابي والبيهقي: "هو حديث يختلف في إسناده". يعنون مضطربًا، وما كان كذلك لا تعارض به الأحاديث المتفق عليها. وأما البغال فلا يجوز أكلها أيضًا لما رواه أحمد والترمذي من حديث جابر، قال: (حرّم رسول الله ﷺ ، يعني يوم خيبر، لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال،

стр. 853

وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير)، أصل حديث جابر هذا في (الصحيحين) كما تقدم، وهو بها اللفظ: بسند لا بأس به. قاله ابن حجر والشوكاني. وقال ابن كثير في (تفسيره): وروى الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: (ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمر، ولم ينهنا عن الخيل)، وهو دليل واضح على تحريم البغال، ويؤيده أنها متولدة عن الحمير وهي حرام قطعًا لصحة النصوص بتحريمها. وأما الخيل فقد اختلف في جواز أكلها العلماء (١). ٥ - آيات الرضاع: ليست هواية الشيخ وحرصه على توهين من خالفه وقسوته عليه، بأقل من هوايته وحرصه على رد روايات الأحاديث الصحيحة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] من سورة النساء، يذكر آراء الأئمة، ثم يناقش الرواية التي وردت عن عائشة ﵂، وهي أن التحريم بخمس رضعات، ويبين أن عمل عائشة بهذه الرواية ليس حجة. وأن من قال بها من الصحابة، إنما قالوا بها تبعا للسيدة عائشة ﵂ -ورضي الله عنها وإن لم يقل صاحب المنار هذا- فليس قولهم بها مقويًا لها، ثم يتساءل كيف وأن رابع الخلفاء وأول الأئمة الأصفياء قال خلاف ذلك (٢)، ثم يناقش الرواية من ناحية موضوعها، ويورد عدة تساؤلات يصل في نهايتها إلى أنه لا يظهر معنى لهذه الرواية، فلماذا كان التحريم بعشر، ثم نسخ إلى خمس؟ وكيف يكون شأن من تزوج من رضع معها أكثر في خمس وأقل من عشر؟ وبعد هذا

стр. 854

التطواف والتجوال يصل بنا الشيخ لتقرير ما يلي: أن روايات الحديث مضطربة، وإن وردت في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن، وأن هذه الرواية تتعارض مع قدسية القرآن، ومن هنا يحكم الشيخ بوجوب رد الحديث. والحديث روته عمرة عن السيده عائشة ﵂، وإنه لمن السهل الإجابة عن تساؤلات الشيخ: أما عن التدرج من عشر إلى خمس، فتلك حكمة الله في أحكامه، وأما عمن تزوج من رضع معها أقل من عشر وأكثر من خمس، فمع أن هذه لم تحك الروايات وقوع مثلها، إلا أنّا نقول: إن هذا تزوج حسب حكم صحيح، وإن الله أكرم وأرحم من أن يضيق عليه بتطليق زوجته، ولكن الطامة الكبرى تكمن في رد الحديث، ومن لين الشيخ في رد الأحاديث، إلا أن سياسته كما يقول، أنه لا يرد الحديث إلا بعد تعذر الجمع بينه وبين القرآن والحق أن من أخطر الأمور رد الأحاديث الصحيحة، فإنها مسألة لها ما وراءَها من مضاعفات فتاكة، ونتائج هدامة لهذا الدين. - وقد عرف عن الشيخ، بأنه يحل كل معضل، ويرد كل مشكل، حتى ولو اتفق المفسرون على إعضاله وإشكاله - وقد بينه الأئمة. يقول الإمام النووي ﵁: (إن النسخ بخمس رضعات، تأخر إنزاله جدًّا، حتى إنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنًا متلوًا، لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى (١). ويقول الشوكاني ﵀: (ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير، لكان سنّة لكون الصحابي راويًا له عنه ﷺ ، لوصفه له بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه، وذلك كاف في الحجية، لما تقرر في الأصول من أن المروى آحادًا، إذا انتقى عنه وصف القرآنية، لم ينتف وجوب العمل به كما سلف) (٢).

стр. 855

وأقول: يعجبني هذا القول فإنني لا أرى أن هناك قرآنًا نسخت تلاوته وقد بينت هذه القضية مفضلة في كتاب (إتقان البرهان)، فليرجع إليها من شاء. ٦ - يظهر تأثّر الشيخ بابن تيمية ﵀، في الأمور الفقهية واضحًا غير خفي في مواضع كثيرة، فإذا استعرضنا تفسيره لآيات الصيام والطلاق والتيمم، وجدناه لا يلتزم بأقوال فقهاء المذاهب فيما قرروه بل ينقل كثيرًا من أقوال ابن تيمية. ففي آخر تفسيره لآيات الصيام يقل فصلًا من كلام شيخ الإسلام ﵁، فيما يفطر الصائم وما لا يفطر. وعند مسائل الطلاق يأخذ ما عرف عنه وعن تلميذه ابن القيم، وفي مسألة التيمم ينال كعادته ممن يسميهم بالمقلدين، ويذكر فيما يذكر إباحة التيمم للمسافر، ولو وجد الماء، ثم يذكر ما معناها يبين فيها أحكامًا قال خلافها فقهاء المذاهب، ككون التيمم ضربة واحدة، يصلي بها أكثر من وقت، وغير ذلك من الأمور، ولست بصدد المناقشة لمثل هذه الآراء، فهذا ليس محله هنا، ولكن ما أردت إثباته، هو منهج المفسر واتجاهه في آيات الأحكام. وقد عرضنا في الجزء الأول من هذا الكتاب الذي سميناه "التفسير اتجاهاته وأساسياته" عند حديثنا عن الاتجاه الفقهي جملة من الآراء في القضايا الاجتماعية والسياسية مثل تعدد الزوجات، وصلة المسلمين بغيرهم، وموقف المسلمين من المستعمرين لذا لا حاجة إلى إعادة ما ذكرته هناك فليرجع إليه من شاء. ٣ - استشهاده بآراء المتكلمين في آيات العقيدة ومناقشتهم: (وللناس فيما يعشقون مذاهب) لام الشيخ كثيرًا في مقدمته هؤلاء الذين يمزجون التفسير بأمور خارجة عن روح القرآن، وهي مما يبعد الناس عن هدايته، وإذا أضفنا إلى هذا سلفية الشيخ، فإنه كان من المتوقع ألا يخوض في تفريعات علم الكلام ومسائل المتكلمين. ولكنه يأبى إلا أن يظهر لنا سعة اطلاعه في مختلف فنون العلم وأنواع المعرفة، على أننا

стр. 856

رأيناه يحدثنا عن العقيدة كما يصورها القرآن سهلة ميسرة، مبينًا أن أصول العقيدة ينبغي ألا تؤخذ إلا من النبع الصافي، وهو كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، ويوازن بين أدلة القرآن في حيويتها ووضوحها، وبين ما تسرب إلينا من الفلسفة اليونانية في جفافها وجمودها وتجريدها عن واقع الناس ومشاعرهم. يقول في هذا المعنى (١): (أما مسائل العقائد في الإلهيات، فقد فصلت أبلغ تفصيل، بأساليب القرآن العالية الجامعة بين الإقناع والتأثير، كبيان صفات الله في سياق بيان أفعاله وسننه في الخلق والتكوين والتقدير والتدبير وآياته في الأنفس، والآفاق وطبائع الاجتماع، وملكات الأخلاق، وتأثير العقائد في الأعمال وما يترتب عليها في الدارين من الجزاء، وناهيك بإيراد الحقيقة بأسلوب المناظرة والجدال، أو ورودها جوابًا بعد سؤال، أو تجليها في بروز الوقائع وضروب الأمثال. وهذا الأسلوب أعلى الأساليب، وأكملها، جمعًا بين إقناع العقول والتأثير في القلوب، فيقترن اليقين في الإيمان بحب التعظيم وخشوع الخوف والرجاء، وفي أثناء ذلك يذكر شبهات المشركين والكفار، فيكون مَثلُها فيه كقطعة الطين الآسن، تلقى في غدير صاف، يتدفق من صخر على حصاه كالدر، لا تلبث أن تتضاءل وتختفي، ولا تكدر له صفوًا، حتى إنه ليستغني بمجرد بيانه عن وصف قبحها، والحجة على بطلانها، فكيف وهي تقترن غالبًا بالوصف الكاشف لما غشيها من التلبيس، أو يقضى عليها بالبرهان الدامغ، لما فيها من الأباطيل، ولا تغفل عن أسلوب إحالة المخاطبين، على ما أودع في غرائزهم وفطرهم، وتذكيرهم بمعارضته؛ لما ألفوا من تقاليدهم وفساد نظرهم، ولا عن أسلوب إنذار سوء المغبة في العاجلة، وسوء العاقبة والمصير في الآخرة. أضلت الفلسفة اليونانية علماء الكلام عن هذه الأساليب العليا، فلم يهتدوا بها، ولا اقتدوا بشيء منها، بل طفقوا يلقنون النّشْئ الإسلامي، صفات الله تعالى

стр. 857

مسرودة سردًا ومعدودة عدًا، معرفة بحدود ناقصة، أو رسوم دارسة، مقرونة بأدلة نظرية وتشكيكات جدلية، لا تثمر إيمان الإذعان، ولا خشية الديان، ولا حب الرحمن بل تثير رواكد الشبهات وتتعارض في إثباتها دلائل النظريات). يقينًا لا يظن من يقرأ مثل هذا القول، بأن المفسر ﵀، يمكن أن يشحن كتابه بمسائل علم الكلام المشوب بالفلسفة، حتى إن كثيرًا من الموضوعات التي تقرأ في هذا الكتاب، يشعر قارئها كأنما يقرأ (مواقف العضد) أو (مقاصد السعد) وما ضارعهما، فلقد بسط الشيخ الكلام في القضاء والقدر، والحسن والقبح، والصلاح والأصلح، والثواب والعقاب، بل نجده كثيرًا ما يحاول أن يتعقب ما قاله العلماء، وإن كان بعيدًا عن موضوع الآية، ليرده، بنقضٍ أو معارضة، وهو في هذا كله شديد الوطأة في حكمه، وبخاصة على الأشاعرة الذين يحلو له أن يسميهم بالجبريين، كما يسميهم المعتزلة، ونظرة في تفسير الشيخ تطلعنا على كثير من هذا، بل على كثير مما لم يدر في خلد أحد أن يقوله الشيخ، ولا بد أن نستعرض نماذج من تفسيره توضح ما ذهبت إليه: أ- يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] من سورة النساء (١): (وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات، إلا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض، واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم، وإرجاع الآيات إليها وحملها عليها، فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله ، لأن العبيد لا يستحقون عنده شيئًا من الأجر، فيكون منعه أو النقص منه ظلمًا. ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة إلى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن، وأوعد بعقاب المسيء، ثم جعلوا جواز تخلف الوعد أو الوعيد محل بحث وجدال أيضًا، فهذا يقول إن إثابة المحسن، وعقاب المسيء، أمر حسن في ذاته، وموافق

стр. 858

للحكمة، فهو واجب عليه تعالى، أو واجب في حقه، كما يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص فقام الآخرون يجادلونهم على لفظ (واجب عليه)، ولعلهم قالوا (يجب له) (١)، فحرفوها، ومهما قالوا فالمقصود واحد، وهو إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص، وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين، وفرقهم شيعًا وأذاق بعضهم بأس بعض، كان مبنيًا على المشاحَّة في الألفاظ والاصطلاحات. وكتاب الله ودينه، يتبرأ من ذلك وينهى عنه) (٢). ب - وكذلك عند قول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] من سورة الأنعام، يقول: (ومن المباحث الكلامية في الآية قول الأشعرية (إن الثواب كله بفضل الله تعالى، ولا يستحق أحد من المحسنين منه شيئًا) وقول المعتزلة (إن الثواب هو المنفعة المستحقة على العمل، والتفضل المنفعة غير المستحقة، وإن الثواب يجب أن يكون أعظم من التفضل في الكثرة والشرف، إذ لو جاز العكس أو المساواة، لم يبق في التكليف فائدة، فيكون عبثًا قبيحًا. ومن ثم قال الجبائي وغيره يجب أن تكون (العشرة الأمثال) في جزاء الحسنة تفضلًا، والثواب غيرها وهو أعظم منها، وقال آخرون: يجوز أن يكون أحد العشرة هو الثواب، والتسعة تفضل، بشرط أن يكون الواحد أعظم وأعلى شأنًا من التسعة، ونقول: إن هذه النظريات كلها ضعيفة ولا فائدة فيها، وإذا كان التفضل ما زاد وفضل على أصل الثواب المستحق بوعد الله تعالى وحكمته وعدله، فأي مانع أن يزيد الفرع على الأصل، وهو تابع له، متوقف عليه وإنما كان يكون الثواب حينئذ عبثًا، على تقدير التسليم، لو كان التفضل يحصل بدونه فيستغني به، عنه كما هو واضح) (٣).

стр. 859

وبعد هذا التقعيد الذي جعله حلًا لهذه الخلافات، لم يكتف الشيخ بهذا، بل يتعقب الرازي في إشكالات أوردها هذا الأخير وأجاب عليها، ليضعف ما قال، وسأكتفي بواحد منها دون أن أناقشه في تخطئته للرازي ورده عليه. فهذا لا يهمني هنا، وإن كانت مناقشته -في رأيي-، أمرًا لا يسلم له. قال الشيخ: (وقد أورد الرازي في تفسير الآية إشكالات شرعية، وأجاب عنها أجوبة ضعيفة، قال- الأول: كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ (جوابه) أنه كان الكافر على عزم أنه لو عاش أبدًا لبقي على هذا الاعتقاد أبدًا، فلما كان ذلك العزم مؤبدًا، عوقب عقاب الأبد، خلاف المسلم المذنب، فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب، فلا جرم، كانت عقوبته منقطعة. ونقول في الرد عليه: أولًا: إننا لا نسلم أن كل كافر يعزم أو يخطر بباله العزم المذكور، ولا سيما من عرضت له عقيدة أو فعلة مما عدوّه كفرًا، ساعة من الزمان ومات عليها. والكفر عند المتكلمين والفقهاء، لا ينحصر في جحود العناد، وربما كان أكثر الكفار يعتقدون أنهم مؤمنون ناجون عند الله تعالى. ثانيًا: إن كون العقاب الأبدي على العزم المذكور يحتاج إلى نص، والعقل لا يوجبه، بل لا يوجب عند الأشعرية حكمًا ما من أحكام الشرع. وهذا الإشكال لا يرد على ما جرينا عليه هنا، تبعًا لما وضحناه مرارًا، من كون الجزاء على قدر تأثير الاعتقاد والعمل في النفس. ثالثًا: قد تنصل بعض العلماء من هذا الإشكال، بمثل ما نقلناه في تفسير ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وهو يرجع إلى قولين: أحدهما: نفي كون العذاب أبديًّا لا نهاية له.

стр. 860

ثانيهما: تفويض الأمر فيه إلى حكمة الله تعالى وعلمه (١). جـ - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] من سورة الأنعام، يعقد فصلًا طويلًا يتكلم فيه عن الموضوعات التالية: - منشأ خلاف الفرق في الخلق والتقدير والجبر ... التوفيق والخذلان واختيار الإنسان ... الرد على المتكلمين كالجبرية والقدرية ... مناظرة الأشعري لشيخه الجبائي. رد الرازي على أبي الحسن البصري، تنابز الأشاعرة والمعتزلة بالألقاب، نظريات المتكلمين ومذهب السلف، الوجوب على الله، مذهب المعتزلة في الوجوب وتشويه الأشاعرة له، نقل المخالف مناظرة الأشعري للجبائي، علم الكلام بدعة عند السلف، المذهب الوسط بين القدرية والجبرية، القول الوسط في مسألة الحسن والقبح. مسألة أفعال العباد وأفعال البارى. سؤال العباد ربهم عن أفعاله وأحكامه، ترتب الجزاء على العمل بعدل الله وفضله، رد نظريات في مناظرة الأشعري للجبائي. سنن الله وقدره في الأعمار والأعمال. تضليل متعصبي الفرق بعضهم بعضًا بلازم المذهب. ثم يقول في آخره: (وجملة القول أن كلا من الفريقين قصد تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ووصفه بالكمال الذي لا يعقل معنى الألوهية والربوبية بدونه، فبالغ بعضهم في الإثبات، وبعضهم في النفي، والوسط بين ذلك، وقول الرازي وأمثاله من غلاة الأشعرية في هذا المقام، أبعد عن الصواب وعن

стр. 861

مذهب السلف ويمكن أن يستنبط من لوازم رأيهم، مثل ما استنبطوا من رأي خصومهم في التشنيع أو أشد، بل وجد من فعل ذلك، والحق أن هذه ليست لوازم مقصودة لمذهب هؤلاء ولا هؤلاء، والجمهور على أن لازم المذهب ليس بمذهب وإن كان لا يظهر على إطلاقه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (١). وهذه الكلمات الأخيرة من الشيخ رشيد كلمات طيبة أثابه الله عليها، لكن ليته لم يغال فيما ذهب إليه، وقد نعى على الآخرين أنهم يغالون. د- وهكذا نجد الشيخ يتعقب كل ما فيه خلاف، ليفيض القول فيه، كأنما في ذلك متعة له، فهو حريص كل الحرص على أن يدلي بدلوه في كل مسألة، وأن يصدع برأيه دون أن يبالي بمخالفيه، فعند قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، يذكر آراء العلماء في الجمع بين استغاثة الرسول ﵌، ووعد الله له بالنصر، فيرد ويعقِّب ويخطِّئ، وعند ذكر الإمداد بالملائكة يرى خلافًا للجمهور، موافقًا (الأصم) الذي نقل عنه، بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر. على أنني أسجل هنا سعة اطلاع الشيخ كأنَّما هو دائرة معارف، وإنّك لتعجب وأنت تقرأ تفسيره وتحقيقاته في قضايا اللغة والفقه والعقيدة وغيرها. وما دمنا نتحدث عن مناقشته للمتكلمين فيطيب لي أن أنقل للقارئ الكريم رأيه في أمر البعث، أهو لهذه الأجسام كما هي، أي أيحيي الله هذا الجسم نفسه؟ . القضية فيها اختلاف بين العلماء، ولقد استوعبها الشيخ، عند تفسيره قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] فعند تفسيره هذه الجملة الأخيرة يطيل النفس

стр. 862

وهو يتحدث عن البعث وآراء العلماء فيه مبينًا ما يراه، وهو كلام رأيت أن أتحفك به أيها القارئ الكريم مع ما فيه من طول نفس كما قلت، فاصبر على قراءته وأفدِ منه، فإن فيه خيرًا كثيرًا. يقول: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي مثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من البشر وغيرهم. فالقادر على هذا قادر على ذاك. لعلكم تذكرون هذا الشبه فيزول استبعادكم للبعث الذي عبرتم عنه بقولكم: من يحيي العظام وهي رميم؟ أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أننا لمبعوثون؟ أننا لمدينون؟ ذلك رجع بعيد. وأمثال هذه الأقوال الدالة على أن إنكاركم لا منشأ له إلا ما تحكمون به بادي الرأي من امتناع خروج الحي من الميت، ذاهلين عن خروج النبات الحي من الأرض الميتة، وعن عدم الفرق بين حياة النبات وحياة الحيوان، في خضوعها لقدرة الرب الخالق لكل شيء، فوجه الشبه في الآية هو إخراج الحي من الميت، والحي في عرفهم يعرف بالنماء والتغذي كالنبات، وبالحس والتحرك والإدراك كالحيوان. فإن قيل إن العلم قد أثبت أن الحي لا يولد إلا من حي سواء في ذلك النبات والحيوان بأنواعه من أدنى الحشرات إلى أعلاها، فالنباتُ الذي يخرج من الأرض القفراء بعد سقيها بالماء، لا بد أن يكون له بذور أو جذور فيها حياة كامنة لا تظهر من مكمنها إلا بالماء، كما أن البيوض التي يتولد منها الحيوان -أدناها كالصئبان وبذور الديدان، وأوسطها كبيض الطير والحيات، وأعلاها كبيوض الأرحام- كلها ذات حياة لا تنتج إلا بتلقيح ماء الذكور لها؟ قلنا إن هذه الحياة لم تكن معروفة عند واضعي اللغة فهي اصطلاح جديد، وأهل اللغة خوطبوا بعرفهم في الحياة والموت ففهموا، بل إن قول هؤلاء العلماء لا ينفي صحة خروج النبات الحي من الأرض الميتة، فلولا تغذى البذور والجذور بمواد الأرض الميتة بسبب الماء لما نبتت، على أن بعض المتكلمين والمفسرين

стр. 863

قالوا إن الإنسان يبلى كله إلا عجب الذنب، وهو أصل الذنب المسمى بالعصعص، أو رأس العصعص، فهو كنواة النخلة تبقى فيه الحياة كامنة بعد فناء الجسم، وإن الله تعالى ينزل من السماء ماء فينبت الناس من عجب الذنب كما ينبت البقل. فهؤلاء يرون أن ذلك المطر يفعل فيه ما يفعل هذا المطر في الحب والنوى، وليس لهذا القول أصل صريح (١) يعد حجة قطعية في مسألة اعتقادية غير معقولة المعنى كهذه ولكن ورد في الآحاد من حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما ما يثبت بقاء عجب الذنب قال ﷺ (ما بين النفختين أربعون ... ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب الذنب فيه يركب الخلق) هذا لفظ البخاري للمرفوع. وزاد مسلم بعد قوله أربعون (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل (قال) وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة، وهو غير صريح فيما تقدم، ولكن جاء في تفسيري الثعلبي وابن عطية عن أبي هريرة: أن بين النفختين أربعين عامًا، يرسل الله فيها على الموتى مطرًا كمني الرجال من ماء تحت العرش يسمى ماء الحيوان، فينبتون من قبورهم بذلك المطر، كما ينبت الزرع من الماء ثم ينفخ فيهم الروح عند النفخة الثانية، بالنفخة الأولى لا يصح فيه شيء مرفوع عنه ولا عن غيره، ويعارضه كون الأرض تصير بالنفخة الأولى كما يأتي قريبًا هباء منبثا، وهذا قطعي وهو يعارض المرفوع أيضًا، فإن لم يمكن الجمع بينهما كان ذلك مطعنًا في صحة الحديث. وقد اختلف العلماء في حديث الشيخين نفسه فأخذ به الجمهور على إطلاقه وإجماله، وأول بعضهم كون عجب الذنب لا يبلى بطول بقائه لا أنه لا يفنى مطلقًا، ذكره الحافظ في شرحه للحديث من الفتح، وفوض بعضهم معناه وسره

стр. 864

إلى الله تعالى وخالف الإمام المُزني صاحب الشافعي فقال بفنائه كما قال صاحب الجوهرة. عجب الذنب كالروح لكن صححا ... المزني للبلى ورجحا وإنما يقال لأهل العلم بالنبات وبالحياة النباتية والحيوانية: إنكم تقولون بأن الأرض كانت كرة نارية ملتهبة. وإن الأحياء الأولى وجدت فيها بالتولد الذاتي الذي انقطع بعد ذلك بتسلسل الأحياء، لأن طبيعة الأرض لم تبق مستعدة له كما كانت، وهي قريبة العهد بالتكوين، وقد نطق القرآن الحكيم بأن الأرض تفنى بتفرق مادتها، ثم يعيدها الله كما بدأها، قال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَال بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٦] فهذه الرجة هي التي سماها في سور أخرى بالقارعة والصاخة، والمعقول أن كوكبًا يقرعها باصطدامه بها فتتفتت جبالها وتكون كالهباء المتفرق في الجو، وهو ما يسمونه بالسديم، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] والأشبه أن تشبيه الإعادة بالبدء إنما هو بالإجمال دون التفصيل: فكما خلق الله جسد الإنسان الأول خلقًا ذاتيًا مبتدأ، ثم نفخ فيه الروح -يخلق أجساد جميع أفراد الإنسان خلقًا ذاتيًا معادًا، ثم ينفخ فيها أرواحها التي كانت بها أناسي في الحياة الدنيا، لا أنه يجعلها متسلسلة بالتوالد من ذكر وأنثى كالنشأة الأولى، إذ كانت الأجساد كاللباس للأرواح أو السكن لها، وإذا كان الناس قد بلغوا من علم الكيمياء أن يحللوا بعض المواد المركبة من عناصر كثيرة ثم يركبوها، أفيعجز خالق العالم كله أو يستبعد على قدرته أن يعيد أجساد ألوف الألوف مرة واحدة؟ وأي فرق عنده بين القليل والكثير، وهو على كل شيء قدير؟ . على أنه قد ثبت عند الروحيين من علماء الكون في هذا العصر، وما قبله أن الله تعالى قد أعطى الأرواح المجردة قدرة على التصرف في مادة الكون بالتحليل والتركيب، وإنها بذلك تركب لنفسها من هذه المادة جسمًا لطيفًا أو كثيفًا تحل فيه

стр. 865

وهو ما يسميه علماؤنا بالتشكل، في تفسير مجيء الملك جبريل النبي ﷺ مرة بشكل أعرابي، وأحيانًا في صورة دحية الكلبي، وتمثله للسيدة مريم -صلوات الله وسلامه عليه- بشرًا سويًّا. وإذا كان الماديون لا يصدقون الروحانيين في هذا، فهم لا يستطيعون أن يقولوا إنه مُحال في نفسه. وإنما قصارى إنكارهم أن قالوا إنه لم يثبت عندنا، وإذا كان ممكنًا غير محال أن يكون مما وهب الخالق للمخلوق أفيكون من المحال أن يفعله الخالق من غير أن يجعل للأرواح فيه عملًا؟ . ليس للكفار شبهة قوية على أصل البعث: وكل ما كان يستبعده المتقدمون من أخبار عالم الغيب قد قربه ترقى العلوم الطبيعية إلى العقول والأفهام. حتى قال بعض كبراء الغرب: ليس في العالم شيء محال. ولكن للمتقدمين والمتأخرين شبهة على حشر الأجساد ترد على ظاهر قول جمهور المسلمين إن كل أحد يحشر بجسده الذي كان عليه في الدنيا أو عند الموت لكي يقع الجزاء بعده على البدن الذي اقترف الأعمال. وتقرير هذا الإيراد أن هذه الأجساد مركبة من العناصر المؤلفة منها مادة الكون كله، وهي مشتركة، يعرض لها التحليل والتركيب، فتدخل الطائفة منها في عدة أبدان على التعاقب، فمن الإنسان والحيوان ما تأكله الحيتان أو الوحوش، ومنها ما يحرق فيذهب بعض أجزائه في الهواء فيتصل كل بخاري -أو غازي- منها بجنسه كبخار الماء وعنصريه، والكربون، وينحل ما يدفن في الأرض فيها ثم يتغذى بكل منهما النبات الذي يأكله بعضه الناس والأنعام فيكون جزءًا من أجسادها، ويأكل الناس من لحوم الحيتان والأنعام التي تغذت من أجساد الناس بالذات أو بالواسطة، فلا يخلص لشخص معين جسد خاص به، بل ثبت أن الأجساد الحية تنحل وتندثر بالتدريج وكلما انحل بعضها بالتبخر وبموت بعض الدقائق الحية يحل محله غيره من الغذاء بنسبة منتظمة من الدم المتحول بحسب سن الله الذي أحسن كل شيء خلقه، فلا يمر بضع سنين على جسد إلا ويتم اندثاره وتجدده فكيف يمكن أن يقال إن كل إنسان وحيوان يحشر بجسده الذي كان في الدنيا؟

стр. 866

وقد أجاب بعض العلماء عن هذا بان للجسد أجزاء أصلية وأجزاء فضلية، والذي يعاد بعينه هو الأصلي دون الفضلة، وجعل بعضهم الأصلي عبارة عن ذرات صغيرة كعجب الذنب الذي ورد أنه كحبة خردل، بل جوز أن تكون هي التي ورد أن الله تعالى أودعها في صلب آدم أبي البشر بصورة الذر، كما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، الآية- وسيأتي تحقيق معناها وما ورد فيها في تفسير هذه السورة -وجوز شيخنا الشيخ حسين الجسر في الرسالة الحميدية أن يكون ذلك الذر مما لا يدركه الطرف؛ لتناهي صغره، كالأحياء المجهرية أي التي لا ترى إلا بالمنظار المسمى بالمجهر (الميكروسكوب). وقد بينا في غير هذا الموضع أن التزام القول بوجوب حشر الأجساد التي كانت لكل حي بأعيانها لأجل وقوع الجزاء عليها غير لازم لتحقيق العدل، فجميع قضاة العالم المدني في هذا العصر يعتقدون أن أبدان البشر تتجدد في سنين قليلة، ولا يوجد أحد منهم ولا من غيرهم من العقلاء يقول إن العقاب يسقط عن الجاني بانحلال أجزاء بدنه التي زاول بها الجناية وتبدل غيرها بها، فما لم يكن عندنا نص صريح من القرآن أو الحديث المتواتر على بعث الأجساد بأعيانها فما نحن بملزمين قبول الإيراد وتكلف دفعه، فإن حقيقة الإنسان لا تتغير بهذا التبدل فقد تبدلت أجسادنا مرارًا ولم تتبدل بها حقيقتنا ولا مداركنا، ولا تأثير الأعمال التي زاولناها قبل التبدل في أنفسنا، بل لم يكن هذا التبدل إلا كتبدل الثياب كما بيناه من قبل، وقد قال بعض أعلام المتكلمين بمثل هذا ولم تكن المسألة الأخيرة معلومة في عصرهم، قال السعد التفتازاني في شرح المقاصد -وهو أشهر كتب الكلام في التحقيق- بعد بيانه لما قاله الغزالي في إثبات كون الحشر والمعاد للروح والجسد جميعًا ما نصه: (نعم ربما يميل كلامه وكلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أن معنى ذلك أن يخلق الله تعالى من الأجزاء المتفرقة لذلك البدن بدنًا، فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد خراب البدن ولا يضرنا كونه غير البدن

стр. 867

الأول بحسب الشخص، ولا امتناع إعادة المعدوم بعينه، وما شهدت به النصوص من كون أهل الجنة جردًا مردًا وكون ضرس الكافر مثل جبل أحد يعضد ذلك، وكذا قوله ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، ولا يبعد أن يكون قوله تعالى ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، إشارة إلى هذا. (فإن قيل) فعلى هذا يكون المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانية غير من عمل الطاعة، وارتكب المعصية (قلنا) العبرة في ذلك بالإدراك، وإنما هو للروح ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه، وكذا الأجزاء الأصلية من البدن ولهذا يقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة إنه هو بعينه وإن تبدلت الصور والهيئات، بل كثير من الآلات والأعضاء ولا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب إنها عقوبة لغير الجاني. (قال) (لنا أن المعتمد في إثبات حشر الأجساد دليل السمع، والمفصح عنه غاية الإفصاح من الأديان دين الإسلام، ومن الكتب القرآن، ومن الأنبياء محمد ﵇، والمعتزلة يدعون إثباته بل وجوبه بدليل العقل -وتقريره إنه يجب على الله ثواب المطيعين، وعقاب العاصين، وإعراض المستحقين، ولا يتأتى ذلك إلا بإعادتهم بأعيانهم فيجب، لأن ما لا يتأتى الواجب إلا به فهو واجب، وربما يتمسكون بهذا في وجوب الإعادة على تقرير الفناء، ومبناه على أصلهم الفاسد في الوجوب على الله تعالى، وفي كون ترك الجزاء ظلمًا لا يصح صدوره من الله تعالى مع إمكان المناقشة في أن الواجب لا يتم إلا به، وأنه لا يكفي المعاد الروحاني، ويدفعون ذلك بأن المطيع والعاصي هي هذه الجملة أو الأجزاء الأصلية لا الروح وحدها، ولا يصل الجزاء إلى مستحقه إلا بإعادتها. (والجواب) أنه إن اعتبر الأمر بحسب الحقيقة فالمستحق هو الروح؛ لأن مبنى الطاعة والعصيان على الإدراكات والإرادات والأفعال والحركات، وهو المبدأ للكل، وإن اعتبر بحسب الظاهر، يلزم أن يعاد جميع الأجزاء الكائنة من أول

стр. 868

التكليف إلى الممات ولا يقولون بذلك فالأولى التمسك بدليل السمع. (وتقريره أن الحشر والإعادة أمر ممكن أخبر به الصادق فيكون واقعًا، أما الإمكان فلأن الكلام فيما عُدم بعد الوجود أو تفرق بعد الاجتماع أو مات بعد الحياة فيكون قابلًا لذلك، والفاعل هو الله القادر على كل الممكنات. العالم بجميع الكليات والجزئيات. وأما الأخبار فلما تواتر عن الأنبياء سيما نبينا ﵇ أنهم كانوا يقولون بذلك، ولما ورد في القرآن من نصوص لا يحتمل أكثرها التأويل مثل قوله تعالى ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٣] ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ٣ - ٤] ﴿وَقَالوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] إلى غير ذلك من الآيات ومن الأحاديث أيضًا (وهي) كثيرة بالجملة فإثبات الحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر بيقين. (فإن قيل) الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه والجبر والقدر ونحو ذلك، وقد وجب تأويلها قطعًا فلنصرف هذه أيضًا إلى بيان المعاد الروحاني، وأحوال سعادة النفوس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام. فإن الأنبياء مبعوثون إلى كافة الخلائق لإرشادهم إلى سبيل الحق، وتكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية والعملية، وتبقية النظام المفضي إلى صلاح الكل، وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد، والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالًا والإنذار عما يعتقدونه ألمًا ونقصانًا. وأكثرهم عوام تقصر عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية. واللذات العقلية، وتقتصر على ما ألفوه من

стр. 869

اللذات والآلام الحسية، وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية، فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي، ترغيبًا وترهيبًا للعوالم، وتميمًا لأمر النظام. وهذا ما قاله أبو نصر الفارابي: إن الكلام مُثُل وخيالات للفلسفة. (قلنا) إنما يجب التأويل عند تعذر الظاهر، ولا تعذر ههنا، سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأول لا عينه، وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس، والرعاية لمصلحة العامة، نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلق بالتبليغ، والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق، والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحق؛ لأنهم لا يفهمون إلا هذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم. نعم لو قيل إن هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الأمر، مثل للمعاد الروحاني، واللذات والآلام العقلية، وكذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحققون من علماء الإسلام لكان حقًّا لا ريب فيه، ولا اعتداد بمن ينفيه أ. هـ. كلام التفتازاني. ومن تأمل هذا من أهل عصرنا تظهر له دقة أفهام هؤلاء المتكلمين الذين صوروا الشبهة بنحو مما يؤخذ من أحدث ما قرره علماء هذا العصر في علم الكيمياء وغيره وأجابوا عنها بما يغني عن جواب آخر، وما قاله الفارابي وأمثاله فهو كأكثر فلسفتهم فيما وراء الطبيعة جهل بحقيقة الإنسان، وضلال في تأويل الأديان، فالإنسان روح الجسد، وكماله بحصول لذاته الروحية والجسدية جميعًا ولا تنافي بنيهما، ولو كان روحانيًا محضًا لكان ملكًا أو شيطانًا، ولم يكن إنسانًا وقد سبق لنا بيان هذه الحقيقة مرارًا. وأما القول بالأجزاء الأصلية والأجزاء الفضلية فهو لا يدفع الشبهة، ولا تقوم به حجة، وتفسير الأجزاء الأصلية بالذر أو ما يشبهه الذي ورد أن الله جعله في صلب آدم وأخذ عليه الميثاق فهو غير ظاهر في هذا المقام إذ لا يصح أن تكون هذه الجراثيم المشبهة بالذر من أجزاء الجسد الظاهرة التي يعنيها من يقولون بحشر هذه

стр. 870

الأجساد بأعيانها. ولكن لهذه المسألة وجهًا آخر من النظر العلمي، وهو هل خلق الله للبشر في التكوين الأول جراثيم حية تتسلسل في سلائلهم التناسلية؟ فإن مسألة أصول الأحياء كلها من أخفى مسائل الخلق، والقاعدة المبنية على التجارب والمباحث الكثيرة أن كل حي يوجد في الأرض في حالها هذه فهو من أصل حي كما تقدم، وإن كل أصل من جراثيم الأحياء الحيوانية والنباتية يندمج فيه جميع مقوماته ومشخصاته التي يكون عليها إذا قدر له أن يولد وينمى ويكمل خلقه، فنواة النخلة مشتملة على كل خواص النخلة التي تنبت منها حتى لون بسرها وشكله ودرجة حلاوته عندما يصير رطبًا فتمرًا، ولا يعلم أحد من البشر كيف وجدت هذه الأصول والجراثيم في التكوين الأول، سواء منهم القائلون بخلق الأنواع دفعة واحدة والقائلون بالخلق التدريجي على قاعدة النشوء والارتقاء، إلا أن لهؤلاء نظرية في تصوير التكوين الأول من مادة زلالية مكونة عن عناصر مختلفة لها قوى التغذي والانقسام والتوالد في وقت كانت طبيعة الأرض فيها غير طبيعتها في هذا الزمن وما يشبهه منذ ألوف الألوف من السنين، ولكن كيف صار لما لا يحصى من أنواع النبات والحيوان الدنيا والوسطى والعليا جراثيم مشتملة على ما أشرنا إليه من الخواص والأسرار لا تتولد إلا منها؟ إنهم ليسوا على علم صحيح بهذا ولا بما قبله. ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]. أطال شيخنا حسين الجسر رحمه الله تعالى في المسألة فأثبت أنها من الممكنات، إذ لا محال في إبداع الملايين الكثيرة من النسم في ظهر آدم، وقد ثبت عند علماء هذا العصر أن في نقطة الماء من الجراثيم الحية بعدد جميع من على الأرض من البشر، وارتأى أن مستودعها من آدم كان في منيه (وإنها كانت تخرج منه بالوقاع (قال) (فتحل في البزور التي تنفصل من مبيض زوجته، فيكون هياكلها من تلك البزور مع السائل المنوي، ويطورها أطوارًا، حتى تبلغ صورة الهيكل

стр. 871

الإنساني، وأول ذرة من أولاده نقلها إلى بزرتها، نقل معها عدد الذرات التي تكون أولادًا لها، ثم ينقل تلك الذرات في المني الذي ينفصل فيما بعد عن هيكل هذه الذرة الأولى (وهكذا الحال في بقية أولاده وأولادهم، يفعل على تلك الكيفية إلى آخر الدهر ... وعند بلوغ كل هيكل إلى حد محدود يرسل الله تعالى الروح فتحل في ذرتها، وتسري فيها وفي هيكلها الحياة والحركة، فكل إنسان هو مجموع الروح والذرة، وهذه الذرة هي الأجزاء الأصلية التي قال بها اتباع محمد ﷺ ، وأنها الباقية مدة العمر، وهي المعادة بإعادة الروح إليها بعد أن تفارقها بالموت، والهيكل هو الأجزاء الفضلية التي تروح وتجيء وتزيد وتنقص، فإذا أراد الله تعالى موت الإنسان فصل عن ذرته الروح ففارقتها الحياة وفارقت الهيكل الذي هو الأجزاء الفضلية وحلمها الموت فيأخذ الهيكل بالانحلال، ويجري عليه من التفرق والدخول في تركيب غيره ما يجري، والذرة محفوظة بين أطباق الثرى، كما تحفظ ذرات الذهب من البلى والانحلال، وإن دخلت في تركيب حيوان، فإنما تدخل في تركيب هيكله الذي هو الأجزاء الفضلية محفوظة غير منحلة. فإذا انحل ذلك الهيكل، عادت محفوظة في أطباق الثرى، ولا تدخل في تركيب الأجزاء الأصلية لذلك الحيوان التي هي حقيقته، غاية ما يطرأ عليها بالموت مفارقة الروح لها، وانحلال هيكلها، وإذا أراد الله تعالى حياتها أعاد الروح إليها، فتعود إليها الحياة وبقية خواصها وإن كان هيكلها منحلًا. ومن هنا تنحل شبه سؤال القبر ونعيمه وعذابه وأمثال ذلك من أمور البرزخ التي وردت النصوص الشرعية بها، وأنها تكون قبل البعث. ثم إذا أراد الله تعالى أن يبعث الخلق للحساب، أعاد تكوين هياكل الذرات الإنسانية، التي هي الأجزاء الفضلية، سواء كانت هي الأجزاء السابقة أو غيرها -إذ المدار على عدم تبدل الذرات، وأحل الذرات في تلك الهياكل وبتعلق الروح بها تقوم فيها وفي هياكلها الحياة، ويقوم البشر في النشأة الآخرة كما كانوا في هذه

стр. 872

الدار، وجميع ما تقدم يمكن أن يكون حاصلًا في بقية الحيوانات غير الإنسان في جميع تفصيله). ثم ضرب للماديين الأمثال المقربة لذلك بأنواع جنة الأحياء الخفية (الميكروبات) وحياتها في الماء وغيره، على كثرتها، بنظام غريب، ودخول المرضية منها في أجساد المرضى وسريانها في دورة الدم، وبالحيوانات المنوية منها في المني الذي ينفصل من الأنثيين ويلقح بذور الأنثى -وقال بعد تلخيص ما قالوه في صفتها وقدرها وحركتها - فأي مانع أن تلك الحيوانات المنوية جعلها الخالق تعالى تحمل ذرات بني آدم التي هي أصغر منها، وتسير بها في السائل المنوي حتى تلقيها في البزور المنفصلة من مبيض الأم؟ ... ثم علل بهذا كون الإنسان ينتقل من الأب إلى الأم خلافًا لقولهم: إن الإنسان من بزرة أمه وليس لأبيه منه إلا مجرد التلقيح. ثم ذكر عمل القلب وتعليلهم لحركته المنتظمة، واستظهر أنه هو مركز الذرة الإنسانية، وأنها بحلول الروح فيها تتحرك تلك الحركة المنتظمة التي تنشأ عنها دورة الدم، وبعد إيضاح ذلك قال: (وخلاصة ما تقدم: أن الإنسان الحقيقي على هذا التقرير هو الذرة التي تحل في القلب، وتحل فيها الروح، فتكسبها الحياة، وتسري الحياة إلى الهيكل، ثم الهيكل إنما هو آلة لقضاء أعمال تلك الذرة في هذا الكون ولاكتساب معارفها بسببه، وتلك الذرة مع الروح الحالة فيها هي المخاطب بالتكليف والمعاد والمنعم والمعذب - إلى آخر ما ورد في حق الإنسان. (وعلى هذا التقرير نجد أن الشبه التي وردت على ما جاء في الشريعة المحمدية من البعث وسؤال القبر ونعيمه وعذابه وحياة بعض البشر في قبورهم ونحو ذلك سقطت برمتها كما يظهر بالتأمل الصادق والله أعلم). ثم أورد على هذا أن بعض النصوص صريحة في إعادة الهيكل الإنساني أو بعضه كالعظام -كما تقدم مثله عن السعد- وأجاب بأن هذه النصوص وردت لدفع

стр. 873

إشكالات أخرى كانت تعرض لأفكار أهل الجاهلية في إعادتها، إذ عند ذكر البعث لا تنصرف أفكارهم إلا إلى إعادة هذا الهيكل المشاهد لهم، فيقولون كيف تعود الحياة للعظام بعد أن تصير رميمًا؟ فتدفع هذه النصوص إشكالاتهم بقدرة الله الشاملة وعلمه المحيط (قال): وهذا لا ينافي التوجيه الذي تقدم في إعادة الأجزاء الأصلية التي هي الذرات لتدفع به الإشكالات الأخرى التي تقدمت فليتأمل أ. هـ. ثم صرح بأنه لا يقول إن ما حرره مما يجب اعتقاده، وإنما هو لدفع الإشكال عمن يعرض له. فهذا ملخص رأيه رحمه الله تعالى وغايته أنه مبني على تأويل بعض الآيات كغيره. وليس فيه إلا محاولة الجمع بين ما ورد في خلق ذرية آدم وقول من قال بالفرق بين الأجزاء الأصلية والفضلية، وهو تكلف لا حاجة إليه ولا يمكن أن يكون المراد بالأجزاء الأصلية لكل فرد ذرة حية في بدنه كالأجنة التي لا تري في الماء والدم وغيرهما بغير المنظار المكبر (المجهر). نعم إنه يجوز عقلًا أن يحمل الحيوان المنوي الذي يلقح بويضة المرأة في الرحم ذرة حية هي أصل الإنسان، كما يجوز أن يكون هذا الحيوان المنوي نفسه هو الذي ينمى في البويضة ويكون إنسانًا، وأن يكون أصله ما يتولد من ازوداج خليته بخليتها كما سيأتي، وأيها كان أصل الإنسان فإنما يكون كذلك بكبره ونمائه، كما تكون نواه الشجرة شجرة باسقة مثمرة، وبذلك يكون الفرع عين الأصل، فلا يكون له أصل آخر بشكل مصغر في هذا الهيكل، لا في القلب ولا في المني. وإنما قد يكون في هيكله أصل وأصول لأناسي آخرين يكونون فروعًا إذا أراد الله ذلك، كما يكون للنخلة النابتة من النواة نوي كثيرة يمكن أن ينبت منها نخل كثير. وأما المعروف عند علماء العصر في هذا الشأن فهو أن سر حركة القلب، وإن كان لا يزال مجهولًا، فمن المعلوم أن الدم الوارد منه إلى الخصيتين هو الذي يغذيهما وبتغذيتهما به تنقسم خلاياهما، فتتولد الحيوانات المنوية من انقسامها، وتلك سنة الله في جميع الأحياء، تتغذي وتنمى بالتوالد الذي يكون من انقسام

стр. 874

الخلايا التي تتكون بنيتها منها، ومن غريب صنع الله الذي أتقن كل شيء، أن في كل خلية من خلايا الأجساد الحية نويتين (تصغير نواة) صغيرتين تتولد الخلية الجديدة باقترانهما، فسنة الزواج عامة في أنواع الأحياء وفي دقائق بنية كل منها كما قلنا في المقصورة: وسنة (١) الزواج في النتاج بل ... كل تولد تراه في الدنا فاجتله في الحيوان ناطقًا ... وأعجمًا وفي النبات المجتنى بل كل ذرة بدت في بنية ... زاد بها الحي امتدادًا ونمى (٢) خلية تقرن في غضونها ... نويتان فإذا الفرد زكا (٣) والحيوانات المنوية تتولد من الخلايا المبطنة بها الخصية من داخلها، بسبب تغذية الدم لها، ولا مانع من وجود سبب خفي لذلك الدم، كذرات حية، لا ترى في المناظير المكبرة المعروفة الآن، فهم يقولون بأنه لا يبعد أن يوجد مناظير أرقى منها يرى فيها من أنواع هذه الأجنة المسماة بالبكتيريا ما لا يرى الآن. وهم يقولون إن الحيوان المنوي له خلية واحدة وله رأس وجسم وذنب: ورأسه هو نواة الخلية، وهو سريع الحركة شديد الاضطراب، ويتولد من عهد بلوغ الحلم لا قبله، فإذا وصلت هذه الحيوانات إلى رحم الأنثى مع المني الذي يحمله إليه تبحث بطبيعتها عن البويضة التي فيه، فالذي يعلق بها يدخل رأسه فيها، وهي مثله ذات نواة أو نوية واحدة فيحصل التلقيح باقتران النويتين. ويقولون إن بويضات النسل تكون في البنت من ابتداء خلقها، فتولد وفيها ألوف منها معدودة لا تزيد، ويظنون أنها تسقط منها في زمن الطفولة، ثم تتكون فيها بويضات النسل بعد البلوغ بسبب دم الحيض، ذلك بأن في داخل الرحم عضوين

стр. 875

مصمتين يشبهان خصيتي الرجل يسميان المبيضين؛ لأن في داخلهما بويضات دقيقة جدًّا لا ترى إلا بالمناظير المكبرة تكون في حويصلات يقترب بعضها من سطح المبيض رويدًا رويدًا حتى ينفجر، فتخرج منه البويضة إلى بوق الرحم، فتكون مستعدة بذلك لتلقيح الحيوان المنوي لها. وأكثرها يضمر بالتدريج إلى أن يضمحل ولا ينفجر. وإنما ينفجر ما ينفجر منها في زمن الحيض، والمعروف أن كل حيضة تفجر حويصلة واحدة، تكون منها بويضة واحدة في الغالب، وأن ذلك يكون بالتناوب بين المبيضين مرة في الأيمن ومرة في الأيسر، وقد اهتدى أحد الأطباء بالتجارب الطويلة إلى أن البويضة التي تكون في المبيض الأيمن يتولد منها الذكر والتي تكون في المبيض الأيسر تتولد منها الأنثى، وإنه متى عرف بوضع المرأة أول ولد لها متى كان حملها يمكن أن يعرف بعد ذلك دور بويضة الذكر ودور بويضة الأنثى في الغالب، ويكون للزوجين كسب واختيار لنوع المولود إن قدره الله لهما. وقد فصلنا هذه المسألة في تفسير ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] من سورة الأنعام. وأما التوأمان فسببهما إما انفجار بويضتين فأكثر شذوذًا، وإما اشتمال البويضة الواحدة على نويتين يلقحان معًا، والله أعلم. وقد ذكرنا هذا الاستطراد للاعتبار بقدرة الخالق وسعة علمه ودقائق حكمته بعد توفية مسألة البعث حقها من البحث، وكان المناسب أن يذكر بحث التكوين في سياق خلق آدم في أوائل السورة. وما نقلته عن الشيخ يدل على سعة علمه وشمول معرفته، وكثرة اطلاعه على ما كتبه الأقدمون والمحدثون، لا في العلوم الدينية فحسب، بل في العلوم الحديثة كذلك، كما يدل على إنصافه للمتكلمين الأقدمين والمحدثين، يدلنا على هذا ما ذكره عن العلامة الثاني سعد الدين التفتازاني، وعن شيخه صاحب الرسالة الحميدية الشيخ حسين الجسر ﵀، ويدل ثالثًا على ما منحه الله من فكر ثاقب وتفكير عميق، وقوة عارضة في النقاش والحجاج والأخذ والردّ، رحم الله صاحب المنار وأسكنه الدرجات العلى من الجنة، هدانا الله ومنحنا من عظيم فضله وسعة رحمته إن ربي سميع الدعاء.

стр. 876

٤ - ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات ووقوعه فيما هو أخطر منها: ليس غريبًا موقف الشيخ من الإسرائيليات ومحاربته لها، فالذين تأثر بهم الشيخ كابن تيمية وابن القيم، وابن كثير وابن خلدون والشيخ محمد عبده، ومن قبل ذلك رجاحة عقله ودقة حكمة على الأمور، كل هؤلاء العلماء عقدوا ألوية لمحاربة الخرافات والإسرائيليات، وجردوا لذلك أقلامهم وحججهم من المعقول والمنقول، لكن رشيدًا كان أكثرهم عنفًا، وأقواهم شكيمة، لذا نجده لا يدع فرصة تمر إلا وينبه فيها على هذه الإسرائيليات وخطرها، والحق أنه كان لها أعظم الخطر، وأسوأ الأثر على المسلمين، بانصرافهم إليها، وعلى الإسلام بقصد تلويث نبعه الصافي، وهي تكثر في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبخاصة قصة موسى ﵊. لقد سكت القرآن عن كل ما ليس فيه عبرة للمسلمين، فلم يبين مثلًا كيفية فرق البحر لموسى، ولا بعض البقرة الذي ضرب به الميت، ولا عدد الألواح التي أخذها موسى، ولا أنواع الطعام التي أنزلت في المائدة على عيسى ﵇، ولا وسيلة إغواء إبليس لآدم، ولا هوية الذي أراه الله آياته فانسلخ منها، ولا مقدار الثمن الذي بيع به يوسف، ولا مدة طوفان نوح ونوع سفينته وحجمها، إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي أجملها القرآن، والتي كثرت حولها الإسرائيليات، والأساطير، وتسربت فيما بعد إلى كثير من كتب التفسير. وجاء صاحب المنار ينبه المسلمين بقوة على وجوب طرح هذه الخرافات وتنقية التفسير منها، لأنها حجاب كثيف يحول بين المسلمين وبين هداية القرآن وحججه الواضحة، ولو أنه وقف عند هذه لأسدى إلى المسلمين خدمات عظيمة جليلة، ولكنه مع الأسف غالى وتطرف وهدم بقدر ما بنى، ودمر أكثر مما جنى، وكان لمغالاته وتطرفه نتائج خطيرة، تكاد تعصف ريحها الصرصر العاتية بقواعد من أصول العقيدة، وأهم هذه النتائج، الطعن في أحاديث أجمعت الأمة على صحتها، والتشكيك في عدالة الصحابة واتهامهم

стр. 877

باستقاء علومهم وأحاديثهم من أهل الكتاب. وسأورد بعض الأمثلة التي توضح خطر هذا المسلك: أ- وضعه مقاييس خاصة للحكم على الحديث: جاء في صحيح البخاري عند تفسير هذه الآية (١) ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] من سورة البقرة أنه لما قيل لبني إسرائيل ذلك، دخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعيرة، ولكن الشيخ يرفض هذا الحديث ويقول بأنه لا يخلو من علة إسرائيلية (٢). كنا نظن ألا يسير الشيخ رشيد، وهو الضليع في علم الحديث، وراء الشيخ محمد عبده في الطعن في هذا الحديث، ولكنه رده مع أنه لا يعارض ولا يتناقض حتى مع مقاييسه التي جعلها ميزانًا لقبول الحديث أو رده، كموافقة القرآن والعقل وسنن الله في الكون وقواعد العلم. ب- ولقد بات سهلًا على الشيخ أن ينكر كل حديث ، لا يتفق والمقاييس التي وضعها هو لقبول الحديث أو رده، فرد (٣) حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم، والذي يقول فيه (أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد .. الخ). ومن الإنصاف أن أقرر هنا أن الشيخ قد قال كلامًا طيبًا في تفسير هذه الآية ومن الإنصاف كذلك أن أقول إن حديث التربة الذي أخرجه الإمام مسلم ليس ابن كثير هو أول من وهنه، بل إن الإمام البخاري ﵀ قد طعن في هذا الحديث ورده، وإن كان لنا من مأخذ على الشيخ، فإنما هو مأخذ يتصل بمنهجيته في قبول الحديث أو رده، حتى إن ذلك قد يضطره لمخالفة الإجماع، وهو حينما

стр. 878

يطعن في الصحابة يحمل عليهم حملة ما كنا نرضاها منه، فإذا كان الشيخ يرد بعض الأحاديث لتوهين بعض الحفاظ لها، أو توقفهم فيها فإننا رأيناه قد اخترق حصن إجماع الأمة، لا من حيث رد أحاديث لم تحم حولها من قبل شبهة، وإنما كذلك من حيث نقض هذه القاعدة، وهي كون الصحابة عدولًا، فهو تارة يتهم أبا هريرة وابن عباس بكثرة النقل عن أهل الكتاب من بني إسرائيل، مع أن ابن عباس ﵄ ثبت عنه النهي عن سؤال أهل الكتاب شيئًا كما ورد في صحيح البخاري وقد تقدم هذا من قبل في الجزء الأول "التفسير اتجاهاته وأساسياته"، كما تقدم قول الشافعي ﵁، بأنه لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا نحو مائة حديث. وتارة أخرى يشتط فيختط لنفسه طريقًا عجبًا. إذ يزعم بأن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا ينقلون عن كعب وأضرابه، حتى عن التابعين وينسبونه للرسول ﷺ ، ويرد على كون الصحابة عدولًا، بأنها أغلبية لا مطردة، وهذا من شأنه أن يعري السنة ورجالها من كل ما يجب لهم من قدسية وتقدير، وأن يكون بعد ذلك كسرًا لباب عظيم من أبواب الإسلام، ليلج منه كل حاقد وطامع وطاعن. جـ - علامات الساعة: وهناك موضوع جدير بالبحث طرقه الشيخ، أعني به علامات الساعة، ومن الإنصاف أن أقرر هنا أنّ الشيخ رشيدًا، بذل كل جهد ليكون في بحثه هذا موضوعيًا يكتب بتجرد من كل نزعة صابغًا بالصبغة العلمية كل مسألة تناولها، ولقد أسيء فهم كتابته عند بعضهم، كما أعجب بها آخرون، والإنصاف والأمانة العلمية يقضيان علينا ويستلزمان منا أن نتتبع أقواله، فنرى ما فيها من جهد علمي وثغرات وهفوات. عرض الشيخ رشيد لموضوع علامات الساعة في سورتي الأنعام والأعراف. ولكنه أسهب في هذه الأخيرة، ففي سورة الأنعام عند تفسير قوله تعالى (١) ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا

стр. 879

يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] يقول: (وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، ما رواه البخاري في كتاب الرقاق، عن أبي هريرة أن رسول ﷺ قال (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ... ﴾ واخرج الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أيضًا، وقد رفعه (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) وهو مشكل مخالف للأحاديث الأخرى الواردة في نزول المسيح بعد الدجال وإيمان الناس به، والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة، أهم أسبابها فيما صحت أسانيده، واضطربت المتون، وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى، أن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، ولم يكن كل الرواة يفهم المراد منها، لأنها في أمور غيبية، فاختلف التعبير باختلاف الأفهام، على أنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات، ومما استشكل أن علة عدم قبول الإيمان بعد طلوع الشمس من مغربها، لا تنطبق على من رآها أو رويت له بالتواتر ... هذا. وإن أبا هريرة ﵁ لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع عن النبي ﷺ ، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله فتكون مرسلة). وإذا كان الشيخ يقف من أبي هريرة ﵁ هذا الموقف، فإنه يتعداه إلى غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فهو يشكك في حديث أبي ذر ﵁ الذي أخرجه البخاري، يقول: (ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب بن جنادة، الذي يعد متنه من أعظم المتون إشكالًا، فهو يقول إن النبي ﷺ سأله: أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال: قلت لا أدري. قال: إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي. فيوشك يا أبا ذر أن يقال ارجعي من حيث دخلت، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل (١).

стр. 880

وعند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] من سورة الأعراف، يكتب ما يزيد على أربعين صفحة عن علامات الساعة، وبعد أن يقسم هذه العلامات ويناقش أحاديث عمر الدنيا، يعقد فصلين أحدهما يناقش فيه أحاديث الدجال والجساسة، ويناقش في الثاني أحاديث المهدي. ١ - إشكالاته على أحاديث الدجال وردها: يقول في الفصل الأول (١) بعد نقله عن ابن الجوزي، بأن الرسول ﷺ ، كان يقدر تقديرًا في هذه المسائل، إذ لم يوح الله تعالى إليه أخبارها تفصيلًا. (إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه). أحدها: ما ذكرناه آنفًا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس، بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتة. ثانيها: ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعد شبهة عليها .. فكيف يؤتى الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباد الله. ثالثها: وهو من متعلقات ما قبله، أن ما عزي إليه من الخوارق، مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل، وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها. رابعها: اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات الأخرى من الدين، كتخلف أخبار الرسول ﷺ ، أو كونها عبثًا، وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم. خامسها: إنها متعارضة تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطها.
следующие страницы →