٤ - ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات ووقوعه فيما هو أخطر منها:
ليس غريبًا موقف الشيخ من الإسرائيليات ومحاربته لها، فالذين تأثر بهم الشيخ كابن تيمية وابن القيم، وابن كثير وابن خلدون والشيخ محمد عبده، ومن قبل ذلك رجاحة عقله ودقة حكمة على الأمور، كل هؤلاء العلماء عقدوا ألوية لمحاربة الخرافات والإسرائيليات، وجردوا لذلك أقلامهم وحججهم من المعقول والمنقول، لكن رشيدًا كان أكثرهم عنفًا، وأقواهم شكيمة، لذا نجده لا يدع فرصة تمر إلا وينبه فيها على هذه الإسرائيليات وخطرها، والحق أنه كان لها أعظم الخطر، وأسوأ الأثر على المسلمين، بانصرافهم إليها، وعلى الإسلام بقصد تلويث نبعه الصافي، وهي تكثر في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبخاصة قصة موسى ﵊.
لقد سكت القرآن عن كل ما ليس فيه عبرة للمسلمين، فلم يبين مثلًا كيفية فرق البحر لموسى، ولا بعض البقرة الذي ضرب به الميت، ولا عدد الألواح التي أخذها موسى، ولا أنواع الطعام التي أنزلت في المائدة على عيسى ﵇، ولا وسيلة إغواء إبليس لآدم، ولا هوية الذي أراه الله آياته فانسلخ منها، ولا مقدار الثمن الذي بيع به يوسف، ولا مدة طوفان نوح ونوع سفينته وحجمها، إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي أجملها القرآن، والتي كثرت حولها الإسرائيليات، والأساطير، وتسربت فيما بعد إلى كثير من كتب التفسير. وجاء صاحب المنار ينبه المسلمين بقوة على وجوب طرح هذه الخرافات وتنقية التفسير منها، لأنها حجاب كثيف يحول بين المسلمين وبين هداية القرآن وحججه الواضحة، ولو أنه وقف عند هذه لأسدى إلى المسلمين خدمات عظيمة جليلة، ولكنه مع الأسف غالى وتطرف وهدم بقدر ما بنى، ودمر أكثر مما جنى، وكان لمغالاته وتطرفه نتائج خطيرة، تكاد تعصف ريحها الصرصر العاتية بقواعد من أصول العقيدة، وأهم هذه النتائج، الطعن في أحاديث أجمعت الأمة على صحتها، والتشكيك في عدالة الصحابة واتهامهم
стр. 877
باستقاء علومهم وأحاديثهم من أهل الكتاب.
وسأورد بعض الأمثلة التي توضح خطر هذا المسلك:
أ- وضعه مقاييس خاصة للحكم على الحديث:
جاء في صحيح البخاري عند تفسير هذه الآية (١) ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] من سورة البقرة أنه لما قيل لبني إسرائيل ذلك، دخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعيرة، ولكن الشيخ يرفض هذا الحديث ويقول بأنه لا يخلو من علة إسرائيلية (٢).
كنا نظن ألا يسير الشيخ رشيد، وهو الضليع في علم الحديث، وراء الشيخ محمد عبده في الطعن في هذا الحديث، ولكنه رده مع أنه لا يعارض ولا يتناقض حتى مع مقاييسه التي جعلها ميزانًا لقبول الحديث أو رده، كموافقة القرآن والعقل وسنن الله في الكون وقواعد العلم.
ب- ولقد بات سهلًا على الشيخ أن ينكر كل حديث ، لا يتفق والمقاييس التي وضعها هو لقبول الحديث أو رده، فرد (٣) حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم، والذي يقول فيه (أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد .. الخ).
ومن الإنصاف أن أقرر هنا أن الشيخ قد قال كلامًا طيبًا في تفسير هذه الآية ومن الإنصاف كذلك أن أقول إن حديث التربة الذي أخرجه الإمام مسلم ليس ابن كثير هو أول من وهنه، بل إن الإمام البخاري ﵀ قد طعن في هذا الحديث ورده، وإن كان لنا من مأخذ على الشيخ، فإنما هو مأخذ يتصل بمنهجيته في قبول الحديث أو رده، حتى إن ذلك قد يضطره لمخالفة الإجماع، وهو حينما
стр. 878
يطعن في الصحابة يحمل عليهم حملة ما كنا نرضاها منه، فإذا كان الشيخ يرد بعض الأحاديث لتوهين بعض الحفاظ لها، أو توقفهم فيها فإننا رأيناه قد اخترق حصن إجماع الأمة، لا من حيث رد أحاديث لم تحم حولها من قبل شبهة، وإنما كذلك من حيث نقض هذه القاعدة، وهي كون الصحابة عدولًا، فهو تارة يتهم أبا هريرة وابن عباس بكثرة النقل عن أهل الكتاب من بني إسرائيل، مع أن ابن عباس ﵄ ثبت عنه النهي عن سؤال أهل الكتاب شيئًا كما ورد في صحيح البخاري وقد تقدم هذا من قبل في الجزء الأول "التفسير اتجاهاته وأساسياته"، كما تقدم قول الشافعي ﵁، بأنه لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا نحو مائة حديث. وتارة أخرى يشتط فيختط لنفسه طريقًا عجبًا. إذ يزعم بأن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا ينقلون عن كعب وأضرابه، حتى عن التابعين وينسبونه للرسول ﷺ ، ويرد على كون الصحابة عدولًا، بأنها أغلبية لا مطردة، وهذا من شأنه أن يعري السنة ورجالها من كل ما يجب لهم من قدسية وتقدير، وأن يكون بعد ذلك كسرًا لباب عظيم من أبواب الإسلام، ليلج منه كل حاقد وطامع وطاعن.
جـ - علامات الساعة:
وهناك موضوع جدير بالبحث طرقه الشيخ، أعني به علامات الساعة، ومن الإنصاف أن أقرر هنا أنّ الشيخ رشيدًا، بذل كل جهد ليكون في بحثه هذا موضوعيًا يكتب بتجرد من كل نزعة صابغًا بالصبغة العلمية كل مسألة تناولها، ولقد أسيء فهم كتابته عند بعضهم، كما أعجب بها آخرون، والإنصاف والأمانة العلمية يقضيان علينا ويستلزمان منا أن نتتبع أقواله، فنرى ما فيها من جهد علمي وثغرات وهفوات.
عرض الشيخ رشيد لموضوع علامات الساعة في سورتي الأنعام والأعراف. ولكنه أسهب في هذه الأخيرة، ففي سورة الأنعام عند تفسير قوله تعالى (١) ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا
стр. 879
يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] يقول: (وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، ما رواه البخاري في كتاب الرقاق، عن أبي هريرة أن رسول ﷺ قال (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ... ﴾ واخرج الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أيضًا، وقد رفعه (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) وهو مشكل مخالف للأحاديث الأخرى الواردة في نزول المسيح بعد الدجال وإيمان الناس به، والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة، أهم أسبابها فيما صحت أسانيده، واضطربت المتون، وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى، أن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، ولم يكن كل الرواة يفهم المراد منها، لأنها في أمور غيبية، فاختلف التعبير باختلاف الأفهام، على أنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات، ومما استشكل أن علة عدم قبول الإيمان بعد طلوع الشمس من مغربها، لا تنطبق على من رآها أو رويت له بالتواتر ... هذا. وإن أبا هريرة ﵁ لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع عن النبي ﷺ ، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله فتكون مرسلة).
وإذا كان الشيخ يقف من أبي هريرة ﵁ هذا الموقف، فإنه يتعداه إلى غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فهو يشكك في حديث أبي ذر ﵁ الذي أخرجه البخاري، يقول: (ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب بن جنادة، الذي يعد متنه من أعظم المتون إشكالًا، فهو يقول إن النبي ﷺ سأله: أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال: قلت لا أدري. قال: إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي. فيوشك يا أبا ذر أن يقال ارجعي من حيث دخلت، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل (١).
стр. 880
وعند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] من سورة الأعراف، يكتب ما يزيد على أربعين صفحة عن علامات الساعة، وبعد أن يقسم هذه العلامات ويناقش أحاديث عمر الدنيا، يعقد فصلين أحدهما يناقش فيه أحاديث الدجال والجساسة، ويناقش في الثاني أحاديث المهدي.
١ - إشكالاته على أحاديث الدجال وردها:
يقول في الفصل الأول (١) بعد نقله عن ابن الجوزي، بأن الرسول ﷺ ، كان يقدر تقديرًا في هذه المسائل، إذ لم يوح الله تعالى إليه أخبارها تفصيلًا.
(إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه).
أحدها: ما ذكرناه آنفًا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس، بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتة.
ثانيها: ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعد شبهة عليها .. فكيف يؤتى الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباد الله.
ثالثها: وهو من متعلقات ما قبله، أن ما عزي إليه من الخوارق، مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل، وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها.
رابعها: اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات الأخرى من الدين، كتخلف أخبار الرسول ﷺ ، أو كونها عبثًا، وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم.
خامسها: إنها متعارضة تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطها.
стр. 881
هذه إشكالات الشيخ رشيد في مسألة الدجال، والذي يظهر لي أن هناك إشكالًا واحدًا فقط وهو عدُّ الشيخ وجعله مثل هذه الأمور إشكالًا.
أما قوله إن هذا ينافي إتيان الساعة بغتة فلا يسلم له، فإن هناك فرقًا بين الساعة وأماراتها كما ورد في حديث جبريل ﵇، الذي ورد في الصحيحين عن أمارات الساعة، ولا إخال الشيخ ينكره. ثم إن بعثة الرسول ﷺ من أعظم علامات الساعة، كما ذكر الشيخ من قبل، فلا ينافي هذا كون الساعة بغتة يقول الله تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]، فأمارات الساعة إذًا مما يستأنس به المؤمنون ويزيدهم إيمانًا.
وأما قوله في الإشكال الثاني إن خوارق الدجال تضاهي بل تفوق ما أعطاه الله لأولي العزم من الرسل، وتعد شبهة عليها، فهذا من غرائبه، فالشيخ ﵀ يعلم قبلنا أن المعجزات إنما انتهت بانتهاء أزمنة الأنبياء، وأن الله ﵎ يبتلي عباده بما شاء من الفتن، ليظهر الصادق من الكاذب، ثم إن ما أعطيه الدجال يحمل زيفه معه، كما جاء في الروايات الصحيحة، وما أكثر ما يفتن به الناس في هذه الحياة، أفليس الشيطان فتنة حُذر منه المؤمنون؟ ألم يقل الله عما متع به كثيرًا بأنه زهرة الحياة الدنيا ليفتنهم فيه؟ وعجيب قول الشيخ بأن ما أعطيه الدجال يفوق ما أوتيه الرسل من المعجزات. والحق أنه ليس هناك مضاهاة، ولا ما هو قريب منها، بل إنه قياس مع الفارق، كما يقولون.
وأما كون ما أعطيه الدجال مخالفًا لسنن الله تعالى، فمن المعلوم أن سنن الله ليس ما ألفه الناس فقط، فمن سننه التي تقتضيها حكمته كذلك، ما ليس بمألوف ألم يحدثنا القرآن عما فعله سحرة موسى، حتى إنه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أوجس في نفسه خيفة؟ وكذلك عن أصحاب الفيل وأهل الكهف، والذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.
وأما كون أخبار الدجال تخالف القطعي، وتستلزم تخلف أخبار الأنبياء، فهذا
стр. 882
غير وارد هنا، فإن رسول الله ﷺ لم يعين السنة أو اليوم الذي ستظهر فيه. والساعة لم تقم بعد.
لكن الشيخ سامحه الله يمزج بين صحيح الروايات وضعيفها، والمقبول منها والمردود، فيبني على كل ذلك نتائجه، مع أن النصفة تقتضي منه غير ذلك.
بقي القول بأن بين هذه الأحاديث تعارضًا، والتعارض الذي ذكره الشيخ يرجع تارة إلى المكان الذي يخرج منه الدجال، وتارة إلى زمانه، وتارة إلى ما أعطيه مما يخدع به الناس، وأقول إن منشأ هذا التعارض هو إدراج الروايات الضعيفة والصحيحة وجعلها في سلك واحد، ونحن نعلم أنه ينبغي أن نأخذ أصح الروايات، وألا نحتج بما ضعف منها على ما صح. وإن الناظر فيما جاء في الصحيح، لا يجد تعارضًا حقيقيًّا، وكل ما يوهم ظاهره التعارض قد بينه العلماء.
ويفيض الشيخ في الحديث عن ابن صياد وعن الجساسة، جاعلًا كل ما ورد من هذه الأخبار يفضي إلى نتيجة واحدة، هي أن حديث الدجال مصنوع، ويرد على التواتر بأنه تواتر بمعنى كثرة الأخبار فقط، وأنه إن صح شيء من حديث الجساسة فإنما هو فقط كون الدجال لا يدخل مكة والمدينة.
يقول الشيخ: (ينظر إلى اختلاف الروايات الأخرى في مكان الدجال بعين، وينظر إلى اختلاف الروايات في ابن صياد بالعين الأخرى، وينظر بالعينين كليتهما إلى سبب هذا التردد ومنافاته لأن يكون كلامه صلوات الله وسلامه عليه في أمر الدجال عن وحي من الله تعالى).
وكان حريًا بالشيخ أن يكتفي بما قاله الأئمة الأعلام في موضوعي الجساسة وابن صياد، وعلى سبيل المثال ما نقله الشيخ نفسه عن الإمام النووي ﵁ في موضوع ابن صياد وعن العلامة الطيبي في حديث الجساسة. (يقول الإمام النووي: (وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان
стр. 883
النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر (إن يكن هو فلن تستطيع قتله) (١). ويقول العلامة الطيبي: (لمّا تيقن ﵇ بالوحي، أنه من قبل المشرق نفى الأولين، وظاهر العبارة يدل على أن النبي ﷺ صدق تميمًا في أول الأمر، ولذلك قال: (ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن بالتأكيد بـ (إن) والبدء بأداة الاستفتاح (ألا). ثم كوشف في موقفه بأنه ليس في هذا ولا ذاك بل في جهة المشرق).
وكأن الشيخ شعر بما لإنكار روايات الدجال من نتائج خطيرة، لذا نراه يستدرك بقوله: (وجملة أخبار الدجال قالوا إنها متواترة، يعنون التواتر المعنوي، وهو أن لها أصلًا، وإن لم يتواتر شيء من رواياتها، ويدل القدر المشترك منها على أن النبي ﷺ ، كشف له وتمثل له ظهور دجال في آخر الزمان، يظهر للناس خوارق كثيرة وغرائب يفتتن بها خلق كثير، وأنه من اليهود، وأن المسلمين يقاتلونه ويقاتلون اليهود في هذه البلاد المقدسة وينتصرون عليهم، وقد كشف له ذلك مجملًا غير مفصل ولا بوحي عن الله تعالى -كما كشف عن غير ذلك من الفتن- فذكره فتناقله الرواة بالمعنى فأخطأ كثير منهم، وتعمد الذين كانوا يبثون الإسرائيليات الدس في رواياته، ولا يبعد أن يقوم طلابُ الملك من اليهود الصهيونيين بتدبير فتنة في هذا المعنى، ويستعينون عليها بخوارق العلوم والفنون العصرية كالكهرباء والكيمياء وغير ذلك والله أعلم (٢).
وها هم اليهود قد اتخذوا من بلاد المسلمين مباءة ووطنًا، ولا ندري أين سيكون هذا الدجال المرتقب، أفي فلسطين وما يتبعها مما يحتله اليهود؟ ! الحق أن هذه أمور غيبية ينبغي ألا نماري فيها، وألا نحاول إخضاعها لمقاييس عقولنا ومعارفنا المحدودة.
стр. 884
ولا يفوتني هنا أن أنبه على ما سبق من قول الأستاذ الشيخ محمد عبده، حينما سئل عن الدجال، بأنه رمز للخرافات والدجل. لكن الشيخ رشيدًا جعله تابعًا لظواهر العلم وتقدم الفنون العصرية كالكهرباء والكيمياء، ومنه أنه ﵀ رد على الشيخ محمد عبده، في مسألة نزول المسيح ﵇، حيث اعترف بصحة الحديث، إلا أننا رأيناه في مسألة الدجال يقول ما يقول، مع أن نزول المسيح من السماء أدل على الخوارق، وأبعد عن تحكيم العقل من الدجال الذي يخرج من الأرض.
٢ - رأيه في أحاديث المهدي:
أما عن حديثه عن المهدي فيقول: (وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتهما في صحيحيهما) (١).
وعجيب أمر الشيخ أنه يرد أحاديث المهدي، لما بينها من تعارض، لأن الشيخين لم يعتدا بها. هكذا صنيع مفسرنا ﵀، إنه إذا لم تتفق الأحاديث مع مقاييسه، يرفضها جملة وتفصيلًا، فإذا لم تكن قد وردت في الصحيحين، احتج بأن الشيخين لم يعتدّا بها فلم يخرجاها، فإذا ورد الحديث في صحيح مسلم، كحديث عائشة ﵂ في الرضاع، وحديث الجساسة رد الحديث محتجًا بأن البخاري أعله فلم يخرجه. فإذا ورد في صحيح البخاري زعم بأنه لا يخلو من علة إسرائيلية، أو من خطأ الرواية في المعنى.
ويستمر الشيخ في إيراد الروايات المتعارضة في حديث المهدي أعباسي أم علوي، وما اسمه واسم أبيه إلى غير ذلك. ويختم الشيخ بحثه بنتائج، نذكر أهمها وأخطرها:
стр. 885
(إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم، وما كل مسلم مؤمنًا صادقًا، وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه من النبي ﷺ أو من غيره وما بلغهم عنه بمثل: (سمعت وحدثني وأخبرني) كما فعل المحدثون من بعد عند وضع مصطلح الحديث، وقد ثبت أن الصحابة ﵃، كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله. . . ولكن البلية في الرواية عن مثل كعب الأحبار، وممن روى عنه أبو هريرة وابن عباس، ومعظم التفسير المأثور مأخوذ عنه وعن تلاميذه، ومنهم المدلسون كقتادة، وكذا غيره من كبار المفسرين كابن جريح) (١).
وهذا قول فضلًا على أنه لا يليق بجلال الصحابة، فإنه لا يثبت أمام النقد العلمي وهو مخالف للقواعد الأولية، ككون الصحابة عدولًا يتشددون في رواية الحديث، وهم أشد وعيًا لما سمعوه من الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وحاشاهم أن ينسبوا للرسول ما لم يقله.
على أنني قد أتفق مع الشيخ في موقفه من أحاديث المهدي لما ذكره الشيخ من جهة، ولأسباب لا محل الآن لإيرادها من جهة أخرى.
وخلاصة القول، إن الشيخ رشيدًا ﵀ نفر من الإسرائيليات في تفسيره ونفَّر منها وحذر، ولكنه غالى وتطرف، وحكم العقل أكثر مما ينبغي، وجعله أعظم المقاييس التي يقاس بها تمريض الحديث أو تصحيحه، فكانت النتائج التي وصل إليها لا تقل خطورة عن الإسرائيليات، بل إنها والحق يقال أشد خطورة وأسوأ آثارًا، ذلك لأنها تتعلق بمصدر من مصادر التشريع وهو السنّة، وليست كذلك الإسرائيليات.
стр. 886
٥ - استقلال الشخصية:
إن كثيرًا من الناس لا يتمتعون بشخصية مستقلة، وكيان علمي بارز، ونزعة حرة في التفكير، بل تذوب هذه كلها أمام تأثير الآخرين، وهذا ما نهى عنه الإسلام، حيث حارب القرآن التبعية التي لا تستند إلى الحق، والتي ترتكز على التقليد والهوى والتعصب الأعمى، كما حذر الرسول عليه وآله الصلاة والسلام المؤمنَ من أن يكون إمعة.
وتفسير المنار تبدو فيه آثار استقلال الشخصية واضحة المعالم عميقة الجذور. وتلك الآثار إنما انعكست على التفسير من شخصية المؤلف.
ولا يخفى على أحد أنه حينما يذكر رشيد، فإنه يذكر إلى جانبه بطريقة الربط وتداعي المعاني -كما يقول علماء النفس- الشيخ محمد عبده، ومن قبله ابن تيمية وتلميذاه، ابن القيم وابن كثير ﵏، ومع إجلال الشيخ رشيد لهؤلاء جميعًا، وإعجابه بهم جميعًا ودفاعه عنهم، فإننا مع ذلك نجده في كثير من المواضع، يستدرك عليهم حينًا، ويرد ويناقش حينًا آخر. والمتأمل في تفسير المنار لا يسعه إلا أن يكبر رشيدًا .. فإذا تأملنا تصرفه مع الشيخ محمد عبده نجد الأطراء والإكبار، فهو تارة يقول عنه، بأنه جاء بما لم يجيء به مفسر من قبله، وبأنه سبق المفسرين في تقرير بعض المعاني، كما رأينا ذلك عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] (١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢)، وتارة يستدرك عليه ويعتذر عنه مسوغًا له قوله كما رأينا ذلك عند تفسيره سورة الفاتحة. وتارة يصحح ما ضعفه الشيخ من أحاديث، كما رأينا ذلك في أحاديث نزول عيسى (٣)، وعدم نخس الشيطان (٤) له،
стр. 887
وحديث سحر النبي عليه وآله الصلاة والسلام (١)، ورده ما يورد الشيخ من سبب نزول للآية ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، حيث جعل الإمام سبب نزولها، قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ (٢).
ومع أن رشيدًا كان مع الشيخ غاية في الأدب واللطف، إلا أن هذا لم يحل بينه وبين النقد المر في بعض الأحيان، يقول معلقًا على تفسير الشيخ ﵀ (٣): (ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة، تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسيريهم .. كالزمخشري والبيضاوي ذهولًا، وحاصلُه أن الرحمة ليست من صفات الذات، أو صفات المعاني القائمة بذاته تعالى، لاستحالة معناها اللغوي عليه، فيجب تأويلها بما يلازمها وهو الإحسان، فتكون من صفات الأفعال كالخالق والرازق. وقال بعضهم يمكن تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة، فلا تكون صفة مستقلة، وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح، والتحقيق أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة، وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني، ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافًا للمعتزلة، فإن معاني هذه الصفات كلها بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر، محال على الله تعالى).
كما يقول عند تفسير الشيخ لقصة خلق آدم: (إنه قد ترك هذه المسألة مبهمة مظلمة).
وعلى الرغم مما بين الرجلين من صلة فكر، وتشابه منهج، إلا أن الإنسان يدرك دون إعياء وهو يقرأ ما كتبه كل منهما، أن الأستاذ الإمام، كان أكثر تأثرًا بالفلسفة، وأكثر التزامًا بالمنهج العقلي، كما كان الشيخ رشيد أشد تأثرًا بمذهب
стр. 888
السلف وطريقتهم، يقول الشيخ رشيد ردًّا على ما قاله الأستاذ الإمام في حاشيته على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية (١)، في شرحه لحديث رسول الله ﷺ في افتراق الأمة إلى فرق شتى: (ونقول: إن هذا الكلام من الأستاذ، يدل على أنه كان في عهد تأليفه لهذه الحاشية، أيام اشتغاله بعلم الكلام في الأزهر ... ولكنه كان ينقصه سعة الاطلاع على كتب الحديث، وإذن لجزم بأن الذين هم على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه هم أهل الحديث وعلماء الأثر ... وقد كان رحمه الله تعالى توغل في مذاهب الكلام والتصوف جميعًا ... فهداه الله بإخلاصه إلى مذهب السلف الصالح مجملًا ثم مفصلًا والرجوع عما خالفه من الكلام والتصوف تدريجيًا) (٢)، هذا هو رشيد مع الشيخ محمد عبده. كذلك ترى رشيدًا يخالف ابن كثير، وينبه على ما أورده من إسرائيليات.
ولقد خالف الشيخ رشيد ابن القيم، في مسألة وصول ثواب قراءة القرآن للميت حيث أجازه ابن القيم، ولكن رشيدًا لم يرضَ هذا منه، فاورد رأيه وناقشه. يقول الشيخ رشيد: (عفا الله عن شيخنا وأستاذنا المحقق، فلولا الغفلة عن تلك المسألة الواضحة، لما وقع في مثل هذه الأغلاط، التي نردها عليه ببعض ما كان يردها هو في غير هذه الحالة، وسبحان من لا يغفل ولا يعزب عن علمه شيء) (٣).
ولقد كان ابن تيمية وابن القيم يعتقدان بإمكان ضر الجن والشياطين للناس ولكن رشيدًا يرى أن الشياطين تتسلط بالإغواء فقط، أو على الأقل أن أكثر ما يتحدث به الناس، إنما هو من الخرافات التي لا أصل لها (٤).
стр. 889
وأخيرًا فإن شخصية رشيد العلمية تبرز جلية في تفسيره وآرائه، وليس معنى هذا أنه لم يتأثر بمن سبقه، فهذا أمر تلفظه وترفضه طبيعة الفكر الإنساني وطبيعة الاجتماع البشري، فلقد تابع رشيد الشيخ محمد عبده في مسألة تضييق نطاق الخوارق، وهو ما تسرَّب إليهما في اعتقادي من الحضارة الأوروبية، فوافقه في قصة آدم، وتأويل آيات قصة البقرة، ولم يعترض عليه فيما قرره في معجزة خلق عيسى ﵇، وهذا كله لا يخرج رشيدًا من ميدان استقلال الفكر في بحثه، ومن أراد أن يتعرف مقدار ما بين أسلوبيهما من تمايز، فليراجع ما كتبه كل منهما في تفسير سورة الإخلاص.
٦ - بيانه لسنن الله في العمران والاجتماع:
لعل من أعظم ما امتاز به تفسير المنار، إرشاده إلى سنن الله وكونها لا تتخلف، فلا نكاد نمر بتفسير آية إلا ونجد فيه ما يلفت المسلمين إلى واقعهم السيء وإلى المسافات الشاسعة بين هذا الواقع وبين هدي القرآن، كما نجد الإفاضة الكثيرة في تقرير هذه السنن في الاجتماع والعمران، وهذه لفتات كريمة حقًّا، فإن الله ﵎ ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وقد أرشدنا القرآن لأن نعتبر بأحداث الأمم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧]، فلا عجب أن يشرح رشيد هذه السنة وآثارها، وأن يبث ذلك في تفسيره، كل ذلك من أجل أن يستيقظ المسلمون من سباتهم، وأن ينهضوا من كبوتهم، وأن ينفضوا عنهم غبار اليأس المتراكم ووعثاء الغرور والتمني، حتى أننا نجده يعقد فصولًا في ذلك، من ذلك ما نراه في خلاصة تفسير سورة الأعراف حيث يفرد بابًا في سنن الله تعالى يضمنه الأصول التالية (١):
١ - إهلاك الله الأمم بظلمها لنفسها وغيرها ...
стр. 890
٢ - بيان أن للأمم آجالًا لا تتقدم ولا تتأخر عن أسبابها، التي اقتضتها السنن الإلهية العامة ...
٣ - ابتلاء الله الأمم بالبأساء والضراء تارة، وبضدها من الرخاء والنعماء تارة أخرى.
٤ - بيان أن الإيمان بما دعا الله إليه، والتقوى في العمل بشرعه فعلًا وتركًا، سبب اجتماعي طبيعي لسعة بركات السماء والأرض وخيراتها على الأمة ...
٥ - استدارجه تعالى للمكذبين والمجرمين وإملاؤه لهم ...
٦ - سنة الله في الأمم التي ترث الأرض من بعد أهلها الأصلاء، هي سنته تعالى في أهلها.
ويفصل كل أصل من هذه الأصول، ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن تفسير المنار كان له أثر غير قليل، وهو ينبه على هذه السنن، وهو ينعى على هؤلاء الذين ركنوا إلى التواكل ظانين أنه من التوكل، وشتان ما بينهما، ولا نعدو الحقيقة كذلك إذا قلنا إن خير ما يمتاز به هذا التفسير كذلك هو تفصيل هذه السنن تفصيلًا يجمع إلى دقة البحث وعمق الفهم نبيل الغاية وكريم المقصد.
٧ - دفاعه عن الإسلام:
لم يعرف التاريخ قديمًا وحديثًا دينًا صوبت له السهام من كل حدب وصوب كهذا الدين، ولقد كانت هجمات أعدائه مركزة غاية التركيز، مع أنه الدين الذي كرم الإنسان وسما به، بقطع النظر عن بيئته الجغرافية أو الاجتماعية، وبقطع النظر عن جنسيته، ولو أن المسلمين تنبهوا لتلك الهجمات، أو سلم هذا الدين على الأقل من تبعية كثير منهم لأعدائه، ما استطاعت قوة في الدنيا أن تنال منه أو منهم، وليس أضر على مبادئ الحق من الجهل والتعصب الأعميين، وبهما ابتلي هذا الإسلام من الداخل والخارج، ورحم الله القائل (١):
стр. 891
وبالإسلام كان لنا التفاف. . . لدوحته فتخشانا الشعوب
فكاد له بنو الإلحاد كيدًا. . . وعابوه وليس له ذنوب
وأعماهم عنادهم وصموا. . . وحقًّا إنها تعمى القلوب
ومع كل هذا فإن الله يقيض لهذا الدين على مدة الزمن، من ينفي عنه تحريف المبطل، وزيغ الضال، وكيد الماكر، وحقد الحاقد، وهم ورثة الأنبياء، وهم الذين يقول الرسول ﵌ عنهم (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على هذا الدين، لا يضرهم من غالبهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) (١).
ولقد امتازت الحقبة الزمنية التي عاشها صاحب المنار بضروب كثيرة من هذا الهجوم المركز، ذلك أن فتنة الناس بمدنية الغرب وطفرة المادية، كانت على أشدها، وزاد في ذلك ما أصيب به المسلمون من هزات عنيفة في الحرب والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من مرافق الحياة، فلا بد إذن من أن يشمر كل عالم عن ساق الجد، ويفرغ كنانته ويعجم عيدانها، ليرد السهام إلى كبد راميها، ولقد كان رشيد من هؤلاء، وقد ظهر ذلك واضحًا في تفسيره، فهو يدحض شبهات المستشرقين تارة، ويكشف زيف افتراءات الكنيسة تارة، ويصحح العقائد المزلزلة في نفوس المستغربين تارة ثالثة، ويبين خطورة المذاهب الداخلية والنحل الباطنية، كالبهائية والقاديانية وغيرهما، كل ذلك بأسلوب واضح، وحجة دامغة تتبختر اتضاحًا، مضمنًا ذلك كله الميزات التي يمتاز بها هذا الدين، فلقد رد على منكري الوحي عمومًا، وعلى الخصوص منكري الرسالة المحمدية، وبين أن الإسلام دين الفطرة والعقل، كما رد على منكري الجن -وهذا يدحض ما اتهم به من أنه منكر لوجودهم- وكذلك وضح سبق الإسلام في تحرير الرقيق والمرأة، وتكلم عن مقاصد القرآن في تربية النوع الإنساني، وأظهر عظمة القرآن في ما شرعه من نظم مالية وحربية وسياسية وغير ذلك، وأورد هنا نماذج من دفاعه عن الإسلام، كتبها في ثنايا تفسيره لسورة يونس:
стр. 892
١ - يعقد فصلًا بعنوان (صد الكنيسة عن الإسلام وبغيه عوجًا) (١) يقول فيه:
(إن رجال الكنيسة لم يجدوا ما يصدون به أتباعها عن الإسلام -بعد أن رأوه قد قضى على الوثنية والمجوسية، وكاد يقضي على النصرانية في الشرق، ثم امتد نوره إلى الغرب- إلا تأليف الكتب ونظم الأشعار والأغاني، في ذم الإسلام ونبيه وكتابه بالإفك والبهتان وفحش الكلام، الذي يدل على أن هؤلاء المتدينين أكذب البشر، وأشدهم عداوة للحق والفضيلة في سبيل رياستهم، التي يتبرأ منها المسيح عليه صلوات الله وسلامه، وقد كان أتباعه يصدقون ما يقولون، ويكتبون ويتهيجون بما ينظمون وينشدون، حتى إذا ما اطلع بعضهم على كتب الإسلام، ورأوا المسلمين وعاشروهم، فضحوهم أقبح الفضائح. كما ترى في كتاب (الإسلام خواطر وسوانح) للكونت دي كاستري، وكما ترى في الكتاب الفرنسي الذي ظهر في هذا العهد باسم (حياة محمد) للمسيو درمنغام، وهذان الكاتبان فرنسيان من طائفة الكاثوليك اللاتين. وقد صرحا كغيرهما بأن كنيستهم هي البادئة في الظلم والعدوان، والإفك والبهتان، وبأدب المسلمين في الدفاع (٢).
٢ - يرد على زعم بعض أعداء الإسلام، أن محمدًا ﷺ ، سمع من نصارى الشام، خبر غلب الفرس وظهورهم على الروم، ليوهم الناس أن ما جاء في أول سورة الروم من الإنباء بالمسألة، مستمد من سماعه منهم، فيقول: (هذا مردود بدلائل التاريخ والعقل، فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان في سنة (٦١٠ م)، وذلك بعد رحلة محمد ﷺ الأخيرة إلى الشام بأربع عشرة سنة، وقبل بدء الوحي بسنة ... وأما العقل فإنه يحكم بأن مثل محمد في سمو إدراكه المتفق عليه، لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على
стр. 893
الفرس في مدة بضع سنين ... وقد صح أن انتصار الروم حصل سنة ٦٢٢ م، وكان وحي التبليغ للنبي ﷺ سنة ٦١٤ م، فإذا فرضنا أن سورة الروم نزلت في هذه السنة، يكون النصر قد حصل بعد ثماني سنوات، وإن كان في السنة الثانية تكون المدة سبع سنين، وهو المعتمد في التفسير).
٣ - ويرد زعم الذين يدعون أن الرسول ﷺ أخذ عن علماء النصارى في الشام بقوله (١): (لو كان النبي ﷺ ، تلقى عن علماء النصارى في الشام شيئًا، أو عاشرهم، لنقل ذلك أتباعه الذين لم يتركوا شيئًا علم عنه أو قيل فيه ولو لم يثبت، إلا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده، ولو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحي قد تعلمه في الشام من النصارى، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة، وهو أنه كان في مكة قين (حداد) رومي يصنع السيوف وغيرها. فكان النبي ﷺ يقف عنده أحيانًا يشاهد صنعته، فأتهموه بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم بقوله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣].
٤ - يعقد فصلًا في ترجيح فضائل القرآن على فضائل الإنجيل (٢)، يقول فيه:
(وأذكر فضيلتين من فضائله، يزعم النصارى أن ما هو مأثور عندهم فيها، أكمل وأفضل مما جاء به الإسلام.
(الأولى) قول المسيح ﵇: (أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى من أساء إليكم، ومن ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر) ... أمثال هذه الأوامر لا تأتي في دين الفطرة العام، لأن امتثالها من
стр. 894
غير المستطاع، فالله تعالى يقول ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإنما قرر القرآن في موضوعها الجمع بين العدل والفضل والمصلحة قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٣]، ولا يخفى أن العفو والمغفرة للمسيء، إنما تكون من القادر على الانتصار لنفسه، وبذلك يظهر فضله على من عفا عنه، فيكون سببًا لاستبدال المودة بالعداوة، في مكان الإغراء بالتعدي ودوام الظلم ... أفليس هذا الإصلاح الأعلى، على لسان أفضل النبيين والمرشدين، دليلًا على أنه وحي من الله تعالى وقد أكمل به الدين؟ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ولا يجحده إلا من سفه نفسه فكان من الجاهلين.
(الثانية) مبالغة المسيح ﵇ في التزهيد في الدنيا، والأمر بتركها، وذم الغني، حتى جعل دخول الجمل في ثقب الإبرة أيسر من دخول الغني ملكوت السماوات ... أما الإسلام فهو دين البشر العام الدائم، فلا يقر إلا ما هو لمصلحة الناس كلهم في دينهم ودنياهم، وهو في هذه المسألة، ذم استعمال المال فيما يضر من الإسراف والطغيان، وذم أكله بالباطل، ومنع الحقوق المفروضة فيه، والبخل به عن الفقراء والضعفاء ومدح أخذه بحقه ليكونَ عونًا للنفس على حفظ حقيقتها واستقلالها، فهذه المسألة وما قبلها مما أكمل الله تعالى به الدين، فيما أوحاه من كتابه إلى محمد رسول ﷺ وخاتم النبيين، وما كان لرجل أمي ولا متعلم، أن يصل بعقله إلى أمثال هذا الإصلاح، لتعاليم الكتب السماوية التي يتعبد بها الملايين من البشر.
٥ - ويرد على شبهة لمقلدي الفلاسفة، يزعمون فيها أن الكمال البشري أن يعمل الإنسان الخير لذاته، أو لأنه خير لا لعلة، ويعدون من أكبر العلل، أن يعمله
стр. 895
رجاء ثواب الآخرة، أو خوف عقابها، فيقول (١): (ومعنى هذا إن كانوا يفقهون، أن من يقصد بعمل الخير والبر، ما أرشد إليه الإسلام من تزكية نفسه وترقية روحه، بحيث تكون راضية مرضية عند رب العالمين -ذي الكمال المطلق الأعلى- وأهلًا لجواره في دار كرامته يكون ناقصًا، وإنما يكون كاملًا إذا خرج عن طبعه، وقصد النفع بعمله لغيره دون نفسه، ودون إرضاء ربه، ومن ذا الذي يجد حقيقة هذا الخير للبشر ويحملهم عليه)؟ .
٨ - عنفه على مخالفيه في الرأي:
وحبذا لو أن الشيخ رشيدًا اكتفى بهذا الموقف الرائع المشرف، في دفاعه عن الإسلام، ودحضه كل شبهة يريد أعداؤه أن يلصقوها به، والشدة على الأعداء من أبرز الصفات التي ميز الله بها الصادقين ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. [الفتح: ٢٩]. لقد كان يأخذ على الشيخ محمد عبده حدته في بعض الأحيان فيقول: (لطالما هدمت الحدة ما بنت الفطنة) (٢). وكنا نرجو أن يسير الشيخ على هذا المنهج، وأن يتجنب ما لام عليه غيره، إلا أنه مع كل أسف، تبرز في تفسيره تلك الظاهرة، ظاهرة العنف والحدة على مخالفيه في الرأي، دون أن يشفع لهم علمهم وحسن قصدهم وما عرفوا به من صلاح وتقوى، ولا نكاد نجد فئة سلمت من ملاحقته لها، وتشهيره بها وطعنه عليها، فهو يلاحق المفسرين ليخطئهم في كثير مما ذهبوا إليه، فتارة يصفهم بالتقليد، وتارة يسمهم بعدم فهم ما يقرأون، يبدو هذا واضحًا عند تفسير البسملة في أول الفاتحة، حيث خطأ صاحب (روح المعاني) ﵀ (٣).
ولقد اشتدت ملاحقة الرجل للرازي مثلًا حتى إنه يشنع عليه تفسيره ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، من سورة الأعراف، فيقول: (إن هذا الذي
стр. 896
قاله الرازي، من أظهر هفواته الكثيرة بطلانًا، وسببه امتلاء دماغه عفا الله عنه بنظريات الكلام، وجدل الإصلاحات الحادثة، وغفلته عن معنى الإله في أصل اللغة) (١). وكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢] من سورة الأنعام، يقول: (إننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي عفا الله عنه، قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر، وإننا نذكر عبارته بنصها، ونبين بطلانها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته (٢). وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، من سورة الأنعام يشنع على الرازي بقوله: (فما أضعف دلائل هذا الإمام الشهير، ولا سيما في هذا التفسير الملقب بالكبير) (٣).
وقد يلاحق المفسرين جميعًا لتخطيئهم في تفسير آية، كما رأينا ذلك واضحًا عند تفسير قول الله تعالى ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، فلقد تتبع تفاسيرهم للركون والظلم، ابتداء من الطبري إلى الشوكاني ثم صديق خان وردها جميعًا.
وإذا كان هذا نصيب المفسرين من صاحب المنار، فإن نصيب الفقهاء وعلماء الكلام والمتصوفة كان أكثر وأكبر، وأشد حدة وأعظم شدة، وأبعد عن النصفة والاعتدال، فالفقهاء عنده ممعنون في التقليد، جامدون عليه، والمتكلمون هم المبتدعون الضارون بآرائهم، الخارجة عن منهج القرآن في الهداية، والمتصوفة هم المشوهون لجمال الإسلام، المميتون لحركته وحيويته، المستغرقون في الدجل والمتخذون أربابًا من دون الله، ذلك كله ليس بحاجة إلى نقل نماذج وكتابة أمثلة، حيث يجده القارئ مبثوثًا في ثنايا التفسير، حتى لو كان بعيدًا كل البعد عن موضوع الآية المفسرة، وقد يصل به الإسفاف عفا الله عنه لإلصاق الرذائل بالعلماء،
стр. 897
يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، من سورة البقرة: (وأبعد الناس عندنا من الصبر، وأدناهم من الجزع والهلع والفزع، المشتغلون بالعلوم الدينية، فإن الشجاعة والفروسية والرماية عندهم، من المعايب التي تزري بالعلم وتحط من قدره) (١)، وهكذا يستمر الشيخ في هجومه العنيف غير مبال ولا آبه بما ينبغي أن يكون بين العلماء من صلة وقربى، والعلم أعظم رحم.
٩ - كثرة التفريعات والاستطرادات:
كل الذي فسره السيد محمد رشيد رضا اثنا عشر جزءًا وبعض الجزء، ولكن صفحات هذا التفسير تربو على ستة آلاف صفحة، ولم نعلم تفسيرًا مما هو بين أيدينا بلغ قريبًا من هذا، والحق أن استطراداته كانت كثيرة ومتعددة، ولذا رأيناه ينصح القارئ في مقدمة تفسيره بمطالعة هذه الفصول الاستطرادية في غير وقت قراءة التفسير، ولكن هذا قد يكون صعبًا على القارئ من الناحيتين، الموضوعية والنفسية، إذ لا نتصور قارئًا ما يسهل عليه أن يقرأ تفسير بعض آية، ثم يترك الاستطرادات التي قد يكون لها تعلق بتفسير الآية ولو من بعيد.
وإذا أردنا أن نلقي ضوءًا على استطرادات الشيخ، وما أكثرها، فما لنا إلا أن نطلع على تفسيره لمطلع سورة يونس، حيث كتب فصولًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، تزيد على مائة وخمسين صفحة، وهي التي جردت فيما بعد فكانت كتاب (الوحي المحمدي).
وكذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٥١]، من سورة المائدة، حيث كتب ما يزيد على سبعين صفحة.
وعند قوله تعالى: ﴿قَال النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، من سورة الأنعام، وكذلك في خلاصات بعض السور.
стр. 898
وهذه الاستطرادات تخرج بالقارئ في كثير من الأحيان عن موضوع الآية، كما أنها ليست دائمًا تتعلق بمسائل الدين، أو قضايا اللغة، بل تتعداها إلى بعض المسائل الكونية كالنبات والفلك والرياحِ، فتراه يكتب بعد تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨]، من سورة الأعراف، استطرادًا في بيان بعض نعم الله على الخلق بالهواء والرياح، يتكلم عن تركيب الهواء وفائدته للحياة يقول فيه: "الهواء جسم لطيف مما يعبر عنه علماء الكيمياء بالغاز، لا لون له ولا رائحة، مركب تركيبًا مزجيًا من عنصرين غازيين أصليين، يسمون أحدهما الأكسجين وخاصته توليد الاحتراق والاشتعال وإحداث الصدأ في المعادن، وهو سبب حياة الأحياء كلها من نبات وحيوان وإنسان، وثانيهما (الهيدروجين) " ... والنبات يمتص الكربون السام من الهواء، فيتغذى به كما تقدم، ويدع الأكسجين للحيوان، فكل منهما يأخذ منه حظه، ويفيد في الحياة صنوه، كما قلنا في المقصورة:
والباسقات رفعت أكفها. . . تستنزل الغيث وتطلب الندى
تمتلج الكربون من ضرع الهوى. . . تؤثرنا بالأكسجين المنتقى (١)
ولقد شعر ﵀ بذلك، فحاول أن يكتب تفسيرًا مختصرًا، يجعله كالمتن لهذا التفسير على حد تعبير الأمير شكيب أرسلان ﵀، إلا أن المنية عاجلته فلم يكتب منه إلا بعض الأجزاء، وسماه (التفسير المختصر المفيد)، ولكي ندرك قيمة هذا المختصر من ناحية والفرق بينه وبين تفسير المنار من ناحية أخرى، نورد تفسيرًا لآية البر من سورة البقرة (٢)، يقول:
﴿الْبِرَّ﴾ بكسر الباء لغة التوسع في الخير، وقرئ بالنصب والرفع، وشرعًا ما يتقرب به إلى الله تعالى من الإيمان والأخلاق والأعمال الصالحة، وتوجيه الوجوه
стр. 899
إلى المشرق أو المغرب ليس هو البر ولا منه، بل ليس في نفسه عملًا صالحًا كما تقدم في آيات تحويل القبلة.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ. . . الخ﴾ وفيه الإخبار عن المعنى بالذات، وهو أسلوب بليغ يصور لك المعنى في نفس الموصوف به، فيفند أن البر هو الإيمان وما يتبعه من الأعمال، باعتبار اتحادهما، وتلبس البار بهما معًا، ومن حيث إن الإيمان باعث على الأعمال، وهي منبعثة عنه، وأثر له تستمد منه وتمده وتغذيه، وأصول هذا الإيمان الخمسة المذكورة هنا وهي: الإيمان بألوهية الله وربوبيته وحده، وما يجب من تنزيهه وكماله المفصل في كتابه، والإيمان باليوم الآخر، وما فيه من الحساب والجزاء، والإيمان بالملائكة، والكتب الإلهية، والنبيين والكتب التي نزلت عليهم بما في القرآن من إجمال وتفصيل.
﴿وَآتَى الْمَال عَلَى ... الخ﴾ أي وأعطى المال لأجل حبه تعالى أو على حبه تعالى أو على حبه إياه أي المال.
﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أي الأقربين للمعطى، وهم أحق الناس بالبر والصلة، فإن الإنسان إذا احتاج وفي أقاربه غني، فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم والفطرة، فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم، وذوو قرباه بائسون، فهو بريء من الفطرة والدين وبعيد عن الخير والبر.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ فإنهم لموت آبائهم تتعلق كفالتهم وكفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين، كيلا تسوء حالتهم، وتفسد تربيتهم، فيكونوا مصائب على أنفسهم وعلى الناس.
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ أهل السكون والعفة من الفقراء، فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم، وسكنت نفوسهم للرضى بالقليل، عن مد كف الذليل، وجبت مساعدتهم ومواساتهم على المستطيع.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المنقطع في السفر لا يتصل بأهل ولا قرابة، حتى كان السبيل
стр. 900
أباه وأمه ورحمه وأهله.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ الذين تدفعهم الحاجة العارضة إلى تكفف الناس، وأخرهم لأنهم يسألون فيعطيهم هذا وهذا، وقد يسأل الإنسان لمواساة غيره، والسؤال محرم إلا لضرورة يجب على السائل أن لا يتعداها.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي في تحريرها وعتقها، وهو يشمل ابتياع الأرقاء وعتقهم وإعانة المكاتبين الذين يشترون أنفسهم من ساداتهم بأقساط منجمة، على أداء نجومهم، ومساعدة الأسرى على الافتداء.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي أداها على أكمل وجه وأقومه وأدامها، وهذا هو الركن الروحاني الركين للبر.
﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المفروضة أي أعطاها مستحقيها، وقلما تذكر إقامة الصلاة في القرآن إلا ويقرن بها إيتاء الزكاة، فالصلاة مهذبة للروح، والمال كما يقولون قرين الروح، فبذله في سبيل الحق، هو الركن الثاني من أركان البر العملية.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ وهذا انتقال من البر في الأعمال الشخصية إلى البر في الأخلاق والأعمال الاجتماعية. وأولها: الوفاء بالعهود والعقود التي يعاهدون عليها الله والناس، من مالية واجتماعية وسياسية وحربية، والوفاء قوام النظام وأساس العمران.
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ. . . الخ﴾ البأساء الشدة والفقر، والضراء ما يضر الإنسان من نحو مرض أو جرح، أو فقد محبوب من مال أو أهل.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ الشدة، وفسَّروه باشتداد الحرب، وهو أعم.
والصبر يحمد في هذه المواطن وفي غيرها، وخص هذه الثلاث بالذكر لأن من صبر فيها، كان في غيرها أصبر لما في احتمالها من المشقة على الناس، والاضطراب في القلب.
стр. 901
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي أولئك الأبرار الراسخون في أصول الإيمان الخمس، والمنفقون المال في مواضعه الستة، والمقيمون الصلاة الروحية والاجتماعية والمؤتون الزكاة التي عليها مدار أمور الملة المالية والسياسية، والموفون بعهودهم الثلاثة الدينية والمالية والحربية، والصابرون في مواقف الشدة الثلاثة، هم الذين صدقوا الله في دعوى الإيمان دون الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين تشهد لهم بالتقوى أعمالهم وأموالهم.
والتقوى أن تجعل بينك وبين سخط الله وعقابه وقاية، بأن تتحامى أسباب خذلانه في الدنيا وعذابه في الآخرة.
هذه أهم خصائص تفسير المنار، وهنالك أمور اشترك فيها مع الشيخ محمد عبده، لا داعي لإيرادها هنا، كما أن هناك بعض الأبحاث تقدمت في الباب الأول.
تقويم التفسير:
وبعد: فهذا تفسير المنار، رأينا الناس مختلفين فيه، قدحًا ومدحًا، وقد تطرف هذا وغالى ذاك، وإن الحديقة الغناء كما تضم الأشجار المثمرة، فإنها تضم كذلك تلك التي لا تثمر، ومع هذه وتلك نرى الشوك والعوسج، وهذان لا يخرجانها عن وصفها بأنها غناء، كذلك تفسير المنار، نجد فيه التفسير المفيد، والعلم الغزير والحجج القاطعة والبراهين الساطعة، وإلى جانب ذلك كله ترفًا عقليًا، واستطراد لا لزوم له، ومع هذا وذاك هفوات وكبوات، كنا نود ألا يتعثر فيها صاحب المنار، ولعل أكثر ما حال بين كثير من الناس، وهذا التفسير أمران اثنان:
أحدهما: استطرادات الشيخ الكثيرة.
ثانيهما: قسوته على مخالفيه.
وربما كانت هذه أكثر أثرًا في ابتعاد كثيرين عنه وتنكرهم له، وإذا ضممنا إلى
стр. 902
هذين رده بعض الأحاديث الصحيحة، مما أوغر صدور كثيرين عليه، أمكننا القول بأنه يغالي كثيرًا، كل إنسان أخذ جميع ما في هذا التفسير مسلمًا به مدافعًا عن صاحبه، كما أنه يتجنى كثيرًا، كل من ينكر قيمة هذا التفسير، ويجحد جهد صاحبه وعلمه.
وخلاصة القول، إن هذا التفسير من خير التفاسير، وعسى أن يشفع لصاحبه حسن قصده فيما وقع فيه من أخطاء، والمعصوم من عصمه الله، وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم سيدنا محمد ﷺ .
стр. 903
٣ - الشيخ عبد القادر المغربي ١٨٦٧ - ١٩٥٦
١ - حياته:
ولد الشيخ عام (١٨٦٧ م) في اللاذقية، من بيت علم قديم لا يزال معروفًا في تونس باسم دارغوت، واشتهر في بلاد الشام باسم المغربي، وينتهي نسبه إلى المجاهد الكبير أمير البحر درغوت المدفون في طرابلس الغرب. وقد تلقى العلم أولًا على والده وبعض أفراد أسرته وبعض كبار العلماء المعروفين، منهم الشيخ حسين الجسر مؤلف الرسالة الحميدية. ثم اتصل بالمصلح الكبير السيد جمال الدين الأفغاني، وكتب عنه مذكرات نشرتها دار المعارف المصرية في العدد (٦٨) من سلسلة (اقرأ)، ثم أولع بدراسة آثار الشيخ محمد عبده وأعجب بعمق أفكاره، وأخذ يجهر بضرورة الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، فلقي في سبيل ذلك عسرًا وعناء، حمله على اللجوء إلى مصر، بعد أن استدعاه إليها الشيخ محمد عبده، وفيها عكف على الاشتغال بالصحافة، وكتب في أكبر جرائد ذلك العصر، وكانت مقالاته في جريدة المؤيد حديث الطبقة المثقفة المستنيرة آنذاك.
عودته:
ولما أعلن الدستور العثماني، عاد إلى طرابلس الشام، فأصدر فيها جريدة (البرهان) تبشر بالمبادئ الإصلاحية التي ارتضاها، وتدعو إلى النهضة اليقظة بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد اشترك بعدئذ مع صديقه عبد العزيز جاويش والأمير شكيب أرسلان، في تأسيس كلية دار الفنون في المدينة المنورة، كما اشترك في تأسيس الكلية الصلاحية في القدس. وكان هدفها تخريج علماء ودعاة إلى الدين، يجمعون بين العلوم الدينية والعصرية.
стр. 904
في خدمة العلم:
استوطن دمشق واشتهر بعلمه وفضله، فلما أنشأت الحكومة العربية المجمع العلمي العربي فيها سنة ١٩١٩ م، انتخب عضوًا عاملًا فيه، كما سمي بعدئذ أستاذًا للآداب العربية في الجامعة السورية، وفي سنة ١٩٣٤ م سمي عضوًا في مجمع اللغة العربية المصري الذي كان يسمى مجمع فؤاد الأول. ثم صدر مرسوم جمهوري في سنة ١٩١٤ م بالموافقة على انتخابه نائبًا لرئيس المجمع العلمي المصري العربي في دمشق، ثم انتخب عضوًا في المجمع العلمي العراقي في بغداد.
آثاره العلمية:
وأشهر مؤلفاته:
١ - كتاب (الاشتقاق والتعريب).
٢ - (البينات) وقد صدر منه جزءان.
٣ - (الأخلاق والواجبات)
٤ - تفسير جزء تبارك.
٥ - محمد والمرأة.
٦ - وترجم عام ١٩٠٨ م رواية (غادة الكاميليا) لإسكندر دوماس، وسماها (النجم الآفل)، ومثلها لأول مرة الشيخ سلامة حجازي ذلك العام.
٧ - شرح تائية عامر بن عامر البصري.
٨ - (كتاب عثرات اللسان).
٩ - (منافسة أدبية لغوية) مع عبد الله البستاني وأنستاني الكرملي.
١٠ - شرح المقصورة الدريدية.
١١ - على هامش التفسير.
стр. 905
وفاته:
وفي يوم الخميس ٧ حزيران سنة ١٩٥٦ م، استأثرت المنية بروحه الطاهرة ودفن في مقبرة الفواخير بسفح جبل قاسيون، وأقيمت له حفلة تأبين كبرى في مدرج الجامعة السورية (١).
٢ - تأثره بالإمام:
يبدو تأثر الشيخ عبد القادر بالإمام محمد عبده جليًّا في كثير من المواضع، سواء أكان ذلك بتبني رأي ارتآه، أم بإشادته به، فهو يذكر في مقدمته لتفسير جزء تبارك، أنه أحجم عن تفسير هذا الجزء حينما طلب منه، لأنه سمع أن الإمام قد فسره، ويقول: إن تفسيره لهذا الجزء، سوف لا ينظر إليه على أنه تفسير له هو بصفته الشخصية، بقدر ما سينظر إليه على أنه حلقة في مدرسة الشيخ محمد عبده، ويقول في رسالته التي سماها (الحجج الظاهرة في ما هي ملذات الآخرة): (بقي أن نذكر ما قاله إمام المتأخرين، أستاذنا وقدوتنا في أبحاثنا الشيخ محمد عبده ﵀، في تفسيره على (جزء عم)، عند قوله تعالى في صفة أهل الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ [الغاشيه: ٨ - ١١] (٢).
٣ - منهجه في التفسير:
لم يترك الشيخ المغربي في التفسير إلا النزر اليسير، فهو يختلف عن سابقه وزميله الشيخ رشيد فقد ترك تفسير جزء تبارك والرسالة التي نوهنا عنها آنفًا وهذا الذي تركه على قلته، يعطينا صورة واضحة عن منهجه وطريقة تفسيره، وبعد ذلك عن مدى التأثر بالإمام في التفسير.
стр. 906
أعطي الشيخ عبد القادر حظًّا وافيًا من البيان العربي، وأسلوبه يمتاز بسلاسة اللفظ، وسهولة المعنى، وجوده السبك. فتفسيره للآية من القرآن قطعة أدبية يبدعها يراعه، فيحس القارئ آثار الروعة وحسن العبارة ويسر المعنى جمالًا يترقرق، فيصل إلى قلب القارئ دون تكلف أو تعقيد.
وهو مع هذا لا يهمل دقائق اللغة، بل يتوسع فيها أكثر من شيخه الإمام، كما لا يهمل بعض النوادر التي تعكس لنا صورة واضحة عن أسلوب الشيخ، وقوة عارضته في تأدية العبارة.
أ- يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
أصل الذلول الدابة اللينة السهلة الانقياد. مشتق من الذِّلّ بكسر الذال بمعنى اللين، وهو ضد الصعوبة، والوصف منه ذلول، أما الذُّل بضم الذال، فهو أن يهون أمر الرجل ويصغر شأنه بين الناس، وضده العز، والوصف منه ذليل.
والمناكب جمع منكب على وزن مجلس، وهو الناحية من كل شيء، فمناكب الأرض أطرافها وجوانبها، ومنكبا الرجل جانباه. والمنكب أيضًا في البعير والإنسان، اسم للموضع الذي يلتقي فيه عظم عضده بكتفه، وهما منكبان، فيحتمل أن يكون المراد بمناكب الأرض جبالها وآكامها، وتكون سميت بذلك لشخوصها وارتفاعها، كارتفاع المناكب في الإنسان، وخص الجبال بالذكر في قوله ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ لإفادة أن الأرض غاية السهولة والانقياد للإنسان، بحيث يتسنى له الانتفاع بوعورها وحزونها، فكيف يكون مقدار انتفاعه بسهولها وأريافها المنبسطة؟ يروى أن بشير بن كعب العدوي، قرأ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال لجارية له: (إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله) فقالت: (مناكبها جبالها)، فكأنما صفع في وجهه، أي كأن لاطمًا لطمه على وجهه خشية أن تكون الجارية
стр. 907
أصابت في تفسير المناكب فتعتق عليه، وتخرج من ملكله، وهو ضنين بها، فسأل: فمن قائل عتقت، ومن قائل لم تعتق. ثم سأل أبا الدرداء الصحابي الجليل ﵁ فقال له: (إن الخير في طمأنينة، وإن الشر في ريبة فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ومعنى هذا أن خيرًا للإنسان أن يكون في حالة طمأنينة وهدوء نفس، وأن شرًّا له أن يكون حاله على العكس، وإن الجارية يحتمل أن تكون قد أصابت وأن تكون قد أخطات. فبقاؤها في ملك سيدها مدرجة للشيطان بالوسوسة إلى نفسه، فالأحسن له أن يعتقها ثم يتزوجها إن شاء وشاءت هي).
والنشور مصدر (نشر الميت) (ينشر) من باب (دخل)، عاش بعد الموت، ومعنى كون النشور إلى الله، أن البعث ومرجع الإنسان في نشأته الأخرى إليه تعالى، فليس من يحاسبه على أعماله سواه.
قلنا آنفًا: إن هذه الآية تتضمن مثالًا من أمثلة لطفه تعالى بالبشر، منذ جعل الأرض صالحة لسكناهم فيها، على أن الآية ربما كانت مسوقة لتهديد المكذبين وتذكيرهم بأن من يسر لهم أسباب البقاء في هذه الأرض قادر على سلبهم إياها. فهو يقول لهم: احذروا هذا التمادي والتكذيب للرسل، ومحاولة إخفاء سرائركم، واذكروا أنه تعالى جعل لكم الأرض سهلة لينة منقادة انقياد الدابة الذلول، فدعوا إذن العناد والتكذيب جانبًا وحافظوا على هذه النعمة، وامشوا في الأرض مشى المستثمر المستفيد، وانتفعوا بما هيأه لكم فيها من أنواع الرزق وأصناف القوت، ثم لا تركنوا إلى هذا العيش الهنيء، فتستسلموا إلى أهوائكم، ووساوس نفوسكم، بل تيقنوا أنكم سوف ترجعون بعد النشور، من قبوركم إلى الله، فيحاسبكم وينتصف منكم.
وانقياد الأرض للإنسان ظاهر بالأكثر في الأمم الحية، التي عرفت كيف تنتفع بقوى نفسها ومدارك عقولها الممنوحة لها من قبل العزة الإلهية، فهي لم
стр. 908
تدع ضربًا من ضروب الانتفاع بهذه الأرض إلا تناولته، ولا طريقًا من طرق الاستفادة من خيراتها إلا سلكته: حلّلت العناصر وركبتها، صهرت المعادن وطبعتها، عرفت طباع الحيوانات وسخرتها، فقهت خصائص النباتات واستنبتتها، اكتشفت نواميس المادة وأخضعتها، اكتنهت أسرار الكائنات واستخدمتها، غاصت في أعماق الماء، طارت في أجواء السماء، إذا اعترضتها شوامخ الجبال نادتها بالبخار من تحتها. أو توقَّلت بسلالم سكك الحديد من فوقها. وبالجملة فإن من بلوغ البشر هذه الدرجة من الرقي، مصداقًا لامتنان الباري تعالى عليهم، بجعل الأرض ذلولًا لهم يمشون في مناكبها، ويأكلون من رزقها حتى يأتيهم اليوم المقدور، ثم إلى الله يكون النشور.
وقد يقال في تصوير كون الأرض ذلولًا لنا معشر البشر، أننا نعيش محمولين على ظهرها، وهي تسير بنا في فلكها حول الشمس، لا تبطئ ولا تسرع بأكثر مما تستدعيه حال سكانها، ولا تصادم نجمًا أو ذنبًا لذوات الأذناب السابحة في الفضاء. فكانت الأرض لنا نعمت المطية المدربة والذلول المجربة) (١).
ب- ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].
(أما الخلق الذي فطر عليه الإنسان، فهو ما عبر عنه بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ وأراد بالإنسان كل أفراده لا واحدًا منه، بدليل استثناء (المصلين) منه، والاستثناء معيار العموم، أما الهلوع فقد فسره الكتاب نفسه بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرّ. . .﴾ والمعنى أن الله خلق الإنسان، وغرس في نفسه منذ أول نشأته، هذا الخلق الذي هو (الهلع) فهو (إذا مسه الشر) ونزل به المكروه، من فقر أو مرض أو خوف، كان (جزوعًا) فيستولي عليه اليأس والقنوط، ويحسب
стр. 909
أن ما نزل به غير مقلع عنه، فالفقر لا يعقبه غنى، والمرض لا تخلفه صحة، والخوف لا ينسخه أمن، وكثيرًا ما قاده يأسه هذا إلى ارتكاب معصية أو منكر وقتل نفسه أحيانًا. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ وتيسرت له أسباب الرغد وغضارة العيش، فأصبح غنيًّا موسعًا عليه في الرزق صحيح الجسم معافى، موقور الجانب نافذ الكلمة، ذا جاه ومنصب كان إذ ذلك ﴿مَنُوعًا﴾، يمنع الناس رفده ومعونته والانتفاع بجاهه، فهو من غلبة هذا الخلق عليه، يحسب أن ما أوتيه من الخير والرزق والنعمة، لم يؤت إلا لكلونه مستحقًّا له بذاته لا بفضل الله، فيطغى على الناس، ويكفر النعم، فلا يشكر لله عليها بوضعها في مواضعها، بل قد يستخف بها أحيانًا، فيحسب أنه مستحق لأكثر منها، وربما تدرج من هنا إلى إيذاء خلطائه والبغي عليهم، وغمط حقوقهم، وهذا هو البطر، وصاحبه هو المنوع الذي حكى الله عنه في هذه الآية.
خلق الإنسان، منذ أول نشأته، مفطورًا على (الهلع)، ولكنه تعالى لطف به، فخلق في نفسه إلى جانب هذا الهلع مواهب سامية، كالعقل وغريزة التدين، وكآيات الوحي (١)، التي كان يتلقاها الأنبياء، فيعالجون بها ضعف الإنسان ويلطفون من سورة هلعه، ومن ذلك الصلاة التي هي عماد التدين، وأكبر مظهر من مظاهر عاطفته، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، استثناهم من أفراد الإنسان الملوثين بالهلع، فالمصلون بما واظبوا على صلواتهم، وتعرضوا لنفحات ربهم، وهم يناجون فيها -فلا يجزعون إذا مسهم الشر، ولا يمنعون إذا مسهم الخير) (٢).
جـ - ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧] من سورة الإنسان (٣): (أما الخصلة الثالثة التي استحق بها الأبرار
стр. 910
رضاء الله وكرامته، فهي الوفاء بالنذر. وأنت ترى أنه خص هذه الخصلة بالتقديم على الخصلتين الأخريين، وليس ذلك لأن المراد بها، أن ينذر المؤمن لله صيام يومين، أو صلاة ركعتين أو إطعام رغيفين، ثم يفعل ما نذره ليس المراد ذلك، وإن كان الوفاء بما ذكرنا مطلوبًا شرعًا، وإنما المراد بالوفاء بالنذر، الذي جعله الله من صفات الأبرار في قوله تعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قوة الإرادة، فلا يأخذ على نفسه عمل خير، أو ممارسة فضيلة أو قيامًا بأمر نافع له أو لقومه دنيا وأخرى -إلا أمضاه ووفى به، ويدخل في ذلك الوفاء بما نذر من قربة أو طاعة. أما أن الواحد منا، يفكر في عمل صالح ينفع قومه، ويعلن أنه يريد القيام به والإقدام عليه، ثم يتقاعس عنه ويفتر، ويماطل إذا سئل عنه ويعتذر، فهذا هو ضعف الإرادة الذي عابه القرآن في غير ما موضع من آياته، ولم يجعله من خصال الأبرار الذين يستحقون دخول جناته. قال ابن جرير في تفسيره: (والنذر هو كل ما أوجبه الإنسان علي نفسه من فعل، ومنه قول عنترة:
الشاتميْ عِرْضِي ولم أَشْتِمْهُمَا. . . وَالناذِرَيْن إذا لم ألقهما دمي
ولا يخفى أن سفك دم عنترة، الذي نذره أبناء ضمضم ليس من القربات في شيء، فهذا هو النذر في لغة العرب، وهذا هو طريق استعماله لحين نزول القرآن، ثم لما شاع استعماله في نذر القربات، لم يعد يفهم منه إلا نذر هذه الأشياء، ككثير من كلمات اللغة الواردة في القرآن والسنّة، اختلفت معانيها باختلاف الزمان وعلى المفسر المتقن أن ينتبه إلى ذلك الاختلاف (١) وليفطن أن الوفاء بالنذر الذي مدحه القرآن في هذه الآية، عبارة عن قوة الإرادة التي من آثارها إبراز كل عمل صالح نافع إلى ساحة الوجود، بعد أن جرى التصميم عليه في ساحة الفكر، وإن لم يبرزه المفكر، لم يكن موفيًا بالنذر، ولم يكن من الأبرار الذين تصدق عليهم هذه الآية، بل تصدق عليهم آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 911
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
د - وها هو الشيخ عبد القادر ﵀، يجلى لنا روعة البيان القرآني في تشبيهاته، بأسلوب جذاب فيه الحركة والحيوية موشيًا ذلك بأقوال العرب في أشعارها، نستمع إليه عند تفسير قول الله ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ من سورة المرسلات يقول: فهم المخاطب من أوصاف الظل في الآية السابقة أنه ظل جهنمي، وأن المراد به الدخان المنعقد في سماء جهنم، فلم يتردد في كون ضمير (إنها ترمي المؤنث) -عائدًا إلى جهنم أو دار العذاب، على أنه يصح أن يرجع الضمير المذكور إلى قوله (ثلاث شعب)، التي قلنا إن المراد بها ذوائب اليحموم المتكاثف، في سماء تلك الدار، فهو دخان لا كالدواخن المعقودة، وله صفات غريبة غير معهودة، من ذلك (أنها) أي شعب اليحموم وذوائبه (ترمي) على المستظلين بها من آونة إلى أخرى.
(بشرر) جمع شررة، وهي ما يتطاير من النار أثناء تلظيها، وكل واحدة من هذا الشرر (كالقصر) أي كالبيت المبني، وقد يستعظم السامع هذا الوصف، ويستغرب تشبيه الشرر بالقصر، لأنه إنما يفهم من القصر حسب المشهور في معناه -البناء العظيم المشرف، فيقول: كيف تكون الشررة الواحدة المتساقطة من ذلك الدخان، أو من تلك النيران كالقصر؟ بل ربما ذهب خياله إلى قصور الملوك الباذخة ذات الشرف والقمم والأبراج الشامخة، فيستغرب الوصف ويستبعد الأمر، ولكن القصر إن كان يطلق في لغة العرب على هذا الضرب من المساكن الشامخة، فإنه يطلق على كل بيت من حجر ولو كان صغيرًا لائطًا. بل قال ابن عباس ﵄: (إن تشبيه الشرر بالقصور وارد على ما هو المعتاد في بلاد العرب، من جعل قصورهم قصيرة السمك -أي قليلة الارتفاع- جارية في هيئاتها وشكلها مجرى الخيام) وقد لمح أبو العلاء المعري
стр. 912
قول ابن عباس هذا، فقال يصف نارًا عظيمة، ويشبه شررها بالخيام:
حمراء ساطعة الذوائب في الدجى. . . ترمي بكل شرارةٍ كطرافِ (١)
وقد فسر بعضهم (القَصْر) الذي شبهت به الشرارة بجزل الحطب، أي الغليظ من أعواده، وكأن هذا القائل استبعد أن يكون المراد بالقصر البيت الحجري لما ذكرنا آنفًا، مع أن تفسيره به من أحسن التشابيه وأشدها انطباقًا على ما كان مألوفًا للعرب في ذلك العهد، وكثيرًا ما شبه شعراؤهم النياق بالقصور.
قال عنترة:
فوقفتُ فيها ناقتي فكأنها. . . فَدَنٌ (٢) لأقضي حاجةَ المتلَوِّمِ
وقال امرؤ القيس:
ولما أن جرى سمن عليها. . . كما طينت بالفدن السِّيَاعا (٣)
يريد أن ناقته لما سمنت، كان اللحم متراكبًا عليها، تراكب الطين على جدران القصر.
وقال الأخطل:
كأنها برج رومي يشيده. . . لُزَّ بِجِصِّ وآجرٍّ وأحجار
وقالوا في وصف نياق أو أفراس: (إن وقفن فمَجَادل، أو مررن فأجادل والمجادل القصور والأجادل الصقور).
ثم ذكر الكتاب لشرر جهنم تشبيهًا آخر، غير تشبيهها بالقصر، قال: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]، أي كأن شرر جهنم المتطاير عنها (جمالات)
стр. 913
جمع جمل وهو الحيوان المعروف، كما قالوا رجل رجال ثم رجالات، ومن جموع جمل أيضًا جمالة، وقرئ به أيضًا، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾، شبه الشرارات بالجمالات في عظمها ولونها، ثم في كثرتها وانتشارها هنا وهناك، في المراعي وفي تتابع بعضها إثر بعض، وهي سائرة في قطارها، وهكذا الشرارات، تنبعث الشرارة إثر الشرارة، أثناء تلظي نارها.
و(الصفر) ذات اللون الأصفر المعروف، أو المراد بالصفرة هنا: السواد الضارب إلى الصفرة، فإن هذا اللون هو اللون الغالب في ألوان الإبل عند العرب، والعرب يستعملون وصف (الأصفر) فيما كان لونه كالذهب والزعفران، وفيما كان لونه أسود كالغراب والدخان، فهو من أسماء أو صفات الأضداد، حتى فسر بعضهم قوله تعالى في وصف بقرة بني إسرائيل ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ بأنها سوداء خالصة اللون، وكما جعل بعض المفسِّرين (القَصْر) في الآية بمعنى جذوع الحطب الضخم، لا البيوت المعروفة، كذلك جعل بعضهم (الجِمَالات) جمع الجمل بمعنى القلس، لا الحيوان المعروف، والقلس حبل السفينة الضخم).
وقال: إن الكتاب يشبِّه الشرر في تتابعه وتلاحقه، واتصال كل شرارة بأختها بحبال السفن الضخمة البالغة الغاية في الثخانة والطول، فشرارات نار دار العذاب في ضخامتها وتماسكها ولونها الأصفر الضارب إلى السواد -كالقلوس أي حبال السفن التي هذه صفتها، والحاصل أن الوحي الإلهي شبه شرار جهنم في كبرها ولونها بالقصور والجمال، أو بجذوع الحطب والحبال، ولا تعجب من قرن الجمال الصفر بالقصور الحمر في الذكر، ولا من الجمع بينها في التشبيه، فإنك إذا نظرت إلى قرية من قرى العرب وقصورها، أي أبياتها الصغيرة اللائطة، المحمرة والمصفرة بلون طينها أو ترابها أو حجارتها، وهي منتشرة هنا وهناك في جنبات السهل الأفيح، ويتخللها أو يسرح في كل جانب
стр. 914
من جوانبها، نياق وجمال مصفرة اللون أو مسودته، ترعى وتتناول بمشافرها أوراق الشيح والقيصوم، تارة هنا وطورًا هناك -إذا وقع نظرك على ذلك، لمحت من بعد في آن واحد أجسامًا صغيرة حمراء أو صفراء أو سوداء، تتراءى لك من خلال الكلأ والعشب الأخضر، هذه البيوت هنا وهذه الجمال هناك، في مشهد واحد، وإذ ذاك لا تعود تستبعد تشبيهه الشرارات الجهنمية، بتلك الأبيات والجمالات، ولا تستغرب قرنهما حقًّا في الذكر، بل تستحلي ذلك وتعجب به، وأمر هذه التشابيه ووقعها في النفوس، وقربها أو بعدها من الأذواق، مرجعه الألفة والاعتياد، ومقدار تأثر الحواس والمشاعر بها، وهذه منشأ خطأ الكثيرين، لا سيما الذين يجهلون أحوال العرب، وأطوار معايشها وأساليب حياتها، في حكمهم على القرآن وبلاغته ... يرونه يصفُ وصفًا، أو يطلق قولًا، أو يورد تشبيهًا أو يحكي قصة غير مألوفة لنا اليوم، ولا مما جرينا عليه في أساليب كلامنا، ولا مما اعتدنا أن نشعر به في حياتنا وأطوار اجتماعنا، ويكون السبب في قصور حكمهم مخالفة ما نحن عليه لما عند أولئك العرب المخاطبين بالقرآن الذي روعي في آياته وأساليب خطابه، ما اعتادوه وألفوه هم، كما قال ابن عباس في تشبيهه شرر الناس بالقصور: (إنه وارد على ما هو المعتاد في بلاد العرب، من جعل قصورهم قصيرة السمك، جارية في هيئتها وشكلها مجرى الخيام)، ولعل ابن عباس إنما قال هذا، بعد أن رأى قصور الشام والعراق، التي يستحلي شعراؤهم أن يشبهوها -منذ يرونها مبثوثة بين المروج- بالدرّ بين الزبرجد.
قال شاعرهم:
لاحت قراها بين خضرة مرجها. . . كالدرّ بين زبرجدٍ مكنون (١)
هذا هو الشيخ عبد القادر في أسلوبه، وهو يصدر المعاني كأنما قلمه ريشة فنان، ولكن هذا لا يُكتفى به، ليعطي صورة صحيحة عن مفسر القرآن. وإذا
стр. 915
كانت النماذج السابقة جعلتنا نقف على أسلوب الرجل وطريقته، فإن من الضروري أن نتعرف إلى آرائه وأفكاره، بصفته من أبرز رجال مدرسة لها أثرها وخطرها في تفسير القرآن الكريم.
بروز خصائص المدرسة العقلية في تفسيره:
لقد عشنا مع المغربي الأديب فلا بد أن نعيش كذلك مع المغربي العالم.
والناظر في تركة الشيخ من تراث قرآني يدرك لأول وهلة أنه كان أكثر تأثرًا بالشيخ محمد عبده، حتى من الشيخ رشيد، وبخاصة في توسيع دائرة العقل، ويتصل هذا التأثر بمدرسة الاعتزال، ومن خلال هذا التفسير سنلمح كذلك عدم عناية الشيخ بالسنّة، وتأويله كثيرًا من الآيات بالتمثيل، لتنسجم مع معطيات العلم الحديث.
أولًا: نزعته العقلية وتأثره بالاعتزال: يقص علينا الشيخ في مقدمته، أن اللجنة التي شكلتها مشيخة الأزهر لدراسة تفسيره قبل أن يطبع، كان من ملاحظاتها أنها وجدت عدة نقاط قررها بما يتفق مع مذهب المعتزلة، وقد اضطر إلى حذفها من تفسيره إلا أن آثار الاعتزال بقيت فيه وقد ظهر بعضها في النماذج السابقة.
أ- فهو عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] يبين مذهب أهل السنّة، ومذهب المعتزلة في رؤية الله، ثم يقول بعد ذلك: (ويا ليت المسلمين أضربوا في صدرهم الأول، عن الاختلاف في أمثال هذه المسألة، مما كان الخلاف فيه لفظيًا أو فلسفيًا، أو لا تكون له نتيجة عملية، أو لا ينقض أصلًا من أصول الدين) وكان الأحرى بالشيخ أن يسير مع أهل السنّة لا على سبيل التعصب، ولكن لأن الآثار ترجح ما ذهبوا إليه، وأن ينحي باللائمة على المعتزلة، لأنهم هم الذين أثاروا مثل هذا الخلاف، ولم يظهر هذا الخلاف في الصدر الأول كما يدّعي.
ب- وإذا كان الشيخ قد تأثر بالمعتزلة بعامة، فإنه كشيخه الإمام تأثر بأبي مسلم